← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

سُورَةُ المُرْسَلاتِ قولِهٍ تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦) أي: نكفتُهم ونضمُّهم ونجمعُهم وهمْ أحياءٌ على ظهرِها، وإذا ماتُوا ففي بطنِها. * * *

стр. 1227

سُورَةُ النَّبَأ قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) وروي عن ابنِ عباسٍ، قالَ: يستغيثُ أهلُ النارِ من الحَرّ فيُغاثون بريح باردةٍ يُصَدعُّ العِظامَ بَرْدُها، فيسألون الحَرَّ. وعن مجاهدٍ، قال: يهربون إلى الزمهريرِ، فإذا وقعُوا فيه حطَّمَ عِظامهم حتى يُسمع لها نَقيضٌ. وعن كعْبٍ، قال: إنَّ في جهنَّم بردًا هو الزمهريرُ، يُسقِطُ اللحمَ حتى يستغيثوا بِحَرِّ جهنم. وعن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، قال: بلغني أنَّ أهلَ النارِ سألوا خازنَها أن يخرجَهُم إلى جانبها فأُخرِجوا فقتلَهُم البَرْدُ والزمهريرُ، حتى رجعُوا إليها فدخلُوها ممَّا وجدُوا من البَرْدِ، وقد قال الله : (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) . وقال اللَّه تعالى: (هَذَا فَلْيَذوقوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) . قال ابنُ عباسٍ: الغسَّاقُ: الزَّمْهريرُ البارِدُ الذي يُحرِقُ من بَرْدهِ. وقال مجاهدٌ: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من بردِهِ. وقيلَ: إن الغسَّاَقَ الباردُ المنتن؛ أجارنا اللَهُ تعالى من جهنَّم بفضلِهِ وكرمِهِ.

стр. 1228

اعلم أن تفاوتَ أهلِ النارِ في العذاب هو بحسبِ تفاوتِ أعمالِهِم التي دخلُوا بها النارَ، كما قال تعالى: (وَلِكَلٍّ دَرَجَاتٌ ممَا عَمِلُوا) . وقال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا) ، قال ابنُ عباسٍ: وافقَ أعمالَهُم، - فليسَ عقابُ من تغلظ كفرُهُ وأفسدَ في الأرضِ ودعا إلى الكفرِ كمن ليس كذلك. قال تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) . وقال تعالى: (وَيَوْمَ تَفوم السَّاعَة أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشدَّ الْعَذَابِ) .. وكذلك تفاوتُ عذابِ عصاةِ الموحدينَ في النارِ بحسبِ أعمالِهِم، فليس عقوبةُ أهلِ الكبائرِ كعقوبةِ أصحابِ الصغائرِ، وقد يخفف عن بعضِهِم العذابُ بحسناتٍ أُخرَ له أو بما شاءَ اللَّهُ من الأسبابِ، ولهذا يموتُ بعضُهم في النارِ، كما سيأتي ذكرُهُ فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى. وأما الكفار إذا كانَ لهم حسنات في الدنيا من العدلِ والإحسانِ إلى الخلقِ فهل يخففُ عنهم بذلكَ من العذابِ في النارِ أم لا؟ هذا فيه قولان للسلفِ وغيرِهم: أحدُهُما: أنه يخففُ عنهم بذلك أيضًا، ورَوى ابنُ لهيعةَ عن عطاءِ بنِ دينار عن سعيدِ بن جبيرٍ معنى محذا القولِ، واختارَهُ ابنُ جرير الطبريُّ وغيرُهُ. وروى الأسودُ بنُ شيبانَ عن أبي نوفل قال: قالتْ عائشةُ: يا رسول الله أينَ عبدُ اللَّهِ بنُ جدعان؟ قال: "في النارِ" فجزعتْ عائشةُ واشتدَّ عليها، فلمَّا رأى رسولُ اللَّه ﷺ ذلك قال: "يا عائشةُ ما يشتدُّ عليك من هذا؟ " قالت: بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللَّه، إنه كان يطعمُ الطعامَ ويصلُ الرَّحمَ، قال: "إنه يهونُ

стр. 1229

عليه بما قلتِ " خرَّجه الخرائطيُّ في كتابِ "مكارمِ الأخلاقِ " وهو مرسلٌ. وروى عامرُ بنُ مدركٍ الحارثيُّ عن عتبةَ بنِ اليقظانَ عن قيسِ بنِ مسلم. عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن عبد اللَّه بنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "ما أحسنَ من محسنٍ كافرٍ أو مسلمٍ، إلا أثابَهُ اللَّه في عاجلِ الدنيا أو ادخرَ له في الآخرةِ" قلنا: يا رسول اللَّه، ما إثابَةُ الكافرِ في الدنيا؟ قال: "إن كان قد وصلَ رحمًا أو تصدَّقَ بصدقة أو عملَ حسنةً أثابَهُ اللَّه المالَ والولدَ والصِّحة وأشباهَ ذلك " قلنا: فما إثابةُ الكافرِ في الآخرةِ، قال: "عذابًا دونَ العذابِ " ثم تلا: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) . خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ، والخرائطيُّ والبزارُ في "مسندِهِ" والحاكمُ في "المستدرك" وقالَ: صحيح الإسنادِ، وخرَّجهُ البيهقيُّ في كتابِ "البعث والنشور" وقال: في إسناده نظر انتهى، وعتبةُ بنُ يقظانَ تكلَّم فيه بعضُهُم. وقد سبقتِ الأحاديثُ في تخفيف العذابِ عن أبي طالب بإحسانِهِ إلى النبيِّ ﷺ . وخرَّج الطبرانيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ عن أمِّ سلمة أنَّ الحارثَ بن هشامٍ أتى النبيَّ ﷺ يومَ حجةِ الوداع: فقال: إنَّكَ تحثُّ على صل الرحم، والإحسانِ وإيواءِ اليتيم وإطعامِ الضعيفِ والمسكينِ، وكل هذا كان يفعلُه هشامُ ابنُ المغيرة، فما ظنُّك به يا رسول اللَّه؟ قال: "كلُّ قبرٍ لايشهدُ صاحبُه أن لا إله إلا اللَّه فهو حفرة من حفر النارِ، وقد وجدتُ عمِّي أبا طالبٍ في طمطامٍ من النارِ. فأخرَّجَه الله بمكانِهِ منِّي وإحسانِهِ إليَّ فجعله في ضحضاحٍ من النارِ". والقولُ الثاني: أن الكافرَ لا ينتفعُ في الآخرةِ بشيء من الحسناتِ بحالٍ،

стр. 1230

ومن حجةِ أهلِ هذا القولِ قولُهُ تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثورًا) . وقولُهُ تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) . ونحوُ هذه الآياتِ. وفي "صحيح مسلم " عن أنس عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنةً يعطَى بها في الدنيا وبجزى بها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ فيطعَمُ بحسنات ما عملَ بها للهِ في الدُّنيا حتى إذا أفضَى إلى الآخرةِ لم تكنْ له حسنةٌ يُجزى بِهَا". وفي روايةٍ له أيضًا: "إنَّ الكافرَ إذا عملَ حسنةً أطعمَ بها طعمةً في الدنيا، وأما المؤمن فإنَّ اللَّه يدخرُ له حسناتِه في الآخرةِ، وبعقبُ له رزقًا في الدنيا على طاعتِهِ ". * * *

стр. 1231

سُورَةُ التَّكْويرِ قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦) روى الإمامُ أحمد بإسنادٍ فيه نظرٌ عن يَعْلى بن أميّةَ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "البحرُ هو جهنَّمُ " فقالُوا ليَعْلى، قال: ألا ترون أنَّ اللَّهَ يقول: (نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سرَادِقُهَا) ، والذي نفسُ يعْلى بيده لا أدخلُها أبدًا حتى أُعرَضَ على اللَّهِ ، ولا يصيبُني منها قطرةٌ حتَّى ألقى اللَّهَ عزَّ وجلَّ. وهذا إن ثبتَ فالمرادُ به أن البحارَ تفجرُ يومَ القيامةِ فتصيرُ بحرًا واحدًا، ثم تسجرُ ويوقدُ عليها فتصيرُ نارًا وتزاد في نارِ جهنَّم. وقد فسَّر غيرُ واحد من السلفِ قولَه تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سجِّرَتْ) بنحوِ هذا. وروى المباركُ بنُ فضالةَ عن كثيرٍ أبي محمدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: تسجرُ حتى تصير نارًا. وروى مجاهدٌ عن شيخ من بجيلةَ عن ابنِ عباسٍ (وِإذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) قال: تكورُ الشمسُ والقمرُ والنجومُ في البحرِ فيبعثُ اللَّهُ عليها ريحًا دبورًا فتنفخه حتى يرجعَ نارًا. خرَّجه ابنُ أبي الدنيا وابنُ أبي حاتمٍ. وخرَّج ابنُ أبي الدنيا وابنُ أبي حاتم أيضًا من طريقِ مجالدٍ، عن الشعبيِّ،

стр. 1232

عن ابنِ عباس في قولِهِ تعالى: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) قال: هو هذا البحرُ تنتثرُ الكواكبُ فيه وتكوَّرُ الشمسُ والقمرُ فيكونُ هو جهنَّمُ. ورَوى ابنُ جريرٍ بإسنادِهِ عن سعيدِ بن المسيبِ عن عليئّ أنه قال رجلٌ من اليهودِ: أينَ جهنم؟ قال: البحرُ، قال عليٌّ: ما أراه إلا صادقًا، قال تعالى: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) ، وقال: (وِإذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) . ورواه آدمُ بنُ أبي إياسٍ في "تفسيره" عن حمادِ بن سلمةَ عن داودَ بنِ أبي هندٍ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: قال عليٌّ ليهودي": أين جهنم؟ قال: تحتَ البحر، قالَ عليٌّ: صدق ثم قرأ: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) . وخرَّجه في مواضعَ أُخرَ منه، وفيه ثُمَّ قرأ (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) . وخرَّج ابنُ أبي حاتم بإسنادِهِ عن أبي العاليةَ عن أبيِّ بنِ كعب ﵁ (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) قال: قالتِ الجنُّ للإنسِ: نأتيكُم بالخبرِ، فانطلقُوا إلى البحرِ فإذا هو نارٌ تأججُ. وعن ابنِ لهيعةَ عن أبي قبيلٍ قال: إنَّ البحرَ الأخضرَ هو جهنَّمُ. وروى أبو نُعيمٍ بإسنادِهِ عن كعبٍ في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) ، قال: تبدلُ السماواتُ فتصيرُ جنانًا، وتبدلُ الأرضُ فيصير مكانَ البحرِ النارُ. وقد سبق عن ابنِ عباسٍ أنه قال: النارُ سبعةُ أبحرٍ مطبقةٌ. وروى عن عبد اللَّه بن عمرٍو ﵄ أنه قال: لا يتوضأ بماءِ البحر لأنه طبقُ جهنَّمَ. وكذا قال سعيدُ بنُ أبي الحسنِ أخو البصريّ: البحرُ طبقُ جهنَمَ.

стр. 1233

وفي "سننِ أبي داود" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو ﵄ عن النبي ﷺ قال: "لا يركبُ البحرَ إلا حاجٌّ أو معتمرٌ أو غازٍ في سبيلِ الله، فإنَّ تحت البحرِ نارًا وتحتَ النارِ بحرًا ". وخرَّج ابنُ أبي حاتم بإسنادِهِ عن معاويةَ بن سعيدٍ، قال: إنَّ هذا البحرَ - يعني بحر الروم - وسطَ الأرضِ، والأنهارُ كلّها تصبُّ فيه، والبحرُ الكبيرُ يصبُّ فيه، وأسفلُهُ آبارٌ كلها مطبقةٌ بالنحاسِ، فإذا كان يوم القيامةِ أسجرَ. وذكر ابنُ أبي الدنيا عن العباسِ بنِ يزيد البحراني، قال: سمعتُ الوليدَ ابنِ هشامٍ وقلتُ له": عمن أخذتَ هذا؟ قال: عن رجل من أهلِ الكتابِ أسلمَ فحسنَ إسلامُهُ، قال: لمَّا التقم الحوتُ يونسَ ﵇ جالَ به الأبحرَ السبعة، فلمَّا كان آخر ذلك انْتهى به الحوتُ إلى قعرِ البحر، موضعٌ يلَي قعرَ جهنَّمَ، فسبحَ يونسُ في بطنِ الحوتِ، فسمعَ قارونُ تسبيحَهُ وهو في النارِ. وذكرَ بقية الخبر. وروى قيسُ بنُ الربيع عن عبيدِ المكتبِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ "إنَّ جهنَّم محيطة بالدنيا، وإن الجنةَ مِنَ ورائه، فلذلك كان الصراطُ على جهنّم طريقًا إلى الجنة" غريبٌ منكرٌ. وقد رُوي عن بعضِهم ما يدلُّ على أن النارَ في السماءِ. وروى مجاهدٌ قال في قولهِ تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا توعَدُونَ) قال: الجنةُ والنارُ، وكذا قال جويبرٌ عن الضحاكِ. وروى عاصمٌ عن زرٍّ عن حذيفةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أوتيتُ بالبراقِ فلم نزايلْ

стр. 1234

طرفَه أنا وجبريلُ حتَّى أتينا بيتَ المقدس. وفُتحتْ لنا أبوابُ السماءِ، ورأيتُ الجنةَ والنارَ" خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه " قال في روايةِ المروزيِّ وفي حديثِ حذيفةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "رأيتُ ليلةَ أسري بي الجنةَ والنارَ في السماءِ فقرأتُ هذه الآية: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) فكأنَي لم أقرأها قط " وهو تصديقٌ لما قاله حذيفةُ، نقله عنه الخلالُ في كتابِ "السنة". وهذا اللفظُ الذي احتجَّ به الإمامُ أحمدُ لم نقفْ عليه بعدُ في حديثه وإنَّما رُوىَ عنه ما تقدَّم. ورُوي عن حذيفةَ أنه قال: واللَّهِ ما زال البراقُ حتَّى فُتحتْ لهما أبوابُ السماء ورأيا الجنةَ والنارَ، ووعدَ اللَّهُ الآخرةَ أجمعَ ولم يرفعْهُ، وهذا كلُّه ليسَ بصريح في أنَّه رأى النارَ في السماءِ كما لا يَخْفى. وأيضًا فعلى تقدير صحةِ ذلك اللفظ لا يدلُّ على أنَّ النارَ في السماءِ. وإنما يدلُّ على أنه رآها وهو في السماءِ والميتُ يرى في قبره الجنةَ والنارَ وليستِ الجنةُ في الأرضِ. وقد رأى النبي ﷺ في صلاةِ الكسوفِ الجنةَ والنارَ وهو في الأرض، وكذلك في بعضِ طرقِ حديثِ الإسراءِ - حديث أبي هريرة - أنَّه مرَّ على أرضِ الجنةِ والنارِ في مسيره إلى بيتِ المقدسِ، ولم يدلَّ شيءٌ من ذلك على أنَّ الجنةَ في الأرض، فحديثُ حذيفةَ إن ثبتَ أنه رأى الجنةَ والنارَ في السماءِ، فالسماءُ ظرفٌ للرؤيةِ لا للمرئيِّ، واللَّه أعلمُ. وفي حديثِ أبي هارون العبديِّ، وهو ضعيفٌ جدًّا عن أبي سعيد،

стр. 1235

الخدريِّ في صفةِ الإسراءِ أنه ﷺ رأى الجنةَ والنارَ فوق السماواتِ، ولو صحَّ لحُمل على ما ذكرناه أيضًا. وقد روى القاضي أبو يعْلى بإسناد جيدٍ عن أبي بكر المروذيِّ أن الإمامَ أحمدَ فسَّر له من القرآن آياب متعددة، فكانَ مما فسَّرهُ له قولهُ تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) قال: أطباقُ النيران (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) ، قال: جهنَّم. وهذا يدلُّ على أن النارَ في الأرضِ، بخلافِ ما رواه الخلاَّلُ عن المروذيِّ. واللَّه أعلم. وأما المرويُّ عن مجاهدٍ، فقد تأوَّلَهُ بعضُهم على أنَّ المرادَ أن أعمالَ الجنةِ والنارِ مقدرة في السماءِ من الخيرِ والشرِّ، وقد صرَحَ بذلك مجاهدٌ في روايةِ أخرى عنه. وقد وردَ في بعضِ طرقِ حديثِ الإسراءِ أنه ﷺ رأى جهنم في طريقِهِ إلى بيتِ المقدسِ، ورُوي عن عبادةَ بنِ الصامتِ أنه وقفَ على سورِ بيت المقدسِ الشرقيِّ يبْكي، وقال: ها هُنا أخبرنا رسولُ اللَّهِ ﷺ أنه رأى جهنَّمَ. * * * قوله تعالى: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) قال تعالى: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) . وقُرئ (سُعِّرت و (سُعِرَت) بالتشديدِ والتخفيفِ. قال الزجاجُ: المعنى واحدٌ، إلا أنَّ معنى المشددِ أوقدتْ مرةً بعد مرةٍ.

стр. 1236

قال قتادةُ: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) . أوقدتْ، وقال السُّديُّ: أحميتْ، وقال سعيدُ بنُ بشيرٍ عن قتادةَ: يسعرُهَا غضبُ اللَّهِ وخطايا بني آدمَ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ. وهذا يقتضى أنَّ تسعيرَ جهنَّم حيثُ سعرتْ إنما سعرتْ بخطايا بني آدمَ التي تقتضي غضبَ اللَّه عليهم، فتزدادُ جهنَم حينئذٍ تلهبًا وتسعُّرًا، وهذا كما أن بناءَ دورِ الجنةِ غرس الأشجارِ يحصلُ بأعمالِ بني آدمَ الصالحةِ من الذىِ وغيرِهِ، وكذلك حُسنُ ما فيها من الزوجاتِ وغيرهنَّ يتزايدُ بتحسبنِ الأعمالِ الصالحةِ، فكذلك جهنَّم تسعرُ وتزدادُ آلاتُ العذابِ فيها بكثرةِ ذنوبِ بني آدم وخطاياهم وغضبِ الربِّ تعالى عليهم. نعوذُ باللَّه من غضبِ اللَّه ومن النارِ وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ بِمنِّهِ وكرمِهِ. * * * قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) انخنستُ: أي: توارَيْتُ، واختفيتُ منه، وتأخَّرتُ عنه، ومنه: الوَسْواسُ الخنَّاسُ، وهو الشيطانُ، إذا غَفَلَ العبدُ عن ذِكْرِ اللَّهِ وَسْوَسَ له، فإذا ذَكَر اللَّه خنَسَ وتأخر. ومنه سُميِّتِ النجومُ خُنَّسًا، قال تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) .

стр. 1237

وانخِناسُها: رُجُوعُها وتوارِيها تحت ضوء الشَّمسِ. وقيل: اختفاؤها بالنهار. * * *

стр. 1238

سُورَةُ الانْفِطَارِ قوله تعالى: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) وقولُهُ @ك@ي@ا: "إن خلقَ أحدِكُم يُجمعُ في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا نطفةً" قد رُوي تفسيرُهُ عن ابنِ مسعودٍ. روى الأعمشُ عن خيثَمةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: إن النطفةَ إذا وقعتْ في الرَّحِمِ، طارتْ في كلِّ شعرٍ وظُفر، فتمكثُ أربعينَ يومًا، ثم تنحدِرُ في الرَّحِمِ فتكونُ علقةً، قال: فذلكَ جمعُها. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه. ورويَ تفسيرُ الجمع مرفوعًا بمعنى آخرَ، فخرَّج الطبرانيُّ، وابنُ منده في كتابِ "التوحيد" من حديثِ مالكِ بنِ الحويرثِ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ اللَّه تعالى إذا أرادَ خلقَ عبد، فجامعَ الرجلُ المرأةَ، طارَ ماؤهُ في كل عِرْقٍ وعضو منها، فإذا كان يومُ السابع جمعه اللَّهُ، ثم أحضرَهُ كلَّ عرق له دونَ آدم: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) . وقال ابنُ منده: إسنادهُ متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرِهما. وخرَّجَ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتم، والطبراني من روايةِ مُطَهَّرِ بنِ الهيثم،

стр. 1239

عن موسى بن عليّ بنِ رباح، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ النبى ﷺ قال لجدِّه: "يا فلانُ، ما وُلِدَ لك؟ " قال: يا رسولَ اللَّه، وما عَسَى أن يولَدَ لي؟ إمَّا غلامٌ وإمَّا جارية، قال: "فمَنْ يشبُه؟ " قال: من عسى أن يشبه؟ يشبه أمَّه أو أباه، قال: فقال النبيُّ ﷺ : "لا تقولن كذا، إن النطفةَ إذا استقرتْ في الرحِمِ، أحضرها الله كل نسبٍ بينها وبين آدمَ، أما قرأت هذه الآيةَ: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) . قال: "سلكك " وهذا إسناد ضعيفٌ. ومطهرُ بنُ الهيثم ضعيص جدا، وقال البخاريُّ: هو حديثٌ لم يصح. وذكر بإسنادِهِ عن موسى بن علي عن أبيه أن أباهُ لم يُسلِم إلا في عهدِ أبي بكرٍ الصدِّيقِ يعني: أنه لا صحبةَ له. ويشهدُ لهذا المعنى قول النبى ﷺ للذي قال له: ولَدتِ امرأتي غُلامًا أسودَ: "لعله نزعه عرقٌ ". * * *

стр. 1240

سُورَةُ المُطَفِّفينَ قوله تعالى (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) روى عطيةُ عن ابنِ عباسٍ، قال: الجنةُ في السماء السابعةِ، ويجعلُها اللهُ حيثُ يشاءُ يومَ القيامةِ، وجهنَّم في الأرضِ السابعةِ. خرَّجه أبو نُعيمٍ. وخرَّج ابنُ منده من حديثِ أبي يحيى القتاتِ عن مجاهد، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أين الجنَّةُ؟ قال: فوقَ سبع سماوات، قلتُ: فأين النارُ؟ قال: تحتَ سبع أبحرٍ مطبقةٍ. وروى البيهقيُّ بإسنادِ فيه ضعف عن أبي الزعراءَ عن ابنِ مسعودٍ، قال: الجنَّة في السماءِ السابعةِ العُليا، والنارُ في الأرضِ السابعةِ السفلَى، ثمَّ قرأ: (إِن كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) و (إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) . وخرَّجه ابنُ منده وعنده: "فإذا كان يومُ القيامةِ جعلَها اللَهُ حيثُ شاءَ". وقال محمدُ بنُ عبد الله بن أبي يعقوبَ، عن بشرِ بنِ شغافٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ، قال: إن الجنًّةَ في السماءِ، وإن النارَ في الأرضِ. خرَّجه ابنُ خزيمةَ وابنُ أبي الدنيا. ورَوى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن قتادة، قال: كانُوا يقولونَ: إنَّ الجنَّةَ في السمواتِ السبع، وإنَّ جهنَّم لفي الأرضينَ السبع. وروى ورقاءُ عن ابنِ أبي نجيح عن مجاهد:

стр. 1241

(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا توعَدُونَ) . قال: الجنةُ في السماءِ، وقد استدلَّ بعضُهم لهذا بأنَّ اللَّهَ تعالى أخبرَ أنَّ الكفارَ يُعرضونَ على النارِ غدوًّا وعشيًّا - يعني في مدةِ البرزخ - وأخبر أنه لا تُفتَّح لهم أبوابُ السماءِ، فدلَّ على أنَّ النارَ في الأرضِ، وقال تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) . وفي حديثِ البراء بنِ عازبٍ عن النبيِّ ﷺ في صفةِ قبضِ الروح، قال في روح الكافرِ: "حتَّى ينتهُوا بها إلى السماءِ الدنيا فيستفتحونَ فلا يُفتحُ له " ثم قرأ رسولُ اللَّه ﷺ ّ: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) . قال: "يقولُ الله تعالى: اكتُبُوا كتابَه في سجين في الأرضِ السُّفلى" قال: "فتُطرحُ روحُه طرحًا". خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه. وعن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ في صفةِ قبضِ الروح وقال في روح الكافرِ: "فتخرجُ كأنتنِ ريح جيفةٍ، فينطلقونَ به إلى بابِ الأرضِ فيقولونَ. ما أنتنُ هذه الريحَ، كلما أتَوا على أرضٍ قالُوا ذلكَ، حتى يأتُوا به إلى أرواح الكفار". خرَّجه ابنُ حبانَ والحاكمُ وغيرُهما. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ في: أرواحُ الكفارِ في الأرضِ السابعةِ. * * *

стр. 1242

قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) وأعظمُ عذابِ أهلِ النارِ حجابُهم عن اللَّه ، وإبعادُهم عنه. وإعراضُه عنهم، وسخطُه عليهم، كما أنَّ رضوانَ اللَّه على أهلِ الجنةِ أفضلُ من كلِّ نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إيَّاهُ أعظمُ من جميع أنواع نعيم الجنةِ، قال اللَّه تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) . فدْكر اللَّهُ تعالى ثلاثةَ أنواعٍ من العذابِ: حجابُهم عنه، ثم صليهم الجحيمَ، ثم توبيخُهم بتكذيبِهِم به في الدنيا. ووصفَهُم بالرانِ على قلوبِهِم، وهو صدأُ الذنوب الذي سوَّد قلوبَهُم، فلم يصلْ إليها بعدَ ذلك في الدنيا شيءٌ من معرفةِ اللًّهِ ولا منْ إجلالِهِ ومهابتِهِ وخشيتِهِ ومحبتِهِ، فكما حجبتْ قلوبُهم في الدنيا عن اللَّهِ حجبوا في الآخرةِ عن رؤيتِهِ، وهذا بخلافِ حالِ أهلِ الجنةِ. قال اللَّه تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ) ، والذي أحسنوا هم أهلُ الإحسانِ، والإحسانُ أن يعبدَ العبدُ ربَّهُ كانّه يراهُ، كما فسَّره النبيُّ ﷺ لما سأله عنه جبريلُ ﵇، فجعلَ جزاء الإحسانِ الحسنى: وهو الجنَّةُ، والزيادةُ: وهي النظرُ إلى وجهِ اللَّه ، كما فسَّرهُ بذلك رسولُ اللَّه ﷺ في حديثِ صهيبٍ وغيرِهِ.

стр. 1243

قال جعفرُ بنُ سليمانَ: سمعتُ أبا عمرانَ الجونيَّ قال: إنَّ اللَّه لم ينظرْ إلى إنسانٍ قطُّ إلا رحِمَهُ، ولو نظرَ إلى أهلِ النارِ لرحمَهُم، ولكن قضَى أن لا ينظرَ إليهم. وقال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا أحمدُ بنُ موسى عن أبي مريم، قال: يقول أهلُ النارِ: إلهَنا ارضَ عنَّا وعذبْنا بأيِّ نوعٍ شئتَ من عذابِكَ، فإن غضبَك أشدُّ علينا من العذابِ الذي نحنُ فيه، قال أحمدُ: فحدثتُ سليمانَ ابنَ أبي سليمانَ، فقال: ليس هذا كلامُ أهلِ النارِ، هذا كلامُ المطيعينَ للَّه. قال: فحدثتُ به أبا سليمانَ، فقالَ: صدق سليمانُ بنُ أبي سليمانَ - وسليمانُ وهو ولدُ أبي سليمانَ الدرانى، وكان عارفًا كبيرَ القدرِ ﵀ وما قاله حقّ، فإنَّ أهلَ النارِ جهالٌ لا يتفطنونَ لهذا، وإن كان في نفسِهِ حقًّا، وإنَّما يعرفُ هذا مَنْ عرفَ اللَّهَ وأطاعَهُ، ولعل هذا يصدرُ من بعضِ من يدخلُ النارَ من عصاةِ الموحدينَ، كما أن بعضَهُم يستغيثُ باللَّهِ لا يستغيثُ بغيره، فيخرجُ منها، وبعضُهم يخرجُ منها برجائِهِ للَّه وحدَهُ، وبعضُ من يؤمرُ به إلى النارِ يتشفع إلى اللَّه بمعرفتِهِ فينجيهِ منها. قال أبو العباس بنِ مسروقٍ: سمعتُ سويدَ بنَ سعيد يقولُ: سمعتُ الفضيلَ بنَ عياضٍ، يقول: يوقفُ رجل بين يدي اللَّهِ ، لا يكونُ معه حسنة، فيقول اللَّهُ : اذهبْ هل تعرفُ أحدًا من الصالحينَ أغفرُ لكَ بمعرفتهِ، فيذهبُ فيدورُ مقدارَ ثلاثين سنة فلا يرى أحدًا يعرفُهُ، فيرجعُ إلى اللَّه ، فيقولُ: يا ربِّ لا أرى أحدًا، فيقولُ اللَّه : اذهبُوا به إلى النارِ، فتتعلقُ به الزبانيةُ يجرُّونه، فيقول: يا ربِّ إن كنتَ تغفر لي بمعرفة المخلوقينَ فإني بوحدانيتِكَ أنت أحقُّ أن تغفرَ لي، فيقولُ اللَّه -

стр. 1244

للزبانية: ردُّوا عارفي لأنه يعرفني واخلعُوا عليه خلعَ كرامتي، ودعَوه يتبحبح في رياضِ الجنَّةِ، فإنه عارفٌ بي وأنا له معروف. * * * قالَ الله تعالى لمحي حقِّ الفجارِ: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) . فوصفَهُم بأنَّ كسبَهُم رانَ على قلوبِهِم، والرانُ هو ما يعلُو على القلبِ من الذنوبِ من ظلمةِ المعاصي وقسوتِها، ثمَّ ذكرَ جزاءَهُم على ذلكَ وهو ثلاثةُ أنواع: الحجابُ عن ربِّهم، ثم صَلْيُ الجحيمِ، ثم التوبيخُ. فأعظم عذاب أهلِ النارِ حجابُهم عن ربِّهم ، ولمَّا كانتْ قلوبُهم في الدنيا مظلمة قاسيةٌ لا يصلُ إليها شيءٌ من نورِ الإيمانِ وحقائقُ العرفانِ كان جزاؤهم على ذلكَ في الآخرةِ حجابَهم عن رؤية الرحمنِ. قالَ بعضُ العارفين: " من عرفَ اللَّهَ في الدنيا، عرِفَهُ بقدرِ تعرُّفِهِ إليه. وتجلَّى له في الآخرةِ بقدرِ معرفتِهِ إياه في الدُّنيا فرأوه في الدنيا رؤيةَ الأسرارِ. ورأَوه في الآخرةِ رؤيةَ الأبصارِ، فمنْ لا يراهُ في الدنيا بسرهِ لسرهِ، لا يراهُ في الآخرةِ بعينه " انتهى. فخوفُ العارفينَ في الدنيا من احتجابِهِ عن بصائرِهِم، وفي الآخرةِ من احتجابهم عن أبصارِهِم ونواظرِهِم. وكتبَ الأوزاعيُّ إلى أخ له: "أما بعد: فإنَّه قدْ أحيطَ بك من كل جانبٍ،

стр. 1245

واعلمْ أنّه يسَارُ بك في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فاحذرِ اللَّهَ والمقامَ بين يديه، وأن يكونَ آخرَ عهدكَ به السلامُ ". وكان عتبةُ الغلامُ يبكي بالليلِ ويقولُ: "قطعَ ذكرُ العرضِ على اللَّهِ أوصالَ المحبينَ " ثم يحشرجُ البكاء حشرجةَ الموتِ ويقولُ: "تراك مولاي تعذِّبُ محبَّك وأنتَ الحيُّ الكريمُ " وباتَ ليلةً بالساحل قائِمًا يردِّدُ هذه الكلماتِ لا يزيدُ عليها ويبْكي حتى أصبح: "إن تعذِّبْني فإنِّى محبٌّ لك، وإن ترحمْني فإني محبٌّ لك ". وكان كهمسُ يقولُ فى الليلِ: "أتراكَ تعذِّبنى وأنت قرةُ عينى يا حبيبَ قلبَاه ". وكان أبو سليمانَ يبْكي ويقولُ: "لئنْ طالبني بذنوبى لأطالبنَّهُ بعفوه، ولئنْ طالبَني ببخلي لأطالبنَّه بجودِهِ، ولئنْ أدخلني النارَ، لأخبرنَّ أهلَ النارِ أنَّى كنت أحبُّه ". ومما يخافُه العارفونَ فواتَ الرِّضا عنهم، وإن وجَدُوا العفوَ أو تركَ العقوبةِ، فإنَّ الرّضا أحبُّ إليهم من نعيم الجنةِ كلِّه مع الإعراضِ وعدمِ التقريبِ والزُّلفى، وقد قال : (وَمَسَاكنَ طَيبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكبَرُ) يعني: أكبرَ من نعيم الجنةِ. وفي "الصحيح " عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ اللهَ يقولُ لأهلِ الجنةِ: ألا أُعْطِيكُمْ أفْضَلَ من ذلكَ؟ قالوا: وما أفْضَلُ من ذلك؟ قال: أُحل عليكمْ رضْواني فلا أسْخطُ عليكم بعدَه أبدًا ". * * *

стр. 1246

قوله تعالى: (خِتَامُهُ مِسْكٌ) وقد قيل في تاويل قولِهِ تعالى: (خِتَامُهُ مِسْكٌ) . إنَّ المُرادَ بالختامِ ما يَبْقى، في سُفْلِ الشرابِ منَ الثُّفْلِ، وهذا يدلُّ على أنَّ أنهارَها تجْرِي على المسْكِ، ولذلك يرسُبُ منه في الإناءِ في آخرِ الشَّرابِ، كما يرسُبُ الطيْنُ في آنيةِ الماءِ في الدُنيا. * * *

стр. 1247

سُورَةُ البُرُوجِ قوله تعالى: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) يوم عرفة له فضائل متعددة: منها: أنه قد قيلَ: إنَّه الشَّفع الذي أقسَمَ اللَّه به في كتابِهِ، وأنَّ الوتْرَ يومُ النَّحْرِ، وقد رُوي هذا عن النبي ﷺ من حديثِ جابرِ، خرَّجَهُ الإمامُ أحمد والنسائيُّ في "تفسيره" وقيل: إنَّه الشاهدُ الذي أقسمَ اللَّهُ به، في كتابِهِ، فقال تعالى: (وَشَاهِد وَمَشْهُود) وفي "المسندِ" عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا: "الشاهدُ يومُ عَرَفةَ، والمشهودُ: يومُ الجُمُعة " وخرَّجه الترمذيُّ مرفوعًا. ورُوي ذلك عن على من قولِهِ. وخرَّجه الطبرانيُّ من حديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ مرفوعًا: "الشاهد: يومُ الجُمُعةِ، والمشهودُ: يومُ عرفَة" وعلى هذا فإذا وقعَ يومُ عرفة في يومِ جُمُعة فقد اجتمع في ذلك اليوم شاهدٌ ومشهودٌ. * * *

стр. 1248

قوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) قال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ تعالى: (الْوَدُودُ) قال: يقولُ: "الحبيبُ ". خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسير". وفي حديثِ أبي جعفر الرازيِّ عن الربيع بنِ أثسٍ عن أبي العاليةَ أو غيره عن أبي هريرةَ في قصةِ الإسراءِ الطويلةِ في ذكرِ سدرةِ المنتهى، قال: "فغشاها نورُ الخالقِ وغشيتْها الملائكةُ مثلُ الغربانِ حينَ يقعْنَ على الشجرةِ من حبِّ اللَّهِ جلَ ثناؤهُ ". قال الجوزجانيُّ: حدثنا أبو صالح أنَّ معاويةَ حدَّثه عن يزيد بن ميسرةَ أنه سمعَ أبا الدرداءِ يقولُ: لما أهبطَ اللَّهُ آدمَ إلى الأرضِ قال له: "يا آدمُ أحِبَّني وحبِّبني إلى خلقِي ولا تَسْتَطِيعُ ذلك إلا بي ولكنِّي إذا رأيتُك حريصًا على ذلك أعنتُك عليه، فإذا فعلتَ ذلك فخُذْ به اللذةَ والنضرة وقرةَ العينِ والطمأنينة. قال خليد العصريُّ: "يا إخوتَاهُ، هلْ منكُم من أحدٍ لا يحبُّ أن يلَقى حبيبَه؛ ألا فأحبُّوا ربَّكم وسيرُوا إليه سيْرًا جميلاً لا مصعدًا ولا مميلاً". وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من طريقِ ابن لهيعةَ حدَّثني عبدُ الحميدِ بنُ عبدِ اللَّهِ ابنِ إبراهيمَ القرشيُّ عن أبيه قالَ: لما نزلَ بالعباسِ بنِ عبدِ المطلبِ الموتُ قال لابنِهِ عبدِ اللَّه: "إنِّي موصيكَ بحبِّ اللَّهِ وحبِّ طاعتِهِ، وخوفِ اللَّهِ وخوفِ معصيتِه، وإنَّك إذا كنتَ كذلك لم تكره الموتَ متى أتاك ". قال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا أبو صالح الخراساني، قال: حدثنا

стр. 1249

إسحاقُ بنُ نجيح عن إسماعيلَ الكنديّ قال: جاءَ رجلٌ من البصرةِ إلى طاووسَ ليسمعَ منه فوافاهُ مريضًا فجلسَ عند رأسِهِ يبْكي. فقال: ما يبكيك؟ قال: "واللَّهِ ما أبْكي على قرابة بيني وبينك ولا على دُنيا جئتُ أطلبُها منكَ، ولكنْ على العلم الذي جئتُ أطلبُه منكَ يفوتُني ". قال له طاووسُ: "إنِّي موصيكَ بثلاثِ كلماتٍ إنْ حفظتَهُن علمتَ علمَ الأولينَ، وعلمَ الآخرينَ، وعلمَ ما كانَ، وعلمَ ما يكونُ: خَفِ اللَّهَ حتى لا يكونَ عندكَ شيءٌ أخوفَ منه، وارْجُ اللَّهَ حتى لا يكونَ عندكَ شيءٌ أرجا منه، وأحبَّ اللَّهَ حتى لا يكونَ شيءٌ أحبَّ إليك منه ". فإذا فعلتَ ذلك علمتَ علمَ الأولين والآخرِينَ، وعلمَ ما كانَ وعلمَ ما يكون " فقال: "لا جرم لا سألتُ أحدًا بعدك عن شيءٍ بقيتُ ". وعن إبراهيم بن الأشعثِ قال: "سمعتُ الفضيلَ بنَ عياضٍ يقولُ: مرَّ عيسى ﵇ بثلاثةٍ من الناسِ نحلتْ أجسامُهم وتغيرتْ ألوانُهم، فقال: ما الذي بلغَ بكُم ما أرى؟ قالوا: الخوفُ من النيرانِ. قال: مخلوقًا خِفتُم وحق على اللَّهِ أن يؤمنَ الخائفَ، ثم جاوزَهُم إلى ثلاثةٍ أُخر، فإذا هُم أشدُّ تغيرًا وأنحلُ أجسامًا، فقال: ما الذي بلغَ بكُم ما أري؟ قالوا: الشوقُ إلى الجنَّةِ، قال: مخلوقًا اشتقْتُم وحقٌّ على اللَّهِ أن يعطيكم ما رجوتُم، ثم جاوزَهُم إلى ثلاثةٍ أُخر فإذا هم أشدُّ تغيرًا وأنحل أجسامًا، كأنَّ على وجوهِهِم المرَايا من النور، فقالَ: ما الذي بلغَ بكُم ما أرى؟ قالوا: حبُّ اللَّهِ ، قال: أنتم المقربونَ، أنتم المقرَّبونَ، أنتُم المقربون ". وروى إبراهيمُ بنُ الجنيدِ بإسنادِهِ عن كعبِ قال: أوحى اللَّهُ إلى موسى

стр. 1250

عليه السلام: "إن إبراهيم ﵇ لم يحبَّني أحدٌ من خلقي كحبِّه إياي ". وعن أبي حازمِ القيساريِّ قال: مكتوبٌ في الإنجيلِ: "يا عيسى، الحقُّ والحقَّ أقول: إنَي أحَبُّ إلى عبدِي من نفسِهِ التي بين جنبيه ". وعن ابنِ عيينةَ عن رجلٍ: عن يحيى بن أبي كثير اليمانيّ، قال: نظرْنَا فلم نجدْ شيئًا يتلذذُ به المتلذذون أفضلَ من حبِّ اللَّهِ وطلبِ مرضاتِهِ. وعن سعيد بن عامر عن محمدِ بنِ ليث عن بعضِ أصحابهِ قال: كان حكيمُ بنُ حزامِ يطوفُ بالبيتِ ويقول: لا إله إلا الله، نعم الربُّ ونِعْمَ الإلهُ. أحبه وأخشاه. وعن بكرِ المزنيِّ قال: ما فاقَ أبو بكرٍ أصحابَ محمد ﷺ بصومٍ ولا صلاة، ولكنْ بشيءِ وقرَ في قلبِهِ. قال إبراهيمُ: بلغني عن ابنِ عُليَّة أنه قال: في عقيبِ هذا الحديثِ: الذي كان في قلبِهِ الحبُّ للهِ ، والنصيحةُ في خلقِهِ. قال ابنُ أبي الدنيا حدَّثنا هارونُ بن سفيانَ حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بن صالح أخبرني بعضُ أهلِ البصرةِ، قال: لمَّا استَقضى سوَّارٌ بالبصرة، كتبَ إليه أخٌ له كان يطلبُ العلمَ معه وكان ببعضِ الثغورِ: "أمَّا بعدُ، أوصيك بتقوى اللهِ الذي جعلَ التقوى عِوَضًا من كلِّ فائتِ منَ الدنيا، ولم يجعلْ شيئًا من الدنيا يكونُ عِوَضًا من التَّقوى، فإنَّ التقوى عقدةُ كل عاقلِ مستبصرٍ، إليها يستروِحُ، وبها يستن، ولم يظفرْ أحد في عاجلِ هذه الدنيا وآجلِ الآخرةِ بمثلِ ما ظفرَ به أولياءُ الله الذين شربُوا بكأس حبِّه، فكانتْ قرةَ أعينهم فيه،

стр. 1251

ولكنهم أعملُوا أنفسهم في جسيم الأدبِ وأراضوها رياضةَ الأصحابِ الصادقينَ، فطلَّقُوها عن فضولِ الشهواتِ وألزمُوها القوتَ المقلق، وجعلُوا الجوعَ والعطشَ شِعارًا لها برهةً من الزمان، حتى انقادتْ وأذعنِت وعزفتْ لهم عن فضولِ الحطامِ، فلمَّا ظعنَ حبُّ فضولِ الدنيا من قلوبِهم، وزايلتْها أهواءُهم وانقعطتْ أمانِيهم وصارتِ الآخرةُ نصبَ أعينهم ومنتهى أملِهم. ورَّثَ اللُّه قلوبَهم نورَ الحكمة، وقلَّدها قلائدَ العصمةِ، وجعلَهم دعاةً لمعالم الدين يلمُّون منه الشعثَ، ويشعبون منه الصدعَ. لم يلبثُوا إلا يسيرًا حتَّى جاءهم من اللهِ موعدٌ صادقٌ اختصَّ به العاملينَ له، والعاملينَ به دونَ من سواهم، فإذا سرك أن تسمعَ صفةَ الأبرارِ الأتقياءِ، فصفةُ هؤلاءِ فاستمِعْ، وشمائلَهُم الطيبةَ فاتبعْ، وإياكَ يا سوارُ وبنياتِ الطريقِ والسلامُ ". وخرَّج أبو نُعيمٍ بإسناده عن الربيع بنِ برةَ عن الحسنِ في قولهِ تعالى: (يَا أَيَّتهَا النَّفْسُ الْمطْمَئِنَّة) قال: "النفسُ المؤمنة اطمأنَّتْ إلى اللَّه واطمأنَّ إليها، وأحبَّتْ لقاءَ الله، وأحبَّ لقاءهَا، ورضيتْ عن اللَّهِ ورضي عنها، فأمرَ بقبضِ رُوحِهَا، فغفرَ لها وأدخلها الجنةَ، وجعلها من عباده الصالحين ". وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن مسمع بنِ عاصم عن نعيم بنِ صبيح السعديِّ قال: "هممُ الأبرارِ متصلةٌ بمحبةِ الرحمنِ، وقلوبُهم تنظرُ إلى مواضع العزِّ من الآخرةِ بنورِ أبصارِهم ". وقال مسمعٌ: سمعتُ عابدًا من أهلِ البحرينِ يقول في جوفِ الليل: "قرةَ عيني وسرورَ قلبي، ما الذي أسقطنِي من عينِكَ يا مانحَ العصم، ثم صرخَ وبكى، ثمَّ نادَى: طوبى لقلوبٍ ملأتْهَا خشيتُكَ، واستولتْ عليها محبّتكَ، فمحبتُكَ مانعةٌ لها من كُلِّ لذَّه غيرَ مناجاتِكَ، والاجتهادِ في خدمتكَ،

стр. 1252

وخشيتُك قاطعةٌ لها عن سبيل كُلِّ معصية خوفا لحلول سخطكَ، ثم بكى وقال: يا إخوتاهُ، ابكوا على فوت خير الآخرةِ، حيث لا رجعةَ ولا حيلة. وبإسناده عن أيوبَ بن حوطٍ عن قتادةَ قال: كان في حضر عتتْ، شيخٌ يقال له: سوادُ بنُ محمدٍ كان لا يقدر أن يسمعَ القرآنَ من شدةِ خوفه وكان يقولُ: سيدُ الأعمالِ التقوى. ثم البذلُ، ثم بعدَ البذلِ الشكرُ، ثم بعدَ الشكرِ الرِّضا، ثم بعدَ الرِّضا التعظيمُ، ثم بعد التعظيم الحبُّ للَّه والإجلالُ له ". ومعنى هذا أن درجة الحبِّ المستحبةَ التي ذكرناها في أوَّلِ الكتابِ متأخرةٌ عن درجةِ الشكرِ والرِّضا والتعظيم والبذلِ. أما الواجبةُ فإنها تدخلُ في التقوى كما سبقَ بيانُه. * * *

стр. 1253

سُورَةُ الفَجْرِ قوله تعالى: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) في حديثِ ابنِ عُمَرَ المرفوع: "ما مِنْ أيامٍ أعظمُ عندَ اللهِ ولا أحب إليه العمَلُ فيهنَّ من هذه الأيام العَشْرِ" وفي "صحيح ابنِ حبانَ " عن جابرٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "ما مِنْ أيامٍ أفضلُ عندَ اللَهِ من أيام عشْرِ ذي الحجةِ". ورويناه من وَجهٍ آخرَ بزيادةٍ، وهي: "ولا لياليَ أفْضَلُ من لياليهن) . قيل: يا رسول اللَّه، هُنَّ أفضْلُ منْ عِدتهنَّ جهادًا في سبيل اللَّه؟ قال: "هُنَّ أفضلُ من عِدتهنَّ جهادًا فى سبيلِ اللهِ، إلا من عُفِّرَ وجهُه تعْفيرًا، وما منْ يَومٍ أفضلُ من يومِ عرفة" خرَّجه الحافظ أبو موسى المدينيُّ منْ جهةِ أبي نُعيمٍ الحافظِ بالإسنادِ الذي خرَّجه به ابنُ حبَّانَ. وخرَّجَه البزار وغيرُه من حديثِ جابرٍ أيضًا عن النبيِّ ﷺ ، قال: "أفضَلُ أيام الدنيا أيامُ العشْرِ". قالُوا: يا رسول اللَّه، ولا مثلُهُنَّ في سبيلِ اللَّه؟ قال: "ولا مثْلُهُنَّ في سبيلِ اللَّهِ، إلا مَنْ عُفرَ وجهُه بالترابِ ". ورُوي مرْسَلاً وقيل: إنَّه أصحُّ، وقد سبق ما رُوي عن ابنِ عُمرَ: قال: ليس يوم أعْظمُ عندَ اللَّهِ من يومِ الجمعة، ليْسَ العشْرَ. وهو يدلُّ على أنَّ أيامَ العشْرِ أفضَلُ من يومِ الجُمُعة الذي هو أفضَلُ الأيامِ.

стр. 1254

وقال سهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن كعبٍ، قال: اختارَ اللَّهُ الزمانَ. فأحبُّ الزَّمانِ إلى اللَّهِ الشهرُ الحرامُ، وأحبُّ الأشهرِ الحُرُمِ إلى اللهِ ذو الحجَّةِ، وأحبُّ ذي الحجَّة إلى اللَّه العشرُ الأُوَلِ. ورواه بعضُهم عن سُهيلٍ عن أبيه، عنْ أبي هريرة، ورفعه، ولا يصحُّ ذلك، وقال مسروقٌ في قولهِ تعالى: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) : هي أفضلُ أيَّامِ السنَةِ. خرَّجه عبدُ الرزاقِ وغيرُهُ، وأيضًا فأيَّامُ هذا العشْرِ يشْتملُ على يوم عرفة. وقد رُوي أنه أفضَلُ أيَّامِ الدنيا، كما جاء في حديثِ جابر الذي ذكرناه وفيه: "يومُ النَّحْرِ". وفي حديثِ عبدِ اللَّه بنِ قُرْطٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنه قال: " أعظمُ الأيامِ عندَ اللَّه يومُ النَحْرِ، ثمَّ يومُ القَر ". خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وغيرُهما، وهذا كلُّه يدلُّ على أن عشْرَ ذي الحجَّةِ أفْضلُ من غير من الأيَّامِ منْ غيرِ استثناءٍ، هذا في أيامِهِ. فأمَّا لياليه فمنَ المتأخِّرينَ منْ زعمَ أنَّ ليالي عشْرِ رمضانَ أفضلُ منْ لياليه. لاشْتمالِهَا على ليلةِ القدرِ، وهذا بعيد جدًّا. ولو صحَّ حديثُ أبي هريرة: "قيامُ كلِّ ليلةٍ منها بقيام ليلة القدر" لكان صريحًا في تفضيلِ لياليه على ليالي عشْرِ رمضانَ، فإنَّ عشْرَ رمضانَ فُضِّلَ بليلةٍ واحدةٍ فيه، وهذا جميعُ لياليه متَساوية لها في القيام على هذا الحديثِ. ولكنَّ حديثَ جابر الذي خرَّجه أبو موسى صريح في تفضيلِ لياليه كتفضيلِ أيَّامِهِ أيضًا، والأيَّامُ إذا أُطلِقَتْ دخلتْ فيها الليالي تبعًا، وكذلك الليالي تدْخُلُ

стр. 1255

أيَّامُها تبعًا. وقد أقسَمَ اللَّه تعالى بلياليه، فقال: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) . وهذا يدلُّ على فضيلةِ لياليه أيضًا، لكنْ لم يثبُتْ أنَّ لياليه ولا شيئًا منها يعدلُ ليلةَ القدْرِ. وقد زعمَ طوائفُ منْ أصحابِنا أنَّ ليلةَ الجمعة أفضلُ من ليلةِ القدْرِ، ولكنْ لا يصحُّ ذلك عن أحمد، فعلى قولِ هؤلاءِ لا يُسْتبْعَدُ تفضْيلُ ليالي هذا العشْرِ على ليلةِ القدرِ. والتحقيقُ ما قالَهُ بعضُ أعيان المتأخِّرينَ منَ العلماءِ، أنْ يقُال: مجموعُ هذا العشْرِ أفضْلُ من مجموع عشْرِ رمضانَ، وإنْ كان في عشْرِ رمضان ليلةٌ لا يَفْضل عليها غيرُها، واللَّه أعلم. وما تقدَّم عنْ كعبٍ يدلُّ على أنَّ شهرَ ذي الحجَّةِ أفضْلُ الأشهرِ الحُرُمِ الأربعة، وكذا قال سعيدُ بنُ جبير، راوي هذا الحديثِ عن ابنِ عباسٍ: "ما من الشهورِ شهرٌ أعْظمُ حُرْمة منْ ذي الحجَّةِ". وفي "مسندِ البزَّارِ" عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيّ ﷺ قال: " سيِّدُ الشهورِ رمضانُ، وأعْظمها حُرْمةً ذو الحجَّةِ". وفي إسنادِهِ ضعْفٌ. وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ"، عن أبي سعيدٍ الخدريّ أيضا: أنَّ النبيَّ ﷺ قال في حجة الوداع في خطبتِه يومَ النَّحْرِ: "ألا إنَّ أحْرَمَ الأيام يومُكُم هذا، ألا وإنَّ أحْرَمَ الشُّهورِ شهرُكُم هذا، ألا وإنَّ أحرَمَ البلادِ بلدُكُم هذا".

стр. 1256

ورُوي ذلك أيضًا عن جابرٍ، ووابصةَ بنِ معبدٍ، ونُبيطِ بنِ شَريطٍ. وغيرِهم، عن النبي ﷺ ، وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ شهرَ ذي الحجَّة أفضلُ الأشهرِ الحُرُمِ، حيثُ كان أشدَّهَا حُرْمةً. وقد رُوي عن الحسنِ: أنًّ أفضلها المحرَّم، وسنذكرُهُ عند ذِكْرِ شهرِ المُحَرَّم، إن شاء اللَّه تعالى. وأمَّا من قال: إنَّ أفضلَها رجبٌ فقولُهُ مرْدُود. ولِعَشْرِ ذي الحجة فضائلُ أُخرُ غيرَ ما تقدَّم. فمنْ فضائلِه: أنَّ اللَّه تعالى أقسَمَ به جُملةً، وببعضِه خُصوصًا، قال تعالى: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) . فأمَّا الفجرُ فقيل: إنه أراد جنسَ الفجر، وقيل: المرادُ طلوعُ الفجر، أو صلاةُ الفجر، أو النَّهارُ كلُّه. فيه اختلافٌ بين المفُسّرين، وقيلَ: إنه أريد به فَجْرٌ مُعَيَّنٌ. ثُمَّ قيل: إنه أُرِيدَ به فجرُ أوَّلِ يومٍ من عَشر ذي الحجَّة. وقيل: بل أرِيدَ به فجرُ آخرِ يومٍ منه، وهو يومُ النَّحْرِ، وعلى جميع هذه الأقوالِ، فالعَشْرُ يشتملُ على الفجرِ الذي أقْسَمَ اللَّهُ به. وأمَّا "الليالي العشر" فهي عشر ذي الحجة، هذا الصحيحُ الذي عليه جُمهور المُفسِّرين منَ السلفِ وغيرِهم، وهو الصحيحُ عن ابنِ عباس. روي عنه مِنْ غيرِ وجه والروايةُ عنه: "أنه عشرُ رمضان " إسنادُها ضعيف. وفيه حديثٌ مرفوعٌ خرَّجه الإمامُ أحمدُ، والنسائيُّ في "التفسيرِ" منْ روايةِ زيدِ بنِ الحُبابِ حدَّثنا عيَّاشُ بنُ عُقبة، حدَّثنا خيرُ بنُ نُعيم، عن أبي الزُّبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: "العَشْرُ عشْرُ الأضْحَى، والوَتْرُ يومُ عرفة، والشَّفع يومُ النَّحْرِ" وهو إسناد حسنٌ.

стр. 1257

وكذا فسَّر "الشَّفع " و"الوتْرَ" ابنُ عباسٍ في روايةِ عكرمةَ وغيرِهِ. وفسَّرهما أيضًا بذلك عكرمةُ والضحاكُ وغيرُ واحدٍ، وقد قيل في "الشَّفْع " و"الوتْرِ" أقوالٌ كثيرةٌ، وأكثرها لا يخرجُ عن أنْ يكونَ العشرُ أو بعضُه مُشتملاً على "الشفْع " و"الوترِ" أو أحدِهِما، كقولِ من قال: "هي الصلاةُ منها شفع ومنها وترٌ". وقد خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من حديث عمرانِ بن حُصينٍ. عن النبيِّ ﷺ وقولُ منْ قال: هي المخلوقات منها شفغْ ومنها وَتْر، يدخلُ فيها أيامُ العَشْرِ. وقولُ مَنْ قال: الشفعُ الخلْقُ كلُّه، والوِتْرُ الله، فإنَّ أيامَ العشْرِ منْ جُمْلةِ المخلوقاتِ. ومنْ فضائِلِه أيضًا: أنه من جملة الأربعين التي واعدها اللَّه لمُوسى ﵇ قال الله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً) ، ولكن هل عَشْرُ ذي الحجَّة خاتمةُ الأربعينَ، فيكونُ هو العشْرُ الذي أُتِمَّ به الثَّلاثون، أمْ هو أوَّلُ الأربعين، فيكونُ مِنْ جُملةِ الثلاثينَ التي أُتِمَّتْ بعشر؟ فيه اختلاف بينَ المفسرين. روى عبدُ الرزاقِ، عن معمر، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عنْ مُجاهدٍ. قال: ما منْ عملٍ في أيَّامِ السنة أفضلُ منه في العَشْرِ من ذي الحجَّة، وهي العشْرُ التي أَتمَّهَا اللَهُ لموسى ﵇ ". ومنْ فضائِلِهِ: أنَّه خاتمةُ الأشهرِ المعلوماتِ، أشهرُ الحجِّ التي قال اللَّه فيها: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ معْلُومَاتٌ) ، وهي شوَّال، وذو القعْدة، وعَشْرٌ من ذي الحجَةِ.

стр. 1258

وروي ذلك عن عُمرَ، وابنِه عبدِ اللَّه، وعلي، وابنِ مسعود، وابنِ عباسٍ. وابنِ الزُّبيرِ وغيرِهِم، وهو قولُ أكثر التابعينَ، ومذهبُ الشافعيَ، وأحمدَ وأبي حنيفةَ وأبي يوسُف وأبي ثور وغيرِهم، لكنَّ الشافعي وطائفةً أخْرجوا منه يومَ النَّحْرِ، وأدخله فيه الأكثرون، لأنَّه يومُ الحجِّ الأكبرِ، وفيه يقعُ أكثرُ أفعال مناسكِ الحجِّ. وقالتْ طائفة: ذو الحِجَّةِ كلُّه منْ أشهرِ الحجِّ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيّ في القديمِ، ورواه عن ابنِ عمرَ أيضًا. وروي عن طائفة من السلفِ، وفيه حديث مرفوعٌ خرَّجه الطبرانيُّ. لكنه لا يصحُّ. والكلامُ في هذه المسألةِ يطولُ، وليس هذا موضعه. ومن فضائِلِهِ: أنَّه الأيَّامُ المعلوماتُ التي شرع اللَّه ذِكْرَه فيها على ما رزَقَ من بهيمةِ الأنعامِ، قال اللَّهُ تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) . وجمهورُ العلماءِ على أنَّ هذه الأيامَ المعلوماتِ هي عشْرُ ذي الحجَّةِ، منهم ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ والحسنُ وعطاء ومجاهد وعكرمةُ وقتادةُ والنَخعي، وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ في المشهورِ عنه. ورُوي عن أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ الأيامَ المعلوماتِ هي تسعْ ذي الحجَّة غير يومِ النحرِ، وأنَّه قال: لا يُرَدُّ فيهنَّ الدعاءُ. خرَّجه جعفر الفرْيابيُّ وغيرُه. وقالتْ طائفة: هي أيامُ الذبْح. ورُوي عن طائفةٍ من السلفِ. وهو قولُ مالكٍ، وأبي يوسفَ، وجعلوا ذِكْرَ اللَّهِ فيها ذِكْرَه على الذبح، وهو قولُ ابنِ عُمرَ ﵄، ونقل المرُّوْذيُّ عن أحمدَ أنه استحسنه، والقولُ الأولُ أظْهرُ.

стр. 1259

وذكْرُ الله على بهيمةِ الأنعام لا يختصُّ بحالِ ذبْحِها، كما قال تعالى: (كذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكمْ) . وقالَ تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) ، وأيضًا فقد قال اللَهُ تعالى بعد هذا: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) . فجعل هذا كلَّه بعْدَ ذِكْرِه في الأيام المعلوماتِ وقضاءِ التَفَثِ، وهو شعثُ الحج، وغبارُهُ ونصَبُهُ. والطًوافُ بالبيتِ إنَّما يكونُ في يوم النحر وما بعدَه. ولا يكونُ قبْله وقد جعلَ الله سبحانه هذا مُرَتبًا على ذِكرهِ في الأيامِ المعلوماتِ بلفظةِ "ثُم" فدل على أن المرادَ بالأيام المعلوماتِ ما قبْل يومِ النَحْرِ. وهو عشْرُ ذي الحجة. وأما قوله تعالى: (وَيَذْكرُوا اسْمَ اللًهِ فِي أَيام مَّعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) فقيل: إن المرادَ ذكْرُهُ عند ذَبْحها، وهو حاصل بذكْر في يوم النحر، فإنه أفضلُ أيامِ النَحْرِ، والأصح أنه إنما أريد ذِكْرُه شُكْرًا على نعمة تسخيرِ بهيمة الأنعام لعباده، فإن للَّه تعالى على عباده في بهيمة الأنعامِ نعمًا كثيرةً قد عدَّد بعْضها في مواضعَ منَ القرآنِ. والحاج لهم خصوصية في ذلك عن غيرِهم؛ فإنهم يسيرونَ عليها إلى الحرم، لقضاءِ نُسكهم، كما قال تعالى: (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) وقال تعالى: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) ويأكلون من لحومِهَا، ويَشْربون من ألبانِها، وينتفعون بأصْوافِهَا وأوبارِها وأشعارِها.

стр. 1260

ويختصُّ عشْرُ ذي الحجَّة في حقِّ الحاجِّ بأنَّه زمنُ سَوْقهِم للهَدْي الذي به يكمُلُ فضلُ الحجِّ، ويأكلون منْ لُحُومه في آخر العشْرِ، وهو يومُ النحْر. وأفضلُ سوْقِ الهَدْي من الميقاتِ، ويُشعرُ ويُقلَّدُ عندَ الإحرامِ، وتقارنُهُ التلبيةُ، وهي مِنْ الذِّكر للَّه في الأيَّام المعلومات. وفي الحديث: "أفضل الحجِّ العَجُّ والثَّجُّ " وفي حديثٍ آخر: "عجُّوا التَّكْبيرَ عجًّا، وثُجُّوا الإبل ثجًّا ". فيكون كثرةُ ذِكْر اللَّه في أيَّامِ العشْرِ شكْرًا على هذه النّعمة المختصَّةِ ببهيمة الأنعام، التي بعضُها يتعلَّق بدين الحاجِّ، وبعضُها بِدُنياهم. وأفضلُ الأعْمالِ ما كثُرَ ذِكْرُ اللَّه تعالى فيها، منها خُصُوصًا الحج، وقد أمر اللَّه تعالى بِذكْرِه كثيرًا في أيام الحجّ، قال تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) ، فهذا الذِّكْرُ يكونُ في عشْرِ ذي الحجَّةِ. ثمَّ قال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) ، وهذا يقعُ في يومِ النَّحْرِ، وهو خاتمةُ العشْرِ أيضا. ثم أمرَ بذكْى بعد العشْرِ في الأيام المعدوداتِ، وهي أيامُ التشريق. وفي "السنن " عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بالبيتِ، والسعْيُ بيْنَ الصفا والمروةِ، ورميُ الجمار، لإقامة ذكْرِ اللَّه ".

стр. 1261

وفي "مسند الإمامِ أحمدَ" عن معاذِ بنِ أنس: أن رجلاً قال: يا رسول اللَّه، أيُّ الجهادِ أعظمُ أجْرًا؟ قال: "أكثرُهُم للَّه ذِكرًا" قال: فأيُّ الصائمين أعْظمُ أجْرًا؟ قال: "كثرُهُم للهِ ذِكْرًا". قال: ثم ذكر الصلاة، والزكاة، والحج، والصدقة كلُّ ذلك ورسولُ اللَّه ﷺ يقول: " أكثرُهُم للَّه ذِكرًا". فقال أبو بكر؛ يا أبا حفص، ذهب الذَّاكرون بكُلِّ خيرٍ، فقال رسولُ اللَّه ﷺ : "أجَل ". وقد خرَّجه ابنُ المباركِ، وابنُ أبي الدنيا من وجوهٍ أُخَر مُرْسلةٍ، وفي بعْضِها: أي الحاجّ خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا للَّه " وفي بعْضِها: أيُّ الحاجِّ أعظمُ أجْرًا؟ قال: "أكثرهُم للهِ ذِكرًا" وذكر بقيةَ الأعمالِ بمعْنى ما تقدم، فهذا كُلُّه بالنسبةِ إلى الحاج. فأمَّا أهلُ الأمصارِ فإنَّهم يشاركون الحاجَّ في عشْرِ ذي الحجَّة، في الذكر. وإعدادِ الهَدْي، فأمَّا إعدادُ الهَدْي فإنَّ العشْر تُعَدُّ فيه الأضاحي، كما يسُوقُ أهلُ الموسم الهَدْي، ويُشاركونهم في بعضِ إحرامِهِمْ، فإنَّ منْ دخلَ عليه العَشْرُ وأرادَ أنْ يُضحي، فلا يأخُذْ منْ شعرِهِ ولا منْ أظفارِهِ شيئًا، كما روتْ ذلك أمُّ سلمة عن النبي ﷺ . خرَّج حديثَها مسلمٌ، وأخذَ بذلك الشافعي، وأحمدُ، وعامَّةُ فقهاءِ الحديثِ. ومنهم منْ شرَطَ أنْ يكونَ قد اشترى هدْيَه قبْلَ العشْرِ. وأكْثرُهُم لم يَشْرُطوا ذلك. وخالف فيه مالكٌ، وأبو حنيفة، وكثير من الفقهاءِ، وقالوا: لا يُكره شيءٌ

стр. 1262

من ذلك، واستدلُّوا بحديث عائشةَ: "كُنْتُ أفتِلُ قلائدَ الهدْي لرسولِ اللَّه ﷺ فلا يُحَرَّم عليه شيء أحلَّهَ اللَّهُ له ". وأجابَ كئيرٌ منْ أهلِ القولِ الأولِ: بأنه يُجْمع بين الحديثينِ، فيؤخَذُ بحديثِ أمّ سلمةَ فيمن يُريد أن يُضحّي في مصره، وبحديثِ عائشةَ فيمن أرْسلَ بهَدْيه مع غيرِهِ، وأقام في بلدِهِ. وكان ابنُ عمرَ إذا ضَحَّى يومَ النَّحْرِ حَلَقَ رأسه، ونصَّ أحمدُ على ذلك. * * * قوله تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) قال تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) والشَّفع ضدُّ الوتْرِ: فالوترُ: الفردُ والشَّفع الزَّوْج. ولهذا فُسِّرَ "الشَّفع " في الآية بالخَلْقِ، لأنَّ الخلقَ كُلَّهُ زوج، قال تعالى: (وَمِن كلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) ، وقال: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) . وفُسِّر "الوِتْرُ" باللَّه لأنَّه وِتْر يُحبُّ الوِتْر. * * * قوله تعالى (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) .

стр. 1263

قال اللَّه : (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) . وقال تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) . قال الربيعُ بنُ أنسٍ في قولِهِ: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى) قال: كُشِفَ عنْها غِطَاؤها. وقال تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) . وروى العلاءُ بنُ خالد الكاهليُّ، عن أبي وائل، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "يُؤتى يومئذ بجهنَّم لها سبْعون ألفَ زِمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سبْعون ألفَ ملَك يجرُّونها" خرَّجه مسلمٌ من طريقِ حفصِ بنِ غياث، عن العلاءِ به. وخرَّجه الترمذيُّ من طريقِ سفيانَ عن العلاءِ موقوفًا على ابنِ مسعودٍ، ورجَّح وقْفه العقيليُّ والدارقطنيُّ. وخرَّج ابنُ أبي حاتم منْ طريقِ عُبيدِ اللَّهِ بنِ الوليدِ الوصافيُّ، عن عطيةَ. عن أبي سعيدٍ الخدريّ، قال: لما نزلتْ هذه الآية: (وَجِيءَ يَوْمَئذٍ بِجَهَنَّمَ) تغيَّر لونُ النبى ﷺ وعُرِفَ ذلك في وجْههِ حتَّى اشتدَّ ذلك على أصحابِهِ، فسألوه فقال: "إنه جاءني جبريلُ فأقْرأني هذه الآيةَ " قال: "كيف يُجاءُ بها؟

стр. 1264

قال: يَجيءُ بها سبْعونَ ألفَ ملَكٍ يقودونها بسبعينَ ألف زمامٍ تشرد مرة، لو تُركتْ لأحرقتْ أهلَ الجمع ومَنْ عليه، ثم تُعْرضُ جهنَّم فتقول: ما لي وما لكَ يا محمد، لقد حرَّمَ اللَّه لحْمَك عليَّ، فلا يبقى أحدٌ إلا قال: نفْسِي نفْسِي، ومحمدٌ ﷺ يقول: أُمَّتي أُمَّتي " الوصافيُّ شيح صالحٌ لا يحفظ فكثرتِ المناكيرُ في حديثِهِ. وخرَّج أبو يعلى الموصليُّ من حديثِ أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ الخدريَ عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا جَمَع اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، يومَ القيامةِ أقبلتِ النارُ. يركبُ بعضُها بعضًا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزةِ ربي لتخلُنَّ بيني وبين أزواجي أو لأغشينَّ الناسَ عنقًا واحدًا، فيقولون: مَنْ أزواجُكِ؟ فتقولُ: كل متكبِّرٍ جبَارٍ". وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من حديثِ الأعمشِ عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "يخرجُ يومَ القيامةِ عنقٌ من النارِ لها عينانِ تُبْصرانِ. وأذنانِ تَسمعانِ، ولسان ينطقُ، تقولُ: إني وُكِّلتُ بثلاثةٍ: بكُل جبارٍ عنيدٍ، وبكلِّ مَنْ دعا مع اللَّه إلهًا آخرَ، وبالمصوِّرين " وصحَّحه الترمذيُّ وقد قِيل: إنه ليسَ بمحفوظ بهذا الإسنادِ، وإنَّما يرويه الأعمشُ عن عطيةَ عن أبي سعيدٍ، فقد روى الأعمشُ وغيرُ واحد عن أبي سعيدٍ، عن النبي ﷺ قال: "يخرجُ عنقٌ من النارِ يتكلمُ، يقولُ: وُكَلتُ اليومَ بثلاثةٍ: بكلّ جبارٍ عنيدٍ، ومن جَعَلَ مع اللهِ إلهًا آخرَ، ومنْ قتَلَ نفْسًا بغير نفسٍ، فتنطوي عليهم فتقذفهم في غمراتِ جهنَّم " خرَّجه الإمامُ أحمد، وخرَّجه البزار، ولفظُه: "يخرجُ عنق من النارِ يتكلَّمُ بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ،

стр. 1265

لها عينانِ تُبصرُ بهما، ولها لسان تتكلَّم به، فتقولُ: إني أمرتُ بِمَنْ جعلَ مع اللَّه إلهًا آخر، وبكُلِّ جبار عنيد، وبِكُلِّ من قتل نفْسًا بغير نفسٍ، فتنطلقُ بهم قبْلَ سائرِ الناسِ بخمسمائة عامٍ " وقد رُوي عن عطية عن أبي سعيدٍ موقوفًا. وروى ابنُ لهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، عن القاسم، عن عائشة عن النبيِّ ﷺ قال: "يخرجُ عنقٌ من النارِ، فتنطوي عليهم وتتغيَّظُ عليهم، ويقول ذلك العنقُ: وُكلتُ بثلاثةٍ، وُكِّلتُ بثلاثةٍ، وُكِّلتُ بثلاثةٍ، وُكِّلتُ بمن دعا مع الله إلهًا آخر، ووكِّلتُ بمن لا يؤمن بيوم الحسابِ، ووكِّلتُ بكلِّ جبار عنيدٍ، فتنطوي عليهم، فتطرحُهُم في غمراتِ جهنَّم " خرَّجه الإمامُ أحمدُ. ورُوي عن شهرِ بنِ حوشب عن أسماءَ بنتِ يزيدَ عن النبي ﷺ قال: "يخرجُ عنقٌ من النارِ فيظلّ الخلاتق كلَّهم، فيقولُ: أمرتُ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ، ومن زعم أنَه عزيزٌ كريم ومن دعا مع اللَّه إلهًا آخر". ورواهُ أبو المنهالِ سيارُ بنُ سلامةَ عن شهرِ بنِ حوشبٍ عن ابنِ عباسٍ موقوفًا، قالَ: إذا كان يومُ القيامة خرجَ عنق من النارِ فأشرفتْ على الخلائقِ لها عينانِ تبصرانِ ولسان فصيحٌ تقولُ: إني وُكِّلتُ بكلِّ جبارٍ عنيد. فتلقُطُهم من الصفوفِ فتحبسهم في نارِ جهنَّم، ثم تخرجُ ثانيًا فتقولُ: إنِّي وكلتُ بمن آذَى اللَّه ورسولَه فلتقطُهم من الصفوف فتحبسُهُم في نارِ جهنَّم. ثم تخرجُ ثالثةً، قال أبو المنهالِ: أحسبُ أنها قالتْ: إني وُكِّلتُ اليومَ بأصحابِ التصاويرِ فتلقطُهُم من الصفوفِ فتحبسهم في نارِ جهنَّم. وفي حديثِ الصورِ الطويلِ الذي خرَّجه إسحاقُ بنُ راهويه وأبو يعْلَى الموصليُّ وغيرُهما بإسنادٍ فيه ضعف عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ : "ثم يأمرُ
следующие страницы →