Полный текст (746 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
سورة الكوثر:
ثلاث آيات بغير خلاف.
* * *
سورة الكافرون:
ست آيات في الجميع بغير خلاف.
* * *
سورة النصر:
ثلاث آيات بغير خلاف.
* * *
سورة تبَّت:
خمس في جميع العدد.
* * *
سورة الإخلاص:
اختلافها آية:
(لَمْ يَلِدْ) عدَّها المكي، والشامى، فهي فيهما خمس
آيات، وهي أربع آيات في سواهما.
* * *
سورة الفلق:
خمس آيات باتفاق.
* * *
سورة الناس:
اختلافها آية: (اَلْوَسْوَاسِ) عدَّها المكي، والشامي.
فهي فيهما سبع آيات، وهي ست آيات فيما سواهما.
وقال بعض من عني بهذا الشأن جملنا عدد آي القرآن مع آي
стр. 282
فاتحة الكتاب كل ذلك في العدد الكوفي، فكان ذلك ستة آلاف آية.
ومائتي آية وستاً وثلاثين آية.
وجملنا ذلك كله للمدني الأخير، وهو عدد إسماعيل بن جعفر
المدني، فكان ستة آلاف آية، ومائتي آية، وأربع عشرة آية، وكان في
المدني الأول، فكان ستة آلاف آية ومائتي آية وسبع عشرة آية.
وحسبناه في عدد أهل البصرة فكان ستة آلاف آية ومائتي آية وأربع آيات. وجمعناه على عدد أهل الشام فكان ستة آلاف آية ومائتي آية وسبعا وعشرين آية.
وحسبنا حروف القرآن فكان ثلاثمائة ألف حرف وواحداً وعشرين
ألف حرف.
وعددنا الكلمات فكانت اثنتين وسبعين ألف كلمة، وقد عدُّوا
كلمات كل سورة وحروفها وما أعلم لذلك من فائدة؛ لأن ذلك، إن أفاد
فإنما يفيد في كتاب يمكن الزيادة، والنقصان منه، والقرآن لا يمكن ذلك
فيه.
على أن ما يمكن أن يزاد فيه، وينقص منه لا يفيد فيه حصر كلماته.
وحروفه، فقد تبدل كلمة موضع أخرى، وحرف مكان حرف، والقرآن
بحمد الله محفوظ من جميع ذلك.
ثم إني رأيتهم قد اختلفوا في عدد الكلمات والحروف، فلم يحصل
من ذلك حقيقة يقطع بها.
стр. 283
فإن قيل: فما الموجب لاختلافهم في عدد الآي؟
قلت: النقل والتوقيف، ولو كان راجعاً في الرأي لعدَّ الكوفيون (المر) آية كما عدوا (الم) .
وكيف عدوا (المص) ، ولم يعدوا (المر) ؟.
ومالهم لم يجدوا (طس) ، و (ص) كما عدوا (طسم) ، و (طه) ، و (يس) ؟
وكيف عَدوا (كهَيعص) آية واحدة، وعدوا (حَم عسق) آيتين؟.
وَلم عدَّ الشامي (غشاوة ولهم عذاب أليم) وأسقط
(إنما نحن مصلحون) ؟.
وَلم عدَّ الجميع إلا الشامي (وَأنْزَلَ التوْرَاةَ وَاْلإنْجِيلَ)
في آل عمران؟.
وَلم أسقط الكوفي وحده (وَأنْزَلَ الْفُرْقانَ) وعدَّها غيره؟.
وَلم أسقط الجميع (فَإذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإنكُم غَالِبُوْنَ) إلا البصري؟.
وَلم عدَّ الكوفي (مِنَ اْليَمِّ مَا غشِيَهُمْ) في طه؟.
وقد مرَّ في السور من هذا كثير يدلك على التوقيف.
وقد صنف عبيد الله بن محمد الناقط كتاباً اعتُمِدَ فيه على قياس رؤوس الآي. فما رآه موافقاً للقياس عدَّه، وما كان على خلاف ذلك اختارَ تركه.
стр. 284
مثال ذلك أنه قال في سورة النساء في قوله : (وَيُرِيْدُوْنَ أنْ
تضِلوْا السبِيْلَ) عدَّها أهل الكوفة قال: والقياس تركها، ونحن لا
نعدَّها.
قال: لأنها ليست متسقة على ما قبلها ولا ما بعدها.
والكتاب كله كذلك.
ولو كان العدد بالأشباه لما عدوا (فَيْ ثَقُلَتْ مَوَازِيْنُهُ)
في القارعة ونحو ذلك، وكذلك (وَأما مَنْ خفتْ مَوَازِينَه)
وهو كثير.
فإن قيل: فلو كان ذلك توقيفاً لم يقع اختلاف، قلت: الأمر في
ذلك على نحو من اختلاف القراءات، وكلها مع الاختلاف راجع إلى
النقل، والله أعلم.
ومما يؤيد ما ذكرته من أن عدد الآي راجع إلى التوقيف ما روى
عاصم، عن زِر، عن عبد الله بن مسعود أنه فال: اختلفنا في سورة من
القرآن، فقال بعضنا: ثلاثين، وقال بعضنا: اثنتين وثلاثين، وأتينا
النبي ﷺ ، فأخبرناه، فتغير لونه، فأسرَّ إلى علي بن أبي طالب بشيْء.
فالتفت إلينا عليٌّ، رضوان الله عليه، فقال:
"إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تقرؤوا القرآن كما عُلِّمْتمُوهُ) .
ففي هذا دليل على أن العدد راجع إلى التعليم، وفيه أيضاً دليل على تصويب العددين لمن تأمل بفهم.
стр. 285
ذِكرُ الشوَاذ
الشاذ مأخوذ من قولهم: شَذ الرجلُ يشِذ شُذُوذاً، إذا انفرد عن
القوم، واعتزل عن جماعتهم.
وكفى بهذه التسمية تنبيهاً على انفراد الشاذ، وخروجه عما عليه الجمهور.
والذي لم يزل عليه الأئمة الكبار القدوة في جميع الأمصار من
الفقهاء، والمحدثين، وأئمة العربية توقيرُ القرآن، واجتنابُ الشاذ، واتباع
القراءة المشهورة، ولزوم الطرق المعروفة في الصلاة، وغيرها.
قال ابن مهدي: لا يكون إماماً في العلم من أخذ بالشاذ من العلم.
ولا يكون إماماً في العلم من روى عن كل أحد، ولا يكون إماماً في العلم
من روى كل ما سمع.
وقال الحارث بن يعقوب: الفقيه كل الفقيه من فَقُهَ في القرآن.
وعرف مكيدة الشيطان.
وقال خلاد بن يزيد الباهلي: قلت ليحيى بن عبد الله بن أبي
مليكة: إن نافعاً حدثني عن أبيك، عن عائشة، ﵂، أنها كانت
تقرأ (إذ تَلِقُوْنَهُ) وئقولؤ إنَما هو وَلْقُ الكذب، فقال
له يحيى: ما يضرك ألَّا تكون سمعته من عائشة؟
نافع ثقة على أبي،
стр. 286
وأبي ثقة على عائشة وما يسرني أني قرأتها هكذا، ولي كذا وكذا.
قلت: لِمَ؟ وأنت تزعم أنها قالت؟
قال: لأنه غير قراءة الناس، ونحن لو وجدنا
رجلاً يقرأ بما ليس بين اللوحين ما كان بيننا وبينه إلا التوبة، أو نضرب
عنقه، - نجيء به عن الأمة، عن الأمة، عن النبي ﷺ ، عن جبريل، عن الله ، وتقولون أنتم: حدثنا فلان الأعرج، عن فلان الأعمى، ما أدري ماذا! أَن ابن مسعود يقرأ غير ما في اللوحين، إنما هو، والله، ضرب العنق، أو التوبة.
وقال هارون: ذكرت ذلك لأبي عمرو - يعني القراءة المعزوة"
إلى عائشة - فقال: قد سمعت هذا قبل أن تولد، ولكنا لا نأخذ به.
وقال محمد بن صالح: سمعت رجلاً يقول لأبي عمرو: كيف
تقرأ: (لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) ؟
قال: (لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ) ، فقال له الرجل: كيف؟ وقد جاء عن النبي ﷺ : ((لَا يُعَذَّبُ عَذَابُهُ أَحَدٌ) .
فقال له أبو عمرو: لو سمعت الرجل الذي قال:
سمعت رسول الله ﷺ ما أخذته عنه.
وتدري ما ذاك؛ لأني أتهم
стр. 287
الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامة.
وقراءة الفتح ثابتة أيضاً بالتواتر، وقد تواتر الخبر عند قوم دون قوم، وإنما أنكرها أبو عمرو لأنها لم تبلغه على وجه التواتر.
وعن أبي حاتم السجستانى، ﵀، قال: أول من تتبع بالبصرة
وجوه القرآن، وألّفها، وتتبع الشاذ منها فبحث عن إسناده: هارون بن
موسى الأعور، وكان من العتيك مَوْلَى.
وكان من القراء، فَكَرِهَ الناس ذلك، وقالوا: قد أساء حين ألّفها، وذلك أن القراءة إنما يأخذها قرون وأمة عن أفواه أمة، ولا يلتفت منها إلى ما جاء من وراء وراء.
وقال الأصمعي عن هازون المذكور: كان ثقة مأموناً.
قال: وكنت أشتهي أن يضرب لمكان تأليفه الحروف، وكان الأصمعي لا يذكر أحداً بسوء إلا من عَرَفَهُ ببدعة.
стр. 288
قلت: وإذا كان القرآن هو المتواتر، فالشاذ ليس بقرآن؛ لأنه لم
يتواتر، فإن قيل: لعله قد كان مشهوراً متواتراً، ثم ترك حتى صار شاذاً.
قلت: هذا كالمستحيل بما تحققناه من أحوال هذه الأمة، واتباعها لما جاء
عن نبيها ﷺ ، وحرصها على امتثال أوامره، وقد قال لهم ﷺ :
"بلغوا عني ولو آية"
وأمرهم باتباع القرآن، والحرص عليه، وحضهم على تعلمه.
وتعليمه، ووعدهم على ذلك بالثواب الجزيل، والمقام الجليل.
فكيف استجازوا تركه، وهجروا القراءة به حتى صار شاذا بتضييعهم إياه.
وانحرافهم عنه؟.
فإن قيل: منعوا من القراءة به، وأحرقت مصاحفه.
قلت: هذا من المحال، وليس في قدرة أحد من البشر أن يرفع ما أطبقت عليه الأمة، واجتمعت عليه الكافة.
وأن يختم على أفواههم، فلا تنطق به، ولا أن
يمحوه من صدورهم بعد وعيه وحفظه.
ولوتركوه في الملأ لم يتركوه في الخلوة، ولكان ذلك كالحامل لهم على أدائه، والجد في حراسته كي لا يذهب من هذه الأمة كتابها، وأصل دينها.
ولو أراد بعض ولاة الأمر في زماننا هذا أن ينزع القرآن، والعياذ بالله، من أيدي الأمة، أو شيئًا منه، ويعفي أثره لم يستطع ذلك.
فكيف يجوز ذلك في زمن الصحابة والتابعين؟ وهم هم، ونحن نحن.
على أنه قد روي أن عثمان، ﵁، قد قال لهم بعد ذلك
لما أنكروا عليه تحريق المصاحف، وأمرهم بالقراءة بما كتب: اقرؤوا كيف
شئتم، إنما فعلت ذلك لئلا تختلفوا.
стр. 289
فإن قيل: فقد قال الطبري إن عثمان ﵁ إنما كتب ما
كتب من القرآن على حرف واحد من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن.
قال: وليس اختلاف القراء الآنَ الذي أراد النبي ﷺ بقوله: "إن هذا القرآن نزل على سبعه أحرف".
واختلاف القراء عن هذا بمعزل.
قال: لأن ما اختلف فيه القراء لا يخرج عن خط المصحف، والذي كتب على حرف واحد.
قال: والستة الأحرف قد سقطت وذهب العمل بها بالإجماع
على خط المصحف المكتوب على حرف واحد.
فالجواب: أن هذا الذي ادعاه من أن عثمان، ﵁، إنما
كتب حرفاً واحداً من الأحرف السبعة التي أنزلها الله : لا يُوَافَقُ
عليه، ولا يُسلَّمُ له، وما كان عثمان، ﵁، يستجيز ذلك، ولا
يستحل ما حرَّم الله من هجر كتابه، وإبطاله وتركه، وإنما قصد سدَّ باب القالة، وأن يدعي مدعٍ شيئاً ليس مما أنزل الله فيجعله من كتاب الله
، أو يرى أن تغيير لفظ الكتاب العزيز بغيره مما هو بمعناه لا بأس
فلما كتب هذه المصاحف، وأمر بالقراءة بما فيها لم يمكن أحداً من
أولئك أن يفعل ما كان يفعل، والذي فعل ذلك مخطئ؛ لأن عمر ﵁ أنكر على هشام بن حكيم لفظاً لم يسمعه من رسول الله ﷺ -
стр. 290
وعمر ﵁ يعلم أن ذلك جائز في العربية، وأن رسول الله ﷺ قال: "هكذا أنزلت ".
فلو أن تغيير القرآن لا يجوز لما أنكر عمر، ﵁، ما
أنكره.
فأراد عثمان ﵁ أن يجمع القرآن كله بجميع وجوهه
السبعة التي أنزل عليها سداً لباب الدعوى، ورداً لرأي من يرى تبديل
حرف منه بغيره.
ألا ترى أنه أحضر الصحف التي كتبها الصديق ﵁
وكانت بالأحرف السبعة، واستظهر من ذلك بما كتب بين يدي
رسول الله ﷺ من الرقاع، والأكتاف واللخاف، أراده أن لا يبقى لقائل قول، ولا لمدع دعوى.
وأما قوله إنما كتب حرفاً واحداً من الأحرف السبعة فغير
صحيح، فقد كتب في بعض المصاحف (وأوْصى) وفي بعضها
(وَوَصى) ، وكتب في بعضها (وَقَالُوا اتخذَ اللَّهُ) ، وفي بعضها
(قَالُوْا. . .) وكتب (سَارِعُوا إِلَى مَغفِرَةٍ) في موضع بغير واو، وفي
مصحف (وَسَاْرِعُوْا. . .) .
وكتب في المدنى والشامي (يَرْتَدِدْ) ، وفي غيرهما (يَرْتَدَّ) بدال واحدة.
و (تَجْرِي تَحْتَهَا) في سورة التوبة، وفي بعض المصاحف (مِنْ تَحْتِهَا) .
(وَبِالزبُرِ وَبالكتاب) في آل عمران في المصحف الشامي، وفي غيره (والزبُر وَاْلكِتَاْبِ) إلى غير ذلك من
стр. 291
المواضع نحو: (شُرَكَائِهِمْ، وَشُرَكاؤهُمْ) ، (وَأَن اللَّهَ الْغنِي) .
و (فإن اللَّهَ هُوَ الْغنِي) ، (وَكُلٌّ وَعَدَ الله) ، (وكُلاً) إلى غير ذلك
مما تركت ذكره خشية الإطالة.
وقد ذكرت أن الأمة لا ترضى لأحد من خلق الله بترك كتاب الله، وما
ثبت عن رسولَ الله ﷺ ، وأن أحدًا لا يقدر أن ينتزع من أيديها ما اشتهر بينها، وتداولته النقلة، واستمرت على تلاوته الألسنة حتى يصير نسياً منسياً لا يعرفه إلَّا الشاذ منهم بعد أن كان يعرفه الكبير والصغير، والذكر والأنثى.
هذا من المحال في مجرى العادة، والذي لا يشك فيه أن عثمان، رضي
الله عنه، كتب جميع القرآن بجميع وجوهه، ولم يغادر منه شيئاً، ولو ترك
شيئاً منه لم يوافق عليه، وقد جاء بعده على ﵇، ولم يزد على
ما كتبه حرفاً.
قال عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم: وقد نبغ نابغ في
عصرنا هذا، فزعم أن كل مَنْ صح عنده وجه في العربية بحرف من القرآن
يوافق خط المصحف، فقراءته جائزة في الصلاة، وفي غيرها، فابتدع بدعة
ضل بها عن قصد السبيل، وتورط في منزلة عظمت بها جنايته على الإسلام
وأهله، وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين
يديه، ولا من خلفه، إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسيء قِراءته طريقاً
إلى مغالطة أهل الحق بتخير القراءات من جهة الكتب، والاستخراج
стр. 292
بالآراء دون الاعتصام، والتمسك بالأثر المفترض على أهل الِإسلام قبوله.
والأخذ به كابراً عن كابر، وخالفاً عن سالف.
وكان أبو بكر بن مجاهد، ﵀، استتابه عن بدعته، وأحضره
السلطان ليؤدبه، واستوهب من السلطان تأديبه عند توبته، وإظهاره الإقلاع
عن بدعته، ثم عاد إلى ما كان عليه، واستغوى من أصاغر المسلمين.
وأهل الغفلة، والغباوة جماعة ظناً منه أن ذلك يكون للناس ديناً، وأن
يجعلوه فيما ابتدعه إماماً، ولن تعدو ضلالته مجلسه؛ لأن الله قد
أعلمنا أنه حافظ كتابه من لفظ الزائغين، وشبهات الملحدين بقوله عز
وجل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩) .
وأبو طاهر عبد الواحد هذا إمام من أئمة القرآن، وهو صاحب ابن مجاهد، وفي هذه الشواذ قطعة كبيرة من هذا الوجه الذي ذكره.
قال الأصمعي: سمعت نافعًاً يقرأ: (يَقُصُّ الْحَقَّ) فقلت له: إن أبا
عمرو يقرأ: (يَقْضِي الْحَقَّ) ، وقال: القضاء مع الفصل، فقال نافع:
وي يا أهل العراق! تقيسون في القرآن!!.
قلت: معنى قول أبي عمرو: القضاء مع الفصل: أي أني
اخترت هذه القراءة لهذا، ولم يرد ردَّ القراءة الأخرى، ومعنى قول
نافع: تقيسون في القرآن، لم يرد به أن قراءهم أخذوها بالقياس وإنما
يريد أنهم اختاروا ذلك كذلك، والقراءتان ثابتتان عندهما.
قال ابن أبي هاشم: قال: يريد أنا لم نأخذ القراءة على قياس
стр. 293
العربية، إنا أخذناها بالرواية، وقال بعض أصحاب سُلَيْم: قلت
لسُلَيْم في حرف من القرآن: من أي وجه كان كذا وكذا؟
فرفع كمه، وضربني به، وغضب، وقال: اتقِ الله لا تأخذن في شيء من هذه، إنما نقرأ القرآن على الثقات من الرجال الذين قرؤوه على الثقات.
وقال الكسائى، ﵀: لو قرأت على قياس العربية لقرأت
(كِبْرَهُ) برفع الكاف؛ لأنه أراد عُظْمَهُ، ولكني قرأت على الأثر.
وقال يحيى بن آدم: حدثنا أبو بكر بن عيَاش بحروف عاصم في
القراءة، وقال: سألته عنها حرفاً حرفاً، فحدثني بها، ثم قال: أقرأنيها
عاصم كما حدثتك بها حرفاً حرفاً، تعلمتها منه تعلَماً، أختلِف إليه نحواً
من ثلاث سنين كلَّ غداة في البرد، والأمطار حتى استحيى من أهل مسجد
بني كاهل في الصيف، والشتاء، وأعملت نفسي فيها سنة بعد سنة.
فلمَا قرأت عليه قال لي: أحمد الله، فإنك قد جئت، وما تحسن شيئاً.
قال: تعلمت القراءة عن عاصم كما يتعلَّم الغلام في الكُتَّاب، ما
أُحسِن غيرَ قراءته.
وقال أبو بكر بن عيَّاش: قال عاصم: ما أقرأني أحد
стр. 294
حرفاً إلا أبو عبد الرحمن السلَمى، وكان أبو عبد الرحمن قد قرأ على
على، ﵁.
فإن قيل: فهل في هذه الشواذ شيء تجوز القراءة به؟
قلت: لا تجوز القراءة بشيء منها لخروجها عن إجماع المسلمين، وعن الوجه
الذي ثبت به القرآن، وهو التواتر، وإن كانت نقلته ثقات، وإن كان
موافقاً للعربية، وخط المصحف لأنه جاء من طريق الآحاد، فتلك
الطريق لا يثبت بها القرآن، ومنها ما نقله من لا يعتد بنقله، ولا يوثق
بخبره، فهذا أيضاً مردود لا تجوز القراءة به، ولا يقبل، وإن وافق العربية.
وخط المصحف نحو: (مالكَ يوم الدين) بالنصب.
ولقد نبغ في هذا الزمان قوم يطالعون كتب الشواذ، ويقرؤون بما
فيها، وربما صحفوا ذلك، فيزداد الأمر ظلمة وعمى.
فإن قيل: فقراءة الكسائي (هل تستطيعُ ربَّك)
راجعة إلى ما روى عبادة بن نُسَيّ عن عبد الرحمن بن غنم، قال:
стр. 295
سألت معاذ بن جبل عن قول الحواريين (هل تستطيع ربَّك - أو يستطيع
ربُّك "؟ فقال: أقرأني رسول الله ﷺ (هل تستطيع ربَّك) مرارًاً بالتاء والنصب.
وهذا حديث يرويه محمد بن سعيد الشامي وهو مشهود
على كذبه، ورداءة مذهبه.
قلنا: ليس هذا الحديث هو أصل القراءة، ولا هي راجعة إليه.
والقراءة ثابتة مقطوع بصحتها، وإذا علم ذلك من غير هذا
الحديث فلا يقدح ذلك فيه.
ومن الشاذ ما هو لحن، فلا يقبل لخروجه عن الشهرة، والعربية.
وكيف لا يخرج عن الشهرة؟ وهو لحن، وقد قال النبي ﷺ لأبيٍّ، وهو يُقْرِئ رجلاً:
"قَوِّمْ لسانَهُ، ثم عَلِّمْهُ، فإنك مأجورٌ، الذي أنزله لم يلحن
فيه، ولا الذي نزل به، ولا الذي نزل عليه، وإنه قرآن عربي!
فإن قيل: فأين السبعة الأحرف التي أخبر رسول الله ﷺ أن القرآن أنزل عليها في قراءتكم هذه المشهورة؟.
قلت: هي متفرقة في القرآن نحو: (يسيركم) (وينشركم) .
ونحو. (يقص) (ويقضي) ، و (تحتها) (ومن تحتها) ، ونحو
стр. 296
(لنبوئنهم) (ولنثوينَّهم) ، و (فتبينوا) و (فتثبتوا) .
وجملة ذلك سبعة أوجه:
الأول: كلمتان يقرأ بكل واحدة في موضع أخرى نحو ما ذكرته.
والثاني: أن تُزاد كلمة في أحد الوجهين، وتترك في الوجه الآخر
نحو: (تحتها، ومن تحتها) .
ونحو: (فإن اللَّه هو الغني، فَإِن الله الغني) .
والثالث: زيادة حرف ونقصانه نحو: (بما كسبت، وفيما كسبت) .
والرابع: مجيء حرف في موضع حرف نحو: (يقول ونقول ".
و (تَتْلُو) و (تبلو) .
الخامس: تغيير حركات إما بحركات أخر، أو بسكون نحو: (فَتَلَقى
آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ "، ونحو (وَلْيَحْكًمْ أَهْلُ اْلإنْجِيلِ) .
والسادس: التشديد والتخفيف نحو: (تسَّاقِط عليك)
و (تسَاقط) و (بلد مَيْت. وبلد ميِّت) ونحو ذلك.
стр. 297
والسابع: التقديم والتأخير. كقوله : (وقَاتَلُوْا وقُتِلُوْا، وقُتِلُوْا
وَقَاتَلُوْا) .
وقوله . (ثُمَّ انْظُرْ أَنى يُؤْفَكُوْنَ) يقرأ على سبعة
أوجه، وكذلك قوله : (فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ) .
وقوله : (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأسُنَا تَضَرَعُوا)
وكذلك نظائره.
стр. 298
الطَّوْدُ الرَّاسِخُ في المَنسوخَ وَالناسخ
الناسخ: هو الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب
المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه.
والمنسوخ: هو الحكم الزائل بعد ثباته بخطاب متقدم بخطاب واقع
بعده متراخ عنه دال على ارتفاعه على وجه لولاه لكان ثابتاً.
وأما النسخ: فإنه - زوال شرع بشرع متأخر عنه.
والنسخ في العربية: النقل، تقول: نسخت الكتاب إذا نقلته:
والإزالة، يقولون: نسخت الشمس الظل أي أزالته، وحلَّت محله، وتقول
أيضاً: نسخت الريح الأثر، فهذه إزالة لا إلى بدل.
ونسخ القرآن بمعنى الإزالة.
وقولنا: ناسخ ومنسوخ: أمر يختص بالتلاوة.
وأما المتلو فلا يجوز ذلك فيه، وكذلك المجاز أمر يختص بالتلاوة وكلام الله قديم لم يزل موجوداً، وكان قبل إيجاد الخلق غير مكتوب، ولا مقروء، ثم بالِإنزال كان مقروء ومكتوباً، ومسموعاً.
ولم ينتقل بذلك من حال إلى حال كما أن الباري قبل خلق
العباد لم يكن معبوداً، وإنما عبد بعد إيجاد العباد، ولم يوجب ذلك له
تغيراً سبحانه.
وحكمة النسخ اللطف بالعباد، وحملهم على ما فيه إصلاح لهم.
ولم يزل الباري عالماً بالأمر الأول، والثاني، وبمدة الأول،
стр. 299
وابتداء مدة الثاني قبل إيجاد خلقه، وتكليفهم ذلك، ونقلهم عنه إلى غيره.
وما زال مريداً للأول إلى زمن نسخه، مريداً لِإزالة حكمه إلى
بدل، أو إلى غير بدل، وكلامه صفة له لا تغيير فيه، ولا تبديل.
وحقيقة - التخصيص، والاستثناء تخالف حقيقة النسخ؛ لأن
التخصيص أن يجيء اللفظ عاماً، والمراد بعض متناولاته، فإذا أتى ما دل
على أن المراد غير ظاهر اللفظ ظهر التخصيص.
وقالوا في حدّه: إخراج بعض ما يتناوله الخطاب؛ ولأن الاستثناء
صيغة دالة على أن المستثنى غير داخل في الخطاب، فالتخصيص قريب
من معنى الاستثناء إلَّا أن الاستثناء لا يكون إلا بحرف دال على إخراج
المستثنى؛ لهذا قالوا في حده: صيغة دالة.
ودلالة التخصيص إما بنص آخر، أو إجماع، أو قرينة.
فالتخصيص نحو قوله : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَذِيْنَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ، بعد قوله: (ولا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتى يُؤْمِن) .
ولو كان هذا نسخاً لكانت آية البقرة المراد بها الكتابيات.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: آية المائدة ناسخة
لآية البقرة.
стр. 300
وقال قائلون: لا يصحّ هذا إلا أن تكون آية البقرة في المشركات
من أهل الكتاب.
وأقول: إن هذا الذي قالوه غير مستقيم، فإن قولنا: نسخ.
وتخصيص، واستثناء اصطلاح وقع بعد ابن عباس، وكان ابن عباس يسمي
ذلك نسخاً، ولو وقع الاصطلاح على تسمية جميع ذلك نسخاً ويكون
النسخ على ثلاثة أضرب، لم يمتنع لاجتماع المعاني الثلاثة في الإزالة
للحكم المتقدم.
والناسخ يكون مدنياً لا غير، فإما أن ينسخ مكياً أو ينسخ مدنياً نزل
قبله، وقد تقدم ذكر المدنى والمكي ونزيد هنا فنقول:
كل سورة فيها (كلَّا) فهي مكية، وكل سورة افتتحت بالحروف
فهي مكية إلا البقرة وآل عمران، واختلف في الرعد، وكل سورة فيها قصة
آدم، ﵇، وإبليس، لعنه الله، فهي مكية إلا البقرة.
وما فيه ذكر المنافقين فهو مدنى.
وقيل: ما كان من السور فيه القصص، والأنباء عن
القرون، فهو مكى وما فيه فريضة أو حد فهو مدني، وقيل: ما فيه
(يا أيها الذين آمنوا) فهو مدني، وما فيه (يا أيها الناس) ولم يكن فيه
(يا أيها الذين آمنوا) فهو مكي.
وأما نسخُ المكيِّ المكيَّ فلم يُتَفَقْ عليه.
стр. 301
وقال العلماء: أول ما نسخ الصلاة إلى بيت المقدس.
وهذا يدل على أن المكيّ ليس فيه منسوخ؛ لأن البقرة مدنية، والنسخ إنما يكون في الأحكام، ولا نسخ في الأخبار؛ لأن خبر الله حق لا يصح أن يكون على خلاف ما هوعليه.
وليس في الفاتحة ناسخ ولامنسوخ.
* * *
سورة البقرة
وقد عدّ قوم من المنسوخ آيات كثيرة ليس فيها أمر، ولا نهي، وإنما
هي أخبار، وذلك غلط نحو قوله : (وَمِماْ رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)
زعموا أنها منسوخة بإيجاب الزكاة، وعدوا أيضاً من الأوامر
والنواهي جملة، فقالوا: هي منسوخة نحو قوله : (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) .
وقوله : (وَلَا تَعْتَدُوْا إِن اللهَ لَا يُحِبَ الْمُعْتَدِين)
وذلك لا يصح، ومتى كان للخطاب طريق في
الحكم بأنه محكم كان أولى من حمله على أنه منسوخ نحو قوله :
(فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) .
فحملُ هذا على أنه محكم أَوْلى.
وأما قول عطاء في قوله : (وَلاَ تَقُوْلُوْا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا)
إنّه ناسخ لما كانوا عليه من قولهم في الجاهلية، والإسلام؟
"راعنا سمعك" أي فَرّغْه لنا، لما وجد اليهود بهذه الكلمة سبيلاً إلى
стр. 302
السب؛ لأنها في كلامهم سب، فليس ذلك بصحيح، ولو كان ذلك
ناسخاً لكان جميع ما أمرهم به من مكارم الأخلاق، ومما يستحسن في
القول، والفعل ناسخاً لما كانوا عليه.
ولهذه الآية نظائر كثيرة، فَكُل ما قيل في ذلك: بأنه ناسخ لعادة
جرت، أو شريعة تقدمت فهذه سبيله. فاعلم ذلك.
قوله : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاْمِ. . .) الآية
قالوا: هي ناسخة للصلاة إلى بيت المقدس، قالوا:
والصلاة إلى بيت المقدس أول ما نسخ، وهذا ليس بناسخ لقرآن؛ لأن
صلاة النبي ﷺ لم تكن بقرآن أنزل عليه.
وقال ابن عباس ﵄: أول ما نسخ من القرآن شأن
القبلة، قال الله لنبيه ﷺ : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) فصلى النبي ﷺ نحو بيت المقدس، ثم صرف إلى البيت العتيق، فعلى هذا تكون الآية ناسخة لقوله سبحانه: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) لأنه سبحانه أباح له ﷺ استقبال ما شاء من الجهات، ثم نسخه بما
ذ كرنا.
وقال عبد الله بن عمر، ﵁: نزلت في صلاة التطوع
يصلي حيثما توجهت به الراحلة، وقيل: نزلت في قوم عميت عليهم
القبلة، فصلوا باجتهادهم إلى جهات مختلفة، فأُعلموا أن صلاتهم جائزة.
وروى عامر بن ربيعة عن أبيه كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتغمَّيت
стр. 303
السماء، وأشكلت علينا القبلة، فصلينا، وعلّمنا، فلما طلعت الشمس إذا
نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فنزلت (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) .
ومن هذا قول الحسن البصري في قوله : (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) إنها نزلت في نسخ التراجع الذي
كانوا يفعلونه، إذا قَتَلَ الرجلُ امرأةً كان أولياؤها بالخيار بين قتله مع تأدية
نصف ديته، وبين أخذ نصف دية الرجل وتركه، وإن كان قاتلَ الرجلِ امرأة
كان أولياء المقتول بالخيار بين قتل المرأة، وأخذ نصف دية الرجل، وإن
شاؤوا أخذوا الدية كاملة، ولم يقتلوها.
قال: فنسخت هذه الآية ما كانوا يفعلونه، فإن كانت هذه الآية نزلت في ذلك فهي محكمة، ولا يقال: إنها ناسخة لفعلهم؛ لأن فعلهم ذلك لم يكن بقرآن تزل، ولا هو حكم من أحكام الله ، ولا يقال أيضاً لذلك الفعل الذي كانوا يفعلونه: منسوخ؛ لأنه لم يكن حكماً ثابتاً بخطاب سابق لهذا الخطاب.
وعن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بقوله في المائدة:
(وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)
فهذه أوجبت قتل الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل، والحر بالعبد، والعبد بالحر، وليس هذا مما أصححه عن ابن عباس، ﵀؛ لأنّ هذه الآية إنما هي إخبار من الله بما أنزل في التوراة.
فإن قيل: فقد قال بعد ذلك: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) .
قلت: أراد الله سبحانه أن اليهود خالفوا التوراة، ولم يحكموا بها، وقد قال بعد ذلك: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) .
стр. 304
فأعلمنا سبحانه أن لنا شرعة تخالف شرعتهم، ومنهاجاً يخالف منهاجهم.
وقال الشعبى وغيره: آية البقرة نزلت في قوم اقتتلوا، فقتل بينهم
جماعة كثيرة، وكانت إحدى الطائفتين تعاظمت على الأخرى، وأرادت أن
تقتل بالعبد منها الحر من الأخرى، وبالأنثى الرجل، فنزلت، ثم هي لمن
أراد مثل ما طلبوا، قال هؤلاء: فهي محكمة.
وليس هذا بصحيح، فإن الرجل يقتل بالمرأة عند عامة الفقهاء إلَّا ما ذكر عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، وعطاء، وعكرمة إلَّا أن يريدوا قتل الرجل الحر بالأمة، فيكون قول الله : (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى)
أي الأنثى من الإماء ْبالأنثى منهن أي لا يقْتَلُ بالأمة الرجلُ الحر، وإنما يقتل بها أنثى مثلها، أو عبد مثلها، وفيه بعد؛ لأن قوله : (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) يقتضي ألا تقتل أنثى إلَّا بأنثى.
وقيل: إنهم أرادوا قتل امرأتين بامرأة، وقتل رجلين برجل، فعلى
هذا يصح معنى الآية.
وقال السدي، وغيره: اقتتل فريقان على عهد النبي ﷺ ، فأمر النبي ﷺ في ديات قتلاهم: ديات النساء بديات النساء، وديات الرجال بديات الرجال، قال هؤلاء: فهي في شيء بعينه.
وهي على هذا الحكم باقية لمن أتى بعدهم، وهي محكمة، وعلى هذا الذي ذكره يصح تأويل الآية، ومعناها أيضا.
وذهب سعيد بن المسيب، والثوري، والنخعى،
стр. 305
والشعبى، وقتادة، وأبو حنيفة، وأصحابه إلى أن آية البقرة منسوخة بقوله : (أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) فأجروا القصاص بين الحر والعبد، والذكر
والأنثى، وقد مر الكلام على أنها منسوخة، وأن آية المائدة لا تصلح أن
تكون ناسخة.
ومما عدوه ناسخاً وليس كما قالوا، قوله : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ
أَخِيْهِ شَيْءٌ فَاتبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ)
قالوا: هو ناسخ لما كان عليه بنو إسرائيل، أباح الله به العفو عن القاتل، وأخذ الدية، ولم يكن ذلك لهم.
والكلام في ذلك كما تقدم في قوله : (لَا تَقُوْلُوْا رَاعِنَا) . . .
وقوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) الآية.
يجوز أن تكون منسوخة بآية الميراث، وأن تكون محكمة.
قالوا: كانت الوصية للوالدين والأقربين، ثم نسخ ذلك.
وقيل: معناها أن يوصي للوالدين والأقربين بإمضاء ما فرض الله لهم، وسوغه من مال الميت، وألا يتعدى حكم الله فيه، فتكون على هذا محكمة.
قالوا: ومما يؤيد أنها منسوخة أنها نزلت قبل أن ينزل ما في النساء.
وقال طاووس، والحسن، وغيرهما: هي محكمة، وقيل: بعضها
منسوخ، وهو قوله تعالى: (لِلْوَالِدَيْنِ) ، وبعضها محكم، وهو الوصية
للأقربين.
وممن قال ذلك الشعبي، والنخعى، واختاره الطبري، ويروى
ذلك عن الحسن، وعن قتادة، والضحاك.
وقال الضحاك، من مات،
стр. 306
ولم يوص للأقربين فقد ختم عمله بمعصية.
وقال الحسن، وطاووس: إذا أوصى بثلث ماله لأجنبي فلقرابته من ذلك الثلثان، وللأجنبي الثلث.
وقال قوم في قوله : (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) :
إن الآية منسوخة، وإن المسلمين كانوا يقتدون بفعل أهل الكتاب في صومهم، فكانوا إذا ناموا حرم عليهم بعد نومهم أن يأكلوا، أو يشربوا، أو يقربوا النساء، وكذلك بعد صلاة العشاء الآخرة، وإن لم يناموا.
وليس هذا القول بشيء، وإنما المعنى: فرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم، أي: أوجبه الله تعالى عليكم كما أوجبه على الذين من قبلكم.
قال عليٌّ، ﵁: أولهم آدم، وجميع الأمم، مفروض
عليهم الصوم.
وقال قوم: أراد بقوله: (أَياماً مَعْدُوْدَاتٍ) يوم عاشوراء.
وثلاثة أيام من كل شهر كتب على رسول الله ﷺ صيامها حين هاجر، ثم نسخ بشهر رمضان. وهذا غير صحيح؛ لأنه بيَّن الأيام المعدودات بقوله : (شَهْرُ رَمَضَانَ) .
وأما قوله : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيْقُونَهُ فِدْيَة طَعَامُ مِسْكِينٍ)
قيل: إنها منسوخة، وكانوا من شاء صام، ومن شاء أَفطر.
وأطعم مسكيناً عن كلِّ يوم، ثم نسخ ذلك بقوله عزْوجل: (فَمَنْ شَهِدَ
مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) ، وقد قيل: إنها محكمة، وقوله
стр. 307
(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيْقُوْنَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ)
يريد به من أفطر لمرض، ثم صح، فأطاق القضاء، فلم يقضِ حتى أدركه فرض الصوم لعام آخر، فإنه يصوم الذي أدركه، فإذا فرغ منه قضى الذي فاته، وأطعم عن كل يوم مُداً، وأما من اتصل به المرض، فلم يطق أن يقضي حتى جاء الصوم الآخر فإنه يقضي إذا أطاق بعد ذلك، ولا إطعام عليه.
وهذا القول قول زيد بن أسلم، وابن شهاب، ومالك، ﵀، في رواية ابن وهب عنه.
ويجوز، والله أعلم، أن تكون محكمة، ويكون معنى قوله: (وَعَلَى
الذِينَ يُطِيْقُونهُ) : أي على الذين يتعمَّدون الفطر من غير عذر، فإنهم
يلزمهم إطعام ستين مسكينًا، أو العتق، أو صوم شهرين. والسنة بيَّنت
الإطعام، وزادت العتق، والصيام، وليس التأويل الأول، كانوا من شاء
صام، ومن شاء أفطر، وأطعم، بمتفق عليه بين الصحابة، إنما ذلك قول
معاذ بن جبل، ﵀، وقد خالفه ابن عباس، وأبو بكر الصديق.
﵁
وقرئ: (وعلى الذين يُطَوَّقونه) بضم الياء، وفتح الطاء.
وتشديد الواو.
وقال ابن عباس، ﵀: نزلت في الكَبِيْرِيْنَ الذين لا
يقدرون على الصوم، والمريض، وعلى هذه القراءة أيضاً عائشة، رضي
الله عنها، وعطاء، وابن جبير، وعكرمة.
стр. 308
وعن مجاهد: (يَطَّوَّقونه) بفتح الياء، وتشديد الطاء والواو أي
يتكلفونه، ومعنى الأولى يُكَلفونه على جُهْد وعُسْر، ولو كانوا في صدر
الإسلام على ما قيل من التأويل الأول لمنع شُهْرَةُ ذلك من وقوع هذا
الخلاف.
وأنا أذكر بعون الله تعالى الآيات التي قيل: إنها منسوخة.
ولها وجه تحمل عليه، فتكون محكمة.
من ذلك: قوله : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا)
قيل: هي منسؤخة نزلت في قتال من قاتل، ونسخها الأمر بقتال
المشركين، وهي محكمة على أن قوله : (وَلاَ تَعْتَدُوا) أي لا
تعتدوا، فتقتلوا الصبيان، والنسوان، ومن لا قدرة له على القتال.
كالشيخ الفاني، والراهب الذي لا يقاتل.
وقوله : (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ)
قال قتادة: هي منسوخة بقوله : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوْهُمْ) .
وبقوله: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً)
وقيل: إنها ناسخة لقوله : (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْث ثَقِفتُمُوهُمْ)
ثم نسخت بقوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)
فصارت، أعني آية البقرة ناسخة لآية النساء بآية التوبة، وهذا معدوم النظير.
стр. 309
وقيل: ليست آية البقرة بناسخة، ولا منسوخة، وإنما هي مخصوصة
بالنهي عن القتال في الحرم، ولا يحل القتال فيه إلَّا لمن قاتل.
قال ذلك مجاهد، وطاووس، وأكثر العلماء على وجوب
قتال المشركين أينما كانوا بآية التوية، والتوبة نزلت
بعد البقرة بمدة متطاولة.
قوله : (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)
قال مجاهد: هي محكمة، والمعنى فمن اعتدى عليكم في الحرم فاعتدوا عليه
بمثل ما اعتدى عليكم، فأباح أن تقاتل في الحرم من قاتلك، ولا يحل أن
تبدأه بالقتال فيه، وهو حكم ثابت عنده إلى الأبد.
وعن ابن عباس أنها منسوخة، وقد نسخ اعتداء من اعتدى عليه برد أمره إلى السلطان، فلا يقتص بيده، وإنما يقتص له السلطان، قالوا: قال ابن عباس: نسخها قوله .: (فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا)
ولا يصح ذلك عن ابن عباس؛ لأن (سبحان) مكية باتفاق، والمكي لا ينسخ المدني.
قوله : (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)
قيل: هو منسوخ بقوله بعد ذلك: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ)
قال كعب بن عجرة الأنصاري: لما نزلنا الحديبية مرَّ بي النبي ﷺ ، وأنا أطبخ قدراً لي، والقمل يتناثر على رأسي، فقال: يا كعب: لعلك يؤذيك هَوَام رأسك، فقلت: نعم، فقال: احلق رأسك، وننزل: (فَمَنْ كَان مِنْكمْ مَرِيضاً) الآية.
стр. 310
وقال قوم: الآية محكمة، ولم يكن قوله : (وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ)
متناولاً للمريض، ولمن به أذى من رأسه.
قوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ..)
قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، وابن المسيب.
والأوزاعي: هي منسوخة بآية السيف؛ إذ أباحت قتالهم في كل مكان
وزمان.
وقال مجاهد، وعطاء: هي محكمة، ولا يجوز القتال في الأشهر
الحرم.
والعلماء على خلاف ذلك.
فإن قيل: فقد قال الله : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)
فهذا يؤيد قول عطاء، ومجاهد، وكيف تكون هذه الآية ناسخة لآية البقرة؟ وإنما أباحت قتل المشركين بعد انسلاخ الأشهر الحرم؟
فالجواب: أن الأشهر الحرم في براءة ليست هي التي قال الله فيها: (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) إنما هي أربعة أشهر أخر، وهي أشهر السياحة، أُمر
المؤمنون بقتل المشركين بعد انسلاخها حيث وجدوهم، وفي أي زمان
لقوهم، وكان أولها بعد يوم النحر من ذلك العام.
وأما الأشهر الحرم التي حرم الله فيها القتال، ثم نسخ، فهي: محرَّم
стр. 311
ورجب وذو القعدة وذو الحجة بغير خلاف، وإنما الخلاف في أنها من
سنة، أو من عامين.
فأهل المدينة يجعلونها في عامين، يقولون: ذو القعدة وذو الحجة
ومحرم ورجب، وقال أهل العراق: أولها محرم، فتكون من عام واحد.
وقوله : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)
قال بعض مؤلفي الناسخ والمنسوخ: أكثر العلماء على أنها ناسخة لما كان مباحاً من شرب الخمر، قال: لأن الله تعالى أخبرنا أن في الخمر إثماً، وأخبرنا أن الإثم محرم بقوله : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ)
قال: فنص على أن الإثم محرم، وأخبر أن في شرب الخمر إثماً، فهي محرمة بالنص الظاهر الذي لا إشكال فيه.
قال: وما حرُم كثيره فقليله حرام، كلحم الميتة، والخنزير، والدم.
وسورة البقرة مدنية فلا يعترض على ما فيها بما في الأنعام المكية في
قوله: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) ؛ لأن هذا التحريم نزل بمكة، والخمر نزل تحريمها بالمدينة، وزادنا الله في تأكيد تحريم الخمر بقوله: (فَهَلْ أَئتُمْ مُنتهُونَ) فهذا تهديد، ووعيد يَدُلان على تأكيد تحريم الخمر، وزاد ذلك بياناً قول النبي ﷺ :
"حُرمَتِ الخمرُ بعَيْيهَاْ، والمسكرُ من غيرها".
وأكدَّ الله تعالى ذلك وحققه بقوله:
стр. 312
(فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
ولعل من الله واجبة، فضمن الفلاح مع اجتنابها، ونظيره الخسران مع مواقعتها، وكما أنه تعالى حرم أكل الخنزير.
وقليله ككثيره بإجماع، كذلك يجب أن تكون الخمر والمسكر من غيرها.
فقلتهما ككثرتهما في التحريم، وزاد ذلك بياناً (مَاْ أَسكَرَ كَثِيْرُهُ.
فَقَلِيْلُهُ حَرَاْم".
قال: وقال ابن جبير: لما نزل (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)
كره "الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنافع حتى نزل (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) .
فتركوها عندالصلاة حتى نزل (فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فحرمت بهذا. فهذا يدل على أن آية البقرة منسوخة بآية المائدة، والمائدة نزلت بعد البقرة بلا شك، وهذا سياق قول مكي بن أبي طالب في كتابه المسمى "بالموضح في الناسخ والننسوخ".
وأقول مستعيناً بالله:
قوله: إنها ناسخة لما كان مباحاً من شرب الخمر يلزم منه أن الله عز
وجل أنزل إباحتها، ثم نسخ ذلك.
ومتى أحل الله شرب الخمر؟
وإنما كانوا مسكوتاً عنهم في شربها، جارين على عادتهم، ثم نزل
التحريم، كما سكت عنهم في غيرها من المحرمات إلى وقت التحريم.
وهذه الآية، وما ذكر من الآيات، الكل في التحريم كما جاء تحريم الميتة
في غير آية.
стр. 313
وقوله (إن الله أخبرنا أن في الخمر إثماً، وأخبرنا أن الإثم
محرَّم، إلى قوله فهي محرمة بالنص الظاهر الذي لا إشكال فيه، كلام لا
وجه له؛ لأن الإثم هو الذنب وإذا كان الذنب كبيراً، أو كثيراً في ارتكاب
شيء لم يجز ارتكابه، فكيف يسمعون قول الله : (قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) ، ثم يقدمون عليها مع
التصريح بالخسران؟
إذ كان الإثم أكبر من النفع، بل هذا كافٍ في التحريم.
وقوله: فأخبر أن في شرب الخمر إثماً، ونضق على أن الإثم محرئم ر
بقوله: (وَاْلإثْمَ وَالْبَنْيَ " لا حاصل له؛ لأنه إن أراد أن الخمر هي الإثم
فكيف يقول: فنص على أن الإثم محرم، وأخبر أن في شرب الخمر إثما
فكيف تكون هي الإثم المحرم على هذا؟
وإن أراد بالإثم الذنب لم يحتج إلى شيء آخر، وإنما معنى آية الأعراف إنما حرَّم ربي الفواحش وما فيه الإثم.
وكلامه كله فاسد إلى آخره.
وقوله: لعل من الله واجبة ليس بصحيح، فقد قال عز
وجل: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) .
وقد ألانا له القول: (فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤) .
وإنما معنى قوله : (لعلكم تفلحون) فاجتنبوه راجين الفلاح، أو فاجتنبوه، وانووا إرادة الفلاح.
وأما قول ابن جبير: كره الخمر قوم للإثم، وشربها قوم للمنفعة.
وأي منفعة تبقى مع أن الإثم أكبر منها؟
فكيف يقدم مقدم على الانتفاع
стр. 314
بشيء فيه وبال أكثر، وأكبر من الانتفاع به؟
وأطرف من هذا قوله: تركوها عند الصلاة.
فاعلم أن الآية محكمة غير ناسخة ولا منسوخة، وهي مصرحة
بتحريم الخمر.
وأما قوله : (تَتخِذُوْنَ مِنْهُ سَكَرًا)
فإن قلنا: السكَر الطعم كما قال:
جَعَلْتَ عَيْبَ الأكْرمِيْنَ سَكَرًا.
فلا كلام، وإن قلنا: إن السكر الخمر، فليس فيه دليل على
الإباحة، لأنه امتن عليهم بما ذكره من ثمرات النخيل والأعناب.
ثم قال: تتخذون من المذكور سكراً، ورزقًا حسنًا، فنبَّه بقوله :
(وَرِزْقًا حَسَنًا) على أن السكر ليس كذلك، وأشار فيه إلى ذم الخمر إنْ
كان المراد بالسكر الخمر.
ْوإن كان المراد بالسكر الطُعْم فهو سكر ورزق حسن.
أي تتخذون منه طُعْمًا تأكلونه رطبًا، ورزقًا حسنًا يعني التمر والزبيب.
وزعموا أن قوله : (وَمَنَافعُ للِناسِ)
منسوخ بنسخ إباحة الخمر، وهذا ما أدري ما يقال فيه.
وقالوا في قوله : (قُلِ الْعَفْوَ)
هي منسوخة بفرض الزكاة، وحكوا ذلك عن ابن عباس.
والعفو: القليل الذي لا يظهر
стр. 315
في المال نقصه، وقال طاووس: هو اليسير من كل شَيْء.
وقال الحسن، وعطاء: العفو: ما لا يكون إسرافاً، ولا إقتاراً.
وقال مجاهد: العفو: الصدقة عن ظهر غنى.
وقال الربيع: العفو: ما طاب من المال، وكذلك قال قتادة.
وقال قوم: كانوا قبل فرض الزكاة قد فرض عليهم من كان له مال
أن يمسك لنفسه منه ألف درهم، أو قيمة ذلك من الذهب، ِ ويتصدق
بالباقي، وإن كانوا من أهل الزراعة أمسكوا ما يقيمهم حولًا، وتصدقوا بما
بقي، ومن لم يكن له إلَّا العمل بيده أمسك ما يقوته يومه، وتصدق بما
بقي، فشق ذلك عليهم، فأنزل الله فرض الزكاة.
قلت: فلتكن آية الزكاة إذاً ناسخة لا منسوخة؛ لأنها موافقة لقوله : (قلِ الْعَفْوَ) ؛ لأنها نقيض ما كانوا فيه من الجهد، واستفراغ الوسْع، وهذه حقيقة العفو.
كما قالوا: العفو: الأرض السهلة، والآية محكمة.
فإن أُريد بها الزكاة فذاك، وإن أريد بها التطوع فذاك.
قوله : (وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتى يُؤْمِن..)
قيل: سب نزولها أن مرثد بن أبي مرثد بعثه رسول الله ﷺ إلى مكة ليخرج ناسًا من المسلمين، فقالت له عناق، وهي
امرأة كان يخلو بها في الجاهلية، هل لك في الخلوة؟
فقال: حال بيننا الإسلام، قالت له: فتزوج بي، فقال: أرجع إلى رسول الله ﷺ ، فاستأمره، فنزلت هذه الآية، فالآية على هذا محكمة؛ لأن نكاح الكفار غير أهل الكتاب محرم.
وقيل: هي محكمة محرمة لنكاح المشركات، والكتابيات اللواتي في دار الحرب، ويروى ذلك عن ابن عباس، وقاله
стр. 316
قتادة، وابن جبير، وأكثر العلماء.
وعن ابن عمر: أنها محكمة عامة في كل مشركة كتابية حربية وغير حربية.
وقيل: إنه إنما كره ذلك، ولم يحرمه؛ لأنه آية المائدة أباحت نكاح الكتابيات كلهن الحربيات والذميات.
وقيل: هي عامة في الكتابيات كلهن، وهي منسوخة بآية المائدة، وكره بعض العلماء نكاح الحربيات، ولم يحرمه، وروي مثل ذلك عن مالك، وحرمه جماعة منهم، وخصوا آية المائدة بالذميات، وآية المائدة عن أكثر العلماء عامة في كل كتابية، وعلى ذلك أكثر الصحابة والعلماء.
وأدخلوا في هذا الباب قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ. . .)
وقالوا: هي ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من اجتناب
الحائض على كل حال من مؤاكلة، ومضاجعة، وغير ذلك..
فنسخ، فإنا لا نعتزلها إلا في الوطء خاصة.
قالوا: وإنما أدخلنا ذلك في باب الناسخ والمنسوخ لقوله :
(فَبِهدَاهم اقْتَدِه)
قالوا: فشريعتهم لازمة لنا حتى نؤمر بتركها.
والصحيح أن مثل هذا لا يدخل في الناسخ والمنسوخ؛ لأنه لم
ينسخ قرآنًا؛ ولأن الحاجة إلى معرفة الناسخ والمنسوخ أن لا يظن في
منسوخ أنه محكم، فيعمل به.
وأما إذا لم تكن آية منسوخة تحتاج إلى بيان أنها منسوخة، فلا وجه
لذكر الناسخ لغير القرآن، ولا فائدة في ذكره، ولا يضرنا أن نجهل معا
كان حُرم على من كان قبلنا، أو أحِل لهم حتى يقال: نسخت هذه الآية
ما كان عليه من قبلنا.
стр. 317
ومن ذلك قولهم: كان الرجل يؤلي من امرأته السنة وأكثر من ذلك.
ولا تطلق عليه، فنسخ ذلك بقوله : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) .
ومن ذلك قولهم في قوله : (الطلاَقُ مَرتَانِ)
وقالوا: هي ناسخة لشيْء كانوا عليه في أول الإسلام.
كان الرجل يطلق ثلاثاً، وهي حبلى، ويكون بارتجاعها ما دامت في العدة.
وقيل: هي ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية، ثم في صدر الإسلام.
كان أحدهم يطلق امرأته ثلاثًا ما شاء مرة بعد مرة يطلقها، وإذا كادت
تخرج من اْلعدة ارتجعها، يفعل ذلك ما شاء، فنسخ ذلك من فعلهم بهذه
الآية، ولا تدخل هذه الآية في الناسخ لما ذكرته.
وقيل: هي منسوخة بقوله : (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) .
والآيتان محكمتان لم تنسخ واحدة منهما الأخرى التي
في البقرة لبيان عذة الطلاق، والتي في الطلاق فيها بيان وقت الطلاق.
وقوله : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)
قالوا: هي عامة في كل مطلقة، فنسخ منها غير المدخول
بها، والتي يئست من المحيض، والحامل، قال ذلك قتادة، وليس كما
ذكروا، وإنما أريد بالمطلقات المدخول بهن اللواتي يحضن الخاليات
عن الحمل يَدُلك على ذلك قوله : (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) .
стр. 318
ومن ذلك قوله : (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) .
قال أبو عبيد: نسخ ذلك بقوله: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) .
وهذا ظاهر الفساد، وهذا استثناء، وليس بنسخٍ.
وقال قوم: هومنسوخ بقوله : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ) .
وليس كذلك؛ لأن آية البقرة في منع الزوج
من ارتجاع ما أعطاه من غير رضا المرأة، والتي في النساء في إباحة ذلك
إذا كان عن رضا فليس بينهما نسخ.
ومن ذلك قولهم في قوله : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) إنه منسوخ بقوله : (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) .
وليس كذلك، فإنه تعالى قال: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) .
ومن ذلك قوله : (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك) .
اختلف في الوارث، فقيل: هو من يرث ولاية الرضيع إذا مات قام
ورثته مقامه، وكان عليهم للصبى ما كان على أبيه، وقيل: الوارث من يرث الصبى إذا مات.
قال ابن عباس على وارث الصبى من أجر الرضاع ما كان
على أبيه إن لم يكن للصبى مال.
وقال زيد بن ثابت: يلزم من يرث الصبى
من النفقة على رضاعه بقدر حصته من ميراثه منه.
وروى سعيد بن المسيب، وسلمان بن يسار أن رجلاً مات، وترك ابناً
مسترضعاً، ولم يترك مالًا، فقضى عمر، ﵁، أن رضاعه على
ورثته وقال: لو لم أجد له ورثة جعلته على عاقلته.
وقال قتادة: رضاع الصبيَ على جميع ورثته بالحصص.
وقيل: الوارث من يرث الولاية على
стр. 319
الرضيع ينفق من مال الصبى عليه مثل ما كان ينفق أبوه.
وقيل: الإشارة في قوله : (مثل ذلك) إلى ترك المضاررة.
وقيل: الوارث: الصبي؛ لأنه وارث الأب، فعليه النفقة في ماله.
أي أن نفقة الرضاعة على الصبى في ماله، قال ذلك الضحاك، واختاره الطبري، وقال مكي: وهو قول حسن، وما أراه كما قال.
وعن مالك، ﵀ أن الآية منسوخة قال: ولا يجب على
الرجل نفقة أخ، ولا ذي قرابة، وليست الآية بمنسوخة، ولم يذكر مالك.
﵀، لها ناسخاً.
ومن ذلك قوله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)
قالوا: نسخ منها الحوامل بقوله : (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
وهذا ليس بنسخ، والآية ليست في الحوامل؛ يدل على
ذلك قوله : (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
أي في ابتغاء الأزواج، والحامل ليس لها ذلك.
ومن ذلك قوله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)
قال جماعة: هي منسوخة بالتي تقدمت، وهو قوله : (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)
قالوا: نسخت هذه الحول، ونسخت آية الميراث النفقة عليها إلى الحول.
وقال الربيع: كانت المرأة إذا توفي عنها
стр. 320
زوجها أقامت إن شاءت حولاً، ولها السكنى، والنفقة، فنسخ ذلك آية
الميراث.
وقال عبد الملك بن حبيب: كانت الحرة المتوفى عنها زوجها تخير
بين أن تقيم في بيته، وينفق عليها من ماله سنة، وبين أن تخرج، فلا يكون
لها شيء من ماله، فنسخ ذلك بآية الميراث.
وليست هذه الآية بمنسوخة بالتي قبلها؛ لأن الناسخ يتاخر نزوله
عن المنسوخ، فكيف يكون نزولها متأخراً، ثم توضع في التأليف قبل ما
نزلت بعده ناسخة له من غير فائدة في لفظ ولا معنى؟
واحتجوا لذلك بأن المكي قد يؤخر عن المدنى في السور، وليس هذا مثل ذلك، وليس في تقديم السورة، وتأخيرها شيء من الإلباس بخلاف الآيات.
وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمةُ المتأخرةَ؟
قلت: قد تكون الآية متقدمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل كقوله
تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) مع قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمَاءِ) .
والذي قال غير صحيح، بل التلاوة على ترتيب التنزيل، وقد تقدم أن قوله : (فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) نزل بعد قولهم: (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) أي دُمْ على ذلك (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) .
وقد قيل: إن أول ما نزل في ذلك قوله :
(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) .
قيل: أعلم الله نبيه ما هم قائلون، فقال: إذا قالوا ذلك فقل لهم: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) ، وقد تقدم أيضاً قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .
следующие страницы →