شئ، فتألّم الشّيخ منه، فأخبرنى الزّبيرىّ أنّ الشّيخ دعا عليه، فاتفقت وفاته فى تلك المدّة.
وحكى شرف الدّين يعقوب الشّيبانىّ (١) المالكىّ، وكان من الفقهاء العدول، وقال:
[كان] فى نفس الصّاحب تاج الدّين من الشّيخ، وكان [ابن] الأرسوفىّ وصّى بوصيّة ومات، فقال الصّاحب لفقير من المصريين: رح إلى الشّيخ واطلب منه شيئا من الوصيّة، وقل له كذا وكذا، فإذا قال فرغت، قل له: لو كان فلان القوصىّ وفلانة دفعت لهم؟
ورتّبه، فحضر بجامع مصر وذكر ما رتّب فيه، فلمّا [فرغ و] خرج رفسه بغل، فمات من ساعته.
وحكاية ابن القصرىّ مشهورة، وأنّ الشّيخ قال له: نعيت لى فى هذا المجلس ثلاث مرّات، فمات بعد ثلاثة أيام.
وحكى الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان قال: قلت له يوما إنّ محبتى لسيّدى ليست بسبب ولاية، وإنّما لأمر آخر، وأشرت إلى بركته، فقال: اسمع شيئا تنتفع به، كان تقىّ الدّين ابن تاج الدّين- يعنى ابن بنت الأعزّ- منع أخى تاج الدّين (٢) وقال:
خلّ أخاك يتوجّه فىّ، وأشار إلى أنّه تألّم من ذلك، قال: فحصل له إجحاف، فأشفقت عليه، فتوجّهت فيمن أجحف به، فسمعت الخطاب أنّه يهلك.
وكان الشّيخ يسهر الليل؛ حكى لى الشّيخ ضياء الدّين منتصر (٣) قال: حكى لى [القاضى] معين الدّين أحمد بن نوح قاضى أسوان وأدفو، وكان ثقة، قال: قرأ الشّيخ ليلة، فاستمعت له، فقرأ إلى قوله: «فإذا نفخ فى الصّور فلا أنساب بينهم [يومئذ ولا يتساءلون]»، فما زال يكرّرها إلى مطلع الفجر.
стр. 597
وحكى [لى] الشّيخ زين الدّين عمر الدّمشقىّ المعروف بابن الكتّانىّ، ﵀ [تعالى]، قال: دخلت عليه بكرة يوم، فناولنى مجلدة وقال: هذه طالعتها فى هذه الليلة التى مضت.
وكان له قدرة على المطالعة، رأيت خزانة المدرسة النّجيبيّة (١) بقوص، فيها جملة كتب، من جملتها: «عيون الأدلّة (٢)» لابن القصّار،/ فى نحو من ثلاثين مجلّدة وعليها علامات له، وكذلك رأيت كتب المدرسة السّابقيّة، رأيت على «السّنن (٣)» الكبير للبيهقىّ فيها، فى كلّ مجلّدة علامة، وفيها تاريخ (٤) الخطيب كذلك، و «معجم (٥)» الطّبرانىّ الكبير، و «البسيط (٦)» للواحدىّ وغير ذلك.
وأخبرنى شيخنا الفقيه سراج الدّين الدّندرىّ (٧) أنّه لمّا ظهر «الشرح (٨) الكبير» للرّافعىّ، اشتراه بألف درهم، وصار يصلّى الفرائض فقط، واشتغل بالمطالعة، إلى أن أنهاه مطالعة، وذكر عنده هو والغزالىّ فى الفقه، فقال: الرّافعىّ فى السّماء، ويقال إنّه طالع كتب «الفاضليّة (٩)» عن آخرها وقال: ما خرجت من باب من أبواب الفقه واحتجت أن أعود إليه.
стр. 598
وفى تصانيفه من الفروع الغريبة، والوجوه والأقاويل، ما ليس فى كثير من المبسوطات، ولا يعرفه كثير من النّقلة، ونقلت [مرّة] لقاضى القضاة موفق الدّين الحنبلىّ رواية عن أحمد، فقال: هذه ما تكاد تعرف فى مذهبنا ولا رأيتها إلّا فى كتاب سمّاه، قلت: رأيتها فى كلام الشّيخ.
وأمّا نقده وتدقيقه فلا يوازى فيه، جرى ذكر ذلك مرة عند الشّيخ صدر الدّين ابن الوكيل، وكان لا يحبّه، وكان يتكلم فى شئ يتعلّق به، ويذكر أنّه ليس كثير النّقل، فشرعت أذكر له [شيئا] إلى آخر الكلام- ذكرت بحثا له- فقال: لا يا سيّدى أمّا إذا نقد وحرّر فلا يوفّيه أحد.
وسألت شيخنا علاء الدّين علىّ بن [محمد بن] خطّاب الباجىّ، ﵀ [تعالى] مرّة عن جمع كثير منهم: الأصبهانىّ، والقرافىّ، وابن رزين، وابن بنت الأعزّ، ووالده تاج الدّين، [فكان] يذكر كلّ شخص، إلى أن ذكرت له الشّيخ تقىّ الدّين فقال: كان عالما- أو قال-[كان] فاضلا صحيح الذّهن.
[وقال] حكى [لى] القاضى زين الدّين إسماعيل قاضى قوص قال: جاء مرّة إلى مصر ثمّ قصد القاهرة، فقال: أمع أحد منكم «وسيط» (١)؟ فناوله شخص مجلّدة، فنظر صفحة، ثمّ سقنا معه الدّرس فألقى تلك الصفحة بالمعنى.
وسمعنا على شيخنا أثير الدّين أبى حيّان، أبقاه الله [تعالى] فى خير، جزءا أملاه عليه من لفظه، فيه عدّة أحاديث، رواها بالإسناد، وفيه أشعار وأشياء وقال: هو أشبه من رأيناه يميل إلى الاجتهاد، ورأيت له بخزانة الجامع بقوص عدّة مجالس أملاها، وقد حلّاها بجواهر الفوائد، وجلاها لملتقطى الفرائد، وقال صاحبنا شمس الدّين علىّ بن محمد الفوّىّ: إنّه كان يملى عليه شرح «الإلمام (٢)» من لفظه، وهو الذى كتبه عنه، وكذلك
стр. 599
حكى لنا أقضى القضاة شمس الدّين/ محمد ابن القمّاح قال: جلسنا عنده غير مرّة، وهو يملى شرح «الإلمام» من لفظه.
وكان عزيز النّفس؛ لمّا وصل الشّيخ شرف الدّين المرسى إلى قوص، قرءوا عليه شيئا من النّحو، فسألهم عن سؤال فسكتوا، فقال: أرانى أتكلّم مع حمير!؟، فلم يعد الشّيخ تقىّ الدّين إليه بعدها.
وأخبرونى بقوص أنّه لعب «الشّطرنج» فى صباه، مع زوج أخته الشّيخ تقىّ الدّين ابن الشّيخ ضياء الدّين، فأذّنوا بالعشاء فقاما فصلّيا، ثمّ قال الشّيخ: نعود، فقال صهره:
إن عادت العقرب عدنا لها، فلم يعد يلعبها.
وأخبرنى الشّيخ عماد الدّين محمد بن حرمى الدّمياطىّ أنّه رأى الأمير «الجوكندار» أتى إليه، فتحرّك له تحريكة لطيفة، وسكت زمانا، ثمّ قام إليه وقال: لعلّ للأمير حاجة؟.
وحكى الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان أنّه كان عنده، وكان متكئا، فحضر الكمالىّ «أمير حاجب» برسالة، فكشف عن وجهه، فسمعها وقال [له]: هذا ما ينعمل، فوقف الحاجب زمانا ثمّ قال: يا سيّدى ما الجواب؟ فقال: عجب ما سمعت الجواب! وغطّى وجهه.
ولمّا عزل نفسه ثمّ طلب ليولّى، قام السّلطان الملك المنصور «لاجين» له واقفا لمّا أقبل، فصار يمشى قليلا قليلا، وهم يقولون [له]: السّلطان واقف! فيقول:
أدينى أمشى! وجلس معه على الجوخ حتّى لا يجلس دونه، ثمّ نزل فغسل ما عليه واغتسل، وقبّل السّلطان يده فقال: تنتفع بهذا، حكاه جماعة منهم الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان عمّن حضر المجلس، والقاضى مجد الدّين ابن الخشّاب.
стр. 600
ومع ذلك فكان خفيف الرّوح لطيفا، على نسك وورع، ودين متّبع، ينشد الشّعر والموشّح والزّجل والبليق والمواليا، وكان يستحسن ذلك، حكى لى صاحبنا فتح الدّين محمد بن كمال الدّين أحمد بن عيسى القليوبىّ قال: دخلت عليه مرّة وفى يده ورقة ينظر فيها زمانا، ثمّ ناولنى الورقة وقال: اكتب من هذه نسخة، فأخذتها فوجدت فيها «بلّيقة» أوّلها:
كيف أقدر أتوب … ورأس أيرى مثقوب
وقال لى شيخنا تاج الدّين محمد بن أحمد الدّشناوىّ: سمعته ينشد هذه «البلّيقة» التى أوّلها:
جلد العميرة بالزّجاج … ولا الزّواج
/ ويقول: بالزّجاج يا فقيه … !
وحكى لى صاحبنا الفاضل الأديب الثّقة مجير الدّين عمر (١) ابن اللمطىّ فقال:
كنت مرّة بمصر (٢) فى حاجة [وطلعت إلى القاهرة] فقالوا: الشّيخ طلبك مرّات، فجئت إليه، فقال: أين كنت؟ قلت: بمصر فى حاجة، فقال: طلبتك، سمعت إنسانا ينشد خارج «الكامليّة (٣)»:
بكيت قالوا عاشق … سكت قالوا قد سلا
صلّيت قالوا زوكر (٤) … ما أكثر فضول النّاس
فأعجبنى.
وحكى أيضا قال: كنّا نتحدث عنده باللّيل، وكنّا نسمع بمغنّية يقال لها: جارية
стр. 601
النطّاع، وأنّها تغنّى غناء فى غاية الحسن، فكنّا نشتهى أن نسمعها، فجاء [نا] شخص مرّة وقال: هى الليلة تغنّى فى المكان الفلانىّ، احضروا فى أول الليل، فصلّينا مع الشّيخ وقمنا وتوجّهنا إلى المكان، وسمعناها ثمّ جئنا، وصرنا ندخل قليلا قليلا، حتّى لا يشعر بنا فيعرف الخبر وينكر علينا، فعرف بنا، فقال: ما بالكم؟! أخبرونى، فأخبرته أنا الخبر، فقال: يا فقيه، أمرها عندى خفيف …
وقال لى الشّيخ فتح الدّين بن سيّد النّاس: قال لى مرّة: ما يعجبك أن تكون عندك عوّادة (١)؟ فقلت: ما أكره ذلك، وأنشدته لبعضهم:
غنّت فأخفت صوتها فى عودها … فكأنّما الصوتان صوت العود
هيفاء تأمر عودها فيطيعها … أبدا ويتبعها اتّباع ودود
وكأنّما الصوتان حين تمازجا … بنت (٢) الغمامة وابنة العنقود
فقال: أعده علىّ، فأعدته حتّى حفظه.
وقال لى شيخنا أثير الدّين: رآنى مرّة ومعى شاب أمرد أتحدّث معه، فقال:
يا أبا حيّان [أنت] تحبّه؟ فقلت: نعم، فقال: أنتم يا أهل الأندلس فيكم خصلتان، محبّتكم الشباب وشربكم الخمر، فقلت: أمّا الخمر فو الله ما عصيت الله به، وأمّا الشباب فلا أشكّ أنّ أهل مصر أفسق منّا، قال: فتبسّم …
[و] قال شيخنا أثير الدّين أنشدته [مرة لنفسى]:
على قدر حبّى فيك وافاني الصّبر … فلست أبالى كان وصلك أم هجر
وما غرضى إلّا سلام ونظرة … وقد حصلا والذّلّ يأنفه الحرّ
سأسلوك حتّى لا أراك بناظرى … وأنساك حتّى لا يمرّ بك الفكر
стр. 602
/ فقال: أعد [هـ] لى، فأعدت [هـ] عليه حتّى حفظه.
وكان عديم البطش، قليل المقابلة على الإساءة، ومن مشهور حكاياته فى ذلك قضية قطب الدّين بن الشاميّة، وأنّه كلّمه بحضرة النّاس كلاما تألّم منه، وقام من المجلس وظنّ النّاس أنّه يقابله، فلم يفعل، وسألوه عن ذلك فقال: خشيت أن يغترّ (١) بذلك، ومات الشّيخ وحصل لابن الشاميّة من الأمير ركن الدّين [بيبرس] ما حصل، فكان كثير من النّاس العارفين يجعلونه مقابلة له عن الشّيخ.
وحكى لى صاحبنا الفقيه العدل شرف الدّين [محمد] الإخميمىّ المعروف بابن القاسم قال: كنّا بين يديه، والموقّعون وهو بمجلس الحكم بالكامليّة (٢)، وإذا بشخص هجم وقصده، ومنعه الرّسل منعا عنيفا، فرماهم بيده وقال [بصوت قوىّ] من هذا حتّى تمنعونى منه؟ أخليفة هذا؟ فنظر الشّيخ إلى ذلك الشخص لحظة وعمل بيده، فأقبل يأتى وفتح أصابعه …
وأخبرنى (٣) برهان الدّين المصرىّ الحنفىّ الطبيب، وكان قد استوطن قوص سنين، قال: كنت أباشر وقفا، فأخذه منّى شمس الدّين محمد، ابن أخى الشّيخ، وولّاه لآخر، فعزّ علىّ، ونظمت أبياتا فى الشّيخ فبلغته، فأنا أمشى مرّة خلفه، وإذا به قد التفت إلىّ وقال: يا فقيه بلغنى أنّك هجوتنى؟ فسكتّ زمانا، فقال: أنشدنى، وألحّ علىّ، فأنشدته:
وليت فولّى الزّهد عنك بأسره … وبان لنا غير الذى كنت تظهر
ركنت إلى الدّنيا وعاشرت أهلها … ولو كان عن جبر لقد كنت تعذر
стр. 603
فسكت زمانا، وقال: ما حملك على هذا؟ فقلت: أنا رجل فقير، وأنا أباشر وقفا أخذه منّى فلان، فقال: ما علمت بهذا، أنت على حالك، فباشرت الوقف مدّة وخطر لى الحجّ، فجئت إليه أستأذنه، فدخلت خلفه، فالتفت إلىّ وقال: أمعك هجو آخر؟ فقلت: لا ولكنّى أريد الحجّ، وجئت أستأذن سيّدى، فقال: مع السلامة ما نغيّر عليك.
وقال لى عبد اللطيف ابن القفصىّ (١): هجوته مرّة فبلغه، فلقيته بالكامليّة (٢) فقال:
بلغنى أنّك هجوتنى، أنشدنى، فأنشدته «بلّيقة» أوّلها:
قاضى القضاة عزل (٣) نفسه … لمّا ظهر للنّاس نحسه
إلى آخرها، فقال: هجوت جيّدا … !
وحكى (٤) لى القاضى سراج الدّين يونس (٥) الأرمنتىّ، قاضى قوص، قال: جئت إليه مرّة وأردت الدّخول، فمنعنى الحاجب، وجاء الجلال/ العسلوجىّ فأدخله وغيره، فتألّمت وأخذت ورقة وكتبت فيها:
قل للتقىّ الذى رعيّته (٦) … راضون عن علمه وعن عمله
انظر إلى بابك … (٧) … ... يلوح من خلله
باطنه رحمة وظاهره … يأتى إليك العذاب من قبله
стр. 604
ثمّ دخلت وجعلت الورقة فى الدّواة، وظننت أنّه ما رآنى وقمت، فقال:
اجلس ما فى هذه الورقة؟ فقلت: يقرؤها سيّدنا، فقال: اقرأها أنت، فكرّرت عليه وهو يردّ علىّ، فقرأتها فقال: ما حملك على هذا؟ فحكيت له فقال: وقف عليها أحد؟
فقلت: لا، فقال: قطّعها.
وحكى [لى] أيضا قال: ولّى الشّيخ السّفطىّ (١) بلبيس، وولّانى [بعد ذلك] البهنسا، وقال: يا فقيه أنا أولّى الرجل الصغير العمل الكبير، وأولّى الرجل الكبير العمل الصغير، فقلت: إن كان سيّدنا يتصرّف لنفسه فيعمل ما يشاء، وإن كان يتصرّف للمسلمين فما يخفى ما فى هذا.
وحكاياته فى ذلك كثيرة.
وله نثر أحسن من الدّرر، ونظم أبهج من عقود الجوهر، ولو لم يكن له إلّا ما تضمّنته خطبة شرح «الإلمام» (٢) لشهد له من الأدب بأوفر الأقسام، وقوله فيها:
«الحمد لله والصّلاة والسّلام على رسوله ﷺ ، وبعد: فإنّ الفقه فى الدّين منزلة لا يخفى شرفها وعلاها، ولا يحتجب عن العقول طوالعها وأضواها، وأرفعها بعد فهم كتاب الله المنزل، البحث عن معانى حديث نبيّه المرسل، إذ بذلك تثبت القواعد ويستقرّ الأساس، وعنه يقوم الإجماع ويصدر القياس، وما تقدّم شرعا تعيّن تقديمه شروعا، وما كان محمولا على الرأس لا يحسن أن يجعل موضوعا، لكن شرط ذلك عندنا أن يحفظ هذا النظام، ويجعل الرأى هو المأموم والنصّ هو الإمام، وتردّ المذاهب إليه، وتضمّ الآراء المنتشرة حتّى تقف بين يديه، وأمّا أن يجعل الفرع أصلا يردّ النصّ إليه بالتكلّف والتحيّل، ويحمل على أبعد المحامل بلطافة الوهم وسعة التخيّل، ويرتكب فى تقرير الآراء
стр. 605
الصّعب والذّلول، ويحمل على التأويلات ما تنفر منه النّفوس وتستنكره (١) العقول، فذلك عندنا من أردى المذاهب وأسوأ طريقة، ولا يعتقد أنّه تحصل/ معه النّصيحة للدّين على الحقيقة، وكيف يقع أمر مع رجحان منافيه؟ وأنّى يصحّ الوزن بميزان مال أحد الجانبين فيه؟ ومتى ينصف حاكم ملكته عصبيّة العصبيّة؟ وأين يقع الحقّ من خاطر أخذته العزّة بالحميّة؟ وإنّما يحكم بالعدل عند تعادل الطرفين، ويظهر الجور عند تقابل المنحرفين.
«هذا ولمّا برز ما أبرزته من كتاب «الإلمام» وكان وضعه مقتضيا للاتساع ومقصوده موجبا لامتداد الباع، عدل قوم عن استحسان إطابته، إلى استخشان إطابته، ونظروا إلى المعنى الحامل عليه فلم يقضوا بمناسبته ولا إخالته، فأخذت فى الإعراض عنهم بالرأى الأحزم، وقلت عند [سماع] قولهم: شنشنة أعرفها من أخزم (٢)، ولم يكن ذلك مانعا [لى] من وصل ماضيه بالمستقبل، ولا موجبا لأن أقطع ما أمر الله به أن يوصل:
فما الكرج الدّنيا ولا النّاس قاسم (٣)»
стр. 606
وله النّظم الفائق، المشتمل على المعنى البديع واللفظ الرّائق السهل الممتنع، والمنهج المستعذب المنبع، والذى يصبو إليه كلّ فاضل، ويستحسنه كلّ أديب كامل، أنشدنا شيخنا أثير الدّين [محمد] أبو حيّان أبقاه الله [تعالى فى عافية] قال: أنشدنى الشّيخ الحافظ تقىّ الدّين أبو الفتح محمد القشيرىّ لنفسه (١):
قد جرحتنا يد أيامنا … وليس غير الله من آسى
فلا ترج الخلق فى حاجة … ليسوا بأهل لسوى الياس
ولا تزد شكوى إليهم فلا … معنى لشكواك إلى قاسى
فإن تخالط منهم معشرا … [هويت فى الدّين على الرّاس]
يأكل بعض لحم بعض ولا … يحسب فى الغيبة من باس
لا ورع فى الدّين يحميهم … عنها ولا حشمة جلّاس
стр. 607
لا يعدم الآتى إلى بابهم … من ذلّة الكلب سوى الخاسى (١)
فاهرب من النّاس إلى ربّهم … لا خير فى الخلطة بالنّاس
وأنشدنى أيضا، ممّا أنشده له لنفسه، قوله:
وقائلة مات الكرام فمن لنا … إذا عضّنا الدّهر الشديد بنابه
فقلت لها من كان غاية قصده … سؤالا لمخلوق فليس بنا به
/ لئن مات من يرجى فمعطيهم الذى … يرجّونه باق فلوذى بنا به (٢)
قال: وأنشدنا لنفسه قوله:
ومستعبد قلب المحبّ وطرفه … بسلطان حسن لا ينازع فى الحكم
متين التّقى عفّ الضّمير عن الخنا … رقيق حواشى الطّرف والحسن والفهم
يناولنى مسواكه فأظنّه … تحيّل فى رشفى الرّضاب بلا إثم
وأنشدنى الشّيخ العلّامة ركن الدّين محمد ابن القوبع (٣) [﵀] قال أنشدنى الشّيخ تقىّ الدّين لنفسه (٤):
إذا كنت فى نجد وطيب نسيمها … تذكرت أهلى باللّوى (٥) فمحجّر (٦)
стр. 608
وإن كنت فيهم ذبت شوقا ولوعة … إلى ساكنى نجد وعيل تصبّرى
وقد طال ما بين الفريقين قصّتى … فمن لى بنجد بين أهلى ومعشرى
وأنشدنى له الشّيخ فتح الدّين بن سيّد النّاس، وأنشدنى ذلك [الشّيخ] أثير الدّين أبو حيّان، قالا: أنشدنا الشّيخ تقىّ الدّين لنفسه قوله (١):
أحبّة (٢) قلبى والذين بذكرهم … وترداده فى كلّ (٣) وقت تعلّقى
لئن غاب عن عينى بديع جمالكم … وجار على الأبدان حكم التفرّق
فما ضرّنا بعد المسافة بيننا … سرائرنا تسرى إليكم فنلتقى
ومن مشهور شعره قوله الذى أنشدنيه أقضى القضاة شمس الدّين ابن القمّاح قال: أنشدنا الشّيخ تقىّ الدّين لنفسه قوله:
يهيم قلبى (٤) طربا عند ما … أستلمح البرق الحجازيّا
ويستخفّ الوجد قلبى وقد … أصبح (٥) لى حسن الحجى زيّا
يا هل أقضّى حاجتى من منى … وأنحر البزل (٦) المهاريّا (٧)
وأرتوى من زمزم فهو لى … ألذّ من ريق المها (٨) ريّا
وأنشدنى الشّيخ الفقيه شرف الدّين محمد بن محمد، المعروف بابن القاسم، أنشدنى شيخنا تقىّ الدّين [القشيرىّ] لنفسه قوله:
стр. 609
أهل المناصب فى الدّنيا ورفعتها … أهل الفضائل مرذولون بينهم
قد أنزلونا لأنّا غير جنسهم … منازل الوحش فى الإهمال عندهم
/ فما لهم فى توقّى ضرّنا نظر … وما لهم فى ترقّى قدرنا همم
فليتنا لو قدرنا أن نعرّفهم … مقدارهم عندنا أو لو دروه هم
لهم مريحان من جهل وفرط غنى … وعندنا المتعبان العلم والعدم
وأنشدنا أيضا قال: أنشدنا الشّيخ [﵀] لنفسه قوله (١):
كم ليلة فيك وصلت (٢) السّرى … لا نرقد الليل (٣) ولا نستريح
قد كلّت العيس بجدّ الهوى (٤) … واتّسع الكرب وضاق الفسيح
وكادت الأنفس ممّا بها … تزهق والأرواح منا تطيح
واختلف الأصحاب ماذا الذى … يردّ من (٥) أنفسهم أو يريح
فقيل تعريسهم ساعة … وقيل (٦) بل قربك وهو الصحيح
وأنشد عنه القاضى الفقيه المحدّث تاج الدّين عبد الغفّار بن عبد الكافى السعدىّ، ونقلت من خطّه، قال: أنشدنى لنفسه قوله (٧):
يا معرضا عنّى ولست (٨) بمعرض … بل ناقضا عهدى ولست بناقض
стр. 610
أتعبتنى بخلائق لك لم تفد (١) … فيها- وقد جمحت- رياضة رائض
أرضيت أن تختار رفضى مذهبا … فتشنّع (٢) الأعداء أنّك رافضى
ووجدت بخطّ شيخنا تاج الدّين بن الدّشناوىّ، أنشدنا الشّيخ تقىّ الدّين لنفسه قوله (٣):
تمنّيت أنّ الشّيب عاجل لمّتى … وقرّب منى فى صباى مزاره
لآخذ (٤) من عصر الشباب نشاطه … وآخذ من عصر المشيب وقاره
وأنشد له ابن عبد الكافى، ونقلت من خطّه، ووجدته بخطّ شيخنا تاج الدّين، ويقال إنّه نظم ذلك فى ابن الجوزىّ [قوله]:
دقّقت فى الفطنة حتّى لقد … أبديت ما يسحر أو يسبى
وصرت فى أعلى مقاماتها … حيث يراك النّاس كالشّهب
وسار ما صيّرت من جوهر ال … حكمة فى الشّرق وفى الغرب
ثمّ تنازلت إلى حيث لا … ينزل ذو فهم وذو لبّ
تثبت ما تجحده فطرة ال … عقل ولا تشعر بالخطب
/ أنت دليل لى على أنّه … يحال بين المرء والقلب
وأنشدنى شيخنا أقضى القضاة شمس الدّين محمد بن القمّاح له، وقال إنّه نظمها فى بعض الوزراء [وهما قوله] (٥):
стр. 611
مقبل مدبر بعيد قريب … محسن مذنب عدوّ حبيب
عجب من عجائب البرّ والب … حر ونوع فرد وشكل عجيب (١)
وأنشدنى الفقيه الفاضل جمال الدّين محمد (٢) بن هارون القنائىّ، وشيخنا أثير الدّين قالا: أنشدنا الشّيخ تقىّ الدّين أبو الفتح لنفسه قوله:
سرينا ولم يظهر لنا الغيم بارقا … ولا كوكبا نهدى به فنسير
فقال صحابى قد هلكنا فقلت لا … هلاك علينا والدّليل بصير
وفضائله كثيرة، ومناقبه شهيرة، قد امتلأت منها الآفاق، وسارت بها الرّكبان والرّفاق، وهو ممّن اشتهر ذكره وشاع، وملأ المسامع والبقاع، ومدحه العلماء والأدباء، وأبناء الفضائل النّجباء، ولمّا كان يخطب بقوص سمعه الأديب [أبو الحسين] الجزّار، فأنشده مادحا له:
يا سيّد العلماء والشعراء وال … أدباء والخطباء والحفّاظ
شنّفت أسماع الأنام بخطبة … كست المعانى رونق الألفاظ
أبكت عيون السامعين فصولها … فزكت على الخطباء والوعّاظ
وعجبت منها كيف حازت رقّة … مع أنّها فى غاية الإغلاظ
ستقول مصر إذ رأتك لغيرها … ما الدّهر إلّا قسمة وأحاظ
ويقول قوم إذ رأوك خطيبهم … أنسيتنا قسّا بسوق عكاظ
وبلغنى أنّه أعطاه شيئا له صورة.
وكان كثير المكارم النفسانيّة، والمحاسن الإنسانيّة، لكنّه كان غالبا فى فاقة، تلزمه الإضاقة، فيحتاج إلى الاستدانة، وقد تفضى به إلى بذل الوجه المعروف بالصّيانة.
стр. 612
حكى لى شيخنا قاضى القضاة أبو عبد الله محمد بن جماعة أنّه كان عنده أمين الحكم بالقاهرة، وكان فيه اجتهاد فى تحصيل مال الأيتام، قال شيخنا: فأحضر عندى مرّة الشّيخ تقىّ الدّين، وادّعى بدين عليه للأيتام، فتوسّطت بينهما، وقرّرت معه أن تكون جامكيّة «الكامليّة» (١) للدّين و «الفاضليّة» (٢) لكلفه،/ ثمّ قلت له: أنا أشحّ عليك بسبب الاستدانة، فقال: ما يوقعنى فى ذلك إلّا محبّة الكتب … !
وحكى لى شيخنا تاج الدّين محمد بن [أحمد] الدّشناوىّ قال: حضرت عنده ليلة، وهو يطلب شمعة فلم يجد معه ثمنها، فقال لأولاده: فيكم من معه درهم؟ فسكتوا، وأردت أن أقول: معى درهم، فخشيت أن ينكر علىّ، فإنّه كان إذ ذاك قاضى القضاة، فكرّر الكلام، فقلت: معى درهم، فقال: ما سكوتك … !؟
وكان الشّيخ تاج الدّين تلميذه وتلميذ أبيه وابن صاحبه، والشّيخ تقىّ الدّين والشّيخ جلال الدّين [والد شيخنا تاج الدّين] تزوّجا بنتى البرهان (٣) ابن الفقيه نصر.
وحكى القاضى شهاب الدّين ابن الكويك التّاجر الكارمىّ [﵀] قال:
اجتمعت به مرّة فرأيته فى ضرورة، فقلت: يا سيّدنا ما تكتب ورقة لصاحب اليمن، اكتبها وأنا أقضى فيها الشغل، فكتب ورقة لطيفة، فيها هذه الأبيات:
تجادل أرباب الفضائل إذ رأوا … بضاعتهم موكوسة الحظّ فى الثمن
فقالوا عرضناها فلم نلف طالبا … ولا من له فى مثلها نظر حسن
ولم يبق إلّا رفضها واطّراحها … فقلت لهم لا تعجلوا السّوق باليمن
стр. 613
وأرسلها إليه، فأرسل إليه مائتى دينار، واستمرّ يرسلها كلّ سنة إلى أن مات- يعنى صاحب اليمن-.
وحصل له مرّة ضرورة فسافر إلى الصّعيد، وتوجّه إلى أسنا للشّيخ بهاء الدّين (١)، فأعطاه دراهم وكتبا، وأعطاه شمس الدّين أحمد بن السّديد (٢) شيئا له صورة.
وكان فيه إنصاف؛ حكى لى شيخنا تاج الدّين الدّشناوىّ (٣) قال: خلوت به مرّة، فقال: يا فقيه فزت برؤية الشّيخ زكىّ الدّين عبد العظيم (٤)؟ فقلت: وبرؤيتك، فكرّر الكلام، وكرّرت الجواب، فقال: كان الشّيخ زكىّ الدّين أدين منّى، ثمّ سكت ساعة وقال: غير أنّى أعلم منه.
وكان يحاسب نفسه على الكلام، ويأخذ عليها بالملام، لكنّه تولّى القضاء فى آخر عمره، وذاق من حلوه ومرّه، وحطّ ذلك عند أهل المعارف والأقدار من علوّ قدره، وحسّن الظنّ ببعض النّاس، فدخل عليه الباس، وحصل له من الملامة نصيب، والمجتهد يخطئ ويصيب، ولو حيل بينه وبين القضاء، لكان عند النّاس أحمد عصره، ومالك دهره، وثورىّ زمانه، والمتقدّم على كثير ممّن تقدّم فكيف على أقرانه؟!، على أنّه عزل نفسه مرّة بعد مرّة، وتنصّل منه كرّة بعد كرّة،/ والمرء لا ينفعه الحذر، والإنسان تحت القضاء والقدر، وكان يقول: والله ما خار الله لمن بلى بالقضاء، [و] أخبرنى الشّيخ شمس الدّين ابن عدلان أنّه قال له ذلك مرّة، وقال: يا فقيه لو لم يكن إلّا طول الوقوف للسؤال والحساب لكفى.
стр. 614
وفى هذا المعنى نظمت أنا شعرا:
لا تلينّ الدّهر أمر الورى … واقنع من الرّزق ببعض النّوال
لو لم يكن فى الحشر فيه سوى … طول وقوف المرء عند السؤال
لكان أمرا مؤلما محزنا … يلهيك عن أهل وجاه ومال
ودرّس بالفاضليّة (١)، والمدرسة المجاورة للشافعىّ، و «الكامليّة» (٢)، و «الصالحيّة» (٣) بالقاهرة، ودرّس بقوص بدار الحديث ببيت له، وله فى القضاء آثار حسنة، منها انتزاع أوقاف كانت أخذت واقتطعت لمقطّعين، ومنها أنّ القضاة كان يخلع عليهم الحرير، فخلع على الشّيخ الصّوف فاستمرّ، ورتّب مع الأوصياء «مباشرا» من جهته وغير ذلك، وكان يكتب إلى «النوّاب» (٤) يذكّرهم ويحذّرهم.
وممّا اشتهر من كتبه [ما كتب به] إلى المخلص البهنسىّ قاضى إخميم، وكان من القضاة فى زمنه، كتابا [أوّله] بعد البسملة:
«(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ، عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ، لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ).
«هذه المكاتبة إلى فلان الدّين، وفّقه الله تعالى لقبول النّصيحة، وآتاه لما يقرّبه إليه قصدا صالحا ونيّة صحيحة، أصدرها إليه بعد حمد الله الذى يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصّدور، ويمهل حتّى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور، تذكّره بأيّام الله تعالى «وَ إِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ»، وتحذّره صفقة من باع الآخرة بالدّنيا فما أحد سواه مغبون، عسى الله أن يرشده بهذا التّذكار وينفعه، وتأخذ هذه النّصائح
стр. 615
بحجزه من النّار، فإنّى أخاف أن يتردّى فيها، فيجرّ من ولّاه- والعياذ بالله- معه، والمقتضى لإصدارها ما لمحناه من الغفلة المستجكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم عن القيام بما يجب للربّ على المربوب، ومن أنسهم بهذه الدّرر وهم عنها يزعجون، وعلمهم بما بين أيديهم من عقبة كئود وهم منها لا يتخلصون،/ ولا سيّما القضاة الذين تحمّلوا الأمانة على كواهل ضعيفة، وظهروا بصور كبار وهمم نحيفة، ووالله إنّ الأمر لعظيم، وإنّ الخطب لجسيم، ولا أرى مع ذلك أمنا ولا قرارا ولا راحة، اللهمّ إلّا رجلا نبذ الآخرة وراه، واتّخذ إلهه هواه، وقصر همّه وهمّته على حظّ نفسه ودنياه، فغاية مطلبه حبّ الجاه، والمنزلة فى قلوب النّاس، وتحسين الزّى والملبس، والركبة والمجلس، غير مستشعر خسّة حاله، ولا ركاكة مقصده، فهذا لا كلام معه، فإنّك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من فى القبور، فاتّق الله الذى يراك حين تقوم، واقصر أملك عليه فإنّ المحروم من فضله غير مرحوم، وما أنا وأنتم أيّها النّفر إلّا كما قال حبيب العجمىّ، وقد قال له قائل:
يا ليتنا لم نخلق، قال: قد وقعتم فاحتالوا.
«فإن خفى عليك بعد هذا الخطر، وشغلتك الدّنيا أن تقضى من معرفتها الوطر، فتأمّل كلام النبوّة: القضاة ثلاثة، وقول النبىّ ﷺ لبعض أصحابه مشفقا عليه: «لا تأمّرنّ على اثنين ولا تلينّ مال يتيم»، لا حول ولا قوّة إلّا بالله العلىّ العظيم، هيهات جفّ القلم، ونفذ أمر الله فلا رادّ لما حكم، ومن هنالك شمّ النّاس من فم الصدّيق رائحة الكبد المشويّة، وقال الفاروق: ليت أمّ عمر لم تلده، واستسلم عثمان وقال: من أغمد سيفه فهو حرّ، وقال علىّ، والخزائن مملوءة بين يديه:
من يشترى منّى سيفى [هذا]؟ ولو وجدت ما أشترى به رداء ما بعته، وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز فمات من خشية العرض، وعلّق بعض السّلف فى بيته سوطا يؤدّب به نفسه إذا فتر.
стр. 616
«أفترى ذلك سدى؟، أم وضح أن نحن المقرّبون وهم البعداء؟، وهذه والله أحوال لا تؤخذ من باب السّلم والإجارة والجنايات، نعم كلّها تنال بالخضوع والخشوع، وبأن نظمأ ونجوع، وتحمى عينيك الهجوع، ومما يعينك على هذا الأمر الذى [قد] دعوتك إليه، وتزوّدك فى سفرك للعرض عليه، أن تجعل لك وقتا تعمره بالتذكّر والتفكّر، وأياما تجعلها [لك] معدّة لجلاء قلبك، فإنّه متى استحكم صداه صعب تلافيه، وأعرض عنه من هو أعلم بما فيه، فاجعل أكبر همّك الاستعداد للمعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد؛ فإنّه يقول «فو ربّك لنسألنّهم أجمعين عمّا كانوا يعملون»، ومهما وجدت من همّتك قصورا، واستشعرت من نفسك عمّا بدا لها نفورا،/ فاجأر إليه وقف ببابه؛ فإنّه لا يعرض عمّن صدق، ولا يعزب عن علمه خفاء الضمائر؛ ألا يعلم من خلق؟
«وهذه نصيحتى إليك، وحجّتى بين يدى الله- إن فرّطت- عليك، أسأل الله لى ولك قلبا واعيا، ولسانا ذاكرا، ونفسا مطمئنّة بمنّه وكرمه».
توفّى يوم الجمعة حادى عشر صفر عام اثنين وسبعمائة، ودفن يوم السبت بسفح المقطم، وكان ذلك يوما مشهودا، عزيزا مثله فى الوجود، سارع النّاس إليه، ووقف جيش ينتظر الصلاة عليه، رحمه الله تعالى، وهو ممّن تألّمت على فوات رؤيته، والتملّى بفوائده وبركته، لكنّى انتفعت بالنّظر فى كتبه فى الصّغر، واستفدت منها فى الكبر، وعلّقت من تصانيفه مباحث جليلة، وقيّدت من تآليفه جملا جميلة، جمع الله الشمل بينى وبينه فى دار كرامته، ومتّعنى بمشاهدته ورؤيته فى جنّته.
ورثاه جماعة من الفضلاء والأدباء بالقاهرة وقوص، منهم شعيب ابن أبى شعيب، والأمير مجير الدّين بن اللمطىّ (١)، وشرف الدّين النّصيبينىّ (٢).
стр. 617
(٤٦٤ - محمد بن عمر بن عبد الرّحمن الجمال القوصىّ)
محمد بن عمر بن عبد الرّحمن النّخعىّ، ينعت بالجمال القوصىّ، ويعرف بابن المجد سمع من الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ «الثّقفيّات (١)»، وكان من عدول قوص العقلاء، ومن أرباب البيوت [الفضلاء] وكان محترزا فى شهادته، ومضى على جميل.
توفّى ببلده سنة تسع وعشرين وسبعمائة.
(٤٦٥ - محمد بن عيسى بن ملاعب الأسوانىّ)
محمد بن عيسى بن ملاعب بن علىّ بن محمد بن ملاعب بن يحيى المخزومىّ، ينعت بالصّدر، الأسوانىّ المولد والدّار والوفاة، الأسنائىّ المحتد، اشتغل بالفقه على المعين السّبتىّ (٢)، وتولّى الإعادة (٣) بالمدرسة النّجميّة بأسوان، وتولّى النّيابة فى الحكم بأسوان وأدفو.
وتوفّى سنة سبع عشرة وسبعمائة.
(٤٦٦ - محمد بن عيسى بن جعفر الهاشمىّ الأرمنتىّ (¬*))
محمد بن عيسى بن جعفر الهاشمىّ الأرمنتىّ، ينعت بالجمال، وهو أخو الشريف يونس (٤)، كان من الفقهاء الأخيار والقضاة الحكّام، تولّى الحكم بدشنا، واتّفق أنّ قاضى قوص شرف الدّين ابن عتيق قال مرّة: كلّ نائب لى عدل، فاتّفق أنّ
стр. 618
جمال الدّين هذا اجتاز بسوق الورّاقين، فقال له بعض الشّهود: اشهد معى فى هذه الورقة، فجلس وكتب معه، ولم يكن جلس قبل ذلك، فبلغت القضيّة ابن عتيق، فنهره بحضرة الجماعة، فقال: سيّدنا قال: كلّ نائب لى عدل، فقال: قلت ذلك تعظيما لكم ما أذنت فى الجلوس، فقام من المجلس ومخط (١) دما ومات من وقته، حكى [لى] / ذلك جماعة.
وكانت وفاته فى سنة اثنتين وتسعين وستّمائة.
(٤٦٧ - محمد بن عيسى بن جعفر التّميمىّ القوصىّ (¬*))
محمد بن عيسى بن جعفر التّميمىّ، كمال الدّين، المعروف بابن الكتنانىّ، الفقيه الشافعىّ القاضى، الإخميمىّ الأصل القوصىّ، كان فيه معرفة وسكون ووفور عقل، وله يد فى التّوثيق والحساب، تولّى الحكم بأرمنت ودمامين وقنا وسمهود والبلينا (٢)، وناب فى الحكم بقوص إلى حين وفاته، ودرّس برباط (٣) ابن الفقيه نصر بمدينة قوص، فى ذى القعدة سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، وكان يقول إنّ مولده سنة خمسين وستّمائة، أو ما يقاربها.
(٤٦٨ - محمد بن عيسى الجمحىّ الأسوانىّ)
محمد بن عيسى الجمحىّ الأسوانىّ، ينعت بالجمال، أمين الحكم، سمع من
стр. 619
الشّيخ تقىّ الدّين (١) القشيرىّ، وله مشاركة فى النّحو والفقه، قرأهما على المعين (٢) السّبتىّ، والقاضى شمس الدّين (٣) ابن المفضّل، وأقام سنين كثيرة أمين الحكم ببلده، وسيرته حسنة، وله معرفة بالتّوثيق والحساب.
توفّى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وقد قارب مائة سنة.
(٤٦٩ - محمد بن عيسى الضياء القوصىّ)
محمد بن عيسى [بن يوسف]، ينعت بالضّياء القوصىّ، سمع من الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ سنة تسع وخمسين وستّمائة.
(٤٧٠ - محمد بن فضل الله بن كاتب المرج القوصىّ (¬*))
محمد بن فضل الله بن أبى نصر بن أبى الرّضى، السّديد بن كاتب المرج، القوصىّ المولد، أديب كامل [شاعر] فاضل، كأنّما خلق خلقه من نسمات السّحر، وصوّر وجهه من محاسن الشّمس والقمر، مع فصاحة لسان وقلم، وحياء وكرم، وصدق لهجة، يسير بها على واضح المحجّة، وكان والده قد أعطى فى سعة العطاء ما يعزّ الآن وجوده، فلا يضاهى عطاؤه وجوده، فجزاه الله بما أسلف من خير، إسلام أبنائه أجمعين، وهداهم إلى اتّباع سيّد المرسلين، وانتقلوا من شريعة عيسى إلى شريعة محمد المختار، وربّك يخلق ما يشاء ويختار، والسّعادة لا تنال بالسّاعد، وإنّما يرزقها من كان المقدور له مساعد.
وسديد الدّين هذا هو الدّرّة فى العقد الثمين، وراية المجد التى تتلقّى باليمين،
стр. 620
له مشاركة فى النّحو والأصول والحكمة والطبّ وغيرها، قرأ النّحو والأصول والفقه على نجم الدّين الطّوفىّ (١) البغدادىّ الحنبلىّ، وكان قد استوطن قوص، ثمّ قرأ «التّقريب» (٢) على مؤلفه شيخنا العلّامة أثير الدّين أبى حيّان [أبقاه الله تعالى فى خير وعافية] وتأدّب على أدباء قوص: شيخنا تاج الدّين أبى الفتح محمد ابن الدّشناوىّ، ومجير الدّين عمر ابن اللمطىّ، وشرف الدّين محمد النّصيبينىّ وغيرهم،/ ونظم ونثر، ما يفوق نظم الجوهر ونثر الدّرر، وأجاد فى الأدب، حتّى وصل فيه إلى نهاية الرّتب، وبلغ فيه غاية الأرب، وجرى على مذهب أهل الأدب فى أنّهم يستجلون محاسن الشباب، ويستحلون التشبيب بالشّراب، ووصف الحباب.
وقد أثبتّ من نظمه المستعذب، وذكرت من لفظه المحرّر المهذّب، ما يسحر الألباب، ويسخر بالأقران والأتراب، ويميّزه على أبناء جنسه، وهو ممّا أنشدنى لنفسه (٣):
أما وطيب عشيّات وأسحار … من بعدها أفلت شمسى وأقمارى
بها أذكّر دهرى كى يجود بها … فلا يجود ولا يأتى بأعذار
لو أنّ تلك من الأيام عدن لنا … أو اللّيالى ولم تحتج لتذكار
لله ليلاتها البيض القصار فكم … سطوت منها على دهرى ببتّار
أنكرت إفشاء سرّ كنت أكتمه … فيها ولكنّنى أنكرت إنكارى
يا للعجائب ليل ما هجعت به … لنوره كيف تخفى فيه أسرارى
إنّ الضّنى عن جميع النّاس ميّزنى … فكان علّة إخفائى وإظهارى
стр. 621
فلا تقولوا إذا استبطأتم خبرى … أما النّسيم عليه سائر سارى
فلو يمرّ نسيم بى لسار إلى … مغناكم بى كما يسرى بأخبارى
وأنشدنى أيضا لنفسه:
ترى هل لعينى حيلة أن تراكم … وكيف وفيها للدّموع تراكم
أيا جيرة الوادى ولم أدر طيبه … أمن شجرات فيه أم من شذاكم
فبالمسك مالى حيلة إن أتيتكم … ولا لكم إن طيب ذكرى أتاكم
وما بى فقر إن حللت بأرضكم … لأنّ ثرائى وقفة فى ثراكم
أسير إليكم والسّقام يقودنى … فإمّا حمامى دونكم أو حماكم
فإن قلت تفديكم من السوء مهجتى … فما مهجتى حتّى تكون فداكم؟
هويتكم والنّاس طرّا فما الذى … خصصت به حتّى ولا بهواكم
وفيم تعادينى الأنام عليكم … وكلّهم أحبابكم لا عداكم
كفانى إليكم أنّ مالى وسيلة … ولو شئتم أن تحسنوا لكفاكم
/ وكان شبابى إن غضبتم تجنّيا … شفيعا إلى ما أبتغى من رضاكم
وكنت أظنّ الشيب ينهى عن الهوى … فلم ينهنى عنكم ولكن نهاكم
وأنشدنى أيضا لنفسه:
لا أكثر الشّكوى له فأطيلا … وكفى على حالى النّسيم دليلا
لمس الصّبا جسدى فألبسه الضّنى … فنسيمها يسرى إليه عليلا
أيصحّ جسمى والعهود سقيمة … وأقرّ إن عزم الخليط رحيلا
وأجيل طرفى فى الرّسوم شواخصا … وأرى ربوع الظّاعنين طلولا
وأرى الأهلّة والشّموس ولا أرى … أشباه بهجتها ضحى وأصيلا
وأروم بالظّبيات عنهم سلوة … وأرى العناق يفوت والتّقبيلا
стр. 622
ولكم رشفت المسك أحسبه اللمى (١) … لكنّنى لم ألفه معسولا
لم أدر إلّا كان حلما قربهم … والبعد بعدهم أتى تأويلا
وبمهجتى الرّشأ (٢) الذى ولى الهوى … فنفى الكرى عن مقلتى معسولا
من حبّه قد أوقدت فى أضلعى … نار الخليل ولا أراه خليلا
ضمنت لواحظه على ما ضمّنت … وقوامه التّجريح والتّعديلا
ما ضرّ من حاكى ملاحة يوسف … أن لو حكى فى الصّدق إسماعيلا
وأنشدنى أيضا لنفسه (٣):
قالوا وقد غلطوا أو ألّفوا زورا … إنّ العزيز سبى العشاق مغرورا
والحقّ أنّك تدرى ما صنعت بنا … ولو بخمر الصّبا أصبحت مخمورا
فاقتل ولا تستشر فى قتلتى أحدا … فما رأينا مليحا أمره شورى
خير من الهجر وصل ترتضيه وما … يسرّ قلبى أو يلقاك مسرورا
يا ساحر الجفن أظهرت سرّى إذ … صيّرتنى بفنون السّحر مسحورا
وقد لعبت بلبّى إذا حسبتك فى … قتل المحبّين مأجورا ومشكورا
إن راح طرفى قفرا إذ رحلت فقد … غدا بسكناك بيت القلب معمورا
وأنشدنى من قصيدة لنفسه (٤):
ورد الكاس فهى نار إذا كا … ن ولا بدّ من ورود النّار
/ وتحدّ الذين لم يردوها … بضروب من معجزات الكبار
واجل فى الليل من سناها شموسا … وأدر فى النّهار منها الدّرارى
стр. 623
وأر الدرّ من يغوص عليه … عائما من حبابها فى النّضار
إنّما لذّة المدامة ملك … لك فاشرب وما سواها عوار
وأنشدنى أيضا لنفسه من قصيدة مدح بها شمس الدّين محمدا الماردانىّ (١) الشاعر، أوّلها:
برق (٢) بدا من دار علوه … أو قلب صبّ صار جذوه
فيها قلوب العاشقي … ن تصرّمت صدّا وجفوه
إنّى اجتهدت فصرت فى ال … عشّاق قدوة كلّ قدوه
لو أنّ قيسا مدركى … لمشى على نهجى وعروه
لا عيش من بعد الصّبا … يحلو سوى بجنون صبوه
بمهفهف يسبى العقو … ل كأنّ فى جفنيه قهوه
أبدا قضيب القدّ من … هـ يميل من لين ونشوه
قد أسكرت رشفاته … لكنّها كالشّهد حلوه
لك كلّ وصف يجعل ال … سكّيت منطيقا مفوّه
أدب وأنساب وأح … ساب وإحسان ونخوه
شعرى إليك جنيته … فأتى رقيق اللفظ نضوه (٣)
وأتت قوافيه على … أعقابه فأتت بقوّه
وقد اعترفت بمدح فض … لك لا بإكراه وسطوه
ووفيته جهرا ولو … أخفيته لأتاك رشوه
стр. 624
وأنشدنى لنفسه ممّا كتبه فى صدر كتاب وهو قوله (١):
إذا حملت طيب الشّذى نسمة الصّبا … فذاك سلامى والنّسيم فمن رسلى
وإن طلعت شمس النّهار ذكرتكم … بصالحة والمثل (٢) يذكر بالمثل
وأنشدنى أيضا لنفسه (٣):
أقول لجنح اللّيل لا تحك شعر من … هويت وهذا القول من جهتى نصح
/ فقد رام ضوء الصّبح يحكى جبينه … مرارا فما حاكاه وافتضح الصّبح
وأنشدنى [أيضا] لنفسه (٤):
لمن أشتكى البرغوث يا قوم إنّه … أراق دمى ظلما وأرّق أجفانى
وما زال بى كالليث فى وثباته … إلى أن رمانى كالقتيل وعرّانى
إذا هو آذانى صبرت تجلّدا … ويخرج عقلى حين يدخل آذانى
وأنشدنى [أيضا] لنفسه من مرثيّة، رثى بها شابا أمرد من أولاد الجند، كان قد اشتغل بالأدب، يقال له ابن بدران، أوّلها (٥):
تزلزل عقل فيك كالجبل المرسى … ولانت قلوب كالحجارة أو أقسا
وجرّع كلّ من حمامك غصّة … وما مثلها ممّا يساغ ولا يحسا
مرضت فطمّنّا بأخبار صحّة … فيا ليتها صحّت ولو أعقبت نكسا
سبقت بطرف فى يدى الموت باكيا … فليتك لم تسبق ولم تدّع النّفسا
وتعسا (٦) لدنيا كم أراحت وأتعبت … وصبّح فيها البشر قوما فما أمسى
стр. 625
أيا موت كم أبليت ثوب شبيبة … فأنت الذى تبلى ونحن الذى نكسا
أيا من بكاه حسرة وتفجّعا … لأن حلّ قبرا موحشا ضمّه رمسا
على غيره خف وحشة القبر إنّنى … رأيتهم فى قبره دفنوا الإنسا
ويا من تواسى عنه ما لك والأسى … أأبصرت محزونا لدى حزن آسا
ويا من يعزّى فيه هل أنت بالغ … عزاء الورى لو كنت سحبان أو قسّا
فإن كنت عنه مسلّيا ومعزّيا … فعزّ أخاه البدر أو أخته الشّمسا
وأعجب منها اليوم أضحت منيرة … ورونق ذاك الوجه كالأمس قد أمسى
[منها]:
عروس البلى طلّقت عرسك بتّة … كأنّك ما استرضيت غير الثّرى عرسا
وقبّلك الدّيدان ميتا وكنت لا … تقبّل من غيد مراشفها اللعسا
أتغدو خليط الأرض مع ما حويت من … فصاحة نطق وهى تعرف بالخرسا
وتسلب أثواب الشباب جديدة … وغيرك يتلفها ويخلقها لبسا
ليهنك لقيا الله فى شهر رحمة … تقدّست الدّنيا به وغدت قدسا
ومتّ بذات الجنب وهى شهادة … فبعدك فيه قارن السّعد لا النّحسا
/ لئن كنت غصنا طاب أصلا ومغرسا … فكم جعلوا فى التّرب غصنا وكم غرسا
ولكن عهدنا الغصن ينقل للثّرى … فيزداد ترطيبا فزدت به يبسا
سقاك الحيا ما طاف سعيا بمكة ال … حجيج وما صلّى المصلّى له الخمسا
وساق إليك الله سحب (١) مراحم … تروّيك ما ساقت حداة حدت عيسا
وأمطرت هتّانا من الأمن والرّضى … ليذهب عنك الخوف والسّخط والرّجسا (٢)
стр. 626
وأنشدنى (١) لنفسه هذا الموشّح [الذى أوّله]:
افتك بنا فى السّقم … والهمّ كلّ فتك
بخمرة كالعندم … أو مرشف ابن تركى
فلونها لون الدّم … والريح ريح المسك
كم صبّرت (٢) ذا ألم … من كدر وضنك
والعيش منه يصفو … والطّيش يستخفّ
وللسّرور زحف … منه الهموم تهرب
ولو أتت فى ألف … يا مرحبا بالغائب
إذ جاء فى العذار … يزرى بكلّ كاعب
تزور فى الإزار … فلم أكن بخائب
عليه فى انتظار … ولم أقل كالعاتب
أبطأت فى مزارى … إلا التفت لخلفو
وقال يشير بكفّو … وحاجبو لردفو
هذا الثقيل أعتب (٣) … على انقطاعو خلفى
ومدحنى (٤) بموشّح كتبته استحسانا، وأنشده لى، وكتبه لى بخطّه، وأوّله:
لى (٥) مربع قد خلا … من أهله [فى] السّبسب: عمران
فإن يكن أمحلا … فمدمعى كالسّحب: هتّان
стр. 627
سروا فطاب الشّميم … وكلّ واد عاطر
ولى فؤاد يهيم … بالعشق وهو شاعر
يحكى ظباء الصّريم … لو صيد منهم نافر
حذرت ألّا يريم … فرام ما أحاذر
فإن سرى فى بهيم … ليل فبدر سافر
/ وإن يسر عجلا … فالظّبى عند الهرب: عجلان
أو حلّ وسط الفلا … فقومه من عرب: غزلان
يقول خلّ انطلاق … الدّمع قصد السّمعة
فما لأهل النّفاق … ووجنة كالجنّة
فقلت دمع يراق … هل ردّه فى الحيلة
كلّفت ما لا يطاق … فى شرعة المحبة
ولا وعدت العناق … وقهوة الرّيق الّتى
من حاسديها الطّلا (١) … وحسن نظم الحبب (٢): خجلان
لا لغو فيها ولا … يحرسها من شنب: رضوان
ليست كراح يطاف … بها حراما لا حلال
[تدقّ عند اختطاف … عقول قوم كالجبال (٣)]
كم أمنت من يخاف … إما بحقّ أو محال
وهوّنت من تلاف … عرض ودين بعد مال
стр. 628
فدع كئوس السّلاف … واستجل أوصاف الكمال
فإنّما يجتلى … على الكرام النّجب: إحسان
من عنده بالعلا … يستعبد الحرّ الأبى: إيمان
أثنت عليه العدا … وعدّدت مآثره
مركز بذل الجدا … ومن سواه الدّائره
بلا حروف النّدا … لبّت لهاه (١) الغامره
أسلف كلّا يدا … حتّى السّحاب الهامره
وقد ملا بالنّدى … كلّ بقاع القاهره
حتّى رأينا الملا … لفضله والأدب: قد دان (٢)
إذ هم رعايا العلا … وجعفر بن ثعلب (٣) سلطان
منه يعاد الكلام … فما يقول النّاظم؟
فى العلم حبر إمام … [و] فى السّخاء حاتم
فيا أبا الفضل دام … لى ببقاك العالم
فأنت عين الأنام … / يقظى وكلّ نائم
بك الجدود الكرام … تسرّ حتّى آدم
أنت لمن قد تلا … على صميم النّسب: عنوان
يا آخرا وأوّلا … كأنّه فى الكتب: قرآن
стр. 629
وغادة تنجلى … فينجلى القلب الحزين
[بها يحلّى الحلى … ويسحر السحر المبين]
قلت لها والخلى … لم يدر ما الدّاء الدّفين
بالله من ينطلى … عليك أو تألفين
ابن علىّ بعلى … قالت نعم يا مسلمين
لولا علىّ انطلى … تركت أمّى وأبى: من شانو
كفاه الله البلا … يبيت سواى ذا الصبى: فى أحضانو
وأشعاره كثيرة، وموارده فى الأدب غزيرة، وقد ثبتت عدالته، وكملت رياسته، وتمت [بالفضائل] سيادته، جلس بالورّاقين بقوص، وولى وكالة بيت المال بالأعمال القوصية، وتقلّب فى المباشرات السّلطانية، وهو فى كلّها محمود الطريقة، مشكور عند الخليقة، وهو الآن مستوطن مدينة «هو» (١) للضّرورة، المحوجة إلى قيام الصّورة، مركز أهل الفضائل، جار فى المكارم على ما نقل من أخبار الأوائل، ساحب ذيل البلاغة على سحبان وائل، ولد بقوص [سنة … ] (٢).
стр. 630
(٤٧١ - محمد بن محمد بن عيسى النّصيبينىّ القوصىّ (¬*))
محمد بن محمد [بن عيسى] بن نحام بن نجدة (١) بن معتوق الشّيبانىّ النّصيبينىّ ثمّ القوصىّ، الأديب الشاعر، الفاضل المحدّث، سمع الحديث من العزّ الحرّانىّ، وأبى عبد الله محمد بن الحسين الحنبلىّ (٢)، ومن أبى الطّاهر إسماعيل بن هبة الله بن على [بن] المليجىّ وغيرهم، وحدّث بقوص بكتاب البخارىّ، سمع منه قاضيها زين الدّين أبو الطّاهر إسماعيل (٣) السّفطىّ، والشّيخ سراج الدّين محمد (٤) بن عثمان الدّندرىّ وجماعة.
وكان له مشاركة فى النّحو واللغة والتاريخ، ومعرفة بالبديع والعروض والقوافى، وكان كبير المروّة، كثير الفتوّة، ظريفا لطيفا خفيف الرّوح، له قدرة على ارتجال الحكاية المطوّلة والشعر، سريع البادرة فيه، وله ديوان شعر فى ثلاث مجلّدات، وكان رزقه منه؛ يمتدح القضاة والأمراء والكبار والتّجار، وكان ما يحصل له ينفقه على نفسه، وعلى شخص كان يخدمه، وعلى/ أولاد ذلك الشخص، وكان مقيما بمسجد جوارنا بالمدرسة الشمسيّة بمدينة قوص.
أنشدنى لنفسه قوله (٥):
رضاك هو الدّنيا إذا صحّ والدّين … ومن لم ينل منك الرّضا فهو مغبون
فتنت ومالى غير حبّك فتنة … وأعظم فخرى أنّنى بك مفتون
وحبّك مفروض على السّخط والرّضا … علىّ فأمّا ما عداه فمسنون
стр. 631
وقد ذكروا مجنون ليلى وأكثروا … وكلّ زمان فيه ليلى ومجنون
وقالوا سلا عن حبّه بعد ما غدا … له فى مقام الحبّ شان وتمكين
فأمّا غرامى فهو أمر محقّق … وأمّا سلوى فهو ظنّ وتخمين
أمثلى يسلو أو يبوح بسرّه … وفى قلبى المحزون سرّك مخزون
تصدّق بأدنى عطفة منك إنّنى … فقير وإن قصّرت عنّى فمسكين
ولست وإن طال البعاد بآيس … من القرب إنّ البعد بالقرب مقرون
وأنشدنى قصيدة مدح بها محمود بن الكويك الكارمىّ، وهو آخر شعر صنّفه، وتوفّى بعدها بأيام لطيفة، أوّلها:
تا لله يا أيّامنا بزرود (١) … إن كان يمكن أن تعودى عودى
ما كان أسرع ما ذهبت حميدة … والعيش منذ ذهبت غير حميد
وكان فى وقت شنّع النّاس بأنّ النّيل فى تلك السنة ما يطلع، وقد حصل للنّاس يأس، وامتنعوا عن العطاء له، وحصل له ضيق، فنظم قصيدة لقاضى قوص السّفطىّ (٢)، وكتب بها إليه، أوّلها:
نعم هى دار من تهوى يقينا … وما نخشاه ساكنها (٣) يقينا
أنيخوا فى معالمها المطايا … فديتكم لنشكو ما لقينا
فإنّ وقوفنا فيهنّ فرض … علينا ما بقين وما بقينا
ذكرنا حلو عيش مرّ غضّا (٤) … وما كنّا له يوما نسينا
وكاسات المسرّة دائرات … تحيّينا شمالا أو يمينا
стр. 632
وقد أضحى الشباب لنا على ما … نحاول من مقاصدنا معينا
إذا فى نيل مطلوب دعونا … يقول الدّهر مبتسما أمينا
/ وما الدّنيا تسرّ المرء إلّا … إذا كان الشباب له قرينا
وكم من مرجف بظنون سوء … فلا صدقت ظنون المرجفينا
يخوّف من سنى جدب ونرجو … دوام الخصب من ربّ السّنينا
أنخشى عيلة ونخاف فقرا … وزين (١) الدّين إسماعيل فينا
وأخذ فى المدح …
وأنشدنى (٢) له صاحبنا العدل الفاضل ناصر الدّين محمد بن عبد القوىّ الأسنائىّ، ممّا كتبه عنه يمدح المصطفى ﷺ بقصيدة، أوّلها (٣):
تذكّر بالسّفح (٤) بانا وظلّا … فأجرى المدامع وبلا وطلّا
يرجّى زمانا تولّى يعود … وليس يعود زمان تولّى
كئيب تحمّل ما لا يطيق … له الصخر من ألم البين حملا
يبيت يكابد آلامه … وأسقامه وكما بات ظلّا
وضيّع أوقاته فى عسى … وماذا تفيد عسى أو لعلّا
ويشرب من ماء أجفانه … على الظمأ البرح نهلا وعلّا
أحبّتنا أكثر العمر راح … عتابا فلا تتبعوه الأقلّا
وعودوا عسى أن يعود السّرو … ر فمنذ تولّيتم عنه ولّى
ولا تحسبوه يسلاكم … فعن مثلكم مثله ما تسلّى
стр. 633
مللتم دنوّى وما عادتى … إذا ملّنى سادتى أن أملّا
وما خنت مذ كنت ميثاقكم … ولست أخون وحاشا وكلّا
أذلّ لكم علّكم تعطفون … علىّ وما شيمتى أن أذلّا
فيا بين مهلا فلو أنّ لى … بقية صبر لما قلت مهلا
فحيّا الحيا أحدا والبقيع (١) … وحيّا القرين ومن فيه حلّا
وسقى المدرّج (٢) ثمّ العقيق (٣) … وسلعا (٤) وأرض قبا (٥) والمصلّى (٦)
منازل ما أطيب العيش فى … رباها على كلّ حال وأحلى
إذا سرت عنها أرى السّهل وعرا … وإن زرتها أرى الوعر سهلا
وكيف أقول سقاها الحيا … وأخشى عليها مدى الدّهر محلا
وفيها الجواد الذى كفّه … من السّحب أندى وأجدى وأعلى
أجلّ العباد وأعلاهم … وما خلّف دنيا وأخرى محّلا
/ نبى سخى حيىّ وفىّ … أبرّ البريّة قولا وفعلا
وسيم عليه يلوح القبول … وسيما السعادة مذ كان طفلا
وخفّ على أمّه حمله … بلطف الإله فلم يشك ثقلا
стр. 634
تجلّى فأخجل بدر السّما … وأشرقت الأرض لمّا تجلّى
وطهّره الله خلقا وخلقا … وقولا وفعلا وفرعا وأصلا
وأثنى بما هو أهل له … عليه وما زال للمدح أهلا
ومعجز كلّ نبىّ مضى … ومعجزه أبد الدّهر يتلى
أذلّ الملوك له ربّه … فكم بين أسرى لديه وقتلى
وطابت بتربته طيبة … وحلّ بها الخير علوا وسفلا
أمات الذّحول بها لطفه … فلم يبق بين الفريقين ذحلا
له الحوض طوبى لمن نال من … هـ ريّا وويل لمن عنه ولّى
وما زال يملأ أرض العدوّ … فى طاعة الله خيلا ورجلا
ويسقى عداه كئوس الحمام … سقاة المنية دورا ونزلا
ويبذل مهجته طالبا … رضا الله إذا ظهر الحقّ بذلا
فلله كم من ذليل أعزّ … وفى الله كم من عزيز أذلّا
وفكّ أسيرا وآوى طريدا … وعافى مريضا وأغنى مقلّا
وشقّ له القمر المستنير … والشّمس ردّت وناهيك فضلا
وسبّح فى راحتيه الحصى … لربّ العباد تعالى وجلّا
وحنّ إليه حنين العشار (١) … جذيع قديم وقد كاد يبلى (٢)
وناول فى يوم بدر قضيبا … لبعض الصحابة فارتدّ نصلا
وقد سجدت سرحة إذ رأته … وأخرى أتته فلبّته عجلى
وخبّر عن كلّ شئ يكون … بعد وعن كلّ ما كان قبلا
عجبت لمن يتعامى عن ال … براهين وهى من الشّمس أجلى
стр. 635
ويقلع فى وجه تيار بحر … هواه عنادا وبغيا وجهلا
أفى الحق شكّ إذا وفّق ال … م إله وقد صحّ عقلا ونقلا
/ يريدون أن يطفئوا نوره … بأفواههم ضلّ شانيه ضلّا
مدحت محمدا المصطفى ال … كريم الحليم الحكيم الأجلّا
لعلّى فى حوضه فى غد … إذا جئته ظاميا لا أخلّى
محمد نحن كما قد علمت … ضيوفك والصّيف يحتاج نزلا
وما ذكروا عنك لا فى الحياة … ولا فى الممات وحاشاك بخلا
هلمّوا القرى وقرانا النّجاة … بذا العرض إذ يرجع العزّ ذلّا
وقفنا ببابك نشكو إليك … من الكرب والكرب قد عمّ كلّا
وأنّى نظرت لنا نظرة … تلاشى بها كربنا واضمحلّا
فلا تتخلّ عن المذنبين … إذا المرء عن والديه تخلّى
وصلّى عليك الغفور الرّحيم … وسلّم ما صام عبد وصلّى
ولمّا مات الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ، رثاه بقصيدة أنشدنيها ناصر الدّين المذكور، أوّلها (١):
سيطول بعدك فى الطّلول وقوفى … أروى الثّرى من مدمعى المذروف
أبكى على فقد العلوم بأسرها … والمكرمات بناظر مطروف
أمحمد بن علىّ بن وهب دعوة … من قلب محزون الفؤاد أسيف
لو كان يقبل فيك حتفك فدية … لفديت من علمائنا بألوف
أو كان من حمر المنايا مانع … منعتك سمر قنا وبيض سيوف
ما كنت فى الدّنيا على الدّنيا إذا … ولّت بمحزون ولا مأسوف
سلمت عداتك لا عداتك كلّها … مذ كنت من مطل ومن تسويف