الإقراء، فذهبت قراءة عاصم من الكوفة إلا من نفر يسير أخذوها عن أبي
يوسف الأعشى، عن أبي بكر.
قال خلف البَزار: دخلت الكوفة لأقرأ على أبي بكر، فلقيت أبا شهاب، فقال لي: أنا أكلّمه حتى يأخذ عليك.
فقال: قد لقيته، فاذهب إليه، فلما وقفت بين يديه ازدراني فتنحيت من
بين يديه، ورحت إلى أبي شهاب. ق
ال: أنا أكلمه حتى يأخذ عليك قلت: والله لا رجعت إلى إنسان ازدراني، ولا قرأت عليه أبداً، ثم ذهبت إلى يحيَى، فأخذت القراءة عنه وهو حي.
فكانت الإمامة لحمزة بعد عاصم لعدالته، وشهادتهم له بالثقة في
النقل، واتباع ما كان عليه السلف، فكان حينئذ إمام عصره بالكوفة
وغيرها، وقدوة أهل زمانه في القراءة لفضله، وشرف أخلاقه، واستقامة
طرائقه، وورعه، وزهده، أخذ القراءة عن الأعمش، وعن حمران بن
أعين، وعن ابن أبي ليلى، وأخذ الأعمش عن يحيَى بن وثاب، وأخذ
يحى عن علقمة، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ .
وأخذ حمران عن عُبيد بن نُضَيْلة عن علقمة عن عبد الله، وقرأ
حمران أيضاً على أبي حرب بن أبي الأسود ويقال: على أبي
الأسود، وقرأ أبو الأسود على عثمان وعلي، ﵄، وقرأ
ابن أبي ليلى على المنهال بن عمرو، وقرأ المنهال على سعيد بن جبير.
وقرأ سعيد على ابن عبّاس، وقرأ ابن عباس على أُبيّ، وقرأ أُبيّ على
رسول الله ﷺ .
قال حمزة ﵀: قرأت القرآن على ابن أبي ليلى أربع مرات.
стр. 527
ويقال: إنه لم يقرأ على الأعمش، إنما كان يسأله عن حروف
القرآن حرفاً حرفاً.
قال ابن نمير: حضرت حمزة، وهو يسأل الأعمش عن حروف
القرآن، فكان يقرأ، فيقرأ له الأعمش الحرف الذي بعد ما قرأ، وقيل:
بل قرأ عليه.
قال سُليم: جاء حمزة إلى الأعمش، وهو يقرئ، فلما رأوه
قالوا: حايك، فلما وصلَتْ النوبة إليه جلس ليقرأ، فابتدأ يوسف.
فقالوا: الآن صح أنه حايك.
وكان الأعمش إذا قرئ عليه سورة يوسف طالب بتحقيق - (أحَدَ عَشَرَ)
و (مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا) ، و (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ) فلما بلغ (أحَدَ عَشَرَ) لم يأخذ عليه، فلما بلغ (تَأْمَنَّا) لم يأخذ عليه، فلما بلغ (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ) لم يأخذ
عليه، فلما فرغ الجزء لم يبق في ذلك المجلس أحد إلا صار صديقاً
لحمزة.
وعن سليم أيضاً: رأيت حمزة، وعبد الله بن إدريس يقرأان على
الأعمش، وكان الأعمش إذا رأى حمزة مقبلًا قال هذا حَبْر القرآن.
وقال شريك، وسئل عن الهمز: هذا حمزة يهمز، ما علمت
بالكوفة أقرأ، ولا أفضل منه، قال: ومَن مثل حمزة؟
وقرأ شريك، فهمز، فقيل له: أتهمز؟ وقريش لا تهمز.
فقال: هذا سيدنا حمزة يهمز، أفلا أهمز أنا؟
وقال جرير: وددت أن أستطيع أصنع ما يصنع حمزة سيدنا، وسيد
القراء.
стр. 528
وقال أسود بن سالم، سألت الكسائي عن الهمز، والإدغام في
القرآن ألكم فيه إمام؟
فقال: نعم يا أبا محمد، هذا حمزة الزيات يهمز، ويكسر، وهو إمام من أئمة المسلمين، وسيد القراء، والزهاد، ولو رأيته لقرَّت عينك به من نُسْكِه.
قال سُليم: قال لي حمزة: كنا عند الأعمش، فقال لعيسى بن
عمر: كيف تسكت على (الظنون) و (الرسول) و (السبيل)) ؟
فقال: (الظنونا) و (الرسولا) و (السبيلا) ، فقال يا حمزة: كيف تقرأ أنت؟
قلت: (الظنون) و (الرسول) و (السبيل) ، فقال: يا حمزة إذا قمت من
عندي فأحسن تعليم هذا.
قال حمزة: فغضب عليَّ عيسى بن عمر، فلم يكلمني حتى مات.
وقال إبراهيم الأزرق: كنا عند سفيان أنا وحمزة، فقال سفيان:
حدثنا أبو يزيد الأسدي، عن سعيد بن جبير أنه قرأ (سَلَفاً) ا
الناس يقرؤون (سُلَفاً) ، فقال سفيان: يا أبا عمارة: من الناس؟
فقال حمزة: أنا، فقال: صدقت.
وقال يحيَى بن معين: حمزة الزيات أبو عمارة ثقة، وكذلك قال
فيه أحمد بن حنبل، ﵀.
وقال رجل لسليم، ﵀: جئتك لأقرأ عليك التحقيق، فقال
سُليم: يا ابن أخي شهدت حمزة، وأتاه رجل في مثل هذا، فبكى.
وقال: يا ابن أخي: إن التحقيق صون القرآن، فإن صنته فقد حققته.
وهذا هو التشديق.
стр. 529
وقال أبو بكر بن عيَّاش: ذكر حمزة عند الأعمش، فقال: ذاك
تفاحة القراء، وسيد القراء.
وقال محمد بن فضيل: ما أحسب أن الله يدفع البلاء عن أهل الكوفة إلَّا بحمزة.
وكان حمزة، ﵀، يقرأ في كل شهر خمساً وعشرين ختمة.
ولم يلقه أحدٌ قط إلَّا وهو يقرأ.
وقال حمزة، ﵀: ما قرأت حرفاً إلا بأثر.
وعن شعيب بن حرب أنه قرأ على حمزة بالكوفة، وبالجبل، فختم
عليه ختمات، وقال له: يا أبا صالح الزم هذه القراءة فما منها حرف
قرأته إلَّا ولو شئت رويت لك فيه حديثاً.
وقال شعيب بن حرب: لو أردت أن أسند قراءة حمزة حرفاً حرفاً
لفعلت.
وقال عبد العزيز بن محمد، وكنا عند الأعمش: ترون هذا الفتى
ما قرأ حرفاً إلا بأثر.
وعن الوليد بن بكير: أتيت سفيان الثوري أعوده، فأتاه حمزة.
فلما ولى قال سفيان: ترون هذا ما أراه قرأ حرفاً إلا بأثر.
قال سُليم، وذكر عند حمزة ولد، فقال: ما قرأت حرفاً إلا بأثر.
وقد عاب قوم قراءة حمزة، ﵀، وإنما كان يأخذ المبتدئين
بالتأني والترتيل، وينهاهم مع ذلك عن تجاوز الحد.
وقال محمد بن الهيثم النخعى: صليت خلف حمزة، ﵀،
стр. 530
فكان لا يمد في الصلاة ذلك المد الشديد، ولا يهمز الهمز الشديد.
وقال سليم: قال حمزة: ترك الهمز في المحاريب من الأستاذية.
وقال له رجل: يا أبا عمارة: رأيت رجلاً من أصحابك في الزياتين همز حتى
انقطع زره، فقال: لم آمرهم بهذا كله ووقف عليه الثوري، رحمه
الله، فقال يا أبا عمارة: ما هذا الهمز، والمد، والقطع الشديد؟
فقال: يا أبا عبد الله هذه رياضة للمتعلم، قال: صدقت.
وقال خلف: سألت سليماً عن التحقيق، فقال لنا: حمزة يقول:
إنا جعلنا هذا التحقيق ليستمر عليه المتعلم، وإنما اتخذه الناس إماماً
في القراءة لعلمهم بصحة قراءته وأنها مأخوذة عن أئمة القرآن الذين
تحققوا بإقرائه، وكانوا أئمة يقتدى بهم من التابعين، وتابعي التابعين.
فمن شيوخ حمزة ﵀ الأعمش، وحمران بن أعين.
ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
فقراءة حمزة ترجع إلى عثمان، وابن مسعود، وعلي بن أبى طالب، ﵃؛ لأن الأعمش قرأ على يحيَى بن وثاب الأسدي مولى الكاهليين، وقرأ يحيَى بن وثاب على أبي عبد الرحمن السُلَمي، وقرأ أبو عبد الرحمن على عثمان وعلى علي، ﵄، وقرأ أبو عبد الرحمن أيضاً على أبى بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وقرؤوا على النبي ﷺ ، وقرأ يحيى بن وثاب أيضاً على أبي مسلم عبيدة بن عمروبن قيس السلماني قاضي البصرة، وعلى أبي شبل علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، وعلى أبي عبد الرحمن الأسود بن يزيد، وعلى أبي عائشة مسروق بن الأجدع بن مالك الوادعي، وأخبروه أنهم قرؤوا على عبد الله بن
مسعود.
стр. 531
وقال الأعمش: ما رأيت أحداً كان أقرأ من يحيَى بن وثاب، وقرأ
الأعمش أيضاً على زِر، وزيد بن وهب، وقرأ على عبد الله بن مسعود.
وما يروى عن حمزة، ﵀، من شدة الأخذ، والمطالبة.
والتحقيق، فذكر أنه أخذ ذلك عن حمران بن أعين، وابن أبي ليلى.
وأنهما أخذا ذلك عن على ﵁، وقرأ محمد بن أبي ليلى شيخ
حمزة على أخيه، وقرأ أخوه على أبيه، وقرأ أبوه على عبد الله بن مسعود.
وقال حمزة: قرأت على أبي بكر محمد بن عبد الرحمن بن أبي
ليلى، وقرأ على المنهال بن عمرو، وعلى سعيد بن جبير وقرأ على
عبد الله بن عباس، وقرأ على أبي، وقرأ على النبي ﷺ .
قال حمزة: وقرأت على حمران، وقرأ على عُبَيد بن نُضَيلة، وقرأ
عبيد على علقمة بن قيس، وقرأ علقمة على عبد الله بن مسعود، وقرأ
حمران أيضاً على أبي الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي، وقرأ أبو الأسود
على عثمان بن عفان، وعلى علي بن أبي طالب، ﵄.
قال حمزة: وقرأ حمران أيضاً على أبي جعفر محمد بن علي الباقر
عن آبائه عن علي ﵃.
قال حمزة: وقرأت أيضاً على أبي عبد الله جعفر بن محمد وقد تقدم ذكر ذلك.
وقد تكلم قوم في قراءة حمزة قال هشام بن عمَّار صاحب ابن
عامر: حدثنا جنادة بن محمد، سمعت سفيان بن عيينة يقول: لا تصلوا
خلف من يقرأ بقراءة حمزة.
стр. 532
وعن أبي بكر بن عيَّاش: قراءة حمزة بدعة.
وعن عبد الله بن إدريس أنه لعن من قرأ قراءة حمزة.
واعتمد من مال على حمزة، ﵀، على هذا.
وذكر أن أحمد بن حنبل ﵀ كره قراءة حمزة.
فأمَّا ما روي عن سفيان بن عيينة فإن جنادة بن محمد غير معروف
عند أهل الحديث، وقد كان هشام بن عمار يروي عن سفيان بن عيينة.
فكيف روى عن هذا الرجل المجهول عنه؟ وإن صح أن سفيان قال
ذلك، فهو مجهول عند أهل العلم.
على أن سفيان سمع من غير حمزة قراءة عزاها القارئ إلى حمزة، فأنكر ما فيها من الإفراط، وتجاوز الحد.
وأما قول أبي بكر بن عيَّاش: قراءة حمزة بدعة، فذلك مما لا
يضر، ولا يعد طعناً، فقد يبتدع الشيء، ويكون حسناً، على أنه لم
يبتدع ذلك، ولكنه رواه عن أئمته، على ما قدمناه.
ولم يكن أبو بكر، ﵀، يعرف غير قراءة عاصم، فلما سمع ما لم يعرفه أنكره، وسماه بدعة.
وأما عبد الله بن إدريس فإنه سمع من يقرأ، ويتجاوز الحد.
وينسب ذلك إلى حمزة، وحمزة بريء منه، فقال ما قال.
وكان ينبغي له أن يلعن من قرأ تلك القراءة التي سمع، ولا يلعن من قرأ بقراءة حمزة.
وقد قال شعيب بن حرب: كنت ألوم من يقرأ بقراءة حمزة حتى
دخلت، فقرأت عليه، فلما رآه شعيب، وسمع قراءته رضيها، وقبلها.
وكان يقول بعد ذلك لأصحاب الحديث: تسألوني عن الحديث، ولا
تسألوني عن الدر، فقيل له: وما الدر؟
فقال: قراءة حمزة.
стр. 533
وأما أحمد بن حنبل ﵁، فقد قال سويد: مضيت أنا.
وأحمد بن رافع إلى أحمد بن حنبل، ﵀، فقال: ما حاجتكما؟
قلنا: نحن نقرأ قراءة حمزة، وبلغنا أنك تكره قراءته، فقال أحمد.
﵀: حمزة قد كان من العلم بموضع، ولكن لو قرأتم بحرف نافع
وعاصم، فدعونا له، وخرجنا وخرج معنا الفضل بن زياد، فقال لنا: إني
لا أصلي به، وأقرأ قراءة حمزة، فما نهاني عن شيء منها قط، وكان
حمزة ﵀ أجل، وأورع من أن يبتدع.
قال الكسائى، ﵀: قال حمزة بن حبيب الزيات: كان
الرجل بالكوفة إذا أراد أن يتعلم القرآن اختلف إلى المسجد يشاورهم.
ويسترشدهم حتى إذا اجتمع رأيهم على رجل قلده، وقرأ عليه.
وقال يوسف بن أسباط: رأيت حمزة بعد موته في المنام كأنه يلعق
من سكرجة فيها خردل، ويقول: آخ لحرارة طعمه، قال: فتأولت ذلك
لشدة أخذه على من قرأ عليه.
وهذه الرؤيا لا تقوم بها حجة.
قال أحمد بن جعفر بن محمد بن عبيد الله بن المنادي: معنى هذا
المنام يرجع إلى الذي رآه؛ لأنه كان يستعظم أخذ حمزة، وله عنده هول
شديد، فرأى ذلك لأجل ما كان عنده منه، وهذا الذي قاله ابن المنادي.
﵀، هو الحق.
ومن رأى رجلاً جليل القدر في المنام على حال سيئة، أوْ رَآه قصيراً، أو ضئيلاً، فإنما رأى اعتقاده فيه، وأين هذه الرؤيا؟
من رؤيا حمزة، ﵀، أنه قرأ القرآن كله على ربِّ العزة؟
وقد حدثني بها الشيخ الإمام أبو القاسم الشاطبى ﵀ بقراءتي عليه.
وحدثني بها غيره، وهي مشهورة.
стр. 534
وكان حمزة ﵀، يقرئ الأول، ولا يقدم أحداً على أحد.
وكان بنو عيسى بن موسى الهاشمى يأتونه ليقرؤوا عليه، فلا يقدمهم.
فكانوا يختلفون إليه، فلا يدركون القراءة عليه، فقيل له: يا أبا عمارة:
إن هؤلاء الشباب ولد عيسى، وعيسى - من علمت حاله، وقدره، شيخ
بني هاشم يأتون، فلا تقرئهم، فقال: ما ذاك لهم عندي إن كانوا يريدون
يقرؤون عندي فليرسلوا مواليهم ليأخذوا لهم موضعاً.
وأصحاب حمزة ﵀ الذين أخذوا عنه القراءة: أبو
الحسن علي بن حمزة الكسائي، وأبو عيسى سُلَيم بن عيسى الحنفي.
وأبو محمد عبد الرحمن بن أبي حماد الكوفي، وأبو عمارة حمزة بن
القاسم الأحول وإسحاق بن يوسف الأزرق الواسطي والحسن بن عطية
القرشي وخالد بن يزيد الطبيب، وأبو بشر الصباح بن دينار الأسدي.
وأبو علي محمد بن واصل، وأبو أيوب سليمان الذي روى عنه أبو
الحارث الليث بن خالد قراءة حمزة، وإبراهيم بن طعمة بن عمروا
الجعفي وإبراهيم بن إسحاق بن راشد النحوي، والمنذر بن الصباح
الكوفي، ونعيم بن يحيَى السعيدي، والصباح بن محارب، وأشعث بن
عطاف الأسدي أبو النضر، وعبد المه بن صالح بن مسلم العجلى.
وعبيد الله بن موسى العبسى، وعمرو بن ميمون القَناد، أبو عثمان، وعبد
الرحمن بن تيم السكري أبو سفيان، وعائذ ابن أبي عائذ، والحسن بن
عيسى، أخذ عنهما أحمد بن جبير عن حمزة.
والحسين بن علي الجعفي، وجرير بن عبد الحميد الضبى، والحجاج بن محمد
الخراسانى، ويحيَى بن آدم العجلى، وخارجة بن مصعب.
وقبيصة بن عطية العامري، وأبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري، وجعفر بن محمد
стр. 535
ابن المختار، ومحمد بن سعيد الرفاعي، ومحمد بن حفص الحنفي.
وقرأ عليه أيضاً:
سفيان بن سعيد الثوري، وإبراهيم بن أدهم، وأبو الأحوص
سلام بن سليم الكوفي، وأبو إسحاق الفزاري، ووكيع بن الجراح، وأبو
بكر محمد بن واصل المؤدب، وخالد بن يزيد الكاهلى، وبكر بن
عبد الرحمن القاضي، والربيع بن زياد، وعبد الرحمن بن قلوقا، ويحيَى بن
علي الخزاز، ومحمد بن زكريا الكسائي، ويوسف بن أسباط صاحب
رؤيا الخردل، وعثمان بن زائدة، ومحمد بن فضيل، ويحيَى بن اليمان.
وخلف بن تميم، وإبراهيم الأزرق، وجماعة غير هؤلاء.
أفيطعن في إمام قرأ عليه هؤلاء الأئمة؟
وسادات الإسلام رضوا قراءته، وقبلوها، وأدوها، وحملوها.
وكان الكسائي ﵀ يفتخر به، وقرأ عليه القرآن أربع
مرات، وكان يسميه أستاذي، ويجله، ويرفع من قدره.
قال الكسائي: قال لي هارون الرشيد أمير المؤمنين: أقرئ محمداً قراءة
حمزة فقلت: هو أستاذي يا أمير المؤمنين.
وقال سُليم: رأيت سفيان الثوري يقرأ على حمزة، قال: وسمعت
سفيان يقول: قرأت على حمزة أربع ختمات.
قال سليم: وسمعت حمزة يقول: أتاني سفيان بن سعيد الثوري، وسألني أن آخذ عليه، فأقرأته، فقرأ على أربع ختمات.
وقال شعيب بن حرب قرأ إبراهيم بن أدهم على حمزة.
وقال محمد بن موسى الدمشقى: قلت لإبراهيم بن أدهم يا أبا إسحاق، وقد قرأت، قال: نعم، على حمزة الزيات.
وكان الفضيل بن عياض، ﵀، يحب قراءة حمزة.
стр. 536
قال محمد بن الفضيل بن عياض: منعني أبي أن أسمع من منصور بن
المعتمر، وقال لي: لا تسمع من منصور، ولا غيره، حتى تختم القرآن
على حمزة.
وقال سليم: لقد أتيت حمزة، والكسائي يقرأ عليه، فأرعد، فقال
له حمزة: كأنه أجل في عينك مني، قال: لا، ولكني إن أخطأت
علمتني، وإن أخطأت، وهذا حاضر يسمع، شنع عليَّ.
ثم إن الإمامة أفضت بعد حمزة إلى أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي، فختم به قراء الأمصار، وأشرق به عصره واستنار، وأبى عليه الأئمة، واختاروه
قدوة للأمة.
قال يحيَى بن معين: ما رأيت بعيني هاتين أصدق لهجة من الكسائي.
وقيل لأبي عمر الدوري: لِمَ صحبتم الكسائي على الدعابة
التي كانت فيه؟ قال: لصدق لسانه.
وقال الفراء: حدثنا الكسائى، وكان، والله، ما علمته إلَّا، صدوقاً، عن إسرائيل والقَرْزمي، عن أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد.
قال: قلنا لعبد الله: (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، أو (مُذكر) ، فقال: أقرأني رسول
الله ﷺ (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) بالدال.
وقال الفراء: لم يرَ مثل الكسائي، ولا يرى مثله أبداً، كنا نظن أنا
إذا سألناه عن التفسير لا يجيب عنه ذاك الجواب الثاقب، فسألناه عنه،
стр. 537
فأقبل يرمينا بالشهبان، وكان الرشيد معجباً به، واختاره لنفسه، ولولده.
ولا يختار الخليفة لنفسه إلَّا الأفضل.
وكان الرشيد يقول: ما رأيت أفضل منه، ولا أورع، ولا أبصر بالقرآن والعربية.
وقال الفراء: قال لي رجل من النحويين: ما اختلافك إلى الكسائي؟
أنت مثله في العلم، فأعجبتني نفسي، فناظرته مناظرة الأكفاء، فكأني كنت طائراً يغرف من البحر بمنقاره.
وقال خلف بن هشام بن غالب: كنت أحضر بين يدي الكسائي.
وهو يقرأ على الناس، وينقطون مصاحفهم بقراءته.
قال ابن مجاهد: وحدثني أحمد بن القاسم قال: حدثنا
إسحاق بن يوسف الأزرق، قال: سمعت الكسائي، وهو يقرأ على الناس
القرآن مرتين.
وقال أحمد بن الصباح: كان الكسائي يبدأ بمن سبق.
فيأخذ عليه، وكان متواضعاً في علمه يأخذ على كل إنسان، ولا يفضل
أحداً على أحد، حتى كثر الناس عليه، وكان يقرأ عليهم، ويتبعون
ألفاظه، وقال نصير: كان الكسائي لا يلتفت إلى ولد قرشي ما بقي عنده
واحد من العميان، وروي أنه أعيا في مجلسه فمدَّ رجليه، فقال بعض
جلسائه: أي شيء هذه المجالسة؟
فقام الكسائي مغضباً، فقيل له: ممه؟
فقال: ما كنت لأجالس إنساناً يبخل عليَّ بما لا يضرُّه.
وأخذ عن الكسائي قراءته، وقرأ عليه جماعة من أئمة القرآن.
والحديث، والفقه، والنحو والعربية.
منهم: أبو يوسف نصير بن يوسف النحوي، وأبو عمر حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري، وإبراهيم بن زاذان الخراسانى، وسَوْرة بن المبارك الدينوري، وأبو الحارث الليث بن خالد المروزي، وعصام بن الأشعث، ويقال: ابن أبي الأشعث، وأبو يزيد الخزاز الكوفي، وأحمد بن منصور النحوي أبو جعفر، وأبو مسلم
стр. 538
عبد الرحمن، وحميد بن الربيع الخزاز، ومحمد بن واصل النحوي
وأبو ذهل أحمد بن أبي ذهل، وصالح بن عاصم الناقط وأيوب بن
المتوكل البصري، وأحمد بن جبير الأنطاكى، وأبو عبيد القاسم بن
سلام بن مسكين الخراسانى، وقتيبة بن مهران، وأبو عيسى خلاد بن
خالد المقرئ، وأبو زكريا يحيَى بن زياد الفراء، ومحمد بن
عبد الله بن الرومي، وأبو جعفر محمد بن سعدان النحويين، ويحيَى بن
آدم العجلى، وهشام بن معاوية النحويين، ومحمد بن سفيان الخزاز.
وأبو موسى هارون بن يزيد البغدادي.
وعبد الله بن بشير بن أحمد بن ذكوان، وخلف بن هشام.
وعون بن الحكم، ومحمد بن جعفر، وعبد الله بن موسى أبو عبد
الرحمن، ومحمد بن عبد الله بن يزيد البَجَلي، وأبو محمد هاشم بن عبد
العزيز البربري، وإسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل الخراسانى، وأبي
حيوة شريح بن يزيد الحضري، وأبو موسى عيسى بن سليمان
الشيزري، وأبو محمد الطيب بن إسماعيل الذهلي الملقب بأبي
حمدون، وأبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي، وزكريا بن وردان.
وحمدويه بن ميمون، وعمر بن بكير، ونوح بن أنس، وعمر بن
نعيم بن ميسرة الرازي، وحمدون بن الحارث الخزاز، ومحمد بن المغيرة
الأسدي، والفضل بن إبراهيم النحوي، وهارون بن يزيد الفارسي، وغير
هؤلاء.
وقد أحصي جميع من أخذ عنه، فكان ذلك ثمانية وأربعين
كلهم أئمة وقدوة.
وقال نصير: دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه بالري، فأنشد يقول:
قَدَرٌ أحَلَّكَ ذَا النُّخَيْلِ وَقَدْ أرَى. . . وأبِي ومَالَكَ ذو النخيْلِ بِدَارِ
стр. 539
إلا كَداركُمُ بذي بَقَرِ اللوى. . . هَيْهَات داركم من المُزْدَارِ
قال: قلت: كَلا، ويمتع الله الجميع بك، قال: لئن قلت ذاك.
لقدكُنْتُ أقرئ الناس في مسجد دمشق، فأغفيت في المحراب، فرأيت
النبي ﷺ فيما يرى النائم داخلًا في باب المسجد، فقام إليه رجل، فقال: بحرف من أقرأ، فأومأ إليَّ.
وقال عبد الرحمن بن موسى: قلت له: لم سميت الكسائى؟
قال: لأني أحرمت في كساء.
وقال خلف بن هشام البَزار، كان من قرية من قرى السواد يقال
لها: باكسَّاء، فنسب إليها، وخفف فقيل له: الكسائي.
وقال أبو عمر الدوري: سُمِّي بذلك لأنه كان يبيع الأكسية، فنسب
إليها، وقال الحسين بن علي بن نجيح الجعفى: سمي بذلك لأنه كان
يتشح بكساء، ويجلس في مجلس حمزة، فيقول حمزة: اعرضوا على
صاحب الكساء، فسمي الكسائي لذلك.
وقيل: إنه ارتحل إلى حمزة، وعليه كساء جيد، فجلس بين يديه، فقرأ ثلاثين آية، وكان حمزة لا يقرئ أحداً أكثر من ذلك، فقال له: اقرأ، فقرأ أربعين آية، ثم قال له: اقرأ إلى أن قرأ مائة آية، فقال له: قم.
ثم إنه افتقده بعد ذلك، فقال: ما صنع صاحب الكساء الجيد؟
فسمي الكسائي.
فهذه جملة من أخبار الأئمة ﵏ ذكرتها محذوفة الأسانيد ميلًا إلى التخفيف والإيجاز، وكتب الأئمة تشهد بصحة ما ذكرته، وبالله التوفيق.
стр. 540
وينبغي لمن يقرئ القرآن أن يكون متواضعاً لله ، شاكراً
له على عظيم ما أنعم به عليه من إقراء كتابه الكريم، وإذا سئل عن
مسئلة فليستعن بالله على الجواب، ثم يقرأ قوله :
(سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) .
فإذا فتح عليه بالجواب فليحذر العجب، وليذكر قوله :
(بَل اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ) .
وقد روى سلمة بن عاصم، عن الكسائي، ﵀، قال: صليت بالرشيد، فأعجبتني قراءتي، فغلطت في آية ما أخطأ فيها صبى قط، أردت إلى قوله (لعلهم يرجعون) فقلت: (لعلهم يرجعين) قال: فوالله ما أجترأ هارون أن يقول لي: أخطأت، ولكنه لما سلّمت قال لي: أيّ لغة هذه، قلت يا أمير
المؤمنين قد يعثر الجواد، قال: أما هذه فنعم.
وكان شيخنا أبو القاسم، ﵀، يجلس على طهارة نعلم ذلك
منه بأنه كان يصلي الظهر بوضوء الصبح، وكان إذا أذن المؤذّن لصلاة
الظهر انتصب قائماً يستبرئ نفسه ليعلم هل يحتاج إلى الوضوء، فإن
رأى ذلك توضّأ، وإلّا صلى على حاله تلك، وكان لا يسجد إذا قرئت
عليه السجدة، ولا يسجد أحد ممن يقرأ عليه، وكذلك كان سنة
أشياخه، والله أعلم؛ لأنه شديد الاقتداء بمن أخذ عنه.
والسبب في ذلك أنّ حال المقرئ، والمعلّم يخالف حال من يتلو القرآن لنفسه، ولو كلّف المقرئ، والمعلم ذلك لأفضى الأمر إلى الحرج، والمشقة.
وكذلك مس المعلم ألواح الصبيان، وفيها القرآن على غير طهارة.
وكذلك قال الأئمة في كتبهم، حتى قال بعض شيوخنا، وكان قد قرأ
على خلق كثير، وجم غفير: لم يكن أحد منهم يسجد إلَّا شيخ صالح.
يعني غير متحقّق بالإقراء، ولا معرفة له بطريقهم.
وعلى هذه الصفة كان
стр. 541
شيخنا أبو الجيوش عساكر، ﵀، يسجد، وكان من عوام
المقرئين.
وكان شيخنا أبو الجود، ﵀، لا يسجد، وكذلك كان
الغزنوي، ﵀؛ ولأن المقرئ يعلم الناس العلم، والقارئ
متعلم.
وقد قال الشافعي، ﵁: طلب العلم أفضل من
النافلة.
* * *
القراءات
باب الاستعاذة
جاء في رواية المسيبي عن نافع ترك التعوذ في أوائل السور.
وأبعاضها.
وفي رواية يونس عن ورش إخفاؤه، وكذلك روى
الحلوانى عن خلف، عن حمزة، وابن زربي عن سليم عنه.
وبالإخفاء، والإظهار معاً روى الحلواني عن خلاَّد.
والجماعة يأتون بالاستعاذة جهراً.
فأمَّا إسقاط التعوذ فلئلا يتوهم أن الأمر في الآية على
الوجوب، وأما الإخفاء فليفرق بين القرآن وغيره.
والوجه الإتيان بالتعوذ جهراً، والذي عليه إجماع الأمة
(أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)
وأما غير هذا اللفظ فغير متفق عليه.
ورأيت بعضهم إذا قرأ قال في أول القراءة قبل الاستعاذة
(وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨) .
فقلت له: فقد قرأت القرآن، ولم تستعذ.
стр. 542
وأجمع المسلمون على أن الاستعاذة قبل القراءة
وقال داود: الاستعاذة بعد الفراغ من القراءة، وإنما معنى قوله : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) .
كقوله ﵇: "إذا أكلت فَسم بالله"
فيلزمه على هذا ألا يسمي إلَّا بعد الأكل، فإن التزم
له ذلك كان خروجاً عن السُّنة، وعما جاء عن رسول الله ﷺ من التسمية قبل الأكل.
وقد روي عن رسول الله ﷺ من طرق شتى الاستعاذة قبل القراءة، ولم يرو عنه ﷺ الاستعاذة بعدها، ولا تفهم العرب من قول الله : (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ) الاستعاذة بعد القراءة، وإنما أتي داود من قبل العجمة.
وروي عن ورش الإمالة في أعوذ بالله، وليس ذلك من رواية -
المصريين، ولا المدنيين عنه، وكذلك روي عن الكسائي في بعض
طرق قتيبة عنه، وروى شجاع عن أبي عمرو: (الرجيم بسم الله)
بإخفاء الميم عند الباء في إدغام الكبير، والباقون لا يخفون عنه، لأن
الاستعاذة ليست من القرآن.
ويروى عن السوسى عن اليزيدي الإدغام في (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
إذا قرأ بالإدغام الكبير، واستعاذ على ذلك.
стр. 543
التسمية
روى يونس، عن ورش، عن نافع: التسمية مخفاة بين السور.
وفي رؤوس الأجزاء، وأينما ابتدى القارئ في جميع القرآن.
وروي عن حمزة مثل ذلك، إلَّا في أوائل الأجزاء فإنه يجهر بها.
وروي عنه الجهر، والإخفاء معاً في جميع القرآن بين السور وغيرها.
وروي عنه الجهر في رؤوس الأجزاء، وتركها بين السور إلا أن يكون
أول السورة أول جزء، فالتسمية جهراً حينئذ.
وروى الكسائي عن حمزة الجهر بالتسمية بين السور، وفي
الأجزاء.
وروى شجاع عن أبي عمرو التخيير بين التسمية، وتركها بين
السور، وفي الأجزاء.
فالإخفاء بين السور فيه اتباع المصحف، والإيماء
إلى أنها ليست من السورة، والجهر بها في أوائل الأجزاء مع الإخفاء بين
السور لإحاطة العلم بأنّ التسمية حينئذ للتبرك، والتخيير بين الترك
والتسمية في جميع ذلك لأن من ترك لم يترك قرآناً، ومن لم يترك أتى
بها للتبرك..
* * *
وأما فاتحة الكتاب
فروى ابن صميف التجيبي، عن الأزرق، عن ورش، عن نافع ترك
التسمية فيها، وكذلك روى عن حمزة القاضي، وابن الصباح.
والكاهلي.
ولست أصحح هذه الرواية عنه، لأنه يعتقدها آية من
الفاتحة، فكيف يسقطها؟
وأما نافع فليست عنده بآية منها.
стр. 544
وروى الحلواني وابن زربى عن سُليم عن حمزة إخفاءها في فاتحة
الكتاب، وكذلك روى مواس عن يونس عن ورش.
واعلم أني إنما أذكر المذاهب الغريبة عن الأئمة ليكون ذلك
تكملة.
وأمَّا المشهور فلا حاجة إلى ذكره؛ لأنه معلوم عند عامة القراء.
وروى يحيَى، والأعشى، عن أبي بكر، عن عاصم، ﵀.
التسمية في أول براءة في القراءة، وهو القياس؛ لأن إسقاطها إما أن
يكون لأن براءة نزلت بالسيف، أو لأنهم لم يقطعوا بأنها سورة قائمة
بنفسها دون الأنفال.
فإن كان لأنها نزلت بالسيف فذاك مخصوص بمن نزلت فيه.
ونحن إنما نسمي للتبرك، ألا ترى أنه يجوز بغير خلاف أن يقول مبتدئاً
(بسم اللَّه الرحمن الرحيم) (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)
وفي نظائرها من الآي، وإن كان إسقاطها؛ لأنها
لم يقطع بأنها سورة وحدها، فالتسيمة في أوائل الأجزاء جائزة، وقد علم
الغرض بإسقاطها، فلا مانع من التسمية.
وقد روى زِر بن حُبَيْش إن عبد الله بن مسعود أثبتها في
مصحفه، ولا نعد التسمية في أول براءة مخالفه للمصحف كما لم
نعد تركها بين السور لمن تركها مخالفه للمصحف.
* * *
باب الإدغام
يقال: أدغمت الفرسُ اللجامَ إذا أدخلتَه في فيه.
قال أهل العربية: ومن أخذ إدغام الحروف، يقال: أدغمت
стр. 545
الحرف واذغمته، والإدغام افتعال من ذلك، يقال أيضاً دغمهم الحر
بفتح الغين وكسرها أي غشيهم، والأحسن أن يكون مأخوذاً من هذا.
وقد قيل: إنه مأخوذ منه.
ومعنى الإدغام أن تصل حرفاً ساكناً بحرف متحرك مماثل له يرتفع
العضو عنهما ارتفاعة واحدة
وإنما قلت: العضو، ولم أقل: اللسان كما قال غيري؛ لأن مثل:
ثوب بكر لا يقال فيهما: ارتفع اللسان عنهما ارتفاعة واحدة.
فإن قيل: هل دخل الحرف الذي أسكنته في الثاني؟
قلت: ذاك محال أن يدخل حرف في حرف.
فإن قيل: فإذا لم يصح دخوله فيه، وهو ساكن إلى جنبه، فكذلك كان قبل الإدغام، فما الفرق بين حال الإدغام، والإظهار؟
قلت: يرتفع العضو في حال الإظهار ارتفاعتين.
وفي حال الإدغام ارتفاعة واحدة، والدليل على ما قلته من كون الأول
ساكناً أن كل حرف مشدد في تقطيع العروض حرفان الأول ساكن
يقول:
بِسِقْطِلْ لِوَى، بَيْنَدْ دَخُوْلِ، فَحَوْمَلِ
فإن قلت: فلم أسكنوا الأول؟
قلت: لو لم يسكنوه لفصَلت الحركة بينهما، فلم تحصل الرفعة الواحدة.
وقد كره إدغام أبي عمرو قوم، وعابوه، وقالوا: إن ذلك تغيير لحروف القرآن، ويؤدي إلى زوال معاني كلماته، وإنه لا أصل له، ولا أثر يؤيده، إنما هو شيء تفرد به أبو عمرو.
وكذلك عابوا من الإدغام ما لم يتفرد به أبو عمرو.
стр. 546
قال عاصم: قرأت يوماً على أبي عبد الرحمن السُّلَّمي حتى تحول
من مجلس القرآن إلى حلقة فيها نفر من الصحابة، وكان إذا فرغ من
مجلس الإقراء يجلس إليهم، وفيهم: زر بن حبيش، وشقيق بن سلمة.
والمسيب، وكان يجالسهمٍ يزيد بن الحكم الثقفي، فقلت: إن أهل
المجلس يدغمون حروفا كثيرة، ويقولون: ذلك جائز في الكلام.
فذكرت: (هل ترى) ، وقلت: يقولون: (هترى) ، و (لبثت) ، فقلت:
يقولون: (لبت) ، وأشباه ذلك، فأعظموا ذلك جميعاً، ثم قال أبو عبد
الرحمن: قاتلهم الله أخذوا هذا من قول الشعر، فإن الشاعر يدغم.
وينقص من الحروف، لئلا ينكسر عليه البيت.
وقال عاصم في هذا الحديث، فقلت في (مَا هِيَهْ) .
(ما هي) ، فقال أبو عبد الرحمن، ويحك رأس آية، فلم نقصت؟
قال: وكان في ذلك منهم كلام، وذكرت له: (يتسنَّه) ، فقلت:
(يتسن) .
فهذا معنى قول أبي عبد الرحمن يدغم وينقص..
وقال أبو العباس بن مسروق: وسمعت أبا حمدون المقرئ.
يقول: صليت ليلة، فقرأت، فأدغمت حرفاً، فحملتني عيني.
فرأيت كأنَّ نوراً قد تلبب بي، وهو يقول: بيني وبينك الله.
فقلت من أنت؟
قال: أنا الحرف الذي أدغمتني.
قلت: لا أعود فانتبهت، فما عدت أدغم حرفاً.
стр. 547
وكان أبا عبد الرحمن، والجماعة الذين ذكرهم عاصم لم يبلغهم
الإدغام، وترك هاء السكت في الوصل، فأنكروا ذلك.
وأما أبو حمدون فكان من الأئمة الزهاد الفضلاء، وقد تقدم أنه
أخذ القراءة عن الكسائي، وقرأ أيضاً على يعقوب الحضرمي، وكان
يعقوب لا يدغم دال (قد) وذال (إذ) ، ولا تاء التأنيث.
ولا لام (هل وبل) ، فيجوز أن يكون أخذ ذلك من يعقوب، وكان الحرف الذي أدغمه من هذه الحروف، وكان في نفسه شيء من إدغام الكسائى لذلك، فرأى ذلك في منامه، أو يعني بقوله: فما عدت أدغم حرفاً في الصلاة، فقد كره بعض الأئمة الإدغام في الصلاة، مع أن القراءة المنقولة عنه
الإدغام، وسأذكر ذلك فيما بعد، إن شاء الله، ولا يشك في دينه.
وصلاحه.
قال أبو العباس بن مسروق، وكان من أصحاب أبي حمدون.
وممن أخذ القراءة عنه: حدثني أبو حمدون المقرئ قال: كنت ليلة
قائماً أصلي، وصاحب لي يقال له: محمد الحناط، قائم يصلي بحذائي
على سطح، فحملتني عيني، فرأيت كأنَّ موسى بن عمران، عليه
السلام، قد أهوى إليه بحربة ليطعنه بها، فأوجزت الصلاة، وناديت يا
محمد، يا محمد! ويحك، مالك ولموسى بن عمران؟
قال: قرأت، فبلغت إلى قوله : (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) .
فقلت: ما كان أجرأه! يقول لله : (أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ)
قلت: فإني قد رأيته يومئ إليك بالحربة ليطعنك بها.
стр. 548
وكان أبو حمدون يقصد المواضع التي ليس فيها أحد يقرئ
الناس، فيقرئهم حتى إذا حفظوا انتقل إلى آخرين بهذا النعت.
ذكر ذلك ابن المنادي أبو الحسن.
وأما قول من قال: إن الإدغام شيء انفرد به أبو عمرو، وإنه غير مأثور، فليس كذلك.
فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال في كلام له:
"ليس لهذا بُعِتُّ " با لإدغام.
قال أبو عمرو الداني: هكذا رواه أئمتنا.
قال أبو عمرو: وروى سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن أبي بن كعب: أن النبي ﷺ
قرأ: (لَتخَذْتَ عَلَيْهِ أجْراً) مدغماً ساقطة الذال مكسورة الخاء.
وسمع ابن عباس يقرأ (كَمْ لَبِثْتَ قَاْلَ لَبثْتُ) و (هَلْ ترَى) بالإدغام.
وروي الإدغام عن أبي الدرداء، والحسن، وعبد الله بن
كثير، والأعمش، وابن محيصن، وطلحة بن مصرف، وعيسى بن عمر.
ومسلمة بن محارب، روى عيسى عن الحسن (فطبع على)
بالإدغام، وروى عنه سليمان بن أرقم (شهر رمضان) .
стр. 549
وروى لي أبو القاسم شيخنا، ﵀، عن ابن هذيل، عن أبي
داود، عن أبي عمرو، حدّثنا فارس بن أحمد المقرئ، حدّثنا عبد الله بن
الحسين، حدثنا أحمد بن موسى عن مضر بن محمد، حدثنا حامد بن
يحيى البلخى، عن الحسن بن محمد، عن شبل، عن عبد الله بن كثير.
﵀، أنّه كان يدغم في الرفع نحو (يَشْفَعُ عِنْدَهُ) ، و (يَعْلَمُ
مَا) وكل شيء كان في القرآن مرفوعاً.
قال أبو عمرو: حدثنا خلف بن إبرهيم بن حمدان المقرئ.
وذكر إسناداً له، عن الأعمش أنه كان يدغم كل شيء في القرآن إذا
التقى حرفان من جنس واحد نحو (إنَّهُ هُوَ) و (يَعْلَمُ مَا) .
و (يَشْفَعُ عِنْدَهُ) ، (ونُسَبِّحَكَ كَثِيْراً) ، و (لَا أبْرَحُ حَتَى) .
قال أبو عمرو: وحدثنا علي بن الحسن الشافعى، حدثنا
الحسن بن رشيق، حدثنا أحمد بن شعيب قال: قال لي أحمد بن نصر.
حدثنا متُّ بن عبد الرحمن، عن عيسى بن عمر الكوفي، عن طلحة
стр. 550
اليمانى (إنهُ هُوَ التوابُ) ، يدغم هذه عند مثلها إذا التقيا في جميع
القرآن.
قال أبو عمرو: وأخبرنا أحمد بن عمر القاضي، حدثنا علي بن
أحمد بن محمد بن سلامة، حدثنا أبو عبد الرحمن، أخبرني
أحمدبن نصر، حدثنا متّ، عن عيسى، عن طلحة أنه قرأ: (لِيُوْسُفَ
في الأرضِ) و (إِنَّكَ كَادِحٌ) .
قال أبو عمرو: وحدثنا خلف بن حمدان المالكي المقرئ، حدثنا
أحمد بن محمد، حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا القاسم بن سلام.
حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا عيسى بن مجاهد، حدثنا هارون بن
موسى، عن ابن محيصن أنه كان يدغم كل شيءٍ في القرآن من حرفين
يلتقيان من جنس واحد نحو: (يَعلم ما) ، (وأنه هو) و (يَشفع
عنده) ، و (لا أبرح حتى) ، و (نسبحك كثيراً) وشبهه.
قال: وحدثني فارس بن أحمد، حدثنا عبد الله بن الحسين، حدثنا أحمد بن
موسى، حدثنا نصر بن محمد حدثنا حامد بن يحيَى، عن الحسن بن
محمد، عن شبل بن عباد، عن ابن محيصن أنه كان يدغم في الرفع
نحو (يشفع عنده) ، و (يعلم ما) ، وكل شيء في القرآن إذا كان
أول المثلين مرفوعاً.
стр. 551
روى أبو عمرو، عن عيسى بن عمر أنه كانت قراءته (نسبحك
كثيراً، ونذكرك كثيراً إنك كنت بنا بصيراً) بالإدغام.
قال: وحدثنا طاهر بن غلبون المقرئ، حدثنا أبو بكر بن مجاهد.
قال: كان مسلمة بن محارب من علماء العربية، وكان يقرأ بالإدغام
بقراءة أبي عمرو، ويزيد حروفاً لم يدغمها أبو عمرو.
قال: وأخبرنا أبو الحسن شيخنا، يعني: ابن غلبون، قال: حدثنا
عبد الله بن المبارك، حدثنا جعفر بن سليمان، حدثنا صالح بن زياد.
عن اليزيدي، عن أبي عمرو أنه قال: الإدغام كلام العرب الذي يجري
على ألسنتها، ولا يحسنون غيره.
وتصديق ذلك في كتاب الله : (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، و (أطيرنا) .
و (اثَّاقَلْتُمْ) .
و (فمن اضطر) وقبل كل شيء (بسم اللَّه الرحمن الرحيم) .
والإدغام لا ينقص من الكلام شيئاً إلَّا أنك إذا أدغمت شددت الحرف.
فلم ينقص منه شيئاً.
قال: والعرب إذا أرادت التخفيف أدغمت، فإذا كان الإدغام
أثقل من الإتمام أتمت.
стр. 552
ولا يحمل هذا الكلام من أبي عمرو على أنه أراد أن العرب لا
تحسن الإظهار ألبتة، وإنما أراد أنها لا تحسنه في مثل (مدَّكر) ، ونحو
الراء من (الرحمن) ، والراء من (الرحيم) ، وإذا كان الإدغام في كلامها
واجباً فكيف يعاب الإدغام إذا كان جائزاً؟
والإدغام، والإظهار فيما يجوز إظهاره لغتان نزل بهما القرآن.
* * *
غرائب الإدغام
روى ابن جبير، عن اليزيدي (الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا)
٥: ١٠٦،، و (الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) بإظهار التاء في
ذلك، وقد نسِبَ ابن جبير في ذلك إلى الغلط على اليزيدي.
وكان ابن مجاهد يكره إدغام الواو من نحو: (هُوَ وَمَنْ " و (هوَ
وَالمَلاَئِكةِ) ، وذلك رأي منه في ظاهر الأمر.
وقد روى ابن سعدان، وابن جبير عن اليزيدي إدغام ذلك عن أي
عمرو، وكذلك روى محمد بن عمر بن رومي، عن اليزيدي عن
أبي عمرو، وكذلك روى محمد بن عمر أنه قرأ: (هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)
مدغمة.
وحكى القاسم بن عبد الوارث، عن أبي عمر، عن اليزيدي (مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا) .
بالإدغام، وذلك
стр. 553
مردود، وكان ابن مجاهد يكره أيضاً إدغام (آلَ لُوْطٍ) ولم يرو ذلك.
ولا عزاه إلى أحد، وقياس قول اليزيدي يقتضي الإدغام.
وكره ابن مجاهد أيضاً إدغام (يحزنك كفره) (وَمَنْ يَيْتَغ
غيْرَ الإسْلَام) وبابه.
والذي روى عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي عمرو الإدغام في (يَيْتَغِ غيْرَ الإسْلاَم) وكذلك روى الأصبهانى، عن ابن سعدان، عن اليزيدي، وحكى الخزاعي عن أصحابه (يَلْهثْ ذلِكَ) بالإدغام، عن ابن كثير، وقال ابن مجاهد: قرأتها على قنبل بالإظهار، وكذلك روى حفص عن عاصم، وروى الحلواني عن القوَّاس (اتخذتم) بالإدغام، وعن حفص فيما رواه أبو
عمرو عن أبي عمارة عنه (غرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ) ، بالإظهار.
وفي رواية الأعشى عن أبي بكر إظهار (اتخذتم)
و (اتخذت) و) لاتخذت) وفي قوله : (ثُمَّ أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوْا)
في سورة فاطر، ويدغم (أخذتم) في كل القرآن.
وقد روي عن الأعْشَى أيضاً أنه أدغم
стр. 554
(أخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ، وعن الأعشى (حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا) ، و (بَعُدَتْ
ثَمُودُ) ، و (وكَذبتْ ثَمُودُ) ، و (كَانتْ ظَالِمَةً) ، و (لَقَدْ ضَل) .
و (لَقَدْ صَرفْنَا) يدغم جميع ذلك.
وروي عنه (وَدَّتْ طَائِفَة) بإظهار التاء.
وحكى ابن جبير عن الكسائي عن عاصم أنه يدغم (وقَالَتْ طَائِفَةٌ)
و (وَدَّتْ طَائِفَةٌ) لا يقطع التاء قطعاً شديداً
قال: (وَمَنْ يَرِدْ ثَوَابَ) . و (لَقَدْ صَدَقَكُم) يقرأ عاصم
على قريب من الإدغام، وقال مثل ذلك عن عاصم في قوله :
(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ) (إذْ ظَلَمُوْا) (حُرِّمَتْ ظُهُوْرهَا)
стр. 555
(كَهيعص ذِكْرُ) (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا) (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ) و (أثْقَلَتْ دَعَوَا)
(نَضِجَتْ جُلُوْدُهُمْ) و (حَصِرَتْ صُدُوْرُهُم) و (لَهُذدِّمَتْ صَوَامِعُ)
(كمَا بَعُدَتْ ثَمُوْدُ) (إذْ دَخَلُوْا عَليْهِ) (وَلَقَدْ زَيَّنَّا) (أجِيْبَتْ دعْوَتُكُمَا)
(خبَتْ زِدْنَاهُمُ) ، (قَدْ شَغَفَهَا) (فَهَلْ تَرَىْ لَهُمْ) و (هَلْ تَرَى مِنْ فطُوْرٍ)
أهْل الْمَدِيْنَةِ على قريب من الإدغام وعاصم أشد إظهاراً، ولا يفحش
عاصم الإظهار.
وحكى ابن جبير عن الكسائي عن عاصم أيضاً إدغامهم نحو:
(لَقَدْ جِئْنَاهُمْ) و (قَدْ ضَلُّوْا) وبيَّن الذال في (اتخَذْتُمْ) وهذا -
стр. 556
غريب، وكان حَمزة، ﵀، فيما ذكر عبد الواحد، لا يدغم في
الصلاة.
قال: وحدثنا القطيعي، حدثنا أبو هشام، حدثنا سليم، عن
حمزة، ﵀: أنه كان يكره الإدغام في الصلاة ويقرأ:
(وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) .
(والذارِيَاتِ ذَرْواً) ا، يبين التاء ويخفض.
وروى نصير عن الكسائي في: (أوَعَظْتَ) و (نَخْسِفْ بِهِمْ) لا يظهر
الفاء والظاء إظهاراً بيناً، ولا يدغم إدغاماً حتى لا يبقى منهما شيء، ولكن
يخفيهما، ولم يرو عن أحد أنّه أدغم هذا غير الكسائي أعني: الفاء في
الباء.
وقال أبو طاهر في رواية أبي الحارث، عن الكسائي: (وَمَنْ
يَفْعَلْ ذَلِكَ) بإدغام اللام في الذال هذا لا يليق بمذهب الكسائى.
﵀، فإنَه قد أظهر هذه اللام أعني التي سكونها غير لازم عند حرف
هو أقرب إليها من الدال، وهو قوله : (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ) .
قال: فلو كان يرى إدغامها في الذال لكان قد أدغمها فيما هو أشبه
بمخرجها من الذال، قال: وذلك أن الفراء، وقطرباً زعما أن اللام
والنون مخرجهما واحد، ولم نره أدغم لاماً أصلها الحركة في حرف
يقرب منها غير ما ذكرنا عن أبي الحارث.
قال: ولست أشك أنه وهْمٌ منه.
стр. 557
قلت: ليست القراءة بقياس إنما ترجع إلى النقل، وقول أبي
طاهر غير محقق.
وروى ابن سعدان، عن المسيبى، عن نافع أنه أدغم النون
الساكنة والتنوين عند الغين والخاء وروى أيضاً، أعني ابن سعدان.
عن اليزيدي عن أبي عمرو أنه أدغمها عند الخاء.
وحكى أبو عبد الرحمن عن اليزيدي عن أبي عمرو أنه أدغم
الحاء في العين في قوله (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النارِ)
وحدها.
وحكى أبو عمر في رواية أبي الزعراء عنه، عن اليزيدي عن أبي
عمرو قال: من العرب من يدغم الحاء في العين كقوله (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النارِ) ، قال: وكان أبو عمرو لا يرى ذلك.
وحكى قاسم بن عبد الوارث، عن أبي عمر، عن اليزيدي، عن
أبي عمرو أنه أدغم (الْمسِيْح عِيْسى) و (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) .
وحكى البرمكي، عن أبي عمر، عن اليزيدي أن أبا عمرو أدغم
(بِوَرِقِكُمْ) وحكى ابن واصل، عن اليزيدي أنه أدغم (مِيْثَاقَكُمْ)
стр. 558
(وَمَا خَلْقُكُمْ) .
وقال ابن جبير عن اليزيدي: أدغم (أنظُرْ إلَيْكَ) (١) .
قال: وحكى أيضاً عن اليزيدي عن أبي عمرو إظهار (وَنحنُ لَهُ) .
وإدغام (بعدَ ذَلِكَ) .
وحكى أبو عبد الرحمن، عن أبيه (دَاوُد ذَا الايْدِي) وكذلك حكى ابن عبد
الوارث، عن أبي عمر، عن اليزيدي عن أبي عمرو، وزاد ابن عبد
الوارث في روايته (لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ) و (دَاوُدَ زَبُوْراً)
بالإدغام.
وحكى ابن جبير عن اليزيدي (بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ)
بالإدغام، وكذلك روى الأصبهاني عن ابن سعدان عن اليزيدي.
وحكى ابن عبد الوارث، عن أبي عمر، عن اليزيدي، عن أبي عمرو أنه
أدغم (بِبَعضِ ذُنُوْبِهِمْ) و (مِلْءُ الأرْضِ ذَهَباً) .
стр. 559
وروى العبَّاس، عن أبي عمرو إدغام الباء في الفاء في قوله: (لاَ رَيْبَ فِيْهِ)
في جميع القرآن.
وحكى أبو عبد الرحمن، عن أبيه أنّه قال:
يلزم أبا عمرو أن يدغم: (طَلّقَكَن) .
قال الشيخ عبد الواحد: وإلزامه ذلك أبا عمروٍ يؤذن بأنّه لم يكن يرى إدغامه.
قال: وكان أبو بكر، ﵀، لا يرى إدغامه، يعني ابن مجاهد.
قال أبو طاهر: ولم يلتق في القرآن غين مع غين إلَّا في
قوله (وَمَنْ يَبْتَغِ غيْرَ الإسْلاَمِ)
قال: وإدغامه عندنا قبيح لسقوط الياء بعد الغين، وقد روى أبو عبد
الرحمن، عن أبيه، عن أبي عمرو إدغامه، وكذلك روى
الأصبهاني، عن ابن سعدان، عن اليزيدي، ولم يلتق في القرآن
خاءان.
فإن قلت: فما وجه إدغام التنوين والنون عند الغين، والخاء
فيما رُوي عن نافع وعن أبي عمرو؟
قلت: الإدغام لغة بعض العرب، والبيان أشهر، وأجود، وأكثر، وإنما أخفاها بعض العرب عند الغين، والخاء إجراء لهما مجرى القاف؛ لأنهما من المخرج الثالث، وهو أدنى مخارج الحلق إلى اللسان.
стр. 560
ذكر الإمالة
والإمالة والتفخيم لغتان، وبجميع ذلك نزل القرآن، وليس بعض
القراءة بذلك أولى من بعض، ولم يزل نقل ذلك متواتراً من زمان رسول
الله ﷺ حتى وصل إلينا.
وقد روي في الإمالة آثار أنا ذَاكِرُها: من ذلك:
ما روى صفوان بن عسَّال: أنه سمع رسول الله ﷺ يقرأ: (يَا يحيى) ، فقيل له: يا رسول الله تميل، وليس هي لغة
قريش، فقال: هي لغة الأخوال بني سعد".
وحدثنا أبو البركات البغدادي، حدثنا المبارك بن الحسن بن
أحمد بن علي الشهرزوري، أنبأنا أبو الحسن على بن الحسين بن أيوب
البزَاز، حدثنا عبد الغفار بن محمد بن جعفر المؤذن، حدثنا أبو على
محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق الصواف، حدثنا عبد الله بن
أحمد بن حنبل، حدثنا محمد بن سعدان الضرير، حدثنا أبو عاصم
الكوفي الضرير، عن محمد بن عبد الله، عن عاصم، عن زِر بن حبيش.
قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود (طه) ولم يكسر، فقال
عبد الله بن مسعود: (طِهِ) وكسر الطاء والهاء، فقال الرجل: (طَهَ) ولم
يكسر، فقال عبد الله: (طِهِ) وكسر، ثم قال عبد الله: والله لهكذا
علمنّي رسول الله ﷺ .
وقال أبو عبد الرحمن السلمي: أقرأني على بن أبي طالب (رأى كوكباً) .
بالإمالة.
وحدثنا أبو القاسم بن فِيْرة الشاطبي
стр. 561
شيخنا، ﵀، حدثنا أبو الحسن بن هذيل، حدثنا أبو داود، عن
أبي عمرو الداني، قال: الفتح والإمالة فيما اختلف القراء فيه لغتان
مشهورتان مستعملتان فاشيتان على ألسنة القراء، والفصحاء من العرب
الذين نزل القرآن بلغتهم.
قال: والفتح لغة أهل الحجاز، والإمالة لغة عامة أهل نجد من
تميم، وأسد، وقيس.
قال: والفتح عند علمائنا الأصل، والإمالة فرع داخل عليه، ودليل
ذلك من خمسة أوجه:
أحدها: أن كل حرف يمال فجائز أن يفتح ابتداء ولا يجوز أن
يمال إلَّا عند وجوب سبب يدعو إلى إمالته، كالياء والكسرة ونحوهما.
والثاني: أن الإمالة تجعل الحرف بين حرفين، وليس الأصل أن
يكون الحرف بين حرفين، وإنما الأصل أن يخرج كل حرف من موضعه
خالصاً غير مختلط بغيره.
الثالث: إطلاق/النحويين القول بجواز رسم ما كان من ذوات
الياء بالألف التي الفتح منها، وإن لم يقع فيه إشكال..
والرابع: أن الكاتب إذا أشكل عليه الحرف، فلم يدر أمن ذوات
الياء هو أو من ذوات الواو؟ رسمه بالألف لا غير.
والخامس: أن الصحابة رضوان الله عليهم رسموا في المصاحف
كلها (الصلاة، والزكاة، الحياة، النجاة، ومشكاة، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ) بالواو -
стр. 562
وقال النحاة: رسموها كذلك على لغة أهل الحجاز لشدة تفخيمهم.
فتوهموا لشدة الفخامة أنها واو، فرسموها على ذلك.
فهذا كله يدل على أن الأصل الفتح، وإنما عدل عنه من اختار الإمالة من القراء، والعرب رغبة في أن يتناسب الصوت بمكانها، ولا يختلف، فيخف على اللسان، ويسهل في النطق.
قلت: أما القراء فما قرأ أحد منهم بالإمالة لما ذكره، وإنما قرأ بها
من قرأ لما رواه، ونقله؛ ألا ترى أنهم يميلون الشيء في موضع.
ويفتحونه بعينه في موضع آخر.
قال أبو عمرو: فلذلك نحا بالفتحة نحو الكسرة، فمالت الألف التي بعدها نحو الياء، ولا بد في الألف الممالة من هذا، وذلك أنها صوت لا معتمد لها في الفم، فلا تكون أبداً إلا تابعة للحركة التي قبلها تدبرها، فلذلك إذا أريد تقريبها من الياء بالإمالة تخفيفاً، وتسهيلاً لزم أن تقرب الفتحة التي قبلها من الكسرة، إذ الكسرة من الياء فتقوى بذلك على إمالة الألف بعدها.
قال: والفتح على ضربين، فتح شديد، وفتح متوسط.
فالفتح الشديد: هو نهاية فتح القارئ لفيه بلفظ الحرف الذي
يأتي بعده ألف، ويسمى أيضاً التفخيم، والقراء يعدلون عنه، ولا
يستعملونه، وأكثر ما يوجد في ألفاظ أهل خراسان، ومن قرب منهم؛
لأن طباعهم في العجمة جرت عليه، واستعملوه كذلك في اللغة
العربية، وهو في القراءة مكروه معيب.
قلت: قوله هو نهاية فتح القارئ لفيه بلفظ الحرف الذي يأتي بعده ألف لو أبدل لفظه القارئ بالمتكلم
стр. 563
كان أشذ.
والفتح المتوسط هو ما بين الفتح الشديد، والإمالة
المتوسطة، وهو الذي يستعمله أصحاب الفتح من القرّاء كابن كثير.
وعاصم، وغيرهما.
قال: والإمالة أيضاً على ضربين: متوسطة، وشديدة.
والقرّاء يستعملونهما معاً.
فالإمالة المتوسطة هي أن يؤتى بالحرف بين الفتح
المتوسط، وبين الإمالة الشديدة.
والإمالة الشديدة هي أن تقرب الفتحة من الكسرة، والألف من الياء من غير قلب خالص، ولا إشباع مبالغ.
والمصنفون من القراء المتقدمين قد يعبرون عن هذين الضربين
من الممال بالكسر مجازاً واتساعاً، كما يعبرون عن الفتح بالتفخيم.
ويعبرون أيضاً عنهما بالبطح والإضجاع.
قلت: وقد عبر عنهما سيبويه بالإجناح.
قال أبو عمرو: وذلك كله حسن مستعمل بدليل تسمية العرب
الشيء باسم ما هو منه، وما قاربه، وجاوره، وكان بسبب منه، وتعلق به
ضرباً من التعلق.
قال: ولهذا يعبر عن الإشمام بالضم في نظائر ذلك.
ثم قال: وعلماؤنا مختلفون في أي هذه الأوجه الثلاثة أوجه من
طريق النظر، وأولى من جهة القياس؟.
فقال بعضهم: أوجهها، وأولاها الفتح إذ هو الأصل، وممن ذهب إلى ذلك أبو عبيد القاسم بن سلاّم.
واحتج بالحديث المروي عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ وهو ما حدثنا محمد بن أحمد بن على، قال: حدثنا محمد بن القاسم، حدّثنا بشر بن موسى، حدثنا محمد بن مقاتل، أخبرنا عمّار بن عبد الملك، قال:
стр. 564
حدثني محمد بن عبد العزيز القرشي قاضي المدينة، حدثنا أبو الزناد
عن خارجة بن زيد بن ثابت أن رسول الله ﷺ قال: "نزل القرآن بالتفخيم".
قال أبو عمرو: قال أبو عبيد: ولو نظر في مثل هذا، يعني فيما
أميل، لانقلاب ألفه من ياء إلى الأصل للزم من رد الياء إلى الياء أنْ تردَّ
الواو إلى الواو، وهم إنما يرجعون الواو إلى الألف، فيقولون: عفا، ودنا
بالألف؛ لأنهما من: "عفوت" و "دنوت".
قال أبو عبيد: واحتجوا في الإضجاع بالخط، فقالوا: رأينا المصاحف كلها بالياء في هذه الحروف، ثم قال: والذي عندنا في ذلك أنه يلزم من أضجع
إتباعاً للخط أن يضجع على والى ولدى؛ لأنهن جميعاً كتبن بالياء.
وليس أحد يتكلم بهن بالإضجاع.
قال أبو عمرو: وقال آخرون: أوجهها الإمالة الخالصة لموافقتها
المرسوم المجتمع عليه.
وقال غيرهم: بل أوجهها الإمالة المتوسطة التي هي بين بين، وإلى ذلك ذهب الفراء وجماعة من العلماء، وهو القول عندي؛ وذلك لأمور ثلاثة:
أحدها: أن في ذلك إعلاماً بأن أصل الألف الياء، وتنبيهاً على
انقلاب الألف إلى الياء كما هو في الإمالة المحضة أو ذلك ضرب منها.
قلت: إنما يصح هذا الذي ذكره أبو عمرو لو كانت الإمالة تختص
стр. 565
بذوات الياء، فقد أميل جملة مما هو من ذوات الواو.
قال أبو عمرو: والثاني: موافقة رسم الإمام الذي ألزم أهل
الإسلام اتباعه بإجماع من الصحابة الذين هم الحجة.
وذلك أن عامة الحروف المختلف فيها مرسومة فيه بالياء، والإمالة منها.
قلت: إنما قرأ القراء بما نقلوه، ولم يعتمدوا على الخط، وإن
كانوا مجمعين على القراءة بما في المصحف لا بما يخالفه.
فأمَّا الكتابة فما اعتمدوا في القراءة عليها دون النقل؛ ألا ترى أنهم لم يتبعوا
في القراءة رسم الحياة، والزكاة، والصلاة، ورسم "لا أوضعوا".
و"لا إلى الجحيم "، و"لا أذبحنّه "، وإذا كان الأمر على هذا لم يلزم
من قرأ بالتفخيم معتمداً على النقل ما ذكره أبو عمرو.
وقال أبو عمرو: والثالث أن المعنى لا يتغير بذلك، بل هو باق
على توفره مع زيادة الأمرين اللذين ذكرناهما.
قلت: وهذا الذي ذكره أبو عمرو، ﵀، لا يقتضي اختيار الإمالة المتوسطة، على الإمالة المحضة، ولا على التفخيم.
أما الإمالة المحضة فلا يتغير فيها أيضاً المعنى، كما لا يتغئر في المتوسطة.
وأمَّا التفخيم فكيف يلزم من نقله عن أئمته أن يتركه إلى الإمالة المتوسطة؛ لأنه لا يغير المعنى.