Полный текст (746 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فقطع أكحَله، فنزف فمات، وأما الأسود بن عبد يغوث فأتى بغصن فيه
شوك، فضرب به وجهه فسالت حدقتاه على وجهه، وأما العاص بن وائل
فوطئ شوكة فتساقط لحمه عن عظمه، وأما الأسود بن عبد المطلب
وعدي بن قيس فأحدهما لدغته حية فمات، والآخر شرب من جرة
فما زال يشرب حتى انشق بطنه أي إنا كفيناك الساخرين منك.
الجاعلين مع الله الهاً آخر.
قال عكرمة: هم قوم من المشركين، كانوا يقولون: سورة البقرة، سورة العنكبوت، يستهزئون بالقرآن وأسمائه.
* * *
سورة النحل:
فيها خمسة مواضع:
الأول: قوله : (تَتخِذُوْنَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً)
قالوا: نسخت بقوله في المائدة. (فَاجْتَنِبُوهُ)
أو بقوله سبحانه: (فَهَلْ أنْتُمْ مُنتهُونَ)
وليس هذا بمنسوخ بهذا؛ لأن الله أخبر عن حالهم في سورة النحل.
وعما كانوا يفعلون، ولم يبح لهم بذلك الخمر، ولا أمر باتخاذها.
قالوا: وهذا الخبر، وشبهه جائز نسخه؛ لأن الخبر على ضربين: ضرب
لا يجوز نسخه مثل أن يخبر الله عن شيء أنه كان، أو أنه
سيكون.
وضرب يجوز نسخه مثل أن يخبرنا عن قوم أنهم فعلوا
стр. 387
شيئاً، واستباحوه، أو تمتعوا به، ولم يُحرم ذلك عليهم، ثم أخبرنا أنه
محرم علينا، فنسخ ما كان أخبرنا به أنه كان مباحاً لمن كان قبلنا، فهذا
نسخ المسكوت عنه من فهم الخطاب؛ لأنه قد فهم من قوله (تَتخِذُوْنَ
مِنْهُ سَكَراً) أنه كان مباحاً لهم، وسكت عن حكمنا فيه، فجاز أن
يكون لنا مباحاً أيضاً، ثم نسخ جواز إباحته بالتحريم في المائدة، وهذا
غير صحيحٍ؛ لأنا لم نفهم من قوله : (تَتخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً)
أنه كان مباحا لهم، ولو فهمنا ذلك مثلاً لم ندر ما حكمه فيه علينا؟
فكما يجوز أن يكون مباحاً لنا، كذلك يجوز أن يكون محرماً علينا، ثم إن
القرآن إنما ينسخ القرآن، وليس تجويزنا أن يكون مباحاً لنا بقرآن.
فينسخ على أن الله قد أومأ إلى تحريمه، وعرض بذمه بقوله عز
وجل بعده: (وَرِزْقًاً حَسَناً) ، فأشار بذلك إلى أن السكر رزق مذموم
غيرحسن.
وقال أبو عبيدة: السكر الطعم، وقيل: السكر ما سدَّ الجوع.
وفيما قدمته ما يغني عن هذين التأويلين.
الثاني: قوله : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢) .
قالوا: نسخ بآية السيف، وقد تقدم مثل هذا، والجواب عنه: وَإِنما المعنى:
فإنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم.
الثالث: قوله : (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ)
قال قوم: نسخ هذا بقوله: (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ)
وقد بينت أن
стр. 388
الاستثناء ليس بنسخ، وقال قوم: الآية كلها منسوخة بقوله :
(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا)
يعني أنهم فتنوا عن دينهم، فاخبر أنهم إذا هاجروا وجاهدوا وصبروا
فإنه غفور رحيم.
وهذا غلط ظاهر، لأن هذا فيمن أسلمٍ بعد أن أكره
على الكفر، فكفر، وذاك في من (شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً) ودام عليه
(ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم
الكافرين، أولئك الذين طبع اللَّه على قلوبهم - إلى قوله - هم
الخاسرون) .
وقد قرئ "فَتَنُوا" بفتح الفاء والتاء.
أي فَتَنوا غيرهم عن دينهم، ثم أسلموا، وتابوا.
الرابع: قوله : (وَجَادِلْهُمْ بِالتِيْ هِيَ أحْسَنُ)
قالوا: هو منسوخ بآية السيف، وقيل: بل هي محكمة، والتي هي أحسن:
اللين غير فط غليظ ولا جاف.
وقيل: الانتهاء إلى ما أمر الله به، ونهى عنه، وكل ذلك غير منسوخ، وما زال يدعو إلى الله بالرفق واللين، وما قاتل قوماً قط حتى دعاهم إلى الإيمان، وعرضه عليهم، وبَيَّنه لهم، وأما المفاجأة بالقتال من غير أن يقدم القول، والدعاء إلى الإسلام فلا.
وكان أمره ﷺ وحاله، كما قيل:
أنَاةٌ فَإِنْ لم تُغْنِ أرْدَفَ بَعْدها. . . وَعِيْدَاً فَإِنْ لم يُغْنِ أغْنَتْ صَوَارِمُهْ
стр. 389
الخامس: قوله : (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ)
قالوا: نسخ الصبر بآية السيف.
ولا يصح ما قالوه، لأنه قد قال قبلها: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) .
فما نزلت إلَّا بعد الأمر بالقتال.
وكان المسلمون قد عزموا على المثلة بالمشركين لما فعل المشركون يوم
أحد بحمزة ﵀ وغيره من المسلمين، وقالوا: لنمثلن بهم مثلة لم
يمثلها أحد من العرب، فقال لهم الله : (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ) . . . إما عن المُثلة المماثلة لما فُعل
بَكم، وإا عن تركها رأساً، والاقتصار على القتل دونها.
ثم قال لنبيه ﷺ : ((وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) ؛ لأنه ﷺ لَمَّا وقف على عمِّه حمزة، ﵁، فنظر إلى شيء لم ينظر قط إلى شيء كان أوجع لقلبه منه، ونظر إليه، وقد مثل به فقال: "رحمة الله عليك، فإنك كنت، ما علمتك، فعولا للخيرات، وصولاً للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرَّني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى، أما والله مع ذلك لأمثلن بسبعين منهم ".
فنزل جبريل ﵇، والنبي ﷺ واقف، بخواتيم
سورة النحل: (وإن عاقَبتم) الآيات الثلاث، فصبر النبي ﷺ ، وكفر عن يمينه، ولم يمثلْ بأَحدٍ.
فقوله لنبيه ﷺ : (واصْبِرْ) كما يقال لمن يُعَزى في مصيبة: اصبر واحتسب، وهذا حكم باق إلى يوم القيامة، ولم ينسخ، وكل من نزلت به نازلة فهو مأمور بالصبر، وهذه السورة مكية إلا الآيات الثلاث.
стр. 390
سورة بني إسرائيل
الأول: قوله : (وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)
قالوا: هو منسوخ بقوله : (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى)
قالوا: وبقوله : (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) .
وذا غير صحيح؛ لأن الآية خطابها للمؤمنين في الاستغفار، لا لآبائهم
المؤمنين إذا ماتوا، وقد علموا أن الله لا يغفر لمن مات كافراً فلا وجه
لتناولها الآباء الكفَار.
الثاني: قوله : (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتيْمِ إلا بِالَّتِيْ هِيَ
أحْسَن)
قالوا: هو منسوخ بقوله : (وَإنْ تُخَالِطُوْهُمْ فَإخْوَانُكمْ) .
وقال آخرون: هو منسوخ بقوله :
(فَلْيَأكلْ بِالْمَعْرُوْفِ) وليس ذلك بصحيح، فإن الله
قال: (إلا بِالتي هِيَ أحْسَنُ)
وقال في الأخرى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) .
الثالث: قوله : (وَمَا أرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيْلاً)
قالوا: نسخ بآية السيف، وقد تقدم الكلام على مثله، وإنما الرسول ﷺ مبلغ، وليس بوكيل، وليست الهداية إليه.
الرابع: قوله : (وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا)
زعموا أن ابن عباس ﵀، قال: هي منسوخة بقوله
стр. 391
عز وجل في الأعراف: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ) الآية.
أي أنه أمر في " سبحان " ألَا يُخافت بصلاته، وأمره في الأعراف
بالمخافتة، وقد تقدم أن ابن عباس ﵄، يطلق النسخ
على غير ما نطلقه نحن عليه، هذا إنْ صحَ ذلك عنه، وقد قال أبو
موسى، وأبو هريرة، وعائشة، ﵃: المراد بالصلاة ها هنا:
الدعاء، وقد نهى النَبي ﷺ عن رفع الصوت بالدعاء، وقال: "إنكم لا تنادون أصم "، وقيل: يا رسول الله: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟
فأنزل الله : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ)
فالآية على هذا محكمة، وقال الحسن: المعنى لا
تجهر بصلاتك أي لا تراء بها في العلانية، ولا تخافت بها أي تهملها
وتتركها في السر، ولكن هذا التأويل يبطله قوله : (وابتغْ بين
ذلك سبيلاً) إلا أن يريد أن الإخلاص والمحافظة سبيل
بين الرياء والتهاون، فتكون الآية على هذا محكمة.
الخامس: قوله : (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤) .
قال السدي: هذا منسوخ بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا)
قال: فاقتضى قوله (إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا) أنَ من يسأل عن العهد يجوز أن يدخل الجنة، ثم نسخ ذلك بقوله : (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧) .
стр. 392
وليس الأمر كما قال، فإن قوله :
(إن الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأيْمَانِهِمْ) نزلت في اليهود، وعهد الله
في كتابهم من نعت النبي ﷺ ، (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا) .
وقيل: إن قوماً من اليهود اشتدت عليهم معيشتهم، فلجؤوا إلى المدينة، فلما رجعوا سألهم رؤساؤهم عن النبيِّ ﷺ ، فقالوا: هو الصادق لا شك فيه، فقال رؤساؤهم حرمتم أنفسكم برنا ونفعنا، فَحَكُّوْا من كتبهم صفة النبي ﷺ ، وأثبتوا صفة
غيره، وقالوا لرؤسائهم إنْ كنا لغالطين، وقالوا: إن الأمر فيه كما
تقولون، وأخرجوا ما غيروه، وبدلوه، فنفعوهم وبروهم.
وأما قوله : (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا)
أي إذا عاهدتم الناس عهداً على شيء، فأوفوا به فإن العهد مسؤول أي مطلوب، أو مسؤول عنه، وليس بين الآيتين تعارض.
السادس: قال السدي في قوله : (وَأوْفُوا الْكيْلَ إذَا كِلْتُمْ) الآية نسخها قوله : (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ)
قال: فآية "سبحان " تقتضي أن من نقص الكيل والوزن كان مؤمناً، ثم أوجب الله تعالى له الويل، والآية محكمة عند جميع العلماء، وإنما أخبر الله تعالى في " سبحان " أن إيفاء الكيل
стр. 393
والوزن العدل خير لمن فعله، وأحسن عاقبة، والتأويل: العاقبة.
ومثل هذا من الخبر لا ينسخ، وأخبر تعالى في المطففين بالويل
لمن طفف، ولا تعارض بينهما، ولا نسخ.
* * *
سورة الكهف
وليس في سورة الكهف شيء.
إلَّا أن السدي قال في قوله : (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) : هو منسوخ بقوله : (وَمَا تَشَاْءوْنَ إلا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ) .
والذي قاله باطل، والمراد التهديد لا التخيير، ولو فرض ما قاله لم يكن
قوله : (وَمَا تَشَاْءوْنَ إلا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ) معارضاً له، ويلزم من
القول بأن هذا على التخيير إباحة الكفر، ومن اعتقد أن الله
أباح الكفر فهو كافر..
* * *
سورة مريم ﵍
ليس فيها من المنسوخ شيء، وقال قوم: قوله :
(وَأنْذِرْهُمْ يَوْيَم الْحَسْرَةِ) نسخ بآية السيف وهذا من أعجب
الجهل؛ أترى أنه لما نزلت آية السيف بطل إنذاره، وتذكيره بيوم القيامة؟
وقالوا فى قوله : (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) .
قالوا: نسخ بقوله: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ) وقد تقدم ذكر هذا.
وكذلك قالوا في قوله : (وَإنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا)
стр. 394
هو منسوخ بقوله: (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا) ، وهذا خبر، والخبر لا يصح نسخه من الله ، وأيضاً فإنّ الذين اتقوا نجوا بعد الورود، فأين النسخ؟
وعن النبي ﷺ : الورود: الدخول، لا
يبقى برٌّ، ولا فاجرٌ إلَّا دخلها، فيكون على المؤمنين برداً وسلاماً.
وسأل جابر بن عبد الله رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "إذا دخل أهل الجنّة الجنة، قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار، فيقال لهم: قد وردتموها، وهي خامدة ".
وقال ابن مسعود، وقتادة، والحسن: الورود: الجواز على الصراط.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون خطاباً للكفار، أعني منكم، وعلى الجملة فهو غير منسوخ.
وقالوا في قوله : (فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا) :
نسخ معناه بآية السيف، وهذا خبر جاء على لفظ الأمر، إعلاماً بأن ذلك
كائن، ولا بد؛ لأنّ أمر الله لنفسه بمعنى الخبر، وقيل: إنه دعاء أي
فمد الله له في عمره، وعلى الجملة فليس بمنسوخ.
وقالوا في قوله : (فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ) : إنه
منسوخ بآية السيف، وهذا تهديد ووعيد، وليس بمنسوخ بآية
السيف.
стр. 395
سورة طه
ليس فيها منسوخ، وأما قولهم في قوله : (وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ) :
هو منسوخ بقوله : (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى) فهو ظاهر البطلان.
فإن أمره بالتأني إلى أن تسمع من الملك حكم ثابت لم ينسخ.
وكذلك قوله : (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) .
قالوا: إنه منسوخ بآية السيف، وبإنزال الفرائض.
وليس كذلك.
قوله : (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُوْلُوْنَ) فقد تقدم القول في مثله.
وأما قوله : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) فقد قيل:
أراد بقوله: (قَبْلَ طُلُوْعِ الشَمْسِ) صلاة الفجر (وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) : الظهر
والعصر، (وَمِنْ آنَاءِ الليْلِ) : العشاء الآخرة، (وَأطْرَافَ النَّهَارِ) : المغرب
والصبح، وكرر ذكرها كما قال : (حافظوا على الصلوات
والصلاة الوسطى) .
وكذلك قوله : (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا)
قالوا: نسخ بآية السيف، وهذا وعيد ليس فيه نسخ.
* * *
سورة الأنبياء ﵈
ليس فيها شيء من المنسوخ، وقال قوم في قوله :
стр. 396
(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) :
إنه منسوخ بقوله : (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) .
فما أدري بم يُرَد هذا القول لكثرة الوجوه المبطلة له؟
أبكونه خبراً من الله ، وخبره لا ينسخ.
أم بكونه خطاباً لكفار قريش بقوله : (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) .
وَمَا كانُوْا يَعْبُدُوْنَ الْمَسِيحَ، وَلاَ الملائكة، أم بقوله: (وَمَا تَعْبُدُوْنَ) .
و"ما" لما لا يعقل، أم بكونه قد تبيَّن بقوله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى) أنه لم يرد العموم بقوله: (وَمَا تَعْبُدُوْنَ مِنْ دُوْنِ اللَّهِ) ؟
* * *
سورة الحج
ليس فيها منسوخ وقالوا في قوله تعالى: (وَإنْ جَادَلُوْكَ فَقُلِ
اللهُ أعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ) ، نسخها آية السيف!
وقد قلنا إن آية السيف لا يصح أن تكون ناسخة لشيء من هذا؛ لأنه ﷺ لم يكن قادراً على القتال منهياً عنه، وإنما تنسخ آية السيف آية يكون فيها نهيه عن القتال، ولا تجد ذلك في القرآن؛ لأن - العاجز عن القتال لا يُنهى عنه.
أفترى أنه بعد آية السيف لا يجوز أن يقول لهم: (اللهُ أعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُوْنَ) .
وما يُروى عن السلف ﵏ مثل ابن عباس، وغيره من
إطلاق النسخ في هذا إنما يريدون به الانتقال من حال إلى أخرى.
فأطلقوا على ذلك النسخ، ونحن نريد بالنسخ رفع الحكم الثابت نصاً
بنص آخر، لولاه لكان الأول ثابتاً، وابن عباس وغيره لا يريدون بالنسخ
هذا.
стр. 397
وقالوا في قوله : (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ)
هو منسوخ بقوله : (فَاتَقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)
وقد تقدم الكلام في هذا.
وأمّا ما ذكروه في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى) من أنه منسوخ بقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنْسَى)
فهذيان لا يسمع، ولا يلوى عليه.
* * *
سورة المؤمنون
لا نسخ فيها.
وأما قولهم في قوله عزّوجلّ: (فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ)
وقوله تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِيْ هِيَ أحْسَنُ السَّيئَةَ)
إنهما منسوختان بآية السيف، فغير صحيح، وقد تقدّم الكلام
في مثله.
* * *
سورة النُّور
قوله : (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)
في معنى هذه الآية أقوال:
قال ابن المسيّب، فيما رواه مالك، عن يحيَى بن سعيد، عنه:
إنّها عامة، وإنها منسوخة بقوله : (وَأنْكحُوا الأيَامَى مِنْكُمْ)
ولم يفرّق بين زانية، ولا عفيفة، فكلّ من زنى بامرأة، أو
رُمِيَ بها غيره جاز له أن يتزوّجها.
قال الشافعي ﵀: الآية
стр. 398
منسوخة، إن شاء الله، كما قال ابن المسيب، وكذلك يقول ابن عمر:
هي منسوخة بجواز نكاح الزانية، وسالم، وجابر بن زيد، وعطاء.
وطاووس، ومالك، وأبو حنيفة، والقول بأن الآية منسوخة يوجب أن
الزاني كان محرماً عليه أن ينكح عفيفة، ولا يجوز له أن ينكح إلَّا زانية
أو مشركة، وأن الزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك، وادعاء ذلك ليس
بالهيِّن، ومتى أباح الله نكاح المشركات غير الكتابيات لزناة
المسلمين؟
ومتى أباح الله للزانية المسلمة أن تنكح المشرك؟
فهذا القول واهٍ ظاهر السقوط.
ثم إن قوله : (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)
يوجب على هذا القول أن يكون الزاني، والزانية غير المشركين أن
يكونا غير مؤمنين.
وقال مجاهد، وقتادة، والزهري: هذه الآية نزلت في
قوم من المؤمنين أرادوا نكاح مومسات معلوم منهن الزنا في
الجاهلية.
وقال ابن عمر، ﵀: استأذن رجل من المؤمنين النبي ﷺ في نكاح اْمرأة يقال لها أم مهزول، اشترطت له أن تنفق عليه، وكانت تسافح.
والآية لا تطابق ما ذكروه، فكيف يكون سبباً لنزولها؟
وكان ينبغي على ما ذكروه أن يكون أول الكلام: المؤمنون لا ينكحون
الزواني.
وفي ذلك أيضاً ما ذكرته فيما سبق.
وعن ابن عباس ﵀ المراد بالنكاح الوطء، أي أن الزاني
من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة، أو بمشركة،
стр. 399
والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل القبلة، أو
بمشرك، وحرم ذلك أي وحرم الزنا على المؤمنين، واختار هذا القول
الطبري.
وقال في قوله : (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)
أي وحرم على المؤمنين نكاح المشركات الوثنيات، وعلى المؤمنات نكاح
المشركين، وليس هذا القول بمستقيم، وأي فائدة في الإخبار بأن الزاني
لا ينكح إلا زانية أي لا يطإ إلَّا زانية، وفي أن الزانية لا يطؤها إلا زانٍ؟
ورد قوم من العلماء القول بأن المراد بالنكاح الوطء، بقوله :
(وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) ، وقال: هو محرم على المؤمنين.
وغيرهم..
وإنما المراد بالنكاح التزويج أي وحرم نكاح البغايا والزناة، وهذا
الرد غير سديد؛ لأنه لا يلزم من قوله : (وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) أن يكون مباحاً لغيرهم، وقد قال :
(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ) و (حرمت عليهم أمهاتُكم) الآية، وإنما رده
بما ذكرته.
وقال صاحب الكشاف في هذه الآية: الفاسق الخبيث الذي من
شأنه الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، واللائي
على خلاف صفته، وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله، أو مشركة.
والفاسقة الخبيثة المسافحة كذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من
الرجال، وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها من الفسقة.
أو المشركين، ونكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية ورغبته فيها.
وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنا مُحرم عليه - محظور
стр. 400
لما فيه من التشبه بالفساق، وحضور موقع التهمة، والتسبب لسوء القالة
فيه، والغيبة، وأنواع المفاسد، ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض
لاقتراف الآثام، فكيف بمزاوجة الزواني، والقحاب.
وقد نبه تعالى على ذلك بقوله (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ) .
وقد قال هذا، وهو يحسب أنه قد قال شيئاً.
ومتى كان الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة؟
بل الزاني المتوغل في الزنا أكثر غيرةً من غيره.
ألا ترى إلى قوله "بقدر العفة تكون الغيرة"
فهو لا يرضى لنفسه أن تكون قعيدة بيته إلَّا في أبلغ درجات التصون، وتراه يتخيل من أدنى شيء لما عرفه من أحوال الزناة، ولهذا أجاز مالك ﵀ ولاية الفاسق في النكاح.
ومتى أبيح للزاني نكاح المشركة الوثنية حتى لا يرغب إلا فيها؟
ومتى رأينا الزناة يطلبون المشركات لنكاحهن كتابيات أو
غبر كتابيات؟ ثم إن نكاح المشركات ليس فيه شيء مما ذكر، ولو كان
فيه ذلك، لما أباح الله نكاح الكتابيات، وأحله للمؤمنين.
فكيف تكون مخالطتهن والكون معهن محرم على المسلمين؟.
ْفإن قيل: فما بقي للآية معنى تحمل عليه؟
قلت: معناها تنفيرهمْ عن الزنا، وتقبيحه في نفوسهم؛ لأنّه ذكر في الآية التي قبلها حذ الزاني، ونهى عن الرأفة بمن زنا، وذكر أنها لا تجامع
الإيمان، ثم قال في هذه الآية كالمؤكد لذلك إذا كان الزاني المشهور
بالزنا غير مرضي لنكاح من وليتم أمره، بل هو مردود عن ذلك مصدود
استنكافاً له، فلا ينكح إلا زانية مثله، والزانية لا تجد ناكحاً لهجنتها إلا
стр. 401
زانياً، أو مشركاً إن كانت بشركة، فإذا كانت هذه حال الزنا عندكم
فكيف ترضونه لأنفسكم؟ فقد حرمه الله عليكم لما فيه من رفع
أقداركم، وصرف السوء والفحشاء عنكم.
والزاني في قوله (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ) عام في كل زان مسلم أو مشرك، وفي كل زانية فهذا الجنس لا ينكح إلا زانية إن كان مسلماً، أو مشركة إن كان مشركاً، ونزه الله المؤمنين من ذلك، فحرّمه عليهم، والآية محكمة، والله أعلم.
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) .
ليس بمنسوخ بقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ) كما ذكروا؛ لأن الأوْلى في البيوت المسكونة، يدل على
ذلك قوله : (وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) ، والثانية في البيوت التي
ينزلها المسافرون، وبيوت الخانات، والبيوت التي ليس بها أرباب، ولا
سكان.
وقوله : (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ) الآية، ليس ذلك بمنسوخ، بل هو محكم واجب على جميع النساء.
وقال قوم: نسخ بعضها. بقوله : (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) .
стр. 402
وليس هذا بناسخ؛ لما تقدم لمن تأمل.
وقوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) .
روي عن ابن عباس ﵀ أنّها منسوخة، وكذلك قال
سعيد بن المسيّب، وهذا مما يوضح مما قلته من أنّهم كانوا يطلقون
النسخ على غير ما نطلقه نحن عليه؛ لأن ابن عباس، ﵀.
سئل عن هذه الآية فقال: لا يعمل بها اليوم.
قال: وذلك أنّ القوم لم يكن لهم ستور، ولا حجال، فربما دخل الخادم والولد واليتيم على الرجل، وهو يجامع، فأمر الله بالاستئذان في هذه الساعات الثلاث، ثم جاء الله باليسر، وبسط الرزق، فاتخذ الناس الستور والحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم عن الاستئذان.
وقال ابن المسيب: هي منسوخة لا يعمل بها اليوم، وهذا من قوله
دليل واضح على ما ذكرته، فلا تغتر بقولهم منسوخ، فإنهم لا يريدون به
ما تريد أنت بالنسخ، والدليل على هذا أن هذه الآية لم يرَ، لها ناسخ
من القرآن، ولا من السنة على قول من يجيز نسخه بالسنة، وأن حكمها
باق فيمن يكون حاله كحال من أنزلت فيه بإجماع.
قال الشعبي: ليست منسوخة فقيل له: إن الناس لا يعملون بها اليوم، فقال: الله المستعان.
وأكثر العلماء على أنها محكمة، وحكمها باق، والاستئذان غير
منسوخ.
стр. 403
وقوله : (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ)
قالوا: نسخت بآية السيف، وهذا خبر، وخبر الله عز
وجل لا ينسخ.
* * *
سورة الفرقان
ليس فيها نسخ.
وقالوا في قوله : (وَإذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُوْنَ قَالُوْا سَلاَماً) .
قال أبو العالية: قوله: (قَالُوا سَلاَماً) منسوخ بآية السيف
وتكلم في ذلك سيبويه، ولم يتكلم في شيء من الناسخ
والمنسوخ إلَّا في هذه الآية.
قال: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، قال: ولكنه على قولك "لاخير بيننا ولا شر ".
يعني - أن قوله (قَالُوْا سَلاَماً) معناه: تسلُّماً منكم ومتاركة، لا نجاهلكم
стр. 404
لا خير بيننا ولا شر، أي نتسلم منكم تسلماً، فأقيم السلام مقام التسلم.
وهذا التأويل يحتاج فيه إلى إثبات أن الجاهلين هم المشركون، وأيضاً
فإن الله وصف المؤمنين وأثنى عليهم بصفات، منها: الحلم
عند جهل الجاهل، والمراد بالجاهلين السفهاء، وهذه صفة محمودة
باقية إلى يوم القيامة، وما زال الإغضاء عن السفهاء، والترفع عن مقابلة
ما قالوه بمثله من أخلاق الفضلاء، وبذلك يقضي الورع، والشرع.
والأدب والمروءة، ثم وأي حاجة إلى القول: بأن ذلك منسوخ؟
وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية، فلم أجده عند أحد
فأنبِئت في النوم، فقيل لي: هم الذين لا يريدون فساداً في الأرض.
وقال ابن زيد: هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون، ولا
يفسدون، وهو قوله : (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) .
وقال الحسن: يمشون حلماء علماء لا يجهلون.
فإن جهل عليهم لم يجهلوا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، أي إذا خاطبهم الجاهلون بما يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف، والسداد من الخطاب، قالوا: تسلماً منكم، وبراءة بيننا، وبينكم، ذلَّت والله منهم الأسماع، والأبصار، والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من
مرض، وإنهم لأصحاء القلوب، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل
غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فلما وصلوا إلى بغيتهم
(قالوا: الحمد لله الذي أذهَبَ عنا الحَزَن، والله ما حزنتهم الدنيا،
стр. 405
ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبواْ به الجنة أبكاهم الخوف من النار، وأنه من
لم يعتز بعز الله يقطّع نفسه حسرات.
وكلام الحسن، وما ذكرته من كلام غيره يدلّ على أنّ الآية محكمة، وقول سيبويه الذي قاله فيه نظر؛ لأنه قال: لم يؤمر المسلمون يومئذ إن يسلّموا على المشركين، وهذا ليس بأمر، إنّما هو شيء حكاه الله عنهم، وأثنى عليهم به.
فإن قيل: أراد سيبويه، ﵀: لم يؤمروا أن يسلموا عليهم، فكيف يسلمون عليهم؟
قلت: لا يفتقرون في ذلك إلى أمر من الله ، فقد كانوا يسلمون عليهم.
وإن كان (سلام عليكم) أصله الدعاء، إلَّا أنه قد يقوله من لا يريد الدعاء إنما يريد الإحسان والإجمال في المخاطبة، فإن أراد سيبويه هذا، فهو حسن وإن أراد أنهم لم يأتوا بالتسليم مريدين به التبرؤ، فإن ذلك يبطل بقوله في سورة القصص حين أثنى على قوم من أهل الكتاب أسلموا (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥) .
وهذه الآية أخت تلك، وقد عيب عليه قوله: "لا خير بيننا ولا شر".
وقال مكي في هذه الآية: إن هذا، وإن كان خبراً، فهو من الخبر الذي يجوز نسخه.
قال: لأنَه ليس فيه خبر من الله لنا عن شيء يكون، أو
شيء كان، فينسخ بآية لا تكون، أو بآية لم تكن. هذا الذي لا يجوز
فيه النسخ، وإنما هذا خبر من الله لنا أن هذا الأمر كان من فعل
هؤلاء الذين هم عباد الرحمن قبل أن يؤمروا بالقتال، وأعلمنا في موضع
стр. 406
آخر نزل بعد فعلهم ذلك أنه أمر بقتالهم، وقتلهم، فنسخ ما كانوا عليه.
قال: ولو أعلمنا في موضع آخر أنهم لم يكونوا يقولون للجاهلين
سلاماً لكان هذا نسخاً للخبر الأول، وهذا لا يجوز، وهو نسخ الخبر
بعينه، والله يتعالى عن ذلك.
قال: فإذا كان الخبر حكاية عن فعل قوم جاز نسخ ذلك الفعل
الذي أخبرنا به عنهم بأن يأمر بأن لا يفعلوه، ولا يجوز نسخ ذلك الخبر.
والحكاية بعينها بأنها لم تكن، أو كانت على خلاف ما أخبر به أولاً.
فاعرف الفرق في ذلك، وقوله هذا لو فرضنا أن تأويل الآية أن الجاهلين
هم المشركون لا يصح به نسخ الآية، لأن الله إن كان نهاهم
عن فعله، أو أمرهم أن لا يفعلوه بآية السيف، فإن هذا الخلق الذي
أخبر به عنهم، وهو قولهم (سلاماً) لم يكن بأمر من الله ، وإنما
كانوا يفعلون ذلك من عند أنفسهم حلماً، وتبرؤوا من المشركين كما
زعم من قال ذلك.
فإذا نزلت آية السيف ناسخة لذلك كانت ناسخة عادة كانوا
يفعلونها، ولم تكن ناسخة قرآناً، وهذه الآية مخبرة بما كانوا يفعلونه.
فكيف تنسخها آية السيف؟
وهذا واضح.
وقالوا في قوله : (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) .
ذلك منسوخ بالاستثناء، وهو قوله : (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) .
وهذا ظاهر البطلان، وقد تقدم القول في مثله.
стр. 407
سورة الشعراء
ليس فيها نسخ.
وزعم قوم أن قوله : (وَالشعَرَاءُ يَتبِعُهُمُ الْغاوُوْنَ)
منسوخ بقوله : (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) . . .، إلى آخرها وليس ذلك بنسخ لما ذكرت.
* * *
سورة النمل
ليس فيها نسخ.
وقال قوم في قوله : (وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ) الآية: هو منسوخ بآية السيف، وقد تقدم القول في مثله، وأنَه ليس بمنسوخ كما ذكروا.
* * *
سورة القصص
ليس فيها نسخ. وأمَّا قول من قال في قوله : (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ) الآية: إنه منسوخ بآية السيف
فقد قدمت القول فيه.
قال مجاهد: هي محكمة، والمعنى أن المؤمنين كانوا إذا
أذاهم الكفار أعرضوا عنهم، وقالوا: سلام عليكم أي: أمنة لكم منا،
стр. 408
ولا نجاوبكم، ولا نسابكم. لا نبتغي الجاهلين: أي لا نطلب عمل
الجاهلين.
* * *
سورة العنكبوت
لا نسخ فيها.
وأمَّا قوله : (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)
وقول من قال: نسخت بآية السيف.
وهو قول قتادة، فالآية محكمة عند الجمهور.
قال ابن زيد: هي محكمة، والمراد من آمن من أهل الكتاب، يعني: لا تجادلوا من آمن من أهل الكتاب فيما يحدثون به عن كتابهم لعله كما يقولون.
وكانوا يفسرون التوراة بالعربية.
وقال مجاهد: هي محكمة، والمراد المعاهدون أي إنما ئجادل من لا عهد له، ويُقِاتَل حتى يعطي الجزية أو يسلم، وقيل: الذين ظلموا هم المفرطون في العناد، الذين لم تنفع فيهمْ المجادلة بالتي هي أحسن، وقيل: الذين ظلموا.
واعتدوا، فجعلوا لله ولداً، أو شريكاً، والذين قالوا: إن الله فقير، ويد
الله مغلولة، تعالى عن قولهم، وقيل: من نقض الذمة، ومنع الجزية.
فحينئذ يجادل بغير التي هي أحسن أي السيف.
وعن النبي ﷺ "ما حدثكم به أهل الكتاب فلا تصدَقوهم ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله، وكتبه ورسله، فإن كان باطلاً لم تصدقوهم، وإن كان حقاً لم تكذبوهم"
فهي على جميع ما ذكرته محكمة،
стр. 409
والظاهر أنها نزلت فيمن آمن، وأعطى الجزية إذا ذكر للمسلمين شيئاً من
كتابه فلا يجادل، فأما من أقام على الكفر، ولم يدخل في الذمة فجداله
السيف.
وقوله : (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا. . .)
إلى آخره، هو المراد بالتي هي أحسن، وقيل: إن هذه السورة نزل
من أولها إلى رأس العشر بمكة، ونزل باقيها بالمدينة، وإذا كانت
مجادلة الذين ظلموا منهم السيف فكيف تنسخها آية السيف؟
وهي آية السيف، والذين ظلموا هم الذين ذكرهم في براءة في قوله عز
وجل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩) .
وقالوا في قوله : (قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) .
نسخ معنى النذارة بآية السيف، وهذا ظاهر البطلان.
* * *
سورة الروم
ليس فيها نسخ.
وقالوا في قوله : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)
стр. 410
نسخها آية السيف، وقد تقدم رد ذكر ذلك.
* * *
سورة لقمان
ليس فيها نسخ.
وزعم قوم أن قوله : (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)
منسوخ بقوله ﷺ :
"لا تَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئت، وَلكنْ قلْ ما شاء الله ثُمَّ شِئْت".
أي نسخ الجمع بين الشكرين بالواو، فيستوي الشكران، ولكن يكون بثم فيقدم الشكر لله كالمشيثة، فعلى هذا لا يجوز أن تتلى هذه الآية، وهذا خلف من القول.
وقالوا في قوله : (وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ)
نسخ معناها بآية السيف، وليس كما قالوا، وقد تقدم
الجواب.
* * *
سورة السجدة
ليس فيها نسخ.
وأما قولهم: إن قوله في آخر السورة:
(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)
منسوخ بآية السيف، فليس كذلك، وهو وعد من الله لنبيه ﷺ ، ووعيد لهم، وليس معنىٍ قوله
: (فَأعْرِضْ عَنْهُمْ) اترك قتالهم، فإنه ﷺ لم يكن قادرا على ذلك.
стр. 411
سورة الأحزاب
ليس فيها نسخ.
وقالوا: نسخ قوله : (وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ)
بآية السيف، وليس كذلك.
وقد تقدم القول في مثله
وقوله : (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ) .
زعم قوم أنه منسوخ، واختلفوا في ناسخه، فقال قوم: نسخت بالسنة. رووا عن عائشة، وأم سلمة: "ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء " -
وأخبار الآحاد لا تنسخ القرآن؛ لأن القرآن العزيز مقطوع به، وخبر
الواحد ليس كذلك، فكيف يزال ما قطع به بما لم يقطع به؟.
وقيل: الناسخ قوله : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ)
قالوا: هي من الأعاجيب نسخها بآية قبلها في النظم، وقيل: نسخت بقوله قبلها، (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ)
وهذا القول إنما يقوله من قاله ظناً.
ألا ترى اختلاف القولين في الناسخ ما هو، وإنما حملهم على ذلك ما
ظنوه من التعارض، ولا تعارض لأن قوله : (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ) لا يعارض قوله سبحانه (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ)
стр. 412
ولا قوله : (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ) ؛ لأن
قوله : (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ) وقوله تعالى (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ)
في نسائه اللاتي كن في عصمته، فكيف يكون ذلك ناسخاً لقوله: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) وهذا في هذا الطرف كقول من قال في
الطرف الآخر: بل (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) ناسخ لما تقدم من
الآيتين، وقد بينت أنه لا تعارض.
فلا ينسخ المتقدم المتأخر، ولا المتأخر المتقدم.
وقد قال الحسن، وابن سيرين: إنها محكمة، وحرم الله على نبيه ﷺ أن يتزوج على نسائه؛ لأنهن اخترن الله ورسوله فَجُوْزِيْنَ في الدنيا بهذا، وهو قول حسن، وهو الذي يشهد به القرآن، وإن كان ابن
عباس ﵄ قد روي عنه أنها منسوخة بما تقدم.
فقد روي عنه أنها محكمة، وقال: نهى الله رسوله ﷺ أن يتزوج بعد نسائه الأوَل شيئاً.
وكذلك قال قتادة: لما اخترن الله، ورسوله، والدار الآخرة قصره
الله عليهن، وقصرهن عليه، فقال : (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) أي من بعد التسع اللواتي مات عنهن.
وقال أبى بن كعب: (وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ) معناه: ليس
لك أن تطلقهن بعد أن اخترن الله ورسوله، وقيل: معنى (مِنْ بَعْدُ) أي
من بعد هذه القصة، والسبب المتقدم الذكر.
стр. 413
وقال مجاهد، وابن جبير: إنما حربم عليه نكاح الكتابيات؛ لأنهن
كوافر لئلا يكن أمهات للمؤمنين، ومعنى (من بعد) أي من بعد
المسلمات أي من بعد نِكَاحِهِن.
* * *
سورة سبأ
ليس فيها نسخ.
وقوله : (قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا)
زعم قوم أنها منسوخة بآية السيف، وقد تقدم القول في
مثله.
* * *
سورة فاطر
ليس فيها نسخ.
وقالوا في قوله : (إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)
معناها منسوخ بآية السيف، وليس كذلك، وقد تقدم.
* * *
سورة يس
لا نسخ فيها.
وليس بصحيح قول من قال: (فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ)
نسخ بآية السيف.
* * *
سورة الصافات
ليس فيها نسخ.
стр. 414
وقوله : (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) :
وكذلك: (وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ) .
زعم قوم أن الآيات الأربعٍ نسخن بآية السيف، وليس
كذلك؛ لأني قد بينت أنه ﷺ لم يكن قادرا على قتالهم، فيؤمر بتركه، ثم جاءت آية السيف آمرة بالقتال.
* * *
سورة (ص)
لا نسخ فيها.
وقوله : (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ)
زعموا أنه منسوخ بآية السيف وقد تقدم إبطاله، وكذلك
قوله : (إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)
قالوا: معناها منسوخ بآية السيف، وليس كذلك. وكذلك قوله :
(فَطَفِقَ مَسْحاً بالسوقِ والأعْنَاقِ)
قالوا: هو منسوخ بتحريم ذلك بالإجماع، وبالسنة، وهذا خلف من القول، إنما حكى الله تعالى ذلك عن نبيه، ولم يشرع ذلك لنا، ثم ينسخ بسنة، ولا بإجماع.
وقوله : (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)
زعم قوم أنَ ذلك منسوخ، قالوا: وقال به مالك بن أنس، رحمه
الله، وقال: البرُّ بأتم الأفعال، والحنث بأقلها احتياطاً للدين، فلا
يجزئ عن مائة ضربة ضربة واحدة بمائة قضيب.
وقال مجاهد وغيره: هذا حكم خُصَّ به أيوب ﵇.
стр. 415
قال بعض مصنّفي الناسخ والمنسوخ: وجعل الشافعي الآية
محكمة عامة معمولًا بها.
قال: وهو قول عطاء، وأجاز في الرجل يحلف ليضربن عبده عشر ضربات أن يضربه ضربة واحدة بعشرة قضبان.
وجعل الآية محكمة غير منسوخة، ولا مخصوصة.
قال: وهذا مذهب يدل على أن شريعة مَنْ قبلنا لازمة لنا حتى يأتي
نص ينقلنا عنها.
قال: وهذا مذهب يتناقض؛ لأن شرائع مَنْ قَبلنا
مختلفة في كثير من الأحكام، والبينات، والرتب، والأعداد، وغير ذلك
من تحريم، وتحليل كما قال : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)
قال: وإذا كانت مختلفة في التحريم والتحليل فكيف يلزمنا تحريم شيء وتحليله في الحال الواحدة؟
ولأن الشرائع مختلفة فبأي شريعة يلزمنا العمل؟
إذ لا سبيل إلى العمل بالجميع لاختلافها.
وأما قوله : (فَبِهُدَاهُم اقْتَدِهْ)
فإنما أراد الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما لا تختلف فيه الأديان، إذ غير جائز أن يكون المراد: فبشرائعهم اقتد.
قال: فإن ادعى مدع أنّ أيوب ﵇ برَّ بذلك من يمينه، وأنه إجماع من شرائع الأنبياء، فيلزمنا فعله، سئل عن الدليل، فلا يجد إليه سبيلاً.
قال: واختلف أصحاب مالك في مذهبه، فمنهم من قال: مذهبه
العمل بشريعة من قبلنا؛ لأنه قد - احتج بقوله : (وكتَبْنَا عَلَيْهِمْ
فِيهَا) الآية.
стр. 416
ومنهم من قال: ليس ذلك مذهبه، لأنه لم يخرج الحالف بمثل
يمين أيوب ﵇، بمثل ما برَّ به في يمينه.
قال: والذي عليه أكثر أصحابه أن ما قصَّ الله علينا من شرائع مَنْ كان قبلنا، ولم ينسخه قرآن، ولا سنة، ولا افترض علينا ضده، فالعمل به واجب نحو قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا) .
قال: وقد اعترض على هذا القول بقصة أيوب ﵇ في
بره بضوبة فيها مائة قضيب، ولا يقول به مالك، واعترض بقصة موسى
﵇ في تزويج إحدى الابنتين من غير تعيين.
فأقول: إن مالكاً، ﵀، إذا قال بنسخ هذه الآية فهو يقول:
بأن شريعة مَنْ قبلنا لازمة لنا،ووإلا فلا حاجة أن يجعل الآية منسوخة.
وأما الشافعي، ﵀، فما حجته فيما صار إليه في أن من
حلف ليضربن عشر ضربات، فضرب بعشرة قضبان أنه يخرج من يمينه.
إلا أنه رأى أن عشرة قضبان يصيب كل واحد منها المضروب هي كعشر
ضربات، لا فرق بين ذلك، كما لو كان في يديه قضيبان يضرب بهما
مرة واحدة بكلتا يديه أن ذلك مساو لضربة بيده الواحدة مرتين، وكما
لو ضربه عشرة في مرة واحدة كان ذلك بمنزلة عشر ضربات من واحد.
لا فرق بين ذلك، وليست الآية بحجة لما ذهب إليه؛ لأن الآية لم
стр. 417
يشترط فيها أن يصيب جميع قضبان الضغث جسم المضروب.
والشافعى، ﵀، يشترط ذلك.
فإن قيل: فقد جاء في الكلام في هذه المسألة ما يدل على
اعتقادهم أن الشافعي، ﵀، إنما بَنَى الكلام فيها على الآية.
قال أبو حامد: إذا قال لأضربنك مائة خشبة حصل البر، بالضرب بشمراخ
عليه مائة من القضبان، قال: وهذا بعيد على خلاف موجب اللفظ، قال
الله تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ)
في قصة أيوب، ثم لا بد أن يتثاقل على المضروب بحيث تنكبس به
القضبان حتى يكون لكل واحد أثر، ولا بأس أن يكون وراء حائل إذا
كان لا يمنع التأثير أصلًا، وفيه وجه أنه لا بد من ملاقاة الجميع بدنه.
ولا يكفي انكباس البعض على البعض، قال: ثم لو شككنا في حصول
التثقيل أو المماسة إن شرطناها، قال الشافعى: حصل البر، ونص أنه
لو قال: لا أدخل الدار إلَّا أن يشاء زيد، ثم دخل، ومات زيد، ولم
يعرف أنه شاء أم لا، حنث، فقيل قولان بالنقل، والتخريج لأجل
الإشكال، وقيل: الفرق أن الأصل عدم المشيئة، ولا سبب يظن به
وجودها، وللضرب ها هنا سبب ظاهر، قال: ولو قال: مائة سوط بدل
الخشبة لم يكفه الشماريخ، بل عليه أن يأخذ مائة سوط، ويجمع.
ويضرب دفعة واحدة، ومنهم من قال: يكفيه الشماريخ كما في لفظ
الخشبة.
أما إذا قال لأضربن مائة ضربة لا يكفي الضرب مرة واحدة
بالشماريخ، فاستبعاده ذلك الحكم من الآية يدل على أن الآية هي
الأصل في ذلك، قلت: لا يليق نسبه مثل هذا إلى الشافعى، رحمه
الله، وكيف تكون الآية عنده الأصل في هذه المسائل؟
وليس في الآية صورة يمين أيوب ﵇، إنما فيها سورة خروجه من اليمين.
стр. 418
وهذه الأحكام تختلف باختلاف صور اليمين، ونحن لا ندري هل
حلف أيوب ﵇ ليضربن مائة سوط، أو مئة ضربة، أو مائة
عصا، أو مائة خشبة؟
ثم إن سورة خروجه من اليمين أيضاً غير مذكورة
في الآية، إنما قال : (خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً) ، والضغث الحزمة
الصغيرة إما من المنبات، أو من قضبان الشجر، فأين شرط المماسة، أو
الانكباس؟
وعلى الجملة فليست الآية من هذه المسائل في شيء.
ولا يصح أن يقال: إنها منسوخة، وكيف تنسخ، وهي خبر عما أمر الله
به أيوب ﵇، ورخص فيه له رحمة منه بالحالف، والمحلوف
عليه؟ وإن كانت منسوخة فأين الناسخ؟
أيجوز أن يكون الناسخ لها قول إمام من الأئمة بخلافها مع أنه خبر لا يجوز نسخه؟.
وأما شريعتنا فناسخه لجميع الشرائع، ولا يلزمنا العمل بشيء من
شرائع مَنْ قبلنا، ولو قص علينا، وإنما عملنا بما فرض الله لنا، وأمرنا
به، وقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) الآية لم يلزمنا
ما فيها؛ لأن الله كتبه عليهم في التوراة، وإنما لزمنا ذلك بما
أنزله إلينا كقوله : (يَا أيهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي
القَتْلَى) ، وبما حكم به نبينا ﷺ في ذلك، وقد قال الله
: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ)
أي أنهم يهوون أن تحكم بشريعتهم.
فلا تحكم بها (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) إلى آخر
стр. 419
الآية.
ثم قال : بعدها: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) .
وأما قوله : (ثُمَّ أوْحَيْنَا إلَيْكَ أنِ اتَبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيْمَ حَنِيفاً)
فإنما معناه: أن شريعتك هذه هي ملة إبراهيم، فاتبعها، وقال : (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)
فمعنى قوله : (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ) أي اتبِعوا ملتكم هذه فهي ملة أبيكم إبراهيم، وقد عدَّ قوم هذه الآية من المتشابه، وليس كذلك، وإنما أشكل عليهم عود الضمير، والمعنى، والله أعلم، أن قوله: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) عائد إلى ربكم، وقوله: (وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) متعلق به.
وقوله : (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ) عائد أيضاً إلى ما عاد إليه الضمير الأول أي سمَّاكم فيما تقدم من الزمان لأنبيائه، وفيما أنزله من كتبه.
وفي هذا أي وفي زمانكم هذا.
* * *
سورة الزمر
ليس فيها نسخِ.
وزعم قوم أن قوله : (اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) .
منسوخ بآية السيف، وكذلك قوله : (ومَا أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) .
وليس ذلك بمنسوخ.
والقول فيه كما تقدم.
стр. 420
وقوله : (إن الله يَغْفِرُ الذُنُوبَ جَمِيعاً)
قال قوم: هو منسوخ بقوله : (إن الله لَا يَغْفِر أنْ يُشْرَكَ بِهِ)
وليس كما زعموا، وإنما المعنى: لا تقنطوا من رحمة الله، .
للذّنوب التي ارتكبتموها في حال الكفر، فإن الإسلام يمحوها.
(وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ) - إلى قوله وكُنْتَ مِنَ الكافِرِيْنَ) .
وهذا خبر لا يجوز نسخه.
* * *
سورة المؤمن
ليس فيها نسخ.
وهي أول آل حم نزولاً، ثم التي تليها إلى
انقضاء السبع، فهي في التأليف على حسب النزول عند قوم.
وقالوا في قوله : (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)
في الموضعين منها إنه منسوخ بآية السيف، وليس كذلك، وقد سبق
القول في ذلك.
* * *
سورة فصلت (السجدة)
ليس فيها نسخ.
وقال ابن حبيب في قوله : (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) :
هو منسوخ بقوله : (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)
وليس هذا بمنسوخ كما ذكر وقد قدمت القول في مثل هذا.
وكيف يظن من لديه تحصيل أن قوله :
(اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ) تفويض؟
وهذا قول مظلم، كيفما تدبرته ازداد ظلمة.
ومما فيه أنه كان لنا أن نعمل ما شئنا من غير مشيئة الله تعالى،
стр. 421
ثم نسخ بأنا لا نشاء شيئاً إلّا أن يشاء الله، وهذا ضرب من الهذيان.
وقالوا في قوله . (ادْفَعْ بالتِي هِيَ أحْسَنُ) :
إنه منسوخ بآية السيف، وليس كذلك، إنما هذا ندب إلى الحلم عند جهل الجاهل.
قال ابن عبّاس: هما الرجلان يسبُّ أحدهما الآخر، فيقول
المسبوب للسابِّ: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله
لك، فيصير السابُّ كأنه صديق لك، وقريب منك، والحميم الخاص
بك.
قاله أبو العباس محمد: وقيل: الحميم: القريب، أي ادفع بحلمك
جهل من جهل، وبعفوك إساءة المسيء، وقال ابن عبّاس: أمر الله
المسلمين بالصبر عند الغضب، وبالعفو، والحلم عند الإساءة، فإذا
فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم من أساء حتى يصير
كأنّه ولي حميم.
وقال مجاهد: ادفع بالسلام إساءة من أساء إليك تقول
له إذا لقيته: السلام عليكم، وقال عطاء مثل ذلك.
* * *
سورة الشورى
ليس فيها نسخ، وما ذكروه عن وهب بن منبّه أنه قال في قوله
: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ) :
هو منسوخ بقوله في سورة المؤمن: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلذِينَ آمَنُوا) .
وقيل: هو منسوخ بقوله : (فَاغْفِرْ لِلذِينَ تَابُوْا)
وهذا تفسير استغفارهم، وليس غير الأول، وعلى الجملة فليس هذا بناسخ لما في الشورى، فإن استغفارهم للمؤمنين ليس بمعارض لقوله
стр. 422
(وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرضِ)
وهذا خبر من الله ، فلا يصح أن تتناقض أخباره، وينسخ بعضها بعضاً، وأيضاً فإن سورة المؤمن نزلت قبل الشورى، فيؤدي هذا إلى أن الله أنزل كلاماً منسوخاً حين أنزله.
وقالوا في قوله : (وَمَا أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ)
هو منسوخ بآية السيف، وليس كذلك، وإنما المعنى: والذين اتخذوا من
دونه أولياء، أي آلهة يعبدونها من دون الله، الله حافظ عليهم أعمالهم
يحصيها، ويجازيهم عليها، وما أنت عليهم بوكيل بحفظها عليهم.
إِنما أنت مبلغ، ورسول، ومنذر، فعليك التبليغ والحساب على الله
.
وقالوا أيضاً في قوله : (لَنَا أعْمَالُنَا وَلَكُمْ أعْمَالُكُمْ)
إِلى آخر الآية: منسوخ بآية السيف، وليس كما قيل، وهو خطاب لليهود.
والنصارى أي: لنا جزاء أعمالنا، ولكم جزاء أعمالكم، لا حجة بيننا
وبينكم.
قال مجاهد، وابن زيد، وغيرهما: لا خصومة؛ لأن الحق قد
تبين لكم، فجد لكم بعد ذلك فيما علمتم صحته عناد، فلا نحاجكم
فيما علمنا أنكم تعلمون صحته، وتنكرونه، (الله يجمع بيننا) وبينكم
في الموقف.
وقالوا في قوله : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) :
هو منسوخ بقوله :
стр. 423
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ)
روى ذلك الضحاك، عن ابن عباس، ﵀، وليس بين الآيتين نسخ.
وهما محكمتان، وهذا خبر، والخبر من الله لا ينسخ، ولا
تعارض بين الآيتين أيضاً؛ لأن معنى قوله : (نزِدْ لَهُ في حَرثِهِ)
إن شئنا، و (مَنْ كَانَ يُرِيْدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) إن شئنا؛ لأن من
المعلوم أن الأشياء إنما يفعلها بمشيئته، ولا مكره له عليها، فمعنى
الآيتين واحد.
وأيضاً فإن (سبحان) نزلت قبل (الشورى) ، فإن كانت آية ناسخة
لآية بعدها، فالآية الثانية نزلت منسوخة، وإذا نزلت منسوخة سقطت
فائدتها، هذا لو كان ذلك في الأحكام فكيف في الأخبار التي لا يجوز
نسخها؟
وفي هذه الرواية عن ابن عباس ﵁ نظر.
وقال بعض العلماء: معنى قول ابن عباس، ﵁ في
هذا، ونظيره، إن صح قولهم عنه، أنه ناسخ ومنسوخ، أي هو على
نسخته، أي مثله في المعنى، وإن لم يكن مثله في اللفظ، ولا يعجبني
هذا التأويل.
وقالوا في قوله : (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) :
هو منسوخ بقوله في سورة سبأ: (قلْ مَا سَألْتُكُمْ مِنْ أجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) وهذا غير صحيح، لأن (سبأ) نزلت قبل (الشورى) فتكون آية الشورى قد نزلت منسوخة، ومعنى قوله: (مَا سَألْتُكُمْ مِنْ أجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ)
أي إني لا أسالكم أجراً، فإن
стр. 424
سألتكم أجراً فخذوه، فهو لكم، وقوله (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ، لا
يعارض هذا، ولا ينافيه، وقيل: معناه: ما سألتكم من أجر إلَّا ما
هو لكم، وعائد بنفعه عليكم، وهو الإيمان، والإسلام، وطاعة الله عز
وجل، فتكون الآية على هذا في معنى إلَّا المودة في القربى؛ لأن المودة
في القرابة تلزمهم كما تلزمه، فإذا سألهم المودة في القربى، فقد سألهم
ما هو لهم، وما نفعه لهم، وذلك أن بطون قريش كلها بينها وبينه ﷺ قرابة، فما سألهم على ما جاء به من الهدى، والفوز، والنجاة إلا مودتهم، وصلة الرحم بينهم وبينه، ولا خفاء أن ذلك راجع بالنفع عليهم، فالذي سألهم هو لهم.
وقيل: إن الأنصار افتخرت بأفعالها على قريش، فقال بعض
عترة النبي ﷺ لهم: لنا الفضل عليكم، فقال لهم النبي ﷺ : يا معشر الأنصار: ألم تكونوا أذلة، فأعزكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: ألم تكونوا ضُلالاً، فهداكم الله بي؟ قالوا: بَلَى يا رسول الله
قال: أفلا تجيبونني؟
قالوا: ما نقول يا رسول الله؟
قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك، فآويناك؟
ألم يكذبوك، فصدقناك؟
ألم يخذلوك، فنصرناك؟
فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا:
أموالنا، وما في أيدينا لله ولرسوله، فنزلت (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) .
وهذا المعنى أيضاً لا يعارض آية سبأ؛ لأن مودة قرابة النبي ﷺ نفعها لهم.
على أن هذا التأويل يعترض عليه أن السورة مكية، والمعنى الأول أحسن، وعليه العلماء.
стр. 425
فال ابن عباس: المعنى: قل لقريش: لا أسالكم على ما جئتكم
به أجراً إلا أن تتوددوا إلى الله ، وتتقربوا إليه بالعمل الصالح.
وكذلك قال الحسن: إلَّا التقرب إلى الله ، والتودد إليه بالعمل
الصالح.
وقالوا في قوله : (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)
إنه منسوخ بآية السيف، وليس كذلك.
قال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فيجترئ عليهم
الفساق، وهذا تأويل حسن به يظهر معنى الآية؛ لأن من كان بهذه
المثابة استحق أن يثنى عليه، فلذلك أثنى الله عليهم.
وقال السدي: هو كل باغ أباح الله الانتصَار منه.
وقالوا في قوله : (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)
نسخ بقوله : (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)
وهذا غير صحيح؛ لأن الله حدَّ لمن جازى من أساء ألا يتجاوز
المماثلة، ولم يحتم عليه أن يجازي المسيء، ولا أوجب ذلك عليه، ثم
ندب إلى العفو بقوله سبحانه: (فأجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) فأي نسخ في هذا؟
وكذلك قالوا في قوله : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) . الآية.
قالوا: هاتان الآيتان منسوختان بقوله :
(ولَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إن ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ)
والقول فيها كالقول في التي قبلها.
следующие страницы →