Полный текст (746 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
حدثني شيخنا أبو القاسم الشاطبى، ﵀، حدثنا أبو
الحسن بن هذيل، حدثنا أبو داود سليمان بن نجاح، حدثنا أبو عمرو
عثمان بن سعيد الدانى، ﵀، حدثنا فارس بن أحمد المقرئ.
حدثنا أحمد بن محمد، وعبيد الله بن محمد، قالا: حدثنا علي بن
الحسين، قال: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا همام بن عبد الملك.
حدثنا قتادة، عن يحيَى بن يعمر، عن سليمان بن صرد الخزاعي، عن
أبي بن كعب قال أتينا رسول الله ﷺ فقال:
"إن الملك كان معي، فقال: اقرأ القرآن، فعدَّ حتى بلغ سبعة
أحرف، فقال: ليس منها إلا شاف كاف ما لم تختم آية عذاب برحمة.
وتختم رحمة بعذاب.
وقال أبو عمرو: حدثنا فارس بن أحمد بن موسى المقرئ، حدثنا
أحمد بن محمد، وعبيد الله بن محمد قالا: حدثنا على بن الحسين
القاضي قال: حدثنا يوسف بن موسى القطان، حدثنا عفان بن مسلم.
حدثنا حماد بن سلمة، وسمعته منه، قال: أخبرنا على بن زيد، عن عبد
الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه: أن جبريل، ﵇، أتى النبي ﷺ ، فقال: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل استزده فقال: اقرأ القرآن على حرفين قال ميكائيل استزده حتى بلغ سبعة أحرف كل كاف شاف ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة أو آية رحمة بآية عذاب".
وقال أبو عمرو أيضاً: حدثنا خلف بن أحمد القاضي، حدثنا
стр. 632
زياد بن عبد الرحمن، حدثنا محمد بن يحيَى بن حميد، حدثنا محمد بن
يحيى بن سلام، عن أبيه عن حماد بن سلمة، عن على بن زيد، عن
عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي ﷺ مثله، إلَّا أنه قال: ما لم تختم آية رحمة بعذاب أو آية عذاب بمغفرة.
قال أبو عمرو الداني، ﵀، عقيب هذا الحديث: فهذا
تعليم التمام من رسول الله ﷺ عن جبريل ﵇ إذ ظاهره دال على أنه ينبغي أن يقطع على الآية التي فيها ذكر النار والعقاب، وتفصل مما بعدها إذا كان بعدها ذكر الجنة والثواب، وكذلك يلزم أن يقطع على الآية التي فيها ذكر الجنة والثواب، وتفصل مما بعدها أيضاً إن كان بعدها ذكر النار والعقاب.
وليس الأمر كما ذكر أبو عمرو، بل الحديث يدل، على أن
القارئ يقف حيث شاء لقوله: كل كافٍ شافٍ، ولم يرد بالفصل، وترك
الوصل أن الكلام قد تم، وإنما أراد أن القارئ إذا وصل ذلك غير
المعنى، وقَلَبَه، لأنه إذا قال: (تلك عبيى الذين اتقوا، وعقبى
الكافرين) غير المعنى -، وصيَّر الجنة عقبى الكافرين.
ألا ترى أنه لو قرأ (يغفر لمن يشاء ويعذب) . لم يكن في ذلك
شيء وإن كان قد وصل المغفرة بالعذاب، وإنما الممنوع تغيير المعنى
بسبب الوصل، ويدخل في هذا نحو قوله :
(وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)
إذ في وصله ما يوهم أنهم قالوا: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) ، وأن قولهم ذلك قد أحزن رسول الله ﷺ ،
стр. 633
وليس كل أحد يعلم المراد، فيقع اللبس على من لا علم له لا سيما غير
العرب، فيوقف على قوله : (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ) ويبتدئ
ً (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) وليس كل التمام على هذه الصفة، فيكون هذا
تعليماً للتمام، إنما هذا تعليم للمعنى، ولهذا الحديث أجاز
حمزة، ﵀، الوقف حيث ينقطع النفس إلا نحو قوله :
(وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) لا يقف على (قالوا) .
وكذلك لا يقف على اليهود في قوله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) ، ولا على اليهود في قوله : (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ) .
ولا على النصارى في قوله : (وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) .
وحدثني شيخنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، ﵀.
وقرأه على، وسمعته من لفظه، وقال لي: نقلته من كلام أبي الكرم
المبارك بن فاخر النحوي البغدادي، ومن خطه، وكتب به إلى شيخنا
أبي محمد، ﵀، قال: الجملة التأليفية المركبة على الاستقلال
المتساند بعضها إلى بعض من غير إخلال إذا تعولم إجراؤها في مجالها.
ومواضعها، وتعورف إركازها في مراكزها، وأماكنها بكثرة الدور.
والكرور، والطروق، والمرور أهاب كل منها بما يليه، فأجابه بما يقتضيه
قبله، أو بعده على حسب ما يقتضيه قصده، فاقتضى الموقوف عليه
ما بدئ به بعده، والمبدوء به ما وقف عليه قبله اقتضاء اللاجئ من
يلجأ إليه، والمحيل من يحيل عليه، فإذا أضرب المتكلم عن أيهما كان
стр. 634
صفحاً، وأضرب، وذهب عن ذكره ونكب، قام ببيانه ما منه في النفس.
وشهد بمكانه ما أدركه الحس، فكان في حكم المذكور، وإن كان
مطوياً غير منشور، فاستوى فيه الناقص والتام، والموفى النظام، والمنيف
عن التمام، فجاز أن يوقف على كل منهن كما يبدأ به، ويبدأ به كما
يوقف عليه إلَّا أن الأحسن أن يوقف على الأتم، وما يقدر به، وما أناف
عليه، ثم الأحسن ألَّا يوقف على الناقص، ولا ما يقدر به، ولا القبيح
إلا على استكراه، أو ضرورة، فإذا فرض ذلك في التنزيل، جل المتكلم
به، اختلف الناس فيه، فذهب الجمهور إلى تقدير الوقف على ثمانية
أضرب: تام، وشبيه به، وناقص، وشبيه به، وحسن، وشبيه به، وقبيح.
وشبيه به، وصنفوا في ذلك كتباً مدونة، وذكروا فيها أصولًا مجملة.
وفروشاً في الآي مفصلة، فمنها ما آثروه عن أئمة القراءة في كل عصر.
ومنها ما آثروه عن أئمة العربية من النحويين من كل مصر، ومنها ما
استنبطوه على وفاق الأثر، أو خلافه، ومنها ما اقتدوا فيه بالأثر فقط
كالوقف على أواخر الآي، وهو وقف النبي ﷺ .
وذهب أبو يوسف القاضي صاحب أبي حنيفة، رحمهما الله.
إلى أن تعدد الموقوف عليه من القرآن التام، أو الناقص، أو
الحسن، أو القبيح، وتسميته بذلك بدعة، ومسميه بذلك، ومتعمد
الوقف على نحوه مبتدع.
قال: لأن القرآن معجز، وهو كالقطعة الواحدة، وكله قرآن، وبعضه قرآن، وكلفه تام حسن، وبعضه تام حسن.
стр. 635
حدثنا بذلك شيخنا أبو القاسم بن برهان، قال شيخنا أبو اليمن.
﵀: نقلت هذا الفصل من تعليقه - بخَطه يعني أبا الكرم
المبارك بن فاخر، وليس الأمر كما ذكِر أبو يوسف فإن الكلمة الواحدة
ليست من الإعجاز في شيء، وإنما المعجز - الرصف العجيب والنظم
الغريب، وليس ذلك لبعض الكلمات.
وقوله: إن بعضه تام حسن كما أن كله تام حسن يقال له: لو قال قارئ: (إذا جاء) ، ووقف، أهذا تام وقرآن؟
فإن قال: نعم، قيل: أفما يحتمل أن يكون القائل أراد إذا
جاء الشتاء؟ وكذلك كل ما يفرده من كلمات القرآن موجود في كلام
البشر، فإذا اجتمع، وانتظم انحاز عن غيره، وامتاز،، ظهر ما فيه من
الإعجاز، ففي معرفة الوقف، والابتداء الذي دونه العلماء تبيين معاني
القرآن العظيم، وتعريف مقاصده، وإظهار فوائده، وبه يتهيأ الغوص
على درره، وفرائده، فإن كان هذا بدعة فنعمت البدعة هذه.
وأجاز جماعة من القراء الوقف على رؤوس الآي.
عملا بالحديث، فيقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ثم يقولون (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) وهو مذهب يؤيده الحديث والمعنى.
أما الحديث فقد ذكر، وأما المعنى فإن هذه الفواصل إنما أنزل
القرآن بها ليوقف عليها، وتقابل أختها، وإلَّا فما المراد بها؟
ألا ترى أن (بمصيطر) تقابل (إنمَا أنتَ مُذَكرٌ) ، وكذلك (الأكبر) ،
стр. 636
تماثل (مَنْ تَوَلى وكَفَرَ)
إلَّا أن من الفواصل ما لا يحسن الوقف
عليه كقوله : (فَوَيْلٌ لِلْمُصَليْنَ)
لأن المراد: فويل للساهين عن صلاتهم، المرائين فيها، فلا يتم هذا المعنى
إلا بالوصل، وليس الوقف على قوله (والضحى)
كالوقف على ما جاء في الحديث، فاعلم هذا.
وعن أبي عمرو بن العلاء، ﵀، الوقف على نحو قوله عز
وجل: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيبِ) ويبتدئ (وَيُقِيْمُونَ الصلَاةَ)
لأن الثاني منفصل من الأول؛ لأن إقامة الصلاة معنى غير الإيمان
بالغيب، وكذلك كل ما كان مثله.
وقد اختار العلماء وأئمة القراء تبيين معاني كلام الله .
وتكميل معانيه، وجعلوا الوقف منبهاً على المعنى، ومفصلاً بعضه
من بعض، وبذلك تلذ التلاوة، ويحصل الفهم والدراية، ويتضح منهاج
الهداية.
فلا يقفون على مبتدأ دون خبره، ولا على موصوف دون
صفته إلَّا أن يكون الكلام في الوقف على الموصوف مستقلاً مفيداً
مفهوماً، فيجيزون الوقف عليه، ولا يجيزون الابتداء بما بعده، ويسمونه
الوقف الحسن، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
ولا على المبدل منه دون البدل إلَّا كقوله :
(اهدنا الصراط المستقيم)
فإنه يوقف عليه، ويبتدأ بما بعده كما تقدم في الصفة.
ولا على الشرط دون جزائه كقوله : (وَمَنْ يَتقِ اللهَ)
стр. 637
وهذا الوقف قبيحٍ؛ لأنه كلام غير مفهوم حتى يتصل بقوله
: (يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجا)
وكذلك جواب "لو" نحو (لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا) وكذلك (لولا) كقوله:
(ولَوْلاَ دَفْعُ الَلهِ الناسَ)
وقد يكون جوابهما محذوفاً فيوقف حينئذ كقوله : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا) الوقف على واتَقوا، ويبتدئ (لَمَثوْبَة) وكذلك (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) .
ولا على الأمر دون جوابه إلا أن يكون الكلام مفهوماً مفيداً، فيوقف عليه، ولا يبتدأ بما بعده كقوله (وأطِيعُوْنِ يَغْفِرْ لَكُمْ) .
وكذلك (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠)
تقف عليه، ولكن لا تبتدئ (يُرْسِلِ السمَاءَ) وكذلك النهي كقوله : (فَلاَ تَدْع مَعَ الَلهِ إلَهاً آخَرَ) لا تبتدئ (فتكونَ مِنَ المُعَذبِيْنَ) .
وكذلك الدعاء كقوله : (رَبَّنَا أخرْنَا إلَى أجَل قَرِيْب)
لا يبتدأ بما بعده، فيقال: (نجبْ دَعْوَتَكَ) .
قال مصنفو الوقف والابتداء،: وكذلك الاستفهام. قالوا: لا يوقف
على (حقاً) من قوله (فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبكُمْ حَقاً)
حتى يصله بقوله (قَالُوا نَعمْ) لأنه جواب، وليس هذا عندي كجواب الشرط، ولا كجواب الأمر في قبح
الابتداء بالجواب، بل الابتداء به حسن سائغ، وكذلك التمني
стр. 638
لا يوقف عليه، دون الجواب كقوله : (يَا لَيْتَنى كُنْتُ مَعَهُمْ فَأفُوْزَ
فَوْزاً عَظِيماًً)
ولا على القسم دون جوابه كقوله : (والليْلِ إذَا يَغْشَى)
وما بعده لا يوقف علي (الأنثى) ؛ لأن الفائدة في المقسم عليه، وهو قوله : (إن سَعْيَكُمْ لَشَتى) .
وكذلك قوله : (والضحى)
لا يوقف دون (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) .
وكذلك (والذارِيَاتِ ذَرْواً)
(والتينِ والزيْتُونِ) ، وما أشبهه.
وأما قوله : (والنازِعَاتِ غرْقاًً) فإنه يوقف على
قوله (فالمُدَبراتِ أمْراًً)
لأن الجواب محذوف، والتقدير: لتبعثن
هذا إن جعلت (يومَ ترجُفُ الراجفة) منصوباً بفعل مضمر، أي أذكر يوم، وإن قدرته ظرفاً للفعل المقدر أي لتبعثن يوم
لم تقف على (المدبرات أمراً) ، وقد زعم قوم: أنّ الجواب (يومَ ترجُفُ الراجفة) .
وقال آخرون: الجواب: (إن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً) .
والأول قول أجلاء العلماء والاستثناء على ضربين، متّصل، ومنقطع.
فالمتصل قالوا: لا يوقف على المستثنى منه دون المستثنى كقوله
: (إن الإنسَانَ لَفِيْ خُسْرٍ) ؛ لأن الإنسان يراد به ها هنا جميع الناس.
стр. 639
قال بعض المفسرين: أراد بالخسر دخول النار، وقيل: لفي خسر
من التجارة (إلا الذين آمنوا) فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا، فربحوا.
وغيرهم تَجِرَ خلاف تجارتهم فخسر.
قال أبو عبيدة: "لفي هلكة ونقصان ".
والمنقطع ما كان المستثنى فيه ليس من الأول كقوله عز
وجلّ في سورة الانشقاق: (فَبَشَرْهُمْ بِعَذَاب ألِيم) .
قال ابن الأنباري: هو استثناء منقطع كأنه قال.
(لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) كما قال في سورة البقرة (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)
قال: معناه: لكن الذين ظلموا منهم فإنهم لا حجة لهم، وكذلك يروى عن ابن مجاهد أنه كان يقف على (أجر غير ممنون)
وقال: معناه: لكن، ولا مانع من القضاء باتصاله أي:
(إلا الذين آمنوا) من المذكورين وعملوا الصالحات.
وقوله في سورة البقرة (اسْجُدُوْا لآدَمَ فَسَجَدُوا)
يسوغ فيه الأمران، وكيف ما كان فالوقف عليه سائغ إلَا أنّه لا يبتدأ بما
بعده، إذا قدرته متصلاً.
ومما عدّوه من المنقطع قوله تعالى (إِلَّا أَذًى) في آل عمران.
و (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ)
وقوله : (وكيلًا إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ) في بني إسرائيل
و (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ)
و (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) .
وقوله في سورة: والتين والزيتون
(أسْفَلَ سَافِليْنَ إلا الذِينَ آمَنُوا)
فاختاروا الابتداء بـ (إلَّا) في هذه المواضع.
стр. 640
وقال ابن النحاس في قوله : (لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) .
تام، لأن (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) استثناء ليس من الأول بمعنى لكن.
قال أبو عمرو الداني: فسبيل ما ورد في كتاب الله من
هذا الضرب من الاستثناء في كون الوقف قبله تاماً سبيل هذين
الموضعين يعني (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) و (إلا الذِينَ آمَنُوا)
في الانشقاق وذكر جميع المواضع التي ذكرتها.
فأقول، وبالله التوفيق: أما قوله : (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى)
فإن جماعة من المفسرين ذهبوا إلى أنه منقطع، والقول بأنه متصل ظاهر، والمعنى: لن يضروكم ضرراً إلا نوعاً واحدا من الضرر، وهو الأذى، وهو ما تفوه به ألسنتهم من الباطل، والسب، ونحو ذلك، فأمَّا الغلبة والتسليط
عليكم فلا، (وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١) .
وهذا كقوله : (وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) .
أي إلا زمناً، أو وقتاً قليلاً.
ولو قدر أنه منقطع لم يكن الوقف قبله تاماً، لأن
المعنى بعد) إلا) له تعلق بما قبلها، فلو قيل: إن الوقف قبل (إلا) كاف
كان أحسن.
وأما قوله : (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) فذهب بعض البصريين
إلى أنه استثناء منقطع، قال: لأن قوله (أيْنَمَا ثُقِفُوا) تمام، ثم قال:
(إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) أي لكنهم يعتصمون بحبل من الله.
وقال أبو القاسم: (إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ) في محل النصب على
стр. 641
الحال أي إلا معتصمين، أو متمسكين.
قال: وهو استثناء من أعمّ عامّ الأحوال، والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل الله، وحبل الناس، يعني ذمة الله، وذمة المسلمين، أي لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة، وهي التجاؤهم إلى الذمة لما بذلوه من الجزية.
وقال قوم من الكوفيين: التقدير: إلا أن يعتصموا بحبل من الله.
ولذلك دخلت الباء، وهي متعلقة بهذا الفعل المحذوف، وقال بعضهم
أيضاً: هو استثناء من الأول محمول على المعنى؛ لأن معنى الكلام:
ضربت عليهم الذلة بكل مكان إلا بموضع من الله.
والصحيح قول من قال: إنه متصل
وأما قوله : (ثُم لَا تَجدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا إلَّا رَحْمَة مِنْ
رَبِّكَ) فيجوز أن يكون منقطعاً، ومع كونه منقطعاً، فليس الوقف
على قوله: (وَكِيلًا) بتام؛ لأنّ المعنى، ولكن رحمة ربك تركته باقياً
لم يذهب به، فيكون الوقف كافياً لتعلق بعض الكلام ببعض، وقد أجيز
أن يكون متصلاً أي لو شئنا لذهبنا بالقرآن فمحوناه من المصحف، ومن
الصدور، ثم لا تجد لك حينئذ وكيلاً يتوكل علينا برده، وإعادته على
الحال التي كان عليها إلا رحمة من ربك، كان رحمته سبحانه تتوكّل
بالردّ، فعلى هذا لا يوقف على قوله: (وكيلًا) .
وأما قوله : (إنِّيْ لَا يَخَافُ لَدَىَّ المُرْسَلُونَ إلَّا مَنْ
ظَلَمْ) فقد قيل: إنّه منقطع، وهو قول البصريين، قالوا: وذلك أن
стр. 642
الاستثناء المتصل يكون ما بعده مخالفاً لما قبله من المعنى، وقوله:
((إنِّيْ لَا يَخَافُ لَدَىَّ المُرْسَلُونَ) تأمين، وقوِله (إلَّا مَنْ ظَلَمَ - إلى
قوله فإني غَفُورٌ رَحِيمٌ) تأمين أيضاً، فقالوا: فقد اتحد
المعنى فيهما فوجب ألَّا يكون من الأول، قالوا: ومثله من كلامهم
"ما اشتكى إلا خيراً" لأن الثاني مثل الأول في حصول الخير؛ لأن
(ما اشتكى) يدل على حصول الخير، وقوله: (إلا خيراً) مثل الأول، وكأنه
قال: "ما أذكر إلا خيراً "، قالوا: و"إلا" بمعنى " لكن " أي لكن من ظلم من
المرسلين وغيرهم، ثم تاب، فإني غفور رحيم.
وقال أبو القاسم: (إلا) بمعنى (لكن) ، قال: لأنه لَمَّا أطلق نفي
الخوف عن الرسل كان ذلك مظنة لطروء الشبهة، فاستدرك ذلك.
والمعنى: ولكن من ظلم منهم أي فرطت منه صغيرة مما يجوز على
الأنبياء كالذي فرط من آدم، ويونس، وداود، وسليمان، وإخوة يوسف.
ومن موسى ﵇ بوكزه القبطي، ويوشك أن يقصد بهذا التعريض
ما وجد من موسى ﵇، وهو من التعريضات التي يلطف
مأخذها، وسماه ظلماً كما قال موسى ﵇ (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ) .
والوقف على هذين الوجهين كافٍ؛ لأن المعنى بعد (إلا) فيه تعلق بما قبلها.
وقال الفراء: يجوز أن يجعل الاستثناء من الذين تركوا في
الكلمة، لأن المعنى لا يخاف لدي المرسلون، إنما الخوف على
стр. 643
غيرهم، ثم استثنى، فقال: (إلا من ظلم) فإن هذا لا يخاف، تقول:
كان مشركاً فتاب، وعمل حسناً فذلك مغفور له، ليس يخاف، وردّ
عليه هذا القول.
وقيل: الاستثناء من محذوف لا يجوز؛ لأنه لا يعلم ما هو؟
قالوا: ولو جاز هذا لجاز: "لا أضرب القوم إلَّا زيداً"
على معنى وأضرب غيرهم إلا زيداً، وهذا ضد البيان، ونقض الكلام، وليس هذا الرد بشيء، لأن قوله: (لا يخاف لدي المرسلون) يدل على
خوف غيرهم، وقوله: (إلا من ظلم) يدل على أن المعنى: إنما يخاف
الظالمون إلا من ظلم ثم بدل حسناً بعد سوء) فإني غفور رحيم) ، أي
فإني أغفر له فلا يخاف.
ففي الكلام ما يدل على ما صار إليه الفراء، وليس في المثال الذي ضربوه له دليل، فعلى هذا يكون الاستثناء متصلًا، ويكون الوقف على (المرسلون) كافياً، و (إلا) متعلق بمحذوف، ويجوز الابتداء ب (إلا) ، كان المحذوف قد ابتدئ به معها كما يبتدأ بقوله تعالى: (قادرين) في القيامة والتقدير: بجمعها
قادرين.
قال الفراء: وقد قال بعض النحوير: إن (إلا) في اللغة بمنزلة
الواو، وإنما معنى هذه الآية: لا يخاف لدي المرسلون ولا من ظلم ثم
بدل حسناً، قال: وجعلوا مثله قول الله تبارك، وتعالى: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ)
قال: ولم أجد العربية تحتمل ما قالوا؛ لأني لا أجيز:
"قام الناس إلا عبد الله "
стр. 644
وهو قائم، إنما الاستثناء أن يخرج الاسم الذي بعد (إلا) من معنى
الأسماء قبل (إلا) ، وقد أراه جائزاً أن يقول لي: "عليك ألف سوى
ألف آخر"، فإن وضعت (إلا) في هذا الموضع صلحت، وكان (إلا) في
تأويل ما قالوا، فأما مجردة قد استثني قليلها من كثيرها فلا ولكن مثله
مما لا يكون معنى إلا كمعنى الواو، وليست بها.
قوله : (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ) هو في المعنى: إلَّا الذي شاء ربك من الزيادة فلا تجعل (إلا) بمنزلة الواو، ولكن بمنزلة سوى، فإذا كانت (سوى) في موضع (إلا) صلحت بمعنى الواو، ولأنك تقول: عندي مال كثير سوى هذا أي وهذا عندي، كأنك قلت: عندي مال كثير وهذا، وهو في (سوى) أبعد منه في (إلا) لأنك قد تقول: عندي سوى هذا، ولا تقول (إلا) هذا، والقول الراجح أنه متصل والمعنى: لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم أي إلا الذي ظلم، وخاف، ثم بدل حسناً يعني إلا من هذه صفته، فإنه قد خاف لدي، ويتصل قوله (فإني غفور
رحيم) بقوله: : (لا يخاف لدي المرسلون) أي إلَّا من عمل
بغير إذن، ويؤيّد ذلك قول ابن جريج: لا يخاف الأنبياء إلَّا بذنب يغشاه
أحدهم فإن أصابه أخافه الله.
وقول الحسن: كانت الأنبياء تذنب، فتعاقب، وإنما أخيف لقتله النفس، لأنه لو اقتصر على قوله: (لا يخاف لدى المرسلون) لقال قائل: فقد خاف موسى ﵇ حين قال (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) .
فقال : (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) أي إلا من فعل مثل ما فعلت، ثم بدل حسناً، فإنه قد خاف لدي، وقد كان يكفي قوله: (إِلَّا مَنْ ظَلَمَ) ، وإنما قال
(ثم بدل حسناً بعد سوء) لطفاً
стр. 645
بموسى ﵇ ليطمئن بغفران ذلك الذنب بالتوبة.
وأما قوله (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) .
فقد قيل: إنّه متصل أي: فذكر قومك. إلا من تولى عنك، وأعرض عن
الإيمان وكفر، فـ "من" على هذا في موضع نصب، و (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) اعتراض.
وقيل: إنه منقطع أي لست عليهم بمصيطر أي لست بقاهر لهم لكن من تولى وكفر فالله مصيطر عليه، وقاهر له، فيعذبه
العذاب الأكبر عذاب جهنم.
وقوله : (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أسْفَلَ سَافِلِينَ إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)
فقد قيل: هو متصل، و"أسفل سافلين ": إما أن يراد به في تغيير الخلقة
بالنار أي أن أهل النار في قبح السورة أسفل كل من سفل في ذلك
(إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) فإنهم لم يردوا إلى ذلك، أو أسفل من كل سافل في
المنزلة، وأهل النار كذلك.
وقيل: هو منقطع، ومعنى "أسفل سافلين ": أرذل العمر لكن الذين
آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون يعني الجنة.
ولا يوقف على المُعَلل دون العلّة كقوله : (فَوَلّوْا
وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) وكقوله: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ) .
وكقوله: (وأنْزَلْنَا إلَيْكَ الذكْرَ) ؛ لأن (لِتُبَينَ للناسِ) علّة الإنزال، وكذلك
стр. 646
(وابنِ السبِيلِ كَيْلاَ يَكُونَ دُوْلَة) .
ولا يوقف دون لام الجحد كقوله : (ومَا كَانَ اللهُ لِيَضِيْعَ
إيْمَانَكُمْ)
والوقف على أربعة أقسام:
تام: وهو الذي انفصل مما بعده لفظاً ومعنى.
وكافٍ: وهو الذي انفصل مما بعده في اللفظ، وله به تعلق في
المعنى بوجه.
وحسن: وهو الذي لا يحتاج إلى ما بعده؛ لأنه مفهوم دونه
ويحتاج ما بعده إليه لجرَيَانه في اللفظ عليه.
وقبيح: وهو الذي لا يفهم منه كلام، أو يفهم منه غير المراد
وقال قوم: الوقف قسمان: تام وقبيح، فعند هؤلاء الوقف في الأقسام
الثلاثة تام.
وقال آخرون: الوقف ثلاثة: تام وكاف وقبيح، فجعلوا الحسن من
جملة القبيح، والاختيار تفصيل هذه الأوقاف، وتقسيمها إلى أربعة
كما سبق.
فأمَّا القسم الأول وهو التام، ويسمى أيضاً المختار فكقوله
стр. 647
عز وجل: (مَالِكِ يَوْمِ الديْنِ) وقوله (وَلَا الضاليْنَ)
وقوله: (أولَئِكَ عَلَى هُدَىً مِن ربهم وأولئك هم المفلحون)
وشبه ذلك بما لا تعلق لما بعده به لفظاً، ولا معنى.
وأما الكافي، ويسمى الصالح، والمفهوم، والجائز فهو الذي
يحسن الوقف عليه لإفادة الكلام، ويحسن الابتداء بما بعده، وإن كان
متعلقاً بالأول بوجه من المعنى كقوله : (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) .
فهذا كلام كافٍ مفهوم.
والذي بعده أيضاً كلام مستقل مستغن عما قبله في اللفظ، وإن اتصل به
في المعنى، وهو قوله : (وبِالآخِرَةِ هُمْ يُوْقِنُونَ) .
وأما الحسن فهو الذي يحسن الوقف عليه؛ لأنه كلام مفيد حسن.
ولا يحسن الابتداء بما بعده لتعلقه به لفظاً ومعنى كقوله :
(الحَمْدُ لِلَّهِ) فهذا كلام حسن مفيد، وقوله بعد ذلك (رَبِّ العَالَمِينَ)
غير مستغن عن الأول إلَّا أن الحسن إذا كان رأس آية
نحو: (رَبِّ العَالَمِينَ) فإنهم أجازوا الابتداء بما بعده، وإن تعلق بما
قبله في اللفظ والمعنى لحديث أم سلمة: ثم يقول (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
ثم يقف ثم يقول - (مَالِكِ يَوْمِ الدينِ) .
وحكى اليزيدي عن أبي عمرو أنه كان يسكت على رؤوس الآي
ويقول: إنه أحب إليَّ.
وقد يحتمل الموضع الواحد أن يكون تاماً، وأن يكون كافياً، وأن
стр. 648
يكون حسنًاً كقوله : (فِيْهِ هُدَىً لِلْمُتقِينَ)
يجوز أن يكون تاماً إذا كان (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْب) مبتدأ، والخبر
(أولَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ) ، ويجوز أن يكون كافياً إذا جعلت
(الذين يؤمنون بالغيب) مرفوعاً على معنى هم الذين، أو منصوباً على
معنى أعني الذين، وأن يكون حسناً إذا كان في موضع خفض نعتاً
للمتقين.
والقبيح: هو الذي لا يجوز تعمد الوقف عليه إما لنقص
المعنى، وإمّا لتغييره.
فنقص المعنى كقولك: (بسم) فإن هذا لا يفيد
معنى، والتغيير كقولك: (فَوَيْل لِلْمُصَليْنَ) ، وكقولك:
(إن اللهَ لاَ يَهْدِي) ، و (إن اللهَ لاَ يَسْتَحيي) ، و (إن اللهَ لاَ يَأمُرُ) .
وكقولك (وإنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النصْفُ وَلأبَوَيْهِ) ، و (إنَّما
يَسْتَجيبُ الذِينَ يَسْمَعُوْنَ والمَوْتَى) ، وكقوله: "ومَا مِن إلَهٍ) .
وَ (لاَ إلَهَ) وَ (أصْحَابُ النارِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ) .
وهذا كثير يجب أن يحذر، ويحترز منه، وكذلك عند انقطاع النفس على ما لا يوقف
стр. 649
عليه إذا احتجت أن تصله بما قبله فاحترز في الرجوع إلى ما قبله أن
تكون مبتدئاً بما لا يحسن مثل أن ينقطع النفس على قولك: (عزيرٌ
ابن) ، فتقول في وصله بما قبله: (عزيرٌ ابن الله. . .)
ومثل أن يحتاج القارئ إلى الرجوع إلى ما تقدم لوصل الكلام
فيقول: (إن الله فَقِيرٌ) ، (إن اللهَ هُوَ المَسِيحُ) جل الله .
فهذا مثال يقاس عليه.
وقال أبو عمرو الداني في تمثيل الوقف الكافي: وذلك نحو الوقف
على قوله: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) والابتداء بما بعد
ذلك في الآية كلها.
قال: وكذلك الوقف على قوله: (أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ)
والابتداء بما بعد ذلك إلى قوله: (أو أشتاتاً) .
قال: وكذلك الوقف على قوله (اليَوْمَ أحِل لَكمُ الطييَاتُ)
والابتداء بما بعد ذلك.
وهذا ليس بالوقف الكافي؛ لأن هذه المواقف يتعلق ما بعدها بما
قبلها في اللفظ، والمعنى، وإنما هي من الأوقاف الحسان.
وأما قوله : (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) .
стр. 650
فإنه رأس آية كقوله : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)
وقد تقدم القول فيه.
وأما قوله: (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) .
فهو وقف كافٍ؛ لأنَ ما بعده لا يتعلق به في اللفظ وكذلك رؤوس الآي إلى قوله : (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦) .
وهو وقف تام؛ لأن قوله : (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ) لا يتعلق به لفظاً، ولا معنى.
وأما قوله : (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا)
(وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) .
(والنجم إذا هوى)
(وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) ، (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا)
(وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)
(والشمسِ وَضحَاهَا) ، (والليلِ إذَا يَغشَى)
(والضحى) ونحو ذلك، فإنْ هذه الأقسام لا يوقف عليها عندهم قبل جوابها.
وقد أجازوا الوقف على نحو (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)
قيل الجواب على الآية التي بعدها الجواب نحو (وإذَا الجَنة أزْلِفَت)
وعللوا ذلك بطول القصة، ويلزمهم ذلك في نحو
(والشمسِ وَضحَاهَا) وكونها رؤوس أي أن يجوز ذلك..
стр. 651
وأجاز بعضهم في (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) ونحوها أن يقف على
كل آيتين لطول القصة.
وكان شيخنا أبو القاسم، ﵀، يقف فيها علي قوله (بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) لا غير، ثم على (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) .
وعن عمر، ﵁، أنه قرأ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)
فلما بلغ إلى قوله : (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ)
قال: لهذا جرى الحديث.
وقرأها قارئ عند ابن مسعود فلما بلغ إليها قال ابن مسعود:
وا انقطاع ظهرياه. وهي اثنتا عشرة آية ست في الدنيا وست في
الآخرة.
وقال بعضهم: إذا لم يقدر على التمام ووقف عند رؤوس الآي
جاز، ولا يكلف الإنسان ما ليس في وسعه.
والوقف على قوله : (وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ) في
سورة الفتح كاف، والهاء للنبي ﷺ ، ويبتدئ (وَتسَبًحُوهُ) ،! والهاء لله .
وقوله ٍ: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) .
وقف كاف، و (وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) .
стр. 652
كافٍ أيضاً، والهاء لِله ، وقيل: للإنسان أي انه لشهيد على
عصيانه وبخله مقر بذلك.
وقوله : (لَشَدِيْد) ، كافٍ.
وقال قوم: منهم: أبو عمرو عثمان: هو تام.
وكذلك قالوا في قوله : (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠) .
إنه تام، وهو كافٍ أيضاً، لأن التعلق في المعنى موجود في
الموضعين.
وفي آية الكرسي عشرة أوقاف:
(اللهُ لاَ إلَهَ إلَّا هُوَ) كاف على أن قوله : (الحَي القَيومُ) خبر مبتدأ محذوف. (لا نَأخُذُهُ سِنَة ولَا نَوْم) كاف.
(ومَا فِي الأرْضِ) كافٍ. (إلَّا بإذْنِهِ) كافٍ.
(ومَا خَلْفَهُم) كافٍ.
(إلا بِمَا شَاءَ) كافٍ. (السمَاواتِ والأرضَ) كافٍ، (حِفظُهُمَا) كافٍ.
(العظيمُ) تام.
وفي قوله : (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا)
في آل عمران عشرة أيضاً: (طائفة مِنْكُمْ) حسن.
ً (أنفُسُهُم) حسن. (الجاهليةِ) كافٍ.
(مِنْ شيءٍ) كافٍ. (كله لِلهِ) كافٍ، (يُبدُونَ لَكَ) كافٍ، (ها هُنَا) كافٍ، (مَضَاجِعِهِمْ) حسن، (في قُلُوبِكُمْ) كافٍ شبه تام (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) تام.
وفي الشورى آية فيها أيضاً عشرة أوقاف قوله :
стр. 653
(فَلِذَلِكَ فَادْعُ) هذا وقف كافٍ
(وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) مثله، (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) مثله، (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ) مثله (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) مثله، (رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) مثله.
(وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) مثله، (بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ) مثله، (يَجْمَعُ بَيْنَنَا) مثله، (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) تام.
وفي سورة الامتحان أيضاً آية فيها من الأوقاف هذه العدة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ)
كاف، (اللهُ أعْلَمُ بإيْمَانِهِن) مثله، (فَلاَ تَرْجعُوهُن الَى الكُفارِ) مثله.
(حلٌّ لَهُمْ) مثله، (يحِلْونَ لهن) مثله، (مَا انفَقُوا) مثله.
ً (أجُورَهُن) مثله، (وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافر) مثله، و (اسألوا ما
أنفقتم) مثله (وليسألوا ما أنفقوا) مثله، (يحكمُ بَيْنَكُمْ) مثله.
(عليمٌ حَكِيمٌ) تام.
فهذه مواضع من الوقف والابتداء مبينة على الأصول التي أسلفتها
في معرفة التام، والكافي، والحسن.
والاعتماد إنما هو على معرفتها، وترك الاغترار بما ذكره المصنفون
في هذا الباب في الفرش، فإنهم يغلطون كثيراً، ويقولون: حسن، وهو
كاف، وكاف، وهو حسن، ونحو ذلك مما تشهد به تصانيفهم، وقد
يختلف الوقف باختلاف التأويل: من ذلك قوله : (لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) إن كان (فيه هدىً) مبتدأ وخبراً وقفت على (لا ريب) وهذا الوقف يروى عن نافع وعاصم وهو كقوله (لَا ضَيْرَ)
стр. 654
ويكون التقدير لا ريب فيه، ثم استأنف فقال: (فيه هدى)
ويقف على (لا ريب فيه) ، يجعل الجار والمجرور متعلقاً ب (لا ريب
فيه) ، ويبتدئ: (هدى للمتقين) على معنى: هو هدى.
فعلى الأول الوقف تام على قول أصحاب الوقف، وعلى
المعنى الثاني الوقف كاف.
وقوله : (للمُتقِينَ) وقف كافٍ على أن (الذين) بعده
مرفوع بإضمار مبتدأ، أو منصوب بإضمار أعني، وهو وقف حسن، على
أن (الذين) بعده في موضع جر صفة (للمتقين) وهو في القرآن كثيرٌ.
ومنه قوله : (الخَنَّاس) في قوله: (الَّذِي يُوَسْوِسُ)
جميع هذه الوجوه.
وزعم ابن الأنباريّ، والسجستاني، والأخفش، وابن عبد الرزاق
وغيرهم أنه لا وقف إلّا آخر السورة وقال أبو عمرو الداني ﵀:
(الخَنَّاس) كافٍ: هو الصواب، قال: إلا أن يجعل (الذي) في موضع
خفض نعتاً لما قبله.
وكذلك فواتح السور كلّها تام، على أنَّ الفاتحة اسم للسورة
стр. 655
أي: اقرأ (الم) و (الر) ، و (المر) وعلى تقدير أن
الفاتحة مبتدأ، وما بعدها الخبر لا يوقف عليها.
وفي ذلك قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ) ، هو وقف كافٍ على أن (تُلْقُونَ)
مستأنف، وهو وقف حسن على أن (تُلْقُونَ) في موضع نصب على
الحال، وإلى الأول ذهب جماعة منهم محمد بن عيسى ونصير.
وقد يكون الوقف لبيان المعنى كقوله : (يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) فهذا وقف حسن إلَّا أنه يبتدأ بما بعده لبيان المعنى لثلا يتوهم أن (إِيَّاكُمْ) بمعنى التحذير.
ومن هذا ما هو واجب كقوله (وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ)
لا يجوز وصله لئلا يتوهم فيه أنهم قالوا: (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا)
وأن ذلك مما يحزنه، ومثله (فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) لأن القارئ يجوز له أن يتجاوز الوقف إلى الوقف الذي بعده إن قوي نفسه على ذلك إلَّا في مثل هذا لما ذكرته.
على أن الاختيار عند القراء الوقف على ما هو وقف لما في
ذلك من معرفة انفصال الكلام بعضه من بعض ومن تبيين المعنى.
стр. 656
وقالوا: من تجاوز الوقف وقف في غير الوقف أي أنه ينقطع نفسه
في غير الوقف، وقد يكون الموضع وقفاً على معنى وغيروقف على
معني آخر كقوله تعالى: (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ)
إن كان (ومَنْ عِنْدَهُ) معطوفاً على ما قبله لم يكن الوقف تاماً.
ولم يجز الابتداء بما بعده، وهو وقف تام على أن (وَمَنْ عِنْدَهُ)
مبتدأ، وعلى هذا الوجه كان الشيخ أبو الجود، ﵀، يعمل، ولا
أشك في أنه نقله، وتلقاه في حال قراءته.
وكذلك الوقف على (لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا)
على أن (إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ) بمعنى "ما كنا فاعلين " وليس كذلك على أن (إِنْ)
شرط، وقد يكون الوقف على قراءة تاماً، وعلى أخرى غير تام كقوله
: (الحميدِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السماواتِ) .
وهو وقف تام على قراءة نافع، وابن عامر، وقراءتهما برفع اسم الله
، وقرأ الباقون بالخفض، فلا يجوز الابتداء به على قراءتهم.
ولهذا نظائر كثيرة.
ومن الاختلاف في الوقف لاختلاف المعنى قوله : (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) ، وهو وقف تام على أن ما بعده مبتدأ وخبر، وإلى هذا الوقف ذهب نافع، والكسائي، والفراء، والأخفش، وابن كيسان، وأبو حاتم ويعقوب، وابن إسحاق، والطبري، وإلى معناه ذهب مالك بن أنس، ﵀، ومعنى (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ)
стр. 657
يسلْمون ويصدقون في قول ابن عباس، ﵀، وعائشة.
﵂، وابن مسعود ﵃.
قال عروة بن الزبير: (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) لا يعلمون تأويله.
ولكن يقولون: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) وعلى هذا أكثر
المفسرين.
واختلف الذاهبون إلى هذا في المتشابه ما هو؟
فقال ابن عباس: وابتغاء تأويله: هو طلب الأجل في مدة محمد ﷺ وأمته من قبل الحروف التي في أوائل السور، وذلك أنهم حسبوها على حروف الجُمَّل بالعدد فقالوا: هذه مدة محمد ﷺ وأمته، والمتشابه على هذه حروف الفواتح، (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ) أي وما يعلم متى تقوم الساعة، وتنقضي مدة هذه الملة إلا الله تعالى على هذا.
وهو، عند أكثر هؤلاء، قيام الساعة، وهو من المآل.
стр. 658
وقال آخرون: لا يوقف على قوله (إِلَّا اللَّهُ) ؛ لأنّ قوله
(والراسِخُونَ في العِلْمِ) معطوف عليه، وعلى قول هؤلاء:
المتشابه: ما احتمل التأويل، فيتأوّله أصحاب الزيغ على أهوائهم.
كالخوارج، والرافضة.
قال قتادة: إن لم يكونوا الحرورية فما أدري من هم؟.
وعن عائشة، ﵂، أن النبيّ ﷺ قال:
"إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنوا بقوله: (فَيَتبِعُونَ مَما تَشَابَهَ مِنْهُ) ".
وقال السّدّيّ، والربيع: (ابتِغَاءَ الفِتْنَةِ) أي الشرك.
وقال مجاهد: ابتغاء الشبهات، فالراسخون في العلم يعلمون تأويل ذلك، فإن كان المتشابه ما قال الأوْلون فالفريق الآخر لا ينكرون أنّ ذلك لا يعلمه إلَّا الله، وإن كان المتشابه ما قال الآخرون فالفريق الآخر لا ينكرون أن الراسخون في العلم يعلمونه، لا يجهلونه على غير ما أراد الله به اتباعاً للهوى، وسأذكر هذه الآية إن شاء الله بأبسط من هذا في روض القرآن.
* * *
القول في (بلى)
هي جواب للنفي وردٌّ له، والوقف عليها إذا لم يتصل بقسم
стр. 659
جائز، إما تام وإما كاف، واتصالها بالقسم في أربعة مواضع:
(قَالُوا بلى وَرَبِّنَا) في الأنعام، والأحقاف و (قُلْ بَلى وَربِّيْ) في سبأ، والتغابن.
فالوقف في هذه المواضع علن القسم عند أصحاب الوقف، ويوقف عليها
فيما سوى ذلك، وهي ثمانية عشر موضعاً، وقال أبو محمد الحسن بن على بن سعيد المعروف بالعماني في قوله : (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) .
ونحوه يبتدأ ب (بلى) وهو جواب لقولهم (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً) ، فقيل لهم: بلى تدخلونها وتخلدون فيها وقال في قوله :
(لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى) . . .
لم يجز أحد منهم الوقف على (بَلَى) ؛ لأن ما بعده في جملة الجواب، ومعنى
الكلام: أن اليهود قالت: لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، فقيل
لهم: بلى يدخلها من أسلم وجهه لله، فقوله تعالى: (بَلَى) جواب
للجحد، وما بعده كلام أوجبه (بَلَى) ثم قال فما بعد (بَلَى) في الآيتين
هو كلام أوجبه (بَلَى) قال: وهذا مثل قول القائل: لن يكون هذا الأمر.
فيقال له: بلى يكون فبلى هو الجواب، وقوله يكون إنما هو إعادة لما
نفاه القائل، أعيد على وجه الايجاب، فلا يفصل بينه وبين (بَلَى) .
قال: والوقف على (بَلَى) في الآيتين غلط، ومن أجازه فقد أخطأ؛ لأنَّ
(بَلَى) وان كان جواباً للجحد الذي قبله، فهو إيجاب لما بعده، فلا
يفصل بينه وبين الشيء الذي يوجبه كحرف التوكيد.
ألا ترى أنك إذا قلت: إن زيداً قائم، فقد وكَّدت الأخبار بالقيام بحرف التوكيد، وهو
стр. 660
(إن) ، ثم لا يجوز أن يفصل بين (إن) وبين الذي بعده من الخبر.
فكذلك الحرف الذي يؤدي معنى الإيجاب يجب أن يكون موصولًا
بالكلام الذي يوجبه؛ لأن الفصل بينهما ينقض معنى الإيجاب.
ألا ترى أن الفصل بين حرف النفي، وبين المنفي ينقض معنى
النفي، ولا يجوز الفصل بينهما، فكذلك الفصل بين حرف الإيجاب.
وبين الموجب لا يجوز بحال، والذي قاله غلط بل يجوز أن يكون
الموصول بعد بلى مبتدأ، فيكون الوقف على (بَلَى) تاماً، ويجوز أن
يكون مرفوعاً بفعل مقدر، والتقدير: يدخلها من كسب سيئة، ويدخلها
من أسلم، فيكون الوقف على (بَلَى) كافياً؛ لأنه إنما يتعلق بما قبله
في المعني دون اللفظ، وقد هدم جميع ما قاله هنا بما ذكره في سورة
القيامة، فإنه حكى عن أبي حاتم أنه قال: الوقف على (بَلَى) تام عندي
يقول (بَلَى) نجمعها قادرين، ونصب قادرين على الحال.
ثم قال العمانى هذا كلام أبي حاتم، ورأيه، ثم قال: والوقف
على (بَلَى) جيد كما قال: ولكنه لا يمنع جواز الوقف على (عِظَامَهُ) .
ويبتدئ (بلى قادرين) ، على أنه إثبات لقدرته على ما
استبعدوه من البعث والنشور، كأنه قال: (بَلَى) نقدر على تسوية خلقه
في الدنيا، وبعثه، ونشره في الآخرة، ثم قال: والوقف على (بَلَى)
ها هنا أحسن، كما قال أبو حاتم، فأين هذا من كلامه في البقرة؟
وأظنُّه نسي ما قال هنالك.
стр. 661
وأما ما صحبه القسم من لفظ (بَلَى) فهو قسمان أما الذي في
الأنعام والأحقاف فالوقف فيه على قوله : (بَلَى وَرَبِّنَا) .
وأما الذي في سبأ والتغابن، فالوقف فيهما على (بَلَى) غير ممتنع، فيما
أعتقد؛ لأن ما بعده كلام يجوز أن يبتدأ به، فيقال: (ورَبِّي
لَتبْعثنَّ) ، فيكون (بَلَى) ردًّا لنفيهم البعث، ثم أقسم على البعث.
فهو وقف كاف؛ لأنه إنما يتعلق بما قبله في المعنى دون اللفظ.
* * *
القول في إذا
لا يوقف دون جوابها إلَّا إذا طال المدى دونه كما سبق، وقد يكون
الجواب محذوفاً كقوله : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) .
فهو وقف كاف، وكأنه قال: أعرضوا، فالجواب محذوف، وما بعده كلام آخر.
وقال السجستاني: لا وقف حتى يبلغ (مُعْرِضِينَ) أي أن قوله : (وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ)
إلى آخر الآية دليل على الجواب المحذوف، فكأنه الجواب.
ويحتمل قوله: ليس في الآية وقف، أي وقف تام.
ومثل هذا الحذف قوله : (فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ)
الوقف ها هنا كافٍ، وجواب لمَّا محذوف، والتقدير: أتوا أمراً عظيماً.
стр. 662
ونحو ذلك قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ)
زعم الأخفش أن التقدير: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً فالوصية، فالفاء المحذوفة جواب الشرط.
قال مكي: فعلى هذا يقف على (خيراً) ويبتدئ بها؛ لأنها مرفوعة بالابتداء. وهذا غلط؛ لأن جواب الشرط لا يبتدأ به، ولا يجوز أن نقول:
"إن قام زيد فعمرو قائم"، فيقف على "إن قام زيد"
وهذا كلام غير مفهوم، وما بعده غير مستغن عنه في لفظ، ولا
معنى.
وقال قوم:، (الوصية) مبتدأ، و (للوالدين) الخبر، ويقدر الشرط متأخراً
أي الوصية للوالدين والأقربين إن ترك خيراً، قالوا: لأن الشرط إذا كان
فعلًا ماضياً جاز تقديم الجواب عليه، فيحسن رفع (الوصية) بالابتداء.
فعلى هذا يقف على (خيراً) ، وهذا من دقائق عكس الحقائق، والتفنن
فيه، إنما الحقيقة أن الشرط إذا وقع متأخراً كان في التقدير مقدماً لا أنه
إذا جاء مقدماً على ما هو له قدر متأخراً، وإذا كان لا يصلح أن يكون
جواباً مع التأخير فكيف يكون جواباً إذا قدم؟.
وإنما الوصية مفعول أقيم مقام الفاعل مرفوع بـ "كتبَ "، ولا يجوز الوقف على (خيراً) . وهل يجيز أحد: "إن قام زيد عمرو منطلق"
على تقدير "عمرو منطلق إن قام زيد"؟
وهذا شيء ذكره النحاس، واتبعه عليه مكي، وأي ضرورة ألجأت
إلى هذا التقدير ولنا عنه مندوحة بما ذكرناه.
وقوله : (إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) . في يونس.
وفي الأعراف والنحل (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) .
стр. 663
الوقف فيها كلّها على (لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً) .
ويبتدئ (وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) أي ولا هم يستقدمون؛ لأنه لا يجوز أن يقال:
إذا جاء الأجل لا يتقدم عليه، فاعلم هذا.
فما رأيت أحداً ذكره، ولا نبَّه عليه.
وقوله تعالى: (حَتَّى إذَا جَاءوهَا) - إلى قَوله - خَالِدِينَ) الزمر.
شرط، والجواب محذوف، والوقف عليه كافٍ، وتقديره: رأوا
من الكرامة ما لا تحيط به الصفة، وقيل: حتى إذا جاءوها سُعِدُوا.
فعلى هذا يبتدأ بقوله: (وقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا) .
* * *
القول في أم
وهي تكون للمعادلة، وهي في المعادلة على وجهين:
أحدهما: أن تكون معادلة لهمزة الاستفهام، والثاني أن تكون
معادلة لهمزة التسوبة.
فمثال الأول: أخرج زيد أم عمرواً ومعناه: أيهما خرج؟
ومعنى المعادلة أن أحد الاسمين المسؤول عنهما جعل معه الألف، وجعل مع
الآخر أم.
وكذلك إذا كان السؤال عن الفعل كقولك أصرفت زيداً أم حبسته؟
جعلت الهمزة مع أحد الفعلين المسؤول - عنهما، وأم مع
الآخر.
ومثال الثاني: سواء علينا أقام زيد أم عمرواً وسواء علينا أزيد في
الدار أم عمرو؟
стр. 664
ومن هذا الضرب ما أدري: أزيد في الدار أم عمرو؟.
والتسوية لفظها لفظ الاستفهام، وهو خبر، كما جاء الاختصاص
بلفظ النداء، وليس بنداء.
ومعنى التسوية أنك تخبر باستواء الأمرين عندك، كأنك قلت: سواء عليَّ أيهما قام، واستوى عندي عدم العلم بأيهما في الدار، قال الله : (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ) ، و (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا) .
و (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) المنافقون.
وهي في قسمي المعادلة عاطفة.
وتكون أم منقطعة بمعنى بل، وإنما سميت منقطعة لانقطاع ما
بعدها مما قبلها؛ لأنه قائم بنفسه، سواء كان ما قبلها استفهاماً أم خبراً.
وليست في هذا الوجه بمعنى الوجه الأول، لأنها في الوجه الأول بمعنى
أيَ، وهي في هذا الوجه بمعى بل، قال الأخطل:
كذبتْك عينُك أم رَأيتَ بواسطٍ. . . غلسَ الطلامِ من الرَّبابِ خَيَالا
قال أبو عبيدة: لم يستفهم إنما أوجب أنَه رأى، فإذا كانت منقطعة
جاز الوقف قبلها، والابتداء بها.
فقوله :
стр. 665
(وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠) .
يجوز الابتداء بأم على أنها منقطعة.
وعلى أنها معادلة لا يجوز الابتداء بها، وتقدير المعادلة أي
الأمرين واقع اتخاذ العهد عند الله أم الكذب عليه؟.
وبمعنى الاستفهام التقريري؛ لأن الله تعالى قد علم أحد الأمرين، وهو قولهم عليه ما لا يعلمون.
وقوله : (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ)
الظاهر أنه منقطع يجوز الابتداء به، وقال أبو محمد مكى: هذا
بعيد؛ لأن المنقطع لا يكون في أكثر كلام العرب إلَّا على حدوث
شك دخل المتكلم، وذلك لا يليق بالقرآن.
والذي قاله ليس بشيء إنما المنقطعة ترك كلام لكلام آخر، وهي بمعنى بل، ولا يلزم أن تكون بعد شك، ولا بد كما قال عز وحل:
(بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦) .
ولم يكن هذا كقولك جاءني زيد بل عمرو، على وجه الغلط.
وقوله : (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ)
يجوز الابتداء بأم؛ لأنها المنقطعة، و (قُلْ سَمُّوهُمْ) وقف كاف.
وقال أحمد بن موسى: وهو تام، والوقف على (الْأَرْضِ) حسن،
стр. 666
ولا يجوز الابتداء بما بعده؛ لأنه متعلق بما قبله في اللفظ والمعنى.
وقوله : (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) .
وقف كاف، وأم بعده منقطعة يجوز الابتداء بها.
وقوله : (تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) .
قيل: المعنى: أفلا تبصرون أم أنتم بصراء، وإلى ذلك ذهب
الخليل وسيبويه، فعلى هذا يوقف على أم، ويبتدأ (أنا خيرٌ) .
وقيل: هي أم المنقطعة، والتقدير: (بل أنا خيرٌ) ، فعلى
هذا يبتدأ بأم.
وقال أبو زيد: أم زائدة، فعلى هذا يوقف على (تُبْصِرُونَ) .
وقال الهروي في قوله : (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) .
إن أم بمعنى همزة الاستفهام والتقدير: أيقولون افتراه، فعلى هذا يبتدأ بأم.
وكذلك قال في قوله : (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ)
إن معناه: أتريدون، وقوله (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ)
(أم لَهُ البَنَاتُ) (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ)
(أم يَقُولُونَ شَاعرٌ) - (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)
(أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ) .
قال: معنىَ "أم " في ذلك كلّه معنى همزة الاستفهام، لأنها لم يتقدّمها استفهام، وكذلك
стр. 667
قالوا في قوله تعالى: (أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣) .
إنها
بهذا المعنى: أي أزاغت عنهم الأبصار، وأجاز أن تكون المعادلة
لهمزة الاستفهام في قوله: (أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا)
على القراءة بقطع الألف، وعلىِ القراءة بوصلها أجازوا أن تكون مردودة على قوله سبحانه: (مَا لَنَا لا نرَى)
وأم في هذه المواضع كلها هي المنقطعة عند البصريين؛ لأنهم يقولون في
"أم" المنقطعة -: إن فيها معنى "بل "، والألف، كأنه قيل: بل أيقولون افتراه، وكان الهروي ﵀، في علم العربية متسعا، وعلى غرائبها مطلعاً.
وكذلك قوله : (أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) .
(أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ) (أمْ لَهُم شرَكَاءُ)
كل ذلك منقطع يجوز الابتداء به.
* * *
القول في لو، ولولا.
(لو) نقيضه (إنْ) لأن (إن) توجب الثاني من أجل الأول.
و (لو) تمنع الثاني لامتناع الأول، ولا يجوز الوقف دون جوابها.
وقد يكون الجواب محذوفاً كقوله (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) .
فالوقف ها هنا كافٍ، ويبتدأ بقوله : (بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا) .
وتقدير الجواب: لكان هذا القرآن، وعلى هذا جماعة من المفسرين
وقد قيل: إن المعنى: وهم يكفرون بالرحمن، ولو أن قرآناً سيرت به
стр. 668
الجبال أي أنه لو سيرت به الجبال، أو قطعت به الأرض أو كُلِّم به
الموتى لما صدهم ذلك عن كفرهم، وعلى هذا التأويل يكون الوقف
أيضاً على (الموتى) .
وقد تكون (لو) بمعنى (ليت) كقوله : (لَوْ أنَّ لَنَا كَرَّةً)
ولذلك كان الجواب (فنتبرأ) .
كما يكون ذلك في جواب التمني، ومثله قوله :
(فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
لأن (لو) و (ليت) يتلاقى معناهما في التقدير.
وأمَّا (لولا) فتكون مفيدة امتناع شيء لوجود شيء
وكقوله : (لَوْلَا أنْتُمْ لَكُنا مُؤْمِنِينَ)
ومن ذلك قوله : (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) .
فلا يوقف دون جوابها.
وقد يكون الجواب محذوفاً كقوله : (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠) .
هذا هو الوقف، وجواب لولا محذوف، وتقديره: لفضحكم، أو لأنزل بكم العقوبة.
فأما قوله : (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) ، فلولا فيه بمعنى التحضيض مثل فهلَّا.
وكذلك (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ)
стр. 669
وقوله : (لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) .
"لولا" فيه توبيخ كما قال جرير:
تَعُدُّون عَقْرَ النِّيْبِ أفضلَ مَجْدِكُم. . . بنى ضَوْطَرِى لولا الكَمِيَّ المقنَّعا
وليس لها في جميع ذلك جواب، والوقف في الأولى على قوله عز
وجلّ: (لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) .
وفي الأخرى على قوله سبحانه (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) .
وعلى (شُهَدَاءَ) في قوله (بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ) .
وقوله : (فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا)
قال الهروي: لولا فيه بمعنى "لم تكن قرية آمنت"
وكذلك قال في قوله :
(فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ) فعلى هذا يكون الاستثناء متصلاً، فلا يبتدأ ب "إلا" في الموضعين.
ويجوز أن يكون الاستثناء منقطعاً فيكون
стр. 670
الوقفِ على قوله (إيْمَانُهَا) وعلى قوله (عَنِ الفَسَادِ في الأرضِ) كافياً
جائزاً.
قال أبو القاسم الزمخشري (إلا قَوْمَ يُوْنُسَ)
استثناء من القرى؛ لأنّ المراد أهاليها، وهو استثناء منقطع بمعنى، ولكن
قوم يونس لَمَّا آمنوا.
قال: ويجوز أن يكون متصلاً، والجملة في معنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس.
وانتصابه على أصل الاستثناء، والوجه الأول أقوى؛ لأن الأوجه إذا كان
متصلاً الرفع على البدل.
وقال في قوله في الآية الثانية: (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ)
استثناء منقطع معناه: ولكن قليلاً ممن أنجينا من القرون نهوا عن الفساد، وسائرهم تاركون النهي.
قال: و "منْ" في (مِمَنْ أنجينا) حقها أن تكون للبيان لا للتبعيض؛ لأن النجاة إنما هي للناجين وحدهم بدليل قوله : (أنْجَيْنَا الَذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السوْءِ وأخَذْنَا الَذِينَ ظَلَمُوا) يعني أنها لو كانت للتبعيض لكان المعنى إلا
بعضاً ممن أنجينا كانوا ينهون، فيكون فيمن أنجي من لم ينه، ثم قال:
فإن قلت: هل لوقوع هذا الاستثناء متصلاً وجه يحمل عليه؟
قلت: إن جعلته متصلًا على ما عليه ظاهر الكلام كان المعنى فاسداً؛ لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي عن الفساد إِلا للقليل من الناجين منهم
كما تقول: هلا قرأ قومك القرآن إِلا الصلحاء منهم، يريد استثناء
الصلحاء من المحضضين على قراءة القرآن.
يقول: إِن جعلته متصلاً على ما عليه ظاهر الكلام وهو التحضيض، ولم يلحظ معنى النفي صار
следующие страницы →