← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وبإسنادِهِ، عن جابرٍ، قالَ: كانَ أحدُنا يمشِي في المسجدِ وهو جنبٌ. مجتازًا. وخرَّجه - أيضًا - سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ خزيمةَ في "صحيحِهِ ". وعن زيدِ بن أسلمَ، قالَ: كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ يمشون في المسجدِ، وهمْ جنبٌ. خرَّجه ابنُ المنذرِ وغيرُه. * * * وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ من روايةِ قيسٍ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ، في قولِهِ تعالى: (وَإِن كنتُم مَّرْضَى) ، قالَ: نزلتْ في رجلٍ من الأنصارِ. كان مريضًا فلم يستطع أن يقومَ فيتوضأ، ولم يكنْ له خادم فيناولَهُ، فأتى رسولَ اللَّهِ ﷺ فذكر ذلك لهُ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذهِ الآية. * * * قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) قالَ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..) ، فمن جاء مع التوحيدِ بقُرابِ الأرضِ - وهو ملؤُهَا، أو ما يقاربُ ملأَهَا - خطايا، لقيَهُ اللَّهُ بقرابِهَا

стр. 317

مغفرة، لكنْ هَذا مع مشيئةِ اللَّهِ ، فإن شاء غفرَ له، وإن شاءَ أخذه بذنوبِهِ، ثم كان عاقبتُهُ ألاَّ يُخلَّدَ في النار، بل يخرج منها، ثم يدخلُ الجنَةَ. قال بعضُهم: الموحِّد لا يُلقى في النارِ كما يُلقى الكفارُ، ولا يَلقى فيها ما يَلقى الكفارُ، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفارُ، فإنْ كَمُلَ توحيدُ العبدِ وإخلاصُه للَّهِ فيه، وقامَ بشروطِهِ كلها بقلبِهِ ولسانِهِ وجوارحِهِ، أو بقلبِهِ ولسانِهِ عندَ الموتِ، أوجبَ ذلك مغفرةَ ما سلفَ من الذنوبِ كلِّها، ومنعَهُ من دخولِ النَّارِ بالكليةِ. فمن تحقَّق بكلمةِ التوحيدِ قَلبُه أخرجَتْ منه كلَّ ما سوى الله محبةً وتعظيمًا وإجلالا ومهابةً، وخشيةً، ورجاءً وتوكُّلاً، وحينئذٍ تحرَقُ ذنوبه وخطاياهُ كلُّها ولو كانتْ مثلَ زبدَ البحرِ، وربما قلبتَها حسناتٍ، كما سبق ذكره في تبديلِ السيئاتِ حسناتٍ، فإنَّ هذا التوحيدَ هو الإكسيرُ الأعظمُ، فلو وُضع ذرَّة منها على جبالِ الذنوبِ والخطايا، لقلبها حسناتٍ، كما في "السندِ" وغيره، عن أم هانِئ، عن النبيِّ ﷺ ، قال: "لا إله إلا اللَّهُ لا تترُكُ ذنبا ولا يسبِقها عمل ". وفي "المسندِ" عن شدَّادِ بنِ أوسٍ، وعبادة بن الصامت أن النبيَّ ﷺ قال لأصحابِهِ: "ارفعُوا أيديَكم، وقولُوا: لا إلهَ إلا اللًّهُ "، فرفعنا أيدينا ساعةً، ثم وضعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يدَهُ، ثم قالَ: "الحمدُ اللَّهِ، اللهُمَّ بعثتني بهذهِ الكلمةِ، وأمرتنِي بهَا، ووعدتنِي الجنةَ عليْهَا، وإنَّك لا تُخلِفُ الميعادَ"، ثم قالَ: " أبشِرُوا، فإن اللهَ قد غفرَ لكُم".

стр. 318

*** قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) قال اللَّهُ : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) . روى نافعٌ مولى يوسف السلمي عن نافع عن ابنِ عمرَ، قالَ: قرأ رجلٌ عندَ عمرَ هذه الآيةَ: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) . فقال عمرُ: أعِدْ علي فأعادَهَا عليهِ، فقال معاذُ بنُ جبلٍ: عندي تفسيرُها، تبدَّل في الساعةِ الواحدةِ مائةَ مرة، فقال عمرُ: هكذا سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ . خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ مردويه. وخرَّجه ابنُ مردويهِ أيضًا من طريقِ نافع أبي هرمز أنبانا نافعٌ عن ابنِ عمرَ قال: تلا رجلٌ عندَ عمرَ هذه الآيةَ: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) ، فقال عمرُ: أعِدْه عليَّ، وثَمَّ كعب، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ أنا عندِي تفسيرُ هذه الآيةِ قرأتُها قبلَ الإسلام، قالَ: فقالَ: هاتِهَا يا كعبُ، فإن جئت به كما سمعتُ من رسولِ اللَّهِ ﷺ صدَّقناك، وإلا لم ننظرْ إليها. قالَ: إني قرأتُها قبلَ الإسلامِ: ((كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) ، في الساعة الواحدة عشرينَ ومائةَ مرة، فقالَ عمرُ: هكذا سمعتُ من رسولِ اللهِ ﷺ .

стр. 319

نافع أبو هرمزٍ ضعيفٌ جدًّا، وهو نافعُ مولى يوسفَ السلمي أيضًا، عند طائفةٍ من الحفاظ منهم ابن عدي، ومنهم من قال: هما اثنانِ وكلاهما ضعيفٌ. وروى الربيعُ بنُ برةَ عن الفضلِ الرقاشيِّ أنَّ عمرَ سألَ كعبًا عن هذه الآيةِ فقالَ: إن جلَدَه يحرقُ ويجدَد في ساعةٍ أو في مقدارِ ساعةٍ مائةَ ألفِ مرةٍ. قال عمرُ: صدقتَ، وهذا منقطعٌ. وروى ثوير بن أبي فاختة - وهو ضعيفٌ - عن ابنِ عمرَ أنه قالَ في هذه الآية ِ: إذا أُحرقتْ جلودُهُم بُدلُوا جلودًا بيضاءَ أمثالِ القراطيس. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ. وخرَّج أيضًا بإسنادِهِ عن يحي بن يزيدَ الحضرميِّ أنه بلغه في هذهِ الآيةِ. قالَ: يجعلُ اللَّهُ للكافرِ مائةَ جلدٍ لين كلِّ جلدين لونٌ من العذابِ. وعن هشامٍ عن الحسنِ في هذهِ الآيةِ، قالَ: تأكلُهُم النارُ كلَّ يومٍ سبعينَ ألفَ مرةٍ كلما أكلتهم قيلَ لهُم: عودُوا، فيعودُون كما كانوا. وعن الربيع بنِ أنسٍ، قالَ: مكتوبٌ في الكتابِ الأولِ أن جلدَ أحدِهِم أربعونَ ذراعًا، وسنَّه تسعونَ ذراعًا، وبطنَهُ لو وُضِعَ فيه جبلٌ لوسعَهُ، فإذا أكلتِ النارُ جلودَهُم بُدلُوا جلودًا غيرَها. * * * قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَ يْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)

стр. 320

وسُئل عكرمة عن أمِّ الولدِ؟ فقالَ: تعتقُ بموتِ سيِّدها فقيلَ لهْ بأيِّ شيء تقولُ؟ قالَ: بالقرآنِ، قالَ: بأيِّ القرآنِ؟ قالَ: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ، وعمرُ من أولي الأمر. وقال وكيعٌ: إذا اجتمع عمرُ وعليٌّ على شيء، فهو الأمرُ. ورُوي عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كان يحلفُ بالله: إنَّ الصراطَ المستقيمَ هو الذي ثبتَ عليه عمرُ حتى دخلَ الجنة. * * * قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) قوله تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) . قال ابنُ عباسٍ وغيرُهُ؛ القاعدونَ المفضَّلُ عليهم المجاهدونَ درجةً هم القاعدونَ من أهلِ الأعذارِ، والقاعدونَ المفضَّل عليهم المجاهدون درجات هم القاعدونَ من غيرِ أهلِ الأعذارِ.

стр. 321

قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢) [قالَ البخاريُّ] : وقول اللَّه : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) إلى قولِهِ: (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) . قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَن تَقْصُرُوا منَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) . قد ذكر طائفة من السلفِ أنها نزلتْ في صلاةٍ في السفرِ، لا في صلاةِ السفرِ بمجردِهِ، ولهذا ذكرَ عقيبها قولَه تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ) .

стр. 322

ثمَّ ذكر صفةَ صلاةِ الخوفِ، فكان ذلك تفسيرًا للقَصْرِ المذكورِ في الآيةِ الأولى. وهذا هو الذي يُشير إليه البخاريُّ، وهو مَرْوي عن مُجاهد والسُّدِّيِّ والضَّحَّاكِ وغيرِهِم، واختارَهُ ابنُ جريرٍ وغيرُهُ. وتقديرُ ذلك من وَجْهَيْنِ: أحدُهُما: أنَّ المراد بقصرِ الصلاةِ قصرُ أركانِها بالإيماءِ ونحوهِ، وقصرُ عددِ الصلاةِ إلى ركعةٍ، فأمَّا صلاة السفرِ، فإنها ركعتانِ، وهي تمامٌ غيرُ قصرٍ، كما قاله عمرُ ﵁. ورَوى سماكٌ الحنفيُّ، قالَ: سمعتُ ابنَ عمرَ، يقولُ: الركعتانِ في السفرِ تمامٌ غيرُ قصرٍ، إنما القصرُ صلاةُ المخافةِ. خرَّجه ابنُ جريرٍ وغيرُه. ورَوى ابنُ المباركِ عن المسْعُودِيِّ، عن يزيدَ الفقِيرِ، قالَ: سمعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ يُسألُ عن الركعتينِ في السفرِ، أقصْرٌ هُما؟ قال: إنَّما القصرُ ركعةٌ عند القتال، وإن الركعتينِ في السفرِ ليستا بقصرٍ. وخرَّج الجوزَجانيُّ من طريقِ زائدةَ بنِ عُميرٍ الطَّائيِّ، أنه سأل ابنَ عباسٍ عن تقصيرِ الصلاةِ في السفرِ، قال: إنها ليستْ بتقصير، هما ركعتانِ من حين تخرجُ من أهلِكَ إلى أن ترجعَ إليهم.

стр. 323

وخرَّج الإمامُ أحمد بإسنادٍ منقطع، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: صلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ ركعتينِ ركعتينِ، وحين أقامَ أربعًا أربعًا، وقال ابن عباسٍ: فمن صلَّى في السفرِ أربعًا كمن صلَّى في الحضرِ ركعتينِ. وقال ابنُ عباسٍ. لم تُقصر الصلاةُ إلا مرَّةً واحدةً حيثُ صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ ركعتنِ، وصلَّى الناسُ ركعةً واحدةً. يعني: في الخوفِ. وروى وكِيع، عن سفيانَ، عن سالمٍ الأفْطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قالَ: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ صلاةَ الخوفِ ركعةً ركعةً. قال سعيد: كيف تكون مقصورةً وهما ركعتانِ. والوجهُ الثاني: أن القصرَ المذكورَ في هذهِ الآيةِ مطلق، يدخلُ فيه قصرُ العددِ، وقصرُ الأركانِ، ومجموعُ ذلك يختصُّ بحالةِ الخوفِ في السفرِ، فأمَّا إذا انفردَ أحدُ الأمرينِ - وهو السفرُ أو الخوف - فإنه يختصّ بأحدِ نوعي القصرِ، فانفرادُ السفرِ يختصُّ بقصرِ العددِ، وانفرادُ الخوفِ يختصُّ بقصرِ الأركانِ. لكنْ هذا مما لم يُفهم من ظاهرِ القرآنِ، وإنما بيَّن دلالته عليه رسولُ اللَّهِ ﷺ ، والآيةُ لا تنافيه، وإن كانَ ظاهرُها لا يدلُّ عليه، والله أعلمُ. وقيلَ: إنَّ قولَه: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تقصُروا مِنَ الصَّلاةِ)

стр. 324

نزلتْ بسببِ القصر في السفرِ من غيرِ خوفٍ، وأنَّ بقيةَ الآية ِ مع الآيتينِ بعدَها نزلتْ بسببِ صلاةِ الخوفِ. رُوي ذلك عن عليٍّ ﵁. خرَّجه ابنُ جريرٍ عنه، بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا، لا يصحُّ. واللَّه أعلمُ. وقد رُوي ما يدلُّ على أنَّ الآيةَ الأُولى المذكورَ فيها قصرُ الصلاةِ إنما نزلتْ في صلاةِ الخوفِ. فروى منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي عيَّاشٍ الزرقي، قالما: كنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ بعُسْفان - وعلى المشركينَ خالدُ بنُ الوليدِ - فصلَّيْنا الظهرَ، فقال المشركونَ: لقد أصبْنا غِرَّةً، لقد أصبْنَا غفْلةً، لو كنا حمَلْنا عليهم وهُم في الصلاةِ، فنزلتْ آيةُ القصرِ بينَ الظهرِ والعصرِ، فلما حضرتِ العصرُ قامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ مستقبلَ القبلةِ، والمشركونَ أمامَه، فصفَّ خلفَ رسولِ اللَّهِ ﷺ . صفٌّ، وصف بعد ذلك الصفِّ صفٌّ آخر، فركعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وركعُوا جميعًا، ثم سجدُوا وسجدَ الصفُّ الذين يلُونَه، وقام الآخرونَ يحرسونَهم، فلما صلَّى هؤلاءِ سجدتينِ وقاموا، سجدَ الآخرونَ الذين كانوا خلفَه، ثم تأخَّر الصفُّ الذي يليه إلى مقامِ الآخرينَ، وتقدَّمَ الصفُّ الآخرُ إلى مقامِ الصفِّ الأولِ، ثم ركعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وركعُوا جميعًا، ثم سجدَ وسجدَ الصفُّ الذي يليه، وقام الآخرونَ يحرسونَهم، فلما جلسَ رسولُ اللَّهِ ﷺ والصفُّ الذي يليه سجدَ الآخرونَ، ثم جلَسُوا جميعًا فسلَّم عليهم

стр. 325

جميعًا، فصلاَّها بعُسْفان، وصلاَّها يومَ بني سُلَيْم. خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ - وهذا لفظُه - والنسائيُّ وابنُ حبانَ في " صحيحِه " والحاكم، وقال: على شرطِهما. وفي رواية للنسائيِّ وابنِ حبان، عن مجاهدٍ: نا أبو عيَّاشٍ الزرقيُّ. قالَ: كُنَّا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ . . . فذكرَهُ. ورَدَّ ابنُ حبانَ بذلك على من زعَمَ: أن مجاهدًا لم يسمعْه من أبي عيَّاشٍ. وأن أبا عياش لا صُحبة له. كأنه يشيرُ إلى ما نقله الترمذيُّ في "عللِهِ " عن البخاريِّ، أنه قالَ: كلّ الرواياتِ عندي صحيحٌ في صلاةِ الخوفِ، إلا حديثُ مجاهدِ عن أبي عياش الزرقيِّ، فإني أراه مرسلاً. وابن حبانَ لم يَفهْم ما أرادَه البخاريُّ، فإنَّ البخاريَّ لم ينكرْ أن يكونَ أبو عيَّاشٍ له صحبة، وقد عَدَّة في "تاريخه " من الصحابةِ، ولا أنكرَ سماعَ مجاهدٍ من أبي عيَّاشٍ، وإنَّما مرادُه: أن هذا الحديثَ الصوابُ: عن مجاهدٍ إرسالُهُ عن النبيِّ ﷺ من غيرِ ذكرِ أبي عياشٍ، كذلك رواهُ أصحابُ مجاهدٍ، عنهُ بخلافِ روايةِ منصورٍ، عنه، فرواهُ عكرمةُ بنُ خالدٍ وعُمر بن ذَرٍّ وأيوبُ ابنُ موسى ثلاثتُهم عن مجاهدٍ، عن النبيِّ ﷺ مرسلاً من غيرِ ذكرِ أبي عياشٍ.

стр. 326

وهذا أصحّ عند البخاريِّ، وكذلكَ صحَّح إرسالَهُ عبدُ العزيز النخشبيُّ وغيرُهُ من الحفاظِ. وأما أبو حاتمٍ الرازيُّ، فإنَّه قال - في حديثِ منصور، عن مجاهدٍ، عن أبي عياشٍ -: إنه صحيحٌ، قيل له: فهذه الزيادةُ "فنزلتْ آيةُ القصرِ بينَ الظهرِ والعصرِ" محفوظة هي؛ قالَ: نعم. وقال الإمامُ أحمدُ: كُلُّ حديثٍ رُوي في صلاةِ الخوفِ فهو صحيحٌ. وقد جاءَ في روايةٍ: فنزلتْ: (وَإِذَا كنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) . وهذا لا ينافي روايةَ: "فنزلتْ آيةُ القصرِ" بل تبيَّن أنه لم تنزل آيةُ القصرِ بانفرادِها في هذا اليومِ، بل نزل معها الآيتانِ بعدَها في صلاةِ الخوفِ. وهذا كلّه مما يشهد بأن آية القَصْرِ أُريدَ بها قصْرُ الخوفِ في السفرِ، وإنْ دلَّت على قصرِ السفرِ بغيرِ خوفٍ بوَجْهٍ من الدلالةِ، واللَّهُ أعلمُ. [قالَ البخاريُّ] : نا أبو اليمانِ: ثنا شُعيْب عن الزُّهريِّ، قالَ: سألتُهُ: هلْ صلَّى النبيُّ ﷺ صلاةَ الخوفِ؟ فقالَ: أخبرني سالمٌ أنَّ عبدَ اللَّه بنَ عُمرَ. قالَ: غزوتُ معَ رسول اللهِ ﷺ قبلَ نَجْدٍ، فوازَيْنا العدُوَّ، فصاففنا لهُم، فقام رسول اللَّهِ ﷺ يُصلِّي لنا، فقامتْ طائفةٌ معَهُ وأقْبلتْ طائفة على العدوِّ، وركعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بمن معَهُ وسجدَ سجْدتيْنِ، ثمَّ انصرفُوا مكانَ الطائفة التي لم تُصَلِّ، فجاءُوا فركعَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بهم ركعةً وسجدَ سجْدتينِ، ثم سلَّمَ، فقامَ كُل واحدٍ منهم فركعَ لنفْسِهِ ركعة وسجدَ سجدتينِ ".

стр. 327

وخرَّجه في موضع آخرَ من روايةِ معمرٍ. وخرَّجه مسلمٌ من روايةِ معمرٍ وفُلَيْح كلاهُما، عن الزهريِّ، به - بمعناه. وقد رُوي عن حُذيفةَ نحوُ روايةِ ابنِ عمرَ - أيضًا. خرَّجه الطبرانيُّ من روايةِ حكَّام بنِ سلْم، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن قتادةَ، عن أبي العاليةِ، قالَ: صلَّى بَنا أبو موسى الأشْعريُّ بأصبهانَ صلاةَ الخوفِ، وما كانَ كبيرُ خوْفٍ؛ ليريَنا صلاةَ رسولِ اللَّهِ ﷺ فقام فكبَّرَ، وكبَّرَ معه طائفة من القومِ، وطائفة بإزاء العدوِّ، فصلَّى بهم ركعة فانصرفوا، وقامُوا مقامَ إخوانِهِم، فجاءت الطائفةُ الأخرى فصلَّى بهم ركعةً أخرى، ثم سلَّمَ، فصلَّى كل واحدٍ منهمُ الركعةَ الثانية وُحْدَانًا. ورواه سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن أبي العاليةِ، أنَّ أبا موسى كان بالدارِ من أرضِ أصبهانَ، وما بها كَبيرُ خوفٍ، ولكن أحب أن يعلِّمهم دينَهم وسنةَ نبيِّهم، فجعلَهم صفَّينِ: طائفةً معها السلاحُ مُقْبِلةً على عدوِّها، وطائفةً من ورائهَا، فصلَّى بالذين بإزائِه ركعةً، ثم نكصُوا على أدبارِهم حتى قامُوا مقامَ الأخرَى، وجاءُوا يتخفَلونَهم حتى قاموا وراءَه فصلَّى بهم ركعةً أخرَى، ثم سلَّم، فقام الذين يلونَه والآخرونَ فصلَّوا ركعةً ركعةً، ثم سلَّم بعضُهم على بعضٍ، فتمَّتْ للإمامِ ركعتانِ في جماعةٍ، وللناسِ ركعةٌ ركعة.

стр. 328

يعني: في جماعةٍ. خرَّجه ابنُ أبي شيبة، وعنه بقيُّ بنُ مَخْلدٍ في "مسندهِ ". وهو إسنادٌ جيدٌ. وهو في حكمُ المرفوع، لما ذكر فيه من تعليمِهم بسُنةِ نبيِّهم. ورواه أبو داود الطيالسيُّ، عن أبي حُرَّةَ، عن الحسنِ، عن أبي موسى، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ صلَّى بأصحابهِ - فذكرَ نحوَه، وفيه زيادةٌ على حديثِ ابنِ عُمرَ: أنَّ الطائفة الأولى لما صلَّت ركعة وذهبتْ لم تستدبر القبلةَ، بل نَكَصَتْ على أدبارِها. ورُويَ - أيضًا - عن ابنِ مسعود، عن النبي ﷺ ذلك، من روايةِ خُصَيفٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قالَ: صلَّى بنا رسول اللَّهِ ﷺ صلاةَ الخوفِ، فقامُوا صفَّين، فقامَ صفٌّ خلفَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وصفٌّ مُستقبلَ العدوِّ، فصلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ بالصفِّ الذين يلُونَه ركعةً، ثم قامُوا فذهبُوا، فقامُوا مقامَ أولئك مستقبلي العدوِّ، وجاءُوا أولئك فقامُوا مقامَهم. فصلَّى بهم رسولُ اللَّهِ ﷺ ركعةً، ثم سلَّم، ثم قامُوا فصلَّوا لأنفسِهِم ركعةً، ثم سلَّموا ثم ذهبُوا، فقامُوا مقامَ أولئك مستقبلي العدوِّ، ورجع أولئك إلى مقامِهِم، فصلَّوْا لأنفسهِمِ ركعةً ثم سلَّموا. خرَّجه الإمامُ أحمدُ - وهذا لفظُه - وأبو داودَ - بمعناه. وخُصَيفٌ، مختلَفٌ في أمر، وأبو عُبيدةَ لم يسمعْ من أبيهِ، لكن

стр. 329

رواياتُه عنه أخذَها عن أهلِ بيتِه، فهي صحيحة عندهم. وهذه الصفةُ توافقُ حديثَ ابنِ عمرَ وحذيفةَ، إلا في تقدُّمِ الطائفةِ الثانيةِ بقضاءِ ركعةٍ، وذَهابهم إلى مقامِ أولئك مستقبلي العدوِّ، ثم مجيءِ الطائفة الأولَى إلى مقامِهم فقضوْا ركعةً. وحديثُ ابنِ عمرَ وحذيفةَ فيهما: قيامُ الطائفتينِ يقضُون لأنفسِهِم. وظاهرُهُ: أنهم قامُوا جملةً وقضَوْا ركعة ركعةً وُحْدَانًا. وقد رواه جماعة، عن حصيف، عن أبي عُبيدةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وزادُوا فيه: أنَّ النبي ﷺ كبَّر وكبَّر الصفاَّنَ معه جميعًا. وقد خَرَّجه كذلك الإمامُ أحمدُ وأبو داود. وزاد الإمامُ أحمدُ: "وهمْ في صلاةٍ كلُّهم ". واختلفَ العلماءُ في صلاةِ الخوفِ على الصفةِ المذكورةِ في حديثِ ابنِ عُمرَ وما وافقَهُ: فذهبَ الأكثرونَ إلى أنها جائزة وحسنة، وإن كان غيرُها أفضلَ منها، هذا قولُ الشافعيِّ - في أصحِّ قوليه - وأحمدَ وإسحاقَ وغيرِهم. وقالت طائفةٌ: هي غيرُ جائزة على هذه الصفةِ، لكثرةِ ما فيه من الأعمالِ المباينةِ للصلاةِ من استدبارِ القبلةِ والمشىِ الكثيرِ، والتخلُّفِ عن الإمامِ، وادَّعَوا أنها منسوخة، وهو أحدُ القولينِ للشافعيِّ. ودعوى النسخ ها هنا لا دليلَ عليها.

стр. 330

وقالتْ طائفة: هي جائزةٌ كغيرِها من أنواع صلاةِ الخوفِ الواردةِ عن النبيِّ ﷺ ، لا فضلَ لبعضِها على بعضٍ، وهو قولُ إسحاقَ -: نقله عنه ابن ُمنصورٍ. ونقلَ حرب عن إسحاقَ، أن حديثَ ابنِ عمرَ وابنِ مسعودٍ يعملُ به إذا كانَ العدوُّ في غير جهةِ القبلةِ. وكذلك حكى بعضُ أصحابِ سفيانَ كلامَ سفيانَ في العملِ بحديثِ ابنِ عُمرَ على ذلك. وقالتْ طائفة: هي أفضلُ أنواع صلاةِ الخوفِ، هذا قولُ النخعيِّ، وأهلِ الكوفةِ وأبي حنيفةَ، وأصحابِهِ، ورواية عن سفيانَ، وحكيَ عن الأوزاعيِّ وأشهبَ المالكيِّ. وروى نافع، أنَ ابنَ عمرَ كان يعلِّم الناسَ صلاةَ الخوفِ على هذا الوجهِ. وحُكِي عن الحسنِ بنِ صالح، أنه ذهبَ إلى حديثِ ابنِ مسعودٍ، وفيه: أن الطائفةَ الثانيةَ تصلِّي مع الإمامِ الركعةَ الثانيةَ، ثم إذا سلَّم قضتْ ركعةً، ثم ذهبتْ إلى مكانِ الطائفةِ الأولى، ثم قضت الطائفةُ الأولَى ركعةً، تم تسلِّمُ. وقد قيلَ: إنَّ هذا هو قولُ أشهبَ. وحكَى ابنُ عبدِ البر، عن أحمدَ، أنَّه ذهبَ إلى هذا - أيضًا. وقال بعضُ أصحابِنا: هو أحسنُ من الصلاةِ على حديثِ ابنِ عمر" لأنَّ صلاةَ الطائفةِ الثانيةِ خلتْ عن مفسدٍ بالكليةِ.

стр. 331

وحُكي عن أبي يوسفَ ومحمدٍ والحسنِ بن زيادٍ والمزَنيِّ: أنَّ صلاةَ الخوفِ لا تجوز بعد النبيِّ ﷺ ، لظاهرِ قولِ اللَّهِ تعالى: (وَإِذَا كنتَ فِيهِم فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ منْهُم مَّعَكَ) الآية. قالُوا: وإنَّما يصلِّي الناسُ صلاةَ الخوفِ بعدَهُ بإمامين، كلُّ إمامٍ يصلي بطائفةٍ صلاةً تامةً، ويسلِّم بهم. وهذا مردودٌ بإجماع الصحابةِ على صلاتِها في حروبِهم بعدَ النبيِّ ﷺ ، وقد صلاَّها بعدَهُ: عليٌّ بنُ أبي طالبٍ، وحذيفةُ بنُ اليمانِ، وأبو موسى الأشعريُّ، مع حضورِ غيرِهم من الصحابةِ، ولم ينكرْه أحدٌ منهم. وكان ابنُ عمرَ وغيرُه يعلِّمون الناسَ صلاةَ الخوفِ، وجابرٌ، وابنُ عباس وغيرُهما يروونها للناس تعليمًا لهم، ولم يقل أحدٌ منهم: إن ذلك من خصائصِ النبيِّ ﷺ . وخطابُه ﷺ لا يمنعُ مشاركةَ أُمَّتِه له في الأحكام، كما في قوله تعالى: (يَا أَيهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) . وقوله. (خُذ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) . وحُكي عن مالكٍ، أنها تجوزُ في السفرِ دون الحضرِ، وهو قول عبدِ الملكِ ابنِ الماجشونِ من أصحابِهِ. ويحتجُّ له بحملِ آيةِ القصرِ على صلاةِ الخوفِ، وقد شُرط لها شرطانِ: السفرُ والخوفُ، كما سبقَ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما كان يصلِّي صلاةَ الخوفِ في

стр. 332

أسفارِهِ، ولم يصلِّها في الحضرِ مع أنه حُوصرَ بالمدينةِ عامَ الخندقِ، وطالتْ مدةُ الحصارِ، واشتدَّ الخوفُ، ولم يصلِّ فيها صلاةَ الخوفِ. وقد قيلَ: إنَّ صلاةَ الخوفِ إنَّما شُرعتْ بعدَ غزوةِ الأحزاب في السنةِ السابعةِ. وقد ذكرَ البخاريُّ في "المغازي " من "كتابِهِ " هذا - تعليقًا - من حديثِ عِمرانَ القطَّانِ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن جابرٍ، قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ ﷺ بأصحابِهِ في الخوفِ في غزوةِ السابعةِ: غزوةِ ذاتِ الرقاع. وخرَّجه الإمامُ أحمد من روايةِ ابنِ لهيعةَ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ. قالَ: غزَا رسولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّ مِرَارٍ قبلَ صلاةِ الخوفِ، وكانتْ صلاةُ الخوفِ في السابعةِ. وقد تقدَّمَ في حديثِ أبي عيَّاشٍ، أنَّ أولَ صلاةِ الخوفِ كانت بعُسْفانَ. وعلى المشركين خالدٌ. وقد روى الواقديُّ بإسنادٍ له، عن خالدِ بنِ الوليدِ، أنَّ ذلك كان في مخْرج النبيِّ ﷺ إلى عُمرةِ الحديبيةِ. وقد تقدَّمَ أنَّ أبا موسى صلَّى بأصبهَانَ هذه الصلاةَ، ولم يكن " هناك كبيرُ خوفٍ، وإنَّما صلَّى بهم ليعلِّمَهم سنةَ صلاةِ الخوفِ. وهذا قد يحملُ على أن كانَ ثمَّ خوفٌ يُبيحُ هذه الصلاةَ، ولم يكن وُجد

стр. 333

خوفٌ شديدٌ يبيحُ الصلاةَ بالإيماءِ. وقد قالَ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيّ: لو صلَّى صلاةَ الخوفِ على ما في حديثِ ابنِ عُمرَ في غيرِ خوف لم تصح صلاةُ المأمومين كلهم؛ لإتيانِهِم بما لا تصحُّ معه الصلاةُ في غيرِ حالةِ الخوفِ من المشي والتخلّفِ عن الإمامِ. فأما الإمامُ، فلأصحابِنا في صلاتِهِ وجهانِ، بناءً على أنَّ الإمامَ إذا بَطَلَتْ صلاةُ منْ خلفَه، فهل تبطلُ صلاتُهُ لنيته الإمامةَ وهو منفردٌ، أو يتمُّها منفردًا وتصحُّ؛ وفيه وجهان للأصحابِ. * * * قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣) [قالَ البخاريُّ] : وقولُ الله : (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ علَى الْمُؤْمِنِينَ كتَابًا مَّوْقُوتًا) ، مُوَقَتَا، وَقًّتَهُ علَيْهِم. أمَّا "الكتابُ " فالمرادُ به: الفرْضُ ولم يُذْكَر في القرآن لفظُ الكتاب وما تصرَّف منه إلا فيما هو لازِم: إمَّا شرعًا، مثل قوله: (كُتِبَ عَلَيْكمْ الصِّيَامُ) ، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) ، وقوله: (كتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) . وإمَّا قدرًا، نحو قوله: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَن أَنَا وَرُسُلِي) . وقوله: (وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ) .

стр. 334

وأما قوله: (مَوْقُوتًا) ففيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى المؤقَتِ في أوقات معلومة، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ وقتادةَ وزيد بن أسلمَ، وهو الذي ذكره البخاريّ هنا، ورجَّحه ابنُ قُتيبةَ وغيرُ واحدٍ. قال قتادةُ في تفسيرِ هذهِ الآيةِ: قال ابنُ مسعود: إنَّ للصلاةِ وقتًا كوقتِ الحجَ. وقال زيدُ بنُ أسلمَ: مُنجَّمًا، كلما مضى نَجْمٌ جاء نَجْمٌ، يقول: كلما مضى وقت جاء وقت. وقالتْ طائفةٌ: معنى (مَوْقُوتًا) : مفروضًا أو واجبًا: قاله مجاهدٌ والحسنُ وغيرُهُما. ورَوَى عليّ بن أبي طلحة، عن ابنِ عباس، قال: يعني: مفروضًا. وتأوَّل بعضُهم الفرضَ هنا على التقدير، فرَجعَ المعنى حينئذٍ إلى تقديرِ أعدادِها ومواقيتِها، واللَّهُ أعلمُ. وقال الشافعيّ: الموقوتُ - واللَّهُ أعلمُ -: الوقتُ الذي تُصلَّى فيه وعددُها.

стр. 335

قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وقوله: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) فنَفَى الخيرَ عن كثيرٍ مما يتناجى به الناسُ إلا في الأمرِ بالمعروفِ، وخصَّ من أفرادِهِ الصَّدقةَ والإصلاحَ بينَ الناسِ لعمومِ نفعِهِما، فدلَّ ذلكَ على أنَّ التناجِي بذلكَ خير، وأمَّا الثوابُ عليه مِنَ اللَّهِ، فخصَّه بمنْ فعله ابتغاءَ مرضاتِ اللَّهِ. وإنَّما جعلَ الأمرَ بالمعروفِ مِنَ الصَّدقة والإصلاح بينَ الناسِ وغيرِهما خيرًا، وإنْ لم يُبْتَغَ به وجهُ اللَّهِ، لما يترَتَّبُ على ذلكَ منَ النَّفعْ المُتعدِّي. فيَحْصُلُ به للناسِ إحسانٌ وخيرٌ، وأمَّا بالنسبةِ إلى الأمرِ، فإن قَصَدَ به وجْهَ اللهِ، وابتغاءَ مرضاتِهِ، كان خيرًا له وأُثِيبَ عليه، وإنْ لم يقصدْ ذلك، لم يكن خيرًا له، ولا ثوابَ له عليه. وهذا بخلافِ من صامَ وصلَّى وذكرَ اللَّهَ، يَقصدُ بذلك عَرَضَ الدنيا، فإنَّه لا خيرَ له فيه بالكُليّة، لأنَّه لا نفعَ في ذلكَ لصاحبِهِ، لما يترتَّب عليه من الإثم فيهِ، ولا لغير؛ لأنَّه لا يتعدَّى نفعُه إلى أحدٍ، اللَّهُمَّ إلا أنْ يحصُلَ لأحدٍ به اقتداء في ذلك. * * *

стр. 336

قوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ عائشةَ أنها سألتِ النبيَّ ﷺ عن قولِهِ تعالى: (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) . وعن قولِهِ: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) ، فقال: "هذه معاتبةُ اللَّهِ العبدَ بما يصيبُه من الحمَّى، والنكبةِ، حتى البضاعةِ يضعها في جيبِ قميصِه، فيفقدُها، فيفزعُ لذلك، حتَّى إنَّ العبدَ ليخرجَ من ذنوبِهِ، كما يخرجُ التَبْر الأحمرُ من الكِيرِ". وقال: حسنٌ غريب. * * * وفي الترمذي عن أبي بكرٍ الصديقِ أنه كانَ عندَ النبيِّ ﷺ فقرأ هذه الآيةَ حين أنزلتْ: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) . قالَ: ولا أعلم إلا أنِّي وجدتُ في ظهري انفصامًا، فتمطأتُ لَهَا. وقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، وأيُّنا لم يعملْ سوءًا؟ أو إنَّا لمجزيون بما عملْنَا؟ فقالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "أمَّا أنت يا أبا بكرٍ والمؤمنونَ، فتجزونَ بذلكَ في الدُّنيا، حتى تلقوا اللَّهَ وليس لكم ذنب وأمَّا الآخرونَ فيجمعُ ذلك لهم حتَّى يُجزوا به يومَ القيامةِ". وفي "مسندِ بقيِّ بن مَخْلَدٍ" بإسنادٍ جيدٍ - عن عائشةَ أنَّ رجلاً تلا هذه الآية: (مَن يَعْمَلْ سوءًا يجْزَ بِهِ) ، فقالَ: إنا لَنُجْزَى بكلِّ عملٍ عملنا؛ هلكنا إذًا! فبلغَ ذلكَ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ: "نعم، يُجزى به المؤمنُ في

стр. 337

الدنيا، في نقسِهِ، في جسدِهِ فما دونَهُ. * * * قوله تعالى: (وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) حقُّ اللَّهِ على عبادِهِ أن يتَقُوهَ حقَّ تقاتِه، والتَّقوى وصيةُ اللهِ للأولينَ والآخرينَ، قالَ تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) . وأصلُ التقوى: أن يجعل العبدُ بينه وبينَ ما يخافُهُ ويحذرُهُ وقايةً تقيهِ منه. فتقوى العبدِ لربِّه أن يجعلَ بينَه وبينَ ما يخشاهُ من رّبه من غضبِهِ وسخطِهِ وعقابِهِ وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعلُ طاعتِهِ واجتنابُ معاصيهِ. وتارةً تُضافُ التقوى إلى اسم اللهِ ، كقولِهِ تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) . فإذا أضيفت التقوى إليه ، فالمعنى: اتقوا سخطَهُ وغضبَهُ. وهو أعظمُ ما يُتَّقَى، وعن ذلكَ ينشأ عقابُهُ الدنيويُّ والأخرويُّ. قال تعالى: (وَيُحَذِّرُكمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) وقال تعالى: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) ، فهوَ

стр. 338

سبحانَهُ أهلٌ أن يُخشى ويُهابَ، ويُجلَّ ويُعَظَّمَ في صدورِ عبادِهِ حتَّى يعبدوُهُ ويُطيعوهُ، لما يستحقُّه من الإجلالِ والإكرامِ، وصفاتِ الكبرياءِ والعظمةِ وقوَّة البطشِ، وشدَّةِ البأسِ. وفي الترمذيِّ عن أنس عن النبيِّ ﷺ في هذهِ الآيةِ: (هُوَ أَهْلُ التَّقوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) ، قال: "قال اللَّهُ تعالى: أنا أهلٌ أنْ أُتَّقى، فمنْ اتقاني فلم يَجْعَل معِي إلهًا آخرَ، فأنا أهْل أن أغْفِرَ له ". وتارةً تُضافُ التقوى إلى عقابِ اللَّهِ وإلى مكانِهِ، كالنارِ، أو إلى زمانِه. كيومِ القيامةِ، كما قالَ تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) . وقال تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) ، وقال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ) . (وَاتَّقُوا يَومًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا) . ويدخلُ في التقوى الكاملةِ فعلُ الواجباتِ وتركُ المحرَّماتِ والشبهاتِ. وربما دخلَ فيها بعدَ ذلكَ فعلُ المندوباتِ، وتركُ المكروهاتِ، وهيَ أعْلى درجاتِ التَّقوى، قالَ اللَّهُ تعالى: (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) . وقال تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) .

стр. 339

قال مُعُاذُ بنُ جبلٍ: يُنادَى يومَ القيامةِ: أين المتقونَ؟ فيقومون في كَنَفٍ من الرحمنِ لا يحتجِبُ منهُم ولا يستترُ، قالُوا لَهُ: مَن المتَّقونَ؟ قال: قومٌ اتَّقوا الشِّركَ وعبادةَ الأوثانِ، وأخلصُوا للَّهِ بالعبادةِ. وقالَ ابنٍ عباسٍ: المتَقونَ الذين يحْذَرون من اللَهِ عقوبتَه في تركِ ما يعرِفُون من الهُدى، ويَرجونَ رحمته في التصديقِ بما جاء به. وقال الحسنُ: المتقونَ اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهِم، وأدَوا ما افْتُرِص عليهم. وقال عُمرُ بنُ عبد العزيزِ: ليسَ تقوى اللَهِ بصيامِ النهارِ، ولا بصيامِ الليلِ. والتخليطِ فيما بيْنَ ذلكَ، ولكن تقوى اللَّهِ تركُ ما حرَّم اللَّهُ، وأداءُ ما افترضَ اللَّه، فمن رُزِقَ بعدَ ذلك خيرًا، فهو خيرٌ إلى خيرٍ. وقال طلقُ بن حبيبٍ: التَّقوى أن تعملَ بطاعة اللَّهِ على نورٍ من اللَّهِ ترجُو ثوابَ اللَّه، وأن تتركَ معصيةَ اللَّهِ على نورٍ من اللهِ تخافُ عقابَ اللهِ. وعن أبي الدرداءِ قالَ: تمامُ التقوى أن يتقيَ اللَّهَ العبدُ حتى يتقيَة من مثقال ذرَّه، حتى يترك بعضَ ما يرى أنه حلالٌ خشيةَ أن يكونَ حرامًا يكونَ حجابًا بينه وبين الحرامِ، فإنَّ اللَهَ قد بيَّنَ للعبادِ الذي يُصيرِهم إليه فقال: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) . فلا تحقرنَّ شيئًا من الخيرِ أن تفعلَهُ، ولا شيئًا من الشرِّ أن تتقيَهُ. وقال الحسنُ: ما زالتِ التَّقوى بالمتقينَ حتَّى تركُوا كثيرًا من الحلالِ مخافةَ الحرامَ. وقال الثوريُّ: إنَّما سُمُّوا متقينَ، لأنهم اتقوْا ما لا يُتَّقَى. وقال موسى بنُ أعْينَ: المتقونَ تنزَّهوا عن أشياءَ من الحلالِ مخافةَ أن يقعُوا

стр. 340

في الحرامِ، فسماهُم اللَّهُ متقينَ. وقد سبقَ حديثُ: "لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتقينَ حتَى يدعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأس ". وحديث: "من اتَقى الشبهاتِ استبرأ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ ". وقال ميمونُ بنُ مِهرانُ: المُتَّقي أشدُّ محاسبةً لنفسِهِ، من الشريكِ الشحيح لشريكه. وقال ابنُ مسعودٍ في قولِهِ تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) . قال: أن يُطاعَ، فلا يُعصَى، ويُذكرُ فلا يُنْسَى، وأن يُشكرَ، فلا يُكفر. وخرَّجه الحاكمُ مرفوعًا، والموقوفُ أصحُّ، وشكرُه يدخلُ شيه جميعُ فعلِ الطاعاتِ. ومعنى "ذكره فلا يُنْسى": ذكرُ العبدِ بقلبِهِ لأوامرِ اللَّهِ في حركاتِهِ وسكناتِهِ وكلماتِهِ فيمتثلها، ولنواهِيهِ في ذلكَ كلِّه فيجتنبهَا. وقد يغلِبُ استعمالُ التقوى على اجتنابِ المحرَّماتِ، كما قالَ أبو هريرةَ وسئلَ عن التَّقوى، فقالَ: هلْ أخذتَ طريقًا ذا شوْك؟ قالَ: نعم، قالَ: فكيف صنعتَ؟ قالَ: إذا رأيتُ الشوكَ عدلتُ عنه، أو جاوزتُه، أو قصرتُ عنه، قال: ذاك التَّقوى. وأخذ هذا المعنى ابنُ المعتز فقال: خلِّ الذنُوب صَغيرَها. . . وكبيرَها فهوَ التُّقَى

стр. 341

واصْنَع كماشٍ فَوْقَ أرْ. . . ضِ الشَّوْكِ يحْذَرُ ما يرَى لا تحْقِرَنَ صغيرةً. . . إن الجبالَ من الحَصَى وأصلُ التَّقوى: أن يعلمَ العبدُ ما يُتَّقى ثم يتَّقِي. قال عونُ بن عبدِ اللَّهِ: تمامُ التقوى أن تبتغيَ علمَ ما لم تعلمْ منها إلى ما علمتَ منها. وذكر معروفٌ الكرخيُّ عن بكر بن خُنيسٍ، قال: كيف يكون متقيًا من لا يدري ما يَتَّقي؟ ثم قال معروفٌ: إذا كنتَ لا تحسنُ تتقي أكلتَ الرِّبا، وإذا كنتَ لا تُحسن تتقي لقيتك امرأةٌ فلم تَغُضَّ بصرَك، وإذا كنتَ لا تحسنُ تتقي وضعتَ سيفَكَ على عاتقِكَ. وقد قالَ النبي ﷺ لمحمدِ بنِ مسلمةَ: "إذا رأيتَ أُمَّتي قد اختلفَتْ، فاعمدْ إلى سيفِكَ فاضْرِبْ به أُحُدًا". ثم قال معروفٌ: ومجلسِي هذا لعلَّهُ كان ينبغي لنا أن نتَّقيَه، ثم قالَ: ومجيئكم معِي من المسجدِ إلى هَاهُنا كان ينبغِي لنا أن نتقيَهُ، أليس جاءَ في الحديثِ: "إنه فتنة للِمَتْبُوع، مذلةٌ للتابع ". يعني: مشيَ الناسِ خلفَ الرجلِ. وفي الجملةِ، فالتقوى هي وصيةُ اللَّهِ لجميع خلْقِهِ، ووصيةُ رسولِ اللَّهِ ﷺ لأمتِهِ، وكانَ ﷺ إذا بَعَثَ أميرًا على سَرِيَّةٍ أوصاهُ في خاصةِ نفسهِ بتقوى اللَّهِ، وبمن معهُ من المسلمينَ خيرًا.

стр. 342

ولما خطبَ رسولُ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوداع يومَ النَّحرِ وصَّى الناسَ بتقوى اللَّهِ وبالسمع والطاعةِ لأئمتِهِم. ولما وعَظَ الناسَ، وقالُوا له: كأنَّها موعظةُ مودعٍ فأوصِنَا، قالَ: "أُوصيكم بتقْوَى اللهِ والسَّمعْ والطَّاعةِ". وفي حديثِ أبي ذزٍّ الطويلِ الذي خرَّجهُ ابنُ حبانَ وغيرُه: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أوصِني، قالَ: "أوصيكَ بتقوى اللهِ، فإنَه رأسُ الأمرِ كلِّهِ ". وخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريَ، قالَ. قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أوصِنِى، قالَ: "أوصيكَ بتقوى اللَّهِ، فإنَّه رأسُ كل شيءِ، وعليكَ بالجهادِ، فإنَّه رهبانيةُ الإسلام". وخرَّجه غيرُه ولفظُهُ: قالَ: "عليكَ بتقوى اللَّهِ، فإنها جِماعُ كلِّ خيرٍ". وفي الترمذيِّ عن يزيدَ بنِ سلمةَ: أنه سألَ النبيَّ ﷺ قال: يا رسولَ اللَّهِ، إني سمعتُ منكَ حديثًا كثيرًا فأخافُ أن ينسنِي أوَّلَه آخرُه، فحدَثني بكلمة تكونُ جِماعًا، قالَ: "اتَقِ اللَّه فيما تعْلَمُ ". ولم يزلِ السلفُ الصالحُ يتَواصَوْنَ بِهَا، كان أبو بكرٍ الصديقُ ﵁، يقولُ في خطبتِهِ: أما بعدُ، فإنِّي أُوصيكُم بتقْوَى اللَّهِ، وأن تُثْنُوا عليه بما هو أهلُهُ،

стр. 343

وأن تَخلِطُوا الرغبةَ بالرهبةِ، وتجمعُوا الإلحافَ بالمسألةِ، فإنَّ اللَّهَ أثنى على زكريا وأهلِ بيتِهِ، فقالَ: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) . ولمَّا حضرتهُ الوفاةُ، وعهدَ إلى عمرَ، دعاهُ فوصَّاهُ بوصيَّةٍ، وأوَّلُ ما قالَ لهُ: اتَّقِ اللَّهَ يا عُمرُ. وكتبَ عُمَرُ إلى ابنِهِ عبدِ اللَهِ: أمَّا بعدُ، فإني أوصيك بتقوى اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فإنَّه من اتَّقاه وقاهُ، ومنْ أقرضَهُ جزاه، ومنْ شكرهُ زاده، فاجعلِ التَّقوى نصبَ عينيك وجلاء قلبك. واستعمل عليٌّ بنُ أبي طالبٍ رجلاً على لسَرِيَّةٍ، فقالَ لَهُ: أُوصيكَ بتقوى اللَّهِ الذي لا بُدَّ لك من لقائِهِ، ولا مُنتهى لك دونَه، وهو يَمِلكُ الدنيا والآخرة. وكتبَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى رجلٍ: أُوصيكَ بتقْوَى اللَّهِ التي لا يقبلُ غيرَها، ولا يرحَمُ إلا أهلَها، ولا يُثيبُ إلا عليها، فإنَّ الواعظينَ بها كثير، والعاملينَ بها قليل، جعلنا اللَّهُ وإيَّاك من المتقينَ. ولما وُلِّي خطبَ، فحَمِد اللَّهَ، وأثنى عليه، وقالَ: أُوصيكم بتقوى اللَّهِ عزَّ وجلَّ، فإنَّ تقوى اللَّهِ خلف من كلِّ شيءٍ، وليس من تقوى اللَّهِ خلَفٌ. وقالَ رجل ليونسَ بنِ عُبيدٍ: أوصِنِي، فقالَ: أُوصيك بتقوى اللَّهِ والإحسانِ. فإنَّ اللَّهَ مع الذين اتَّقوا والذين هم محسِنُون.

стр. 344

وقال له رجل يُريدُ الحَجَّ: أوصِنِي، فقالَ له: اتَّقِ اللَّهَ، فمن اتَّقى اللَّهَ فلا وحشةَ عليه. وقيل لرجل من التابعينَ عندَ موتِه: أوصِنَا، فقالَ: أوصيكُم بخاتمةِ سورةِ النحلِ: (إِنَّ اللَّهَ معَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون. وكتبَ رجل من السلفِ إلى أخٍ له: أوصيكَ بتقْوَى اللَّه، فإنَّها أكرمُ ما أسررتَ، وأزينُ ما أظهرتَ، وأفضلُ ما ادَّخرتَ، أعاننَا اللًّهُ وإيَّاك عليها. وأوجبَ لنا ولكَ ثوابَها. وكتبَ رجل إلى أخٍ لهُ: أُوصيكَ وأنفسَنا بالتقْوى، فإنَّها خيرُ زادِ الآخرةِ والأُولى، واجعلْهَا إلى كلِّ خيرٍ سبيلكَ، ومنْ كلِّ شرٍّ مهرَبك، فقدْ توكل اللَّهُ لأهلِهَا بالنجاةِ مما يحذرُون، والرزق من حيثُ لا يحتسبونَ. وقالَ شعبةُ: كنتُ إذا أردتُ الخروجَ، قلتُ للحكم: ألك حاجة؟ فقال: أوصيكَ بما أوصَى به النبيّ ﷺ معاذَ بنَ جبلٍ: "اتَّق اللهَ حيثُما كنتَ، وأتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تمْحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ ". وقد ثبتَ عن النبيِّ ﷺ أنه كان يقولُ في دعائه: "اللَهُمَّ إني أسألُك الهُدى والتُّقى والعفَّة والغِني ". * * *

стр. 345

قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) قال اللَهُ : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) . وقد قرئ "الدركُ " بسكونِ الراءِ وتحريكِها وهىَ لغتانِ، قال الضحاكُ: الدرْكُ إذا كان بعضُها فوقَ بعضٍ، والدرَكُ إذا كان بعضُها أسفلَ من بعضٍ، وقال غيرُه: الجنةُ درجاتٌ والنارُ دركاتٌ. وقد تسمَّى النارُ درجاتٍ أيضًا، كما قالَ تعالى بعد أن ذكر أهلَ الجنةِ وأهلَ النارِ: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مَمَّا عَمِلُوا) ، وقال: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) . قال عبدُ الرحمن بن زيد بنِ أسلمَ: درجاتُ الجنةِ تذهبُ علوًّا ودرجاتُ النارِ تذهبُ سُفُولاً. وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن عكرمةَ في قولِهِ تعالى: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) ، قالَ: لها سبعةُ أطباقٍ. وعن قتادةَ: (لِّكُلِّ بَاب مِنْهُمْ جُزْءٌ مًقْسُومٌ) ، قال: هي واللَّهِ منازلٌ بأعمالهم. وعن يزيدَ بنِ أبي مالكٍ الهمدانيِّ، قال: لجهنمَ سبعةُ نيران تأتلق ليس منها نارٌ إلا وهي تنظرُ إلى التي تحتَه مخافةَ أن تأكلَها. وعن ابنِ جريجٍ في قولِهِ: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) قال: أوَّلها جهنَّمُ. ثمَّ لظَى، ثم الحطمةُ، ثم السعيرُ، ثم سقر، ثم الجحيمُ، ثم الهاويةُ، وفيها أبو جهل. وروى سلامُ المدائنيُّ - وهو ضعيفٌ - عن الحسنِ عن أبي سنانَ عن

стр. 346

الضحاكِ، قالَ: للنارِ سبعةُ أبوابٍ هي سبعةُ أدراكٍ بعضُها على بعضٍ. فأعلاَها فيه أهلُ التوحيدِ يعذبَون على قدرِ أعمالهم وأعمارهم في الدنيا ثم يخرجون منها، وفي الثاني اليهودُ، وفي الثالثِ النَّصَارى، وفي الرابع الصابئُون، وفي الخامسِ المجوسُ، والسادسُ فيه مشركُو العربِ، وفي السابع المنافقونَ، وهو قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) . وروى العلاءُ بنُ المسيبِ عن أبيهِ وخيثمةُ بنُ عبدِ الرحمن قالا: قالَ ابنُ مسعودٍ: أيُّ أهلِ النارِ أشدُّ عذابًا؟ قالُوا: اليهودُ والنصارَى والمجوسُ، قال: لا ولكن المنافقينَ في الدركِ الأسفلِ من النارِ في توابيت من نارٍ مطبقةٍ عليهم ليسَ لها أبوابٌ. ورَوى عاصمٌ عن أبي صالح عن أبي هريرةَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) ، قال: الدركُ الأسفلُ بيوتّ لها أبوابٌ تطبقُ عليها فيوقدُ من فوقِهم ومن وتحتِهم، قال تعالى: (لَهُم مِّن فوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) . وقال ابنُ المباركِ، عن يحيى بن أيوبَ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ زحرٍ، عن أبي يسارٍ قال: الظلةُ من جهنَّمَ فيها سبعونَ زاويةً، في كلّ زاويةٍ صنفٌ من العذابِ ليسَ في الأخرى. وروى ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن كعب، قال: اقتحامُ العقبةِ في كتابِ اللهِ، يعني قوله: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) ، سبعينَ درجةً في النار. وعن ضمرةَ قالَ: سمعتُ أبا رجاء قال: بلغَنِي أنَّ العقبةَ التي ذكرَ اللَهُ في كتابِهِ مطلعهَا سبعةُ آلافِ سنة ومهبطُهَا سبعةُ آلافِ سنةٍ.

стр. 347

وعن عطيةَ عن ابنِ عمرَ، قال في العقبةِ: جبلٌ في جهنَّم، أفلا أجاوزه بعتقِ رقبةٍ؟!! وعن مقاتلِ بنِ حئانَ قال: هيَ عقبةٌ في جهنَّم، قيلَ: بأيِّ شيءٍ تُقطعُ. قال: رقبةٌ. وفي "الصحيحينِ " ولفظُه للبخاريِّ عن ابنِ عمرَ، قال: رأيتُ في المنامِ أنه جاءني ملكانِ في يدِ كلِّ واحدٍ منهما مقمعةٌ من حديد، ثم لقيني ملكٌ في يدِهِ مقمعةٌ من حديدٍ، قالُوا: لنْ تُرع، نِعْمَ الرجلُ أنتَ كنتَ تكثرُ الصلاةَ من الليلِ، فانطلقُوا بي حتَّى وقفُوا بي على شفير جهنَّم، فإذا هي مطويةٌ كطي البئر لها قرونٌ كقرونِ البئر، بين كلِّ قرنينِ ملكٌ بيدِهِ مقمعةٌ من حديدٍ، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسِلِ رءوسُهُم أسفلُهم، وعرفت رجالاً من قريشٍ فانصرفُوا بي عن ذاتِ اليمين، فقصصتُها على حفصةَ، فقصتها حفصةُ على رسول اللهِ ﷺ فقال: "إنَّ عبدَ اللَّهِ رجلٌ صالحٌ ". عن خالدِ بنِ عميرٍ، قال: خطبنا عتبةُ بنُ غزوانَ فقال: إنَّه ذُكِر لنا أنَّ الحجرَ يُلقى من شفةِ جهنَم فيهوِي فيها سبعينَ عامًا ما يدركُ لها قعرًا، واللَّهِ لنملأنَّه، أفعجبْتُم؟ خرَّجهُ هكذا مسلمٌ موقوفًا، وخرَّجه الإمامُ أحمدُ موقوفًا ومرفوعًا والموقوفُ أصح. وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ الحسنِ، قال: قال عتبةُ بنُ غزوانَ على منبرِنَا هذا - يعني منبرَ البصرةِ - عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الصخرة العظيمةَ لتُلقَى من شفيرِ جهنَّم فتهوِي سبعينَ عامًا وما تفضي إلى قعرها". قال: وكان عمرُ يقول:

стр. 348

أكثِرُوا ذكرَ النارِ، فإنَّ حرَّها شديدٌ، وإن قعرَهَا بعيدٌ، وإن مقامِعَها حديد. ثم قالَ: لا يعُرفُ للحسنِ سماعٌ من عتبةَ بنِ غزوانَ. وخرَّج مسلمٌ أيضًا من حديثِ أبي هريرةَ، قالَ: كُنَّا عندَ النبي ﷺ يومًا فسمعنا وجبةً، فقالَ النبيُّ ﷺ : "أتدرونَ ما هذا؟ " فقلنا: الله ورسولُه أعلمُ. قالَ: "هذا حجرٌ أرسلَ في جهنَّم منذ سبعينَ خرِيفا، فالآنَ انتهَى إلى قعرِهَا". وخرَّج أيضًا عن أبي هريرةَ قالَ: والذي نفسُ أبي هريرةَ بيدِهِ، إنَّ قعرَ جهنَم لسبعين خرِيفًا. وخرَّج الحاكمُ منْ حديثِ أبي هريرةَ أيضًا عن النبيِّ ﷺ قالَ: "لو أُخذَ سبعُ خلفاتٍ بشحومهنَّ فألقينَ من شفيرِ جهنم ما انتهينَ إلى آخرِهَا سبعينَ عامًا". وخرَّج البزارُ والطبرانيُّ من حديثِ بريدةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إنَ الحجرَ ليزنُ سبعَ خلفاتٍ يُرمى به في جهنَّمَ فيهوِي سبعينَ خرِيفًا، وما يبلغُ قعرَهَا". وخرَّج ابنُ حبانَ في "صحيحِهِ " من حديثِ أبي مُوسى الأشعريِّ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "لو أنَّ حجرًا قُذفَ به في جهنَّم لهوَى سبعينَ خرِيفًا قبل أن يبلغَ قعرَها". وقد سبقَ من حديثِ أنسٍ وأبي سعيدٍ مَعنى حديثِ أبي هريرةَ في سماع الهدَّةِ.

стр. 349

وقال ابنُ المباركِ: أنبأنا يونسُ عن الزهريِّ، قالَ: بلغنا أنَّ معاذَ بنَ جبلٍ كانَ يحدِّثُ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "والذي نفْسِي بيدِه إنَّ ما بينَ شفةِ النارِ وقعرها كصخرةٍ زنةُ سبع خلفات بشحومهن ولحومِهِنَّ وأولادهِنًّ، تهوي من شفة النارِ قبلَ أن تبلغُ قعرَها سبعينَ خريِفًا". قال ابنُ المباركِ: وإنَّ هُشيْمًا قالَ: أخبرني زكريا بنُ أبي مريمَ الخزاعيُّ. قال: سمعتُ أبا أمامةَ يقولُ: إنَّ ما بين شفيرِ جهنَّم مسيرةَ سبعينَ خرِيفًا من حجرٍ يهوي أو صخرةٍ تهوي عظَمُها لعِظَمُ عشرِ عُشراواتٍ عظامٍ سمان، فقال له رجل: هلْ تحتَ ذلك منْ شيءٍ يا أبا أمامةَ؛ قالَ: نعمْ، غيّ وآثام. وقد رُوي هذا بإسنادٍ فيه ضعف من طريقِ لقمانَ بنِ عامرٍ عن ابي أمامةَ عن النبيِّ ﷺ ، وزادَ فيه قلتُ: وما غيٌّ وما آثام؟ قال: "بئرٌ يسيلُ فيهما صديدُ أهلِ النارِ". وهما اللتانِ ذكرَهُما اللَّهُ تعالى في كتابِهِ (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) . وفي الفرقان: (يَلْقَ أَثَامًا) . والموقوفُ أصحُّ. وقد رُوي من وجهٍ آخرٍ، قالَ حريزُ بنُ عثمانَ: حدَّثَنِي عبدُ الرحمنِ بنُ ميسرةَ الحضرمي عن أبي أمامةَ أنه كانَ يقولُ: إنَّ جهنَّم ما بينَ شفتيَها إلى قعرِها سبعون، أو قالَ: خمسونَ خرِيفًا للحجرِ المتردِّي، والحجر مثلُ سبع خلفاتٍ مملوءةٍ شحمًا ولحمًا. خرَّجه الجوزجَانيُ. وروى مجالدٌ عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "ما منْ حاكمٍ يحكمُ بينَ الناسِ إلا يُحبسُ يومَ القيامةِ وملكٌ آخذٌ بقفاهُ حتى يقِفَهُ

стр. 350

على جهنَّم، ثم يرفعُ رأسَهُ إلى اللَهِ ، فإنْ قالَ له: ألقِهِ ألقاهُ في مَهوى أربعينَ خرِيفًا" خرَّجه الإمامُ أحمدُ. وروى عبدُ اللَّهِ بنُ الوليدِ الوصافيُّ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبيدِ بنِ عميرٍ عن أبيه، قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ : "يجاءُ بالوالي يومَ القيامةِ فينبذُ على جسرِ جهنمَ فيرتجّ ذلك الجسرُ به ارتجاجة لا يبقى منه مفصلٌ إلا زالَ عن مكانِهِ، فإن كان مُطيعًا للَّهِ في عملهِ مَضَوا به، وإنْ كانَ عاصيًا للَّهِ في عملهِ انخرقَ به الجسرُ، فيهوِي في جهنَّم مقدارَ خمسينَ عامًا" فقال له عمرُ: من يطلبُ العملَ بعدَ هذا؟ قال أبو ذرٍّ: من سلتَ الله أنفه وألصق خدَّه بالترابِ، فجاء أبو الدرداءِ فقال له عمرُ: يا أبا الدرداءِ هلْ سمعتَ من النبيِّ ﷺ حديثًا حدَّثني به أبو ذرٍّ، قالَ: فأخبره أبو ذرٍّ فقال: نعمْ ومع الخمسينَ خمسونَ عامًا يهوِي به إلى النارِ، الوصافيُّ لا يحفظُ الحديثَ، كان شيخًا صالحًا ﵀. وروى سويدُ بنُ عبدِ العزيزِ وفيه ضعفٌ شديدٌ عن سيار عن أبي وائلٍ أنَّ أبا ذرٍّ قال لعمرَ: سمعتُ رسول اللَّهِ ﷺ يقول فذكرَ معناه، وفي حديثه: "وإنْ كان مسيئًا انخرقَ به الجسرُ فهوَى في قعرِهَا سبعينَ خرِيفا". وفي موعظة الأوزاعيِّ للمنصورِ، قال: أخبرَني يزيدُ بنُ جابر، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عمرةَ الأنصاريِّ أن أبا ذرٍّ وسلمانَ قالا لعمر: سمعنا سول اللهِ ﷺ يقولُ، فذكراه بمعناهُ. وقال: (هَوَى به في النارِ سبعينَ خرِيفًا". وفي "الصحيحين " عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ ما يتبينُ فيها، يزلَُّ بها في النارِ أبعدَ ما بين المشرقِ والمغربِ ".

стр. 351

وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمة لايَرى بها بأسًا يهوِي بها في النارِ سبعينَ خرِيفًا". وخرَّج البزارُ نحوَه من حديثِ ابنِ مسعود عن النبيِّ ﷺ . وفي "تفسيرِ ابنِ جريرٍ" من روايةِ العوفي عن ابنِ عباسٍ، في قولِهِ تعالى: (وقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً) . قالَ: ذُكِرَ أنَّ اليهودَ وجدُوا في التوراةِ مكتوبًا أن ما بينَ طرفي جهنَم مسيرةُ أربعينَ سنةً إلى أن ينتهوا إلى شجرةِ الزقومِ ثابتة في أصل الجحيم. وكان ابن عباسٍ يقولُ: إن الجحيمَ سقر وفيها شجرةُ الزقومِ، فزعمَ أعداءُ اللَّه أنه إذا خَلا العددُ الذي وجدُوا في كتابِهِم أيامًا معدودةً، وإنما يعني بذلكَ السيرَ الذي ينتهي إلى أصلِ الجحيم، فقالُوا: إذا خلا العدد انقضى الأجلُ فلا عذابَ، وتذهبُ جهنم وتهلكُ، فذلك قولُهُ: (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا معْدُودَةً) . يعنون بذلكَ الأجلَ، فقالَ ابنُ عباس: لما اقتحمُوا من بابِ جهنَّم سارُوا في العذابِ حتى انتهَوا إلى شجرةِ الزقومِ آخرُ يومٍ من الأيامِ المعدودة. وهي أربعونَ سنةً، فلمَّا أكلُوا من شجرةِ الزقومِ وملؤوا البطونَ آخرَ يومٍ من الأيامِ المعدودةِ، قال لهمْ خزنةُ سقر: زعمتُم أنكم لن تمسَّكُمَ النارُ إلا أيامًا معدودةً وقد خلا العددُ وأنتم في الأبدِ، فأخذَ بهم في الصعودِ في جهنم يرهقونَ. ففي هذه الروايةِ عن ابنِ عباسٍ أنَّ قعرَ جهنَّمَ ومسافةَ عمقِها أربعونَ عامًا. وأنَّ ذلك هو معنى ما في التوراةِ، ولكنَّ اليهودَ حرَّفُوه فجعلوهُ مسافةَ ما بين طرفيَها، وزعمُوا أنه إذا انقضتْ هذه المدةُ أنَّ جهنَّم تخربُ وتهلك، فإنَّ ذلك

стр. 352

من كذبِهِم على اللَّهِ، وتحرِيفِهِم التوراة. * * * قوله تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) ورُوي عنِ ابنِ عباسٍ، في قولِهِ تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) ، قال: لا يحبُّ اللَّه أن يدعُو أحدٌ على أحدٍ، إلا أن يكونَ مظلومًا، فإنَه قد رُخِّصَ لهُ أن يدعُوَ على من ظلَمَهُ، وذلكَ قولُهُ تعالى: (إِلاَّ مَن ظُلِم) ، ومن صَبَرَ فهوَ خيرٌ. وقال الحسنُ: قد أرخصَ له أن يدعوَ على من ظَلَمَهُ، وذلكَ قوله تعالى: (إِلاَّ مَن ظُلِم) ، ومن صبر فهو خيرٌ. وقال الحسنُ: قد أرخصَ له أن يدعوَ على من ظلَمَه، من غيرِ أن يعتَدِي عليهِ. وروي عنه قالَ: لا تدعُ علِيه، ولكنْ قُل: اللَّهُمَّ أعني عليه. واستخرِج حقِّي منه. * * *

стр. 353

قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِ مَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) وقد اختلفَ العلماءُ في معنى قولِهِ ﷺ : "ألحقُوا الفرائضَ بأهلِهَا": فقالتْ طائفةٌ: المرادُ بالفرائضِ الفروضُ المقدَّرةُ في كتابِ اللَهِ تعالى. والمرادُ: أعطُوا الفروضَ المقدرةَ لمن سمَّاها اللَهُ لهم، فما بقِيَ بعدَ هذه الفروضِ، فيستحقّه أوْلى الرجال، والمرادُ بالأوْلى: الأقربُ، كما يقال: هذا يلي هذا، أي: يَقرُبُ منه، فأقربُ الرجال هو أقربُ العَصَباتِ، يستحقُّ الباقي بالتعصيبِ، وبهذا المعنى فسَّر الحديثَ جماعةٌ من الأئمةِ، منهم: الإمامُ أحمدُ، وإسحاقُ بنُ رَاهويه، نقله عنهما إسحاقُ بنُ منصورٍ. وعلى هذا، فإذا اجتمعَ بنتٌ وأختٌ وعمٌّ، أو ابنُ عم، أو ابنُ أخ. فينبغِي أن يأخذَ الباقِي بعدَ نصف البنتِ العصبةُ، وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وكان يتمسَّكُ بهذا الحديثِ، ويقر بأنًّ النَّاسَ كلَّهم على خلافِهِ، وذهبتْ الظاهريةُ إلى قولِهِ أيضًا. وقال إسحاقُ: إذا كانَ مع البنتِ والأختِ عصبةٌ، فالعصبةُ أوْلَى، وإن لى يكن معَهُمَا أحدٌ، فالأختُ لها الباقى، وحُكي عن ابنِ مسعودٍ، أنه قالَ: البنتُ عصبةُ مَنْ لا عصبَةَ له، ورَدَّ بعضُهم هذا، وقال: لا يصحُّ عن ابنِ مسعودٍ. وكان ابنُ الزبيرِ ومسروقّ يقولانِ بقولِ ابنِ عباسٍ، ثم رجعَا عنه. وذهب جمهورُ العلماءِ إلى أن الأختَ مع البنتِ عصبةٌ لها ما فضلَ،

стр. 354

منهم: عمرُ، وعليّ، وعائشةُ، وزيد، وابنُ مسعودٍ، ومعاذُ بنُ جبلٍ. وتابعهم سائرُ العلماءِ. وروى عبدُ الرزاقِ، أخبرنا ابنُ جريج: سألتُ ابنَ طاووس عن ابنةٍ وأختٍ، فقالَ: كانا أبي يذكرُ عن ابنِ عباسٍ، عن رجلٍ، عن النبيِّ ﷺ فيها شيئًا، وكان طاووسُ لا يرضَى بذلكَ الرجلِ، قالَ: وكان أبي يشكُّ فيها، ولا يقولُ فيها شيئًا، وقد كانَ يسأل عنْهَا. والظاهرُ - واللَّهُ أعلمُ -: أن مرادَ طاووس هو هذا الحديث، فإنَّ ابنَ عباسٍ لم يكنْ عندَهُ نصّ صريحٌ عن النبيِّ ﷺ في ميراثِ الأختِ مع البنتِ، إنما كان يتمسك بمثلِ عمومِ هذا الحديثِ. وما ذكره طاووسٌ أن ابنَ عباسٍ رواه عن رجل وأنه لا يرضاه، فابن عباسٍ أكثرُ رواياته للحديثِ عن الصحابةِ، والصحابةُ كلُّهم عدولٌ قد رضي اللَّه عنهم، وأثنى عليهم، فلا عبرةَ بعد ذلك بعدمِ رضا طاووس. وفي "صحيح البخاريِّ " عن أبي قَيْسٍ الأوْديِّ، عن هُزيلِ بنِ شرحبيلَ. قالَ: جاءَ رجلٌ إلى أبي مُوسى، فسألَهُ عن ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأختٍ لأبٍ وأمٍّ. فقالَ: للابنةِ النصفُ، وللأختِ ما بَقِيَ وائتَ ابنَ مسعودٍ فسيُتابعني، فأتى ابنَ مسعودٍ، فذكر ذلك له، فقال: لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين. لأقضينَّ فيها بقضاءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : للابنةِ النِّصف، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ تكْمِلَةُ الثلثين، وما بَقِيَ، فللأختِ، قال: فأتينا أبا مُوسى، فأخبرناه بقولِ ابنِ مسعودٍ، فقالَ: لا تسألونُي ما دامَ هذا الحَبْرُ فيكُم. وفيه - أيضًا - عن الأعْمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ بنِ يزيدَ، قال:

стр. 355

قَضى فينا معاذُ بنُ جبلٍ على عهدِ رسولِ الله ﷺ : النصفُ للابنة، والنصفُ للأختِ، ثم تركَ الأعْمشُ ذِكْرَ عهْدِ رسولِ اللًّهِ ﷺ ، فلم يذكره. وحْرَّجه أبو داود من وجهٍ آخرَ عن الأسودِ، وزادَ فيه: ونبيُّ اللَهِ ﷺ يومئذٍ حي. واستدلَّ ابنُ عباسٍ لقولِهِ بقولِ اللَّهِ : (قلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) ، وكان يقولُ: أأنتم أعلمُ أمِ اللَّهُ؟ يعني أن اللَّهَ لم يجعلْ لها النصفَ إلا مع عدمِ الولد، وأنتم تجعلونَ لها النصفُ مع الولدِ وهو البنت. والصوابُ: قولُ عمرَ والجمهورِ، ولا دلالةَ في هذه الآيةِ على خلافِ ذلكَ، لأن المرادَ بقولِهِ: (فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) بالفرضِ، وهذا مشروطٌ بعدمِ الولدِ بالكلية، ولهذا قال بعدَهُ: (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلثَانِ مِمَّا تَرَكَ) ، يعني بالفرضِ، والأخت الواحدةِ إنَّما تأخذُ النصفَ مع عدمِ وجودِ الولدِ الذكرِ والأنثى، وكذلك الأختان فصاعدًا إنما يستحقُّون الثُّلثين مع عدمِ وجودِ الولدِ الذكرِ والأنثى، فإن كان هناك ولدٌ، فإن كان ذكرًا، فهو مقدَّمٌ على الإخوةِ مطلقًا ذكورهم وإناثهم، وإن لم يكن هناكَ ولدٌ ذكرٌ، بل أنثى، فالباقِي بعد فرضِها يستحقُّهُ الأخُ مع أختِهِ بالاتفاقِ، فإذا كانت الأختُ لا يُسقِطُها أخوها، فكيفَ يُسقطها من هو أبعدُ منه من العَصَباتِ كالعمِّ وابنِهِ؛ وإذا لم يكن العصبةُ الأبعدُ مسقطَا لها، فيتعيَّنُ تقديمُها عليه، لامتناع مشاركتِهِ لها.
следующие страницы →