← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وقال الحسنُ: كان النبي ﷺ وأبو بكرِ وعمرُ وعثمانُ يخطبون قيامًا، ثم إن عثمانَ لما رقَّ وكبرَ كان يخطبُ، فيدركُه ما يدركُ الكبيرَ فيستريحُ ولا يتكلَّمُ، ثم يقومُ فيتمُّ خطبتَه. خرَّجَه القاضي إسماعيلُ. وخرج - أيضًا - من رواية ابنِ جريج، عن عطاءِ، أنه قال؛ أولُ من جعلَ في الخُطْبةِ جلوسًا عثمانُ، حين كبرَ وأخذته الرعدةُ جلس هنيَّةً. قيل له: هل كان يخطبُ عمرُ إذا جلسَ؟ قال: لا أدري. وقد روي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه كان يخطبُ الخطبةَ الأولَى جالسًا. ويقوم في الثانيةِ. خرَّجَه ابنُ سعد. والظنُّ به أنه لم تبلغهُ السنةُ في ذلك، ولو بلغتْه كان أتبع الناسِ لها. وقد قيل: إن ذلكَ لم يصح عنه؛ فإن الأثرمَ حكَى: أن الهيثمَ بنَ خارجةَ قال لأحمدَ: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يجلسُ في خطبته؟ قال: فظهر منه إنكارٌ لذلك. وروايةُ ابنِ سعدٍ له عن الواقدفيَ، وهو لا يعتمدُ. وقد رُوي عن ابنِ الزبيرِ - أيضًا - الجلوسُ في الخطبةِ الأولى - أيضًا. خرَّجهُ القاضي إسماعيلُ. واختلف العلماءُ في الخُطبةِ جالسًا: فمنهم مَن قالَ: لا يصح، وهو قولُ

стр. 1157

الشافعيِّ، وحكى روايته عن مالكٍ وأحمدَ. وقال ابنُ عبدِ البرِّ: أجمعُوا على أن الخطبةَ لا تكونُ إلا قائمًا لمن قدرَ على القيامِ. ولعلَّه أراد إجماعهم على استحبابِ ذلك؛ فإن الأكثرينَ على أنها تصحُّ من الجالسِ، مع القدرةِ على القيامِ، مع الكراهةِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ، والمشهورُ عن أحمدَ، وعليه أصحابُه، وقولُ إسحاقَ - أيضا. * * * [قال البخاري] : حدثنا معاويةُ بنُ عمرو: ثنَا زائدةُ، عن حصينٍ، عن سالم بنِ أبي الجعدٍ: ثنا جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قالَ: بينمَا نحنُ نُصلِّي معَ النبيِّ ﷺ إذْ أقبلتْ عيرٌ تحملُ طعامًا، فالتفتُوا إليهَا حتَّى ما بقِي مع النبي ﷺ إلا اثنا عشرَ رجلاً، فنزلتْ هذه الآية ُ: (وِإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِليْهًا وَتَرَكُوك قَائِمًا) . وخرَّجَه في "التفسير"، عن حفصِ بنِ عمرَ، قال: ثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ: أبْنَا حصينٌ، عن سالم بنِ أبي الجعدِ - وعن أبي سفيانَ، عن جابرِ ابنِ عبدِ اللهِ - فذكرَه بمعناه. وفي هذه الروايةِ: متابعةُ أبي سفيانَ لسالم بنِ أبي الجعدِ على روايته عن جابر، وإنما خرَّج لأبي سفيان متابعةً. وقد خرَّجه مسلم بالوجهين - أيضًا.

стр. 1158

وفي أكثرِ رواياتهِ: أن النبيَّ ﷺ -كانَ يخطبُ يومَ الجمُعَة. وفي رواية له: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يخطبُ قائمًا يومَ الجمُعَة - فذكرَه بمعناه. وفي روايةٍ له: فلم يبقَ إلا اثنا عشرَ رجلاً، أنا فيهم. وفي روايةٍ له - أيضا -: فيهم أبو بكرٍ وعمرُ - ﵄. وقولُه في الرواية التي خرجها البخاريُّ: بيْنَا نحنُ نصلِّي معَ النبيِّ ﷺ " لم يرِدْ به أنهمُ انفضُّوا عنه في نفسِ الصلاةِ، إنما أرادَ - واللَّهُ أعلمُ - أنهم كانوا مجتمعينَ للصلاةِ، فانفضُّوا وتركُوه. ويدلُّ عليه: حديثُ كعبِ بنِ عجرة، لما قال: انظُروا إلى هذا الخبيثِ يخطبُ قاعِدًا، وقد قالَ اللَهُ تعالى: (انفَضوا إِلَيْهَا وَتَرَكوكَ قَائِمًا) . وكذلك استدلالُ ابنِ مسعودٍ وخلقٌ من التابعينَ بالآيةِ على القيامِ في وروى علي بنُ عاصم هذا الحديثَ عن حصينٍ، فقال فيه: فلم يبقَ معه إلا أربعونَ رجلاً، أنا فِيهِمْ. خرَّجه الدارقطنيُّ والبيهقي. وعليٌّ بنُ عاصم، ليس بالحافظِ، فلا يُقبلُ تفردُه بما يخالفُ الثقاتِ. وقد استدلَّ البخاريُّ وخلق من العلماءِ على أن الناسَ إذا نَفروا عن الإمامِ وهو يخطبُ للجمعَةِ، وصلَّى الجمُعةَ بمن بَقي، جازَ ذلك، وصحَّت جمعتهم.

стр. 1159

وهذا يرجع إلى أصل مختلَفٍ فيه، وهو: العددُ الذي تنعقدُ به الجمعةُ؟ وقد اختُلِفَ في ذلك: فقالت طائفةٌ: لا تنعقدُ الجمعةُ بدون أربعينَ رجلاً، رُويَ ذلك عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ عتبةَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهو قول الشافعيِّ وأحمدَ - في المشهورِ عنه - وإسحاقَ، ورواية عن مالكٍ. وقالت طائفة: تنعقد بخمسينَ، رُويَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ - أيضًا - وهو روايةٌ عن أحمدَ. وقالت طائفة تنعقد بثلاثةٍ، منهم: ابنُ المباركِ والأوزاعيُّ والثوريُّ، وأبو ثور، ورُوي عن أبي يوسفَ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ. وقالت طائفةٌ: تنعقد بأربعةٍ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبَيه - في المشهور عنهما - والأوزاعيِّ ومالكٍ والثوريّ - في رواية عنهما - والليثِ بنِ سعدٍ. وحكي قولاً قديمًا للشافعيِّ، ومنهم مَن حكاه أنها تنعقدُ بثلاثةٍ. وقالت طائفةٌ: يعتبر أربعونَ في الأمصارِ وثلاثةٌ في القرى، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ، صحَّحَها بعضُ المتأخرينَ مِن أصحابهِ. وقالت طائفةٌ: تنعقدُ بسبعةٍ، وحُكيَ عن عكرمةَ، وروايةً عن أحمدَ. وقالت طائفة: تنعقدُ باثني عشرَ رجلاً، حكيَ عن ربيعةَ. وقد قال الزهريُّ: إن مصعبَ بنَ عمير أول ما جمَّعَ بهم بالمدينةِ كانوا اثني عشرَ رجلاً.

стр. 1160

وتعلَّق بعضُهَم لهذا الحديثِ بحديثِ جابرٍ المخرج في هذا البابِ. وقال طائفة: تنعقدُ الجمُعةُ بما تنعقدُ به الجماعةُ، وهو رجلانِ، وهو قولُ الحسنِ بنِ صالح وأبي ثورٍ - في روايةٍ - وداودَ، وحُكيَ عن مكحولٍ. وتعلَّق القائلونَ بالأربعينَ بحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، أنَّ أولَ جمُعةٍ جمَّع بهم أسعدُ بنُ زرارةَ، كانوا أربعينَ، وقد سبقَ ذكرُه في أولِ "كتابِ الجمُعةِ". وقد ذكرَ القاضي أبو يعلَى وغيرُه وجهَ الاستدلالِ به: أنَّ الجمُعةَ فُرضت بمكةَ، وكان بالمدينةِ من المسلمينَ أربعة وأكثرُ ممَّن هاجر إليها وممَّن أسلم بها. ثم لم يصلُّوا كذلك حتى كملَ العددُ أربعينَ، فدلَّ على أنها لا تجبُ على أقل منهم، ولم يُثبتْ أبو بكرٍ الخلالُ خلافَه عن أحمد في اشتراطِ الأربعينَ. قال: وإنما يُحْكَى عن غيرِه، أنه قال بثلاثة، وبأربعةٍ، وبسبعةٍ، ولم يذهبْ إلى شيء من ذلك، وهذا الذي قاله الخلالُ هوَ الأظهرُ. واللَّهُ أعلمُ. وفي عددِ الجمُعةِ أحاديثُ مرفوعةٌ، لا يصحُّ فيها شيء، فلا معنى لذكرِها. وإذا تقرَّر هذا الأصلُ، فمَن قالَ: إن الجمُعةَ تنعقدُ باثني عشرَ رجلاً أو بدونِهم، فلا إشكالَ عنده في معنى حديثِ جابرٍ؛ فإنه يحملُه على أن النبيَّ ﷺ صلَّى الجمُعَة بمَن بقي معَه، وصحتْ جمعتُهم. ومَن قال: لا تصحُّ الجمعةُ بدون أربعينَ، فإنه يشكلُ عليه حديثُ جابرٍ. وقد أجاب بعضُهم: بأن الصحيحَ أنهم انفضُّوا وهو في الخطبة. قال: فيحتملُ أنهم رجعُوا قبلَ الصلاةِ، أو رجعَ مَن تمَّ به الأربعونَ، فجمًّع بهم. قال: والظاهرُ أنهم انفضُّوا ابتداءً سوى اثني عشرَ رجلاً، ثم رجعَ منهم تمامُ

стр. 1161

أربعينَ، فجمَّع بهم، وبذلك يُجمعُ بين روايةِ عليِّ بنِ عاصمٍ وسائرِ الروايات. وهذا الذي قاله بعيدٌ، وروايةُ علي بنِ عاصمٍ غلطٌ محضٌ، لا يُلتفتُ إليها. وسلكَ طائفة مسلكًا آخرَ، وظاهرُ كلامِ البخاريِّ هاهنا وتبويبه يدل عليه. وهو: أن انفضاضهم عن النبيِّ ﷺ كان في نفسِ الصلاة، وكان قد افتتحَ بهم الجمُعةَ بالعددِ المعتبرِ، ثم تفرَّقوا في أثناءِ الصلاةِ، فأتمَّ بهم صلاةَ الجمُعةِ" فإنَّ الاستدامَةَ يغتفرُ فيها ما لا يُغتفرُ في الابتداءِ. وهذا قولُ جماعةٍ منَ العلماءِ، منهم: أبو حنيفةَ وأصحابهُ والثوريُّ ومالكٌ والشافعيُّ - في القديم - وإسحاقُ، وهو وجهٌ لأصحابِنا. وعلى هذا، فمنهم مَن اعتبرَ أن يبقى معه واحدٌ فأكثرُ؛ لأن أصلَ الجماعةِ تنعقدُ بذلك، ومنهم مَن شرطَ أن يبقى معه اثنانِ، وهو قولُ الثوريِّ وابن المباركِ، وحكيَ قولاً للشافعيِّ. وقال إسحاقُ: إن بَقيَ معه اثنا عشرَ رجلاً جَمَّع بهم وإلا فلا؛ لظاهر حديثِ جابرٍ. وهو وجه لأصحابِنا. ولأصحابِنا وجهٌ أخرُ: يتمُّها الإمامُ جمُعةً، ولو بقيَ وحدَه. وهذا بعيدٌ جدًّا. وفرَّق مالكٌ بينَ أن يكون انفضاضُهم قبلَ تمامِ ركعةٍ فلا تصحُ جمُعتُهم ويصلُّون ظهرًا، وبينَ أن يكونَ بعد تمامِ ركعةٍ فيتمّونَها جمعةً.

стр. 1162

ووافقَه المُزَني، وهو وجهٌ لأصحابِنا. وقالَ أبو حنيفةَ: إنِ انفَضوا قبلَ أن يسجدَ في الأولى فلا جمُعةَ لهم، وإنْ كان قد سجَدَ فيها سجدةَّ أَتمُّوها جمعةً. وقال صاحباه: بل يتمونَها جمعةً بكلّ حالٍ، ولو انفضُّوا عقبَ تكبيرةِ الإحرامَ. ومذهبُ الشافعيّ - في الجديد - وأحمدَ والحسنِ بنِ زيادٍ: أنه لا جمعة لهم، حتى يكملَ العددُ في مجموع الصلاةِ. قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ: لم يختلفْ قولُ أحمدَ في ذلك. وقد وجدتُ جوابًا آخرَ عن حديثِ جابرِ، وهو: أن النبيَّ ﷺ كانَ قد صلَّى بأصحابه الجمُعةَ، ثم خطبَهم فانفضُّوا عنه في خطبِته بعدَ صلاةِ الجمُعةِ، ثم إنَّ النبي ﷺ بعدَ ذلكَ قدَّم خطبَة الجمُعَة على صلاتِها. فخرج أبو داودَ في "مراسيلِه " بإسنادِه، عن مقاتلِ بنِ حيانَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يصلِّي الجمُعَةَ قبل الخطبةِ مثلَ العيدِ، حتَّى إذا كان يومُ جمُعةٍ والنبيُّ ﷺ يخطبُ، وقد صلَّى الجمعةَ، فدخلَ رجلٌ، فقالَ: إن دِحيةَ بنَ خليفةَ قد قدمَ بتجارتهِ - وكان دحيةُ إذا قدمَ تلقَّاه أهلُه بالدفافِ -، فخرجَ الناسُ، لم يظنُّوا إلا أنه ليس في تركِ الخطبةِ شيءٌ، فأنزل اللَّهُ : (إَذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا) ، فقدَّمَ النبيُّ ﷺ الخطبةَ يومَ الجمعةِ، وأخرَ الصلاة. وهذا الجوابُ أحسنُ مما قبلَه.

стр. 1163

ومن ظنَّ بالصحابةِ أنهم تركوا صلاةَ الجمُعَةِ خلفَ النبيِّ ﷺ بعد دخولِهم معه فيها، ثم خرجُوا مِنَ المسجدِ حتى لم يبقَ معه إلا اثنا عشرَ رجلاً، فقد أساءَ بهم الظنَّ، ولم يقعْ ذلك بحمدِ اللَّهِ تعالى. * * * قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) [قال البخاري] : بابُ قولِ اللَّهِ : (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) : حدثنَا سعيدُ بنُ أبي مريمَ: ثنَا أبُو غسَّانَ: حدَّثنِي أبُو حازمٍ، عنْ سهلِ بنِ سعدٍ، قالَ: كانتْ فينَا امرأةٌ تجعلُ على أربعاءَ فِي مزرعَةٍ لهَا سلقًا، فكانتْ إذَا كانَ يومُ الجمُعةِ تنزعُ أصولَ السِّلقِ، فتجعلُهُ فِي قدرٍ، ثمَّ تجعلُ عليهِ قبضةً مِن شعير تطحنُها، فتكونُ أصولُ السِّلقِ عرقهُ، وكنَّا ننصرفُ مِن صلاةِ الجمعةِ فنسلِّمُ عليهَا، فتُقرِّبُ ذلكَ الطعامَ إلينَا، فنلعقُهُ، فكنَّا نتمنَّى يومَ الجمُعةِ لطعامِهَا ذلكَ. حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مسلمةَ: نَا ابنُ أبي حازمٍ، عن أبيهِ، عن سهلِ بنِ سعد - بهذَا، وقالَ: مَا كُنَّا نقيلُ ولا نتغدَّى إلا بعدَ الجمعَةِ. المقصودُ من هذا الحديثِ هاهنا: أن الصحابة لم يكونوا يجلسونَ بعدَ صلاةِ الجمعةِ في المسجد إلى العصرِ لانتظارِ الصلاةِ - كما ورد في الحديث المرفوع أنه يعدلُ عمرةً، وقد خرَّجه البيهقيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ، وقد سبقَ ذكرُه - -

стр. 1164

وإنما كانوا يخرُجون من المسجدِ ينتشرُون في الأرضِ، فمنهم مَن كان ينصرفُ لتجارةٍ، ومنهم مَن كان يزورُ أصحابَه وإخوانَه، وكانوا يجتمعُون على ضيافةِ هذه المرأةِ. وقد ذهبَ بعضُهم إلى أنَّ الأمرَ بالانتشارِ بعدَ الصلاةِ للاستحبابِ. كان عراكُ بنُ مالكٍ إذا خرجَ من المسجدِ يومَ الجمعةِ قالَ: اللهمُّ، أجبتُ دعوتَكَ، وقضيتُ فريضتَك، وانتشرتُ كما أمرتني، فارزقني من فضلكِ. وأنتَ خيرُ الرازقينَ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه. وهذا يدلُّ على أنه رأى قولَه تعالى: (فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ) ، أمرًا على ظاهرهِ. وخرجَ - أيضًا - بإسنادهِ، عن عمرانَ بنِ قيسٍ، قال: من باعَ واشترَى يومَ الجمعةِ باركَ اللَّهُ له سبعينَ مرةً. قال بعضُ روافيِ: وذلك بعدَ صلاةِ الجمُعَةِ؛ لهذه الآيةِ. وذهبَ الأكثرونَ إلى أنه ليس بأمرٍ حقيقةً، وإنما هو إذنٌ وإباحة، حيث كان بعدَ النهي عن البيع، فهوَ إطلاق من محظورٍ، فيفيدُ الإباحةَ خاصةً. وكذا قالَ عطاءٌ ومجاهدٌ والضحاكُ ومقاتلُ بنُ حيان وابنُ زيدٍ وغيرُهم. وروى أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ في كتاب "الشافي " بإسنادٍ لا يصحُّ. عن أنسٍ - مرفوعًا - في قوله تعالى: (فَانتَشِروا فِي الأَرْضِ) ، قال: "ليسَ

стр. 1165

بطلبِ دنيا، ولكن عيادةُ مريضٍ، وتشييعُ جنازةٍ، وزيارةُ أخٍ في اللَّه ". وفي حديث سهلٍ: دليلٌ على زيارةِ الرجالِ للمرأةِ، وإجابتِهم لدعوتِها. وعلى استحبابِ الضيافَةِ يومَ الجمُعَةِ خصوصًا لفقراءِ المسلمينَ، فإطعامُ الفقراءِ فيه حسنٌ مُرغَّبٌ فيه. وفيه: أن فرحَ الفقيرِ بوجودِ ما يأكلُ وتمنِّيه لذلك غيرُ قادحٍ في فقرهِ. منافٍ لصَبْرِه، بل ولا لرضاه. وفي الحديث ألفاظٌ تُستغرب: فـ "الأربعَاء": جداولُ الماءِ في الأرض، واحدُها: "ربيعٌ ". وقولُه: "فيكون أصولُ السِّلقِ عرقَهُ " - وفي رواية: "عراقَهُ " -، وهو بالعين المهملةِ والقافِ، والعِرقُ والعِرَاقُ: اللحمُ. والمعنَى: أن أصولَ السِّلقِ تصيرُ في هذا الطعامِ كاللحم لمَّا يطبخُ باللحم الأطعمة. ورواه بعضُهم: "غرفه " - بالغين المعجمة والفاء -، وفسر بـ "المرقةِ" فإنها تُغرَفُ باليد. وهذا بعيدٌ، فإن أصولَ السِّلقِ لا تصير بغرفٍ. وقولُه: "فنلعقُه " أي: نلحسُه، وهذا يدلُّ على أنه كان قد ثَخنَ. وقيل: الفرقُ بين اللحسِ واللعْقِ: أن اللحسَ يختص بالأصبَع، واللعقَ يكون بالأصبع وبآلة يلعقُ بها كالملْعَقة.

стр. 1166

سُورَةُ المُنَافِقُونَ قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١) وقد رُوي عن محمدِ بنِ كعبِ القُرظيِّ أنَّه استنبطَ ما في هذا الحديثِ - أعني: حديثَ: "آيةُ المنافقِ ثلاثم - من القرآنِ، فقالَ: مصداقُ ذلك في كتابِ اللَّهِ تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) إلى قولِه: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِين لَكَاذِبُونَ) . وقالَ تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ) إلى قولِه: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) . وقالَ تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ) إلى قولِه: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) . ورُوي عن ابن مسعودٍ نحوُ هذا الكلامِ، ثُمَّ تلا قولَه تعالىْ (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ) الآية. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) وقد وردَ في القرآنِ تشبيهُ المنافقينَ بالخُشُبِ المسندةِ فنظرهم فقالَ:

стр. 1167

(وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) . فوصفَهُم بحسنِ الأجسامِ وتمامِهَا، وحسنِ المقامِ والفصاحةِ حتَّى وإعجاب به، ومع هذا فبواطِنُهم خرابٌ ومعائنُهم فارغةٌ. فلهذا مثلَهم بالخشبِ المسندةِ التي لا روحَ لها ولا إحساسَ وقلوبُهم مع هذا ضعيفةٌ في غايةِ الضعفِ. (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) . وهكذَا كلُّ مريب يُظْهِرُ خلافَ ما يضمرُ يخافُ من أدْنى شيءٍ ويتحسَّرُ عليهِ. وأما المؤمنونَ فبعكسِ هذه الصفاتِ حالُهم مستضعفونَ في ظاهرِ أجسامِهم وكلامِهم لأنَّهم اشتغلُوا بعمارةِ قلوبهِم وأرواحِهم عن عمارةِ أجسادهم. وبواطنُهم قويةٌ ثابتةٌ عامرةٌ فيكابدونَ بها الأعمال الشاقة في طاعةِ اللًّهِ من الجهادِ والعباداتِ والعلومِ وغيرِها ممَّا لا يستطيعُ المنافقُ مكابدتَه لضعفِ قلبِهِ. لا يخافونَ من ظهورِ ما في قلوبهِم إلا خشيةَ الفتنةِ على نفوسهم وإنَّ بواطِنَهُم خيرٌ من ظواهرِهِم وسرهم أصلحُ من علانيتِهِم. قال سليمان التيمي: أتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فقالَ: يا سليمانُ إنَّ قُوتَ المؤمنِ في قَلبْهِ ". فالمؤمنُ لمَّا اشتغلَ بعمارةِ قلبِهِ عن عمارةِ قالبِهِ استُضْعِفَ ظاهرُهُ وربما أُوذي، ولو علمَ الناسُ ما في قلبهِ لما فعلُوا ذلكَ. قال عليٌّ - لأصحابه: "كونوا في النَّاسِ كَالنَحْلِ في الطَّيْرِ يستضعفُهَا ولوْ علمُوا مَا في جَوفهَا مَا فعلُوا". من قوةِ قلبِ المؤمنِ وثباتهِ على الإيمانِ. فالإيمانُ الذي في قلبِهِ مَثَلُه كمثَلِ شجرة طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ فيعيشُ على الإيمانِ ويموتُ ويُبعثُ عليهِ، وإنَّما الرياحُ وهي بلايا

стр. 1168

الدُّنيا تقلِّبُ جسْمَهُ يمنةً ويسرةً، وكذلك قلبُهُ لا تصِلُ إليه الرياحُ لأنَّه محروسٌ بزبرِ الإيمانِ. والكافرُ والمنافقُ والفاجرُ بعكسِ ذلكَ: جسمُه قويٌّ لا تقلبُّه رياحُ الدنيا. وأما قلبُه فإنَه ضعيفٌ تلاعبُ به الأهواءُ المضِلَّةُ فتقلبُه يمنةً ويسرةً، فكذلكَ كانَ مَثَلُ قلبهِ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثتْ من فوقِ الأرضِ ما لها من قرارٍ، كَما شجرةُ الحنضلِ ونحوهِ مما ليسَ له أصلٌ ثابتٌ في الأرضِ. وقال عليٌّ ﵁ في صفةِ الهمج الرعاع: "أتباعُ كلِّ ناعقٍ يميلونَ مَعَ كل ريح لمْ يستضيئُوا بنورِ العلْم ولم يلجأوا إلى رُكن وثيقٍ ". بهذا يظهرُ الجمعُ بين حديثِ تمثيل المؤُمِنِ بالنَّخَّلَةِ. فإن التمثيلَ بالزرع لجسدِهِ لتوالى البلاءِ عليه. والتمثيلُ بالنخلةِ لإيمانهِ وعملِهِ وقولِهِ. يدلُّ عليه قولُه : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) . فجعلها مثلاً لكلمةِ الشهادتينِ التي هي أصلُ الإسلامِ في قلبِ المؤمنِ. كثبوتِ أصلِ النخلةِ في الأرضِ، وارتفاع عملِ المؤمنِ إلى السماءِ كارتفاع النخلةِ، وتجددِ عملِ المؤمنِ كإتيانِ النخلةِ أكلَها كلَّ حينٍ. وقد رُوي عن أبي هريرة ﵁: "إن المؤمنَ الضَّعيفَ قلبُهُ كزرع والقويَّ مثلُهُ كمثلِ النَّخلةِ". وخرَّجَه البزار وغيره. ولأن ثمرةَ الزرع - وهو السنبلُ -

стр. 1169

يستضعفُ ويطمعُْ فيه كل أحدِ لقربِ تناولهِ فيطمعُ الآدمي في الأكلِ منهُ. وفي قَطْعِه وسرقتهِ، والبهائمُ في رعيهِ، والطيرُ في الأكلِ منهُ. وكذلك المؤمنُ يُستضعفُ فيعادِيه عمومُ النَّاسِ لأنَّ الإسلامَ بدأَ غريبًا ويعودُ غريبًا كما بدأ فطوبَى للغرباءِ. فعمومُ الخلقِ يستضعفُه ويستغربُه ويؤذيه لغربتهِ بينَهم وأمَّا الكافرُ والمنافقُ أو الفاجر الذين كالصنوبرِ فإنَّه لا يُطمعُ فيه فلا الرياحُ تزعزعُ بدنَه ولا يُطمعُ في تناوله ثمرتهِ لامتناعِها. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) فكثرةُ العيالِ مما يوجبُ تعلقَ القلبِ بهم، فيُشغِلُ ذلك عن محبَّتهِ وخدمتهِ للَّهِ، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) . قالَ أبو حازمٍ: كلُّ ما شغلَكَ عنِ اللهِ من مالٍ أو ولدٍ فهو عليك شؤم. * * *

стр. 1170

سُورَةُ التَّغَابُنِ قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) قال اللَهُ : (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) . قال علقمةُ: هي المصيبةُ تصيبُ الرَّجلَ، فيعلمُ أنَّها من عندِ اللَّهِ. فيسلِّمُ لها ويَرضَى. وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ أنسٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "إن اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رَضِي، فله الرِّضَا، ومن سَخط فله السَّخَطُ "، وكانَ النبيّ ﷺ يقول في دعائهِ: "أسالكَ الرضَا بعدَ القضاء". وممَّا يدعو المؤمنَ إلى الرِّضا بالقضاء تحقيقُ إيمانهِ بمعنى قول النبي ﷺ : "لا يقضي اللَهُ للمؤمنِ قضاءً إلا كانَ خيرًا له: إن أصابتْهُ سرَّاءُ شكر، فكان خيرًا له، وإنْ أصابتْهُ ضراءُ صبرَ، فكان خير، له، وليسَ ذلك إلا للمؤمنِ ". وجاءَ رجل إلى النبي ﷺ ، فسألَه أن يُوصيه وصيةً جامعةً موجَزةً، فقال:

стр. 1171

"لا تتَّهِم اللَّهَ في قضائهِ " قالَ أبو الدرداءِ: إنَّ اللَّه إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به. وقال ابنُ مسعودٍ: إنَّ اللَّهَ بقسطه وعدلهِ جعلَ الرَّوحَ والفرحَ في اليقينِ والرِّضَا، وجعلَ الهمَّ والحزنَ في الشكًّ والسَّخَطِ؛ فالرَّاضي لا يتمنَّى غيرَ ما هو عليه من شدَّة ورخاءٍ. كذا رُوِيَ عَنْ عمر وابنِ مسعود وغيرِهما. وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: أصبحتُ ومالي سرورٌ إلا في مواضع القضاءِ والقدرِ. فمن وصلَ إلى هذه الدرجةِ، كان عيشُه كلُّه في نعيم وسرورٍ، قالَ تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) . قال بعضُ السَّلَفِ: الحياةُ الطيبةُ: هي الرِّضا والقناعةُ. وقال عبدُ الواحدِ بنُ زيد: الرِّضا بابُ اللَّهِ الأعظم وجنةُ الدُّنيا ومستراحُ العابدين. وأهلُ الرِّضا تارةً يلاحظون حكمةَ المبتلي وخيرتَه لعبدهِ في البلاءِ، وأنَّه غيرُ متّهم في قضائهِ، وتارةً يُلاحظون ثوابَ الرِّضا بالقضاءِ، فيُنسيهم ألمَ المقضي به، وتارةً يُلاحظون عظمةَ المبتلي وجلالَه وكمالَه، فيستغرقُونَ في مشاهدةِ ذلك، حتَّى لا يشعرُونَ بالألم، وهذا يصلُ إليه خواص أهل المعرفة والمحبَّةِ، حتَّى ربَّما تلذَّذوا بما أصابَهم لملاحظتهم صدُوره عن حبيبهم، كما قالَ بعضُهم: أوجدَهم في عذابهِ عذوبةً. وسُئلَ بعضُ التابعينَ عن حاله في مرضهِ، فقالَ: أحبُّه إليَّ. وسُئلَ السريُّ: هل يجدُ المحبُّ ألمَ البلاءِ؟ فقالَ: لا. وقال بعضُهم:

стр. 1172

عذابُه فيكَ عَذْبُ. . . وبُعدُهُ فيكَ قُرْبُ وأنْتَ عِندي كرُوحي. . . بل أنْتَ مِنها أَحَبُّ حسْبي مِنَ الحُبِّ. . . أنِّي لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ * * *

стр. 1173

سُورَةُ الطَّلاقِ قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) وأمَّا حدودُ اللَّهِ التي نَهى عَن اعتدائِها، فالمرادُ بها جُملةُ ما أَذِنَ في فعلهِ. سواء كانَ على طريقِ الوجوبِ، أو الندْبِ، أو الإباحةِ، واعتداؤُها: هو تجاوزُ ذلك إلى ارتكابِ ما نَهى عنه، كما قالَ تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) ، والمرادُ: مَنْ طلَّقَ على غيرِ ما أمرَ اللَّه به وأذنَ فيه، وقال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) . والمراد: مَنْ أمسَكَ بَعدَ أَنْ طَلَّق بغيرِ معروفٍ، أو سرَّح بغيرِ إحسانٍ، أو أخَذَ ممَّا أعْطَى المرأةَ شيئًا على غيرِ وجهِ الفديةِ التي أذِنَ اللَّهُ فيها. وقالَ تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ يدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) إلى قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤) . والمرادُ: مَنْ تجاوزَ مَا فرضَه اللَّهُ للورثةِ، ففضَّلَ وارثًا، وزاد على حقهِ، أو نقصَه منه، ولهذا قال النبي ﷺ في خُطبته في حجَّة الوَداع: "إنَّ اللَّه قد أعْطَى كل ذي حَق حَقَّه فلا وصيةَ لوارث ".

стр. 1174

وروى النَّوَّاسُ بنُ سمعانَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ضرب اللَّه مثلاً صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتيِّ الصّراطِ سُورَانِ فيهما أبوابٌ مُفتحةٌ وعلى الأبوابِ ستورٌ مرخاق وعلى بابِ الصّراطِ داع يقول: يا أيُّها الناسُ، ادخُلوا الصّراطَ جميعًا، ولا تُعرِّجوا. وداعٍ يدعو من جوفِ الصّراط، فإذا أراد أن يفتحَ شيئا من تلك الأبوابِ، قال: وَيحكَ لا تفتحه، فإنَّك إنْ تفتحْه تلجْه، والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّورانِ: حدودُ اللَّه، والأبوابُ المفتَّحةُ: محارمُ الله، وذلك الداعي على رأس الصِّراطِ: كتابُ اللَّهِ، والدَّاعي من فوقُ: واعظُ اللَّهِ في قلبِ كلِّ مسلمٍ " خرَّجه الإمامُ أحمدَ، وهذا لفظُه. والنسائيُّ في "تفسيرِه "، والترمذيُّ وحسَّنه. فضربَ النبي ﷺ مثلَ الإسلامِ في هذا الحديثِ بصراطٍ مستقيم، وهو الطريقُ السَّهلُ، الواسعُ، الموصلُ سالكَه إلى مطلوبهِ، وهو - مع هذا - مستقيمٌ، لا عوجَ فيه، فيقتضي ذلك قربَه وسهولَته، وعلى جنبتي الصِّراطِ يَمْنةً ويسرَةً سُورَانِ، وهما حدودُ اللَّه، فكما أنَّ السَّورَ يمنع مَنْ كان داخله مِنْ تعدِّيه ومجاوزتهِ، فكذلك الإسلامُ يمنع من دخلَه من الخُروج عن حدودهِ ومجاوزتِها، وليس وراءَ ما حدَّ اللَهُ من المأذونِ فيه إلا ما نَهى عنه، ولهذا مدحَ سبحانَه الحافظينَ لحدودِه، وذمَّ من لا يعرفُ حَدَّ الحلالِ من الحرامِ، كمَا قالَ تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) . وقد تقدَّم حديثُ القرآنِ وأنَه يقولُ لمن عَمِل به: حَفِظَ حدودِي، ولمن لمْ يعملْ به: تعدَّى حدودِي. والمرادُ: أنَّ مَنْ لم يُجاوز ما أُذِنَ له فيه إلى ما نُهِي عنه فقد حفِظَ حدودَ

стр. 1175

اللَّه، ومن تعدَّى ذلك فقد تعدَّى حدودَ اللَّهِ. وقد تُطلقُ الحدودُ، ويُرادُ بها نفسُ المحارمِ، وحينئذٍ فيقال: لا تقربُوا حدودَ اللهِ، كما قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا) . والمرادُ: النَّهيّ عن ارتكابِ ما نهى عنه في الآيةِ من محظوراتِ الصِّيامِ والاعتكافِ في المساجدِ، ومن هذا المعنى - وهو تسميةُ المحارمِ حدودًا - قولُ النبي ﷺ : "مَثَلُ القائم على حدودِ اللَّهِ والمُدْهِنِ فيها، كمثلِ قوم اقتسموا سفينةً" الحديثُ المشهور، وأراد بالقائم على حدود اللَّه: المنكرُ للمحرَّمات والناهي عنها. وفي حديثِ ابنِ عباسٍ عن النبيِّ ﷺ ، قال: "إنِّي آخِذٌ بحُجزِكُم، أقولُ: اتَّقوا النارَ، اتَقوا الحدودَ" قالها ثلاثاً. خرَّجه الطبراني والبزار. وأراد بالحدودِ، محارمَ اللَّهِ ومعاصيهِ، ومنه قولُ الرجلِ الذي قالَ للنبيِّ ﷺ : إنِّي أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ. وقد تُسمى العقوباتُ المقدرةُ الرادعةُ عن المحارمِ المغلظةُ حدودًا، كما يقالُ: حدُّ الزني وحدُّ السرقةِ وحدُّ شُربِ الخَمرِ، ومنه قولُ النبيِّ ﷺ لأسامةَ: "أتشفعُ في حَدٍّ من حدودِ اللَّهِ؟ " يعني: في القَطع في السَّرقةِ. وهذا هو المعروفُ من اسم الحدودِ في اصطلاح الفقهاءِ.

стр. 1176

وأمَّا قولُ النبيِّ ﷺ : "لا يُجلدُ فوقَ عشرِ جلدات إلا في حَدٍّ مِن حُدودِ اللَّه " فهذا قد اختلف الناسُ في معناه، فمنهم من فسَّر الحدودَ هاهنا بهذه الحدودِ المقدّرةِ، وقال: إنَّ التَّعزيرَ لا يُزادُ على عشرِ جلداتٍ، ولا يُزادُ عليها إلا في هذه الحدودِ المقدَّرةِ، ومنهم من فسَّر الحدودَ هاهنا بجنس محارمِ اللَهِ، وقالَ: المرادُ أن مجاوزةَ العشرِ جلداتٍ لا يجوزُ إلا في ارتكابِ محرمٍ مِنْ محارمِ اللَّه، فأمَّا ضربُ التَّأديبِ على غيرِ محرَّمٍ، فلا يتجاوزُ به عشر جَلْدات. وقد حملَ بعضُهم قولَه ﷺ : "وحدَّ حُدُودًا فلا تعتدوها" على هذه العقوباتِ الزَّاجرةِ عَنِ المحرَّماتِ، وقال: المرادُ النَّهيُ عن تجاوُزِ هذه الحدود وتعديها عندَ إقامتِها على أهلِ الجرائم. ورجَّح ذلك بأنَّه لو كانَ المرادُ بالحدودِ الوقوف عند الأوامرِ والنَّواهي، لكانَ تكريرًا لقولهِ: "فرضَ فرائضَ فلا تُضيِّعُوها، وحرَّم أشياءَ، فلاتننهكُوها" وليس الأمرُ على ما قالَه، فإنَّ الوقوفَ عند الحُدودِ يقتضي أنَّه لا يخرجُ عمَّا أذِنَ فيه إلى ما نَهى عنه، وذلك أعمُّ من كونِ المأذونِ فيه فرضًا أو ندبًا أو مباحًا كما تقدَّم، وحينئذٍ فلا تكريرَ في الحديثِ، واللَّهُ أعلم. * * * قوله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) قال قتادةُ في قوله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) . ٢ قالَ: مِن الكربِ عندَ الموتِ، ومن أفزاع يوم القيامةِ. وقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ ﵄ في هذه الآيةِ: ننجيه من كلِ

стр. 1177

كربٍ في الدُّنيا والآخرةِ. وقال زيدُ بنُ أسلمَ في قولهِ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَ اسْتَقَامُوا) قال: يُبشرُ في ذلك عند موتهِ، وفي قبرهِ ويومَ البعثِ، فإنه لفي الجنةِ، وما ذهبت فرحةُ البشارةِ من قلبه. وقال ثابتٌ البناني في هذه الآية: بلغنا أنَّ المؤمنَ حينَ يبعثُه اللَّهُ من قبرهِ يتلَقاه ملكَاه اللذانِ كانا معه في الدُّنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزنْ، فيؤمِّنُ اللَّهُ خوفَه ويقر عينَه، فما من عظمةٍ تغشى الناسَ يومَ القيامةِ إلا وهي للمؤمنِ قرةُ عينٍ، لما هداه الله ولما كانَ يعملُ في الدنيا. خرَّج ذلك كلَّه ابنُ أبي حاتم وغيرهِ. وأمَّا من لم يتعرف إلى اللَّهِ في الرخاءِ، فليسَ له أنْ يعرفَه في الشدةِ لا في الدَّنيا ولا في الآخِرة. وشواهدُ هذا مشاهدةُ حالِهم في الدُّنيا، وحالهُم في الآخرة أشدُّ، وما لهم من وليٍّ ولا نصير. * * * قال اللَّهُ : (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ. وقد قرأ النبي ﷺ هذه - الآيةَ على أبي ذَرٍّ، وقالَ له: "لو أن الناسَ كُلَّهم أَخَذوا بها لكفَتهم ". يعني: لو أنَّهم لو حقَّقوا التَّقوى والتوكلَ لاكتَفَوا بذلك في مصالح دينهِم ودنياهُم.

стр. 1178

قال بعضُ السلف: بِحَسبِكَ من التوسلِ إليه أن يعلَمَ من قلبكِ حُسنَ توكُّلك عليه، فكَمْ من عبدٍ من عبادِه قد فَوَّضَ إليه أمرَه فكفاه منه ما أهمَّه. ثمَّ قرأ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) . وحقيقةُ التوكُّلِ: هو صدقُ اعتمادِ القلبِ على اللَّهِ في استجلابِ المصالح، ودفع المضارِّ من أمور الدنيا والآخرةِ كُلِّها، وكلَةُ الأمورِ كُلِّها إليه، وتحقيقُ الإيمانِ بأنه لا يُعطي ولا يمنعُ ولا يضرُّ ولا ينفعُ سِواه. قال سعيدُ بنُ جُبير: التوكُّلُ جماعُ الإيمانِ. وقال وهبُ بنُ مُنبه: الغايةُ القُصوى التوكلُ. قالَ الحسنُ: إن توكُّلَ العبدِ على ربِّه: أنْ يعلمَ أنَّ اللَّه هو ثقتُه. وفي حديث ابن عباس عن النبيِّ ﷺ ، قال: "مَنْ سرةَ أن يكونَ أقوى النَّاسِ فليتوكل على اللَّهَ ". ورُوي عنه ﷺ أنَّه كانَ يقولُ في دعائهِ: "اللهمَّ إنِّي أسالُك صدْقَ التوكُّل عليك "، وأنّه كان يقولُ: "اللهمَّ اجعلني مِمَّنْ توكَلَ عليك فكفيْتَه " َ. واعلمْ أنَّ تحقيقَ التوكلِ لا يُنافي السَّعي في الأسباب التي قَدَّر اللَّهُ سبحانَه المقدوراتِ بها، وجرت سُنَّته في خَلْقهِ بذلك، فإن اللهَ تعالى أمرَ بتعاطي الأسباب مع أمرهِ بالتوكُلِ، فالسَّعيُ في الأسبابِ بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلبِ عليه إيمان به، قال الله تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكمْ)

стр. 1179

وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) . وقال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) قالَ سهل التُّستري: مَنْ طعنَ في الحركةِ - يَعْني: في السعيِّ والكَسْبِ - فقد طعنَ في السّنَة، ومن طَعَنَ في التوكُّلِ فقد طَعَنَ في الإيمانِ. فالتوكُلُ حالُ النبي ﷺ ، والكَسْبُ سنّته، فمن عَمِلَ على حالهِ، فلا يَتْرُكَنَّ سنتَه. * * *

стр. 1180

سُورَةُ التَّحْرِيمِ قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) روى شريكٌ، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أوتِدَ على النَّارِ ألفُ سنة حتَّى ابيضتْ، ثم أوقِدَ عليها ألفُ سنة حتَّى احمرَّتْ، ثمَّ أوقِد عليها ألفُ سنة حتَّى اسودتْ، فهي سوداءُ كالليلِ المُظلم " خرَّجَه ابنُ ماجه والترمذيُّ وقال: حديثُ أبي هريرةَ في هذا موقوف أصح، ولا أعلمُ أحدًا رفَعه غيرُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ عن شريكٍ. وروى معنٌ، عن مالك، عن أبي سهيل، عن أبي هريرةَ، عن النبي ﷺ قالَ: "أترونَها حمراءَ كنارِكم هذه لهى أشدُّ سوادًا من القارِ" خرَّجه البيهقيّ، وخرَّجه البزارُ ولفظُه: "لهي أشدُّ من دخانِ نارِكُم هذه سبعينَ ضعفا" ورُوي موقوفًا على أبي هريرة وهو أصحُّ، قالَه الدارقطنيُّ. وقالَ الجوزجَانيُّ: حدثنا عبيدُ اللَّه الحنفي، حدثنا فَرْقَدُ بنُ الحجاج. سمعتُ عقبةَ اليماني يقول: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : "إنَّ نَارَ جهنمَ أشدُّ حرًا من نارِكم هذه بتسعة وتسعينَ جزءًا، وهي سوداءُ مظلمةٌ لا ضوءَ لها، لهي أشد سوادًا من القطرانِ " غريبٌ جدًّا.

стр. 1181

وروى الكُديمي عن سهلِ بنِ حمادٍ، عن مباركِ بنِ فضالةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: تلا رسولُ اللَّهِ ﷺ (نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) قال: " أوقِدَ عليها ألفُ عامٍ حتَى ابيضتْ، ثمَّ أوقِدَ عليها ألفُ عامٍ حتَى احمرت، ثم أوقدَ عليها ألفُ عامٍ حتَى اسودَّت، فهي سوداءُ لا يضيءُ لهبُها" خرَّجه البيهقيُّ َ، والكُديميّ ليس بحجةٍ. وخرَّج البزار من حديثِ زائدةَ بنِ أبي الرقادِ عن زيادٍ النميريِّ، عن أنسٍ، عن النبيّ ﷺ أنَّه ذكر نارَكم هذه فقالَ: "إنها لجزءٌ من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنم، وما وصلتْ إليكُم - حتَّى أحسبه قال -: حتَى نُضحتْ بالماءِ مرتينِ لتضيءَ لكُم، ونارُ جهنمَ سوداءُ مظلمةٌ". وفي حديثِ عديِّ بن عدي عن عُمَرَ مرفوعًا ذكرَ الإيقادَ عليها ثلاثةَ آلافِ عامٍ أيضًا، وقال: "فهي سوداءُ مظلمةٌ لا يضئُ جمرُها ولا لهبُها" خرَّجه ابنُ أبي الدنيا والطبرانيُّ، وقد سبقَ إسنادُه والكلامُ عليه. ورَوى ابنُ أبي الدُّنيا من طريقِ الحكم بنِ ظهيرٍ - وهو ضعيف -، عن عاصم، عن زرٍ، عن عبدِ اللَّهِ (وإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) قال: سُعّرَت ألفَ سنةٍ حتِّى ابيضت، ثُمَّ ألفَ سنةٍ حتى احمرت، ثمَّ ألفَ سنةٍ حتى اسودت، فهي سوداءُ مظلمةٌ. الحكمُ بنُ ظهيرٍ ضعيفٌ، والصحيحُ روايةُ عاصم عن أبي هريرةَ كما سبق. وروى الأعمشُ، عن أبي ظبيانَ، عن سلمانَ، قال: النَّارُ سوداءَ مظلمةٌ لا يُطفأُ جمرُها ولا يضيءُ لهبُها، ثمَّ قرأَ: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) .

стр. 1182

خرَّجه البيهقي من طريقِ أحمد بنِ عبدِ الجبارِ، عن أبي معاويةَ، عن الأعمشِ مرفوعًا وقال: رفْعُه ضعيفٌ. وقالَ أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيع بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةَ، عن أُبيِّ بنِ كعبٍ: ضَرَبَ اللَّهُ مثلاً للكافرينَ قال: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ) . فهو يتقلبُ في خمسٍ من الظلم: كلامُه ظلمةٌ، وعملُه ظلمةٌ، ومدخلُه ظلمة، ومخرجُه ظلمةٌ، ومسيرُه إلى الظلماتِ إلى النَارِ. وقال أيضًا أبو جعفرٍ، عن الربيع بنِ أنسٍ: إنَّ اللهَ جعلَ هذه النَّار - يعني نارَ الدُّنيا - نُورًا وضياءً ومتاعًا لأهلِ الأرضِ، وإنَّ النَارَ الكُبْرى سوداءُ مظلمة مثلُ القيرِ - نعوذُ باللَّهِ منها. وعن الضحاكِ قالَ: جهنمُ سوداءُ وماؤُها أسودُ وشجرُها أسودُ وأهلُها سود. وقد دلَّ على سوادِ أهلِها قولُه تعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) . وقولُه تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) الآية. وقد ثبتَ في الأحاديثِ الصحيحةِ أنَّ مِن عصاةِ الموحدينَ مَنْ يحترقُ في النارِ حتَّى يصيرَ فحمًا. * * * وقدْ وصفَ اللَّهُ الملائكةَ الذينَ على النَّارِ بالغلظِ والشدةِ قالَ اللَّهُ تعالى: (عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) .

стр. 1183

وروى أبو نُعيمٍ بإسناده عن كعبٍ، قالَ: إنَّ الخازنَ من خُزَّانِ جهنمَ مسيرةُ ما بينَ مَنْكِبيه سنةٌ؛ وإنًّ معَ كل واحدٍ منهم لعمودٌ له شعبتانِ من حديدٍ. يدفعُ به الدفعة فيكبُّ به في النارِ سبعمائةَ ألفٍ. وروى عبدُ اللَّهِ بنُ الإمامِ أحمدَ بإسنادهِ عن أبي عمرانَ الجونيِّ قالَ: بلغنا أنَّ الملَكَ مِن خزنةِ جهنمَ ما بين مَنكِبَيه مسيرةُ خريفٍ، فيضربُ الرجلَ من أهلِ النارِ الضربةَ فيتركُه طحينًا من لدن قرنهِ إلى قدمهِ. وفي روايةٍ أخرى له قالَ: بلغنا أنَّ خزنةَ النارِ تسعةَ عشرَ ما بينَ مَنكِبي أحدِهم مسجرة خريفٍ؛ وليسَ في قلوبهِم رحمةٌ إنَّما خُلقُوا للعذابِ. ورَوى الجُوَزَجانِيُّ بإسناده عن صالح أبي الخليل قالَ: ليلةَ أُسري بالنبيِّ ﷺ بَعثَ اللَّهُ إليه نَفرًا مِن الرُّسلِ فتلقَّوه بالفرح والبشرِ. وفي ناحيةِ المسجدِ مصلٍ يصلي لا يلتفتُ إليه؛ فقام إليه، فقال النبي ﷺ : "ما منكُم من أحدٍ إلا قد رأيتُ منه البشرَ والفرحَ غيرَ صاحبِ هذه الزاويةِ" فقالوا: أمَا إنَّه قد فرحَ بك كما فرحْنا. ولكنَّه خازن من خزَّانِ جهنمَ. ورَوى بكرُ بنُ خنيسٍ، عن عبدِ الملكِ الجسري، عن الحسنِ أنَّ جبريلَ قال للنبيِّ ﷺ : "لو أن خازنا من خزَّانِ جهنمَ أشرفَ على أهلِ الأرضِ لماتَ أهلُ الأرضِ مما يرونَ من تشويه خلقهِ " مرسل ضعيف. * * *

стр. 1184

سُورَةُ المُلْكِ قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) وقال الفضيلُ في قولهِ تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) قال: أخلصُه وأصوبُه. وقالَ: إنَّ العملَ إذا كانَ خالصًا، ولم يكنْ صوابًا، لم يقبلْ. وإذا كانَ صوابًا، ولم يكنْ خالصًا، لم يقبلْ حتَّى يكونَ خالصًا صوابًا، قالَ: والخالصُ إذا كانَ للَّهِ ، والصَّوابُ إذا كانَ على السُّنَّةِ. وقد دلَّ على هذا الذي قاله الفضيلُ قولُ اللَّهِ : (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) . وقالَ بعضُ العارفينَ: إنَّما تفاضَلُوا بالإراداتِ، ولم يتفاضَلُوا بالصَّومِ والصَّلاةِ. * * *

стр. 1185

سُورَةُ القَلَمِ قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) وفي "الصحيحينِ " عن حارثةَ بنِ وهب، عن النبيِّ ﷺ قال: "ألا أخبركم بأهلِ الجنةِ: كلّ ضعيفٍ متضعفٍ لو أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّة، ألا أخبرُكم بأهلِ النَّارِ كلُّ عتلٍّ جواظٍ مستكبرٍ". و"العتلُّ " قال مجاهد وعكرمةُ: هو القوىُّ؛ وقالَ أبو رزينٍ: هو الصحيحُ. وقال عطاءُ بن يسارٍ عن وهبٍ الذماريِّ قالَ: تبكى السماءُ والأرضُ من رجلٍ أتمَّ اللَّهُ خلقَه وأرحبَ جوفَه وأعطاه معظمًا من الدُّنيا، ثم يكونُ ظلومًا غشُومًا للناسِ، فذلك العتل الزنيمُ. وقال إبراهيمُ النخعيُّ: العتلُّ: الفاجرُ، والزنيمُ: اللئيمُ في أخلاقِ الناسِ. ورَوى شهرُ بنُ حوشب، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غنمٍ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لا يدخلُ الجنةَ جواظٌ ولا جعظريٌّ ولا العتلُّ الزنيمُ " فقال رجل من المسلمين: ما الجواظُ الجعظريُّ، والعتلُ الزنيمُ؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "الجواظُ: الذي جمعَ ومنعَ، وأما الجعظريُّ: فالفظُّ الغليظُ، قالَ اللَّهُ تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) .

стр. 1186

وأما العتلُ الزنيمُ: فشديدُ الخلقِ رحيبُ الجوفِ مصحح أكولٌ شروبٌ. واجدٌ للطعامِ، ظلوم للأنامِ. ورَوى معاويةُ بنُ صالح، عن كثيرٍ بن الحارثِ عن القاسم مولى معاويةَ. قال: سُئلَ رسولُ اللَّه ﷺ عن العتل الزنيم قال: "هو الفاحشُ اللئيمُ ". وقال معاويةُ: وحدثني عياضُ بنُ عبدِ اللَّه الفهريّ عن موسى بنِ عقبةَ. عن النبيِّ ﷺ بذلك خرَّجه كلَّه ابنُ أبي حاتم. وأمَّا المستكبرُ فهو الذي يتعاطَى الكبرَ على الناسِ والتعاظمَ عليهم، وقد قال الله تعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) . * * * قوله تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) ورُوي عن أبي سنانَ، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣) قال: نزلتْ في صلاةِ الرجل يسمعُ الأذانَ فلا يجيبُ. ورُوي عن سعيدِ بنِ جبير من قولِهِ. * * *

стр. 1187

سُورَةُ الحَاقَّةِ قوله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) فالأشقياءُ في البرزخ في عيشٍ ضنكٍ، قال اللَّه تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) . وقد رُوي عن أبي سعيدٍ الخدري، مرفوعًا وموقوفًا: أن المعيشةَ الضنكَ عذابُ القبرِ. يضيقُ عليه قبرُهُ حتى تختلفَ أضلاعُه، ويسلَّط عليه تسعةٌ وتسعونَ تنينًا. وأمَّا عيشُهم في الآخرة فأضيقُ وأضيقُ فأمَّا من طاب عيشُه بعدَ الموتِ فإنَّ طيبَ عيشِهِ لا ينقطع بلْ كلَّما جاء تزايدَ طيبُه. ولهذا سُئِلَ بعضُهم: منْ أنعمُ الناس؟ فقال: أجسام في الترابِ قد أَمِنَت العذابَ فانتظرت الثوابَ فهذا في البرزخ في عيشٍ طيبٍ. ورُئي معروف في المنام بعد موتِهِ وهو ينُشد: موتُ التقي حياة لا نفادَ لها. . . قد ماتَ قوم وهم في الناسِ أحياءُ وكان إبراهيم بنُ أدهم ينشدُ: ما أحدٌ أنعم منْ مُفرد. . . في قبرِهِ أعمالُه تؤنسُه منعَّم الجسم وفي روضةٍ. . . زيَّنها اللَهُ فهي مجلسُه

стр. 1188

رئي بعضُ الصالحين في المنامِ بعدَ موتِهِ، فقال: نحنُ بحمدِ الله في برزخ محمودٍ، نفترشُ فيه الريحانَ ونوسدُ فيه السندسَ والإستبرقَ إلى يوم النشور. رئي بعضُ الموتى في المنامِ فسُئلَ عن حالِ الفُضيل بن عياضٍ، فقال: كُسي حلَّةً لا تقومُ لها الدنيا بحواشِيها. فأمَّا عيشُ المتقين في الجنَّة فلا يحتاج أنْ يسألَ عن طيبِهِ ولذتِهِ، ويَكْفِي في ذلك قولُهُ تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) . ومعنى راضية: أي: عيشة يحصلُ بها الرِّضى. وفسَّر ابنُ عباسٍ: هنيئًا: بأنه لا موتَ فيها يُشيرُ إلى أنَّه لم يهنهم العيشُ إلا بعد الموتِ والخلودِ فيها. قال يزيدُ الرقاشيُ: أمِنَ أهلُ الجنةِ الموتَ فطابَ لهم العيشُ، وأمنُوا من الأسقامِ فهنيئًا لهم في جوارِ اللَّه طولُ المقام. وقال اللَّه تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُونٍ) . (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) إلى آخرها. أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً من ينظرُ في ملكِهِ وسُررِه وقصورِه مسيرةَ ألفي عام، يرى أقصَاه كما يرى أدناه، وأعلاهُم من ينظرُ إلى وجهِ ربِّه بكرةً وعشيا. وقال طائفة من السلفِ: إن المؤمن له بابٌ في الجنة من داره إلى دارِ السلامِ، يدخلُ على ربِّه إذا شاء بلا إذنٍ. قال أبو سليمان الدارانيُّ: وإذا أتاه رسول من ربِّ العزَّةِ بالتحيةِ والقُطفِ فلا يصل إليه حتى يستأذنَ عليه يقول للحاجبِ: استاذنْ لي على وليِّ اللَّه. فإني لستُ أصلُ إليه. فيُعلم ذلك الحاجبُ حاجبًا آخر حتى يصلَ إليه فذلك

стр. 1189

له تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) . فللهِ ذاك العيشُ بينَ خيامِها. . . وروضاتِها والثغرُ في الروضِ يبسمُ ولله كَمْ من خِيرةٍ إنْ تبَسَّمتْ. . . أضاءَ لها نور من الفجرِ أعظمُ ولله واديها الذي هو موعدُ الـ. . . مزيدِ لوفدِ الحبِّ لو كنتَ منهم بذيالكَ الوادي يهيمُ صبابةً. . . محبٌّ يرى أنَّ الصبابةَ مغنمُ وللَّهِ أفراح المحبين عندَما. . . يخاطبُهم مولاهُم ويُسلِّمُ وللَّه أبصار ترى اللَّهَ جهرةً. . . فلا الغيمُ يغشاها ولا هي تسأمُ فيا نظرة أهدت إلى القلب نظرةَّ. . . أمِنْ بعدِها يسلو المحب المتيمُ فَروحَك قرِّب إن أردتَ وصالَهم. . . فما غلبتْ نظرة تشري بروحِكَ منهمُ وأقدِم ولا تقنعْ بعيشٍ منغَّصٍ. . . فما فاز باللَّذاتِ منْ ليس يُقدِمُ فصُمْ يومَك الأدْنى لعلَّك في غدٍ. . . تفوزُ بعيدِ الفِطْرِ والنَّاسُ صوًمُ فيا بائعًا هذا ببخسٍ معجَّلٍ. . . كأنكَ لا تدري بلى سوف تعلمُ فإن كنتَ لا تدري فتلكَ مصيبة. . . وإن كنتَ تدري فالمصيبة أعظم * * * الصائمون على طبقتين: إحداهُما: من ترك طعامَه وشرابَهُ وشهوتَه للَّه تعالى، يرجو عنده عوض ذلك في الجنةِ، فهذا قد تاجَرَ مع اللَّه وعامَلَهُ، واللَّهُ تعالى لا يُضيع أجْرَ من أحسن عملاً، ولا يخيبُ معه من عامَلَهُ، بل يربحُ عليه أعظمَ الرِّبح، وقال رسولُ اللَّه ﷺ لرجلٍ: "إنَّك لن تدعَ شيئا اتَّقاءَ اللَّه إلا آتاك اللَّهُ خيزا منه " خرَّجه الإمامُ أحمد، فهذا الصَّائمُ يُعطى في الجنة ما شاء اللَّه من طعامٍ وشرابٍ

стр. 1190

ونساءٍ، قال اللَّه تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) . قال مجاهدٌ وغيرُه: نزلَتْ في الصائمين. قال يعقوبُ بن يوسُف الحنفيّ: بلغنا أن الله تعالى يقولُ لأوليائهِ يوم القيامة: يا أوليائي طالما نظرْتُ إليكم في الدنيا وقد قلَصَتْ شفاهُكم عن الأشربة، وغارت أعينُكم وخفقتْ بطونُكم؛ كونوا اليوم في نعيمكم. وتعاطَوا الكأس فيما بينكم، و (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) . وقال الحسنُ: تقولُ الحوراءُ لولي اللَّه وهو متكئ معها على نهر العَسَلِ تُعاطيه الكأسَ: إنَّ الله نظرَ إليك في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بين الطرفين، وأنت في ظمأِ هاجرةٍ من جهدِ العطشِ، فباهَى بك الملائكةَ، وقال: انظروا إلى عبدِي ترَكَ زوجتَه وشهوتَه ولذَّته وطعامَه وشرابَه من أجلي، رغبةً فيما عندي، اشْهَدُوا أنَى قد غفرتُ لَهُ؛ فغفر لك يومئذٍ وزوجنيكَ. وفي "الصحيحينِ " عن النبيِّ ﷺ قال: " إن في الجنة بابا يقال له: الريَّان، يدخل منه الصائمون، لا يدخلُ منه غيرُهُم " وفي روايةٍ: (فإذا دخلوا أغْلِق ". وفي رواية: "من دخلَ منه شرِبَ، ومن شرِبَ لم يظمأ أبدًا ". وفي حديثِ عبد الرحمنَّ ابن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ في منامِهِ الطويل، قال: "ورأيتُ رجلاً من أٌمَّتي يَلهَثُ عطشًا، كلَّما ورد حوْضا مُنِعَ منه، فجاءَه صيامُ رمضان، فسقاه وأرواه " خرَّجه الطبراني وغيرُهُ. وروى ابن أبي الدنيا بإسنادٍ فيه ضعف، عن أنسٍ مرفوعًا:

стр. 1191

"الصَّائمون يُنفَحُ من أفواهِهم ريحُ المسْكِ، ويوضَعُ لهم مائدة تحتَ العرشِ، يأكلونَ منها والناسُ في الحسابِ ". وعن أنسٍ موقوفًا: "إنَّ للَّه مائدةً لم ترَ مثلَها عينٌ، ولم تسمعْ أذُنٌ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، لا يقعدُ عليها إلا الصَّائمون ". وعن بعضِ السلفِ، قال: بلغنا أنه يوضَعُ للصُّوَّامِ مائدةٌ يأكلون عليها والناسُ في الحسابِ، فيقولونَ: يا ربِّ، نحن نحاسبُ وهُم يأكُلون؟ فيقال: إنهم طالما صامُوا وأفطرْتُم، وقامُوا ونمتم. رأى بعضُهم بشرَ بنِ الحارثِ في المنامِ وبين يديه مائدةٌ وهو يأكل، ويقال له: كُلْ يا من لم يأكُلْ، واشرَبْ يا من لم يشرَبْ. كان بعضُ الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطعَ صوتُه، فماتَ فَرُئي بعضُ أصحابه الصالحين في المنام فُسئِلَ عن حالِهِ، فضحِكَ وأنشد. قد كُسي حُلَّةَ البهاءِ وطافَتْ. . . بأباريقَ حولَهُ الخُدَّامُ ثم حُلِّي وقِيلَ يا قارئ ارْقى. . . فلَعَمْري لقد براك الصِّيام * * *

стр. 1192

سُورَةُ الجِنِّ قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) [قالَ البخاريُّ] : حدثنا مُسدَّدٌ: ثنا أبو عوانةَ، عنْ أيي بِشْرٍ - هو: جعفرُ ابنُ أبي وحْشِيَّةَ - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انطلقَ النبيُّ ﷺ في طائفةٍ من أصْحَابِه، عامدينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقدْ حِيلَ بيْنَ الشياطينِ وبيْنَ خبرِ السماءِ، وأُرْسلتْ عليهم الشُّهُبُ، فرجعَتِ الشياطينُ إلى قومِهِم، فقالوا: ما لكُمْ؟ فقالُوا: حِيلَ بيْنَنا وبيْنَ خبرِ السماء، وأُرْسلتْ عليْنا الشُّهُبُ، قالُوا: ما حالَ بيْنكُم وبينَ خبرِ السماءِ إلا شيءٌ حدَثَ، فاضربُوا مشارقَ الأرضِ ومغارِبَهَا، فانظروا ما هذا الذي حالَ بينكُمْ وبيْنَ خبرِ السماءِ، فانصرفَ الذين توجَّهُوا نحوَ تِهامَةَ إلى النبيِّ ﷺ وهُوَ بنخْلَةَ - عامدينَ إلى سُوقِ عُكَاظٍ، وهو يُصلِّي بأصْحَابِهِ صلاةَ الفجرِ، فلمَّا سمِعُوا القرَان استمعُوا له، فقالوا: هذا - واللَّهِ - الذي حالَ بينكم وبينَ خبرِ السماءِ، فهنالكَ حينَ رَجَعُوا إلى قومِهِمْ، فقالُوا: يا قوْمَنا إنا سمعْنا قرآنا عجبًا، يهْدِي إلى الرُّشدِ فآمنّا به، ولن نُشْرِكَ بربّنا أحدًا، فأنزل اللَّهُ على نبيِّه: (قُلْ أوحِيَ إِلَيَّ) وإنَّما أوحي إليه قولُ الجنِّ. هذه القصةُ كانت في أول البعثةِ.

стр. 1193

وهدا الحديثُ ممَّا أرسله ابنُ عباسٍ، ولم يسمِّ من حدَّثه به من الصحابة. ويحتملُ أنه سمعه من النبيِّ ﷺ يحكي عن نفسِهِ. واللَّهُ أعلم. وسوقُ عكَاظ نحو نخلة، كان يجتمعُ فيه العربُ، ولهم فيه سوقٌ، فكان النبيُّ ﷺ يخرجُ إليهم، فيدعُوهم إلى اللَّه ، وقد كانتِ الشهبُ يُرمَى بها في الجاهلية، وإنَّما كثرتْ عندما بعث النبيُّ ﷺ . وقد قالَ السُّديُّ وغيرُه: إنَّ السماءَ لم تحرسْ إلا حيث كان في الأرضِ نبيٌّ أو دينٌ للَّه ظاهر. والمقصودُ من هذا الحديثِ هاهنا: أن الشياطينَ لما مروا بالنبيِّ ﷺ وهو يصلِّي بأصحابه صلاةَ الصبح، وقفُوا واستمعُوا القرآنَ. وهذا يدلُّ على أنَّه ﷺ كان يجهرُ بالقراءةِ في صلاةِ الصبح، فلمَّا سمعُوا عرفوا أنَه هو الذي حال بينهم وبين خبرِ السماءِ. وظاهرُ هذا السياقِ: يقتضي أن الشياطينَ آمنُوا بالقرآنِ، وكذا قالَ السُّديُّ وغيرُه. وقد اختُلِفُ في الجنِّ والشياطينِ: هل هم جنسٌ واحدٌ، أو لا؟ فقالت طائفةٌ: الجن كلُّهم ولدُ إبليسَ، كما أن الإنسَ كلَّهم ولدُ آدمَ. رُوي هذا عن ابن عباس من وجهٍ فيه نظرٌ. وأنّهم لا يدخلون الجنةَ. ورُوي - أيضًا - عن الحسنِ، وأنَّه قالَ: مؤمنُهم وفيٌ للَّه وله الثوابُ ومشركُهُم شيطانٌ له العقابُ. وقالت طائفة: بلِ الشياطينُ ولدُ إبليسَ، وهم كفار ولا يموتون إلا معَ

стр. 1194

إبليسَ، والجنُّ ولد الجانِّ، وليسوا شياطينَ، وهم يموتون، وفيهم المؤمنُ والكافرُ. رُوي هذا عن ابن عباسٍ بإسنادٍ فيه نظرٌ - أيضًا. وقولُه: "وإنَّما أوحي إليه قولُ الجنّ " يشيرُ ابنُ عباس إلى أن النبيَّ ﷺ لم يرَ الجنَّ، ولا قرأ عليهم وإنما أُوحي إليه استماعُهم القرآنَ منه وإيمانهم به. وقد رُويَ ذلك صريحًا عنه، أنه قال في أولِ هذا الحديثِ: ما قرأ رسولُ الله ﷺ على الجنِّ ولا رآهم - ثم ذكر هذا الحديث. * * * قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) [قال البخاريّ] : "باب هل يُقَالُ: مَسْجِدُ بني فُلانٍ ": ابتدأ البخاريُّ ﵀ من هنا في ذكرِ المساجدِ وأحكامِها، فأولُ ما ذكرهُ من ذلك: أنه يجوزُ نسبةُ المساجدِ إلى القبائلِ، لعمارِتِهم إيَّاها، أو مجاورتِهِم لها. وقد كرهَ ذلك بعضُ المتقدمين، وتعلق بقوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) . والصحيحُ: أن الآيةَ لم يُرَدْ بها ذلك، وأنَّها نزلتْ في النهي عن أنْ يُشرك باللَّه في المساجدِ في عبادتِهِ غيره، كما يفعلُ أهلُ الكتابِ في كنائسِهِم وبيعِهم.

стр. 1195

وقيلَ: إن المرادَ بالمساجدِ الأرضَ كلَّها، فإنها لهذه الأمة مساجدُ، وهي كلُّها للَّه، فنهى اللَّهُ أن يُسجدَ عليها لغير. وقيلَ: إن المرادَ بالمساجدِ أعضاء السجودِ نفسُهَا، وهي للَّه، فإنه هوَ خلقها وجمعَها وألَّفها، فَمِن شُكْر على هذه النعمةِ أن لا يسجدَ بها لغير. وقد قيلَ: إد قوله تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) . يدلُّ - أيضًا - على أنَّه لا يجوزُ إضافةُ المساجدِ إلى مخلوق إضافةَ ملكٍ واختصاصٍ. وأخذ بعضُ أصحابنا من ذلك كالوزير ابنِ هبيرةَ: أنه لا يجوزُ نسبةُ شيءٍ من المساجدِ إلى بعضِ طوائفِ المسلمينَ للاختصاصِ بها، فيقالُ: هذه المساجدُ للطائفةِ الفلانيةِ، وهذه للطائفةِ الأخرى، فإنَّها مشتركةٌ بينَ المسلمينَ عمومًا. وذكرَ بعضُ المتأخرينَ من أصحابِنا في صحةِ اشتراطِ ذلك في وقفِهَا وجهين. وأما إضافةُ المسجدِ إلى ما يُعرِّفه به فليسَ بداخلٍ في ذلك، وقد كانَ النبيُّ ﷺ يضيف مسجدَهُ إلى نفسِهِ، فيقولُ: "مسجدي هذا" ويضيفُ مسجدَ قُباء إليه، ويضيفُ مسجدَ بيتِ المقدسِ إلى إيلياءَ، وكلُّ هذه إضافاتٌ للمساجدِ إلى غيرِ اللَّه لتعريفِ أسمائها، وهذا غيرُ داخلٍ في النهي. واللَّه أعلم. * * *
следующие страницы →