← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 10460

جمال القراء وكمال الإقراء - ط المأمون

علم الدين السخاوي المقرئ

Полный текст (746 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ثم نسخ بأنا لا نشاء شيئاً إلّا أن يشاء الله، وهذا ضرب من الهذيان. وقالوا في قوله . (ادْفَعْ بالتِي هِيَ أحْسَنُ) : إنه منسوخ بآية السيف، وليس كذلك، إنما هذا ندب إلى الحلم عند جهل الجاهل. قال ابن عبّاس: هما الرجلان يسبُّ أحدهما الآخر، فيقول المسبوب للسابِّ: إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك، فيصير السابُّ كأنه صديق لك، وقريب منك، والحميم الخاص بك. قاله أبو العباس محمد: وقيل: الحميم: القريب، أي ادفع بحلمك جهل من جهل، وبعفوك إساءة المسيء، وقال ابن عبّاس: أمر الله المسلمين بالصبر عند الغضب، وبالعفو، والحلم عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان، وخضع لهم من أساء حتى يصير كأنّه ولي حميم. وقال مجاهد: ادفع بالسلام إساءة من أساء إليك تقول له إذا لقيته: السلام عليكم، وقال عطاء مثل ذلك. * * * سورة الشورى ليس فيها نسخ، وما ذكروه عن وهب بن منبّه أنه قال في قوله : (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ) : هو منسوخ بقوله في سورة المؤمن: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلذِينَ آمَنُوا) . وقيل: هو منسوخ بقوله : (فَاغْفِرْ لِلذِينَ تَابُوْا) وهذا تفسير استغفارهم، وليس غير الأول، وعلى الجملة فليس هذا بناسخ لما في الشورى، فإن استغفارهم للمؤمنين ليس بمعارض لقوله

стр. 422

(وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرضِ) وهذا خبر من الله ، فلا يصح أن تتناقض أخباره، وينسخ بعضها بعضاً، وأيضاً فإن سورة المؤمن نزلت قبل الشورى، فيؤدي هذا إلى أن الله أنزل كلاماً منسوخاً حين أنزله. وقالوا في قوله : (وَمَا أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) هو منسوخ بآية السيف، وليس كذلك، وإنما المعنى: والذين اتخذوا من دونه أولياء، أي آلهة يعبدونها من دون الله، الله حافظ عليهم أعمالهم يحصيها، ويجازيهم عليها، وما أنت عليهم بوكيل بحفظها عليهم. إِنما أنت مبلغ، ورسول، ومنذر، فعليك التبليغ والحساب على الله . وقالوا أيضاً في قوله : (لَنَا أعْمَالُنَا وَلَكُمْ أعْمَالُكُمْ) إِلى آخر الآية: منسوخ بآية السيف، وليس كما قيل، وهو خطاب لليهود. والنصارى أي: لنا جزاء أعمالنا، ولكم جزاء أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم. قال مجاهد، وابن زيد، وغيرهما: لا خصومة؛ لأن الحق قد تبين لكم، فجد لكم بعد ذلك فيما علمتم صحته عناد، فلا نحاجكم فيما علمنا أنكم تعلمون صحته، وتنكرونه، (الله يجمع بيننا) وبينكم في الموقف. وقالوا في قوله : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ) : هو منسوخ بقوله :

стр. 423

(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) روى ذلك الضحاك، عن ابن عباس، ﵀، وليس بين الآيتين نسخ. وهما محكمتان، وهذا خبر، والخبر من الله لا ينسخ، ولا تعارض بين الآيتين أيضاً؛ لأن معنى قوله : (نزِدْ لَهُ في حَرثِهِ) إن شئنا، و (مَنْ كَانَ يُرِيْدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) إن شئنا؛ لأن من المعلوم أن الأشياء إنما يفعلها بمشيئته، ولا مكره له عليها، فمعنى الآيتين واحد. وأيضاً فإن (سبحان) نزلت قبل (الشورى) ، فإن كانت آية ناسخة لآية بعدها، فالآية الثانية نزلت منسوخة، وإذا نزلت منسوخة سقطت فائدتها، هذا لو كان ذلك في الأحكام فكيف في الأخبار التي لا يجوز نسخها؟ وفي هذه الرواية عن ابن عباس ﵁ نظر. وقال بعض العلماء: معنى قول ابن عباس، ﵁ في هذا، ونظيره، إن صح قولهم عنه، أنه ناسخ ومنسوخ، أي هو على نسخته، أي مثله في المعنى، وإن لم يكن مثله في اللفظ، ولا يعجبني هذا التأويل. وقالوا في قوله : (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) : هو منسوخ بقوله في سورة سبأ: (قلْ مَا سَألْتُكُمْ مِنْ أجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) وهذا غير صحيح، لأن (سبأ) نزلت قبل (الشورى) فتكون آية الشورى قد نزلت منسوخة، ومعنى قوله: (مَا سَألْتُكُمْ مِنْ أجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ) أي إني لا أسالكم أجراً، فإن

стр. 424

سألتكم أجراً فخذوه، فهو لكم، وقوله (إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) ، لا يعارض هذا، ولا ينافيه، وقيل: معناه: ما سألتكم من أجر إلَّا ما هو لكم، وعائد بنفعه عليكم، وهو الإيمان، والإسلام، وطاعة الله عز وجل، فتكون الآية على هذا في معنى إلَّا المودة في القربى؛ لأن المودة في القرابة تلزمهم كما تلزمه، فإذا سألهم المودة في القربى، فقد سألهم ما هو لهم، وما نفعه لهم، وذلك أن بطون قريش كلها بينها وبينه ﷺ قرابة، فما سألهم على ما جاء به من الهدى، والفوز، والنجاة إلا مودتهم، وصلة الرحم بينهم وبينه، ولا خفاء أن ذلك راجع بالنفع عليهم، فالذي سألهم هو لهم. وقيل: إن الأنصار افتخرت بأفعالها على قريش، فقال بعض عترة النبي ﷺ لهم: لنا الفضل عليكم، فقال لهم النبي ﷺ : يا معشر الأنصار: ألم تكونوا أذلة، فأعزكم الله بي؟ قالوا: بلى يا رسول الله، فقال: ألم تكونوا ضُلالاً، فهداكم الله بي؟ قالوا: بَلَى يا رسول الله قال: أفلا تجيبونني؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: ألا تقولون: ألم يخرجك قومك، فآويناك؟ ألم يكذبوك، فصدقناك؟ ألم يخذلوك، فنصرناك؟ فما زال يقول حتى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا، وما في أيدينا لله ولرسوله، فنزلت (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) . وهذا المعنى أيضاً لا يعارض آية سبأ؛ لأن مودة قرابة النبي ﷺ نفعها لهم. على أن هذا التأويل يعترض عليه أن السورة مكية، والمعنى الأول أحسن، وعليه العلماء.

стр. 425

فال ابن عباس: المعنى: قل لقريش: لا أسالكم على ما جئتكم به أجراً إلا أن تتوددوا إلى الله ، وتتقربوا إليه بالعمل الصالح. وكذلك قال الحسن: إلَّا التقرب إلى الله ، والتودد إليه بالعمل الصالح. وقالوا في قوله : (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) إنه منسوخ بآية السيف، وليس كذلك. قال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم، فيجترئ عليهم الفساق، وهذا تأويل حسن به يظهر معنى الآية؛ لأن من كان بهذه المثابة استحق أن يثنى عليه، فلذلك أثنى الله عليهم. وقال السدي: هو كل باغ أباح الله الانتصَار منه. وقالوا في قوله : (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) نسخ بقوله : (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) وهذا غير صحيح؛ لأن الله حدَّ لمن جازى من أساء ألا يتجاوز المماثلة، ولم يحتم عليه أن يجازي المسيء، ولا أوجب ذلك عليه، ثم ندب إلى العفو بقوله سبحانه: (فأجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) فأي نسخ في هذا؟ وكذلك قالوا في قوله : (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) . الآية. قالوا: هاتان الآيتان منسوختان بقوله : (ولَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إن ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمُورِ) والقول فيها كالقول في التي قبلها.

стр. 426

ومن العجائب قولفم: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) إنه منسوخ. وقالوا في قوله : (ومَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ سِبِيلٍ) إلى قوله - (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) . نسخ جميع ذلك بآية السيف، وقد سبق من القول في ذلك ما فيه كفاية. * * * سورة الزخرف لا نسخ فيها. وقد سبق من القول في ذلك ما فيه كفاية. - وقالوا في قوله : (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتى يُلاَقُوا يَوْمَهُمُِ الَذِي يُوْعَدُونَ) وقوله : (فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وقُلْ سَلاَمٌ فسَوْفَ يَعْلَمُونَ) نسختا بآية السيف، وقد تقدم رد ذلك. * * * سورة الدخان لا نسخ فيها. وقوله (فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩) قالوا: هو منسوخ بآية السيف، وقد تقدم الدليل على بطلان ذلك ونظائره. * * * سورة الشريعة قوله : (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) روي عن ابن عباس، ﵁، أن النبي ﷺ كان يعرض عن المشركين إذا آذَوْه، وكانوا يهزؤون به، ويُكَذَبُونَهُ، ثم

стр. 427

أمره الله أن يقاتلهم كافةً". قال: فكأنَّ هذا من المنسوخ. وقد قلت فيما تقدم: إن ابن عباس ﵄، يُسمي تغير الأحوال نسخاً، وإنما يصح أن يكون هذا منسوخاً على المراد بالنسخ، عندنا أن يكون النبي ﷺ قادراً على قتالهم منهياً عنه، ثم جاء الأمر بالقتال، فيكون ذلك ناسخاً، وليس في هذه الآية زيادة على الآيات التي أمر فيها بالصبر، وقد أشار فيها إلى وعيدهم، والنصر عليهم بقوله سبحانه: (لِيَجْزِيَ قَوماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) . وقد روي عن ابن عباس أيضاً، والضحاك، وقتادة: أنها نزلت في رجل من المشركين سبَّ عمر بن الخطاب، ﵁، فهمَّ أن يبطش به، فنزلت، وذلك بمكة قبل الهجرة. فإن أريد بالذين آمنوا عمر، ﵁، وأريد بالذين لا يرجون أيَّام الله ذلك الذي سبَّه فقوله : (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) لا يكون ناسخاً لهذه، وإن أريد العموم، فقد كانوا غير قادرين على قتالهم، فلا يكونون منهيين عنه، وإنما كانوا مأمورين بالصبر. وقال قتادة، والضَّحَّاك: نسخها (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ) وقال أبو هريرة ﵀ نسخها (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) . ولو كان قولهم في النسخ راجعاً إلى النقل لما اختلفوا في الناسخ ما هو؟ واختلافهم يدلّ على أنهم قالوا ذلك ظناً.

стр. 428

سورة الأحقاف ليس فيها نسخ. وقال قوم: فيها آيتان: الأولى: قوله : (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) قال أبو القاسم هبة الله بن سلامة: وليس في كتاب الله منسوخ طال حكمه كهذه الآية، عمل بها بمكة عشر سنين، وعيَّره به المشركون. ثم هاجروا إلى المدينة فبقوا ست سنين يعيرهم المنافقون. فلما كان عام الحديبية خرج رسول الله ﷺ على أصحابه، ووجهه يتهلل، فقال: لقد نزلت على اليوم آية، أو قال: - آيات، هي أحب إليَّ من حمر النعم، أو قال: مما طلعت عليه الشمس. فقال له أصحابه وما ذلك يا رسول الله؟ فقرأ عليهم: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ) - إلى قوله (وكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً) . فقال له أصحابه: ليهنك ما أنزل الله فيك، فقد أعلمك ما يفعل بك. فماذا يفعل بنا؟ فنزلت: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) . وقوله : (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) .

стр. 429

فقال المنافقون، والمشركون: قد أعلمه الله ما يفعل به، وما يفعل بأصحابه. فماذا يفعل بنا؟ فنزلت (بَشرِ المُنَافِقِينَ بِأن لَهُمْ عَذَاباً ألِيماً) . ونزلت (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) ، من أهِل المدينة. (وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ) ، من أهل مكة، وغيرهم (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ. . .) . وقال ابن أبي: هب أنه غلب اليهود، فكيف له قدرة بفارس والروم؟ فنزلت (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) . أكثر من فارس والروم. قال: وليس فىِ كتاب الله كلمات منسوخة، نسختها سبع آيات إلا هذه. وقال مكي بن أبي طالب، ﵀: روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا) الآية قال: وإلى هذا ذهب ابن حبيب؛ لأن الله جل ذكره قد أعلمه حاله، وأنه مغفور له كل ذنوبه في الآخرة. قال مكي: وهذا يجوز على قول من قال: معناها: ما يفعل بي، ولا بكم في الآخرة؟ قال: فأما من قال: ما يفعل بي، ولا بكم في الدنيا من تقلب الأحوال فيها، فالآية عنده محكمة، وهو قول الحسن، ﵀، وهو قول حَسَنٌ؛ لأنّ النبي ﷺ -

стр. 430

إنما نفى عن نفسه علم الغيب فيما يحدث عليه، وعليهم في الدنيا قال: ألا ترى إلى قوله (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) يريد في الدنيا، قال: وأيضاً فإن الآية خبر، ولا ينسخ الخبر. وأيضاً فإنه ﷺ قد علم أنَّ من مات على الكفر فهو مخلد في النار، فكيف يقول: (مَا أدْري مَا يُفْعَلُ بِيْ وَلاَ بِكُمْ) في الآخرة، وقد أعلمه الله بما يؤول إليه أمر الكفار في الآخرة، وهذا مثل قوله ْ (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) أي لو علمت الغيب لتحفظت من الضرّ، فلم يلحقني في الدنيا ضر. قال: فالظاهر أن الآية محكمة نزلت في أمور الدنيا. وأقول مستعيناً بالله: إن الآية محكمة على كل حال. قول مكي: إن نسخها إنما يجوز على قول من قال: "ما يفعل بي ولا بكم في الآخرة دون الدنيا"؛ لأن الله قد أعلمه أنه مغفور له فى الآخرة، فليست بمنسوخة، وإن كان الله قد أعلمه بذلك؟ - لأن المعنى: أنّي لا أعلم من الأمير شيئاً إلا ما أعلمني به الله ، يدل على ذلك قوله (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) ، وليس لي من علم الغيب شيء؛ لأنهم كانوا يسألونه عن المغيبات، فأمر بأن يقول: ما أنا ببدع من الرسل: خارج عما كانوا عليه، إذ كانوا إنما يفوهون بما يُوحى إليهم، ولا يخبرون بغير ذلك (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) ، فإعلامه بعد ذلك بما يكون منه في الآخرة لا يكون ناسخاً لهذا. وأما قول هبة الله: فقال المشركون، وقال المؤمنون: فما يكون

стр. 431

منا، فأنزل الله كذا وكذا إلى آخر ما ذكره فكلام غير مستقيم. أما ما ذكره عن المؤمنين، وما أنزل فيهم من قوله (وَبَشرِ المُؤْمِئِينَ) فلا يكون ناسخاً لهذه الآية؛ لأن قوله : (قُلْ مَا كنْتُ بِدْعاً مِنَ الرسُلِ) الآية إنما هو خطاب للمشركين فكيف ينسخه (وبشر المؤمنين) ؟ وكذلك قوله في المنافقين، وأما ما ذكره عن المشركين في قوله : (والمُشْرِكينَ والمُشْرِكَاتِ) فليس بناسخ لهذه الآية؛ لأن الإعلام وقع بتعذيب ْالمشركين، والمشركات، ولم يقع بتعذيب المخاطبين، ولا أعلم بما يفعل بهم، ولقد آمن منهم جمع كثير، وعدد كثير، فليس في الإعلام بتعذيب الكافرين والمنافقين، وفوز المؤمنين، ونعيمهم في الآخرة نسخ لقوله سبحانه: (وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ) ؛ لأن ذْاك إعلام بعاقبة الفريقين من المؤمنين وغيرهم، وهذا خطاب لقوم لا يدرى من أي الفريقين هم في الآحْرة.. والآية الثانية قوله : (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) قالوا نسخ بآية السيف، وقدْ ذكرت أن ذلك غير صحيح، وقدمت القول فيه. * * * سورة محمد ﷺ ليس فيها نسخ. وقال ابن جريج، والسدي، وغيرهما في قوله : (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) نسخ جميع ذلك بآية السيف، فلا يجوز المنّ على المشرك، ولا الفداء، إلا على من لا يجوز قتله كالصبي، والمرأة.

стр. 432

وقال الضحاك، وعطاء: هذه الآية ناسخة لقوله : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) فلا يقتل مشرك صبراً، لكن يمنُّ عليه، ويفادى به إذا أسر، وهذا يدلك على أنهم تكلموا في النسخ بالظن، والاجتهاد، فمن ثم قال قوم: هو منسوخ. وقال قوم: بل هو ناسخ، وقال عامة العلماء بأنْ لا نسخ، والنبي ﷺ مخير بين الفداء، والمنِّ، والقتل، والاسترقاق. وروي مثل هذا عن ابن عباس ﵀. وقالوا في قوله : (وَلَا يَسْألْكمْ أمْوَالَكمْ) . قال هبة الله: هو منسوخ بقوله : (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧) . وهذا من أعجب ما مرَّ بي، وكيف يقول هذا ذو لبٍّ ومعرفة؟ وهل يفهم من هذا أنه عاد إلى خلاف ما أخبر به؟ وإنما المعنى: ولا يسألكم جميع أموالكم، فيكون ذلك إحفاء في المسألة. ألا ترون أنه يدعوكم لتنفقوا في سبيل الله، فيبخل بعضكم. فكيف لو سألكم أموالكم؟ ولم يذكروا في الفتح، ولا في الحجرات شيئاً من المنسوخ فلتهنهما العافية. * * * سورة (ق) ليس فيها منسوخ. وقالوا: فيها آيتان منسوختان:

стр. 433

قوله : (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) وقوله : (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ) . قالوا: نسختا بآية السيف. وقد قدمت القول في ذلك، وقد قال قوم في الآية الأولى: إنها نزلت في قوم من اليهود سألوا النبي ﷺ مسائل بمكة، وتكلموا بكلام منكر، فأمر النبي ﷺ بالصبر عليهم، فهي مخصوصة في قوم بأعيانهم. * * * سورة الذاريات ليس فيها منسوخ. وقال الضحاك في قوله : (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) . هو منسوخ بآية الزكاة. قال: وحسُن نسخه؛ لأنه خبر في معنى الأمر. وقال الحسن، والنخعى: الآية محكمة، وفي المال حق غير الزكاة. قال مكى، وهو الذي يوجبه النظر، وبه قال أهل العلم: إنها في غير الزكاة على الندب لفعل الخير، والتطوع بالصدقة، فهي ندب غير منسوخة. فأما قول الضحاك فليس بشيء؛ لأن الله ما أوجب في المال قبل الزكاة فرضاً آخر، فتنسخه الزكاة. وقول الحسن، والنخعى: إن في المال حقاً غير الزكاة، فهذه الآية ليست في ذلك، وإنما وصفهم الله بما فعلوه من غير إيجاب عليهم، ولا ندب لهم، وإنما فعلوا ذلك، ويفعلونه تسخياً. ومروءة، سواء أكانوا ممن تجب عليهم الزكاة أم ممن لا يبلغ مالهم ذلك،

стр. 434

يرون أن عليهم حقاً للسائل والمحروم، فالسائل الذي يسأل الناس. والمحروم الذي لا يسأل، قاله الزهري. وقال ابن عباس: المحارَف، وقال ابن الحنفية: هو الذي لم يشهد الحرب، فيكون له سهم في الغنيمة، وقال زيد بن أسلم: هو الذيِ لحقته في زرعه جائحة، فاهلكته وأتلفته. وقال عكرمة: هو الذي لا يُنمَّى له شيء، وهذا هو قول ابن عبَاس بعينه، وفي معناه أيضاً قول مالك، ﵀: هو الفقير الذي يحرم الرزق، وعن عمر بن عبد العزيز: المحروم: الكلب. وهو بعيد من سياق الآية. وقال هبة الله في قوله : (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) . هو منسوخ بقوله : (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥) . وقال الضحاك: هي منسوخة بالأمر بالإقبال عليهم، وتبليغهم الرسالة، ووعظهم. ويلزم من هذا أنه أمر في هذه الآية بترك التبليغ للرسالة، ثم أرسل بعد ذلك، فنسخ ما كان أمر به من ترك الرسالة، والإنذار، وهذا لم يكن قط، وإنما معناه: فتول عن تكذيبهم، وإصرارهم على الكفر. كما قال : (فَأعْرِضْ عَنهُمْ) ولم يرد بذلك الإعراض عن التبليغ، والإنذار، وإنما أراد الإعراض عما يصدر منهم، وما كان يشق عليه من ضلالهم، وما يأخذ به من شدة الحرص على إيمانهم (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) . قال بعض

стр. 435

العلماء: وليس قوله (فَمَا أنْتَ بِمَلُوْمٍ) بوقف، بل هو مأمور بالتذكير مع التولي، وقال قتادة: ذكر لنا أنها لَمَّا نزلت اشتد ذلك على أصحاب رسول الله. فظنوا أن الوحي قد انقطع، وأن العذاب قد حضر، فأنزل الله بعد ذلك (وَذَكرْ فَإن الذكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤمِنِيْنَ) . قلت: وفي هذا دليل على أنه لم يرد بالتولي ما وقع للضحاك. وقال مكي: الظاهر في هذه الآية إنها منسوخة بالأمر بالقتال في براءة، وغيرها وليس ى لك؛ لأنها لا تتضمن الأمر بترك القتال. * * * سورة الطور ليس فيها نسخ، وقال قوم: فيها ثلاث آيات نسخت بآية السيف: (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) ، (فذَرْهُمْ حَتى يُلَاقُوْا يَوْمَهُم الَذِي فِيْهِ يُصْعَقُونَ) . وقد تقدَم قولي في رد هذا وشبهه. وقالوا في قوله : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) . إنه فرض عليه ﷺ حين يكبر تكبيرة الإحرام "سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدُّك ولا إله غيرك،، ثم إن

стр. 436

ذلك منسوخ بالإجماع على أنه ليس بفرض، وما ادعوه من ذلك، فلا دليل عليه، ومن أين علم أن ذلك كان مفروضاً عليه؟ وقد قال العلماء: حين تقوم من نومك، وقال سفيان: حين تقوم إلى الصلاة المكتوبة، وقيل التسبيح: أريد به الصلاة، وقيل:. هو تكبيرة الإحرام. * * * سورة النَّجم ليس فيها منسوخ. وأما قوله: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا) وقولهم: إنه منسوخ بآية السيف، فقد بينت بطلانه، وأما قوله : (وَأنْ لَيْسَ لِلإنسَانِ إلا مَا سَعَى) وقولهم: إنه منسوخ بقوله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) قالوا: لأنه أخبر أنه أدخل الأبناء مدخل الآباء، وألحقهم بهم لصلاح الآباء. واحتجوا بقول ابن عباس، ﵀: هو المؤمن يرفع الله به ذريته لتقر بذلك عينه، وإن كانوا دونه في العمل. وعنه أيضاً: المؤمن يُلحق الله به ذريته الصغار التي لم تبلغ الإيمان. والجواب: أن هذا خبر من الله عزّ وجلّ

стр. 437

لا يجوز نسخه، وليس قوله : (وَالذِيْنَ آمَنُوا واتَبَعَتْهُمْ) مما يعارض قوله : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) . ولو كان ذلك على ما توهموه لم تصحّ مضاعفة الحسنات، ولا أن تبدّل بها السيئات، ولم تصحّ الصدقة عن الميت، ولا الحجّ عنه، وقد صحّ في الخبر خلاف ذلك.. وأما إلحاق الأبناء بالآباء لصلاح الآباء فإنهم لم يعطوا سعي آبائهم، ولكنهم لما كانوا مؤمنين ضاعف الله لهم الحسنات، وألحقهم بآبائهم في الدرجات، وإنما يكون هذا نسخاً لو أعطاهم أعمال آبائهم. وأما إكرامهم لأجل الآباء فلا يعارض قوله: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) ، وهذا كقوله ﵇: "من سَنَّ سُنَّةً حَسنةً فله أجرها وأجرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيء". فهذا لما سنَّ السنة الحسنة ضاعف الله له الأجر، وما أعطاه سعيَ غيره. وأما الصدقة عن الميت والحج فإن الذي تصدق وحج لما نواه عن الميت، ولم ينوه عن نفسه كان كالنائب عنه، والوكيل فيه. وإنما يكون معارضا للآية لو نواه عن نفسه، فأعطى ما عمل لنفسه لغيره، فليس للإنسان إلّا ما سعى. وأما من قال في قوله : (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) : هو محكم، فلا ينفع أحداً عمل أحد من صدقة، ولا صيام، ولا حجّ، فقد خالف الخبر، وإن كانت الآية محكمة كما ذكر إلَّا أن المعنى ما سبق وتقرر.

стр. 438

سورة القمر ليس فيها نسخ. وأما قولهم في قوله : (فَتَوَل عَنْهُمْ) إنه منسوخ بآية السيف فقد تقدم القول فيه. * * * سورة الرحمن ليس فيها نسخ. وكذلك الواقعة، ومن العجائب قول مقاتل بن سليمان في قوله : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) : إنه منسوخ بقوله : (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) ، وهذا مما يجب أن يتصامم عنه. فإن قيل: فكيف يتصامم عنه، وقد روى أبو هريرة: لمّا نزلت: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) . شقَّ ذلك على أصحاب النبي ﷺ ، فنزلت (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) . قلت: ذلك لا يصح أن يكون ناسخاً للأول؛ لأنه خبر، وخبر الله لا ينسخ، وأيضا فإن الثاني في أصحاب اليمين، والأول في السابقين، وليس في الحديث ما يوهم ما ذكروه، ولم يفهموا معنى الحديث، وإنما معناه أنهم لما شق عليهم قلة السابقين أخبرهم الله بكثرة أصحاب اليمين فسروا بذلك، وقال ﷺ : " الثلُثان من أمتي، لأرجو أن يكونوا نصف أهل الجنة، ويغلبوهم في النصف الثاني".

стр. 439

سورة الحديد لا نسخ فيها * * * سورة المجادلة قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) هي منسوخة بالتي بعدها، وقيل: نسخت بالزكاة في الآية التي بعدها. وروي عن عليٍّ ﵇ أنه قال: "إن في كتاب الله آية لم يعمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله ﷺ تصدقت بدرهم". وفي طريق أخرى فكنت كلما أردت أن أسأله عن مسألة تصدقت بدرهم، حتى لم يبق معي غير درهم واحد. فتصدقت به، وسألته، فنسخت الآية، ونزل ناسخها: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ. . .) الآية. واختلفوا في سبب الأمر بذلك، فقال قائلون: كان ذلك تعظيماً لرسول الله ﷺ ، وقال ابن عباس وقتادة: أكثروا من المسائل على رسول الله ﷺ حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه ﷺ ، فصبر كثير من الناس، وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها. وابن عباس، ﵀، يجل محله من العلم عن مثل هذا، لأنه قول

стр. 440

ساقط من قبل أن ذلك لا يكفهم عن المسألة؛ لأنه قال: (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) فلو تصدق أحدهم بتمرة واحدة أجزأه، فمن يشق عليه أن يتصدق بذلك. وقال الزمخشري: كفَّ الأغنياء شحاً، والفقراء بعسرتهم، وهذا غير صحيح، لأن ذلك إنما كان على الأغنياء لقوله سبحانه: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) . وأيضاً فكيف يُخَففُ عن نبيه ثم يعود فيشق عليه؟. وقال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجاة هي لا يناجي أهل الباطل رسول الله ﷺ ، فشق ذلك على أهل الحق. فقالوا: يا رسول الله لا نستطيع ذلك، ولا نطيقه، فنزل التخفيف. وأقول: إن المراد بذلك، والله أعلم، أنه جعل هذه الصدقة تطهيراً لهم قبل المناجاة، كما جعل طهارة الأعضاء قبل المناجاة الأخرى، فإن المصلي يناجي ربه يدل على ذلك قوله سبحانه: (ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأطْهَرُ) ولو كان للتخفيف عن رسول الله ﷺ لم يؤمر به الأغنياء دون الفقراء، والفقراء أكثر، ومسائلهم أعظم، قال الله : (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . واختلفوا في مدتها: فقال قوم: ساعة من نهار، وسياق الحديث عن عليٍّ ﵇ يردُّ هذا، وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخ هذا. وقيل: كان ذلك عشر ليالٍ، ثم نسخ، وهذا الناسخ والمنسوخ لا نظير له، أما المنسوخ فإنه إنما كان

стр. 441

راجعاً إلى اختيار الإنسان، فإن أحب أن يناجي تصدق، وإلا فلا. وليست المناجاة بواجبة، وأما الناسخ فقد ارتفع حكمه، وحكم المنسوخ بوفاة رسول الله ﷺ . فإن قيل: أي فائدة في الأمر بهذه الصدقة؟ ونسخها قبل العمل بها؟ قلت: تعريف العباد برحمة الله لهم، وإظهار المنَّة عليهم، وتمييز لولي من أوليائه بفضيلة لم يجعلها لغيره، وهو عليٌّ ﵇. قال عبد الله بن عمر، ﵀: كانت لعليٍّ ثلاث، لو كانت لي واحدة منهن كانت أحبَّ إليَّ من حمر النعم، تزويجه فاطمة، رضي الله عنها، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى. * * * سورة الحشر قوله : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) زعم قتادة أنها منسوخة بقوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية. وقال: كان في أول الإسلام يقسم الغنيمة على الأصناف المذكورة في سورة الحشر، ولا يعطي لمن قاتل شيئاً إلا أن يكون من هذه الأصناف، قال: ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال، فَجعل الخمس للأصناف المذكورين في سورة الأنفال، وجعل لمن قاتل الأربعة الأخماس. والذي قاله لا يصح من قبل أن سورة الأنفال نزلت قبل سورة الحشر على ما ذكره عطاء الخراسانى، ورواه. فكيف ينزل الناسخ قبل المنسوخ؟

стр. 442

وأيضاً فإن آية الحشر في الخراج، قال القاضي إسماعيل بن إسحاق، ﵀: قوله : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) : هو في الخراج، ولم يختلف المسلمون أن خراج هذه القرى التي افتتحها المسلمون تفرق في جميع ما يقرب إلى الله ورسوله من ذي القربى وغيرهم من السبل، والطرق، والثغور، وعمارة المساجد وفي جميع نوائب المسلمين من أرزاق في يقوم بمصالحهم، والذب عنهم، يفعل في ذلك كله بالاجتهاد والتوخي. قال: وقد جاء عن عمر، ﵁، أنه قرأ هذه الآية حتى بلغ:. . .، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠) . فقال عمر.، ﵁: هذه الآية قد استوعبت الناس كلهم، فلم يبق أحد إلَّا وله في هذا المال حق، حتى الراعي بعَدَن، قال: فعلم أن عمر، ﵀، لم يعن أن يقسم الخراج على أجزاء معلومة، وإنما يقسم على الاجتهاد، والتوخي في منافع المسلمين، ومصالحهم. قال: وقد جاء. عن عمر بن عبد العزيز، ﵀، أنه قال: سبيل الخراج، وسبيل الخمس واحد.

стр. 443

قال القاضي إسماعيل: وهذا الذي مضى عليه العمل، والذي يتشاكل على ما جاء من القرآن في الموضعين، قال: فهذه جملة أمر الخراج، وأمر الخمس، فأمَّا ما يأخذه المسلمون من أموال الكفار بغير قتال، مثل أن تلقي الريح مراكب الكفار إلى سواحل المسلمين. فيأخذونها، أو يضل قوم من الكفار، فيقعون في أيدي المسلمين، فإن ذلك داخل في قوله (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ) . فهذه الغنيمة إليَّ، وإلى المسلمين يصرفها في مصالحهم، ويجري أمرها مجرى الخراج والخمس، وإن رأى أن يخص بها الجماعة الذين تولوا أخذها من المسلمين خص من ذلك بما رأى على الاجتهاد فيه. قال: وأما غنائم بدر: فإن الأمرَ رد فيها إلى رسول الله ﷺ يقسمها على ما يرى، ولم يكن فيها أربعة أخماس لمن شهد الوقعة؛ لأن ذلك قبل أن ينزل (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) . قال: وأما قوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية، فذلك إذا غنم المسلمون غنيمة من الكفار بقتال كان لمن حضر الوقعة أربعة أخماس الغنيمة، والخمس الباقي في الوجوه التي ذكر الله ، يعني التي تقدم ذكرها في قوله : (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) . قال: وقد ذهب بعض الناس إلى أن الخمس يقسم أخماساً، ثم اضطربوا في سهم النبي ﷺ ، فدل اضطرابهم في ذلك. على أنهم لم يبنوا أمرهم على أصل ثابت، واضطربوا أيضاً في أمر ذي القربى فقال: يصير في الكراع، والسلاح، قال: وجميع هذا الذي وصفناه من قولهم غير مأخوذ به، ولا معمول عليه، وإنما العمل في الخمس على ما روي

стр. 444

فيه من عمل أبي بكر، وعمر وعثمان، وعليٍّ، رضوان الله عليهم، أنَهُ يقسم على الاجتهاد، فإن رأى الإمام أن يعطي ذوي القربى - أكثر من خمس الخمس لخلة تكون فيهم، أو لكثرة عدد أعطاهم، وإن رأى أن ينقصهم من خمس الخمس نقصهم، وكذلك يفعل في اليتامى، والمساكين. وابن السبيل، يعطيهم على الاجتهاد على قدر خلتهم، وإن رأى أن يصرف منه ما رأى في مصالح المسلمين، وثغورهم، ونوائبهم فعل؛ لأن ذلك كله داخل في قوله : - (وَلِلرَّسُولِ) ؛ لأن المعنى فيه. والله أعلم، فيما يقرب من الله ورسوله. قال: وقد أعيد هذا اللفظ الذي ذكر في الخمس في قوله (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) الآية. فدل جميع ما ذكرته على أن الآية التي في الحشر ليست منسوخة بآية القتال الأنفال لأمرين: أحدهما: أن آية الحشر في خراج القرى، وفيما أفاء الله على المسلمين من غير قتال، وآية الأنفال في غنيمة القتال، هذا مع أن الأنقال نزلتْ قبل سورة الحشر، والناسخ إنما ينزل بعد المنسوخ لا قبله، وإنما غلط قتادة، ومن قال بقوله؛ لأنه رأى غنيمة القتال في بدر قد قسمت على ما في سورة الحشر من آية الخراج، فلما نزلت (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) ظنَّ أنها ناسخة لما في سورة الحشر. والذي في سورة الحشر حكمه باقٍ لم ينسخ، والتي في سورة الأنفال لم تنسخ قرآناً، وإنما نسخت ما فعله النبي ﷺ في غنيمة بدر، فتأمل هذه النكتة فإنها فائدة جليلة، ومعنى دقيق لا تجده في كتاب. وقد قال جماعة من العلماء منهم سفيان الثوري، ﵀: الغنيمة غير الفيء، والغنيمة: ما أخذ عن قتال، وغلبة، فيكون

стр. 445

خمسه للأصناف المذكورين في الأنفال، وأربعة أخماسه لمن قاتل عليه، والفيء: ما صولح عليه أهل الحرب من غير قتال، فحكمه أن يقسم على المذكورين في سورة الحشر، ولا خمس، فالآية محكمة على هذا. ومما يؤيد هذا قول بعض العلماء أن آية الحشر نزلت في بني النضير حين خرجوا من ديارهم بغير حرب، وتركوا أموالهم، فجعلها الله لنبيه ﷺ خاصة، فلم يستأثر النبي ﷺ بها، وفرقها على المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئاً إلا رجلين "سَهْل بن حُنَيْف. وسِمَاك بن خَرَشَة أبي دجانة " وهذا كله داخل في قول القاضي: إسماعيل ﵀. * * * سورة الامتحان قوله : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) . قال هبة الله: هي منسوخة بما بعدها، وهو قوله (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ) وهذا كلام ساقط؛ لأن الآية الأولى: معناها: جواز الإحسان والبر من المسلمين إلى أقاربهم المشركين الذين لم يقاتلوا،

стр. 446

ولم يعاونوا من قاتل، ولم يخرجوا المسلمين من مكة، ولم يساعدوا على ذلك من أراده. والثانية: في منع البرّ والصلة إلى من هو على خلاف الصفة الأولى، فالأولى في قوم، والثانية في قوم آخرين، فكيف تكون ناسخة لها؟. قال الحسن وغيره في المذكورين في الآية الأولى: هم خزاعة. كانوا عاهدوا رسول الله ﷺ على ألَّا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه، ولم ينقضوا عهدهم، فالآية على هذا محكمة. وقال مجاهد: هي في الذين آمنوا بمكة، ولم يهاجروا. أباح الله للمهاجرين أن يبروهم. والقول الأول أقوى، وهي على هذا أيضاً محكمة غير منسوخة. وقال قتادة، وابن زيد: هي منسوخة بآية السيف، ولا يصح ما قالا، وقد قال جماعة من العلماء: هي محكمة عامة في كل مسلم بينه وبين مشرك قرابة فبره جائز. قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا) . وذلك أن سُبَيْعةَ بنت الحارث من قريش جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله جئتك مؤمنة بالله، مصدقة لما جئت به، فقال ﷺ : نِعْمَ ما جئتِ به، ونعم ما صدقتِ به، فجاء زوجها فقال: يا محمد

стр. 447

ارددها عليَّ، فإن ذلك من شرطنا عليك، وهذه طِيْنة كتابنا لم تجف. وكان النبي ﷺ شرط لهم عام الحديبية ذلك فنزلت (فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا) ، فأعطاه النبي ﷺ مهره الذي كان أعطاها" ثم نسخ ذلك، فلا يرد إلى الكفّار، مهر، ولا غيره، ولا يجوز لنا أن نرد من جاءنا مسلماً إلى الكفّار، ولا يجوز المصالحة على ذلك، وإنّما كان هذا في قضيّة مخصوصة، زال حكمها بزوالها. قوله : (وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ) قيل: في غير الكتابيات، وقيل: هو منسوخ بقوله تعالى: (وَالْمُحْصنَاتُ مِنَ الَّذِينَ اوْتوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) . وقوله : (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا) هذا الحكم زال بزوال المهادنة. قوله : (وَإنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أزْوَاجِكُمْ إلى الْكُفارِ..) الآية. هذا أمر اختص بزمان المهادنة التي جرت بين رسول الله ﷺ ، وبين أهل مكة، وذلك أن أم الحكم بنت أبي سفيان فرَّت من زوجها عياض بن غَنْم إلى الكفّار، ولحقت بهم، فأنزل الله هذه الآية، فكان الحكم لمن فاتت زوجته إلى الكفار أن يعطي ما أنفق

стр. 448

عليها من غنائم الكفار، ثم زال هذا الحكم، ونسخ، وقد أجاز بعضهم أن يكون منسوخاً بقوله : (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) ؛ لأنه بين مصارف الغنيمة، ولم يذكر فيها هذا، ولا جعل لمن ذهبت زوجته مما غنم المسلمون شيئاً، وذا غير صحيح؛ لأن الأنفال نزلت قبل سورة الممتحنة، ولا يصح نزول الناسخ قبل المنسوخ. وقال ابن زيد". وقتادة، نسحْت هذه الأحكام التي في هذه السورة براءة؛ إذ أمر الله نبيه ﷺ أن ينبذ إلى كل ذي عهد عهده، وأن يقتلوا حيث وجدوا، وأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية. وليس في الصف، ولا في الجمعة، ولا في المنافقين، ولا فيما بعد ذلك إلى سورة (ن) منسوخ. * * * سورة (ن) قال هبة الله: وكان النبي ﷺ يعجب بها. قلت فيكون بسورة (والضحى) أشد إعجاباً. قال: وفيها منسوختان: قوله : (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) نسخها آية السيفْ، وهذا خبر، والخبر لا ينسخ، وهو وعيد من الله عز وجل. قال: الآية الثانية: قوله : (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) قال: نسخ الله أمره بالصبر بآية السيف، وقد مضى من القول في مثل هذا ما فيه كفاية.

стр. 449

سورة الحاقة ليس فيها نسخ * * * سورة المعارج قال هبة الله: فيها منسوختان: الأولى: قوله : (فاصبرصبراً جميلاً) نسخ بآية السيف. الثانية قوله : (فَذَرْهُمْ يَخُوْضُوْا وَيَلْعَبوا) نسخ الله ذلك بآية السيف. وهذا يدل ممن قاله على أنه أمره أن يتركهم خائضين لاعبين، وإنما هذا تهديد ووعيد، ولا يقال إنه منسوخ بآية السيف. * * * سورة نوح وليس في نوح ولا في سورة الجن نسخ. * * * سورة المزمل قوله : (قُمِ الليْلَ إلا قَلِيلاً) قالوا: أمره الله بقيام الليل عن آخره، ثم استثنى بقوله (إلا قَلِيلاً) ، ثم نسخ القليل بنصفه، فقال: (نِصْفَهُ أوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً) إلى الثلث، فنسخ الله من الليل ثلثه، ثم قال: (أوْزِدْ عَلَيْهِ) أي من النصف إلى الثلث. وهذا كما تراه خبط صادر عن عدم التحصيل. وإنما المعنى أن رسول الله ﷺ كانت حاله تختلف في قيام الليل، فيقوم مرة نصف الليل، ومرة يقوم قبل النصف، ومرة يقوم بعده، ولا يخص وقتاً واحداً، فقال له الله -

стр. 450

مهوناً عليه أمره في ذلك: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ) أي انقص من النصف قليلاً، ولم ينسخ الله بهذا من الليل ثلثه كما زعم من تقدم ذكره. ثم قال : (أوْزِد عَلَيْهِ) يجوز أن تكون الهاء عائدة على النصف، وهو الظاهر لقوله : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) . أي أقل من ثلثي الليل، وهذا تصريح بالزيادة على النصف. وقيل: يجوز أن تكون الهاء عائدة على القليل، كأنه قيل: قم نصف الليل إلَّا قليلًا، أوزد على ذلك القليل. وكذلك قالوا في الهاء في (منه) : إنها عائدة على القليل أيضاً. قال الزمخشري: "فيكون التخيير على هذا فيما وراء النصف فيما بينه وبين الثلث، وهذا غير مستقيم، لأن القليل المستثنى من النصف غير معلوم، فكيف تعقل الزيادة عليه، أو النقصان منه؟ ويدل على أن النبي ﷺ كان يقوم الليل تطوعاً قوله : (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) ، وهذا هو الزيادة على النصف، ونصفه فيمن قرأ بالنصب، وثلثه أي وتقوم النصف والثلث، وفي قراءة الخفض فى النصف والثلث: المعنى: وتقوم أدنى من النصف والثلث، والمعنى أن الله قد رضي منك هذه الأحوال كلها، فأيها اتفق لك فهو حسن، ولا يريد الله بك، وبمن يقوم معك العسر، فيضيق عليكم بوقت تتكلفونه، وقد (علم أن سيكونُ منكم مرضى) يجدون خفة في بعض هذه الأوقات دون بعض، ومسافرون لا يمكنهم مع أحوال السفر إلا التخفيف عليهم، والمجاهدون كذلك. فإن قيل: كيف يكون تطوعاً، وقد قال :

стр. 451

(فَتَابَ عَلَيْكُمْ) ؟ قلت: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ) كقوله : (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) أي رخص لكم، فلا تبعة عليكم، فلما كانت حالُهم في أنْ لا تبعة حالَ التائب، عبر عن الترخيص بالتوبة، ويلزم من قال بالوجوب أن تكون الآية منسوخة؛ لأنه قد ثبت أن لا فرض من الصلاة إلَّا الخمس، وهو إجماع المسلمين، وقول الأعرابي: "هل علي غير ذلك " فقال ﷺ : "إلا إلا أن تطّوع " ولا بد من ذكر أقوال العلماء؛ لأنه من غرض الناسخ والمنسوخ. قال أكثرهم: كان قيام الليل فرضاً على النبي ﷺ ، وعلى المسلمين، ثم خفف عنهم في الآيتين في آخر السورة، فنسخ بهما أولها، وقد قلت: إن ذلك ليس بنسخ، وإنما هو تخفيف في المقدار؟ لأنهم لا يحصونه. وقيل: كان فرضاً على النبي ﷺ وحده، ثم نسخ بآخر السورة. وقيل: كان ندباً، وهو الصواب، إن شاء الله، والقول بأنه كان تطوعاً أوضح منه. وقوله : (قُمِ الليْلَ) أي دم على ما تطوعت به مدحاً لحاله، وتحسيناً لها. وقال ابن عباس: كان بين أول السورة وآخرها سَنَة. وعن عائشة ﵂ "لما نزلت (يَا أيهَا المزْملُ) كان الرجل يربط الحبل، ويتعلق به، فمكثوا بذلك ثمانية أشهر، فرأى الله ما يبتغون من رضوانه، فرحمهم، فردَّهم إلى الفريضة". وترك قيام الليل ". وأنت في هذه الرواية بين أمور ثلاثة:

стр. 452

إما إبطال قول من يقول: إن المزمل من أول ما نزل؛ لأن عائشة ﵂، لم تكن هناك في ذلك الوقت. وإما أن يصحح أن المزمل من أول ما نزل، فتبطل هذه الرواية. وإما أنْ نقول: إن عائشة ﵂ سمعت بذلك من غيرها. فأخبرت به. ومما يدل على أن عائشة ﵂ أخبرت عن مشاهدة لا عن سماع أنها سئلت: ما كان تزميله؟ قالت: كان مرطاً طوله أربع عشرة ذراعاً نصفه عليَّ، وأنا نائمة، ونصفه عليه، وهو يصلي، فقيل لها: فما كان؟ فقالتْ: والله ما كان خَزًّا، ولا قَزًّا، كان سَدَاهُ شَعْراً". ولُحْمَته وَبَراً، ويؤيد هذا ما دلت عليه السورة من كثرة المسلمين بقوله: (وَطَائِفةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) وفي قوله: (وَطَائِفةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) دليل على أنه لم يكن فرضاً، إذ لو كان فرضاً لقام الكل.، ولم يخص طائفة منهم. وقال ابن جبير: مكث النبي ﷺ يقوم الليل، كما أمره الله ، عشر سنين، ثم خفف عنهم بعد عشر سنين. وقال عكرمة: (قم الليْلَ إلا قَلِيْلًا) نسختها التي في آخرها (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) . وقد بينت أن ذلك في القيام المقدر، والوقت المعين، علم أن لن تحصوا ذلك، فاقرؤوا ما تيسر من القرآن؛ لأنه يلزم من قراءة ما تيسر من القرآن قيام ما اتفق من الأوقات. وقال قتادة: قاموا حولين حتى انتفخت أقدامهم، وسوقهم، فأنزل الله تخفيفاً في آخر السورة، فهذه أقوال العلماء.

стр. 453

فإن حملت أول السورة على التطوع أو على الندب، وآخرها على ترك المؤاخذة بالمقدار كان الآيتان محكمتين، وإن حملت أولها على الوجوب كان آخرها ناسخاً لأولها، وكانوا في آخرها مأمورين بأن يصلوا ما تيسر لهم، ثم كان آخرها أيضاً منسوخاً بالصلوات الخمس. جعلنا الله من الذين يستمعون القول، فيتبعون أحسنه. قوله : (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) . زعموا أنه منسوخ بقوله : (يُرِيْدُ اللَّهُ أنْ يُخَففَ عَنْكُمْ) . وهذا خبر لا يجوز نسخه. وعن ابن عباس، ﵁، (كان النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه، ونربَّد له وجهه. وعن عائشة، ﵂: "كان ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقاً". وقال زيد بن ثابت: "أملي عليَّ رسول الله ﷺ : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فجاء ابن أم مكتوم وهو

стр. 454

يملها عليَّ، فقال: يا رسول الله: لو أستطيع الجهاد لجاهدت، قال: فأنزل الله عليه، وفَخِذ رسول الله ﷺ على فخِذي، فثقلت حتى خشيت أن يرتض فخذي، فأنزل الله : (غَيْرُ أولي الضرَرِ) . وقيل: ثقيل في الميزان، وقيل: ثقيل على أهل النفاق. وقال الحسن: إن الرجل ليهذّ القرآن، ولكن العمل به ثقيل. وقال قتادة: فرائض القرآن وحدوده ثقيلة والله. وعن عروة أن النبي ﷺ كان إذا أوحي إليه، وهو على ناقته، وضعت جرانها، فما تستطيع أن تتحرك حتى يُسرَّى عنه ". وقال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا ثقل في الميزان يوم القيامة. وقوله عر وجل: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيْلاً) قالوا: نسخ بآية السيف، وقد قدمت القول في ذلك. وقوله : (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ) الآية قالوا: نسخت بآية السيف، وهذا تهديد ووعيد غير منسوخ بها. وقوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩) . قالوا: نسخ ذلك بقوله : (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) . وقد تقدم ذكره، والقول في إبطاله. * * * سورة المدثر لا منسوخ فيها.

стр. 455

وقالوا في قوله : (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) أي خلِّي بيني وبينه، فإني أتولى إهلاكه مع القصة إلى آخرها: نسخ ذلك بآية السيف، وكيف يعده بإهلاكه، وبأنه يتولى ذلك منه على ما ذكروه، ثم ينسخه بآية السيف؟ * * * سورة القيامة لا نسخ فيها. وقالوا في قوله : (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) : إنه منسوخ بقوله : (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) . وهذا خلف من القول؛ لأن الله لم يأمره بالنسيان، ثم نهاه عنه، وأظنهم توهموا ذلك وأن (لا) في قوله: (فَلَا تَنْسَى) للنهي. وما هي للنهي لا من جهة المعنى، ولا من جهة اللفظ.. أما اللفظ فغير مجزوم، وأمَّا المعنى فليس النسيان مما يقدر الإنسان على اجتنابه، فينهى عنه. وهذا خبر أخبر الله به نبيه ﷺ أن يقرئه، فلا ينسى، فما معنى النسخ؟ فإن قالوا: كان يعجل بالقرآن خوف النسيان، فقال الله : (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى) قلت: فأين النسخ، والآيتان في معنى واحد؟ قال ابن عباس: كان النبي ﷺ يلقي في التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه كراهة أن يتفلت منه، فأنزل الله ذكره ((لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) .

стр. 456

أي جمعه في صدرك، وأن تقرأه (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) . أي فأنصت، واستمع (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩) . أي علينا أن نبينه بلسانك قال: فكان النبي ﷺ إذا ْأتاه جبريل ﵇ يستمع فإذا انطلق قرأه كما قرأ. وقال الضحاك: كان يفعل ذلك مخافة أن ينساه، فقيل له: إن علينا أن نحفظه في قلبك، وأن تقرأه بعد حفظه. وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً، ومجاهد، وقتادة، وقال قتادة: إن علينا جمعه وقرآنه: أي جمعه في قلبك حتى تحفظه، وقرآنه أي تأليفه. فأي فرق بين هذه الآية، وبين آية الأعلى؟ فالقول بأن هذا منسوخ بذاك خطأ من جهة أن الخبر لا يدخله النسخ، ومن جهة أن المعنى فيهما واحد، وما كان ينبغي أن فتكلم على هذا، فإنه لفساده يوقع كلام المتكلم عليه في الضيم. * * * سورة الإنسان ليس فيها منسوخ، وزعم هبة الله، وأظنه نقله عن غيره، أن فيها آيتين منسوختين وبعض آية: قوله تعالى: (وَأسِيْراً) قال: هذا منسوخ، وهو من غير أهل القبلة، والله تعالى مدح قوماً بإطعام الأسير، ولم ينه عن ذلك إذا

стр. 457

كان مشركاً، فكيف يكون منسوخاً، وفي إطعام الأسير المشرك مثوبة؟ وقد قال قتادة: إنه المأسور المشرك. وقال الحسن: ما كان أسراؤهم إلا المشركين، وقال عكرمة: الأسير في ذلك الزمان المشرك، وقال مالك: يعني أسرى المشركين. وقال مجاهد وابن جبير، وعطاء: المراد بالأسير المسجون من المسلمين. وهذا كله من صفة الأبرار. والآية غير منسوخة، وليس قول قتادة: وأخوك المسلم أحق منه. مما يوجب تقويله بالنسخ. قال: والآية الكاملة قوله : (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) . الآية. قال: نسخت بآية السيف، وليس في هذا نهي عن القتال، فيكون منسوخاً بالأمر بالقتال، وحكم الأمر بالصبر في الشدائد باقٍ. والآية الأخرى قوله : (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩) . قالوا: نسخ ذلك بقوله : (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) . وهذا ضرب من الجهل عظيم، فإنه لم يطلق المشيئة للعبيد، ثم حجزها عنهم، ونسخها، وإنما أعلم أن العبد إذا شاء أمراً من صلاح، أو ضلال، فلا يكون ذلك إلَّا أن يشاء الله، وهذا وعيد وتهديد، لأن الله بيَّن في هذه السورة الطريقين، ثم قال على وجه التهديد: من شاء النجاة اتخذ إلى ربه سبيلاً، ومن شاء غير ذلك فسيرى ما يناله من العذاب الأليم المعدِّ للظالمين.

стр. 458

سورة المرسلات ليس فيها ناسخ ولا منسوخ * * * سورة النبأ ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. وروي أن النبي ﷺ هاجر من غداة يوم إنزالها فهي في آخر المكي الأول؛ لأن المكي الأول ما نزل قبل الهجرة، والمكي الثاني بعد الفتح. * * * سورة النازعات لا ناسخ فيها ولا منسوخ * * * سورة عبس كذلك. وقالوا: قوله عز وجبن: (فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ) منسوخ بقوله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) . وقد تقدم القول فيه. وكذلك سورة التكوير. وقالوا في قوله : (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) . هو منسوخ بقوله : (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩) . وقد تقدم.

стр. 459

وليس في سورة الانفطار ولا ما بعدها إلى الطارق ناسخ ولا منسوخ. * * * سورة الطارق قوله : (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧) نسخ بآية السيف، وقد تقدم القول في ذلك. * * * سورة الأعلى لا نسخ فيها. * * * وكذلك الغاشية وقالوا في قوله : (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر) نسخت بآية السيف، وليس بصحيح وقد تقدم. وليس بعد ذلك في السور ناسخ ولا منسوخ إلى "والتين والزيتون ". فإنِهم زعموا أن قوله (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (٨) . نسخ منها المعنى بآية السيف، وهو غير صحيح. وليس في باقي القرآن نسخ باتفاق إلَّا ما ذكروه في سورة العصر في قوله (إنَّ الإنْسَانَ لَفِيْ خُسْرٍ) . قالوا: هو منسوخ بالاستثناء بعده.

стр. 460

وقالوا في (قُلْ يَا أيُّهَا الْكَافِرُونَ) . نسخ منها (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) بآية السيف، ولا يصح. قال أبو القاسم هبة الله بن سلامة: كل ما في القرآن من (أَعْرِضْ عَنْهُمْ) ، و (تَوَلَّ عَنْهُمْ) ، وما شاكل هذا المعنى فناسخه آية السيف، وقد أوضحت القول في ذلك. قال: وكل ما في القرآن (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) نسخه (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) . قلت: أفترى أنه زال خوفه من الله، وقد قام ﷺ حتى تورمت قدماه؟ فقيل له: أتفعل هذا، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبداً شكوراً" وقال: "والله اني لأخوفكم لله ". و"كان يسمع لصدره أزِيْز كأزيز المِرْجل ". قال: وكل ما في القرآن من خبر الذين أوتوا الكتاب، والصفح عنهم نسخه (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) . وقد قدمت القول في ذلك. قال: وكل ما في القرآن من الأمر بالشهادة نسخه: (فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) . وكل ما في القرآن من التشديد
следующие страницы →