← Тараджим

Тараджим · id 1045

الطالع السعيد الجامع أسماء نجباء الصعيد

كمال الدين الأدفوي

Полный текст (789 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

بابن الأزرق، مولده سنة ستّ وثلاثين وخمسمائة ظنّا، وتوفّى فى جمادى الأولى سنة ثنتين وتسعين وخمسمائة، ذكره المنذرىّ. (٤٤٨ - محمد بن عبد الوهاب، ابن السّديد الأسنائىّ (¬*)) محمد بن عبد الوهاب بن علىّ ابن السّديد الأسنائىّ القاضى، جمال الدّين، نشأ فى رياسة وسيادة، ونفاسة وسعادة، وحشم وخدم، وآباء لهم فى الجاه والوجاهة رسوخ قدم، ومع ذلك لم يمنعه ما ذكر من الاشتغال بالعلوم الشرعيّة الشريفة، ولا قطعه عن بلوغ رتبتها المنيفة، فاشتغل بالفقه على الشّيخ الإمام بهاء الدّين [هبة الله] القفطىّ، حتّى أجازه بالفتوى والتّدريس، على مذهب الإمام محمد بن إدريس، ثمّ توجّه إلى القاهرة، وهى إذ ذاك بالعلماء عامرة، فسمع من الشّيخ الإمام الحافظ أبى الفتح محمد القشيرىّ، والشّيخ الحافظ عبد المؤمن بن خلف الدّمياطىّ، وشيخنا قاضى القضاة بدر الدّين محمد ابن جماعة، وقرأ على شيخنا [العلّامة] أثير الدّين أبى حيّان فى النّحو «الفصول (١)»، وعلى شيخنا العلّامة شمس الدّين محمد بن يوسف الخطيب الجزرىّ الأصول وأجازه بالفتوى، وكذلك أجازه الشّيخ فخر الدّين عثمان ابن بنت/ أبى سعد، وجدّ فى بلوغ المآرب، واجتهد فى حصول المناصب، وهو لا يصفو له الدّهر من حاسد، ولا يخلو له الوقت من معاند، فابتدأ فى السّعى فى التّعديل، إذ هو أولى المراتب الموجبة للتعظيم والتّبجيل، فانتدب له الفقيهان العدلان، صدر الدّين حاتم، وشرف الدّين ابن العلم الأسنائيّان، وقالا: ليس [هو] من هذا القبيل، وقصدا أن يردّاه عن هذا المراد، ويأبى الله إلّا ما أراد، ثمّ جلس بقوص وبالقاهرة وتولّى العقود، وتزوّج ببنت بنت

стр. 562

القاضى مجد الدّين ابن الخشاب واستعان بجاهه، فاستنابه بعد وفاة ابن عمّه محمد بن أحمد ابن السّديد، وتولّى الحكم بقمولا وقنا وقفط وأسفون، ثمّ ولى النّيابة بمدينة قوص، وكان فيها غير مذموم، ولا هو فى فعله ملوم، فما قنع ولا رضى بما معه، بل طلب علوّ المنزلة، وحقّ على الله ألّا يرفع شيئا إلّا وضعه. ولمّا ولى القضاء بالدّيار المصرية قاضى القضاة جلال الدّين محمد القزوينىّ، طلب ابن السّديد رفده، فسعى عنده، فاتّفق أن قسم العمل بينه وبين شهاب الدّين أحمد بن عبد الرّحيم بن حرمى القمولىّ، فتولّى جمال الدّين قوص والبرّ الشّرقىّ، وذاك فى البرّ الغربىّ، وتزوّج بنت ابن حرمى ليبقى الائتلاف، وينتفى الخلاف، فما نفع الوفاق، ولا وقع [بينهما] اتّفاق، وقامت الحرب بينهما على ساق، وصار كلّ منهما يعمل على صاحبه، ويقصد ضمّ جانبه إلى جانبه، وأقبل ابن السّديد على المتجر بجملته، وما عدل من اتّجر فى رعيّته، فنسبو إليه [فيه] فضائح، وذكروا عنه قبائح، وشدّدوا عليه فى التّشنيع، وندّدوا بسوء ذلك الصّنيع، واستمال ابن حرمى والى العمل بالهدايا، وبكثرة العطايا، وكان الوالى يقنع من ابن السّديد بالنّزر اليسير، والشئ (١) الحقير، فضنّ بفلسه، ومن يبخل فإنّما يبخل على نفسه، وإذا أراد الله أمرا هيّأ له أسبابا، وفتح لنفاده أبوابا، واتّفق أن وقع غلاء فى الصّعيد (٢) فى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وكان عند جمال الدّين من الغلال زيادة على ألفى إردب وخمسمائة إردب، فأرسل الوالى إليه ليبيع بالسّعر المعروف، وأن يجرى على الأمر المألوف، وأراد القاضى التأخير، حتّى ينتهى التّسعير، فحمل الوالى [إلى] أن كتب إلى الدّيوان فى أمره، وأطنب فى ذكره، فبرز المرسوم السّلطانىّ/ بالحوطة عليه، وإحضاره إليه، فظنّ ابن حرمى أنّ سعيه مفيد، ويأبى الله إلّا ما يريد: وقل للحواسد لا تشمتوا … فما عيشكم بعده بالحميد

стр. 563

واتّفق لشهاب الدّين (١) أنّ زوجة ابن عمّه نجم الدّين (٢) القمولىّ وقعت فيه، وقالت إنّه سقى ابنتها (٣) سمّا، وقتلها ظلما، فطلب الآخر فحضر، وجرى من أمره ما جرى به القدر، وضرب مرّة بعد مرّة، وأخذ جميع ما جمعه فصار بين يديه حسرة، وصرفا عن العمل، بما قدّما من العمل، وأعقبتهما الأيّام، جملة من الآلام، وزال عنهما اسم الحكّام، وانقضت تلك الأحكام [كما قيل]: ثمّ انقضت تلك السنون وأهلها … فكأنّها وكأنّهم أحلام ثمّ تولّى بعد سنتين وشهرين ابن السّديد النّيابة، خارج باب النّصر بالقاهرة، مدّة لطيفة، وجلس بها جلسة خفيفة، والدّهر إذا أدبر يبس عوده، وبعد عوده. ثمّ تولّى قاضى القضاة عزّ الدّين عبد العزيز، ابن قاضى القضاة بدر الدّين محمد ابن جماعة، فلم يولّه أمرا، ولا رفع له قدرا، وذهب مع من ذهب، ولا وجد من ينجده بالذّهب، وما نفعه ما أهدى وما وهب، ومضى وفى قلبه من القضاء نار ذات لهب، وما كلّ وقت ينفع فيه بذل المال، ولا كلّ حال ينصلح فيه الحال، والولايات لها أجل، والأمور بيد الله : والنّاس فيه تباينوا وتخالفوا … مثن عليه ومن يذمّ وساكت وحنا عليه شامت ممّا به … يا ويح من يحنو عليه الشّامت ولد بأسنا فى سنة ثمان وسبعين وستّمائة، فيما أخبرنى به بعض أقاربه.

стр. 564

(٤٤٩ - محمد بن عبد الوهاب ابن أبى حاتم الأسوانىّ (¬*)) محمد بن عبد الوهّاب ابن أبى حاتم، أبو عبد الله الأسوانىّ، ذكره أبو المجد إسماعيل بن هبة الله بن باطيش (١) وقال: حدّث عن محمد بن المتوكل ابن أبى السّرى، روى عنه أبو عوانة الأسفرايينىّ. (٤٥٠ - محمد بن عبد الوهاب بن عبد الرّحمن الأسنائىّ) محمد بن عبد الوهّاب بن عبد الرّحمن بن عبد الوهّاب، الكديانىّ المحتد، الأسنائىّ المولد، ينعت بالعلم، ويعرف بابن أمين الحكم صاحبنا، كان فقيها كريما، خيّرا عاقلا، تولّى الحكم بشوص. وتوفّى سنة أربع وعشرين وسبعمائة شابّا، و «كدية» من عمل الأشمونين. (٤٥١ - محمد بن عثمان، السّراج الدّندرىّ (¬**)) محمد بن عثمان بن عبد الله أبو بكر، ينعت بالسّراج الدّندرىّ، المقرى المحدّث الفقيه الشافعىّ الصالح القاضى، قرأ القراءات على الشّيخ نجم الدّين عبد السلام (٢)

стр. 565

ابن حفاظ صهره، وتصدّر/ للإقراء بالمدرسة السابقيّة بمدينة قوص سنين كثيرة، انتفع به جمع كبير، قرئ عليه السّبع، وكان متقنا ثقة، وسمع الحديث على جماعة منهم الحافظ ابن الكومى (١)، والحافظ أبو الفتح محمد بن علىّ القشيرىّ، ومحمد ابن أبى بكر النّصيبينىّ (٢) وعبد النّصير بن عامر بن مصلح السكندرىّ وغيرهم. [وحدّث بقوص، سمعت منه جزء ابن الكومىّ، سمعه على ابن الكومىّ بقراءة الحافظ أبى الفتح القشيرىّ]، واشتغل بالفقه على الشّيخ الإمام جلال الدّين أحمد الدّشناوىّ، والشّيخ سراج الدّين موسى (٣) بن علىّ بن وهب القشيرىّ، ودرّس وناب فى الحكم بقفط وقنا وقوص، واستمرّ فى النّيابة بقوص وبقفط إلى حين وفاته. وكان محمود الطّريقة، جميل السّيرة، ملازما للتّلاوة والإقراء، متعبّدا، تعتقد بركته، ويتبرّك به. وكان يستحضر متونا كثيرة من الحديث و [يستحضر] جملة من أقوال المفسّرين، وإعراب القرآن الكريم، من إعراب الحوفىّ (٤) وابن عطيّة، و «البسيط (٥)» للواحدىّ، وينقل جملة من الفقه، لا سيّما من كتاب «البيان (٦)» للعمرانىّ. سمعته يقول: فكّرت ليلة فى أعمالى وأفعالى، فبتّ متألما، فرأيت فى المنام

стр. 566

شخصا كان معه كتاب البخارىّ، وقرأ لى منه عن أبى سعيد الخدرىّ رضى الله عنه- أظنّه قال عن النبىّ ﷺ : «إنّ الله يدخل الجنّة أقواما لم يسبق لهم عمل قطّ»، فانتبهت مسرورا. وكان فى آخر عمره قد اختلط فى بعض الأحيان، وفى بعضها يكون صحيح الذّهن حاضر الفهم، حكى لى [عنه] صاحبنا العدل ناصر الدّين محمد بن عبد القوىّ ابن الثّقة الأسنائىّ، نزيل قفط، قال: جاءنا إلى قفط فدخلت عليه فقال: يا ناصر الدّين أنا جئت هنا لأىّ شئ؟ فقلت: جئت حاكما على العادة، قال: لا، ما أظنّ أنّى جئت إلّا فى قضيّة مخصوصة، قلت سيّدنا الآن حاكم [البلد] … قال: وطلبنى مرّة أخرى وقال: يا ناصر الدّين كنت أعطيتك فضّة، تشترى لنا بها غلّة، قلت: لا والله يا سيّدنا، لعلّ [أن] يكون الخطيب، فأرسل خلف الخطيب وسأله، وصار يسأل واحدا واحدا، ثمّ اجتمعت أنا به بعد هذه الحكاية مرّات، ورأيته منتظم الكلام، حاضر الذّهن، وفى بعض الأوقات يحصل منه شئ. توفّى ﵀ [تعالى] بمدينة قوص فى ربيع الأوّل سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، وسمعته يقول: إنّ مولده سنة خمسين وستّمائة، أو إحدى، الشكّ منّى. واتّفق أنّ قاضى قوص جمال الدّين [محمد (١) بن عبد الوهاب ابن السّديد الأسنائىّ/ صلّى عليه، ثمّ قيل له: إنّه يدفن برباط ابن يعلى، فركب وسبق إلى المكان، وتجاه المكان تربة أخرى، بناها صاحبنا العدل ناصر الدّين محمود ابن العماد، وهو ممّن قرأ القرآن على الشّيخ سراج الدّين (٢) ويعتقد بركته، وجعل فى

стр. 567

تلك التّربة مكانا يصلّى فيه ويقرأ فيه الحديث، وهو مكان جيّد، فلمّا وصل نعشه، اشتهى أن يدفن الشّيخ عنده، فدفن عنده، فعزّ على القاضى كونه دفن هناك، وهو مقيم بالمكان الآخر ينتظره، وقام وتوجّه إلى مدرسته، فلمّا توجّه ابنه (١) إليه- وكان يصحبه- بلغنى أنّه أغلق الباب فى وجهه وانزعج عليه، وقال: لا ترجع ترينى وجهك، فتوجّه من عنده، وجرى كلام كثير، واقتضى الحال أنّ بعد مضىّ جزء من الليل، أخرجوه (٢) من القبر، وجعلوه فى المكان الذى قصده القاضى، ثمّ إنّ ابنه توجّه إلى القاضى، وانصلح حاله معه. وأخبرنى بهذه الحكاية جماعة من أصحابنا الثّقات، واشتهرت بقوص حتّى بلغت مبلغ التّواتر [رحمه الله تعالى]. (٤٥٢ - محمد بن عثمان، شرف الدّين الدّندرىّ) محمد بن عثمان، المنعوت شرف الدّين، الدّندرىّ، أخو سراج الدّين المذكور قبله، كان من القرّاء الفقهاء الصلحاء، قرأ القراءات على شيخ أخيه ابن (٣) حفاظ المذكور، وسمع الحديث من الشّيخ الحافظ تقىّ الدّين أبى الفتح محمد القشيرىّ وغيره، واستوطن قنا ودرّس بها، وناب فى الحكم عن قاضيها، وقرأ النّاس عليه القراءات، وكان متعبّدا متديّنا، صدوقا متقنا، ملازما للاشتغال إلى أن توفّى بقنا. وكانت وفاته يوم السبت لسبع خلون من جمادى الآخرة سنة ثمان عشرة وسبعمائة. وولد بدندرا، وهى بلدة قديمة جاهلية فى الجانب الغربىّ، فى مقابلة قنا، خرج منها جماعة من الفضلاء والفقهاء، وقد تقدّم (٤) ذكرها.

стр. 568

(٤٥٣ - محمد بن عثمان، جلال الدّين القشيرىّ (¬*)) محمد بن عثمان [بن محمد] بن علىّ بن وهب بن مطيع القشيرىّ، جلال الدّين ابن علم (١) الدّين ابن الشّيخ تقىّ (٢) الدّين، سمع الحديث من جدّه، ومن الحافظ عبد المؤمن بن خلف الدّمياطىّ، ومن الشّيخ الفقيه المقرى تقىّ الدّين محمد بن أحمد بن عبد الخالق الشهير بالصّائغ، ومن أحمد بن إسحاق الأبرقوهىّ (٣) وغيرهم، واشتغل بالمذهبين مذهب الشافعىّ ومالك، وقرأ مختصر «المحصول (٤)» لجدّ والده الشّيخ مجد الدّين (٥)، وكان يذكر بخير وينسب إلى تديّن، صحبته أياما كثيرة فى الحضر والسّفر، فلم أر منه إلّا خيرا، وكان شيخنا قاضى القضاة/ بدر الدّين محمد ابن جماعة، يؤثره ويبرّه رأيته مرّة جاء إليه يودّعه، وكان مسافرا إلى قوص، فأعطاه فضّة وذهبا من ماله، وكتب له بتدريس دار الحديث بقوص، فأقام بها مدّة يدرّس بالمدرسة النّجيبيّة (٦). وتوفّى بالقاهرة سنة ستّ أو سبع وعشرين وسبعمائة. (٤٥٤ - محمد بن عتيق الأسوانىّ (¬**)) محمد بن عتيق بن بكر الأسوانىّ، ذكره أبو إسحاق الحبّال (٧) وقال عنده:

стр. 569

«عن هشام (١) ابن أبى خليفة وطبقته». توفّى سنة سبع عشرة وأربعمائة، وروى عن أبى إسحاق [إبراهيم] بن علىّ بن محمد التمّار حكاية، رواها عن الأسوانىّ أبى إبراهيم إسماعيل بن على الحسنىّ، فيما ذكره عبد الكريم الحلبىّ (٢). وذكره المنذرىّ (٣) فى تاريخ مصر، فيما نقلته من خطّ المقشرانىّ أيضا. (٤٥٥ - محمد بن علىّ بن إبراهيم الدّندرىّ) محمد بن علىّ بن إبراهيم الدّندرىّ، ينعت بالجمال، سمع من الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ سنة تسع وخمسين وستّمائة. (٤٥٦ - محمد بن علىّ ابن أبى بكر القنائىّ) محمد بن علىّ ابن أبى بكر بن شافع القنائىّ، ينعت بالفتح، سمع الحديث من الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ بقوص فى سنة ستّين وستّمائة. (٤٥٧ - محمد بن علىّ بن أحمد الأدفوىّ (¬*)) محمد بن علىّ بن أحمد بن محمد، أبو بكر الأدفوىّ، العالم الزّاهد، المقرئ المفسّر

стр. 570

النّحوىّ، ذكره الدّانىّ (١) فى «طبقات (٢) القرّاء» وقال: «أخذ القراءة عرضا عن أبى غانم (٣) المظفّر بن أحمد بن حمدان وعليه اعتماده، وسمع الحروف من أحمد بن إبراهيم بن جامع، ومن سعيد بن السّكن، سمع منه كتاب «السبعة» لابن مجاهد، وسمع من العبّاس بن أحمد، ومن غيرهم، وانفرد بالإمامة فى دهره فى قراءة نافع، رواية ابن سعيد ورش، مع سعة علمه وبراعته، وصدق لهجته، وتمكّنه من علم العربيّة وبصره بالمعانى» انتهى. وقد أخذ أبو بكر النّحو عن أبى جعفر النحّاس وروى عنه، وعن العبّاس ابن أحمد المصرىّ، وأبى العبّاس أحمد بن إبراهيم. وروى عنه أحمد بن سهل الأنصارىّ الطّليطلىّ أبو جعفر، يعرف بابن الحدّاد، وأحمد بن محمد بن محمد بن عبيدة الأموىّ، وروى عنه القراءة جماعة منهم محمد (٤) ابن الحسين بن النّعمان، والحسن بن سليمان (٥) شيخ الدّانىّ، ذكر ذلك الدّانىّ أيضا، وقال:

стр. 571

أخذت عن عثمان بن سعيد بن حسّان المقرى، قال: سأل رجل أبا بكر عن مسئلة فى القرآن، فى إعرابها ومعناها، فأجابه بوجه فسرّه، ثمّ قال: أتحبّ وجها آخر؟ فقال نعم، فأجابه بوجه فسرّه ثمّ قال: أتحبّ وجها آخر؟ فقال: نعم، فأجابه حتّى ذكر له عشرة أوجه، فقام الرجل فقبّل رأسه، وأنشده شعرا. وذكره أبو يعقوب إسحاق (١) القرّاب وقال: كتبت عنه بمصر، وذكره الصّاحب أبو الحسن القفطىّ (٢) فى كتاب «النّحاة (٣)» وقال (٤): كان خشّابا بمصر، وله/ تصانيف فى التّفسير والقراءة، واللغة والنّحو، وغير ذلك. وقد وقفت أنا على كتابه المسمّى بالاستغناء (٥) فى التّفسير فى مجلّدات كثيرة، رأيت منه من نسخة عشرين مجلدا، ويقال إنّه فى مائة أو ما يقاربها، ووقفت له أيضا على مجلّدة كبيرة فى النّحو، وأخذ عنه النّحو الحوفىّ (٦) المفسّر. وكان أبو بكر من العلماء الصالحين، ممّن يعتقد بركته، ويزار قبره، ويقال إنّ الدّعاء عنده مستجاب، رأيت شيخنا تقىّ الدّين محمد (٧) بن أحمد المقرى الشهير

стр. 572

بالصّائغ مرّة، وعنده ألم وفكرة، ثمّ إنّه ركب دابّة وتوجّه، ثمّ اجتمعت به بعد فى بقيّة النّهار، فرأيته منشرحا وقال لى: ركبت الدّابة، وقصدت القرافة للزّيارة والدّعاء، وتركت الدّابة تمشى ولا أتعرّض لها، وقلت: فى أىّ موضع وقفت الدّابة دعوت، فلم تزل ماشية إلى قبر أبى بكر الأدفوىّ فوقفت، فدعوت ورجعت، وحصل عندى سرور، ثمّ اجتمعت به بعد ذلك بيوم وقال: [لى] قضيت الحاجة. اختلف فى مولد أبى بكر فقيل: فى سنة ثلاث وثلاثمائة، وقيل: خمس، وقيل: سنة أربع فى صفر، قال أبو محمد عبد الله بن علىّ الدّمياطىّ: وهذا أصحّ. وتوفّى بمصر يوم الخميس لسبع بقين من شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، وله ابن يسمّى عبد الرّحمن، يروى الحديث، ذكره ياقوت وقد تقدّم (١). و «أدفو (٢)» بدال مهملة لا يعرف غير هذا، تلقّيته من أهلها قاطبة، ورأيته كذا فى مكاتيبهم الحديثة والقديمة جدّا والمتوسّطة، لا يختلفون فى ذلك، ونقل الرّشاطىّ (٣) عن اليعقوبىّ (٤) أنّها بالتاء المنقوطة نقطتين من فوق، وبعضهم قال بالذّال المعجمة، وكلّ ذلك عندى لا يعتدّ به لما وصفت لك، وأهل البلاد أعرف ببلادهم من البعيد الدّار، والموجود فى الكتب فى النسبة إليها: «أدفوىّ»، وقال الوخشىّ (٥): أهل الحديث

стр. 573

ينسبون إليها «أدفوىّ» والقياس «أدفيى». وما ذكره من القياس صحيح، وقال الرّشاطىّ: فيما قاله نظر. وسألت شيخنا العلّامة أثير الدّين أبا حيّان محمد بن يوسف الغرناطىّ أبقاه الله، عن نظر الرّشاطىّ، فصوّب ما قاله الوخشىّ، والله أعلم. (٤٥٨ - محمد بن علىّ بن الحسن القوصىّ) محمد بن علىّ بن الحسن بن محمد بن عبد الظّاهر القوصىّ، عماد الدّين، الفقيه الشافعىّ المقرى، قرأ السّبعة، وقراءة يعقوب، على الشّيخ المقرى أبى الفتح عثمان (١) بن محاسن ابن يحيى، المتصدّر بجامع قوص، واستنابه فى/ التصدّر عنه بالجامع، وقفت فيها على مكتوب استنابته بخطّ شيخه، مؤرّخ بمستهلّ رجب سنة إحدى وأربعين وستّمائة. وسمع الحديث من الشّيخ بهاء الدّين ابن بنت الجميزيّ (٢) بقوص سنة خمس وأربعين وستّمائة، وأخذ الفقه عن الشّيخ مجد الدّين [علىّ] القشيرىّ (٣)، وأجازه بالتّدريس، [و] وقفت على إجازته بخطّ الشّيخ مجد الدّين، وقال عنه: «الفقيه العالم عماد الدّين محمد: بدأ بالقرآن العظيم، فأحكم القراءات السّبع، ثمّ ثنّى بالاشتغال بمذهب [الإمام] الشافعىّ درسا وتكرارا، فختم علىّ «المهذّب (٤) أو أكثره، ثمّ اشتغل علىّ بعلم التّفسير، تفسير القرآن العظيم، واحتوى منه على حظّ جسيم،

стр. 574

ثمّ أقبل على قراءة علم الرّقائق، بصوت شجّ وقلب صادق، فى مسجد الجامع ومشهد الجوامع، وصحبنى مدّة مديدة، وسنين عديدة، تزيد على العشرة». ثمّ كتب إذنه له بالتّدريس وختمه بخطّه، وفيها شهادة الشّيخين الفقيهين العالمين بهاء الدّين هبة (١) الله القفطىّ، وجلال الدّين أحمد (٢) الدّشناوىّ، شهدا على شيخهما وأثنى كلّ منهما على المجاز المذكور، وأرّخ الشّيخ بهاء الدّين فى رسم شهادته بالنّصف من شعبان سنة خمسين (٣) وستّمائة. (٤٥٩ - محمد بن علىّ بن الغمر الأسنائىّ) محمد بن علىّ بن الغمر، ذكره ابن عرّام (٤) وقال: ممّن وفد على كنز الدّولة ومدحه، وأظنّه من قوص أو أسنا، وأنشد له [من شعره] قصيدة، مدح بها كنز الدّولة، أوّلها: أراعك فى جنح من اللّيل طارق … كما سلّ من غمد السّحابة بارق ومنها: وكالنّيل هذا الودق يروى أباطحا … ويحرم أدنى الرّىّ منه الشّواهق ومنها: ستبقى على الأيّام منّى مآثر … غرائب تفنى دونهنّ المهارق (٥) إذا جال فرسان العلوم فإنّنى … بأيسر تقريب هناك أسابق وسائلة بهرام كيف لقاؤه … وفى الوجه منه مخبر عنه صادق

стр. 575

رآك وقد طارت شعاعا قلوبهم … فطارت بهم تلك العتاق السّوابق فيا من حوى عصر الشّبيبة أشيبا … وحاز وقار الشّيب وهو مراهق وكان فى المائة السادسة، ورأيت على حاشية مختصر «الجنان» للحافظ الرّشيد ابن الحافظ الزّكىّ (١) أنّه توفّى سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وذكره ابن الزّبير (٢) أيضا فى «الجنان (٣)» وقال: الأسنائىّ. (٤٦٠ - محمد بن علىّ بن عبد الوهاب الأدفوىّ (¬*)) محمد بن علىّ بن عبد الوهاب بن يوسف بن منجّا الأدفوىّ، ينعت بدر الدّين، اشتغل بالفقه على مذهب الشافعىّ، وقرأ أرجوزة فى الفرائض، ومقدّمة فى النّحو، وسمع الحديث بالقاهرة من جماعة، من جملتهم/ ابن قريش. وهو من جملة الأذكياء، جمع بين كثرة الحفظ وقوّة الفهم، يحفظ الأبيات الكثيرة من سماع، ويفهم الصعب الذي لا تكاد تستقلّ به الطّباع، مع كثرة اتّضاع، ولطف وانطباع، وإغاثة الملهوف، وإسداء جميل واصطناع معروف، وبذل الجهد فى منافع أحبابه وأقاربه، وإفراغ الجهد فى حوائج أصحابه، والقيام بمصالح من يرد عليه، وإيصال ما تصل قدرته إليه، واشتغل بالتصوّف ولبس من أهل الطّريق، وسلك فيه السّلوك الذى به يليق، وما خرج عن الطّريق الشّرعىّ، والأمر بالمعروف المرعىّ، وبنى بأدفو رباطا حسنا، ووقف عليه وقفا مستحسنا، وهو رئيس ذلك البلد، والذى عليه فيه المعتمد، وهو مع ذلك ناظم ناثر، وله من الأدب الحظّ الوافر، وبينى وبينه قرابة، وصداقة وصحابة، وهو يكتب خطّا جيّدا، وله يد فى الحساب والوراقة.

стр. 576

أنشدنى لنفسه: صبّ أضرّ به طويل جفاك … لا يشتفى إلّا بطيب لقاك يا شمس حسن فى الورى وضّاحة … مهلا فقلب المستهام سماك وترفّقى يا ظبية الوادى به … ودعى النّفار ففى الحشى مرعاك فلقد حللت من الفؤاد بمنزل … ما حلّ فيه من الأنام سواك فردى المتيّم ماء وصلك إنّه … أضحى على ظمأ لرشف لماك واقضى بما شئتيه فى شرع الهوى … غير القلا فالحسن قد ولّاك وعدى الكئيب ولو بطيف فى الكرى … فلعلّه عند الهجوع يراك فهو الذى يرضى لعزّك ذلّه … ويودّ أنّ جفونه ممشاك وكفاه فخرا فى البرّية أنّه … من شيعة عرفوا بصدق ولاك وأنشدنى أيضا لنفسه: لئن حكموا فى مذهب الحبّ بالقتل … فإنّهم من قتلة الصبّ فى حلّ وإن رحموا مضناهم وتعطّفوا … عليه فهم أهل لعارفة الوصل عريب أقاموا بين أحناء أضلعى … بنيت لهم صفو الوداد على أصل أبى ناظرى يرنو لغير جمالهم … وقد صمّ سمعى فى هواهم عن العذل / فإن أنكر العذّال حالى فإنّ لى … شهودا (١) على دعوى هواى ذوى عدل دموع وتسهيد ومبيضّ ناظرى … وحزن به قام الدّليل على ذلّى وعندى كتاب بالغرام معنون … وسقمى مشروح لدى الجار والأهل صحيفته خدّى وطرفى كاتب … ودمعى مداد والفؤاد الذى يملى فمن رام يهوى يهجر الأهل والكرى … ويسعى مجدّا فالهوى ليس بالسّهل

стр. 577

وأنشدنى [أيضا] لنفسه: متى غنّت على دوح بلابل … تبلبلنى بأشواقى بلابل ويسلبنى الكرى والصبر عطف … وألحاظ لها فتكات بابل وأهيف كالقضيب له اعتدال … ولكن عن وصال الصبّ مائل عجبت لنرجس الألحاظ غضّا … ويشرب ماء قلبى وهو ذابل شقيت من الصّبابة فى سعيد … وذقت المرّ من حلو الشّمائل فيا مثرى الجمال إليك فقرى … تصدّق باللقا فالدّمع سائل نصبت جفاك بالإغراء جزما … بأفعال بنت رفع التّواصل بديوان الغرام هواك وال … وخدّك مشرف والقدّ عامل وقلبى دفتر والدّمع يجرى … على مصروفه والوجد حاصل وأنشدنى لنفسه أيضا: يشكو لهيبا قد أضرّ بذاته … صبّ وفاء العهد من عاداته كتم الهوى فوشت عليه مدامع … تبدى خفاء غرامه لعداته يهوى رشا حارت عقول أولى النّهى … لمّا تبدّى فى بديع صفاته قامت نبوّة حسنه بدلائل … دلّت على مكنون سرّ سماته بعث النّواظر خفية توحى الهوى … لمّا أقام اللحظ فى فتراته فلذا أجاب إلى دواعى حبّه … قلبى ولبّى من جميع جهاته وأطاع فيه العاذلين كما عصى ال … عذّال من لوّامه ووشاته وأقام عذرا فى الهوى بعذار من … يبدو جنىّ الورد من وجناته وتغار أغصان النّقا من قدّه … ويفوق بدر التّمّ فى هالاته / يهواه لا يهوى سواه وحقّه … ويودّ منه نظرة بحياته

стр. 578

وأنشدنى أيضا لنفسه: حادييها (١) خلّياها وسراها … للحمى إن شئتما أن تسعداها مهجة قد شفّها الوجد وما … داؤها فى حبّها إلّا دواها ما سلت عن حبّ جيران الغضا … فسلاها عن كلاها ما سلاها صوت قمريها وعرف الشّيح قد … بلغا من جهدها أقصى مداها غادراها وهى كالشّنّ (٢) هوى … أترى من شدوها أو من شذاها كلّما غنّت حمام بلبلت … من بلاها ما غدا منه بلاها وإذا ما نسمة نجديّة … هبّ منها نشرها طاب سراها تتمنّى لو سرت فى طيّها … نحوهم لو أنّها تعطى مناها يا أهيل المنحنى (٣) لى مهجة … عزّها الوجد وقد عزّ عزاها شاقها ذكر المصلّى (٤) والنّقا (٥) … فصبت وجدا لنجد ورباها تشتهى نجدا وتهوى تربها … فهى لا تصبو إلى مغنى سواها لا ترم مصرا ولا روضتها … لا ولا من مشتهاها مشتهاها لا ولا جلّق (٦) فى أنهارها … وجنى جنّاتها ليس مناها إنّما تصبو لنجد المنحنى … ولها شوق إلى وادى قباها

стр. 579

حرّم النوم على مقلتها … فرط وجد فهو يسهو لسهاها فارحموا صبّا بكم ما فنيت … نفسه عن حبّكم إلّا قلاها وعدوه بوصال علّه … أن يمنّى النّفس يوما برجاها فلقد أوداه عنكم بعده … ونفى عن عينه طيب كراها [ومنها]: ولئن جرتم عليه فى الهوى … وعدلتم نحو عذّال عداها فهو يرجو العفو يوم العرض عم … م ما جناه بولاء آل طه وهى طويلة. وكتب لى من قصيدة، مدح بها قاضى القضاة جلال الدّين محمد بن عبد الرّحمن القزوينىّ، أوّلها: كم تشتكى المهجات ضيق مجالها … وترقّ بالشّكوى لرقّة حالها / وتبوح بالألم الذى أودت به ال … أيّام إذ أبكت برشق نبالها ضاقت من الأرض الفضاء عن امرئ … يحتاج فى الدّنيا لردّ سؤالها يا نفس صبرا للمكاره إنّها … لا بدّ أن يقضى لها بزوالها لا تجزعى لملمّة فلعلّها … فيها أمان النّفس من أوجالها إن نابنى خطب فنفسى حرّة … سأعزّها وأبلّها ببلالها إن لم أنصّ (١) ركائبى وأحثّها … سعيا إلى قاضى القضاة جلالها وهى طويلة. وأنشدنى أيضا لنفسه قصيدة، أوّلها: فؤاد لبعد الظّاعنين تمزّقا … وجفن جفاه نومه فتأرّقا وإنّى على بعد الدّيار وقربها … لأحفظ للأحباب عهدا وموثقا

стр. 580

ألا ليت شعرى هل إلى الوصل عودة … وهل بعد هذا البعد يوما ملتقى أأحبابنا عهد الوداد مجدّد … وأمّا سلوى يوم بنتم فأخلقا سلوى محال عنكم وتصبّرى … وحبّى لكم ما زال أمرا محقّقا يمثّلكم بالفكر سرّى لناظرى … فأذهل حتّى أحسب البين ملتقى وكم بتّ والعين القريحة فيكم … أبى الدّمع منها أن يكون له رقا وها مهجتى ذابت وقلبى تقطّعت … نياط قواه حسرة وتشوّقا أيا سائق الأظعان إن جزت بالحمى … فعرّج على جيراننا بربى النّقا وإن سألوا عنّى فقف متفضّلا … وقل قد قضى وجدا بكم لكم البقا وأنشد [نى] لنفسه، وقد أهدى له شخص بطيخة، فنظم هذين البيتين: أهدى لنا من نحبّه كرما … بطيخة جلّ قدر باريها كأنّ من سكّر حلاوتها … أو عسل أو رضاب مهديها وله فى شخص يسمّى «ابن نهار»، وأنشدنى ذلك: بدر تمّ تخال فى وجنتيه … من حياء ماء محيطا بنار بعذار كالآس حول رياض … نمقّت بالشّقيق والجلّنار مذ رآه الأنام ظنّوه شمسا … حين وافى ضحى بغير استتار فتأمّلته وقلت لصحبى … هو بدر لكنّه ابن نهار / وله قدرة على الارتجال، ورد عليه شخص مغربىّ، كنيته أبو العبّاس، وكان لطيفا ظريفا، حسن الأخلاق وفيه فضيلة، فحصل له يوما حال، فقال: قد هبّ من ذاك الحمى نسيمه. فقال بدر الدّين: رنّحها بوجدها قدومه. فقال أبو العبّاس: فخلّها ترفل فى أذيالها.

стр. 581

فقال بدر الدّين: لعلّها تحظى بما ترومه. فقال أبو العبّاس: ما قصدها شعب النّقا والمنحنى. فقال بدر الدّين: ولا صبا نجد ولا شميمه. فقال أبو العبّاس: إلّا الذى لاح لها وجوده. فقال بدر الدّين: فأصبحت وقلبها كليمه. لبس بدر الدّين صاحبنا خرقة التصوّف من الشّيخ جلال الدّين ابن الشّيخ علم الدّين أبى الطّاهر إسماعيل (١) المنفلوطىّ. وهو الآن بأدفو معتمد أهلها، وإليه منتهى عقدها وحلّها، ومولده فى سنة ثلاث وسبعين وستّمائة، فى شهر المحرّم. (٤٦١ - محمد بن علىّ بن عبد الله الأسنائىّ) محمد بن علىّ بن عبد الله الأسنائىّ، ذكره صاحب (٢) «الأرج الشّائق» فى شعراء أسنا، فى جملة من مدح ابن حسّان (٣)، وأنشد له قصيدة أوّلها: أضاءت بك الأيام يا واحد العصر … لأنّك بين النّاس كالكوكب الدرّى (٤٦٢ - محمد بن علىّ بن الغمر، أنجب الدّين الهاشمىّ (¬*)) محمد بن علىّ بن الغمر، المنعوت أنجب الدّين الهاشمىّ، أبو الغمر الأسنائىّ، كذا

стр. 582

رأيته فى «الخريدة» وقال الشّيخ عبد الكريم (١): الأسوانىّ، وأظنّه وهما، وذكره ابن سعيد أيضا فى أسنا. قال العماد فى «الخريدة» (٢): كان أشعر أهل زمانه، وأفضل أقرانه، ذكره لى بعض الكتبيين من أهل مصر، وأنشدنى من شعره قوله (٣): ألحاظكم (٤) تجرحنا فى الحشا … ولحظنا يجرحكم فى الخدود جرح بجرح فاحسبوا ذا بذا … فما الذى أوجب جرح الصّدود قال: وذكره ابن الزّبير (٥) فى «الجنان» (٦)، وذكر من شعره قوله (٧): طرقتنى تلوم لمّا رأت فى … طلب الرّزق بالتذلّل زهدى هبك أنّى أرضى لنفسى بالكد … ية يا هذه فممّن أكدّى وقوله فى الخمر: عذراء تفترّ عن درّ على ذهب … إذا صببت بها ماء على لهب وافى إليها سنان الماء يطعنها … فاستلأمت زردا من فضّة الحبب وقوله (٨). / أيا ليلة زار فيها الحبيب … ولم يك ذا موعد ينتظر وخاض إلىّ سواد الدّجى … فيا ليت كان سواد البصر

стр. 583

وطابت ولكن ذممنا بها … على طيب ريّاه نشر السّحر (١) وبتنا من الوصل فى حلّة … مطرّزة بالتّقى والخفر وعقلى (٢) بها نهب سكر المدا … م وسكر الرّضاب وسكر الحور وقد أخجل البدر بدر الجبي … ن وتاه على الليل ليل الشّعر فمنى (٣) معتبر العاشقين … ومن حسن معناه إحدى العبر ومن سقمى وسنا وجهه … أريه السّها ويرينى القمر وقوله فى العذار: وعذار خلعت عذرى عليه (٤) … فهو باد لأعين النظّار دمه (٥) منه صار محمّر خدّ … وسويداؤه سواد العذار قد أرانا بنفسج الشعر بدرا … طالعا من منابت الجلّنار وقدت نار خدّه فسواد ال … شعّر منه (٦) دخان تلك النّار وأنشد له: يفترّ ذاك الثّغر عن ريقه … درّ حباب فوق جريال ونون مسك (٧) الصّدغ قدأ عجمت … بنقطة من عنبر الخال

стр. 584

وأنشد له ابن ميسّر (١): وأسمر ذنبى للعواذل حبّه … وذلك ذنب لست منه بتائب وعوديت فى حبّى له حين قبّلت … له الشفة اللمياء خضرة شارب وقد كنت أهوى الحاجبين الذى له … فكيف وقد صارت ثلاث حواجب توفّى أبو الغمر فى سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ورثاه أبو محمد هبة (٢) الله ابن عرّام الأسوانىّ ببيتين وهما: لتبك بنى الآداب طرّا أديبهم … وفارسهم فى حلبة النّظم والنّثر ولا يطمعوا من دهرهم بنظيره … وهيهات أن يأتى بمثل أبى الغمر وذكره ابن سعيد (٣) فى شعراء أسنا، وذكره ابن ميسّر أيضا وقال: الأسنائىّ، والله/ أعلم. (٤٦٣ - محمد بن علىّ بن وهب، تقىّ الدّين ابن دقيق العيد القشيرىّ (¬*)) محمد بن علىّ بن وهب بن مطيع ابن أبى الطّاعة القشيرىّ، أبو الفتح تقىّ الدّين،

стр. 585

التقىّ ذاتا ونعتا، والسّالك الطريق التى لا عوج فيها ولا أمتا، والمحرز من صفات الفضل فنونا مختلفة وأنواعا شتّى، والمتحلّى بالحالتين الحسنيين صمتا وسمتا، الشّيخ الإمام علّامة العلماء الأعلام، وراوية فنون الجاهليّة وعلوم الإسلام، ذو العلوم الشرعيّة، [والفضائل العقليّة]، والفنون الأدبيّة، والمعارف الصوفيّة، والباع الواسع فى استنباط المسائل، والأجوبة الشافية لكلّ سائل، والاعتراضات الصحيحة التى يجعلها الباحث لتقرير الإشكالات وسائل، والخطب الصّادعة الفصيحة البليغة التى تستفاد منها الرّسائل، إن عرضت الشّبهات أذهب جوهر ذهنه ما عرض، أو اعترضت المشكلات أصاب شاكلتها بسهم فهمه فأصاب الغرض، إن خطب أسهب فى البلاغة، وأطنب فى البراعة، أو كتب فوحى الكلام ينزل على اليراعة، فلّله درّه إذ ارتفع بنفسه وإن كان له من أبويه ما يقتضى الارتفاع، [و] علا على أبناء جنسه فكان من رفعة المنزلة فى المكان اليفاع، إن ذكر التّفسير فمحمد فيه محمود المذهب، أو الحديث فالقشيرىّ فيه صاحب الرقم المعلم والطّراز المذهب، أو الفقه فأبو الفتح العزيز الإمام الذى إليه الاجتهاد ينسب، أو الأصول فأين ابن الخطيب من الخطيب؟، وهل يقرن المخطئ بالمصيب؟، أو الآداب فإن اقتصرت قلت نابغة زمانه وإن اختصرت قلت حبيب، لم يشغله عن النّظر فى العلوم كثرة المناصب، ولا ألهاه علوّ المراتب، ولا صرفه عن التصرّف فيه لذّة المطاعم وعذوبة المشارب، طال ما لازم السّهر حتّى أسفر وجه الإصباح، مشتغلا بالذّكر والفكر لا بذوات الألفاظ الفصاح والوجوه الصّباح: وتبدى له الدّنيا من الحسن جملة … يهيم بها النّسّاك لو شاهدوا البعضا فيعرض عنها لاهيا عن جمالها … ويوسعها بعدا ويرفضها رفضا ويسهر فى ذكر وفكر وفى علا … ومن بات صبّا بالعلا جانب الغمضا

стр. 586

تمسّك من التّقوى بالسبب الأقوى، وقام بوظيفة التّحقيق والتّدقيق التى لا يطيقها غيره من أهل زمنه ولا عليها يقوى، مع ترك المباهاة بما عليه من الفضائل والسّلامة من الدّعوى، وجعل وظيفة العلم والعمل له/ ملّه، حتّى قال يعض الفضلاء: من مائة سنة ما رأى النّاس مثله، حاز علما ودينا ونزاهة، فعظم قدرا وجاها ووجاهة، ومن غرس العلم والتّقوى اجتنى النّباهة، ذاك الذى حاز كلّ فضل جزيل، وحوى كلّ فعل جميل، والذى يقال فيه إنّ الزّمان بمثله لبخيل. وبالجملة فالاستغراق فى مناقبه يخرج عن الإمكان، ويحوج إلى توالى الأزمان، وكتب له «بقيّة المجتهدين» وقرئ بين يديه، فأقرّ عليه، ولا شكّ أنّه من أهل الاجتهاد، وما ينازع فى ذلك إلّا من هو من أهل العناد، ومن تأمّل كلامه علم أنّه أكثر تحقيقا وأمتن، وأعلم من بعض المجتهدين فيما تقدّم وأتقن. حكى [لنا] صاحبنا الفقيه الفاضل العدل علم الدّين أحمد الأسفونىّ قال: ذكره شيخنا العلّامة علاء الدّين علىّ بن إسماعيل القونوىّ (١)، فقلت له: لكنّه ادّعى الاجتهاد، فسكت ساعة مفكرا وقال: والله ما هو بعيد. وقد ترجمه الشّيخ الإمام العالم الأديب المحدّث الكامل فتح الدّين محمد اليعمرىّ فقال: «لم أر مثله فيمن رأيت، ولا حملت عن أجلّ منه فيما رأيت ورويت، وكان للعلوم جامعا، وفى فنونها بارعا، مقدّما فى معرفة علل الحديث على أقرانه، منفردا بهذا الفنّ النّفيس فى زمانه، بصيرا بذلك، سديد النظر فى تلك المسالك، بأذكى ألمعيّة، وأزكى لوذعيّة، لا يشقّ له غبار، ولا يجرى معه سواه فى مضمار: إذا قال لم يترك مقالا لقائل … مصيب ولم يثن اللسان على هجر»

стр. 587

قال: «وكان حسن الاستنباط للأحكام والمعانى من السّنّة والكتاب، بلبّ يسحر الألباب، وفكر يفتح له ما يستغلق على غيره من الأبواب، مستعينا على ذلك بما رواه من العلوم، مستبينا ما هنالك بما حواه من مدارك الفهوم، مبرّزا فى العلوم النّقليّة والعقليّة، والمسالك الأثريّة، والمدارك النّظريّة: وكان من العلوم بحيث يقضى … له من كلّ علّم بالجميع» قال: «وسمع بمصر والشام والحجاز، على تحرّ فى ذلك واحتراز، ولم يزل حافظا للسانه، مقبلا على شانه، وقف نفسه على العلوم وقصرها، ولو شاء العادّ أن يعدّ كلماته لحصرها، ومع ذلك فله بالتجريد تخلّق، وبكرامات الصالحين تحقّق، وله مع ذلك فى الأدب باع وساع (١)، وكرم طباع، لم يخل فى بعضها من/ حسن انطباع، حتّى [لقد] كان محمود (٢) الكاتب، المحمود فى تلك المذاهب، المشهود له بالتقدّم فيما يشاء من الإنشاء على أهل المشارق والمغارب، يقول: «لم تر عينى آدب منه». انتهى ما ذكره الشّيخ فتح الدّين، وأنا أشير إلى شئ من حاله: ولد الشّيخ تقىّ الدّين، ووالده متوجّه إلى الحجاز الشريف، فى البحر المالح، فى يوم السبت خامس عشرى شعبان سنة خمس وعشرين وستّمائة، بساحل الينبع، رأيته بخطّه الثّبجىّ (٣)، ثمّ إنّ والده ذكر، على ما أخبرنى عنه بعض طلبته بقوص، أنّه أخذه على يده وطاف به، ودعا له أن يجعله الله عالما عاملا، وقال الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ: لمّا سمعنا على الشّيخ مجد الدّين الحديث، سمعته يقوله: وأنا دعوت به

стр. 588

فاستجيب لى، فسألنا [هـ] ما الذى دعوت به؟ فقال: دعوت الله [تعالى] أن ينشئ ولدى محمدا عالما [عاملا]، فنشأ الشّيخ بقوص على حالة واحدة من الصّمت والاشتغال بالعلوم، ولزوم الصّيانة والدّيانة، والتحرّز فى أقواله وأفعاله، والبعد عن النّجاسة، متشدّدا فى ذلك حتّى حكت زوجة أبيه، أمّ أخيه الشّيخ تاج الدّين، بنت التّيفاشى (١)، قالت: بنى علىّ والده، والشّيخ تقىّ الدّين ابن عشر سنين، فرأيته ومعه هاون وهو يغسله مرّات زمنا طويلا، فقلت لأبيه: ما هذا الصغير يفعل؟ فقال له: يا محمد أىّ شئ تعمل؟ فقال: أريد [أن] أركّب حبرا، وأنا أغسل هذا الهاون. ووالدته بنت الشّيخ المقترح (٢)، فأصلاه كريمان، وأبواه عظيمان. وابتدأ بقراءة كتاب الله العظيم، حتّى حصل منه على حظّ جسيم، ثمّ رحل فى طلب الحديث إلى دمشق والإسكندرية وغيرهما، وسمع الحديث من والده، والشّيخ بهاء الدّين أبى الحسن ابن هبة الله بن سلامة الشافعىّ، والحافظ عبد العظيم المنذرىّ، وأبى الحسن محمد ابن الأنجب ابن أبى (٣) عبد الله بن عبد الرّحمن الصّوفىّ البغدادىّ النعّال (٤)، والحافظ أبى علىّ الحسن بن محمد بن محمد التيمىّ البكرىّ، وأبى العبّاس أحمد بن عبد الدّائم بن نعمة المقدسىّ، وأبى الحسن عبد الوهاب بن الحسن بن محمد

стр. 589

ابن الحسن الدّمشقىّ، وأبى الحسن علىّ بن أحمد بن عبد الواحد المقدسىّ، وقاضى القضاة أبى الفضل يحيى ابن قاضى القضاة أبى المعالى محمد بن علىّ بن محمد القرشىّ، وأبى المعالى أحمد بن عبد السلام بن المطهّر، وأبى الحسن عبد اللطيف بن إسماعيل، والحافظ أبى الحسين يحيى العطّار، والنّجيب أبى الفرج،/ وأخيه العزّ الحرّانيّين، وخلائق يطول ذكرهم. وحدّث بقوص ومصر [وغيرهما]، سمع منه الخلق الكثير، والجمّ الغفير، مع قلّة تحديثه، فممّن سمع منه قاضى القضاة شمس الدّين محمد ابن أبى القاسم ابن عبد السلام ابن جميل التّونسىّ، وقاضى القضاة شمس الدّين محمد بن أحمد بن حيدرة، وقاضى القضاة شمس الدّين محمد بن أحمد بن عدلان، وشيخنا قاضى القضاة شيخ الشّيوخ علاء الدّين علىّ بن إسماعيل القونوىّ، وشيخنا أثير الدّين أبو حيّان محمد بن يوسف الغرناطىّ، والشّيخ فخر الدّين عثمان [المعروف] بابن بنت أبى سعد، وشيخنا تاج الدّين محمد ابن الدّشناوىّ، والشّيخ فتح الدّين محمد بن محمد اليعمرىّ، وشرف الدّين محمد بن القاسم الإخميمىّ، والشّيخ قطب الدّين عبد الكريم (١) بن عبد النّور الحلبىّ، وجمع يطول تعدادهم. أخبرنا شيخنا العلّامة أثير الدّين أبو حيّان محمد بن يوسف الغرناطىّ، حدّثنا الشّيخ الفقيه، الإمام العالم الأوحد المتقن، مفتى الفريقين الحافظ النّاقد تقىّ الدّين أبو الفتح محمد ابن الشّيخ الفقيه الإمام العالم الورع الزّاهد مجد الدّين أبى الحسن علىّ ابن أبى العطايا وهب بن مطيع ابن أبى الطاعة القشيرىّ رضى الله عنهم، يوم الأحد [المبارك] ثانى شهر رمضان المعظّم، من سنة ستّ وثمانين وستّمائة، بمنزله من دار الحديث الكامليّة (٢) بالمعزّيّة، إملاء من لفظه، قال:

стр. 590

قرأت على الإمام المفتى أبى الحسن علىّ ابن أبى الفضائل هبة الله بن سلامة الشافعىّ اللّخمىّ بمصر، عن الإمام الحافظ أبى الطّاهر السّلفىّ (١)، قراءة عليه بالإسكندرية، أخبرنا الشّيخ الرئيس أبو عبد الله القاسم بن الفضل الثّقفىّ بأصبهان، حدّثنا أبو الفتح هلال بن جعفر بن سعدان، قراءة عليه ببغداد، حدّثنا أبو عبد الله الحسين (٢) ابن يحيى بن عيّاش القطّان، حدّثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلىّ، حدّثنا حمّاد ابن زيد عن عاصم بن سليمان، عن عبد الله بن سرجس قال: كان رسول الله ﷺ يقول إذا سافر: «اللهمّ إنّى أعوذ بك من وعثاء السّفر وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر فى الأهل والمال»، قيل لعاصم: ما «الحور بعد الكور»؟ قال: حار بعد ما كار (٣). قال شيخنا أثير الدّين: قال لنا الشّيخ تقىّ الدّين: هذا حديث صحيح ثابت من حديث عاصم الأحول، أخرجه مسلم من حديث جماعة عنه،/ وفيه نوعان من أنواع العلوّ، أحدهما العلوّ إلى النبىّ ﷺ ، فإنّه أعلى ما يقع لنا بالأسانيد الجيّدة، الثانى العلوّ إلى إمام من أئمة الحديث وهو حمّاد بن زيد.

стр. 591

وبهذا الإسناد إلى الثّقفىّ قال: حدّثنا علىّ بن محمد بن عبد الله بن بشران، حدّثنا إسماعيل بن محمد الصفّار، حدّثنا سعدان بن نصر بن منصور، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، سمع جابر بن عبد الله يقول: «لمّا نزل على النبىّ ﷺ (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال: أعوذ بوجهك، (أو من تحت أرجلكم) قال: أعوذ بوجهك، (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) قال: هاتان أهون وأيسر». قال شيخنا أثير الدّين أبو حيّان: قال لنا الشّيخ (١): هذا حديث ثابت صحيح من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو، سمع جابر بن عبد الله يقول: «لمّا نزل على النبىّ ﷺ (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) قال: أعوذ بوجهك، (أو من تحت أرجلكم) قال: أعوذ بوجهك، (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) قال: هاتان أهون وأيسر». قال شيخنا أثير الدّين أبو حيّان: قال لنا الشّيخ (١): هذا حديث ثابت صحيح من حديث سفيان بن عيينة، وفيه النوعان المتقدّمان من العلوّ، مع كونه بدلا (٢) فإنّ البخارىّ أخرجه عن علىّ ابن المدينىّ عن سفيان، وفيه نوع زائد من العلوّ: وهو المسمّى بعلوّ التّنزيل؛ فإنّ الثّقفىّ كان سمعه من صاحب البخارىّ. وبه إلى الثّقفىّ حدّثنا أبو عمرو محمد (٣) بن محمد بن بالويه الصّائغ، قراءة عليه بنيسابور، حدّثنا أبو العبّاس محمد بن يعقوب بن يوسف الأموىّ، حدّثنا العبّاس ابن محمد الدّورىّ، حدّثنا خالد بن مخلد، حدّثنا سليمان بن بلال، حدّثنا عمارة ابن غزيّة، عن نعيم بن عبد الله، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أنتم الغرّ المحجّلون يوم القيامة من إسباغ الوضوء، فمن استطاع منكم فليطل غرّته وتحجيله»، صحيح متّفق عليه من حديث نعيم المجمر، وهو من حديث عمارة، انفرد به مسلم.

стр. 592

اشتغل الشّيخ تقىّ الدّين بالفقه على مذهب الإمامين مالك والشافعىّ على والده، واشتغل بمذهب الشافعىّ أيضا على تلميذ والده الشّيخ بهاء الدّين هبة الله القفطىّ أوّلا، وكان يقول: البهاء معلّمى، ثمّ رحل إلى القاهرة، فقرأ على شيخ الإسلام أبى محمد ابن عبد السلام، وقرأ الأصول على والده، وحضر عند القاضى شمس الدّين محمد (١) ابن محمود الأصفهانىّ، لمّا كان حاكما بقوص، هو وجماعة، وكان بعضهم يقرأ والشّيخ يسمع، وقرأ العربيّة على الشّيخ شرف الدّين محمد ابن أبى الفضل المرسىّ وغيره، وقرأ غير ذلك وصنّف وأملى، ولو لم يكن له إلّا ما أملاه على «العمدة (٢)» لكان عمدة فى الشّهادة بفضله، والحكم بعلوّ منزلته فى العلم ونبله، فكيف بشرح «الإلمام (٣)» وما تضمّنه/ من الأحكام، وما اشتمل عليه من الفوائد النّقليّة، والقواعد العقليّة، والأنواع الأدبيّة، والنّكت الخلافيّة، والمباحث المنطقيّة، واللطائف البيانيّة، والمواد اللغويّة، والأبحاث النّحويّة [والعلوم الحديثيّة] والملح التاريخيّة، والإشارات الصّوفيّة. وأمّا كتابه المسمّى بالإلمام، الجامع أحاديث الأحكام، فلو كملت نسخته فى الوجود، لأغنت عن كلّ مصنّف فى ذلك موجود، قال لى أقضى القضاة شمس الدّين محمد بن أحمد بن إبراهيم بن حيدرة الشهير بابن القمّاح، سمعت الشّيخ يقول: أنا جازم أنّه ما وضع فى هذا الفنّ مثله، ووافق على ذلك الشّيخ الإمام الحافظ تقىّ الدّين [أحمد] ابن تيميّة الحنبلىّ، فيما أخبرنى به بعض من سمعه من الثّقات الأثبات، وقال لى قاضى القضاة موفّق الدّين عبد الله الحنبلىّ، سمعت الشّيخ تقىّ الدّين ابن تيميّة يقول: هو كتاب الإسلام، وقال لى [الشّيخ] فخر الدّين النّويرىّ، سمعته يقول:

стр. 593

ما عمل أحد مثله ولا الحافظ الضّياء، ولا جدّى أبو البركات، وكذلك قال لى صاحبنا العدل الفاضل جمال الدّين الزّولىّ إنّ ابن تيميّة قال له ذلك، وكان كتابه «الإلمام» حاز على صغر حجمه، من هذا الفن جملة من علمه. وله كتاب «اقتناص السّوانح» أتى فيه بأشياء غريبة، ومباحث عجيبة، وفوائد كثيرة، وموادّ غزيرة، وله إملاء على «مقدّمة» كتاب عبد الحق (١)، وشرح «مقدّمة» المطرّزىّ فى أصول الفقه، وله تصنيف فى أصول الدّين، وشرح على التّبريزىّ فى الفقه، وكتابه فى علوم الحديث المسمّى ب «الاقتراح فى معرفة الاصطلاح» (٢) مفيد، وله خطب وتعاليق كثيرة. وأخبرنى قاضى القضاة نجم الدّين أحمد (٣) القمولىّ أنّه أعطاه دراهم، وأمره أن يشترى بها ورقا ويجلده أبيض، قال: فاشتريت خمسة وعشرين كراسا، وجلّدتها وأحضرتها إليه، وصنّف تصنيفا وقال: إنّه لا يظهر فى حياته. وكان كريما جوادا سخيّا، أخبرنا شيخنا العلّامة علاء الدّين القونوىّ ﵀ [تعالى] أنّه كان يعطيه فى كثير من الأوقات الدّراهم والذّهب، وحكى الشّيخ نجم الدّين محمد بن عقيل البالسىّ أنّه قدم فى الجفل، فحضر عنده وتكلّم، فأرسل إليه مائتى درهم، ثمّ ولّاه النّيابة بمصر. وحكى صاحبنا محمد ابن الحواسينى (٤) الفرضىّ القوصىّ، وكان من طلبة الحديث وأقام/ بالقاهرة مدّة فى زمن الشّيخ قال: كان الشّيخ يعطينى فى كلّ وقت شيئا، فأصبحت يوما مفلسا، فكتبت ورقة وأرسلتها إليه، فيها: «المملوك محمد القوصىّ

стр. 594

أصبح مضرورا»، فكتب لى بشئ، ثمّ ثانى يوم كتبت: «المملوك ابن الحواسينىّ»، [فكتب لى بشئ، ثمّ ثالث يوم كتبت: «المملوك محمد»، فطلبنى] وقال لى: من [هو] ابن الحواسينىّ؟ فقلت: المملوك، قال: ومن هو القوصىّ؟ قلت: المملوك، قال: تدلّس علىّ تدليس (١) المحدّثين؟ قلت: الضّرورة، فتبسّم وكتب لى … وسمعت كلّا من الشّيخين العالمين شمس الدّين محمد بن عدلان، وشمس الدّين محمد ابن القمّاح يقولان: سمعناه يقول: «ضابط ما يطلب منّى أن يجوز شرعا، ثمّ لا أبخل». وكان له نصيب ممّا ينسب إلى الصالحين من الكرامات، وما يعزى إليهم من المكاشفات، حكى لى الشّيخ المحدّث شهاب الدّين أحمد ابن أبى بكر الزّبيرىّ قال: كان فلان- وسمّاه- سمع كتاب «صحيح» مسلم وفاته ميعاد، فقال للتقىّ العمرىّ: أعد لى الميعاد، فقال: ما يعاد إلّا أن تطعمنا كذا، فدعانا وهيّأ لنا ما ذكرنا [هـ] وحضرنا عنده، ثمّ غاب زمانا طويلا، ثمّ حضر فقلنا: أبطأت، قال: كنت عند الصّاحب زين الدّين، ووالى مصر عنده، فحضر بريدىّ وناول الوالى كتابا فقال: اطلبوا المقدّم، فقال له الصّاحب ما بالك؟ فقال: طلب أن يقرأ البخارىّ بسبب التّتار، وذكر أمر الجيش، قال له الصّاحب: وما تريد بالمقدّم؟ فقال: يجمع المحدّثين، فقال الصّاحب: المقدّم ما يقوم بهذا، أنا أتكفّل لك بهذه القضيّة، وأخرج البخارىّ فى اثنى عشر مجلدا، وذكر الجماعة فواعدنا واجتمعنا وقرأنا البخارىّ، وبقى ميعاد أخّرناه حتّى نختمه يوم الجمعة، فلما كان يوم الجمعة رأينا الشّيخ تقىّ الدّين بالجامع فسلّمنا عليه فقال: ما فعلتم

стр. 595

ببخاريّكم؟ قلنا: بقى ميعاد أخّرناه لنكمّله اليوم فقال: انفصل الحال من أمس العصر وبات المسلمون على كذا .. !، فقلنا نخبر عنك؟ فقال: نعم، فجاء الخبر بعد أيّام بذلك ...... ! قال [فقال] الشّيخ فتح الدّين محمد بن سيّد النّاس، وأخبرنى بذلك صاحبنا الفقيه كمال الدّين محمد بن علىّ بن عبد القادر الهمدانىّ، وذكر أنّ ذلك كان فى سنة ثمانين (١) عند ما عاث التّتار فى البلاد، وساق الحكاية وزاد فيها أنّ كمال الدّين قال للشّيخ: هذا بيقين؟ وأنّه قال له: أو يقال هذا عن غير يقين؟ قال: فقلت له: عن معاينة أو بخبر؟ فقال: بل عن خبر، ولقد كنّا بقوص نخبر بأخبارهم فى وقعة «عين جالوت (٢)» منزلة منزلة،/ فى قدومهم وذهابهم. وأخبرنى أيضا الزّبيرىّ أنّه لمّا خرج الأمير علم الدّين الدّوادارىّ مسافرا، توجّه إليه الجماعة مودّعين، منهم أبو عمرو ابن سيّد النّاس وأمثاله، ودعوا له وقالوا: نراك فى خير إن شاء الله [تعالى] وعافية، فقال: هذا الشّيخ متاعكم ابن دقيق العيد يقول إنّى ما أرجع، فقالوا يكذبون عليه، فلمّا حضروا إلى الشّيخ أخبروه قال: نعم ما بقى يرجع، فلم يرجع … وكان نور الدّين ابن الصّاحب فخر الدّين عمر بن عبد العزيز بن الخليلىّ، جرى منه

стр. 596

شئ، فتألّم الشّيخ منه، فأخبرنى الزّبيرىّ أنّ الشّيخ دعا عليه، فاتفقت وفاته فى تلك المدّة. وحكى شرف الدّين يعقوب الشّيبانىّ (١) المالكىّ، وكان من الفقهاء العدول، وقال: [كان] فى نفس الصّاحب تاج الدّين من الشّيخ، وكان [ابن] الأرسوفىّ وصّى بوصيّة ومات، فقال الصّاحب لفقير من المصريين: رح إلى الشّيخ واطلب منه شيئا من الوصيّة، وقل له كذا وكذا، فإذا قال فرغت، قل له: لو كان فلان القوصىّ وفلانة دفعت لهم؟ ورتّبه، فحضر بجامع مصر وذكر ما رتّب فيه، فلمّا [فرغ و] خرج رفسه بغل، فمات من ساعته. وحكاية ابن القصرىّ مشهورة، وأنّ الشّيخ قال له: نعيت لى فى هذا المجلس ثلاث مرّات، فمات بعد ثلاثة أيام. وحكى الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان قال: قلت له يوما إنّ محبتى لسيّدى ليست بسبب ولاية، وإنّما لأمر آخر، وأشرت إلى بركته، فقال: اسمع شيئا تنتفع به، كان تقىّ الدّين ابن تاج الدّين- يعنى ابن بنت الأعزّ- منع أخى تاج الدّين (٢) وقال: خلّ أخاك يتوجّه فىّ، وأشار إلى أنّه تألّم من ذلك، قال: فحصل له إجحاف، فأشفقت عليه، فتوجّهت فيمن أجحف به، فسمعت الخطاب أنّه يهلك. وكان الشّيخ يسهر الليل؛ حكى لى الشّيخ ضياء الدّين منتصر (٣) قال: حكى لى [القاضى] معين الدّين أحمد بن نوح قاضى أسوان وأدفو، وكان ثقة، قال: قرأ الشّيخ ليلة، فاستمعت له، فقرأ إلى قوله: «فإذا نفخ فى الصّور فلا أنساب بينهم [يومئذ ولا يتساءلون]»، فما زال يكرّرها إلى مطلع الفجر.

стр. 597

وحكى [لى] الشّيخ زين الدّين عمر الدّمشقىّ المعروف بابن الكتّانىّ، ﵀ [تعالى]، قال: دخلت عليه بكرة يوم، فناولنى مجلدة وقال: هذه طالعتها فى هذه الليلة التى مضت. وكان له قدرة على المطالعة، رأيت خزانة المدرسة النّجيبيّة (١) بقوص، فيها جملة كتب، من جملتها: «عيون الأدلّة (٢)» لابن القصّار،/ فى نحو من ثلاثين مجلّدة وعليها علامات له، وكذلك رأيت كتب المدرسة السّابقيّة، رأيت على «السّنن (٣)» الكبير للبيهقىّ فيها، فى كلّ مجلّدة علامة، وفيها تاريخ (٤) الخطيب كذلك، و «معجم (٥)» الطّبرانىّ الكبير، و «البسيط (٦)» للواحدىّ وغير ذلك. وأخبرنى شيخنا الفقيه سراج الدّين الدّندرىّ (٧) أنّه لمّا ظهر «الشرح (٨) الكبير» للرّافعىّ، اشتراه بألف درهم، وصار يصلّى الفرائض فقط، واشتغل بالمطالعة، إلى أن أنهاه مطالعة، وذكر عنده هو والغزالىّ فى الفقه، فقال: الرّافعىّ فى السّماء، ويقال إنّه طالع كتب «الفاضليّة (٩)» عن آخرها وقال: ما خرجت من باب من أبواب الفقه واحتجت أن أعود إليه.

стр. 598

وفى تصانيفه من الفروع الغريبة، والوجوه والأقاويل، ما ليس فى كثير من المبسوطات، ولا يعرفه كثير من النّقلة، ونقلت [مرّة] لقاضى القضاة موفق الدّين الحنبلىّ رواية عن أحمد، فقال: هذه ما تكاد تعرف فى مذهبنا ولا رأيتها إلّا فى كتاب سمّاه، قلت: رأيتها فى كلام الشّيخ. وأمّا نقده وتدقيقه فلا يوازى فيه، جرى ذكر ذلك مرة عند الشّيخ صدر الدّين ابن الوكيل، وكان لا يحبّه، وكان يتكلم فى شئ يتعلّق به، ويذكر أنّه ليس كثير النّقل، فشرعت أذكر له [شيئا] إلى آخر الكلام- ذكرت بحثا له- فقال: لا يا سيّدى أمّا إذا نقد وحرّر فلا يوفّيه أحد. وسألت شيخنا علاء الدّين علىّ بن [محمد بن] خطّاب الباجىّ، ﵀ [تعالى] مرّة عن جمع كثير منهم: الأصبهانىّ، والقرافىّ، وابن رزين، وابن بنت الأعزّ، ووالده تاج الدّين، [فكان] يذكر كلّ شخص، إلى أن ذكرت له الشّيخ تقىّ الدّين فقال: كان عالما- أو قال-[كان] فاضلا صحيح الذّهن. [وقال] حكى [لى] القاضى زين الدّين إسماعيل قاضى قوص قال: جاء مرّة إلى مصر ثمّ قصد القاهرة، فقال: أمع أحد منكم «وسيط» (١)؟ فناوله شخص مجلّدة، فنظر صفحة، ثمّ سقنا معه الدّرس فألقى تلك الصفحة بالمعنى. وسمعنا على شيخنا أثير الدّين أبى حيّان، أبقاه الله [تعالى] فى خير، جزءا أملاه عليه من لفظه، فيه عدّة أحاديث، رواها بالإسناد، وفيه أشعار وأشياء وقال: هو أشبه من رأيناه يميل إلى الاجتهاد، ورأيت له بخزانة الجامع بقوص عدّة مجالس أملاها، وقد حلّاها بجواهر الفوائد، وجلاها لملتقطى الفرائد، وقال صاحبنا شمس الدّين علىّ بن محمد الفوّىّ: إنّه كان يملى عليه شرح «الإلمام (٢)» من لفظه، وهو الذى كتبه عنه، وكذلك

стр. 599

حكى لنا أقضى القضاة شمس الدّين/ محمد ابن القمّاح قال: جلسنا عنده غير مرّة، وهو يملى شرح «الإلمام» من لفظه. وكان عزيز النّفس؛ لمّا وصل الشّيخ شرف الدّين المرسى إلى قوص، قرءوا عليه شيئا من النّحو، فسألهم عن سؤال فسكتوا، فقال: أرانى أتكلّم مع حمير!؟، فلم يعد الشّيخ تقىّ الدّين إليه بعدها. وأخبرونى بقوص أنّه لعب «الشّطرنج» فى صباه، مع زوج أخته الشّيخ تقىّ الدّين ابن الشّيخ ضياء الدّين، فأذّنوا بالعشاء فقاما فصلّيا، ثمّ قال الشّيخ: نعود، فقال صهره: إن عادت العقرب عدنا لها، فلم يعد يلعبها. وأخبرنى الشّيخ عماد الدّين محمد بن حرمى الدّمياطىّ أنّه رأى الأمير «الجوكندار» أتى إليه، فتحرّك له تحريكة لطيفة، وسكت زمانا، ثمّ قام إليه وقال: لعلّ للأمير حاجة؟. وحكى الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان أنّه كان عنده، وكان متكئا، فحضر الكمالىّ «أمير حاجب» برسالة، فكشف عن وجهه، فسمعها وقال [له]: هذا ما ينعمل، فوقف الحاجب زمانا ثمّ قال: يا سيّدى ما الجواب؟ فقال: عجب ما سمعت الجواب! وغطّى وجهه. ولمّا عزل نفسه ثمّ طلب ليولّى، قام السّلطان الملك المنصور «لاجين» له واقفا لمّا أقبل، فصار يمشى قليلا قليلا، وهم يقولون [له]: السّلطان واقف! فيقول: أدينى أمشى! وجلس معه على الجوخ حتّى لا يجلس دونه، ثمّ نزل فغسل ما عليه واغتسل، وقبّل السّلطان يده فقال: تنتفع بهذا، حكاه جماعة منهم الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان عمّن حضر المجلس، والقاضى مجد الدّين ابن الخشّاب.

стр. 600

ومع ذلك فكان خفيف الرّوح لطيفا، على نسك وورع، ودين متّبع، ينشد الشّعر والموشّح والزّجل والبليق والمواليا، وكان يستحسن ذلك، حكى لى صاحبنا فتح الدّين محمد بن كمال الدّين أحمد بن عيسى القليوبىّ قال: دخلت عليه مرّة وفى يده ورقة ينظر فيها زمانا، ثمّ ناولنى الورقة وقال: اكتب من هذه نسخة، فأخذتها فوجدت فيها «بلّيقة» أوّلها: كيف أقدر أتوب … ورأس أيرى مثقوب وقال لى شيخنا تاج الدّين محمد بن أحمد الدّشناوىّ: سمعته ينشد هذه «البلّيقة» التى أوّلها: جلد العميرة بالزّجاج … ولا الزّواج / ويقول: بالزّجاج يا فقيه … ! وحكى لى صاحبنا الفاضل الأديب الثّقة مجير الدّين عمر (١) ابن اللمطىّ فقال: كنت مرّة بمصر (٢) فى حاجة [وطلعت إلى القاهرة] فقالوا: الشّيخ طلبك مرّات، فجئت إليه، فقال: أين كنت؟ قلت: بمصر فى حاجة، فقال: طلبتك، سمعت إنسانا ينشد خارج «الكامليّة (٣)»: بكيت قالوا عاشق … سكت قالوا قد سلا صلّيت قالوا زوكر (٤) … ما أكثر فضول النّاس فأعجبنى. وحكى أيضا قال: كنّا نتحدث عنده باللّيل، وكنّا نسمع بمغنّية يقال لها: جارية
следующие страницы →