Полный текст (746 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
قتادة، وابن جبير، وأكثر العلماء.
وعن ابن عمر: أنها محكمة عامة في كل مشركة كتابية حربية وغير حربية.
وقيل: إنه إنما كره ذلك، ولم يحرمه؛ لأنه آية المائدة أباحت نكاح الكتابيات كلهن الحربيات والذميات.
وقيل: هي عامة في الكتابيات كلهن، وهي منسوخة بآية المائدة، وكره بعض العلماء نكاح الحربيات، ولم يحرمه، وروي مثل ذلك عن مالك، وحرمه جماعة منهم، وخصوا آية المائدة بالذميات، وآية المائدة عن أكثر العلماء عامة في كل كتابية، وعلى ذلك أكثر الصحابة والعلماء.
وأدخلوا في هذا الباب قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ. . .)
وقالوا: هي ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من اجتناب
الحائض على كل حال من مؤاكلة، ومضاجعة، وغير ذلك..
فنسخ، فإنا لا نعتزلها إلا في الوطء خاصة.
قالوا: وإنما أدخلنا ذلك في باب الناسخ والمنسوخ لقوله :
(فَبِهدَاهم اقْتَدِه)
قالوا: فشريعتهم لازمة لنا حتى نؤمر بتركها.
والصحيح أن مثل هذا لا يدخل في الناسخ والمنسوخ؛ لأنه لم
ينسخ قرآنًا؛ ولأن الحاجة إلى معرفة الناسخ والمنسوخ أن لا يظن في
منسوخ أنه محكم، فيعمل به.
وأما إذا لم تكن آية منسوخة تحتاج إلى بيان أنها منسوخة، فلا وجه
لذكر الناسخ لغير القرآن، ولا فائدة في ذكره، ولا يضرنا أن نجهل معا
كان حُرم على من كان قبلنا، أو أحِل لهم حتى يقال: نسخت هذه الآية
ما كان عليه من قبلنا.
стр. 317
ومن ذلك قولهم: كان الرجل يؤلي من امرأته السنة وأكثر من ذلك.
ولا تطلق عليه، فنسخ ذلك بقوله : (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) .
ومن ذلك قولهم في قوله : (الطلاَقُ مَرتَانِ)
وقالوا: هي ناسخة لشيْء كانوا عليه في أول الإسلام.
كان الرجل يطلق ثلاثاً، وهي حبلى، ويكون بارتجاعها ما دامت في العدة.
وقيل: هي ناسخة لما كانوا عليه في الجاهلية، ثم في صدر الإسلام.
كان أحدهم يطلق امرأته ثلاثًا ما شاء مرة بعد مرة يطلقها، وإذا كادت
تخرج من اْلعدة ارتجعها، يفعل ذلك ما شاء، فنسخ ذلك من فعلهم بهذه
الآية، ولا تدخل هذه الآية في الناسخ لما ذكرته.
وقيل: هي منسوخة بقوله : (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) .
والآيتان محكمتان لم تنسخ واحدة منهما الأخرى التي
في البقرة لبيان عذة الطلاق، والتي في الطلاق فيها بيان وقت الطلاق.
وقوله : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)
قالوا: هي عامة في كل مطلقة، فنسخ منها غير المدخول
بها، والتي يئست من المحيض، والحامل، قال ذلك قتادة، وليس كما
ذكروا، وإنما أريد بالمطلقات المدخول بهن اللواتي يحضن الخاليات
عن الحمل يَدُلك على ذلك قوله : (ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) .
стр. 318
ومن ذلك قوله : (وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا) .
قال أبو عبيد: نسخ ذلك بقوله: (إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) .
وهذا ظاهر الفساد، وهذا استثناء، وليس بنسخٍ.
وقال قوم: هومنسوخ بقوله : (فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ) .
وليس كذلك؛ لأن آية البقرة في منع الزوج
من ارتجاع ما أعطاه من غير رضا المرأة، والتي في النساء في إباحة ذلك
إذا كان عن رضا فليس بينهما نسخ.
ومن ذلك قولهم في قوله : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) إنه منسوخ بقوله : (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) .
وليس كذلك، فإنه تعالى قال: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) .
ومن ذلك قوله : (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِك) .
اختلف في الوارث، فقيل: هو من يرث ولاية الرضيع إذا مات قام
ورثته مقامه، وكان عليهم للصبى ما كان على أبيه، وقيل: الوارث من يرث الصبى إذا مات.
قال ابن عباس على وارث الصبى من أجر الرضاع ما كان
على أبيه إن لم يكن للصبى مال.
وقال زيد بن ثابت: يلزم من يرث الصبى
من النفقة على رضاعه بقدر حصته من ميراثه منه.
وروى سعيد بن المسيب، وسلمان بن يسار أن رجلاً مات، وترك ابناً
مسترضعاً، ولم يترك مالًا، فقضى عمر، ﵁، أن رضاعه على
ورثته وقال: لو لم أجد له ورثة جعلته على عاقلته.
وقال قتادة: رضاع الصبيَ على جميع ورثته بالحصص.
وقيل: الوارث من يرث الولاية على
стр. 319
الرضيع ينفق من مال الصبى عليه مثل ما كان ينفق أبوه.
وقيل: الإشارة في قوله : (مثل ذلك) إلى ترك المضاررة.
وقيل: الوارث: الصبي؛ لأنه وارث الأب، فعليه النفقة في ماله.
أي أن نفقة الرضاعة على الصبى في ماله، قال ذلك الضحاك، واختاره الطبري، وقال مكي: وهو قول حسن، وما أراه كما قال.
وعن مالك، ﵀ أن الآية منسوخة قال: ولا يجب على
الرجل نفقة أخ، ولا ذي قرابة، وليست الآية بمنسوخة، ولم يذكر مالك.
﵀، لها ناسخاً.
ومن ذلك قوله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)
قالوا: نسخ منها الحوامل بقوله : (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
وهذا ليس بنسخ، والآية ليست في الحوامل؛ يدل على
ذلك قوله : (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)
أي في ابتغاء الأزواج، والحامل ليس لها ذلك.
ومن ذلك قوله : (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ)
قال جماعة: هي منسوخة بالتي تقدمت، وهو قوله : (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا)
قالوا: نسخت هذه الحول، ونسخت آية الميراث النفقة عليها إلى الحول.
وقال الربيع: كانت المرأة إذا توفي عنها
стр. 320
زوجها أقامت إن شاءت حولاً، ولها السكنى، والنفقة، فنسخ ذلك آية
الميراث.
وقال عبد الملك بن حبيب: كانت الحرة المتوفى عنها زوجها تخير
بين أن تقيم في بيته، وينفق عليها من ماله سنة، وبين أن تخرج، فلا يكون
لها شيء من ماله، فنسخ ذلك بآية الميراث.
وليست هذه الآية بمنسوخة بالتي قبلها؛ لأن الناسخ يتاخر نزوله
عن المنسوخ، فكيف يكون نزولها متأخراً، ثم توضع في التأليف قبل ما
نزلت بعده ناسخة له من غير فائدة في لفظ ولا معنى؟
واحتجوا لذلك بأن المكي قد يؤخر عن المدنى في السور، وليس هذا مثل ذلك، وليس في تقديم السورة، وتأخيرها شيء من الإلباس بخلاف الآيات.
وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف نسخت الآية المتقدمةُ المتأخرةَ؟
قلت: قد تكون الآية متقدمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل كقوله
تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ) مع قوله: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمَاءِ) .
والذي قال غير صحيح، بل التلاوة على ترتيب التنزيل، وقد تقدم أن قوله : (فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) نزل بعد قولهم: (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) أي دُمْ على ذلك (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) .
وقد قيل: إن أول ما نزل في ذلك قوله :
(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) .
قيل: أعلم الله نبيه ما هم قائلون، فقال: إذا قالوا ذلك فقل لهم: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) ، وقد تقدم أيضاً قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .
стр. 321
فهذا يدل على ما قلناه من أن قوله : (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أمر بالدوام على ما كان أمره به من اتخاذ المقام مصلى، ثم إن هذه الآيَات كلها في قصة واحدة، بخلاف الناسخ
والمنسوخ، ولم يقل أحد من المفسرين إن قوله : (سَيَقُول
السفَهَاءُ) أنزل بعد قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ. . . فَوَلِّ وَجْهَكَ) الآية، وإنما وهم الزمخشري، فظن أن الإخبار
بما يكون بعد الشيء قبل وقوعه هو الواقع بعده، وهذا غلط بين.
وإنما مثاله أن يقول الملك لمن يريد أن يوئيه ناحية: سيطعن السفهاء في
ولايتك، ثم يقول له بعد ذلك: تولى ناحية كذا.
كذلك قال الله تعالى: (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) الآية إخباراً بما سيكون بعد التولية، ثم قال سبحانه بعد ذلك: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) . الآية، وهذا واضح جداً، وقد خفي عليه هذا، فصار إلى ما صار إليه من تقدم الآية في التلاوة، وتأخرها في الإنزال، وليس بهين أن يجعل كلام الله بهذه المثابة.
بل أقول: إن الآية غير منسوخة بالتي تقدمت، بل معناها: أن
المتوفى عنها زوجها كانت لها متعه، كما أن للمطلقة متعة، وكانت متعة
المتوفى عنها زوجها أن تخير بعد انقضاء العدة بين أن تقيم إلى تمام
الحول، ولها السكنى، والنفقة، وبين أن تخرج؛ يدل على صحة ذلك
قوله : (مَتَاْعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) .
أي لا تخرج إذا لم ترد، ثم قال تعالى: (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) .
стр. 322
وأباح لها أن تخرج، ولو كانت العدة حولاً لم يبح لها ذلك، ولم تكن مخيرة فيه، ومن لم يفرق بين هذا، وبين قوله : (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) .
ويميز بين المكث الواجب كيف جاء بهذا اللفظ؟
وبين المكث الراجع إلى الاختيار كيف جاء باللفظ الآخر؟
فقد سلب آلة التمييز.
بل الآية المتأخرة دالة على تقدم الأولى بقوله : (فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ)
أي فَإِن اخْتَرْنَ الخروج بعد بلوغ الأجل المذكور في الآية المتقدمة فلا حرج.
وقد قال مجاهد: إن الآية محكمة، ولها السكنى، والنفقة من مال
زوجها إن شاءت، وإن قلنا: إن ذلك قد كان، ثم بطل بأنه "لا وصية
لوارث "
فذاك موافق لما عليه الجمهور.
وَأمَّا أن نقول: إنها منسوخة بما تقدمها فلا.
وهذا الموضع من أقبح ما ذكروه في كتاب الله ، ثم ذكر بعد هذه المتعة متعة الطلاق، فقال عَقِيب هذه الآية: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) .
ومن ذلك قول ابن زيد في قوله : (إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا)
إنه منسوخ بقوله : (وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ)
стр. 323
وليس كما قال، بل هي محكمة، والمراد بذلك
التعريض بالنكاح.
ومن ذلك قوله : (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)
قال ابن المسيب: وحبت المتعة لغير المدخول بها بهذه الآية، وبقوله تعالى في
الأحزاب (فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ)
قال: ثم نسخ ذلك بقوله : (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) .
وهذا ليس بنسخ لذلك لأن الأولى في التي لم يفرض لها، والثانية في التي قد فرض لها.
وقال ابني المسيب أيضاً: كانت المتعة واجبة بقوله في سورة
الأحزاب (فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ) ، ثم نسخت بآية البقرة، وهو قوله عز
وجل: (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) .
قال: ولم يقل: حقاً عليكم، ولا واجباً عليكم، وهذا أيضاً ليس كذلك؛ لأن قوله : (حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) و (حَقًّا عَلَى المُتقِينَ) لا يعارض قوله : (فَمَتِّعُوهُنَّ) ؟ ولذلك قال عليٌّ، ﵁: المتعة واجبة لكل مطلقة، وإليه ذهب الحسن البصري، والضخاك، وابن جبير، وقال
شريح: هي مندوب إليها، فمتِّع إن كنت تحب أن تكون من
المحسنين، ألا تحب أن تكون من المتقين.
стр. 324
وقال ابن عباس ﵀ وغيره: هي واجبة للتي لم يفرض
لها إذا طلقت قبل الدخول على الموسر خادم، ويمتع المتوسط بالورِق.
ودون المتوسط بالكسوة والنفقة، وكذلك قال قتادة.
وليس الغرض إيراد المذاهب، وإنما الغرض أن الآية غير منسوخة
ولا ناسخة.
ومن ذلك قوله : (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)
قال قوم: هي منسوخة بقوله : (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) ، والجمهور على أنها محكمة.
قال ابن عباس ﵀: نزلت في أهل الكتاب لا يُكْرَهون إذا
أدوا الجزية..
ومن ذلك قوله : (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) .
قالوا: هي ناسخة لما كانوا عليه من بيع المعسر فيما عليه
من الديون، وقد قدمت أن مثل هذا لا يجمل أن يذكر في الناسخ
لأنه نقل عن فعل كانوا عليه بغير قرآن نزل فيه، ولا أمر من الله .
ولو كان ذا ناسخاً لكان القرآن كله ناسخاً؛ لأنه نزل في تغيير ما كانوا عكيه، وإبطاله.
стр. 325
ومن ذلك قوله : (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ) - إلى قوله (وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ)
فأمر بالكتاب والإشهاد، قالوا: ثم نسخ جميع
ذلك بقوله : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ) وليس هذا بنسخ، وفيه بيان كون الأمر بالكتابة
والإشهاد ليس على الوجوب.
وذهب ابن عمر، وابن عباس، وأبو موسى الأشعري، وجابر بن
زيد، وابن سيرين، والضحاك وأبو قلابة، وعطاء، والشعبى، وداود إلى
وجوب الكتاب والإشهاد، وأوجبوا على ربِّ الدين أن يكتب، وأن يشهد
إذا قدر على ذلك.
قالوا: وأما قوله : (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) فإنَما ذلك عند
عدم القدرة على الكتابة أوالإشهاد، وإذا عفا عن الرهن، أو لم يجده.
وقال الشعبي وعطاء: أشهد إذا بعت أو اشتريت بدرهم، أو
بنصف درهم، أو بثلث درهم، وبهذا يقول الطبري وعلى الجملة فالآية
محكمة على كل حال.
ومن ذلك قوله في قوله : (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) إنه منسوخ بقوله :
стр. 326
(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، وليس في هذين ناسخ ولا
منسوخ، والنسخ لا يدخل في الأخبار.
ففي هذه السورة ثلاثون موضعاً أدخلت في الناسخ، والمنسوخ لم
يقع الاتفاق على شيء منها، بل فيها ما لا يشك في أنه ليس بناسخ، ولا
منسوخ، ومستند قولهم في ذلك الظن لا اليقين، ولا يثبت ناسخ القرآن.
ومنسوخه بالظن، والاجتهاد.
* * *
سورة آل عمران
ذكروا فيها أربعة عشر موضعاً ليس منها موضع متفق على صحة النسخ
الأول (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ)
قالوا: نسخها قوله عنر وجل: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) .
وليس هذا بنسخ إذ يجوز أن يجمع بين الأمرين.
الثاني (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ) قالوا: نسختها آية
السيف، والمعنى: فإنما عليك البلاغ، وليس عليك الهداية؛ لأنه قال قبل
ذلك: (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا) .
الثالث قوله : (لا يتخد المؤمنون) قالوا: نسخ
стр. 327
منها (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) بآية السيف، وليس كما - فالوا قال الحسن:
إنما ذلك في الكفار إذا أَكْرَهُوا المؤمنين علن الكفر فيتكلمون بذلك.
وقلوبهم كارهة، وقال قتادة: التقية أن تصل رحمك من الكفار من غير أن
تواليهم علن المسلمين، وقيل: نزلت في عمار بن ياسر، ﵀ لأنه
خاف أن يقتله المشركون، فتكلَّم ببعض ما أحبوا، وفي حاطب بن أبي
بَلتَعَةَ حين كتب بأخبار رسول الله ﷺ إلى كفار مكة ليرعوه في أهله وماله، وقلبه مطمئن بالإيمان.
الرابع والخامس والسادس: من قوله " : (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) - إلى قوله - (وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) .
قالوا: نسخها قوله: (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) وهذا ليس بناسخ ولا
منسوخ.
السابع: قوله : (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا)
قالوا: هو منسوخ بقوله ﷺ :
"لا صَمتَ يوماً إلى الَليل ".
وفساد هذا القول واضح.
الثامن قوله : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) .
стр. 328
سَبِيْلا، قال السدي: هو منسوخ بقوله سبحانه (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) وهذا أيضاً باطل.
التاسع: قوله " : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)
قال قتادة: هي منسوخة بقوله : (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)
وقال السدي، وابن زيد، والريع بن أنس.
وجماعة من العلماء: ليس هذا بنسخ.
والآيتان معناهما واحد، والأمر بتقوى الله لا ينسخ، وقوله: (حَقَّ تُقَاتِهِ)
أي ما أطقتم.
قيل: يا رسول الله: ما حق تقاته؟
قال: أن يطاع فلا يُعصَى، وأن يُذْكَرَ فلا يُنسى، وأن يُشكَر فلا يُكفَر -
وقال ابن عباس أن تجاهد في الله حق جهاده، ولا تأخذك: فيه
لومة لائم، وأن تقوم لله بالقسط، ولو على نفسك، أو أبيك، أو ابنك.
وهذا كله لا ينسخ.
العاشر: قوله : (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى)
قالوا: هي منسوخة بقوله : (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ)
وهذا أيضاً فاسد.
стр. 329
الحادي عشر: قوله : (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ)
قالوا: هو ناسخ للقنوت الذي كان يفعله رسول الله ﷺ للدعاء على الكفار، وليس هذا شرط الناسخ لأنه لم ينسخ قرآناً.
الثاني عشر: قوله : (وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا) .
قالوا: هي منسوخة بقوله : (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)
وهذا ظاهر البطلان.
الثالث عشر: قوله : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) .
قالوا: هذا ناسخ لقرآن كان يُقْرأ، نَزل في الذين قتلوا
يوم بئر معونة؛ لألهم لمَّا أُدخلوا الجنة قالوا: يا ليت قومنا يعلمون بما
كرمنا ربنا، فقال تعالى: أنا أعلمهم عنكم فأنزل (بلغوا عنا قومنا أن قد
لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ".
روى مطرَّف، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس، قال: فكان ذلك قرآناً قرأناه، ثم نسخ بقوله: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) ، وليس هذا من شرط الناسخ والمنسوخ؛ لأن ذلك لم يثبت قرآناً، فينسخه هذا، ولو كان أيضاً قرآناً يتلى لم يكن منسوخاً، ولم يكن هذا ناسخاً له؛ لأن ذلك خبر.
الرابع عشر: قوله : (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) .
قالوا نسختها آية السيف، وليس هذا مما ينسخ.
стр. 330
سورة النساء:
الكلام فيها في ثلاثين موضعاً:
الأول: قوله : (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ. . .
إلى آخر الآية، قالوا: هي ناسخة لما كان في الجاهلية من نكاح ما شاؤوا
من النساء، وهذا لا يسمى ناسخاً، وقد تقدم القول فيه.
الثاني: قوله : (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)
قالوا: هي منسوخة بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا. . .) .
وقيل: نسخت بقوله: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)
والجمهور على أنها محكمة، واختلفوا في معناها.
فقال سعيد بن المسيب وربيعة: المعنى: ومن كان فقيراً من
اليتامى فليأكل بالمعروف، لئلا يذهب ماله، ويبقى فقيراً.
وقال الحسن، وقتادة، والنخعى، وعطاء، وابن زيد: معنى بالمعروف: أي للوصى سد جوعته إذا احتاح، وليس عليه رد ذلك.
وقيل: أبيح له أكل التمر واللبن لقيامه عليه، فكأنه أجرة له.
وقال أبو العالية: معنى بالمعروف: أي من الغلة، ولا يأكل من
القاصر قرضاً، ولا غير قرض.
وقيل: معنى قوله بالمعروف: القرض إذا احتاج، والرد إذا أيسر.
ويدل على ذلك قوله : (فَإذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ)
أي ما اقترضتموه، فأشهدوا عليهم.
стр. 331
قال ذلك عمر ﵁، وابن عباس، والشعبى، وابن جبير.
فالآية على جميع هذه الأقوال محكمة، وإنما سُقْتُ هذه الأقوال لتعلم
أن القول بالنسخ ظن لا يقين.
الثالث قوله : (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) .
قيل: هي منسوخة بآية الوصية، والميراث، قاله ابن المسيب.
، وعن ابن عباس والضحاك، والسدي، وعكرمة نسخها آية الميراث.
وعن ابن عباس أيضاً أنها محكمة، وكذلك قال ابن جبير، ومجاهد.
وعطاء.
والأمر على الندب لا على الإيجاب، وعن ابن عباس أيضاً أن
الخطاب للموصي، يقسم وصيته بيده، والأمر على الندب.
وروي عن مجاهد أيضاً، والحسن، والزهري أنها محكمة فيما
طابت به أنفس الورثة عند القسمة على الندب.
الرابع: قالوا: إن الورثة المذكورين في هذه الآيات كالآباء.
والأبناء، والإخوة، والأزواج كان ذكرهم عاماً، ثم نسخت السنة من خالف دينه دين الميت، ونسخ الإجماع من أكثر - الأمة من كان فيه بقية رقٍّ، فإنه لا يرث، وليس هذا بنسخ.
الخامس: قوله : (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) .
قالوا: تضمنت هذه الآية إمضاء الوصية على ما أمر الوصي، ثم نسخت بقوله : (فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ)
стр. 332
أي فلا حرج على الموصى إليه إذا خاف ذلك أن يأمر
الموصي بالعدل، وهذا ليس بنسخ.
السادس: قوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا)
قالوا: هو منسوخ بقوله: (وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ)
قالوا: والمعروف القرض، فإن أيسر رد، وإن مات فبل أن يوسر فلا
شيء عليه، وليس هذا إن قيل بنسخ؛ لأن هذا ليس بظلم.
السابع، قالوا: قال الله تعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) في أربعة
مواضع، ولم نجد للموصي في ماله حداً، ثم نسخ هذا بقوله ﵇
"الثلث والثلث كثير"
وهذا ليس بنسخ إنما هو بيان، كما بين مقدار ما تجب
فيه الزكاة، وعدد أركان الصلاة.
الثامن: قوله : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ)
والتي بعدها هي منسوخة بالحدود، وهذه الآية في النساء
المحصنات، والأبكار، والتي بعدها في الرجال، الثيب منهم والبكر.
ونسخ الجميع بالحدود.
وقيل: إن الآية الأولى في المحصنين، والثانية في البكرين وعليه جماعة.
والأول هو الصحيح، وهو قول ابن عباس.
وقيل: ليس هذا بنسخ لأنه قال: (أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُن سبِيلاً)
لأنه قد كان الحكم منتظراً.
стр. 333
التاسع: قوله : (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب)
قالوا: هي منسوخة بالتي بعدها، وهي قوله : (حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ)
قالوا: فقد احتجز التوبة في هذه الآية على أهل المعصية، فقال :
(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) .
قالوا: ثم نسخت في أهل الشرك، أي: نسختها هذه الآية.
وبقيت محكمة في أهل الإيمان.
وقال قوم: نسخت هذه الآية، وهي قوله : (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) بقوله: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فحرم الله تعالى مغفرته على من مات وهو مشرك، - ورد أهل التوحيد إلى مشيئته -، وهذا كله تخليط من قائله، ولا
نسخ في هذه الآيات؛ لأنها أخبار جاءت تبين بعضها.
العاشر: قوله : (لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا)
قالوا: فقوله: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)
هو منسوخ، وكان الرجل إذا تزوج امرأة فاتت بفاحشة كان له أن
يأخذ ما أعطاها، وقال الأكثر: هي محكمة، وأنها إذا أتت بفاحشة كان له
أن يأخذ منها بالخلع وقيل إذا نشزت عنه جاز له أن يأخذ منها بالخلع.
وقال قوم: الفاحشة: الزنا، وقيل: النشوز، وقيل: فاحشة اللسان.
والصحيح أنْ لا نسخ.
وقالوا في أول الآية في قوله : (لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا)
стр. 334
هو ناسخ لما كانوا عليه في الجاهلية، إذا توفي الرجل كان ابنه
أولى بامرأته، يمنعها من التزويج حتى تموت، فيرثها.
وقال ابن عباس: كان حميم الميت يلقي ثوبه على المرأة، فإن شاء
تزوجها بذلك، وإن شاء حبسها حتى تموت، فيرثها.
قال غيره: فنسخ ذلك بهذه الآية، وقد بئنا فيما تقدم أن هذا وشبهه
ليس بنسخ.
الحادي عشر: قوله : (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)
قال قوم: هي منسوخة، والمعنى ولا ما قد سلف، فأنزلوا عنه، وقال قوم: محكمة، والمعنى إلا ما قد سلف، فقد عفوت عنه.
وأما من قال: هي منسوخة، والمعنى ولا ما قد سلف، فلا
يخلو أن يريد ولا ما قد سلف من نكاح حلائل الآباء، فأنزلوا عنه، فإن أراد
هذا فكيف تكون منسوخة؟
بل هي أولى بأن تكون محكمة، وإن أراد بقوله: ولا ما قد سلف من الأنكحة الفاسدة التي كانت في الجاهلية، فأقرَّهم الإسلام عليها إذا أسلموا، فاقتضت الآية نزولهم عن النساء، ثم نسخت، فليس كذلك، وليس في العربية (إِلَّا) بمعنى "ولا"، والآية محكمة، والاستثناء منقطع.
والمعنى: لكن ما قد سلف، فإنَّه مغفور.
وقيل: لكن ما قد سلف إنه كان فاحشة.
وقال الطبري: المعنى: ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم (فما) بمعنى المصدر، والاستثناء منقطع كما سبق.
وقال الزمخشري في هذا الاستثناء: هو مثل قوله:
стр. 335
. . .. غَيْرَ أَن سُيُوْفَهُم
حيث استثنى من قوله: (ولاعيب فيهم ".
قال: يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه، فلا يحل
لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه، وسد الطريق
إلى إباحته كما تعلق بالمحال في التأبيد في قولهم: حتى يَبْيَضَّ القَار".
و (حَتى يَلِجَ الْجَمَلُ فِيْ سَمِّ الْخِيَاطِ) .
وقال في قوله : (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)
ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) .
الثاني عشر: قوله : (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ)
قالوا: المعنى: ولا ما قد سلف كما تقدم في التي قبلها.
والكلام على ما قالوه كما سبق.
الثالث عشر: قوله : (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً)
стр. 336
قالوا: هي في المتعة، وقد نسخت، واختلفوا في ناسخها.
فقيل: هو قوله : (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ - فَلَهُن
الثمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) .
وعن الشافعي، ﵁، موضع تحريم المتعة قوله :
(إلا عَلَى أزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أيمَانُهُمْ) - إلى قوله - (فَأُوَلئِكَ هُمُ
الْعَادُونَ) ، قال: وقد أجمعوا على أنها ليست زوجة، ولا
ملك اليمين، وكذلك قالت عائشة، ﵂، كما الشافعى، رضي
الله عنه، قال: كانت المتعة أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل معلوم.
ويشترط أن لا طلاق بينهما، ولا ميراث، ولا عدة، قالت: فحرَّمها الله
تعالى بقوله: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُوْنَ) .
وقال ابن المسيب: نسخت المتعة آية المواريث.
والظاهر قول من قال من العلماء: ليس قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)
في المتعة، وإنما ذلك في الزوجات، وفي إيتاء الصداق، فتكون
الآية محكمة.
الرابع عشر: قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)
قالوا: نسخها قوله : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ)
قالوا: لأنهم لَمَّا نزلت: (لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)
اجتنبوا الأكل مع الأعمى؛ لأنه لا يبصر.
فيختار لنفسه ما يريد، والأعرج لا يتمكن في جلوسه، والمريض يسبقه
الصحيح في الأكل، والابتلاع، فنسخت آية النور تحرُّجَهم.
قال ذلك الحسن وعكرمة.
والجمهور على أنها محكمة والمراد بالباطل: الغصب
стр. 337
والسرقة والبَخْسُ والربا والقمار ونحو ذلك، والقول بأنها منسوخة يؤدي
إلى إباحة أكلها بالباطل مع الأعمى والأعرج والمريض، وإنما فعلوا ذلك
تورعاً، وليس هذا أكل مال بالباطل، ولا يقع مشاحَّة بين الناس في مثل
هذا.، كما لا يتشاحون في أخذ هذا لقمة كبيرة، وهذا لقمة صغيرة، وقد
قال الزهري: نزلت آية النور في الثلاثة؛ لأن الغزاة كانوا يخلفونهم في
بيوتهم يحرسونها إلى أن يعودوا، - فأبيح لهم أن يأكلوا منها.
وقال ابن زيد: نزلت فيهم في رفع الحرج عنهم في الجهاد.
الخامس عشر قوله : (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ)
قيل: هي منسوخة، ومعنى المعاقدة عند من قال إنها:
منسوخة مختلف فيه فقيل: كانوا يتوارثون بالأخوَّة التي آخى بينهم رسول
الله ﷺ أي: بين المهاجرين والأنصار، ثم نسخ ذلك " بقوله : (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ)
فهذه، على قولهم، آية نَسَخ أولها آخرها، وقيل: بل كانوا يتعاقدون ويتحالفون أنَّ من مات قبل صاحبه ورثه الآخر، فنزلت هذه الآية تأمر بالوفاء بذلك، ثم نسخت بآية المواريث، وبقوله في آخر الأنفال: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ) .
وقيل: كان المهاجرون لمّا قدموا المدينة يورّثون الأنصار دون ذوي
أرحامهم لما بينهم من المودة، فأنزل الله تعالى تقرير ذلك بقوله :
(فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) ثم نسخ ذلك بآية المواريث، وبآخر
стр. 338
الأنفال، وهذه الأقوال كلها مروية عن ابن عباس، واختلاف الرواية عن
شخص واحد دليل الضعف.
وقيل: هي محكمة، وهو الصحيح إن شاء الله، والمعنى: وفُّوا لهم
بما عاقدت أيمانكم من النصر والمعونة والرفد.
السادس عشر، قوله : (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)
قالوا: مفهوم خطاب هذه الآية جواز السكر، وإنما حرم قربان
الصلاة في تلك الحال، فنسخ ما فهم من جواز الشرب، والسكر بتحريم
الخمر.
وروى أبو ميسرة عن عمر ﵁:
"أن منادي رسول الله ﷺ لَمَّا نزلت كان ينادي عند الإقامة: لا يقربن الصلاة سكران ".
وأعجب من هذا قول عكرمة: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)
منسوخ بقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا)
.. الآية، أي أنه أبيح لهم أن يؤخروا الصلاة حتى يزول السكر، ثم نسخ ذلك، فأمروا بالصلاة على كل حال، ثم نسخ
شرب الخمر بقوله : (فَاجْتَنِبُوْهُ)
وبقوله سبحانه: (فَهْل أَنْتُمْ مُنْتَهُوْنَ)
وليس في هذا كله نسخ، ولم ينزل الله تعالى هذه الآية في إباحة الخمر، فتكون منسوخة، ولا أباح بعد إنزالها مجامعة
الصلاة مع السكر، والآية محكمة على هذا، لا على قول من قال: أراد
بالسكر سكر النوم، وهو قول الضحاك وابن زيد.
стр. 339
السابع عشر قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مَنْكُمْ طَوْلًا..) الآية.
قيل: هي منسوخة بقوله : (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ)
فذلك نسخ بتلك الإباحة العامة، وهو ظاهر
الفساد، وإنما الإباحة المتقدمة لمن لم يجد الطول، وخشي العنت.
الثامن عشر قوله : (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ)
قال قوم: هذا ناسخ لقوله : (فَاجْلِدُوْا كُل وَاْحِدٍ مِنْهُمَاْ
مِائَةَ جَلْدَةٍ)
ولم يفرق بين الإماء وغيرهن، وليس كما ذكروا.
ولم تكن الأمة داخلة في قوله : (فَاجْلِدُوْا كُل وَاْحِدٍ مِنْهُمَاْ مِائَةَ
جَلْدَةٍ) ، وإنما ذلك في الحرة بإجماع، ولا كان حد الأمة قط أكثر من
خمسين محصنة أو غير محصنة.
التاسعٍ عشر قوله : (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)
قالوا: هذا تقديم وتأخير، وإنما المعنى: فعظهم، وأعرض عنهم، ثم نسخ الوعظ والإعراض بآية السيف، وليس كذلك؛ لأن آية السيف في قتال المشركين، وهذه الآية في أهل النفاق.
وليس فيها تقديم ولا تأخير، ومعنى (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) : دعهم، ولا تعاقبهم.
واقتصر على وعظهم، والقول البليغ هو التخويف.
الموضع الموفي عشرين قوله : (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)
قالوا: نسخ بقوله : (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)
стр. 340
وليس كذلك، فإن آية النساء في قصة مخصوصة، لو
تابوا واستغفروا الله، واستغفر لهم الرسول لغُفِرَ لهم، وآية براءة في
المنافقين الذين استغفر لهم النبي ﷺ ، وهم مصرُّون على النفاق، ومعلوم أن المنافق والكافر إذا تاب، واستغفر غُفِر له.
الحادي والعشرون قوله : (فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١)
قالوا: هو منسوخ بقوله : (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً)
وما أحسب هؤلاء فهموا كلام الله
أما قوله : (خُذُوا حِذْرَكُمْ) فمعناه: احذروا عدوكم، ولا
تغفلوا عنه، فيتمكن منكم، وانفروا إليه ثبات أي: جماعات سرية بعد
أخرى، أو انفرٍ وا عسكراً واحداً.
وأما قوله : (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً. . .) الآية فاختلف فيه، فقيل: نزل في قوم بعثهم رسول الله ﷺ يعلمون الناس الإسلام، فرجعوا إليه ﷺ لما نزل قوله عز
وجل: (مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ)
خشية أن يكونوا داخلينَ فيمن تخلَّف عن رسول الله ﷺ ، فأنزل الله : (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً. . .)
وهذا قول مجاهد: فهلَّا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين إذا
رجع بعض المعلمين إلى رسول الله ﷺ وبقي بعض، فإذا نفروا كلهم لم يبق من يعلّم، فإذا رجع الذين تعلموا من أهل البوادي إلى قومهم أخبروهم بما تعلموا لعلهم يحذرون مخالفه أمر الله تعالى، فليس هذا بناسخ لقوله : (فَانْفِرُوْا ثُبَاتٍ أوِ انْفِرُوْا جَمِيعاً) ؛ لأن المعنى: إذا
стр. 341
نفرتم إلى العدو فعلى إحدى الحالتين، إما مجتمعين، أو سرايا متفرقين.
ولم يرد بقوله: (جميعاًً) لا يبقى منكم أحد.
وقال ابن عباس، وقتادة: المعنى: ما كان المؤمنون إذا غزوا، وليس
معهم النبي ﷺ لينفروا كلهم، ويتركوه لا يبقى منهم أحد عنده، فإذا بقي بعد النافرين قوم، ونزل قرآن تعلموه، فإذا رجع النافرون أخبرهم القاعدون بما نزل، ثم ينفر القاعدون، ويمكث الأولون عند النبي ﷺ .
وهذا المعنى أيضاً لا يعارض آية النساء، فتكون هذه الآية ناسخة لها.
وروي عن ابن عباس أيضاً أنها نزلت في غير هذا المعنى، وإنما
أقبلت قبائل مضر إلى المدينة من أجل الجدب الذي أصابهم بدعوة
النبي ﷺ ، تأتي القبيلة بأسرها تزعم أن الإسلام أقدمها، وإنما أقدمها الضرُّ، فاعلم الله تعالى النبي ﷺ بأنهم كاذبون.
ولو كان ذلك غرضهم لاكتفوا بإرسال بعضهم إلى المدينة ليتفقهوا، ولينذروهم إذا انقلبوا إليهم.
واختلاف الرواية دليل الضعف، والمخبر عنه واحد، والقصة واحدة، ومع
ذلك فلا تعارض بين الآيتين، ولا نسخ.
وقال عكرمة: إنما أنزلت في تكذيب المنافقين؛ لأنهم لما نزل قوله
: (مَا كَانَ لأِهْلِ الْمَديِنَةِ..) الآية
قال المنافقون لمن تخلف عن رسول الله ﷺ لعذر من المؤمنين: هلكتمِ بتخلفكم عن رسول الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً)
وهذا تأويل بعيد من سياق الآية، ومع ذلك فلا نسخ.
وقال الحسن البصري: هي في الجهاد، والمعنى: لتتفقه الطائفة
стр. 342
النافرة بما تراه من نصرة وتُخْبِر إذا رجعت بما رأته من ذلك قومها
المشركين، وتحذرهم أخذ الله تعالى وبأسه.
وروي أنها نزلت في أعراب قدموا المدينة، فاغلوا الأسعار، وملؤوا
الطرق بالأقذار.
الثاني والعشرون قوله : (وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) .
قالوا: نسخ بآية السيف، وهذا كقوله : (فإنما عليك البلاغ)
قد تقدم القول فيه.
الثالث والعشرون قوله : (فَأعْرِضْ عَنْهُمْ)
قالوا: هو منسوخ بآية السيف، وإنما هو كالذي قبله ليس بمنسوخ، وإنما نزل في المنافقين.
فإن قلت: أفلا يكون منسوخاً بقوله : (جَاهِدِ الْكفارَ
وَالْمُنَافِقِينَ وَاغلُظْ عَلَيْهِمْ) ؟
قلت: قال ابن عباس: أمر بجهاد المنافقين باللسان، والكفار بالسيف.
وقال الضحاك: جاهد الكفار بالسيف، واغلظ على المنافقين بالكلام.
وقال الحسن وقتادة: واغلظ على المنافقين بإقامة الحدود عليهم.
وقيل: بإقامة الحجة عليهم.
فإن قلت: فكيف يكون قوله في النساء: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)
منسوخاً بهذه الآية؟
قلت: آية النساء في قوم منهم بأعيانهم.
وقد قيل في معنى قوله: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) : لا تخبر بأسمائهم.
стр. 343
الرابع والعشرون قوله : (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) .
قالوا: نسخ بآية السيف، وليس كما قالوا؛ لأن هذه الآية إنما نزلت بعد الأمر بالقتال، ولكن لمَّا ثبّطوا عن القتال على ما ذكر في الآيات قبلها، وبيتوا غير ما قالوا من إظهار الطاعة.
قال له الله : (فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ولا تعتمد على نصرهم، فإن
تخلفوا عنك، ولم يخرجوا معك، فما كلفت غير نفسك وحدها
(وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) ، أي: وما يلزمك في أمرهم إلَّا تحريض.
وفي هذا تحريك لَهُمْ وإلهاب.
وقيل: دعاهم إلى الخروج في بدر الصغرى، فكرهوا الخروج.
فخرج رسول الله ﷺ ، ولم يلوِ على أحد، فلم يتبعه إلَّا سبعون، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده، وكان أبو سفيان واعده اللقاء، فكان الأمر كما قال الله : (يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا)
ورجع أبو سفيان؛ لأنه لم يكن مع أصحابه زاد إلَّا السويق، فقال لهم: هذا عام مجدب، ولم يقدم على لقاء رسول الله ﷺ .
الخامس والعشرون قوله : (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) .
قالوا: قال الله : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) ثم استثننى من ذلك أهل الميثاق، ومن اتصل بهم وانحاز إلى جملتهم، ثم نسخ - ذلك بقوله في براءة (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) .
قال قتادة: نبذ إلى كل ذي عهد عهده، ثم أمر بالقتال، والقتل حتى
يقولوا: لا إله إلا الله، وكان رسول الله ﷺ قد عاهد كفار مكة عام الحديبية عهداً بقي من مدته عند نزول براءة أربعة أشهر، فأمر الله نبيه ﷺ أن يوفي بعهدهم إلى مدتهم، وأن يؤخر قتال من لا عهد له إلى انسلاخ
стр. 344
محرم، ثم يقاتل الجميع حتى يدخلوا في الإسلام ولا يقبل منهم سوى
ذلك، هذا كله قول قتادة.
وقال السدي: كان آخر عهد الجميع تمام أربعة أشهر ذلك لعشر
خلون من ربيع الآخر، وهذا كله كان في موسم سنة تسع.
وقال السدي: أمر النبي ﷺ بإتمام أربعة أشهر لمن كان بينه وبينه عهد أربعة أشهر فما دون ذلك، وأما من كان عهده أكثر من أربعة أشهر فهو الذي أمر - النبي ﷺ أن يتم له عهده في قوله : (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) .
فمن نقض منهم العهد دخل فيمن أخر إلى تمام أربعة أشهر وهذا اختيار الطبري، وهو قول الضحاك.
فعلى هذا لا يكون قوله: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) .
منسنوخًاً؛ لأنه قد جعل له حكم المعاهدين، وأدخل في جملتهم، وقد أخر
قتالهم إلى انقضاء مدتهم.
وروي أن عليًاً ﵇ كان بقول في ندائه: من كان بينه وبين
رسول الله ﷺ عهد فعهده إلى مدته!
ويدل عليه قوله : (إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) .
стр. 345
فأمر الله لمن استقام على عهده، ولم ينقضه بأن يتمَّ له عهده.
وأن يؤخر من نقض عهده وظاهر على النبي ﷺ أربعة أشهر، قال الله : (فَسِيْحُوْا فِي الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) .
ففسح لمن كان له عهد، ونقض قبل انتهائه، ومن له أربعة أشهر فما دون أن يتصرفوا في الأرض مقبلين ومدبرين، ثم لا أمان لهم بعد ذلك.
قال مجاهد: أولها من يوم النحر إلى عشر من ربيع الآخر.
وقال الزهري: أولها من شوَال، وآخرها آخر محرم، وتسمى أشهر السماحة
أيضاً؛ لأنه سمح لهم فيها بالتصرف.
وقال ابن عباس: من لم يكن له عهد فإنما جعل أجله خمسين
ليلة، عشرين من ذي الحجة والمحرم يدل على ذلك قوله :
(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)
وكان النداء بسورة براءة يوم عرفة، وبه يتم خمسون ليلة، وقيل: يوم النحر، ونزلت براءة أول شوال، ومن ذلك اليوم أجَل أربعة أشهر لأهل العهد.
وقال الزهري: من أول شوال هو أول الأربعة أشهر وهو
للجميع، فمن كان له عهد كان أجله أربعة أشهر من ذلك الوقت، ومن لم
يكن له عهد انسلاخ الأشهر الحرم فذلك أربعة أشهرْ أيضاً.
السادس والعشرون قوله : (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) الآية، قيل: معناه: ولا الذين جاؤوكم قد ضاقت صدورهم عن قتالكم، وعن قتال قومهم.
قال الحسن، وعكرمة،
стр. 346
وابن زيد: هو منسوخ بالجهاد.
وأقول، والله أعلم: إن هؤلاء الذين حصرت صدورهم عن القتال هم الذين ذكروا في قوله : (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) ذكر لهم حالتان: الاتصال بالمعاهدين، أو المجيء إلى النبى ﷺ .
والتقدير: إلا الذين حصرت صدورهم فاتصلوا بقومٍ بينكم وبينهم ميثاق أو جاؤوكم، يدل على ذلك قراءة أبيٍّ: (بينَكُم وَبَينهُمْ مِيْثَاْق حَصِرَتْ صُدُوْرُهُمْ) ، وليس في قراءته (أو جاءوكم) .
وقوله : (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)
إنما أراد كفار مكة ومن معهم، يدل على ذلك قوله : (أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ) ؛ لأن النبي ﷺ
عام الحديبية حين قاضى المشركين أدخل معه بني كعب بن خزاعة في
القضية، وأدخل المشركون معهم بني بكر بن كنانة في القضية، فنقض
المشركون أيمانهم، وأغاروا مع بني بكر بن كنانة على بني كعب بن خزاعة
قبل انقضاء مدة العهد، فغضب النبي ﷺ ، وقال: لأنتصرن لهم، فنصره الله بفتح مكة، وشفى صدور بني خزاعة، وأذهب غيظ قلوبهم، وهم القوم المؤمنون، وحلفاء رسول الله ﷺ ، فتأمل هذا، فإنه لا يعارض ما في سورة النساء إلَّا أن يكون الذين حصرت صدورهم ممن نقض العهد، ونكث اليمين، وأعان على خزاعة.
والجرأة على الناسخ والمنسوخ خطر عظيم.
ولا يعارض ما في سورة النساء أيضاً قوله : (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) .
стр. 347
السابع والعشرون قوله (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ) الآية.
قالوا: نسخها آية السيف.
الثامن والعشرون قوله : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)
ذهب قوم إفي أنها منسوخة بقوله : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)
ورووا عن ابن عباس ﵄ أنه قال في قوله في
سورة الفرقان: (وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ. . .) .
إن هذا لأهل الشرك إذا أسلموا، ولا توبة للقاتل متعمداً.
وروي أن رجلاً سأل أبا هريرة، وابن عمر، وابن عباس عن قتل
العمد، فكلهم قال: هل يستطيع أن يحييه؟!.
والصحيح أن هذا ليس من الناسخ والمنسوخ في شيء؛ لأن هذا إخبار من الله ، وإخبار الله تعالى صدق لا يدخله نسخ.
وآية الفرقان وآية النساء محكمات، وقد قال الله في
سورة النساء (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)
стр. 348
ثم قال : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا) ، ثم
قال بعد ذلك أيضاً: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .
فإن قيل: إنْ قلت: إن هذه أخبار، والنسخ لا يدخل الأخبار.
فما تقول في تعارضها؟
قلت: قوله : (فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا)
قد روى ابن سيرين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال في الآية: "هو جزاؤه إن جازاه ".
وقال الطبري: جزاء القاتل جَهَنم حقاً، ولكن الله تعالى يغفر.
ويتفضل على من آمن بالله وبرسوله فلا يجازيهم بالخلود فيها، فإما أن
يغفر فلا يدخلهم، وإما أن يدخلهم، ثم يخرجهم بفضل رحمته، وهذا خبر
عام ولا يجوز نسخه.
وكذلك روي عن إبراهيم التيمي، ومجاهد.
وقول رسول الله ﷺ كاف.
وإنما أذكر هؤلاء لأن ذكرهم كالشهادة لصحة الحديث.
فإن قيل: فما تقول فيما تقدم ذكره عن ابن عباس؟
قلت: قد روى عاصم بن أبي النجود، عن ابن جبير، عن ابن عباس، ﵄، أنه قال: هو جزاؤه إن جازاه..
стр. 349
وروي عن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) .
قال: فلو كانت ذنوبه أعظم من السموات، والأرض، والجبال
لجاز أن يغفرها الله تعالى.
قال ابن عباس: وقد دعا الله إلى مغفرته من قال: (عزيرٌ
ابن الله) ، ومن زعم (أن الله فقير، ومن زعم أن (يد الله مغلولة) ، ومن
زعم أن (الله ثالث ثلاثة) ، فقال الله : (أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤) .
قال ابن عباس: وقد دعا الله إلى التوبة من هو أعظم جرماً من هؤلاء، من قال: (أنا ربكم الأعلى) ، (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) .
قال: ومن أيأس العباد من التوبة فقد جحد كتاب الله، ومن تاب إلى الله تاب الله عليه، قال: وكما لا ينفع مع الشرك حسنات، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين.
قال ابن عباس: مع قول النبيّ ﷺ :
"لو وضعت لا إله إلا الله في كفّة ووضعت السماوات والأرض وما بينهن وما فيهن في كفّة لرجحت لا إله إلا الله "
وهذا هوالصحيح عن ابن عبّاس إن شاء الله، إذ أجمع المسلمون
على صحة توبة قاتل العمد.
وكيف لا تصح توبته؟ وتصحّ توبة
стр. 350
الكافر، وتوبة من ارتد عن الإسلام، ثم قتل المؤمنين متعمداً، ثم رجع
إلى الإسلام؟.
قال عبد الله بن عمر، ﵁: كنا، معشر أصحاب
رسول الله ﷺ ، لا نشك في قاتل المؤمن، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، يعني لا نشك في الشهادة لهم بالنار، حتى نزلت (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) فأمسكنا عن الشهادة لهم.
فإن قيل: فما تقول في قولهم: هل يستطيع أن يحييه؟
قلت: ذلك على وجه تعظيم أمر القتل والزجر، أو يكون ذلك قبل أن تنزلاً (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) على قول ابن عمر، ومن زعم أن القاتل عمداً لا توبة له، جعل الغفران لما دون الشرك في آية الفرقان منسوخاً.
قالوا: ونزلت آية الفرقان، فيما روى زيد بن ثابت، قبل آية النساء بستة
أشهر، وقد قدمت أن النسخ لا يدخل الأخبار، فلا نسخ في جميع هذه
الآية، وكلها محكمة.
التاسع والعشرون قوله : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا)
زعم قوم أنها منسوخة بما جاءت به السنة من جواز قصر الصلاة
في السفر من غير تقييد بالخوف، وهذا غير صحيح، وصلاة الخوف باقية
لم تنسخ، والقصر في السفر غير صلاة الخوف.
الثلاثون قوله : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) .
стр. 351
زعموا أنه منسوخ بقوله ة (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا)
فما أدري أي الأمرين أعجب؟
إدخال النسخ في الأخبار، أو جعل الاستثناء نسخاً؟.
فهذه ثلاثون موضعاً لا ترى فيها لا ناسخاً ومنسوخاً متيقناً.
* * *
سورة المائدة:
هي من آخر ما نزل من القرآن، وهي في الإنزال بعد براءة عند
أكثر العلماء.
وقال آخرون: براءة بعدها.
وذهب جماعة إلى أن المائدة ليس فيها منسوخ؛ لأنها متأخرة النزول.
وقال آخرون: فيها من المنسوخ عشرة مواضع:
الأول قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا)
قال الشعبي، وغيره: ولم ينسخ من المائدة غير هذه الخمسة، نسخها الأمر بقتال المشركين، وقال ابن زيد: هذا كله منسوخ بالأمر بقتالهم كافة.
وقال ابن عباس، وقتادة: (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) يعني منع المشركين من الحج، ثم نسخ ذلك بالقتل.
والشعائر جمع شعيرة، وشعيرة بمعنى مشعرة، أى: معلمة.
стр. 352
واختلف فيها، فقيل: حدوده التي جعلها أعلاماً لطاعته في الحج.
قال ابن عباس: هي مناسك الحج، نهاهم أن يحلوا ما منع المحرِم من إصابته..
وقال زيد ابن أسلم: هي ست: الصفا والمروة، والبدن
والجمار، والمشعر الحرام، وعرفة، والركن.
قال: والحرمات خمس: البلد الحرام، والكعبة البيت الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والمحرم حتى يحل.
وقال الكلبى: كانت عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة من
الشعائر، ولا يقفون إذا حجوا عليهما، وكانت الحُمس لا يعدون عرفات
من الشعائر، ولا يقفون بها في الحج، فنهى الله تعالى المؤمنين عن
ذلك.
وقال السي: شعائر الله حرمه، وقيل: هي العلامات بين الحل
والحرم، نفوْا أن يجاوزوها غير محرمين.
وقال عطاء: شعائر الله حرماته نهاهم عن ارتكاب سخطه، وأمرهم
باتباع طاعته.
وقيل: الشعائر الهدايا، وقيل: الإشعار أن تجلل، وتقلد،
стр. 353
ويطعن في سنامها، فيعلم بذلك أنها هدي.
والشهر الحرام: قيل: هو القعدة، وقيل: هو رجب كانت مضر تحرم فيه القتال، فأمروا بأن يحرموه، ولا يقاتلوا فيه عدوهم، وقيل: كانوا يحلونه مرة، ويحرمونه أخرى، فنهوا عن إحلاله.
والهدي: ما أهداه المسلمون إلى البيت من بعير، أو بقرة، أو
شاة، حرم الله أن يمنع أن يبلغ محله.
والقلائد: قيل: هي الهدايا المتقلدات، نَهَى عن الهدي غير المقلد.
وعن المقلد، وقيل: هي ما كان المشركون يتقلدون فيه، كان أحدهم
إذا خرج من بيته يريد الحج تقلد من السَمُرِ، فلا يعرض له أحد، وإذا
انصرف تقفد من الشعر قلادة فلا يعرض له أيضاً.
وقيل: إنما نهى الله أن ينزع شجر الحرم فيتقلد به على
عادة الجاهلية.
وقيل: كان الرجل إذا خرج من أهله حاجاً، أو معتمراً.
وليس معه هدي جعل في عنقه قلادة من شعر، أو وبر، فأمن بها إلى
مكة، وإذا قفل من مكة علق في عنقه من لحاة شجر مكة فيأمن بها حتى
يصل إلى أهله.
وقوله : (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ)
قيل: نهوا أن
стр. 354
يعرضوا لمن أمَّ البيت الحرام من المشركين.
واختلف في سبب نزولها.
فقيل: نزلت في الحطم البكري. قال ابن جريج: قدم على النبي ﷺ فقال: إني داعية قومي وسيدهم فاعرض عليَّ أمرك، فقال النبي ﷺ :
"أدعوك إلى الله أن تعبده، ولا تشرك به شيئاً، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي
الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.
فقال الحطم: في أمرك غلظة.
أرجع إلى قومي، فأذكر لهم ما ذكرت، فإن أقبلوا، أقبلت معهم، وإن أدبروا كنت معهم، فقال النبي ﷺ :
"لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقبى غادر، وما الرجل بمسلم".
فمرَّ على سرح للمسلمين، فانطلق به، وطلب، فلم
يدرك، ثم إنه خرج إلى الحج بتجارة عظيمة، فأراد أصحاب رسول الله ﷺ أن يعرضوا له، ويأخذوا ما معه، فأنزل الله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ. . .) الآية.
ولَما استاق السَّرْح؟ قال:
قد لفها اللْيلُ بِسَواقٍ حُطَمْ
ليس بِراعِي إِبِل وَلا غَنَمْ
ولا بجزَّارٍ على ظَهْرِ وَضَمِْ
باتوا نياماً وابنُ هنْدٍ لم يَنمْ
باتَ يُقَاسِيْها غلامٌ كالزُّلَم
خَدَلجُ الساقَيْنِ خَفَّاقُ القَدَمْ
стр. 355
وهذا القول يبطل قوله : (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) .
وقال ابن زيد: جاء ناس من المشركين يوم الفتح يقصدون البيت.
فقال المسلمون: نغير عليهم، فقال الله في ذلك:
(وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) نسخها آية القتل في براءة.
وقد تقدم أنها نزلت بعد براءة عند أكثر العلماء، وهذا مانع من أن تكون براءة ناسخة لها، ومن قال: ليس فيها منسوخ قال: أما الشعائر فحدود الله .
وأما الشهر الحرام فذو القعدة لا يحله المحرم فيتعدى فيه إلى ما أمر
باجتنابه.
следующие страницы →