واهتزّ بالأردان … أردانى
إذ قام منشدا
وطائر الأفنان … أفنانى
إذ ناح فى السّحر … وهاتف الأذان
آذانى … إذ نبّه البشر
وأنشدنى والدى رحمه الله تعالى فى «خولىّ» البلد يقال له «كستبان» [هذين البيتين له]:
أبى كستبان الرحل أن يحمل الظّرفا … لقد عدم الحسنى كما عدم الظّرفا
يسمّونه الخولىّ وهو مصحّف … ألا إنّه الحولى الذى يأكل الحلفا
وكان فى المائة السادسة، وأظنّه مات بعد سنة خمسين، وأنشدنى أبى عنه أشياء لم تعلق بخاطرى.
(٥٤٠ - نوح بن عبد المجيد القوصىّ)
نوح بن عبد المجيد [بن عبد الحميد] القوصىّ، ينعت بالزّين، اشتغل بالفقه على مذهب الإمام الشافعىّ، وتولّى الحكم بعيذاب والأقصر، ودرّس بمدرسة أبيه المجد بمدينة قوص.
وتوفّى سنة عشرين وسبعمائة.
(٥٤١ - نوفل بن جعفر بن أحمد الأدفوىّ)
نوفل بن جعفر بن أحمد بن جعفر بن يونس، ينعت بالمخلص، كنيته أبو القاسم، جدّنا الأعلى، كان حاكما بأدفو وعيذاب، أخبرونا أنّه أقام حاكما بها أربعين سنة، وكان صوّاما قوّاما.
стр. 702
توفّى ببلده أدفو فى الثّلث الأوّل من ليلة يسفر صباحها عن خامس عشر شوّال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.
(٥٤٢ - نوفل بن مطهّر بن نوفل الأدفوىّ)
نوفل بن مطهّر (١) بن نوفل، المذكور قبله، ينعت بالضّياء، كان رئيس بلده وحاكمها، وكان ممسكا وهو من أهل الثروة،/ فبسبب ذلك هجاه ابن شمس (٢) الخلافة.
وكان آدم اللون قصيرا، توفّى سنة سبع وخمسين وستّمائة ظنّا.
стр. 703
باب الهاء
(٥٤٣ - هارون بن محمد الأسوانىّ (¬*))
هارون بن محمد بن هارون الأسوانىّ، يكنى أبا موسى، ذكره ابن يونس وقال:
كان أحد أصحابنا الذين كتبوا معنا الحديث، وكان فقيها على مذهب مالك.
توفّى ليلة الاثنين لاثنين وعشرين ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة سبع وعشرين وثلاثمائة (١).
(٥٤٤ - هارون بن موسى ابن المصلّى الأرمنتىّ (¬**))
هارون بن موسى بن محمد الرّشيد، المعروف بابن المصلّى الأرمنتىّ، كان ينظم وتقع له أشياء حسنة، اجتمعت به وأنشدنى من شعره، لكن لم يعلق بذهنى منه شئ.
وأنشدنى ابنه ممّا سمعه منه [من شعره] من قصيدة، منها [قوله (٢)]:
حثّها الشّوق حثيثا من وراها … فتراها عانقت ترب ثراها
واعتراها الوجد حتّى رقصت … طربا أسكرنى طيب شذاها
غنّنى يا ساقى الرّاح بها … ليس يغنى فاقتى إلّا غناها
ومنها مدحا للخمر وذمّا للحشيش:
وامل لى حتّى ترانى ميّتا … إنّ موت السّكر للنّفس حياها
стр. 704
ليس فى الأرض نبات أنبتت … فيه سرّ حيّر العقل سواها
رامت الخضراء تحكى سكرها (١) … قتلوها بعد (٢) تقطيع قفاها
وأنشدنى عنه هذا الزّجل، صاحبنا شرف الدّين الحسن (٣) قاضى أرمنت- وقبلى الدّمقراط قرية تسمّى ببوية (٤) - فقال الرّشيد هارون هذا فى بدويّة من قرية ببوية.
بدويّه فى ببويه ساكنا … صيّرت عندى المحبة كامنا
اسمها ستّ العرب … هيّجت عندى طرب
أنا قاعد بين جماعة نستريح … عبرت واحدة لها وجه مليح
بقوام أعدل من الغصن الرّجيح
فى الملاحا زائدا … ووراها قايدا
لو تكن لى رائدا … كنت نعطيها ألف دينار وازنا
وابنى داخل فى بيوتى ماذنا … وترى منّى العجب
فى تصانيف الأدب … / نفرت منّى كما نفر الغزال
وأسفرت لى عن جبين يحكى الهلال … ورنت أرمت بعينيها نبال
ثمّ قالت يا فلان … خذ من احداقى أمان
معك فى طول الزّمان
стр. 705
فانا والله مليحه فاتنا … ومن الحسّاد ما انا آمنا
والملوك وأهل الرّتب … ياخذوا منّى الحسب
قلت يا ستّى أنا هونى نموت … ادفنونى عندكم جوّا البيوت
والعذارى حولها يمشوا سكوت
ثمّ قالوا كلّميه … يا غريبه وارحميه
دا غريب لا تهجريه … يشتهر حالك يصير لك كائنا
يقتلوه أهلك وتبقى ضامنا … ذى الحديث فيه العطب
ليس ذا وقت الغضب … قالت امض لا يكون عندك ضجر
واصطبر واعمل على قلبك حجر … ما طريقى سالكا من جا عبر
ذى العذارى يعرفوك … ما تراهم يسعفوك
ظلمونى وانصفوك … قم وعاهدنى فمانا خائنا
وانا الليلة لروحى راهنا … مر وعبّى لى الذهب
فترى عقلك قد ذهب … عاهدتنى وبقيت فى الانتظار
وأورثتنى الذّل ثمّ الانكسار … والدّجى قد صار عندى كالنّهار
عند ما غاب القمر … وأظلم الليل واعتكر
جفّ قلبى وانكسر … وعريبا فى حديثى واهنا
آمنا فى سربها مطّامنا
стр. 706
والفؤاد منّى اضطرب … ونسيت ذاك الطّرب
صرت نرعى النّجم إلى وقت الصباح … إذ بدا لى الكوكب الدّرّى ولاح
وإذا هى قد أتت ستّ الملاح
والعذارى فى عتاب … مع عريبا فى ضراب
ثمّ قالت ذى الكلاب … ينبحوا تانى الرّجال الظّاعنا
بالسّيوف والرّماح الطّاعنا … يدركونى فى الطّلب
يجعلوا راسى ذنب
/ وله شعر كثير يأتى به من جهة الطّبع، ليس يعرف له اشتغال، وكان إنسانا حسنا فيه لطافة.
توفّى بأرمنت سنة ثلاثين وسبعمائة، أخبرنى ابنه بذلك.
(٥٤٥ - هارون بن يوسف الأسوانىّ)
هارون بن يوسف بن هارون بن ناصح الأسوانىّ، يكنى أبا علىّ، نسبه أهل أسوان فى موالى عثمان بن عفّان رضى الله عنه، روى عن بحر بن نصر، ومحمد بن الحكم، وطبقة بعدهما، وكان القضاة تقبله.
سمع منه ابن يونس وأخوه علىّ، وذكره ابن يونس فى «تاريخ مصر»، وقال:
توفّى فى شهر ربيع الأوّل سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
(٥٤٦ - هبة الله بن حجّاج الأسوانىّ)
هبة الله (١) بن حجّاج بن سالم ابن الشّيخ (٢)، أبو القاسم الأسوانىّ المولد،
стр. 707
القاهرىّ الدّار، الشافعىّ الفقيه، الملقّب بالنّاصح.
سمع من أبى يعقوب يوسف بن الطّفيل، وأبى الحسن علىّ بن المفضّل المقدسىّ الحافظ، سمع منه عبد المؤمن بن خلف الدّمياطىّ الحافظ، وأبو بكر بن عبد العظيم المنذرىّ الحافظ.
ولد بأسوان وقدم مصر صغيرا، واشتغل على الإمام أبى القاسم الشّاطبىّ، وتولّى الخدم الدّيوانيّة، قال ابن المنذرىّ: وكان شيخا حسنا ساكنا، سألته عن مولده، فذكر ما يدلّ على أنّه فى سنة ثمان وستّين وخمسمائة.
وقد ذكره الشّيخ شرف (١) الدّين فى مشيخته، والشّيخ عبد الكريم (٢) فى تاريخه.
(٥٤٧ - هبة الله بن صدقة الأسوانىّ (¬*))
هبة الله بن صدقة بن عبد الله، بن هبة الله بن منصور بن الحسن، بن هبة الله ابن حطبة (٣)، عرف بابن الزّبير، أبو القاسم بن أبى المعروف، الأسوانىّ المولد، القاهرىّ الدّار، الكولمىّ (٤) الأصل، الشافعىّ العدل الطّبيب.
كان من عدول مصر ونبهائها مع الثّقة وحسن القبول، وكان قيّما فى فن الطبّ، وفى صناعة اليد (٥).
стр. 708
سمع من أبى المفاخر سعيد بن الحسين (١) المأمونىّ، ومن أبى المظفّر أسامة بن مرشد، وأبى يعقوب بن الطّفيل.
ولد بأسوان قبل الخمسين وخمسمائة، وحكى أنّ العاضد قال له: عندى جارية تحتاج إلى الفصد، وهى لا تحتمل أن ترى الحديد، وقد قلقت من أمرها قال: فقلت:
عن إذن مولانا أحتال فى ذلك، قال: قد أذنت لك فخبأت مبضعا فى فمى لطيفا [وأخذت الجارية] وقلت: لا عليك، أجسّ نبض العروق، فحسبت [ذلك]، ثمّ أومأت لتقبيل يدها، ففصدت العرق وهى لا تشعر، والمبضع فى فمى على حاله، فأعجب ذلك العاضد وأمر لى بخلعة، وكنت إذ ذاك مراهقا لم أبلغ.
روى عنه الحافظ المنذرىّ وقال: توفّى سنة اثنتين وأربعين (٢) وستّمائة،/ يوم [١٦٧ ظ السبت خامس ربيع الآخر. وذكره عبد الكريم (٣) فى تاريخه، والشّريف (٤) فى «وفياته» وقال: تولّى على الأطباء بالدّيار المصريّة.
(٥٤٨ - هبة الله بن عبد الله بهاء الدّين القفطىّ (¬*))
هبة الله بن عبد الله بن سيّد الكلّ [العذرىّ]، الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ،
стр. 709
يكنى أبا القاسم، نزيل أسنا، القاضى، أحد الأكابر فى العلم والعمل، والجليل القدر الذى يرجى لدفع الجلل، والمعتكف على الاشتغال والإشغال بغير فتور ولا ملل، انفرد فى ذلك الإقليم، وتلقّى النّاس قوله بالتّسليم، وقابلوه بالتّبجيل والتّعظيم، وهو ندرة الفلك الدّائر، ومرشد السّالك الحائر، ورادع المبتدع الجائر.
اشتغل أوّلا بالعبادة، ثمّ جاء إلى قوص فاجتمع بالشّيخ مجد الدّين علىّ بن وهب القشيرىّ، واشتغل عليه بالعلم والأصول والعربيّة وتخرّج عليه، وقرأ الأصول أيضا على الشّيخ شمس الدّين محمد الأصفهانىّ بقوص، وقرأ على الشّريف قاضى العسكر، وقرأ الفرائض والجبر والمقابلة على ابن منيع النميرىّ، وقرأ شيئا من النّحو على ابن أبى الفضل المرسىّ، وسمع الحديث من شيخه القشيرىّ، والعلّامة أبى الحسن علىّ ابن هبة الله بن سلامة، وحدّث بسيرة ابن فارس عن الفقيه أبى مروان محمد بن أحمد ابن عبد الملك اللخمىّ.
سمع منه أبو بكر محمد بن عبد الباقى، وطلحة (١) بن محمد القشيرىّ وغيرهم، وكان قيّما بالمدرسة النّجيبيّة (٢) فبرع فى العلم، وكان يعلّق القناديل، والطّلبة تقرأ عليه، وتمّت عليه بركة شيخه مجد الدّين (٣)، فتميّز على أقرانه، وانتهت إليه رئاسة العلم فى زمانه، ودارت عليه الفتوى وإفادة الطّلبة بتلك البلاد، فقصده أصناف العباد، وتولّى أمانة الحكم بتلك البلاد وبقوص مدّة، واتّفق أنّه عمل الحساب فوقف عليه للأيتام مال ثمانمائة درهم، فلم يعرف قضية المصروف، فبات على أنّه يبيع منزله ويغرم ثمنه فى ذلك، فقال له أحد الشّهود الذين معه: النّقدة الفلانيّة، فتذكّرها، ثمّ قصد التنصّل من «المباشرة» فاجتمع بشخص فى ذلك فقال له: متى تنصّلت ما تجاب،
стр. 710
ولكن اجتمع بفلان وقل له: بلغنى أنّ القاضى يريد أن يعزلنى، وأظهر التألّم من ذلك، واسأله التحدّث معه فى الاستمرار، ثمّ اجتمع بفلان وعرّفه أيضا ذلك وسله الحديث، ففعل، فقال القاضى: ما هذا الحرص إلّا أورثنى ريبة فصرفه.
ثمّ توجّه إلى أسنا حاكما ومعيدا (١) بالمدرسة العزّية بها، وكان المدرّس بها النّجيب (٢) بن مفلح من تلامذة/ الشّيخ مجد الدّين أيضا، ثمّ توفّى النّجيب وأضافوا إلى الشّيخ بهاء الدّين التّدريس، فصار حاكما مدرّسا.
وفتح أسنا، فإنّه كان فيها التشيّع (٣) فاشيا، فما زال يجتهد فى إخماده، وإقامة الأدلة على بطلانه، وصنّف فى ذلك كتابا سمّاه «النصائح (٤) المفترضة فى فضائح الرّفضة»، وهمّوا بقتله فحماه الله [منهم]، وما زال دأبه ذلك إلى أن رجع جمع كبير عمّا كانوا عليه، وتفقّه عليه خلق كثير منها.
وكان فيه إحسان وحسن خلق، وصار بنو السّديد من طلبته، فشدّوا به، وبلغنى أنّ بعض الأسنائيّة قال له: يا سيّدى زال عنّى أمر السبّ واعتقدت فضل الصّحابة، غير أنّى ما قدرت على نفسى أن توافق على تفضيل أحد على علىّ [رضى الله عنه]، [ف] قال له الشّيخ: بقيت تحتاج إلى مسهّل .....
فهو أحد من فتح البلاد، وانتفع به العباد، فجزاه الله خير الجزاء، وجعل جزاءه فى الآخرة أوفر الأجزاء.
وأخذ عنه العلم جمع كبير، طبقة بعد طبقة، منهم الشّيخ الإمام تقىّ الدّين
стр. 711
أبو الفتح محمد (١) القشيرىّ ابن شيخه، والشّيخ ضياء الدّين جعفر (٢) بن محمد بن عبد الرّحيم القنائىّ، والقضاة: عزّ الدّين إسماعيل (٣)، ونور الدّين إبراهيم (٤) الأسنائيّان، ونور الدّين علىّ (٥) بن هبة الله، وابن عمّه ناصر الدّين عبد القادر (٦) بن أبى القاسم الأسنائيّان أيضا، وعلم الدّين صالح (٧) بن عبد القوىّ، وجمال الدّين محمد (٨) بن عبد الوهاب بن السّديد، وجمال الدّين عبد الرّحيم (٩) ابن الخطيب، ونجم الدّين عبد القوىّ (١٠) ابن الثّقة، وأخوه عطاء الله، وجمال الدّين محمد بن يحيى الأرمنتىّ، ونجم الدّين عبد الرّحمن بن يوسف الأسفونىّ، وبهاء الدّين الكرمانىّ (١١) الأسنائىّ، وشمس الدّين أحمد بن أبى بكر الأرمنتىّ، وكلّهم فضلاء، وخلائق لا يحصون كثرة.
وصنّف فى التّفسير كتابا وصل فيه إلى «كهيعص»، وشرح «عمدة» الطّبرىّ، ووقف عليه الفقيه ناصر الدّين ابن المنيّر السّكندرىّ، وكتب عليه بالثّناء عليه، وشرح «الهادى (١٢)» فى الفقه، فى خمس مجلّدات، وشرح «مختصر (١٣)» أبى شجاع،
стр. 712
وشرح مقدّمة (١) «المطرّز» فى النّحو، وكتب على الفرق بين «أو» و «أم»، والمواضع التى يحسن فيها «أم»، والتى تحسن فيها «أو»، وجعل الكلام فيه فى مطالب، وصنّف فى الأصول، وشرح مقدّمة فى أصول الدّين تصنيف شيخه مجد الدّين، وصنّف فى الفرائض والجبر والمقابلة والحساب والمنطق، وصنّف كتابا سمّاه «الأنباء المستطابة (٢) فى مناقب الصّحابة والقرابة»، وحكى الفقيه العدل [فخر الدّين] عبد الرّحيم (٣) / بن حريز الأسنائىّ: أنّه رأى النبىّ ﷺ ، والشّيخ بهاء الدّين بين يديه، يقرأ عليه من هذا الكتاب، والنبىّ ﷺ يقول [له]: أحسنت أحسنت، وحكاه للشّيخ فسرّ به.
وحكى لى جماعة من الفقهاء أنّه كان يقول: كنت أحفظ عشرين علما، أنسيت بعضها لعدم المذاكرة.
وكان فيه حلم وسعة أخلاق؛ حكى لى صاحبنا علاء الدّين علىّ (٤) بن أحمد الاسفونىّ قال: حضر مرّة إنسان أعجمىّ إلى أسنا، يتكلم فى المعقولات، فجرى بينه وبين الشّيخ بحث، ثمّ قال العجمىّ للشّيخ: قال بعض الجبريّة: ولا يقال: ذو الجلال عاقل، بل يقال: عالم وفاعل، قال له: والعقل صفة كمال، فلم لا يجوز إطلاقه عليه ﵎؟
قال لى علاء الدّين فقلت: أمّا ما يجوز (٥)، وشرعت أن أقول شيئا، فقال الشّيخ [لى] اسكت، فقال العجمىّ: فقل، فقلت شيئا، فقال: أحسنت على رغم أنف هذا الشّيخ، فلم يكلّمه [الشّيخ] كلمة، فلمّا قام دخل إلى بيته وطلبنى وقال: أنا ما قلت لك اسكت،
стр. 713
ألا إنّ الكلام فى علم الكلام صعب، فخشيت أن تقول شيئا غير جيّد فيحفظ عليك، ثمّ أعطانى شرح «الإرشاد» للمقترح (١) وملّكه لى.
وحكى لى أنّه تبسّم مرّة فى الدّرس وهو صبىّ، فقال له الشّيخ: يا صبىّ لا تكن تضحك فى الدّرس [قال] فقلت: ما ضحكت، فقال: «بلا بلاطة (٢)» أنا رأيتك، فقلت: يا سيّدى أنا أسمر وأسنانى بادية، يظهر أنّى ضحكت وما ضحكت، فتبسّم الشّيخ …
وآسى عليه بعض الطّلبة مرّة، بسبب أنّ الشّيخ [كان] عدّل جماعة من الطّلبة، فسأل ذلك أن يلحق بهم، فتوقف الشّيخ، فقال: سيّدنا لم لا عدّلتنى؟ ما بقى ممّن لا عدّلته [فى المدرسة] إلّا ثور المدرسة … فعزّ على الشّيخ، ومع ذلك فلم يؤاخذه.
وآسى آخر مرّة فى مجلس الحكم فحبسه ثمّ طلع إلى السّطح، فرقد على تخت- وتحته نطع- وكانت ليلة حارّة فتقلّب، ثمّ قام على السّطح وصاح من أعلى السّطح:
أبصروا لى فلانا، فأحضر إليه، فقال: اطلق فلانا من الحبس، فلمّا أصبح سألوه قال:
صعدت السّطح وتحتى نطع، فصرت أتقلّب من الحرّ، فقلت: كيف يكون حال ذلك الشّخص … ؟
وكان محسنا إلى الخلق، لمّا اشتغل عليه جماعة وانتهوا، أثبت عدالتهم، فبلغ ذلك الظّهير يحيى قاضى قوص، فلم يعجبه كونه لم يستأذنه، فبلغ ذلك الشّيخ/ فأخذهم وتوجّه [إلى قوص]، وحضر الدّرس عند القاضى، فبحث طلبة الشّيخ، فقال القاضى: يا سيّدنا هؤلاء الطّلبة جياد؟ فقال: هؤلاء طلبتى الذين ربّيتهم وعدّلتهم، وهم عدول بشهادة
стр. 714
الرّسول، قال ﷺ : «يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله»، فسكت القاضى ولم يتكلم.
وجاء مرّة إلى قوص، فبلغه أنّ شيخنا تاج الدّين محمد ابن الدّشناوىّ يبيع منزله، وكان والد شيخنا صاحبه ورفيقه فى الاشتغال على الشّيخ مجد الدّين، فأرسل الشّيخ إلى شيخنا تاج الدّين فحضر، فقال: كيف تبيع منزلك وتسكن أنت وعيالك فى أىّ مكان؟ فقال: يا سيّدى عندى ضرورة، فلمّا صمّم على بيعه، اشتراه [منه] بمائة دينار، ووزن له الثّمن، ووقفه عليه وعلى أولاده بعده، فلم يزل شيخنا فيه حتّى توفّى، وأولاده الآن فيه.
وحضر مع شيخه مجد الدّين إلى مصر، وكان طويلا سمينا، فخرج مخفّفا فمسك، وجعل مع الأسطول فى الحبس، فتفقّده الشّيخ مجد الدّين فلم يجده، فسأل وبحث حتّى عرف مكانه وأرسل أطلقه، فجاء الذى يطلقه وقال: يا بهاء الدّين القفطىّ، فقام آخر وخرج، فما زال يخرج واحدا واحدا، حتّى إنّ الوالى قال للشّيخ: يا سيّدى أرسل من يعرفه، فأرسل واحدا أخذه وأخرجه، فقالوا له فى ذلك فقال: أنا أعرف أنى أخرج، فكاسرت (١) حتّى يخرج غيرى.
واجتمع بالشّيخ الإمام أبى محمد بن عبد السلام وأثنى عليه، وكذلك السيّد الشّريف قاضى العسكر أثنى عليه وأجازه بالفتوى.
وحضر فى مجلس قاضى القضاة ابن عين الدّولة مع شيخه وجلس فى أواخر النّاس، فلمّا عرض بحث، بحث فأعجب القاضى، فقال له الشّيخ مجد الدّين: هذا قيّم مدرستى، فقال له القاضى: اطلع يا قيّم، ورفعه فى المجلس.
واتّفق له من الحكايات أنّه وجد كرّاسة فيها نكتة خلافيّة، وكان يوم النّيروز والطلبة يلعبون، فغلق بابه واشتغل بتلك الكرّاسة حتّى أتقنها، فبعد أيام قلائل حضر
стр. 715
شخص ومعه مراسيم، أن تجمع له الفقهاء ويناظرهم، فحضر الوالى والقاضى والشّيخ مجد الدّين والطّلبة، فاستفتح ذلك الشّخص وتكلّم فى تلك المسألة، فقام الشّيخ بهاء الدّين وقبّل يد شيخه وقال: أنا أناظره، فاستفتح وأعاد المسألة، والأجوبة إلى آخرها ولم يتوقّف، إلّا أنّ ذاك المناظر/ قال له فى أثناء الكلام: يا فقيه، لله تعالى حكمان: فتوقّف، فقال شيخه: أتمّ الكلام، نعم لله تعالى حكمان: حكم عدل وحكم فضل، وكمّل المناظرة وقام، فرفعه العوامّ.
وكانت أوقاته موزّعة، يقوم الثّلث الأخير من الليل، فإذا قارب طلوع الفجر، حضر إلى المدرسة وتوجّه إلى أن يركع الفجر ويصلّى الصّبح، ثمّ يقرأ عليه شئ من «الإحياء» وغيره من كتب الرّقائق إلى أن يسفر الوقت، ثمّ يعبر إلى بيته يطالع ويحضر المعيدون، ثمّ يخرج فيتكلم فى الدّرس زمانا، ثمّ يقوم من يختار القيام، وتجلس الطّلبة تقرأ عليه عربيّة وأصولا وفرائض وجبرا ومقابلة إلى وقت كبير، ثمّ يجلس للقضاء إلى قريب وقت الظّهر، ثمّ يدخل بيته، ثمّ يخرج يصلّى الظّهر ويسأل عن فتاوى، ثمّ يدخل ويخرج العصر يجلس للقضاء، ثمّ يدخل بيته، ثمّ يخرج يصلّى المغرب، ثمّ يدخل بيته، ثمّ يخرج يصلّى العشاء، ويقرأ شيئا من الرّقائق إلى [ال] وقت [الذى يريد].
ثمّ ترك القضاء أخيرا، واستمرّ على العلم والعبادة، وكان مولده بقفط سنة ستّمائة، أخبرنى جماعة عنه أنّه قال: ولدت على رأس القرن، وقيل: إحدى، وقيل: سبع وتسعين.
وتوفّى بأسنا فى سنة سبع وتسعين وستّمائة، ودفن بالمدرسة المجديّة (١)، ﵀ [تعالى].
стр. 716
وكان الشّيخ تقىّ الدّين (١) يقول: لولا البهاء بالصّعيد ما تخرّج أهله بسبب الفتوى، وهو آخر الأشياخ المنتفع بعلومهم وبركتهم بذلك الإقليم.
وصحب جماعة من الصّالحين، منهم الشّيخ مفرّج (٢) الدّمامينىّ وغيره، حكت أمّ قاضى أسوان، ابنة القاضى الوجيه السّمربائىّ، وهى امرأة صالحة فقالت: رأيت فى النّوم قائلا يقول لى: قد مات الشافعىّ، فانتبهت وذكرته لبعلى قاضى أسنا، وبعد لحظة طرقوا الباب وقالوا: مات الشّيخ بهاء الدّين، ﵀ [تعالى].
وفى سنة تسعين توجّه الشّيخ تقىّ الدّين من القاهرة لزيارة الشّيخ بهاء الدّين بأسنا، وقال: ما جئت إلّا لزيارته، رحمهما الله تعالى.
(٥٤٩ - هبة الله بن علىّ بن السّديد الأسنائىّ (¬*))
هبة الله بن علىّ بن السّديد، الشافعىّ الأسنائىّ، ينعت مجد الدّين، اشتغل بالفقه على الشّيخ بهاء الدّين (٣) المذكور، وكان يطالع تفسير (٤) ابن عطيّة كثيرا، وبنى مدرسة بأسنا ووقف عليها بساتينه، واتّفق أنّه عند انتهاء عمارتها، حضر الشّيخ تقىّ الدّين ابن دقيق العيد إلى أسنا، لزيارة الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ، فسأله مجد الدّين/ أن يلقى درسا بها، فألقى الشّيخ تقىّ الدّين [درسا] وكان الشّيخ بهاء الدّين ابن الدّشناوىّ فى خدمة الشّيخ من قوص، فقال لمجد الدّين: إذا فرغ الدّرس قل للشّيخ: يا سيّدى،
стр. 717
بدستور سيّدى آخذ الدّرس؟ فيبقى ذلك «إذن (١)» من الشّيخ، فقال: لا، هذه مدرستى وأنا الذى أذنت للشّيخ وأقول له أنا [هذا] الذى قلت فيسكت، أو يقول:
لا، فينقل عنّى.
وكان يدرّس بها، ويعمل للطّلبة فى كثير من الأوقات طعاما طيّبا عامّا، فإذا اتّفق غيبة بعضهم يقول: يا فلان فاتتك اليوم الفوائد والموائد، وينشده:
ارض لمن غاب عنك غيبته … فذاك ذنب عقابه فيه
وكان بعض الأوقات يذكر كلاما يصادف وقوعه، وكان متسلّطا على الرّافضة (٢) وكان فيه مكارم، وكانت معاداته صعبة، وكان فيه مروءة وأريحيّة، وقوة جنان وطلاقة لسان، وتولّى الحكم بأدفو وبأسفون.
حكى لى أنّه لمّا كان قاضى أسفون، جاءه شخص أسرّ إليه [بكلام]، فقال:
يا جماعة عرفتم منّى أنّى آخذ رشوة؟ فقالوا: لا، قال: هذا طلب منّى أن أعدّ له، وآخذ منه كذا وكذا أردب شعير، ثمّ قال: وهذا لى عليه حجّة، وما طالبته لظنّى فقره.
وكان فيه كيس، حضر عنده مرّة شرف الدّين يعقوب، المالكىّ المدرّس، وصار يبحث معه، ثمّ إنّه أرسل إلى يعقوب طعاما حسنا، فلمّا اجتمع به قال:
يا سيّدنا هذا طعام حسن، فقال: وإن سكتّ فى الدّرس أفطرك (٣) كلّ يوم بزبديّة كذا …
قال: وسمعته يحكى قال: جاء نجم الدّين (٤) القمولىّ بمصر فجلس فوقى، فقمت وقلت له: خالفت الله ورسوله والإجماع.
стр. 718
قال الله تعالى: «هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» وأنا أعلم منك، وقال رسول الله ﷺ : «لا يقم الرّجل الرّجل من مكانه ثمّ يجلس» وأنت زحمتنى والمكان واسع من تلك الناحية، والإجماع على أنّ الإيذاء حرام وأنت آذيتنى، الحرام يلزمنى إن وجدت مجالا للمقال لأقولنّ.
حضرت عنده الدّرس، وانتهت إليه رئاسة بلده، وخطب بأسفون، وتوفّى ببلده فى سنة تسع وسبعمائة.
(٥٥٠ - هبة الله بن علىّ بن عرّام الأسوانىّ (¬*))
هبة الله بن علىّ بن عرّام الأسوانىّ، ذكره العماد فى «الخريدة (١)» وقال: أبو محمد الرّبعىّ، وقال: قال قاضى أسوان: إنّه كان أشعر من ابن عمّه «السّديد (٢)»، وكان قويّا فى فهمه، جريّا فى نظمه، ماضيا فى عزمه،/ راضيا بحزمه، قال العماد: ثمّ أهدى إلىّ فخر الدّولة ابن الزّبير ديوان هذا المذكور، فحصلت على الدّر المنظوم والمنثور (٣)، وقلّدت «الخريدة» منه كلّ قلادة، وأوردت فيها من شعره ما يشعر بإفادة وإجادة، وهو ديوان نقّحه لنفسه، وصحّحه بحدسه، وقفّى قوافيه على ترتيب الحروف، وهى للمعانى الطّريفة والحكم الظّريفة كالظّروف؛ فمن ذلك قوله:
بحقّ وقد صغت فيك المديح … جعلت القبيح عليه (٤) جزائى
وصفتك فيه بما ليس فيك … وهذا لعمرك عين الهجاء
وله أيضا:
أيّها العشاق هل أحد … قائم لله (٥) محتسب
стр. 719
من مجيرى من مدلّلة … لحظها الهنديّة القضب
هى بدر التّمّ إن سفرت … وهلال حين تنتقب
سفكت يوم الفراق دمى … فهو من جفنىّ منسكب
وله يذمّ السّفر:
لا عزّ للمرء إلّا فى مواطنه … والذلّ أجمع يلقاه من اغتربا (١)
فاقنع بما كان ممّا قد حبيت (٢) به … بحيث أنت وكن للبعد (٣) مجتنبا
واعلم يقينا بلا شكّ يخالطه (٤) … بأنّ رزقك إن لم تأته طلبا
وقوله:
كنت فيما مضى إذا صغت شعرا … صغته فى المديح أو فى النّسيب
وأنا اليوم إن صنعت قريضا … فهو فى ذمّ ذا الزّمان العجيب
وله فى الهجو:
كم عذلوه (٥) على بغاه … شحّا عليه فما أصاخا
ولو رأى فى الكنيف أيرا … لغاص فى إثره وساخا
أعياهم داؤه صبيّا … واستيأسوا (٦) منه حين شاخا
وقوله من أول مرثيّة:
نميل مع الآمال وهى غرور … ونطمع (٧) أن نبقى وذلك زور
стр. 720
/ وتخدعنا الدّنيا القليل متاعها … وللشّيب (١) فينا واعظ ونذير
ونزداد فيها كلّ يوم تنافسا … وحرصا عليها والمراد (٢) حقير
ونطلب ما لا يستطاع وجوده (٣) … وللموت منّا أوّل وأخير
وقوله:
إذا حصل القوت فاقنع به … فإنّ القناعة للمرء كنز
وصن ماء وجهك عن بذله … فإنّ الصّيانة (٤) للوجه عزّ
وقوله [يهجو]:
يا من دعوه الرئيس لا عن … حقيقة بل عن (٥) مجاز
لست أكافيك على قبيح … منك بهجو ولا أجازى
وما عسى تبلغ الأهاجى … من رجل كلّه مخازى
وقوله:
أتعبت نفسى وفكرى … فى مدح قوم لئام
وغرّنى (٦) حسن بشر … منهم وطيب كلام
فما حصلت لديهم … إلّا على الإعدام
ولو جعلت قريضى … مراثيا فى الكرام
لحزت ذكرا جميلا … يبقى على الأيّام
стр. 721
وقوله:
جميع أقواله دعاوى (١) … وكلّ أفعاله مساوى
ما زال فى فنّه (٢) غريبا … ليس له فى الورى مساوى
ولمّا نظم الأنجب أبو الحسن علىّ هذا البيت:
/ أنحلنى بعدى عنها فقد … صرت كأنّى رقّة خصرها
قال أبو محمد هذا أبياتا وأودعها البيت المذكور، وهى [هذه]:
وقائل عهدى بهذا الفتى … بروضة مقتبل زهرها
واليوم أضحى ناحلا جسمه … بحالة قد رابنى أمرها
فقلت إذ ذاك مجيبا له … والعين منّى قد وهى درّها
/ أنحلنى بعدى عنها فقد … [صرت كأنّى رقّة خصرها]
توفّى سنة خمسين وخمسمائة، وذكره ابن ميسّر (٣) فى تاريخه وأنشد له قصيدة يمدح بها رضوان الوزير، أوّلها:
لا زلت غيثا للعفاة مريعا … أبدا وليثا للعداة مريعا (٤)
بك أصبح الإسلام طلقا ضاحكا … والعيش غضّا والزّمان ربيعا
جرّدت عزما كالقضاء مضاؤه … وثنيت عزما كالفضاء وسيعا
أضحى لك الدّهر المذلّ مذلّلا … وغدا لك الدّهر العصىّ مطيعا
يا موردا أسيافه قمم العدا … بيضا ويصدرها تمجّ نجيعا
стр. 722
يا فارس القلم الذى بهر الورى … نظما ونثرا كيف شاء بديعا
أظهرت دين الله بعد خموده … وحفظت ما قد كان منه أضيعا
وأجبت لمّا أن دعاك (١) ولم تزل … أبدا كذاك إذا دعيت سميعا
بفوارس مثل الليوث عوابس … لبسوا (٢) من الصّبر الجميل دروعا
وصوارم ذلق (٣) إذا هى جرّدت … خرّت لها هام الملوك ركوعا
فجدعن أنف عدوّه وكسونه … بعد التعزّز ذلة وخضوعا
وذكر فيها بهرام وانهزامه [منه].
(٥٥١ - هبة الله بن محمد الدّندرىّ)
هبة الله بن محمد بن النّعمان الدّندرىّ، ينعت بالزّين، اشتغل بالفقه على أبى الحسن علىّ القشيرىّ، وله نظم أنشدنى عنه (٤) ابنه القاضى عزّ الدّين شيئا منه.
وتوفى بهوّ سنة أربع وتسعين وستّمائة.
(٥٥٢ - هود بن محمد الأدفوىّ)
هود بن محمد الحميرىّ الأدفوىّ، كان أديبا وينظم الزّجل والشّعر والبلّيق، أنشدنا عنه الحكيم علىّ ابن الأعزّ الأسنائىّ.
توفّى فى حدود السّبعين وستّمائة.
стр. 723
باب الواو
(٥٥٣ - وليد بن بلال الأسوانىّ)
وليد بن بلال بن يحيى الأسوانىّ، [يكنى] أبا الحسن، سمع الحديث، ذكره ابن يونس وقال:
توفّى ليلة الجمعة لثلاث بقين من ذى القعدة سنة ثلاث وأربعين ومائتين، قال:
وكان أبوه بلال يحدّث عن مالك بن أنس، والليث بن سعد، وعبد الله بن لهيعة، وقد تقدّم ذكره [آنفا].
стр. 724
باب الياء
(٥٥٤ - يحيى بن جعفر القنائىّ (¬*))
يحيى بن جعفر بن محمد بن عبد الرّحيم بن أحمد بن حجّون القنائىّ، محيى الدّين/ ابن الشّيخ ضياء الدّين (١)، سمع من عبد الغنى بن بنين وغيره، وحدّث بمصر.
مولده سنة سبع أو ثمان وأربعين وستّمائة، وتوفّى بمصر سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وكان من العدول بمصر.
(٥٥٥ - يحيى بن جعفر القفطىّ)
يحيى بن جعفر القفطىّ، يعرف بخطيب عيذاب، يروى عنه الشّيخ قطب الدّين محمد بن أحمد القسطلانىّ، روى عنه الفقيه شيث (٢) القفطىّ شيئا من شعره.
(٥٥٦ - يحيى بن حجازى الدّمامينىّ)
يحيى بن حجازى بن مرتضى، ينعت بالعميد الدّمامينىّ، قرأ القراءات على ابن حفاظ (٣)، وكان متديّنا مقبول الشّهادة.
توفّى سنة إحدى عشرة وسبعمائة [بدمامين].
(٥٥٧ - يحيى بن رزق الله الفاوىّ)
يحيى بن رزق الله بن مخيّر بن مجير، أبو زكريّا الفاوىّ، قال الحافظ رشيد الدّين
стр. 725
يحيى العطّار: الشّيخ أبو زكريّا رجل صالح فاضل حافظ لكتاب الله [تعالى] يقرئ النّاس القرآن احتسابا، وكان ملازما للجامع العتيق بمصر، روى عنه الحافظان عبد العظيم المنذرىّ وأبو الحسين العطّار، قال الشّيخ زكىّ الدّين: سمعت الشّيخ الصّالح أبا زكريّا [يحيى] يقول: سمعت من أثق به يقول: رأيت الشّيخ أبا الحسن- يعنى ابن بنت أبى سعد (١) - فى المنام بعد موت الشّيخ أبى العبّاس [يعنى] ابن اللهيب، فقلت له: مات الشّيخ أبو العبّاس، فقال: كنّا فى وظيفته فى الدّنيا، ونحن فى وظيفته فى الآخرة.
وقال الشّيخ زكىّ الدّين: ذكر لى ما يدلّ على أنّ مولده سنة ثلاث أو أربع وأربعين وخمسمائة بفاو، من صعيد مصر، وتوفّى رضى الله عنه بمصر فى شهر رمضان سنة سبع وعشرين وستّمائة، ودفن بسفح المقطم.
وجدّه «مخيّر» بضمّ الميم وفتح الخاء المعجمة من فوق وتشديد الياء آخر الحروف وفتحها وراء مهملة، وجدّ أبيه بضمّ الميم وكسر الجيم.
(٥٥٨ - يحيى بن عبد الرّحيم الأرمنتىّ (¬*))
يحيى بن عبد الرّحيم ابن الأثير (٢) الأرمنتىّ، المنعوت تقىّ الدّين، كان من الفقهاء الشافعيّة المشاركين، درّس بمدرسة سيوط سنين كثيرة، وتولّى الحكم بأطفيح وبمنفلوط، وسيرته فيه حسنة، وهو من بيت علم ورياسة، وجلالة ونفاسة، وحكم وعدالة، وسيادة وأصالة.
ومولده سنة أربع وخمسين وستّمائة، وتوفّى بمدينة سيوط سنة ثمان وسبعمائة، أخبرنى بذلك ابنه الفقيه العدل شهاب الدّين أحمد.
стр. 726
(٥٥٩ - يحيى بن عبد الرّحيم القوصىّ (¬*))
يحيى بن عبد الرّحيم بن زكير (١) القرشىّ القوصىّ، ينعت محيى الدّين، الشافعىّ، كان من الفقهاء المعتبرين الفضلاء، المجيدى الإدراك، الحسنى الفهم، سمع الحديث على جماعة منهم: الشّيخ تقىّ الدّين القشيرىّ، وشيخنا قاضى القضاة/ بدر الدّين محمد ابن جماعة الكنانىّ، والشّيخ جلال الدّين [أحمد] الدّشناوىّ، وأخذ الفقه عن الشّيخ جلال الدّين المذكور وأجازه بالفتوى، ودرّس بمدينة قوص سنين عديدة، حضرت عنده الدّرس ستّ سنين أو ما يقاربها، وكان مدرّسا مفيدا فيه تحقيق وقلة لغط، ينبّه ويحرّر الكلام فيه، وقرأ الأصول والنّحو على شيخه جلال الدّين، وتولّى الحكم بقنا، وناب فى قوص، وكان حميد السّيرة محمود الطريقة، وفيه مكارم، وإذا استفتح الدّرس بعد البطالة، يعمل طعاما حسنا وشيئا حلوا للطّلبة، وإذا ختمه للبطالة صنع مثل ذلك.
وانتهت إليه فى آخر عمره رياسة التّدريس والفتوى بالأعمال القوصيّة، وكان فيه خير ومروءة وإحسان إلى الطّلبة، ولم يعب النّاس عليه إلّا أنّه كان يداوم مسئلة «الحيلة» (٢) فى المعاملات، يبيع السجّادة وغيرها بالآلاف الكثيرة، ويشتريها بما يعطيه فى المعاملات التى قرّرت قبل المعاقدة، حتّى قال عنه من شنّع عليه إنّه باع هرّة بجملة، وكان إذا قيل له عن هذه المسألة يقول: «إذا طولبت بها فى الآخرة أقول: هذا الشافعىّ وأصحابه جوّزوا ذلك وأنا مقلّد»، وأفضى به ذلك إلى أن شكى للكاشف والولاة، وهذه المسألة فى ذهن كثير من النّاس أنّها ربا، ويطلقون على من تعاطاها أنّه مراب، وعمل عليه بسبب ذلك، وصودر وأخذ منه جملة، وتضعضع [حاله] أخيرا، وناب فى الحكم بعد
стр. 727
أن تركه سنين كثيرة، وشرع فى اختصار «الرّوضة» (١)، وكتب منه جزءا جيّدا، وكان يقرؤه فى درسه.
وتوفّى بمدينة قوص فى سنة ثمان عشرة وسبعمائة أوّل المحرّم، وعمره سبع وستّون سنة، وله مدرسة بقوص، أنشأها وأعانه على بنائها ابن نفيس المنية (٢) الكارمىّ.
(٥٦٠ - يحيى بن عبد المنعم الدّشناوىّ)
يحيى بن عبد المنعم بن المحسن القوصىّ، ويعرف بالدّشناوىّ، سمع «البخارىّ» على الشّريف محمد بن يونس بن يحيى بن أبى الحسين (٣) بن أبى البركات القصّار البغدادىّ، يروى عن أبى الوقت (٤).
(٥٦١ - يحيى بن علىّ الأرمنتىّ)
يحيى بن علىّ بن عبد الحافظ الأرمنتىّ، ينعت بالقطب، سمع «الثّقفيّات» (٥) من الشّيخ تقىّ الدّين (٦) القشيرىّ، وكان من العدول الصّالحين، كثير الزّيارة للقبور.
توفّى قريبا من عشرة وسبعمائة.
стр. 728
(٥٦٢ - يحيى بن متوّج الأسفونىّ)
يحيى بن متوّج (١) بن عبد الرّحمن الأسفونىّ، ينعت بالسّراج، كان فاضلا ذكيّا شاعرا كريما، انتهت إليه رئاسة بلده، ممدّحا وممّن مدحه الرئيس العالم محمد ابن الحسين بن يحيى الأرمنتىّ (٢) [﵀].
وتوفّى بالقاهرة فى سنة [ستّ] عشرة (٣) وسبعمائة.
(٥٦٣ - يحيى بن موسى ابن الحلاوى القنائىّ (¬*))
يحيى بن موسى بن علىّ، القنائىّ الفقيه، روى عنه/ الحافظ أبو الحسين يحيى العطّار، وقال عنه: الشّيخ أبو الحسين هذا يعرف بابن الحلاوى، من المشايخ المعروفين بالزّهد والصّلاح، سمعته يقول: سمعت الشّيخ العارف عبد الرّحيم (٤) بن أحمد ابن حجّون المغربىّ- وكان شيخ وقته وإمام زمانه- يقول فى قوله ﷺ :
«من طلب العلم تكفّل الله برزقه» معناه والله أعلم: يخصّه بالحلال من الرّزق لمكان طلب العلم.
قال الشّيخ رشيد الدّين (٥): وسمعت منه جزءا منتخبا من كلام شيخه عبد الرّحيم.
وبلغنى أنّه توفّى بقنا فى شهر ذى القعدة سنة خمس وعشرين وستّمائة.
стр. 729
وروى عنه الشّيخ أبو الطّاهر إسماعيل (١) المنفلوطىّ كثيرا ووصفه بالعلم.
(٥٦٤ - يحيى بن يوسف بن نحرير)
يحيى بن يوسف بن نحرير (٢)، الشّاهد بقوص، أديب له نظم، نقلت من خطّ الحافظ الرّشيد، ابن الحافظ عبد العظيم المنذرىّ، من قصيدة له يمدح بها طلائع ابن رزّيك [قوله]:
عين الفخار علاك منها النّاظر … والمجد غصن من جنابك ناضر
تتنافس الأيّام فيك تفاخرا … حتّى لقد حسن الزّمان الغابر
من ذا يساجلك السّيادة فى الورى … إلّا جحود للعيان يكابر
(٥٦٥ - يعقوب بن يحيى القمولىّ (¬*))
يعقوب بن يحيى بن يعقوب، بن يوسف بن يعقوب بن أحمد، بن محمد بن سعيد ابن عبد الله، بن الوليد بن عمارة (٣) بن المغيرة، المخزومىّ القمولىّ، أبو (٤) يوسف الفقيه الشافعىّ الأديب، روى عنه شيئا من شعره الحافظان أبو محمد عبد العظيم المنذرىّ، وأبو الحسين (٥) يحيى العطّار.
وقال الشّيخ زكىّ الدّين (٦): أنشدنا الأديب الأجلّ أبو يوسف يعقوب بن يحيى لنفسه قوله:
стр. 730
طريق العلا إلّا عليك حرام … وكلّ مديح غير مدحك ذام
وكلّ سرىّ للمكارم منسم (١) … وأنت لها دون الأنام سنام
وما نال غايات المنى من مسوّد … همام وقد عزّت هناك همام
وجئت إماما سابقا كلّ سابق … إليها وإن صلّى فأنت إمام
إليك ثنيت العيس تضرب إبطها … حداها عراق باعث وشآم
حراجيج (٢) تجتاب المهاوى وحدها … تساوت ذراها عندها وأكام
تعزّ بصبر أيّها الحرّ إنّما … بك الكلّ مؤتمّ وأنت إمام
ولا تجزعن يفديك كلّ معظّم … ويفدى كراما بالنّفوس كرام
/ ولو كان فيض العين يبرد غلّة … لسالت دموع لا تجفّ سجام
ولكنّها الموت المفرّق منهل … وبالحىّ من كلّ إليه أوام
وقال الشّيخ رشيد الدّين: أنشدنى لنفسه [قوله]:
أحد عينان ذات المبسم الرئل (٣) … فجدّ وجد محبّ واله وهل
جفاه لمّا جفاه النّوم آونة … إذ ليس متّصلا إلّا بمتّصل
تواصل الهجر فيه فهو متّصل … بالسّقم منه اتّصالا غير منفصل
سباه مبسمها السّامى فدلّهه … فمرّ فى حاله كالشّارب الثّمل
أقوت (٤) قواه بجيد زانه جيد … عطبولة (٥) لو رأتها العصم (٦) لم تبل
стр. 731
حوراء خرعبة (١) رود (٢) خدلّجة (٣) … تصمى بسهم ونونين من نجل (٤)
لمياء (٥) يشفى لماها القلب علّته … ويبرئ المدنف المضنى من العلل
فاضرب (٦) عن العذل والعذّال محتقرا (٧) … صفحا فليس شج فى النّاس مثل خلى
واخلع عذارك فيما أنت طالبه … ولتنأ عن (٨) كلّ ما يفضى إلى الجدل
ولا تسوّف على الأيام من أمل … فإنّ للدّهر وثبات على الأمل
ورد زمانك أزمان ظفرت به … ودهور الدّهر إنّ الدّهر ذو دول
لله أيّامنا اللاتى مضين لنا … بظلّ عيش ظليل بارد خضل
ندعو المنى فتلبّينا على عجل … وتارة نتلقّاها على مهل
وقال: [كان] الشّيخ الأديب يعقوب هذا من أفضل الفضلاء، وله معرفة بالنّحو واللغة، وله شعر رائق، قال: بلغنى أنّه درس الفقه على الشّيخ شهاب الدّين الطّوسىّ (٩).
ومولده بقمولا سنة خمس وستّين وخمسمائة، كذا وجد بخطّه، هكذا رأيت فى
стр. 732
«وفيات» الشّيخ رشيد الدّين (١)، والذى رأيته فى «معجم (٢)» الشّيخ زكىّ الدّين (٣) ﵀، أنّه كتب ذلك، وفيه: قيل مولدى سنة خمس وستّين [وخمسمائة]، قال: وهذا الظّاهر على لسانى فى الحفظ.
(٥٦٦ - يوسف بن أحمد القناثىّ (¬*))
يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن أبى المنى القنائىّ، الفقيه الشافعىّ الأديب، القاضى الخطيب، المنعوت علم الدّين، كان من الرؤساء الأعيان الكرماء، الأجواد الفضلاء الأذكياء، قرأ الفقه على الشّيخ الإمام جلال الدّين أحمد (٤) الدّشناوىّ، وكان له معرفة جيّدة بحلّ الألغاز والأحاجى، ونظم فيها أشياء كثيرة.
[منها] قوله/ لغز فى «لابس» البيت الثانى منه:
يبين إن صحّف مع قول لا … وهو إذا صحّفته لا يبين
تولّى الخطابة ببلده، وناب فى الحكم فى مواضع شتّى، منها «دشنا» و «فاو» من بلاد قوص، والمنشأة (٥) وطوخ من بلاد إخميم، وكان يكرم الوارد، وردت عليه وهو فى «فاو» بعد المغرب، فصار حائرا فيما يفعله، وهيّأ شيئا فى السّحر كثيرا وبالغ فى الإحسان، وأنشدنى أشياء من شعره، لم يعلق بخاطرى الآن منها شئ إلّا قوله ملغزا فى مغنّ:
ما اسم إذا عكسته … يطرب (٦) إن سمعته
стр. 733
ينعم بالوصل متى … صحّفت ما عكسته
وقوله فى «زغل» ملغزا:
وما لغز إذا فتّشت شعرى … تراه مسطّرا فيه مسمّى
وإن تعكسه كان من التحرّى … إذا حقّقته فى البرّ يرقى
وفاعله إذا نمّوا عليه … فتخشى أن تزال يداه حتما
توفّى فى رجب سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
(٥٦٧ - يوسف بن أحمد القشيرىّ القوصىّ)
يوسف بن أحمد بن علىّ، بن وهب بن مطيع القشيرىّ، ينعت بالسّراج القوصىّ، تفقّه على مذهب الشافعىّ، وكان كتابه «التّعجيز (١)»، ودرّس بالمشهد نيابة عن أبيه (٢)، وكان متزوّجا ببنت عمّه الشّيخ تقىّ الدّين (٣) وله منها ابن وبنت، سمعت بنته الحديث من أمّها رقيّة.
وكان قد نسب إليه شئ فى عدالته، فمنع واستمرّ منعه من جهة قاضى قوص السّفطىّ (٤)، إلى وفاته فى حدود عشرة وسبعمائة.
(٥٦٨ - يوسف بن أحمد السّملوطىّ الهوّىّ)
يوسف بن أحمد بن الكمال الظّهير (٥) السّملوطىّ المحتد والمولد، الهوّىّ (٦) الدّار
стр. 734
والوفاة، كان مقرئا يقرأ القراءات السّبع، أخذها عن أبى الرّبيع سليمان البوتيجىّ وابن حفاظ (١).
وله مشاركة فى النّحو والأدب وله شعر، وكان حسن الصّوت، وفيه لطافة، وتنسّك فى آخر عمره وحجّ وزار، وحطّ عن كاهله الأوزار، ولزم طريق الفلاح؛ حتّى عدّ من أهل الصّلاح، وقرأ عليه جماعة وانتفعوا [به].
وكان مدح شمس الدّين أحمد (٢) بن علىّ بن السّديد الأسنائىّ، لمّا كان الكمال مقيما بأسنا، بقصيدة: لمّا ناب فى الحكم بقوص/ أنشدنى منها صاحبنا العدل جمال الدّين (٣) أحمد بن هبة الله بن المكين الأسنائىّ [﵀] أوّلها:
الحمد لله أهل البغى قد صددوا … وعن جناب الرّحيم البرّ قد طردوا
وردّ كيدهم فى نحرهم أبدا … وقارنتهم نحوس الدّهر وانحسدوا (٤)
[منها فى المدح]:
فعل (٥) سديد صبور ضيغم غدق … غشمشم بطل ليث حمى (٦) أسد
صعب المراسة مرّ الجدّ علقمة … حلو الفكاهة لين جامد صمد
ذو همّة أوغلت فى العزّ فاقتنصت … شأوا يقصّر عن غاياتها الأمد
[منها]:
كدنا نذوب جوى شوقا لرؤيته … والبدر فى الليلة الظّلماء يفتقد
لولا بقايا الذى أولاه من نعم … لفارق الرّوح من أشخاصنا الجسد
стр. 735
[منها].
بالله أقسم ما الأحكام صالحة … لغيره لا ولم يكمل لها أحد
سقيا لقوص لقد جلّت مآربها … إذا وصار لها فى الكائنات يد
مذ حلّها رأيه الميمون مبتدئا … بالسّعد فى جحفل بالعدل منعقد
[منها]:
ماذا عسى يذكر المدّاح فى رجل … أوصافه جلّ أن يحصى لها عدد
نثنى عليه بما لو شاء قال لنا … كفّوا فكلّ لسان ها هنا عقد
وأنشدنى له أيضا، من مرثيّة رثى بها القاضى بدر الدّين ابن شمس الدّين المذكور، أوّلها:
إيه عسى عودة يا جيرة العلم … فالصبّ من بعدكم أفضى إلى العدم
منّوا ولو برهة بالعيش مؤذنة … فالقلب من بعدكم فى أوسع الألم
أو لا فردّوا الكرى وقتا ولو نفسا … لعلّ أن يتراءى الطّيف أن ينم
لله أيّامنا البيض التى سلفت … والعيش ذو غضّة والوقت ذو كرم
[منها]:
حتّى رمينا بسهم البين وانتدبت … يد الفراق بأسياف من النّقم
وحطّ عمدا علينا الموت كلكلة … فصيّر الشّمل منا غير ملتئم
رمى مخاليبه ما بيننا علقت … بواحد هو بالباقين كلّهم
بدر منير له من ضوئه لهب … أراد يرمى به أعداءه فرمى
توفّى بهوّ سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
стр. 736
(٥٦٩ - يوسف بن إسماعيل الأسنائىّ)
يوسف بن إسماعيل بن سعد الملك بن نحرير الأسنائىّ، قارىّ المصحف بأسوان، كان قارئا يقرأ/ قراءة حسنة صحيحة، له صوت شج.
وله نظم، منه ما أنشدنى محمد بن العريف (١) الأسوانىّ قال: كنّا مجتمعين، فرأى البيت الثانى من هذه الأبيات التى نذكر، فقال: يصلح أن نكمّل عليه ونجعل له أوّلا، وأنشدنا ارتجالا لنفسه:
شكوت إليه ما ألاقى من الهوى … فما حنّ لى يوما وما رقّ للشّكوى
فلو أنّنى قاضى المحبّين فى الهوى … قضيت لمن يهوى على كلّ من يهوى
فيا مهجتى ذوبى أسى وصبابة … ويا عاذلى دعنى فإنّى لا أقوى
توفّى بأسوان سنة أربع عشرة وسبعمائة.
(٥٧٠ - يوسف بن جعفر الأسنائى)
يوسف بن جعفر بن حيدرة بن حسّان الأسنائىّ، ينعت بالكمال، اشتغل بالفقه على الشّيخ بهاء الدّين القفطىّ وتفقّه، وأجازه الشّيخ، وقفت على إجازته بالتّدريس، وقد وصفه الشّيخ بالفقه والنّحو واللغة.
وكان كريما جوادا، وتولّى الحكم بأسفون (٢) من بلاد قوص، وبالمنشأة من بلاد إخميم، وكان أديبا له نظم ونثر، ومن شعره قوله:
стр. 737
لا تطلبنّ من السّواقى ثروة … يوما فما لفسادهنّ صلاح
فالشّدّ حلّ والرّسوم تراسم … والعشر عشر والخراج جراح
وله أيضا يمدح موقّعا [بقوله]:
يا من إذا خطّ الكتاب يمينه … أهدى إلينا الوشى من صنعاء
لم تجر كفّك فى البياض موقّعا … إلّا تجلّت عن يد بيضاء
وكان لشمس الدّين ابن السّديد (١) أخوان من أبيه، فماتا، فاتّهم (٢) بقتلهما، فهرب الكمال وكتب ورقة فيها:
«ولمّا استحسن المملوك الشّربة المستعملة من دم الأخوين (٣)، شرب لها حبّ الغاريقون، وقال إنّا لله وإنّا إليه راجعون».
وله رسائل، وكان آدم اللون، توفّى بمنشأة إخميم فى شهر ربيع الأوّل سنة اثنين وتسعين وستّمائة.
(٥٧١ - يوسف بن سليمان السّمهودىّ)
يوسف بن سليمان السّمهودىّ، يعرف بابن شاهد الجسر، ولد بسمهود واستوطن فرجوط، وقرأ القراءات على أبى الرّبيع البوتيجىّ (٤)، وأجاز له.
توفّى بفرجوط مستهلّ رجب سنة ثلاث عشرة وسبعمائة.
стр. 738
(٥٧٢ - يوسف بن صالح الأنصارىّ القوصىّ)
يوسف بن صالح بن صارم بن مخلوف الأنصارىّ أبو الحجّاج، ينعت نور الدّين ابن التّقىّ صالح، سمع من الحافظ أبى الحسن علىّ (١) بن المفضّل المقدسىّ، وحدّث، سمع منه/ الشّريف عزّ الدّين (٢) أحمد بن محمد الحسينى وقال: كان شيخا صالحا حسن الدّيانة ثقة.
ولد فى الخامس والعشرين من شهر ذى الحجّة سنة تسع وتسعين وخمسمائة، [وتوفّى فى العشر الوسط من شهر ربيع الأوّل سنة أربع وستّين وستّمائة.]
وقد تقدّم ذكر والده (٣)، وكان قد انقطع فى قرافة مصر الكبرى مدّة، ثمّ حجّ وعاد فتوفّى بقوص.
(٥٧٣ - يوسف بن عبد الرّحمن الأدفوىّ)
يوسف بن عبد الرّحمن بن عبد الوهّاب [بن يوسف] بن منجّى الأدفوىّ، ينعت بالجلال، تفقّه على مذهب الشافعىّ، بالشّيخ بهاء الدّين (٤) القفطىّ، وناب فى الحكم بأدفو عن قاضيها، وكان عاقلا عارفا، حسن الخلق فاضلا، ﵀ [تعالى].
ولد فى سنة خمس وخمسين وستّمائة، وتوفّى سنة خمس وتسعين [وستّمائة].
стр. 739
(٥٧٤ - يوسف بن عبد الرّحيم أبو الحجّاج الأقصرىّ (¬*))
يوسف بن عبد الرّحيم بن غزّى (١) القرشىّ، الشّيخ العارف الزّاهد أبو الحجّاج الأقصرىّ، كان شيخ الزّمان وواحد الأوان، صاحب المعارف المأثورة، والكرامات المشهورة، [والمكاشفات المعروفة المذكورة]، والمعارف الربّانيّة، واللطائف القدسيّة، والإشراقات النفسيّة، والأنوار التى تصيّر الليل فى حكم النّهار، والتجلّيات التى يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار، أحد الشّيوخ الذى انتفع النّاس ببركاته، وصالح دعواته، ودخلوا فى خلواته، وعلت بركاته على ما سواها وغمرت الخلائق وعمّت، وتقدّمت كرامات الصّوفية إليه فتقدّمتها كراماته وأمّت، طالما استنقذ من أسر الجهل من كان موثوقا فى حباله، وأنجد من ضلّ عن طريق الهدى فهداه بعد ضلاله، ووجد عاثر المعاصى قد أحاط به جيش الذّنوب فأخذ بيده وأقاله، ووضع فى يد التّقوى عقاله، كان «مشارفا» فأشرف على مقامات الأولياء، فترك المشارفة للمشارفة، فتعارفت روحه وروح الأصفياء، فحمدت تلك المعارفة، وتجرّد وجرّد الهمّة، فسمع طيب النّغمة، والسّعادة لا تنال بالسّاعد، إنّما يرزقها من كان السّعد الإلهىّ له مساعد:
فقل لفتى قد رام فى العصر مثله … يمينا بربّ النّاس لست بواجد
ومن ذا يضاهى حسن يوسف فى الورى … ويؤتى الذى قد ناله من محامد
تقدّم فى الفضل على أقرانه وأترابه، وظهرت بركاته على الجمّ الغفير من أصحابه، فانتشروا فى الأقطار والآفاق، وقام لهم سوق الثّناء ولم يكن من قبل [يعدّ] فى الأسواق،
стр. 740
وكان لمّا تجرّد توجّه إلى شيخه عبد الرزّاق، فصحبه ودرّت عليه الأرزاق/ فجاد فى الإنفاق، ولم يخش الإملاق، وتفجّرت من قلبه ينابيع الحكمة والإشراق، ثمّ عاد إلى وطنه وأهله، وربّما زكا الفرع على أصله، والمواهب الإلهيّة لا تحصر، والمعارف الربانيّة ليست على شخص تقصر، وقد تخرّج عليه وخرج من بين يديه سادات وأكابر، نطقت بمناقبهم ألسنة الأقلام وأفواه المحابر، ممّن له فضل بارع، وباع فى الكرامات واسع، كالشّيخ علىّ من أهل أدفو، والشّيخ علىّ بن بدران، والشّيخ شمّاس السّفطىّ، والشّيخ إبراهيم الفاوىّ، والبرهان الكبير، والبدر الدّمشقىّ، والشّيخ مفرّج (١) ونظرائهم.
حكى الشّيخ عبد الغفّار (٢) بن نوح فى كتابه أنّ الشّيخ كان مشارف الدّيوان، ثمّ تجرّد وصحب الشّيخ عبد الرزّاق تلميذ الشّيخ أبى مدين (٣)، فحصل له من الخير ما حصل، وذكر الشّيخ الصفىّ بن أبى المنصور أنّه صحب الشّيخ عبد الرّحيم (٤)، والشّيخ «حبيب» العجمىّ، والشّيخ عبد الرزّاق.
قال عبد الغفّار: حكى لى الشّيخ أبو زكريّا يحيى ابن القاضى إسماعيل اليمنىّ، وهو ثقة وكان أبى يقبل شهادته والنّفس تركن إليه، قال: كنت أجئ إلى الشّيخ أبى الحجّاج فى بعض الأوقات، فأجده يتكلم وحده، وما عنده أحد، فربّما سألته فيقول: إنّ أحد الجنّ المؤمنين كان عندى.
قال: وأخبرنى الشّيخ أبو الطّاهر إسماعيل ابن الشّيخ أبى الحجّاج، قال: كان