← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

"الصَّائمون يُنفَحُ من أفواهِهم ريحُ المسْكِ، ويوضَعُ لهم مائدة تحتَ العرشِ، يأكلونَ منها والناسُ في الحسابِ ". وعن أنسٍ موقوفًا: "إنَّ للَّه مائدةً لم ترَ مثلَها عينٌ، ولم تسمعْ أذُنٌ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، لا يقعدُ عليها إلا الصَّائمون ". وعن بعضِ السلفِ، قال: بلغنا أنه يوضَعُ للصُّوَّامِ مائدةٌ يأكلون عليها والناسُ في الحسابِ، فيقولونَ: يا ربِّ، نحن نحاسبُ وهُم يأكُلون؟ فيقال: إنهم طالما صامُوا وأفطرْتُم، وقامُوا ونمتم. رأى بعضُهم بشرَ بنِ الحارثِ في المنامِ وبين يديه مائدةٌ وهو يأكل، ويقال له: كُلْ يا من لم يأكُلْ، واشرَبْ يا من لم يشرَبْ. كان بعضُ الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطعَ صوتُه، فماتَ فَرُئي بعضُ أصحابه الصالحين في المنام فُسئِلَ عن حالِهِ، فضحِكَ وأنشد. قد كُسي حُلَّةَ البهاءِ وطافَتْ. . . بأباريقَ حولَهُ الخُدَّامُ ثم حُلِّي وقِيلَ يا قارئ ارْقى. . . فلَعَمْري لقد براك الصِّيام * * *

стр. 1192

سُورَةُ الجِنِّ قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) [قالَ البخاريُّ] : حدثنا مُسدَّدٌ: ثنا أبو عوانةَ، عنْ أيي بِشْرٍ - هو: جعفرُ ابنُ أبي وحْشِيَّةَ - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انطلقَ النبيُّ ﷺ في طائفةٍ من أصْحَابِه، عامدينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقدْ حِيلَ بيْنَ الشياطينِ وبيْنَ خبرِ السماءِ، وأُرْسلتْ عليهم الشُّهُبُ، فرجعَتِ الشياطينُ إلى قومِهِم، فقالوا: ما لكُمْ؟ فقالُوا: حِيلَ بيْنَنا وبيْنَ خبرِ السماء، وأُرْسلتْ عليْنا الشُّهُبُ، قالُوا: ما حالَ بيْنكُم وبينَ خبرِ السماءِ إلا شيءٌ حدَثَ، فاضربُوا مشارقَ الأرضِ ومغارِبَهَا، فانظروا ما هذا الذي حالَ بينكُمْ وبيْنَ خبرِ السماءِ، فانصرفَ الذين توجَّهُوا نحوَ تِهامَةَ إلى النبيِّ ﷺ وهُوَ بنخْلَةَ - عامدينَ إلى سُوقِ عُكَاظٍ، وهو يُصلِّي بأصْحَابِهِ صلاةَ الفجرِ، فلمَّا سمِعُوا القرَان استمعُوا له، فقالوا: هذا - واللَّهِ - الذي حالَ بينكم وبينَ خبرِ السماءِ، فهنالكَ حينَ رَجَعُوا إلى قومِهِمْ، فقالُوا: يا قوْمَنا إنا سمعْنا قرآنا عجبًا، يهْدِي إلى الرُّشدِ فآمنّا به، ولن نُشْرِكَ بربّنا أحدًا، فأنزل اللَّهُ على نبيِّه: (قُلْ أوحِيَ إِلَيَّ) وإنَّما أوحي إليه قولُ الجنِّ. هذه القصةُ كانت في أول البعثةِ.

стр. 1193

وهدا الحديثُ ممَّا أرسله ابنُ عباسٍ، ولم يسمِّ من حدَّثه به من الصحابة. ويحتملُ أنه سمعه من النبيِّ ﷺ يحكي عن نفسِهِ. واللَّهُ أعلم. وسوقُ عكَاظ نحو نخلة، كان يجتمعُ فيه العربُ، ولهم فيه سوقٌ، فكان النبيُّ ﷺ يخرجُ إليهم، فيدعُوهم إلى اللَّه ، وقد كانتِ الشهبُ يُرمَى بها في الجاهلية، وإنَّما كثرتْ عندما بعث النبيُّ ﷺ . وقد قالَ السُّديُّ وغيرُه: إنَّ السماءَ لم تحرسْ إلا حيث كان في الأرضِ نبيٌّ أو دينٌ للَّه ظاهر. والمقصودُ من هذا الحديثِ هاهنا: أن الشياطينَ لما مروا بالنبيِّ ﷺ وهو يصلِّي بأصحابه صلاةَ الصبح، وقفُوا واستمعُوا القرآنَ. وهذا يدلُّ على أنَّه ﷺ كان يجهرُ بالقراءةِ في صلاةِ الصبح، فلمَّا سمعُوا عرفوا أنَه هو الذي حال بينهم وبين خبرِ السماءِ. وظاهرُ هذا السياقِ: يقتضي أن الشياطينَ آمنُوا بالقرآنِ، وكذا قالَ السُّديُّ وغيرُه. وقد اختُلِفُ في الجنِّ والشياطينِ: هل هم جنسٌ واحدٌ، أو لا؟ فقالت طائفةٌ: الجن كلُّهم ولدُ إبليسَ، كما أن الإنسَ كلَّهم ولدُ آدمَ. رُوي هذا عن ابن عباس من وجهٍ فيه نظرٌ. وأنّهم لا يدخلون الجنةَ. ورُوي - أيضًا - عن الحسنِ، وأنَّه قالَ: مؤمنُهم وفيٌ للَّه وله الثوابُ ومشركُهُم شيطانٌ له العقابُ. وقالت طائفة: بلِ الشياطينُ ولدُ إبليسَ، وهم كفار ولا يموتون إلا معَ

стр. 1194

إبليسَ، والجنُّ ولد الجانِّ، وليسوا شياطينَ، وهم يموتون، وفيهم المؤمنُ والكافرُ. رُوي هذا عن ابن عباسٍ بإسنادٍ فيه نظرٌ - أيضًا. وقولُه: "وإنَّما أوحي إليه قولُ الجنّ " يشيرُ ابنُ عباس إلى أن النبيَّ ﷺ لم يرَ الجنَّ، ولا قرأ عليهم وإنما أُوحي إليه استماعُهم القرآنَ منه وإيمانهم به. وقد رُويَ ذلك صريحًا عنه، أنه قال في أولِ هذا الحديثِ: ما قرأ رسولُ الله ﷺ على الجنِّ ولا رآهم - ثم ذكر هذا الحديث. * * * قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) [قال البخاريّ] : "باب هل يُقَالُ: مَسْجِدُ بني فُلانٍ ": ابتدأ البخاريُّ ﵀ من هنا في ذكرِ المساجدِ وأحكامِها، فأولُ ما ذكرهُ من ذلك: أنه يجوزُ نسبةُ المساجدِ إلى القبائلِ، لعمارِتِهم إيَّاها، أو مجاورتِهِم لها. وقد كرهَ ذلك بعضُ المتقدمين، وتعلق بقوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) . والصحيحُ: أن الآيةَ لم يُرَدْ بها ذلك، وأنَّها نزلتْ في النهي عن أنْ يُشرك باللَّه في المساجدِ في عبادتِهِ غيره، كما يفعلُ أهلُ الكتابِ في كنائسِهِم وبيعِهم.

стр. 1195

وقيلَ: إن المرادَ بالمساجدِ الأرضَ كلَّها، فإنها لهذه الأمة مساجدُ، وهي كلُّها للَّه، فنهى اللَّهُ أن يُسجدَ عليها لغير. وقيلَ: إن المرادَ بالمساجدِ أعضاء السجودِ نفسُهَا، وهي للَّه، فإنه هوَ خلقها وجمعَها وألَّفها، فَمِن شُكْر على هذه النعمةِ أن لا يسجدَ بها لغير. وقد قيلَ: إد قوله تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) . يدلُّ - أيضًا - على أنَّه لا يجوزُ إضافةُ المساجدِ إلى مخلوق إضافةَ ملكٍ واختصاصٍ. وأخذ بعضُ أصحابنا من ذلك كالوزير ابنِ هبيرةَ: أنه لا يجوزُ نسبةُ شيءٍ من المساجدِ إلى بعضِ طوائفِ المسلمينَ للاختصاصِ بها، فيقالُ: هذه المساجدُ للطائفةِ الفلانيةِ، وهذه للطائفةِ الأخرى، فإنَّها مشتركةٌ بينَ المسلمينَ عمومًا. وذكرَ بعضُ المتأخرينَ من أصحابِنا في صحةِ اشتراطِ ذلك في وقفِهَا وجهين. وأما إضافةُ المسجدِ إلى ما يُعرِّفه به فليسَ بداخلٍ في ذلك، وقد كانَ النبيُّ ﷺ يضيف مسجدَهُ إلى نفسِهِ، فيقولُ: "مسجدي هذا" ويضيفُ مسجدَ قُباء إليه، ويضيفُ مسجدَ بيتِ المقدسِ إلى إيلياءَ، وكلُّ هذه إضافاتٌ للمساجدِ إلى غيرِ اللَّه لتعريفِ أسمائها، وهذا غيرُ داخلٍ في النهي. واللَّه أعلم. * * *

стр. 1196

سُورَةُ المُزَّمِّلِ قوله تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) قال اللَّه تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) . وقال: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) . روى الإمامُ أحمدُ بإسنادِهِ عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ في قوله: (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ) قال: شوكٌ يأخذُ بالحلقِ لا يدخلُ ولا يخرج. ورَوى عليٌّ بنُ أبي طلحة عن ابنِ عباسٍ في قوله: (مِن ضَرِيعٍ) قال: شجرٌ في جهنمَ. وقال مجاهدٌ: الضريعُ: الشبرقُ اليابسُ. ورَوى أيضًا عن عكرمة وقتادةَ، ورواهُ العوفيُّ عن ابنِ عباس: الشبرقُ: نبتٌ ذو شوك لاطئٍ بالأرضِ، فإذا هاجَ سمِّيَ ضريعًا. وقال قتادة: من أضرع الطعامِ وأبشعِه. وعن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: (مِن ضَرِيع) قال: من حجارةٍ، وعنه قال: الزقومُ. وعن أبي الحواريِّ قال: الضريع: السَّلى شوكُ النخلِ، وكيف يسمنُ شوكُ النخلِ. وخرَّج الترمذيُّ من حديث أبي الدرداءِ عن النبيِّ ﷺ : "يُلقَى على أهل

стр. 1197

النار الجوعُ، فيعدلُ ما هم فيه من العذابِ فيستغيثونَ، فيُغاثونَ بطعامٍ من ضريع لا يسمنُ ولا يُغني من جوع، فيستغيثونَ بالطعام فيغاثونَ بطعامٍ ذي غصه، فيذكرون أنهم كانُوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشرابِ، فيستغيثون بالشرابِ، فيدفعُ إليهم الحميمُ كلاليبِ الحديدِ، فإذا دنتْ من وجوهِهِم شوتْ وجوهَهُم، فإذا وصلتْ بطونَهُم قطعتْ ما في بطونِهِم.. " وذكر بقية الحديثِ. وقد رُوي الحديثُ موقوفًا على أبي الدرداءِ. وقيلَ: وقفهُ أشبهُ. وقال : (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) . رَوى عليٌّ بنُ أبي طلحة، عن ابن عباسٍ من غسلين، قال: هو صديدُ أهل النارِ، وقال شبيبُ بنُ بشرٍ عن عكرمةَ عن ابنِ عباس: الغسلينُ: الدمُ والماءُ يسيلُ من لحومِهِم وهو طعامُهُم. وعن مقاتلٍ، قال: إذا سالَ القيحُ والدمُ بادرُوا إلى أكلِهِ قبلَ أن تأكله النارُ. وقال أبو جعفرٍ عن الربيع بنِ أنسٍ: الغسلينُ: شجرةٌ في جهنَّم، وعن الضحاك مثلُه. ورَوى خصيف عن مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: ما أدري ما الغسلينُ. ولكنِّي أظنُّه الزقومُ. وقال أبو هلال عن قتادةَ: هو طعامٌ من طعامِ جهنَّم من شرِّ طعامِهِم. وقال يحيى بنُ سلامٍ: هو غسالةُ أجوافهِم. قال ابنُ قتيبةَ: هو فِعلين من غسلتُ، كأنَّه الغسالةُ. قال شريحُ بنُ عبيدٍ، قال كعب: يقولُ لو دلِّي من غسلين دلو واحدٌ في

стр. 1198

مطلع الشمسِ لغلت منه جماجمُ قومٍ في مغربِها. خرَّجه أبو نُعيمٍ. وقد رُوي أن بعضَ أهلِ النارِ يأكلُ لحمه، وسنذكرُ الحديثَ في ذلك فيما بعد إن شاء اللَّه. وقال اللَّهُ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) . وقد روي في حديث: "إن أكلةَ الربا يبعثونَ تتأججُ أفواهُهُم نارًا" ثم تلا هذه الآية. خرَّجه ابنُ حبانَ في "صحيحه " من حديثِ أبي برزةَ عن النبيِّ ﷺ . * * *

стр. 1199

سُورَةُ المُدَّثِّرِ قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) قال مجاهد والشَّعْبيُّ وقتادةُ والضحاكُ والنخعيُّ والزُّهريُّ وغيرُهم - في قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) : إن المعنى: طهِّرْ نفسَك من الذنوب. وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: وقلبَك ونيَّتَك فطهِّرْ. وقريبا منه: قولُ مَنْ قال: وعملَك فأصلِحْ. رُوي عن مجاهدٍ وأبي رَوْقٍ والضحاكِ. وعن الحسنِ والقرظيِّ، قالا: خُلُقَك حسِّنْه. فكنَّى بالثيابِ عن الأعمالِ، وهي الدِّينُ والتقوى والإيمانُ والإسلامُ وتطهيرُه: إصلاحُه وتخليصُه من المفسداتِ له، وبذلك تحصلُ طهارةُ النفسِ والقلبِ والنيةِ. وبه يحصلُ حسنُ الخُلُقِ، لأنَّ الدِّينَ هو الطاعاتُ التي تصيرُ عادةً ودَيْدنًا وخُلقًا، قالَ تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) . وفسَّرهُ ابنُ عباسٍ بالدِّينِ. * * *

стр. 1200

قوله تعالى: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وقوله ﷺ : "إنَّ أمنَّ الناس عليَّ في صحبته ومالِهِ أبو بكرٍ". قال الخطابيُّ: معنى قوله: "أمَن"، أي: أبْذَل لنفسه وأعْطَى لماله. والمنُّ: العطاءُ من غير استثابة، ومنه قوله تعالى: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أوْ أَمْسِكْ) . وقوله: (وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ) أي: لا تُعْطِ لتأخذ أكثر مما أعْطَيتَ، ولم يرد به المِنَّة؛ فإنها تُفسدُ الصنيعة، ولا مِنَّةَ لأحدٍ على رسولِ اللَّه ﷺ بل له المِنَّةُ على جميع الأُمَّةِ. * * * قوله تعالى: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) وروى دراجٌ عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ ﷺ قال في قوله تعالى: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) قال: "جبلٌ من نارٍ يكلفُ أن يصعدَهُ، فإذا وضَعَ يدَهُ عليه ذابتْ، وإذا رفَعَها عادتْ، وإذا وَضعَ رِجلَه عليه ذابتْ، فإذا رَفَعها عادتْ، يصعدُ سبعينَ خرِيفًا، ثم هَوى مثلَها كذلك " وهذا الحديثُ خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه بمعناه، وخرَّجه الترمذيُّ مختصرًا ولفظُهُ: "الصَّعود جبلٌ من نارٍ يصعدُ فيه الكافرُ سبعينَ خرِيفًا وبهوِي فيه كذلك أبَدًا". وقال: حديثٌ غريبٌ لا نعرفُهُ مرفوعًا إلا من حديثِ ابن لهيعةَ عن درَّاج، ولكنْ رواه أيضًا عمرُو بنُ الحارثِ عن درَّاج به، خرَّجه من طريقه الحاكمُ، وقال: صحيحُ الإسنادِ.

стр. 1201

ورَوى هذا الحديثَ أيضًا شريكٌ عن عمارٍ الدهنى عن عطيةَ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النبيّ ﷺ . خرَّجه من طريقِهِ البزارُ، وقال: تفردَ برفعه شريكٌ. ووقفه سفيانُ على عمار - يعني أنه وقفَهُ على أبي سعيد - ولم يرفعْهُ، ورواه أيضًا عمرُو بنُ قيسٍ الملائي عن عطيةَ عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّ ﷺ . ورَوى سماك عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) . قالَ: جبل في النارِ. ورويناهُ من طريقٍ فيه ضعفٌ عن الضحاكِ عن ابنِ عباسٍ، قال: هو جبل من النارِ زلق كلما صعدَهُ الفاجرُ زلقَ فهوى في النارِ. وعن ابن السائبِ قال: هو جبل من صخرةٍ ملساءَ في النارِ يكلفُ أن يصعدها، حتى إذا بلغ أعلاها رُدَّ إلى أسفلِها، ثم يكلفُ أيضًا أن يصعدَها فذلك دأبُهُ أبدًا، ويجذبُ من أمامِهِ بسلاسلِ الحديدِ ويضربُ من خلفِه بمقامع الحديدِ فيصعدُهَا في أربعين سنةٍ. وقال أيوبُ بنُ بشير عن شفي بن ماتع قال: في جهنَّم جبل يُدْعَى صعودًا يطلعُ فيه الكافرُ أربعينَ خريفًا قبل أن يرقاهُ. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا. * * * قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) وذكر صاحب سيرة الوزير قال: وسمعته يقول في قوله تعالى؛ (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) ، قال: العرب لا تعرفُ "ذا" ولا "هذا" إلا في الإشارةِ إلى الحاضرِ. وإنما أشارَ هذا القائلُ إلى هذا المسموع. فمن قال: إنَّ المسموعَ

стр. 1202

عبارةٌ عن القديم، فقد قال: هذا قول البشر. قال مصنفُ سيرته: كثيرًا ما سمعتُه يقول: ليس مذهبُ أحمد إلا الاتباع فقط. فما قال السلفُ قاله: وما سكتُوا عنه سكتَ عنه؛ فإنَّه كان يكثُر أن يقالَ: لفظي بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق لأنه لم يقل. وكان يقولُ في آيات الصفات: تمرّ كما جاءت. قال: وسمعته يقول: تفكرتُ في أخبار الصفاتِ، فرأيتُ الصحابةَ والتابعين سكتُوا عن تفسيرها، مع قوةِ علمهم، فنظرتُ السببَ في سكوتِهم، فإذا هو قوةُ الهيبة للموصوف، ولأنَّ تفسيرَها لا يتأتَّى إلا بضربِ الأمثالِ للَّه، وقد قال : (فَلا تَضربُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ) قال: وكان يقول: لا يفسرُ على الحقيقة ولا على المجازِ؛ لأن حملها على الحقيقة تشبيهٌ. وعلى المجاز بدعةٌ. * * * قوله تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) قال اللَّه تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) . قال آدمُ بنُ أبي إياسٍ: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، حدثنا الأزرقُ بنُ قيسٍ عن رجل من بني تميم: قال: كنَّا عندَ أبي العوام فقرأ هذه الآية:

стр. 1203

(عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) فقال: ما تقولون، تسعةَ عشرَ ملكًا؟ قلنا: بل تسعةَ عشرَ ألفًا، فقال: ومن أينَ علمتَ ذلك؟ قال: قلتُ لأنَّ اللَّه تعالى يقولُ: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذينَ كَفَروا) قال أبو العوام: صدقتَ وبيدِ كلِّ واحدٍ منهم مرزبةٌ من حديدٍ لها شعبتانِ، فيضربُ بها الضربةَ يهوي بها سبعينَ ألفًا، بين منكبي كلِّ ملكٍ منهم مسيرةَ كذا وكذا، فعلى قولِ أبي العوامِ ومن وافقه، الفتنةُ للكفارِ، إنما جاء من ذكرِ العددِ الموهم للقلةِ حيثُ لم يذكرِ المميزَ له. ويشبه هذا ما رَوى سعيدُ بن بشيرٍ عن قتادةَ في قوله: (وَمَا يَعْلَمُ جنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ) أي: من كثرتِهِم. وكذلك ما رَوى إبراهيمُ بنُ الحكم بنِ أبانٍ وفيه ضعفٌ عن أبيه، عن عكرمةَ قالَ: إنَّ أولَ من وصلَ من أهلِ النارِ إلى النارِ وجدُوا على البابِ أربع مائة ألفٍ من خزنةِ جهنَّم مسودةٌ وجوهُهُم كالحةٌ أنيابُهم، قد نزعَ اللَّه الرحمة من قلوبِهِم، ليسَ في قلبِ واحدٍ منهم مثقالُ ذرة من الرحمة لو طارَ الطائرُ من منكبِ أحدِهِم لطارَ شهرينِ قبلَ أن يبلغَ المنكبَ الآخرَ، ثم يجدونَ على البابِ التسعةَ عشرَ، عرضُ صدرِ أحدِهِم سبعونَ خرِيفًا، ثم يهوونَ من بابٍ إلى بابٍ خمسمائةَ سنةٍ حتى يأتُوا البابَ؛ ثم يجدونَ على كلِّ بابٍ منها من الخزنةِ مثلَ ما وجدُوا على البابِ الأولِ، حتى ينتهُوا إلى آخرِها. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ. وهذا يدلُّ على أنَّ على كلِّ بابٍ من أبوابِ جهنَّم تسعةَ عشرَ خزانًا هُمْ رؤساءُ الخزنةِ، تحتَ يدِ كلِّ واحدٍ منهم أربعمائة ألفٍ.

стр. 1204

والمشهورُ بين السلفِ والخلفِ أنَّ الفتنةَ إنما جاءتْ من حيثُ ذكرِ عددِ الملائكةِ الذين اغترَّ الكفارُ بقلَّتِهِم، وظنُوا أنهم يمكنُهُم مدافعتهُم وممانعتُهُم. ولم يعلمُوا أن كلَّ واحدٍ من الملائكةَ لا يمكنُ البشرُ كلُّهم مقاومتُهُ، ولهذا قال اللَّه تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) إلى قوله: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) . قال السُّديُّ: إن رجلاً من قريشٍ يقالُ له أبو الأشدينِ قال: يا معشرَ قريشٍ لا يهولنَّكم التسعةَ عشرَ أنا أدفعُ عنكُم بمنكبي الأيمنِ عشرةً من الملائكة. وبمنكبي الأيسر التسعة الباقية ثم تمرونَ إلى الجنةِ - يقولُه مستهزئًا - فقال الَلَّه : (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) . وقال قتادة: ذُكرَ لنا أنَّ أبا جهلٍ حينَ نزلتْ هذه الآيةُ قال: يا معشرَ قريش أما يستطيعُ كلُّ عشرةٍ منكم أن يأخذوا واحدًا من خزنة النارِ وأنتم الدُّهم. وصاحبُكم هذا يزعُمُ أنهم تسعة عشر. وقال قتادةُ: في التوراةِ والإنجيلِ: إنَّ خزنةَ النارِ تسعة عشر. ورَوى حريثٌ عن الشعبيِّ عن البراءِ في قولِ الله : (عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) قال: إن رهطَا من يهود سألُوا رجلاً من أصحابِ النبيِّ ﷺ عن خزنةِ جهنم، فقال: اللَّهُ ورسولُهُ أعلمُ. فجاء رجل فأخبرَ النبيَّ ﷺ فأنزلَ اللَّه عليه ساعةَ إذن (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) فأخبر أصحابَهُ، وقال: ادعُهُم، فجاءوا فسألوه عن خزنة جهنم، فأهْوَى بأصابع كفيه مرتين وأمسكَ الإبهامَ في الثانيةِ،

стр. 1205

خرَّجه ابن أبي حاتمٍ، وحريث هو ابنُ أبي مطر ضعيف. وخرَّجه الترمذيُّ من طريقِ مجالدٍ عن الشعبيِّ، عن جابر قال: قال ناس من اليهودِ لناسٍ من أصحابِ النبيِّ ﷺ : هل يعلمُ نبيكم عددَ خزنة جهنَّم؟ قالُوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا محمدُ غُلِبَ أصحابُك اليومَ، قال: "وما غُلِبُوا؟ " قال: سألتْهُم يهودُ: هل يعلم نبيُّكم عددَ خزنةِ جهنَّم؟ قال: "فما قالوا؟ " قالوا: لا ندري حتى نسأل نبيَّنا ﷺ . فقال: "يغلبُ قومٌ سئِلوا عمَّا لا يعلمون، فقالُوا: لا نعلمُ حتى نسأل نبيَّنا. لكنَّهم قد سألُوا نبيَّهم، فقالُوا: أرِنَا اللَّهَ جهرة، علي بأعداءِ الله " فلما جاءوا قالُوا: يا أبا القاسم كم عددُ خزنةِ جهنم؟ قال: "هكذا أو هكذا" في مرةٍ عشرة وفي مرةٍ تسعة، قالُوا: ثعم، وهذا أصحُّ من حديثِ حريثٍ المتقدمِ، قاله البيهقي وغيرُهُ. وخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ قال: خرجَ علينا رسولُ اللَّه ﷺ يومًا كالمودعَ، فقالَ: "أنا محمدٌ النبيُّ الأمّيُ " ثلاثًا، ولا نبيَّ بعدي، أوتيتُ فواتحَ الكَلم وخواتمه وجوامعَهُ، وعلمتُ كم خزنةُ النار وحملةُ العرشِ " وذكر بقيةَ الحديث. * * * قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) .

стр. 1206

وقال تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) . وقال تعالى: (وَاتَقُوا النَّارَ الَّتِي أعِدَّتْ لِلْكَافرِينَ) . وقال تعالى: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) . وقال تعالى: (لَهُم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَقُونِ) . وقال تعالى: (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) . قال الحسنُ في قوله تعالى: (نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ) قال: "واللَّهِ ما أنذرَ العبادَ بشيءٍ قط أدْهَى منها" خرَّجَه ابنُ أبي حاتم. وقال قتادةُ في قولِهِ تعالى: (إِنها لإِحْدَى الْكُبَرِ) يعْني النار. وروى سماكُ بنُ حربٍ، قال: سمعتُ النعمانَ بنَ بشيرِ يخطبُ، يقولُ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "أنذرتُكم النارَ أنذرتُكُمُ النارَ" حتى لو أنَّ رجلاً كان بالسوقِ لسمعَهُ من مقامِي هذا. حتَّى وقعتْ خميصةٌ كانتْ على عاتقِهِ عند رجليه. خرَّجَه الإمامُ أحمد، وفي روايةِ له أيضًا عن النعمان بن بشيرٍ، قالَ: قال رسول اللَّه ﷺ : " أنذرتُكُمُ النارَ، أنذرتُكُمُ النارَ" حتَى لو كانَ رجلٌ في أقْصى السوقِ لسمعَهُ وسمعَ أهلُ السوقِ صوتَهُ، وهو على المنبرِ. وفي رواية له عن سِماكٍ، قال: سمعتُ النعمانَ يخطبُ وعليه خميصةٌ. فقال: لقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "أنذرتُكُمُ النارَ،أنذرتُكُمُ النارَ" فلو أنَّ

стр. 1207

رجلاً بموضع كذا وكذا، سمعَ صوتَهُ. وعن عديِّ بنِ حاتمٍ قال: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "اتَّقوا النارَ" قال: وأشاحَ، ثم قال: "اتَقوا النارَ"، ثم أعرَض وأشاحَ ثلاثاً حتَّى ظننَّا أنه ينظرُ إليها، ثم قالَ: "اتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجدْ فبكلمةٍ طيبةٍ" خرَّجاه في "الصحيحينِ ". وخرَّج البيهقيُّ بإسنادٍ فيه جهالةٌ عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ : "يا معشر المسلمينَ ارغبُوا فيما رغبكم اللَّه فيه، واحذرُوا، وخافُوا ما خوَّفَكُمُ اللَّهُ به من عذابِهِ وعقابِهِ، ومن جهنَّم، فإنَّها لو كانتْ قطرةٌ من الجنةِ معكُم في دنياكم التي أنتم فيها حلَّتها لكُم، ولو كانتْ قطرةٌ من النارِ معكُم في دنياكم التي أنتُم فيها خبثتْها عليكُم ". وفي "الصحيحين " عن أبي هريرة ﵁ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إنَما مثلي ومثلُ أُمَّتي كمثلِ رجلٍ استوقدَ نارًا، فجعلتِ الدوابُّ والفراشُ يقعْنَ فيها، فأنا آخذُ بِحَجُزِكُم عن النارِ وأنتُم تقتحمون فيها" وفي روايةٍ لمسلم: "مثلي كمثلِ رجل استوقدَ نارًا، فلمَّا أضاءتْ ما حولَها جعلَ الفراشُ وهذه الدوابُّ التي في النارِ يقعنَ فيها. وجعلَ يحجزُهُن ويغلبْنَهُ فيقتحمنَ فيها" قال: "فذلكم مَثَلي ومثلُكُم أنا آخذ بِحجُزِكُم عن النارِ، هلمَّ عن النارِ، هلمَّ عن النارِ، فتغلبُوني وتقتحمون فيها". وفي رواية للإمامِ أحمد: "مَثَلي ومثلُكُم أيتها الأمَّةُ كمثلِ رجلٍ أوقدَ نارًا بليلٍ. فأقبلتْ إليها هذه الفراشُ والذبابُ التي تغشى النارَ، فجعل يذبُّها ويغلبْنَهُ إلا تقحُّمًا في

стр. 1208

النارِ، وأنا آخذ بحجُزِكُم أدعوكُم إلى الجنةِ وتغلبونِي إلا تقحُّمًا في النارِ". وخرَّج الإمامُ أحمد أيضًا من حديثِ ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إنَّ اللَّه لم يحرمْ حرمةً إلا وقدْ علمَ أنَّه سيطلعها منكم مطلعٌ، ألا وإنّي آخذُ بحجُزِكُم أن تهافَتُوا في النارِ، كتهافُتِ الفراشِ والذبابِ ". وخرَّج البزارُ والطبراني من حديثِ ابنِ عباسٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "أنا آخذ بحجُزِكُم فاتقوا النارَ، اتقوا النارَ، اتقوا الحدودَ، فإذا مِت تركْتُكُم، وأنا فرطُكُم على الحوضِ، فمن ورَدَ فقد أفْلَحَ، فيؤْتَى بأقوامٍ ويؤخذُ بهم ذاتَ الشمالِ، فأقولُ: ربِّ أمتي، فيقولُ: إنَّهم لم يزالوا بعدَكَ يرتدونَ على أعقابِهِم " وفي روايةٍ للبزارِ، قالَ: "وأنا آخذ بحجُزِكُم أقولُ: إيَّاكُم وجهنم، إيَّاكُم والحدودَ، إيَّاكُم وجهنم، إيَّاكُم والحدودَ، إيَّاكُم وجهنمَ، إيَّاكم والحدودَ" وذكر بقية الحديثِ. وفي "صحيح مسلم " عن أبي هريرة قالَ: لما نزلتْ هذه الآية: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) ، دعا رسولُ اللَّه ﷺ قريشًا فاجتمَعُوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: "يا بني كعبِ بنِ لؤيٍّ، أنقذوا أنفسكم من النارِ، يا بني مُرَةَ بنِ كعبٍ، أنقذُوا أنفسَكُم من النارِ، يا بني عبدَ شمسٍ، أنقذُوا أنفسَكم من النارِ، يا بني عبدِ مناف، أنقذُوا أنفسكم من النارِ، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النارِ، يا فاطمةُ بنتُ محمد، أنقدي نفسك من النارِ، فإنِّي لا أملك لكم من اللَّه شيئا". وخرَّج الطبرانيُّ وغيرُه من طريقِ يعلى بن الأشدقِ عن كليبِ بنِ حزنٍ،

стр. 1209

قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "اطلبُوا الجنةَ جهدَكُم واهربُوا من النارِ جهدكم، فإن الجنة لا ينامُ طالبها، وإنَّ النارَ لا ينامُ هاربها، وإن الآخرةَ اليوم محفوفة بالمكارِهِ، وإن الدنيا محفوفة باللذاتِ والشهواتِ، فلا تلهينَّكُم عن الآخرةِ" ويُروى هذا الحديثُ أيضًا عن يعلى بن الأشدقِ عن عبدِ اللَّهِ بن جرادٍ عن النبيِّ ﷺ ، وأحاديثُ يعلى بنِ الأشدقِ باطلة منكرةٌ. وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ يحيى بن عبدِ اللَّه عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ما رأيتُ مثلَ النارِ نامَ هاربُها، ولا مثلَ الجنةِ نامَ طالبُها" ويحيى هذا ضعفُوه، وخرَّجه ابنُ مردويه من وجهٍ آخرَ أجودَ من هذا إلى أبي هريرة، وخرَّج الطبرانيُّ نحوَه بإسنادٍ فيه نظر عن أنس عن النبيِّ ﷺ وخرَّجه ابنُ عديٍّ بإسنادٍ ضعيفٍ عن عمرَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ . وقالَ يوسفُ بنُ عطيةَ عن المعلى بنِ زيادٍ: كانَ هرمُ بنُ حيانَ يخرجُ في بعضِ الليالي وينادِي بأعلَى صوتِهِ: عجبتُ من الجنةِ كيفَ نامَ طالبُها. وعجبتُ منَ النارِ كيف نامَ هاربُها، ثم يقول: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ) . وقال أبو الجوزاءِ: لو وليتُ من أمرِ الناس شيئًا اتخذتُ منارًا على الطريقِ وأقمتُ عليها رجالاً ينادون في الناس: النارَ النارَ. خرَّجه الإمامُ أحمدُ في كتابِ " الزهدِ ". وخرَّج ابنُه عبدُ اللَّه في هذا الكتابِ أيضًا بإسنادِهِ عن مالكِ بنِ دينارٍ. قالَ: لو وجدتُ أعوانًا لناديتُ في منارِ البصرةِ بالديلِ: النارَ النارَ، ثم قالَ:

стр. 1210

لو وجدتُ أعوانًا لناديتُ في منارِ البصرةِ بالليلِ: النارَ النارَ، ثم قال: لو وجدتُ أعوانًا لفرقتهم في منارِ الدنيا: يا أيها الناس النارَ النارَ. * * *

стр. 1211

سُورَةُ القِيَامَةِ قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) [قال البخاريُّ] : حدثنا الحُميديُّ: ثنا مروانُ بن مُعاويةَ: ثنا إسماعيلُ عن قيْسٍ، عن جريرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: كُنَّا عندَ النبى ﷺ فنظرَ إلى القمرِ ليْلَةَ البدْرِ، فقالَ: "إنَّكم سترونَ ربَّكُم كما تروْنَ هذا القمَرَ، لا تُضامُون في رُؤيَتِه، فإن استطعْتُم أن لا تُغْلبُوا على صلاة قبْلَ طُلُوع الشمسِ وقبلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا" ثمَّ قرأ: (وَسَبِحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُروبِ) ". قال إسْماعيلُ: افْعلُوا لا تفُوتنَّكُمْ. هذا الحديثُ نصٌّ في ثبوتِ رؤيةِ المؤمنينَ لربهم في الآخرةِ، كما دلَّ على ذلك قولهُ تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) . ومفهومُ قولِهِ في حق الكفارِ: (كَلاَّ إِنَّهمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَّمَحْجوبُونَ) . قال الشافعيُّ وغيرُهُ: لما حَجَب أعداءَهُ في السخطِ دلَّ على أنَّ أولياءَه يرونَهُ في الرضا. والأحاديثُ في ذلكَ كثيرة جدًّا، وقد ذَكَرَ البخاريُّ بعضَها في أواخرِ "الصحيح " في "كتاب التوحيد" وقد أجمعَ على ذلكَ السَّلفُ الصالحُ مِنَ الصَّحابةِ والتَّابعينَ لهُم بإحسانٍ من الأئمةِ وأتباعِهِم.

стр. 1212

وإنَّما خالفَ فيه طوائفُ أهلِ البدع، من الجهميةِ والمعتزلةِ ونحوِهِم ممَّن يرد النصوصَ الصحيحةَ لخيالاتٍ فاسدةٍ وشبهاتٍ باطلةٍ، يخيلُهَا لهمُ الشيطانُ، فيُسرعونَ إلى قَبولِهَا منه، ويوهمُهُم أنَّ هذه النصوصَ الصحيحةَ تستلزمُ باطلاً، ويسميه تشْبيهًا أو تجْسيمًا، فينفرونَ منه، كمَا خيَّل إلى المشركينَ قبلَهُم أنَّ عبادة الأوثانِ ونحوِها تعظيمٌ لجناب الربِّ، وأنَّه لا يُتوصلُ إليه من غيرِ وسائط تعبدُ فتقربُ إليه زُلفًا، وأنًّ ذلك أبلغُ في التعظيم والاحترام، وقاسَهُ لهم على ملوكِ بني آدم، فاستجابُوا لذلكَ، وقبلوه منه. هانَّما بعثَ اللَّهُ الرسلَ وأنزلَ الكتبَ لإبطالِ ذلكَ كلِّه، فمن اتَّبع ما جاءوا به فقد اهتدى، ومنْ أعْرَضَ عنه أو عن شيءٍ منه واعترضَ فقد ضلَّ. وقولهُ: "كما تروْن هذا القمَرَ" شبَّه الرؤية بالرؤيةِ، لا المرئي بالمرئي . وإنَّما شبَّه الرؤية برؤية البدر، لمعنيين: أحدهما: أنَّ رؤية القمرِ ليلةَ البدرِ لا يُشك فيه ولا يُمترى. والثاني. يتسوى فيه جميعُ الناسُ من غير مشقة. وقد ظنَّ المريسيُّ ونحوُه ممن ضلَّ وافترى على اللَّهِ، أنَّ هذا الحديثَ يُرد. لما يتضمن من التشبيهِ، فضلَّ وأضلَّ. واتفقَ السلفُ الصالحُ على تلَقِّي هذا الحديث بالقبولِ والتصديقِ. قال يزيدُ بنُ هارونَ: من كذَّب بهذا الحديثِ فهو بريءٌ من اللَّهِ ورسولِهِ. وقال وكيعٌ: مَنْ ردَّ هذا الحديثَ فاحسبوه من الجهميَّةِ. وكان حسينٌ الجعُفيُّ إذا حدَّث بهذا الحديثِ، قال: زَعَمَ المريسي.

стр. 1213

وقوله: "لا تضامُون في رؤيتِهِ ". قال الخطابيُّ: "لا تضامون " رُوي على وجهين: مفتوحةُ التاءِ، مضددةُ الميم، وأصلُهُ تتضامّون، أي لا يضامُّ بعضُكم بعضًا، أي: لا يُزَاحم، من الضمِّ، كما يفعلُ الناسُ في طلبِ الشيء الخفي، يريدُ أنكم ترونَ ربَّكم وكلُّ واحدٍ منكم وادِعٌ في مكانِهِ، لا ينزاعه فيه أحدٌ. والآخرُ: مخفف: تُضامُون - بضمِّ التاءِ - من الضَّيم، أي: لا يضيم بعضُكم بعضًا فيه. انتهي. وذكرَ ابنُ السمعاني فيه روايةً ثالثةً: "تُضامُّون " - بضم التاء، وتشديدِ الميم - قال: ومعناها: لا تزاحِمُون، قال: ورواية - فتح التاء مع تشديدِ الميم - معناها: لا تزاحَمُون. وقولُه: "كما تروْن القمرَ ليلةَ البدر" يقوِّي المعنى الأول. وجاء التصريحُ به في روايةِ أبي رَزينِ العُقيليِّ، أنّه قال: يا رسول اللَّه. أكلُّنا يَرَى ربَّه يومَ القيامة؟ وما آيةُ ذلك في خَلْقِه؟ قال رسولُ اللَّه ﷺ : "أليس كُلُّكُمْ ينظرُ إلى القمرِ مُخْلِيًا به؟ " قال: بلى، قال: "فاللَّه أعظمُ ". خرَّجه الإمامُ أحمد. وخرَّجه ابنُه عبدُ الله في "المسندِ" بسياق مطول جدا، وفيه ذكرُ البعثِ والنشورِ، وفيه: "فتخرُجُون من الأصواء - أو: من مصَارِعِكُم - فتنظرُون إليْهِ وينظُرُ إليكُمْ "

стр. 1214

قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، وكيفَ ونحْنُ مِلْء الأرضِ وهُو شخْص واحدٌ، ينظُرُ إلينا وننْظُرُ إليه؟ قال: "أُنبئك بمثلِ ذلك، الشَّمسُ والقَمَرُ، آيةٌ منْهُ صغيرةٌ تَروْنَهُما ويريانكُمْ ساعة واحدة، لا تضارون في رُؤيَتِهما، ولعَمْرُ إلهِكَ لَهُوَ أقْدرُ على أنْ يرَاكُمْ وتَرَوْنَهُ من أنْ تَرَوْنَهُما ويرَيانِكُم، لا تُضارون في رؤيتهِما " وذكر بقيةَ الحديثِ. وخرَّجه الحاكم وقال: صحيحُ الإسناد. وقد ذكَرَ أبو عبد اللَّه بنُ منده إجماعَ أهلِ العلم على قبولِ هذا الحديثِ ونَقَلَ عبَّاسٌ الدُّوري، عن ابن معينٍ أنَّه استحسنه. وقولُهُ: "فإنِ اسْتَطَعْتُمْ أن لا تُغْلبُوا على صلاة قبْلَ طلُوع الشَّمْسِ وقبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا" أمر بالمحافظةِ على هاتينِ الصلاتين، وهما صلاةُ الفجرِ وصلاةُ العصرِ، وفيه إشارة إلى عظمِ قدْرِ هاتينِ الصلاتينِ، وأنَّهُما أشرفُ الصلواتِ الخمسِ، ولهذا قِيل في كل منهُما: إنّها الصلاةُ الوسطى، والقولُ بأنَّ الوسْطَى غيرُهما لا تعويلَ عليه. وقد قيل في مناسبةِ الأمرِ بالمحافظةِ على هاتينِ الصلاتينِ عقيبَ ذكرِ الرؤية.: أنَّ أعلى ما في الجنَّةِ رؤيةُ اللَّهِ ، وأشرفُ ما في الدنيا من الأعمالِ هاتان الصلاتانِ، فالمحافظةُ عليهما يُرجى بها دخولُ الجنةِ ورؤيةُ اللَّهِ عر وجل فيها. كما في الحديثِ الآخر: "منْ صلَّى البردين دخل الجنَّة" وسيأتي - إن شاء اللَّه في موضعه.

стр. 1215

وقيل: هو إشارةٌ إلى أنَّ دخولَ الجنةِ إنَّما يحصلُ بالصلاةِ مع الإيمانِ، فمنْ لا يصلِّي فليس بمسلمٍ، ولا يدخلُ الجنةَ بلْ هو من أهل النارِ، ولهذا قال أهلُ النارِ لما قيل لهم: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) . ويظهرُ وجْهٌ آخرُ في ذلك، وهو: أنّ أعْلى أهلِ الجنَّة منزلةً من ينظر في وجْهِ اللَّه مرتين بُكْرة وعشيا، وعُمومُ أهلِ الجنَّة يرونه في كلِّ جمعةٍ في يومِ المزيدِ، والمحافظةُ على هاتينِ الصلاتينِ على ميقاتِهِمَا ووضوئِهِمَا وخشوعِهِما وآدابهما يُرجى به أن يوجبَ النظرَ إلى اللَّه في الجنَة في هذين الوقتين. ويدل على هذا ما رَوى ثُوَيْرُ بنُ أبي فاختَة، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ. يقول: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ أدْنى أهلِ الجنَّة منزلة لمنْ ينظرُ إلى جنانِهِ وأزْواجه ونعيمه وخدَمِهِ وسرُرِهِ مسيرةَ ألفَ سنة، وأكْرَمُهُمْ على اللَّه منْ ينظرُ إلى وجههِ غدْوَةً وعشيا" ثم قرأ رسولُ اللَّه ﷺ : (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) . خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وهذا لفظُهُ. وخرَّجه - أيضًا - موقوفًا على ابنِ عمرَ. وثُوَيْرٌ فيه ضعفٌ. وقد رُوي هذا المعنى من حديث أبي بَرْزة الأسلميِّ مرفوعًا - آيضًا - وفي إسنادِهِ ضعفٌ.

стр. 1216

وقاله غيرُ واحدٍ من السَّلفِ منهم: عبْدُ اللَّه بنُ بُريدةَ وغيرُه. فالمحافظةُ على هاتين الصلاتينِ تكون سببًا لرؤية اللَّه في الجنَّةِ في مثلِ هذين الوقتين، كما أنَّ المحافظةَ على الجمعةِ سببٌ لرؤية اللَّه في يومِ المزيدِ في الجنَّة، كما قال ابن مسعود: سارعُوا إلى الجُمُعات؛ فإنَّ اللَّه يبرز لأهل الجنَّة في كلِّ جمعةٍ على كثيبٍ من كافورٍ أبيضَ، فيكونونَ منه في الدنو على قدْرِ تبكيرهم إلى الجُمُعاتِ. ورُوي عنه مرْفُوعًا. خرَّجَه ابنُ ماجةَ. ورُوي عن ابن عباسٍ، قال: مَنْ دخلَ الجنةَ من أهلِ القُرى لم ينظر إلى وجْه اللَّه؛ لأنَهم لا يشهدون الجمعة. خرَّجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب "الشافي " بإسنادٍ ضعيفٍ. وقد رُوي من حديثِ أنس مرفوعًا: "إنَّ النساءَ يريْنَ ربّهنَّ في الجنَّة في يومي العيدين ". والمعنى في ذلك: أنّهنَّ كُنَّ يشاركن الرجال في شهود العيدين دون الجُمع. وقولُه: ثم قرأ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) . الظاهر أن القارئ لذلكَ هو النبيُّ ﷺ . وقد رُوي من روايةِ زيدِ بن أبي أُنَيْسة، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن جريرٍ البَجَلي في هذا الحديثِ: ثم قرأ رسولُ اللَّه ﷺ : (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) الآية.

стр. 1217

خرَّجه أبو إسماعيلَ الأنصاريُّ في كتابِ "الفاروقِ ". وقد قيل: إنَّ هذه الكلمةَ مدرجة، وإنَّما القارئُ هو جرير بن عبد اللَّه البَجَلي. وقد خرَّجه مسلمٌ في "صحيحهِ " عن أبي خيثمة، عن مروان بن معاوية فذكر الحديثَ، وقال في آخره: ثم قرأ جريرٌ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) . وكذا رواه عَمْرُو بنُ زُرارة وغيرُه، عن مروان بن معاويةَ، وأدرجه عنه آخرون. * * *

стр. 1218

سُورَةُ الإنْسَانِ قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) قال اللَّه : (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) . وفسَّر طائفةٌ من السَّلَفِ أمشاجَ النُّطفةِ بالعُروقِ التي فيها. قال ابنُ مسعودٍ: أمشاجُها: عزَّ وقُها. * * * قوله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) قال اللَّه تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) . وقال اللَّهُ تعالى: (وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا) . وقال اللَّهُ تعالى: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) . وقال: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) . وقال تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) . وقرأ ابنُ عباسٍ: "وَالسلاسِلَ يُسْحَبُونَ " بنصب السلاسل وفتح ياءِ يسحبونَ، قال: هو أشدُّ عليهم هم يسحبون السلاسلَ. خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.

стр. 1219

فهذه ثلاثةُ أنواع: أحدها: الأغلالُ: وهي في الأعناقِ، كما ذكر سبحانه. قال الحسنُ بنُ صالح: الغلُّ تغلُّ اليدُ الواحدةُ إلى العنق، والصفدُ: اليدانِ جميعًا إلى العنقِ. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا. وقال أسباط عن السُّديِّ: الأصفادُ تجمعُ اليدينِ إلى العنق. وقال معمر عن قتادةَ في قوله: (مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) . قالَ: مقرنين في القيودِ والأغلالِ. قالَ عيينةُ بنُ الغصنِ عن الحسنِ: إنَّ الأغلالِ لم تُجعلْ في أعناقِ أهلِ النارِ لأنَّهم أعجزُوا الربَّ ، ولكنها إذا طُفِئَ بهم اللهبُ أرستْهُم. قالَ: ثم خرَّ الحسنُ مغشيًّا عليه. وقال سيَّارُ بنُ حاتم: حدثنا مسكينُ عن حوشحب عن الحسنِ أنه ذكرَ النارَ فقالَ: لو أنَّ غلاً منها وُضِعَ على الجبالِ لقصمَهَا إلى الماءِ الأسودِ، ولو أنَّ ذراعًا من السلسلة وُضِعَ على جبلٍ لرضَّه. ورَوى ابنُ أبي حاتم بإسناد عن موسى بنِ أبي عائشةَ أنَّه قرأ قولَهُ تعالى: (أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . قال: تشدُّ أيديهم بالأغلال في النارِ، فيستقبلونَ العذابَ بوجوهِهِم قد شدتْ أيدِيهم، فلا يقدرون على أن يتَّقوا بها، كلما جاء نوع من العذابِ يستقبلونَ بوجوهِهِم. وبإسنادِهِ عن فيضِ بنِ إسحاقَ عن فضيلِ بنِ عياضِ: إذا قالَ الربُّ تباركَ وتعالى: (خُذوهُ فَغُلُّوهُ) تبدَّرهُ سبعونَ ألفَ ملك كلُّهم يتبدرُ أيهم يجعلُ الغلَّ في عنقِهِ.

стр. 1220

النوع الثاني: الأنكالُ: وهي القيودُ، قال مجاهدٌ والحسنُ وعكرمةُ وغيرُهم. قال: الحسنُ: قيودٌ من نارٍ، قال أبو عمرانَ الجونيُّ: قيودٌ لا تحلُّ واللَّهِ أبدًا، وواحدُ الأنكالِ: نكلٌ، وسميمت القيودُ أنكالاً لأنه ينكلُ بها، أي يمنعُ. وروى أبو سنانَ عن الحسنِ: أما وعزَّتِهِ ما قيدَهُم مخافةَ أن يعجزُوه. ولكن قيدَهُم لترسَى في النارِ. وقال الأعمشُ: الصفدُ: القيودُ، وقولُهُ تعالى: (مّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) القيودُ، وقد سبقَ عن أبي صالح قولُهُ: (فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ) قال: القيودُ الطوالُ. النوع الثالثُ: السلاسلُ: خرجَ الإمامُ أحمدُ وغيرُه من طريقِ أبي السمح عن عيسى بنِ هلالٍ الصدفيِّ عن عبد اللهِ بن عمرٍو، قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "لو أنَّ رصاصةً مثلَ هذه - وأشار إلى مثل الجمجمةِ - أُرْسِلت من السماءِ إلى الأرضِ وهي مسيرةُ خمسمائة عامٍ لبلغتِ الأرض قبل الليلِ، ولو أنَّها أُرْسلتْ من رأسِ السلسلةِ لسارتْ أربعينَ خرِيفا الليلَ والنهارَ قبل أن تبلغَ أصولَها" غريبٌ، وفي رفعِهِ نظر، واللَّه أعلم. وفي حديثِ عدي الكندي عن عمرَ أن جبريلَ قال للنبيِّ ﷺ : "لو أن حلقةً من سلسلة أهلِ النارِ التي نعتَ اللَّهُ في كتابِهِ وُضِعَتْ على جبالِ الدنيا لانقضتْ ولم يردَّها شيء حتى تنتهي إلى الأرضِ السابعةِ السفلى" خرَّجه الطبرانيُّ، وسبق الكلامُ على إسنادِهِ. وروى سفيانُ عن بشيرٍ عن نوف الشامي في قولِهِ تعالى: (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فاسْلُكُوهُ) قال: إن الذراعَ سبعونَ باغا، والباعُ

стр. 1221

من هاهُنا إلى مكة! - وهو يومئذ بالكوفةِ. وقال ابنُ المباركِ: أنبأنا بكَارُ عن عبدِ اللَّه سمعَ ابنَ أبي مليكةَ يحدِّثُ أنَّ كعبًا قال: إنَّ حلقة من السلسلة التي قال اللَّهُ: (ذَرْغهَا سَبْعونَ ذِرَاعًا) إن حلقةً منها أكثرُ من حديدِ الدُّنيا. وقال ابنُ جريج في قولِهِ: (ذَرْعُهَا سبْعُونَ ذِرَاعًا) قال: بذراع الملكِ. وقال ابنُ المنكدرِ: لو جُمعَ حديدُ الدنيا كلُّه ما خلا منها وما بقي ما عدلَ حلقةً من الحلقِ التي ذكرَ اللَّهُ في كتابِهِ تعالى فقال: (فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا) . خرَّجَه أبو نُعيمٍ. قال ابنُ المباركِ عن سفيانَ في قوله: (فَاسْلُكُوهُ) قال: بلَغنا أنها تدخلُ في دبر حتى تخرج منه. وقال ابنُ جريج: قال ابنُ عباس: السلسلةُ تدخلُ في إستِهِ ثمَ تخرجُ من فِيه، ثم يُنظمونَ فيها كما ينظمُ الجرَّاَدُ في العودِ حتَّى يُشْوَى. خرَّجه ابنُ أبي حاتم. وخرَّجَه أيضًا من روايةِ العوفيِّ عن ابن عباسٍ. قال: تسلكُ في دُبُر حتَى تخرج من منخريهِ حتى لا يقوم على رجليه. وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من طريقِ خلفِ بنِ خليفةَ عن أبي هاشم قال: يجعلُ لهم أوتادٌ في جهنَّم فيها سلاسل فتلقَى في أعناقِهِم، فتزفرُ جهنَّمُ زفرةً فتذهبُ بهم مسيرة خَمسمائة سنة، ثم تجيءُ بهم في يوم، فذلك قوله: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) . ومن طريقِ أشعثَ عن جعفر عن سعيدِ بنِ جبير، قال: لو انفلتَ رجلٌ من أهلِ النارِ بسلسلةٍ لزالت الجبالُ.

стр. 1222

وقال جويبرٌ عن الضحاكِ في قوله: (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ) قال: يجمعُ بين ناصيتِهِ وقدميهِ في سلسلةٍ من وراء ظهرهِ. وقال السديُّ في هذه الآيةِ: يجمعُ بين ناصيةِ الكافرِ وقدميهِ، فتربطُ ناصيتُهُ بقدمِهِ وظهره ويفتلُ. وذكر الأعمشُ عن مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: يؤخذَ بناصيتِه وقدميه ويكسر ظهرُهُ، كما يكسرُ الحطبُ في التنورِ. وقال سيارُ بنُ حاتمٍ: حدثنا مسكينُ عن حوشبٍ عن الحن، قال: إنَّ جهنمَ ليَغلي عليها من الدهرِ إلى يومِ القيامةِ يُحمى طعامُها وشرابُها وأغلالُها، ولو أن غلاًّ منها وُضِعَ على الجبالِ لقصَمَهَا إلى الماء الأسودِ، ولو أنَّ ذراعًا من السلسلةِ وضعَ على جبل لرضَّه، ولو أنَّ جبلاً كان بينه وبين عذابِ اللَّه مسيرةَ خمسمائة عامٍ لذابَ ذلك الجبلُ، وإنَّهم ليُجمعونَ في السلسلةِ من آخرِهِم فتأكلُهُم النارُ وتبقى الأرواحُ. ورواه ابنُ أبي الدنيا عن عبدِ اللَّه بن عمرَ الجشميّ، عن المنهال بن عيسى العبديِّ، عن حوشبٍ، عن الحسنِ، عن النبيّ ﷺ فذكرَهُ بمعناه، وزادَ في آخره: "تبقى الأرواحُ في الحناجِرِ تصرخُ " والموقوفُ أشبهُ. وقال عبدُ اللَّه بنُ الإمامِ أحمدَ: أخبرت عن سيَّارِ عن ابنِ المعزِّي - وكان من خيارِ الناسِ. قال: بلغني أنَّ الأبدانَ تذهبُ وتبقى الأرواحُ في السلاسلِ. وخرَّج الطبرانيُّ وابنُ أبي حاتم من طريقِ منصورِ بنِ عمار، حدثنا بشيرُ ابنُ طلحةَ، عن خالدِ بن الدريكِ، عن يعْلَى بنِ منيةَ رفعَ الحديثَ إلى النبيِّ ﷺ -

стр. 1223

قال: "ينشئُ اللَّهُ سبحانه لأهلِ النارِ سحابةً سوداءَ مظلمة، فيقالُ: يا أهلَ النارِ، أيَّ شيءٍ تطلبون؟ فيذكرون بها سحابة الدنيا، فيقولون: يا ربَّنا الشرابُ، فتمطرُهم أغلالاً تزيدُ في أغلالهم، وسلاسلَ تزيدُ في سلاسلهم، وجمرًا يلتهبُ عليهم". وخرَّجه ابنُ أبي الدنيا موقوفًا لم يرفعْهُ. ورَوى أبو جعفر الرازيُّ عن الربيع بنِ أنسٍ عن أبي العاليةَ وغيرُه عن أبي هريرة، فذكرَ قصةَ الإسرإء بطولها وفيها قال: "ثم أتى على وادٍ - يعني النبي ﷺ - فسمعَ صوتا منكرًا ووجدَ ريحًا منتنةً، فقال: ما هذا يا جبريلُ؟ " فقال: هذا صوتُ جهنَّم تقولُ: ربِّ آتني ما وعدتني، فقدْ كثُرَتْ سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وعذابي، وقد برد قعري واشتدَّ حرِّي فآتني ما وعدتني، قال: لكِ كلُّ مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحسابِ ". * * * قوله تعالى: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) قال بعضُ السلفِ: إنَّ اللَّه تعالى وصفَ الجنَّة بصفةِ الصَّيفِ لا بصفةِ الشتاءِ، فقال تعالى: (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) . وقد قال اللَهُ تعالى في صفةِ أهل الجنة: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) . فنفَى عنهم شدة الحرِّ والبرْدِ. قال قتادةُ: علِمَ اللَّهُ أنَّ شدَّةَ الحرِّ

стр. 1224

تؤذي، وشدة البردِ تؤذي، فوقاهم أذاهما جميعًا. * * * جاء في حديث مرفوعٍ: "إنَّ زمهريرَ جهنَّمَ بيت يتميزُ فيه الكافرُ من بردِهِ " يعني: يتقطع ويتمزعُ. ورَوى ابنُ أبي الدنيا من طريقِ الأعمشِ عن مجاهدٍ، قال: إنَّ في النارِ لزمهريرًا يغلونَ فيه فيهربون منها إلى ذلك الزمهريرِ، فإذا وقعوا فيه حطمَ عظامَهم حتى يُسمعَ لها نقيضٌ. وعن ليثٍ عن مجاهدٍ، قالَ: الزمهريرُ الذي لا يستطيعون أن يذوقُوه من بردِهِ. وعن قابوسِ بنِ أبي ظبيانَ عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: يستغيثُ أهلُ النارِ من الحرِّ فيغوثونَ بريح بارده يصدعُ العظامَ بردُها فيسألون الحر. وعن عبدِ اللهِ بنِ عميرٍ، قالَ: بلغني أنَّ أهلَ النارِ يسألون خازنَها أن يخرجَهُم إلى جانبِهَا، فيخرجُهم فيقتلَهُم البردُ والزمهريرُ حتى يرجعُوا إليها فيدخلوها مما وجدوا من البردِ. وروى أبو نُعيمٍ بإسنادِهِ عن ابنِ عباسٍ أنَّ كعبًا قال: إنَّ في جهنَم بردًا هو الزمهريرُ يسقطُ اللحمَ حتى يستغيثُوا بحرِّ جهنَّمَ. ورُويَ عن ابنِ مسعودٍ قال: الزمهريرُ: لونٌ من العذابِ. وعن عكرمةَ، قال: هو البردُ الشديدُ.

стр. 1225

ورُويَ عن زبيدٍ الياميِّ أنه قامَ ليلةً للتهجدِ فعمدَ إلى مطهرةٍ له قد كان يتوضأ فيها، فغسلَ يده ثم أدخلها في المطهرةِ، فوجدَ الماءَ الذي فيها باردًا بردًا شديدًا، قد كاد أن يجمد، فذكرَ الزمهريرَ ويدَه في المطهرةِ، فلم يخرجْ يدَهُ من المطهرةِ حتى أصبحَ فجاءتْهُ الجاريةُ وهو على تلكِ الحالِ، فقالتْ: ما شأنُكَ يا سيِّدِي لم تصلِّ الليلةَ كما كنتَ تصلِّي، قال: ويحكِ إني أدخلتُ يدي في هذه المطهرةِ فاشتدَّ عليَّ بردُ الماءِ فذكرتُ به الزمهريرَ، فواللَّهِ ما شعرتُ بشدةِ بردِهِ حتَى وقفتِ عليَّ، انظري لا تخبري بهذا أحدًا ما دمتُ حيًّا، فما علمَ بذلك أحدٌ حتى مات ﵀. * * *

стр. 1226

سُورَةُ المُرْسَلاتِ قولِهٍ تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) أي: نكفتُهم ونضمُّهم ونجمعُهم وهمْ أحياءٌ على ظهرِها، وإذا ماتُوا ففي بطنِها. * * *

стр. 1227

سُورَةُ النَّبَأ قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) وروي عن ابنِ عباسٍ، قالَ: يستغيثُ أهلُ النارِ من الحَرّ فيُغاثون بريح باردةٍ يُصَدعُّ العِظامَ بَرْدُها، فيسألون الحَرَّ. وعن مجاهدٍ، قال: يهربون إلى الزمهريرِ، فإذا وقعُوا فيه حطَّمَ عِظامهم حتى يُسمع لها نَقيضٌ. وعن كعْبٍ، قال: إنَّ في جهنَّم بردًا هو الزمهريرُ، يُسقِطُ اللحمَ حتى يستغيثوا بِحَرِّ جهنم. وعن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، قال: بلغني أنَّ أهلَ النارِ سألوا خازنَها أن يخرجَهُم إلى جانبها فأُخرِجوا فقتلَهُم البَرْدُ والزمهريرُ، حتى رجعُوا إليها فدخلُوها ممَّا وجدُوا من البَرْدِ، وقد قال الله : (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) . وقال اللَّه تعالى: (هَذَا فَلْيَذوقوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) . قال ابنُ عباسٍ: الغسَّاقُ: الزَّمْهريرُ البارِدُ الذي يُحرِقُ من بَرْدهِ. وقال مجاهدٌ: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من بردِهِ. وقيلَ: إن الغسَّاَقَ الباردُ المنتن؛ أجارنا اللَهُ تعالى من جهنَّم بفضلِهِ وكرمِهِ.

стр. 1228

اعلم أن تفاوتَ أهلِ النارِ في العذاب هو بحسبِ تفاوتِ أعمالِهِم التي دخلُوا بها النارَ، كما قال تعالى: (وَلِكَلٍّ دَرَجَاتٌ ممَا عَمِلُوا) . وقال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا) ، قال ابنُ عباسٍ: وافقَ أعمالَهُم، - فليسَ عقابُ من تغلظ كفرُهُ وأفسدَ في الأرضِ ودعا إلى الكفرِ كمن ليس كذلك. قال تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) . وقال تعالى: (وَيَوْمَ تَفوم السَّاعَة أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشدَّ الْعَذَابِ) .. وكذلك تفاوتُ عذابِ عصاةِ الموحدينَ في النارِ بحسبِ أعمالِهِم، فليس عقوبةُ أهلِ الكبائرِ كعقوبةِ أصحابِ الصغائرِ، وقد يخفف عن بعضِهِم العذابُ بحسناتٍ أُخرَ له أو بما شاءَ اللَّهُ من الأسبابِ، ولهذا يموتُ بعضُهم في النارِ، كما سيأتي ذكرُهُ فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى. وأما الكفار إذا كانَ لهم حسنات في الدنيا من العدلِ والإحسانِ إلى الخلقِ فهل يخففُ عنهم بذلكَ من العذابِ في النارِ أم لا؟ هذا فيه قولان للسلفِ وغيرِهم: أحدُهُما: أنه يخففُ عنهم بذلك أيضًا، ورَوى ابنُ لهيعةَ عن عطاءِ بنِ دينار عن سعيدِ بن جبيرٍ معنى محذا القولِ، واختارَهُ ابنُ جرير الطبريُّ وغيرُهُ. وروى الأسودُ بنُ شيبانَ عن أبي نوفل قال: قالتْ عائشةُ: يا رسول الله أينَ عبدُ اللَّهِ بنُ جدعان؟ قال: "في النارِ" فجزعتْ عائشةُ واشتدَّ عليها، فلمَّا رأى رسولُ اللَّه ﷺ ذلك قال: "يا عائشةُ ما يشتدُّ عليك من هذا؟ " قالت: بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللَّه، إنه كان يطعمُ الطعامَ ويصلُ الرَّحمَ، قال: "إنه يهونُ

стр. 1229

عليه بما قلتِ " خرَّجه الخرائطيُّ في كتابِ "مكارمِ الأخلاقِ " وهو مرسلٌ. وروى عامرُ بنُ مدركٍ الحارثيُّ عن عتبةَ بنِ اليقظانَ عن قيسِ بنِ مسلم. عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن عبد اللَّه بنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "ما أحسنَ من محسنٍ كافرٍ أو مسلمٍ، إلا أثابَهُ اللَّه في عاجلِ الدنيا أو ادخرَ له في الآخرةِ" قلنا: يا رسول اللَّه، ما إثابَةُ الكافرِ في الدنيا؟ قال: "إن كان قد وصلَ رحمًا أو تصدَّقَ بصدقة أو عملَ حسنةً أثابَهُ اللَّه المالَ والولدَ والصِّحة وأشباهَ ذلك " قلنا: فما إثابةُ الكافرِ في الآخرةِ، قال: "عذابًا دونَ العذابِ " ثم تلا: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) . خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ، والخرائطيُّ والبزارُ في "مسندِهِ" والحاكمُ في "المستدرك" وقالَ: صحيح الإسنادِ، وخرَّجهُ البيهقيُّ في كتابِ "البعث والنشور" وقال: في إسناده نظر انتهى، وعتبةُ بنُ يقظانَ تكلَّم فيه بعضُهُم. وقد سبقتِ الأحاديثُ في تخفيف العذابِ عن أبي طالب بإحسانِهِ إلى النبيِّ ﷺ . وخرَّج الطبرانيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ عن أمِّ سلمة أنَّ الحارثَ بن هشامٍ أتى النبيَّ ﷺ يومَ حجةِ الوداع: فقال: إنَّكَ تحثُّ على صل الرحم، والإحسانِ وإيواءِ اليتيم وإطعامِ الضعيفِ والمسكينِ، وكل هذا كان يفعلُه هشامُ ابنُ المغيرة، فما ظنُّك به يا رسول اللَّه؟ قال: "كلُّ قبرٍ لايشهدُ صاحبُه أن لا إله إلا اللَّه فهو حفرة من حفر النارِ، وقد وجدتُ عمِّي أبا طالبٍ في طمطامٍ من النارِ. فأخرَّجَه الله بمكانِهِ منِّي وإحسانِهِ إليَّ فجعله في ضحضاحٍ من النارِ". والقولُ الثاني: أن الكافرَ لا ينتفعُ في الآخرةِ بشيء من الحسناتِ بحالٍ،

стр. 1230

ومن حجةِ أهلِ هذا القولِ قولُهُ تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثورًا) . وقولُهُ تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) . ونحوُ هذه الآياتِ. وفي "صحيح مسلم " عن أنس عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنةً يعطَى بها في الدنيا وبجزى بها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ فيطعَمُ بحسنات ما عملَ بها للهِ في الدُّنيا حتى إذا أفضَى إلى الآخرةِ لم تكنْ له حسنةٌ يُجزى بِهَا". وفي روايةٍ له أيضًا: "إنَّ الكافرَ إذا عملَ حسنةً أطعمَ بها طعمةً في الدنيا، وأما المؤمن فإنَّ اللَّه يدخرُ له حسناتِه في الآخرةِ، وبعقبُ له رزقًا في الدنيا على طاعتِهِ ". * * *
следующие страницы →