Полный текст (1 372 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ
ﷺ قالَ:
"إنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمة لايَرى بها بأسًا يهوِي بها في النارِ سبعينَ
خرِيفًا".
وخرَّج البزارُ نحوَه من حديثِ ابنِ مسعود عن النبيِّ ﷺ .
وفي "تفسيرِ ابنِ جريرٍ" من روايةِ العوفي عن ابنِ عباسٍ، في قولِهِ تعالى:
(وقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً) .
قالَ: ذُكِرَ أنَّ اليهودَ وجدُوا في التوراةِ مكتوبًا أن ما بينَ طرفي جهنَم مسيرةُ
أربعينَ سنةً إلى أن ينتهوا إلى شجرةِ الزقومِ ثابتة في أصل الجحيم.
وكان ابن عباسٍ يقولُ: إن الجحيمَ سقر وفيها شجرةُ الزقومِ، فزعمَ أعداءُ اللَّه أنه إذا خَلا العددُ الذي وجدُوا في كتابِهِم أيامًا معدودةً، وإنما يعني بذلكَ
السيرَ الذي ينتهي إلى أصلِ الجحيم، فقالُوا: إذا خلا العدد انقضى الأجلُ فلا عذابَ، وتذهبُ جهنم وتهلكُ، فذلك قولُهُ: (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا معْدُودَةً) .
يعنون بذلكَ الأجلَ، فقالَ ابنُ عباس: لما اقتحمُوا من بابِ جهنَّم
سارُوا في العذابِ حتى انتهَوا إلى شجرةِ الزقومِ آخرُ يومٍ من الأيامِ المعدودة.
وهي أربعونَ سنةً، فلمَّا أكلُوا من شجرةِ الزقومِ وملؤوا البطونَ آخرَ يومٍ من
الأيامِ المعدودةِ، قال لهمْ خزنةُ سقر: زعمتُم أنكم لن تمسَّكُمَ النارُ إلا أيامًا
معدودةً وقد خلا العددُ وأنتم في الأبدِ، فأخذَ بهم في الصعودِ في جهنم
يرهقونَ.
ففي هذه الروايةِ عن ابنِ عباسٍ أنَّ قعرَ جهنَّمَ ومسافةَ عمقِها أربعونَ عامًا.
وأنَّ ذلك هو معنى ما في التوراةِ، ولكنَّ اليهودَ حرَّفُوه فجعلوهُ مسافةَ ما بين
طرفيَها، وزعمُوا أنه إذا انقضتْ هذه المدةُ أنَّ جهنَّم تخربُ وتهلك، فإنَّ ذلك
стр. 352
من كذبِهِم على اللَّهِ، وتحرِيفِهِم التوراة.
* * *
قوله تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)
ورُوي عنِ ابنِ عباسٍ، في قولِهِ تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) ، قال: لا يحبُّ اللَّه أن يدعُو أحدٌ على أحدٍ، إلا أن
يكونَ مظلومًا، فإنَه قد رُخِّصَ لهُ أن يدعُوَ على من ظلَمَهُ، وذلكَ قولُهُ
تعالى: (إِلاَّ مَن ظُلِم) ، ومن صَبَرَ فهوَ خيرٌ.
وقال الحسنُ: قد أرخصَ له أن يدعوَ على من ظَلَمَهُ، وذلكَ قوله تعالى:
(إِلاَّ مَن ظُلِم) ، ومن صبر فهو خيرٌ.
وقال الحسنُ: قد أرخصَ له أن يدعوَ على من ظلَمَه، من غيرِ أن يعتَدِي
عليهِ.
وروي عنه قالَ: لا تدعُ علِيه، ولكنْ قُل: اللَّهُمَّ أعني عليه.
واستخرِج حقِّي منه.
* * *
стр. 353
قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِ مَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)
وقد اختلفَ العلماءُ في معنى قولِهِ ﷺ :
"ألحقُوا الفرائضَ بأهلِهَا":
فقالتْ طائفةٌ: المرادُ بالفرائضِ الفروضُ المقدَّرةُ في كتابِ اللَهِ تعالى.
والمرادُ: أعطُوا الفروضَ المقدرةَ لمن سمَّاها اللَهُ لهم، فما بقِيَ بعدَ هذه
الفروضِ، فيستحقّه أوْلى الرجال، والمرادُ بالأوْلى: الأقربُ، كما يقال: هذا يلي هذا، أي: يَقرُبُ منه، فأقربُ الرجال هو أقربُ العَصَباتِ، يستحقُّ الباقي بالتعصيبِ، وبهذا المعنى فسَّر الحديثَ جماعةٌ من الأئمةِ، منهم: الإمامُ أحمدُ، وإسحاقُ بنُ رَاهويه، نقله عنهما إسحاقُ بنُ منصورٍ.
وعلى هذا، فإذا اجتمعَ بنتٌ وأختٌ وعمٌّ، أو ابنُ عم، أو ابنُ أخ.
فينبغِي أن يأخذَ الباقِي بعدَ نصف البنتِ العصبةُ، وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وكان يتمسَّكُ بهذا الحديثِ، ويقر بأنًّ النَّاسَ كلَّهم على خلافِهِ، وذهبتْ الظاهريةُ إلى قولِهِ أيضًا.
وقال إسحاقُ: إذا كانَ مع البنتِ والأختِ عصبةٌ، فالعصبةُ أوْلَى، وإن لى
يكن معَهُمَا أحدٌ، فالأختُ لها الباقى، وحُكي عن ابنِ مسعودٍ، أنه قالَ:
البنتُ عصبةُ مَنْ لا عصبَةَ له، ورَدَّ بعضُهم هذا، وقال: لا يصحُّ عن ابنِ
مسعودٍ.
وكان ابنُ الزبيرِ ومسروقّ يقولانِ بقولِ ابنِ عباسٍ، ثم رجعَا عنه.
وذهب جمهورُ العلماءِ إلى أن الأختَ مع البنتِ عصبةٌ لها ما فضلَ،
стр. 354
منهم: عمرُ، وعليّ، وعائشةُ، وزيد، وابنُ مسعودٍ، ومعاذُ بنُ جبلٍ.
وتابعهم سائرُ العلماءِ.
وروى عبدُ الرزاقِ، أخبرنا ابنُ جريج: سألتُ ابنَ طاووس عن ابنةٍ
وأختٍ، فقالَ: كانا أبي يذكرُ عن ابنِ عباسٍ، عن رجلٍ، عن النبيِّ ﷺ فيها شيئًا، وكان طاووسُ لا يرضَى بذلكَ الرجلِ، قالَ: وكان أبي يشكُّ فيها، ولا يقولُ فيها شيئًا، وقد كانَ يسأل عنْهَا.
والظاهرُ - واللَّهُ أعلمُ -: أن مرادَ طاووس هو هذا الحديث، فإنَّ ابنَ عباسٍ لم يكنْ عندَهُ نصّ صريحٌ عن النبيِّ ﷺ في ميراثِ الأختِ مع البنتِ، إنما كان يتمسك بمثلِ عمومِ هذا الحديثِ.
وما ذكره طاووسٌ أن ابنَ عباسٍ رواه عن رجل وأنه لا يرضاه، فابن
عباسٍ أكثرُ رواياته للحديثِ عن الصحابةِ، والصحابةُ كلُّهم عدولٌ قد رضي
اللَّه عنهم، وأثنى عليهم، فلا عبرةَ بعد ذلك بعدمِ رضا طاووس.
وفي "صحيح البخاريِّ " عن أبي قَيْسٍ الأوْديِّ، عن هُزيلِ بنِ شرحبيلَ.
قالَ: جاءَ رجلٌ إلى أبي مُوسى، فسألَهُ عن ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأختٍ لأبٍ وأمٍّ.
فقالَ: للابنةِ النصفُ، وللأختِ ما بَقِيَ وائتَ ابنَ مسعودٍ فسيُتابعني، فأتى
ابنَ مسعودٍ، فذكر ذلك له، فقال: لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين.
لأقضينَّ فيها بقضاءِ رسولِ اللَّهِ ﷺ :
للابنةِ النِّصف، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ تكْمِلَةُ الثلثين، وما بَقِيَ، فللأختِ، قال: فأتينا أبا مُوسى، فأخبرناه بقولِ ابنِ مسعودٍ، فقالَ: لا تسألونُي ما دامَ هذا الحَبْرُ فيكُم.
وفيه - أيضًا - عن الأعْمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ بنِ يزيدَ، قال:
стр. 355
قَضى فينا معاذُ بنُ جبلٍ على عهدِ رسولِ الله ﷺ : النصفُ للابنة، والنصفُ للأختِ، ثم تركَ الأعْمشُ ذِكْرَ عهْدِ رسولِ اللًّهِ ﷺ ، فلم يذكره.
وحْرَّجه أبو داود من وجهٍ آخرَ عن الأسودِ، وزادَ فيه: ونبيُّ اللَهِ ﷺ يومئذٍ حي.
واستدلَّ ابنُ عباسٍ لقولِهِ بقولِ اللَّهِ :
(قلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) ، وكان يقولُ: أأنتم أعلمُ أمِ اللَّهُ؟
يعني أن اللَّهَ لم يجعلْ لها النصفَ إلا مع عدمِ الولد، وأنتم تجعلونَ لها النصفُ مع الولدِ وهو البنت.
والصوابُ: قولُ عمرَ والجمهورِ، ولا دلالةَ في هذه الآيةِ على خلافِ
ذلكَ، لأن المرادَ بقولِهِ: (فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) بالفرضِ، وهذا
مشروطٌ بعدمِ الولدِ بالكلية، ولهذا قال بعدَهُ: (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلثَانِ مِمَّا تَرَكَ) ، يعني بالفرضِ، والأخت الواحدةِ إنَّما تأخذُ النصفَ مع
عدمِ وجودِ الولدِ الذكرِ والأنثى، وكذلك الأختان فصاعدًا إنما يستحقُّون
الثُّلثين مع عدمِ وجودِ الولدِ الذكرِ والأنثى، فإن كان هناك ولدٌ، فإن كان
ذكرًا، فهو مقدَّمٌ على الإخوةِ مطلقًا ذكورهم وإناثهم، وإن لم يكن هناكَ ولدٌ ذكرٌ، بل أنثى، فالباقِي بعد فرضِها يستحقُّهُ الأخُ مع أختِهِ بالاتفاقِ، فإذا كانت الأختُ لا يُسقِطُها أخوها، فكيفَ يُسقطها من هو أبعدُ منه من
العَصَباتِ كالعمِّ وابنِهِ؛ وإذا لم يكن العصبةُ الأبعدُ مسقطَا لها، فيتعيَّنُ تقديمُها
عليه، لامتناع مشاركتِهِ لها.
стр. 356
فمفهومُ الآيةِ: أن الولدَ يمنعُ أن يكون للأختِ النصفُ بالفرضِ، وهذا
حقٌّ، ليس مفهومُها أنَّ الأختَ تسقطُ بالبنتِ، ولا تأخذُ ما فضل من
ميراثِهَا، يدلُّ عليه قولُهُ تعالى: (وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ) .
وقد أجمعتِ الأُمَّةُ على أنَّ الولدَ الأُنثى لا يمنعُ الأخَ أن يرثَ من مالِ أختِهِ ما
فضلَ عن البنتِ أو البناتِ، وإنَّما وجودُ الولدِ الأنثى يمنعُ أنْ يجوزَ الأخُ
ميراثَ أختِهِ كُلَّه، فكما أنَّ الولدَ إن كانَ ذكرًا، منعَ الأخَ من الميراثِ، وإن
كان أنثى، لم يمنعْهُ الفاضلَ عن ميراثِهَا، وإن منعَهُ حيازةَ الميراثِ، فكذلك
الولدُ إن كانَ ذكرًا منَعَ الأختَ الميراثَ بالكليةِ، وإن كانَ أنثى، منعتِ الأختَ أن يفرضَ لها النصفُ، ولم تمنعْهَا أن تأخذَ ما فَضَلَ عن فرضها، واللَّهُ
أعلمُ.
وأمَّا قولُهُ: "فما أبقتِ الفرائضُ، فلأوْلى رَجُلٍ ذكر".
فقد قيل: إنَّ المرادَ به العَصَبةُ البعيدُ خاصَّةً، كبني الإخوةِ والأعمامِ وبنيهم، دون العصبةِ القريبِ، بدليلِ أنَّ الباقي بعدَ الفروضِ يشتركُ فيه الذكرُ والأنثى إذا كانَ العصبةُ قريبًا، كالأولادِ والإخوةِ بالاتفاقِ، فكذلك الأختُ مع البنتِ بالنصِّ الدالِّ عليهِ.
وأيضًا فإنه يُخَصُّ منه هذه الصورُ بالاتفاقِ، وكذلك يُخصُّ منه المُعْتَقةُ
مولاة النعمة بالاتفاقِ، فتخصُّ صورةُ الأختِ مع البنتِ بالنصِّ.
وقالتْ طائفة آخرونَ: المرادُ بقولِهِ: "ألحقُوا الفرائضَ بأهلِهَا":
ما يستحقُّه ذوو الفروضِ في الجملةِ، سواء أخذُوه بفرضٍ أو بتعصيبٍ طرأ لهُم، والمرادُ بقولِهِ: "فما بَقِيَ، فلأوْلى رجلٍ ذكر" العصبةُ الذي ليس له فَرْضٌ بحالٍ.
ويدلُّ عليه أنه قد رُوي الحديثُ بلفظ آخرَ، وهو: "اقسِموا المالَ بينَ أهلِ
الفرائضِ على كتابِ اللَّهِ "
стр. 357
، فدخلَ في ذلكَ كلُّ من كل مَن مِنْ أهلِ الفروضِ بوجه
من الوجوهِ.
وعلى هذا، فما تأخذُهُ الأختُ مع أخيها، أو ابنِ عمِّها إذا عصبَهَا هو
داخل في هذه القسمةِ، لأنها منْ أهلِ الفرائضِ في الجملةِ، فكذلكَ ما تأخذُه
الأختُ مع البنتِ.
وقالتْ فرقة أخرى: المرادُ بأهلِ الفرائضِ في قولِهِ: "ألحقُوا الفرائضَ
بأهلها"، وقولُهُ: "اقسموا المالَ بين أهلِ الفرائضِ "، جملةُ من سمَّاه اللهُ في كتابِهِ من أهلِ المواريثِ من ذوي الفروضِ والعصباتِ كلّهم، فإنَّ كلَّ ما يأخذهُ الورثةُ، فهو فرض فرضَهُ اللَّهُ لهُم، سواء كان مقدَّرًا أو غيرَ مقدر، كما قالَ بعدَ ذكرِ ميراثِ الوالدينِ والأرلادِ:
(فَرِيضَةً منَ اللَّهِ) ، وفيهم ذو فرضٍ وعصبةٍ، وكما قال:
(لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) .
وهذا يشملُ العَصَباتِ وذوي الفروضِ، فكذلكَ قولُهُ:
"اقسِمُوا الفرائضَ بين أهلها على كتابِ اللَّهِ ".
يشملُ قسمتَهُ بينَ ذوي الفروضِ والعصباتِ على ما في كتابِ اللَّهِ، فإنْ قَسَمَ
على ذلكَ ثمَّ فضَلَ منه شيء، فيختصُّ بالفاضلِ أقربُ الذكورِ من الورثةِ.
وكذلكَ إن لم يُوجدَ في كتابِ اللَّهِ تصريح بقسمته بين من سمَّاه اللَّهُ من
الورثةِ، فيكونُ حينئذٍ المالُ لأوْلى رجلٍ ذَكَر منهم.
* * *
стр. 358
سُورَةُ المَائِدَةِ
قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)
إن البرَّ يطلقُ باعتبار معنيينِ:
أحدُهُما: باعتبارِ معاملةِ الخلقِ بالإحسانِ إليهِم، وربَّما خصَّ بالإحسانِ إلى
الوالدينِ، فيقالُ: برُّ الوالدينِ، ويطلقُ كثيرًا على الإحسانِ إلى الخلقِ عمومًا، وقد صنفَ ابنُ المباركِ كتابًا سماه: "كتاب البرِّ والصلةِ"، وكذلكَ في "صحيح البخاريِّ "، و"جامع الترمذيِّ ": "كتاب البرِّ والصِّلة"، ويتضمن هذا الكتاب الإحسانَ إلى الخلقِ عمومًا، ويقدَّم فيه برُّ الوالدينِ على غيرِهِمَا.
وفي حديثِ بهزِ بنِ حكيم، عن أبيه، عن جدِّهِ، أنه قالَ: يا رسولَ اللَّهِ
مَنْ أبرُّ؛ قالَ: "أمُّك "، قال: ثم مَن؟
قال: "ثمَّ أباك "، قال: ثم مَنْ؟ قالَ: "ثم الأقربُ فالأقربُ ".
ومن هذا المعنى: قولُ النبيِّ ﷺ :
"الحجُّ المبرورِ ليسَ له جزاءٌ إلا الجنَّة".
وفي "المسندِ" أنه ﷺ سُئلَ عن برِّ الحجِّ، فقالَ:
"إطعامُ الطَّعام، وإفشاءُ السَّلام".
وفي روايةٍ أخرى: "وطيبُ الكلام".
стр. 359
وكان ابنُ عمرَ ﵄ يقولُ: البرّ شيء هيِّنٌ: وجهٌ طليق وكلامٌ
وإذا قرنَ البر بالتَّقوى، كما في قولِهِ : (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) ، فقدْ يكونُ المرادُ بالبرِّ: معاملةَ الخلقِ بالإحسانِ، وبالتَقوى:
معاملةَ الحقّ بفعلِ طاعتِهِ، واجتنابِ محرماتِه، وقد يكونُ أُريدَ بالبرّ: فعلُ
الواجباتِ، وبالتقوى: اجتنابُ المحرماتِ، وقولُهُ: (وَلا تَعَاوَنوا عَلَى الإِثْم
والْعُدْوَانِ) ، قد يُرادُ با لإثم: المعاصِي، وبالعدوان: ظلمُ الخلقِ، وقد
يُرادُ بالإثم: ما هو مَحرَّمٌ في نفسِهِ كالزِّنى، والسرقةِ، وشربِ الخمرِ.
وبالعُدوانِ: تجاوزُ ما أذنَ فيه إلى ما نُهِيَ عنهُ ممَّا جنسُهُ مأذونٌ فيه، كقتلِ مَنْ
أُبيح قتلُهُ لقِصاصٍ، ومن لا يُباحُ، وأخذُ زيادة على الواجبِ من الناسِ في
الزكاةِ ونحوِها، ومجاوزةِ الجلدِ الذي أمرَ به في الحدودِ ونحوِ ذلك.
والمعنى الثاني من معنى البر: أن يُرادَ به فعلُ جميع الطاعاتِ الظاهرةِ والباطنةِ.
كقولِهِ : (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) .
وقد رُويَ أنَّ النبيَّ ﷺ سُئلَ عن الإيمانِ، فتلا هذه الآية.
فالبر بهذا المعنى يدخلُ فيه جميعُ الطاعاتِ الباطنةِ كالإخانِ باللهِ وملائكتِهِ
стр. 360
وكتبِهِ ورسلِهِ، والطاعاتِ الظاهرةِ كإنفاقِ الأموالِ فيما يحبُّه اللَّهُ، وإقامِ
الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والوفاءِ بالعهدِ، والصَّبر على الأقدارِ، كالمرضِ
والفقرِ، وعلى الطَّاعاتِ، كالصَّبرِ عند لقاءِ العدو.
* * *
قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)
في "الصحيحينِ " عن عمرَ بنِ الخطابِ ﵁، أنَّ رجلاً من اليهود قال له: يا أميرَ المؤمنينَ، آيةٌ في كتابِكُم لو علينا مَعْشَرَ اليهودِ نزلت، لاتًّخذنا ذلك اليومَ عيدًا.
فقالَ: أيُّ آيةٍ؟ قالَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .
فقال عمرُ: إنِّي لأعلمُ اليومَ الذي نزلَتْ فيه، والمكانَ الذي نزلتْ فيه، نزَلَتْ ورسولُ الله ﷺ قائِمٌ بعَرَفَةَ يوم
جُمعة.
وخرَّج الترمذيُّ عن ابنِ عباسٍ نحوَه، وقالَ فيهِ: نزلتْ في يوم عيدٍ
من يومِ جمعةٍ ويومِ عرفةَ.
العيدُ هو موسمُ الفرح والسرورِ، وأفراحُ المؤمنينَ وسرورُهم في الدنيا إنما
هوَ: بمولاهُم، إذا فازُوا بإكمالِ طاعتِهِ، وحازوا ثوابَ أعمالِهِم بوثوقِهم بوعدِهِ لهم عليها بفضلِهِ ومغفرتِهِ، كما قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعُونَ) .
стр. 361
***
وقد يجتمعُ في يوم واحدٍ عيدانِ، كما إذا اجتمعَ يومُ الجمعةِ مع يومِ عرفةَ
أو يومِ النَّحْر، فيزدادُ ذلك اليومُ حُرْمةً وفضلاً، لاجتماع عيدينِ فيه.
وقد كانَ ذلك؛ اجتمعَ للنبيِّ ﷺ في حجتِهِ يومَ عرفةَ، فكانَ يومَ جمعةٍ، وفيه نزلتْ هذه الآية ُ: (الْيَوْمَ أَكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا) ، وإكمالُ الدِّينِ في ذلك اليومِ حصلَ من وجوهٍ:
منها: أنَّ المسلمينَ لم يكونُوا حجُّوا حجَّة الإسلامِ بعدِ فرضِ الحجِّ قبل
ذلكَ، ولا أحد منهم، هذا قولُ أكثرِ العلماءِ أو كثير منهم، فكمُل بذلك
دينُهم لاستكمالهِم عملَ أركانِ الإسلامِ كلِّها.
ومنها: أنَّ اللَهَ تعالى أعادَ الحجَّ على قواعدِ إبراهيمَ ﵇، ونفَى
الشرك وأهلَه، فلم يختلطْ بالمسلمينَ في ذلكَ الموقفِ منهم أحد.
قال الشعبيُّ: نزلتْ هذه الآية ُ على النبيِّ ﷺ وهو واقف بعرفةَ حين وقفَ موقِفَ
إبراهيمَ، واضمحلَّ الشِّرْكُ، وهُدِّمتْ منارُ الجاهليةِ، ولم يَطُف بالبيتِ
عُريانِ.
وكذا قالَ قتادةُ وغيرُه. وقد قيل: إنه لم ينزلْ بعدَها تحليل ولا تحريم، قاله
أبو بكر بنُ عياشٍ.
وأمَّا إتمامُ النِّعمةِ فإنَّما حصلَ بالمغفرةِ، فلا تَتمُّ النِّعْمةُ بدونها، كما قالَ
لنبيه ﷺ : (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) .
стр. 362
وقالَ تعالى في آيةِ الوضوءِ: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) ، ومن هنا استنبط محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ بأنَّ الوضوءَ يكفر الذنوبَ، كما وردتْ السّنَةُ بذلك صريحًا، ويشهَدُ له أيضًا أن
النبيَّ ﷺ سمعَ رجلاً يدعُو ويقولُ: اللَّهُمَّ إني أسالُك تمامَ النعْمةِ. فقال له: "تمامُ النعْمةِ: النَّجاةُ من النَّارِ، ودخولُ الجنَّة ".
فهذه الآية ُ تشهدُ لما رُوِي في يومِ عرفةَ اْنه يومُ المغفرةِ والعتقِ من النارِ.
* * *
[قال البخاريُّ] : "بابُ: زيادةِ الإيمانِ ونُقْصَانِهِ ":
وقولِ اللَّهِ تعالى: (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) ، (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) .
وقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكمْ) ، فإذا تركَ شيئا من الكمالِ فهوَ
ناقِصٌ.
استدل البخاريُّ على زيادةِ الإيمانِ ونقصانهِ بقولِ اللَّه :
(وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) ، وفي زيادةِ الهدَى إيمان آخرُ، كقوله تعالى: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) .
ويُفسَّر هذا الهدَى بما في القلوبِ منَ الإيمانِ باللَّهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ
واليومِ الآخرِ، وتفاصيلِ ذلك.
ويفسَّر بزيادةِ ما يترتبُ على ذلكَ منَ الأعمالِ الصالحةِ: إمَّا القائمةُ
стр. 363
بالقلوبِ، كالخشيةِ للهِ ومحبتِهِ ورجائه والرضا بقضائِهِ والتوكلِ عليه، ونحوِ
ذلك.
أو المفعولةِ بالجوارح كالصلاةِ والصيامِ والصدقةِ والحجِّ والجهادِ والذكرِ
والأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكرِ ونحوِ ذلك.
وكلُّ ذلك داخل في مسمَّى الإيمانِ عندَ السلفِ وأهلِ الحديثِ ومَنْ
وافقَهم، كما سبقَ ذكرُهُ.
واستدلَّ - أيضًا - بقولِهِ تعالى: (وَيَزْدَادَ الَذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) .
وفي معنى هذه الآيةِ: قولُهُ تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادتْهمْ إِيمَانًا) ، وقولُهُ: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) .
ويفسَّر الإيمانُ في هذهِ الآياتِ بمثلِ ما فُسَر به الهدَى في الآياتِ المتقدمةِ.
واستدلَّ - أيضًا - بقولِ اللَّهِ : (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ) ، فدلَّ على أنَّ الدِّينَ ذو أجزاءِ، يكملُ بكمالِها، وينقصُ بفواتِ
بعضِها.
وهذه الآيةُ نزلتْ في آخرِ حياةِ النبيِّ ﷺ في حجةِ الوداع، وقد قيلَ: إنه لم ينزلْ بعدَها حلالٌ ولا حرام، كما قالَهُ السديُّ وغيرُه.
وكذا قالَ علي بنُ أبي طلحةَ عنِ ابنِ عباسِ: قال: بعثَ اللَهُ نبيَّه بشهادةِ
أن لا إله إلا اللَهُ، فلما صدَّق بها الؤمنون زادَهم الصلاةَ، فلما صدَّقوا بها
زادَهُم الصيامَ، فلما صدَّقوا به زادهم الزكاةَ، فلما صدَّقوا بها زادَهم الحجَّ، فلمَّا صدَّقوا به زادَهم الجهادَ، ثم أكملَ اللَهُ لهم دينَهم، فقال:
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) .
ومعلوم أنَّ النبىَّ ﷺ وأصحابَهُ لم يحجوا حجةَ الفرضِ إلا ذلك العامَ،
стр. 364
فلما حجُّوا حجةَ الإسلامِ كملَ لهمُ الدينُ بتكميلِهِم أركانَ الإسلامِ حينئذٍ.
ولم يكنِ الدّينُ قبلَ ذلكَ ناقصًا، كنقصِ مَنْ تركَ شيئًا من واجباتِ دِينه، بل
كانَ الدِّينُ في كلّ زمانٍ كاملاً بالنسبةِ إلى ذلكَ الزمانِ بما فيه من الشرائع
والأحكام، وإنَّما هو ناقصٌ بالنسبةِ إلى زمانِ الذي بعدَه الذي تجدَّد فيه من
الشرائع والأحكامِ ما لم يكنْ قبلَ ذلك.
كما يقالُ: إنَّ شريعةَ الإسلامِ أكملُ من شريعةِ موسى وعيسَى، وإنَّ القرآنَ
أكملُ من التوراةِ والإنجيلِ.
وهذا كما سمَّى النبيُّ ﷺ النساءَ ناقصاتِ دينٍ، وفَسَّر نقصانَ دينهنَّ بتركِ الصلاةِ والصيامِ في زمنِ حيضِهِنَّ، مع أنها قائمةٌ في تلكِ الحال بما وجبَ عليها من غيرِ الصلاةِ، ولكنَّ نقصانَ دينِها بالنسبةِ إلى مَن هي طاهرةٌ تصلِّي وتصومُ.
وهذا مبنيٌّ على أنَّ الدِّين هو الإسلامُ بكمالِهِ، كما تقدَّمَ ذكرُهُ، والبخاريُّ
عنده أنَّ الإسلامَ والإيمانَ واحدٌ، كما تقدَّم ذكرُهُ.
وقد احتجَّ سفيانُ بنُ عيينةَ وأبو عبيدٍ وغيرُهم بهذه الآيةِ على تفاضلِ
الإيمانِ.
قال أبو عبيدٍ: قد أخبرَ اللَّهُ أنَّه أكملَ الدِّينَ في حجةِ الوداع في آخرِ
الإسلامِ، وزعم هؤلاءِ أنَّه كان كاملاً قبل ذلك بعشرينَ سنةً في أولِ ما نزلَ الوحيُ.
قال: وقد اضطَّر بعضُهم حين أدخلتُ عليه هذه الحجةَ إلى أن قالَ: الإيمانُ
ليسَ هو مجموعَ الدِّين، ولكنَّ الدِّين ثلاثةُ أجزاءٍ، فالإيمانُ جزءٌ، والفرائضُ
стр. 365
جزء، والنوافلُ جزء.
قال أبو عبيدٍ: وهذا غيرُ ما نطقَ به الكتابُ، فإنَّ اللَّهَ أخبرَ أن الإسلامَ هو
الدِّينُ برمَّته، وزعمَ هؤلاءِ أنَّه ثلثُ الدِّينِ. انتهى.
فالمرجئةُ، عندهم: الإيمانُ التصديقُ، ولا يدخلُ فيه الأعمالُ، وأمَّا الدِّينُ
فأكثرُهم أدخلَ الأعمالَ في مسمَّاه، وبعضُهم خالفَ في ذلك - أيضًا، والآيةُ
نصّ في ردِّ ذلكَ. واللَّهُ أعلمُ.
ثمَّ خرَّج البخاريُّ في هذا البابِ حديثينِ:
أحدُهما: حديثُ ة هشامٍ الدسْتوائيِّ: ثنا قتادةُ عنْ أنسٍ عنِ النبي ﷺ قال:
"يخرجٌ منَ النارِ من قالَ: لا إله إلا اللَّهُ وفي قلبه وزْنُ شعيرة من خير، ويخرجٌ من النارِ منْ قال: لا إله إلا اللَهُ وفي قلبهِ وزنُ بُرَّةٍ منْ خير، ويخرجٌ من النارِ من قال: لا إله إلا اللهُ وفي قلبِهِ وزْنُ ذَرة من خيْر".
خرَّجه عن مسلمٍ بنِ إبراهيمَ، عن هشامٍ، به.
ثمَّ قال: وقال أبانُ: ثنا قتادةُ ثنا أنس، عن النبيِّ ﷺ : "من إيمانٍ "، مكانَ: "منْ خَيْر".
ففي هذه الروايةِ التي ذكرَها تعليقًا: التصريحُ بتفاوتِ الإيمانِ الذي في
القلوبِ.
وأيضًا؛ فيها: التصريحُ بسماع قتادة له من أنسٍ، فزالَ ما كان يتوهَّم من
تدليسِ قتادةَ.
стр. 366
وقد خرَّج البخاريُّ هذه اللفظةَ في حديثِ أنسٍ في أواخرِ كتابِهِ مسندةً.
من روايةِ معبدِ بنِ هلالٍ العنزيِّ، عن أنسٍ.
وخرَّج حديثَ أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ ﷺ في هذا المعنى فيما تقدَّم من "كتابِهِ " باختلافِ لفظِ الخيرِ والإيمانِ، كاختلافِ حديثِ أنسٍ.
والحديثُ نصّ في تفاوتِ الإيمانِ الذي في القلوبِ، وقد سبقَ القولُ في
تفاوتِ المعرفةِ وتفاضلِها فيما تقدَّم.
الحديثُ الثاني الذي خرَّجه في هذا البابِ:
حديثُ: طارقِ بنِ شهابٍ، عنْ عمرَ بنِ الخطابِ، أنَّ رجلاً منَ اليهودِ.
قالَ لهُ: يا أميرَ المؤمنينَ، آية في كتابِكُم تقرءونها لو علينا معْشرَ اليهودِ نزلتْ
لاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أيُّ آيةٍ؟
قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ) ، فقال عمرُ. قدْ عرفْنا ذلك اليومَ، والمكانَ الذي نزلَتْ فيه على النبي ﷺ ، نزَلَتْ على النبيِّ ﷺ
وهوَ واقِف بعرفَةَ يومَ الجُمُعةِ.
وقد خرَّجه ابنُ جريرٍ الطبريُ في "تفسيره" من وجهٍ آخرَ عن عمرَ.
وزاد فيه: أنَّه قال: وكلاهُما بحمدِ اللَّهِ لنا عيدٌ.
وخرَّج الترمذيُ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قرأ هذه الآيةَ، وعندَه يهوديّ.
فقال: لو أُنزلتْ هذه الآية ُ علينَا لاتخذنا يومَها عيدًا، فقال ابنُ عباسٍ: فإنَّها
.
стр. 367
نزلتْ في يوم عيدينِ: في يومِ جُمعةٍ، ويومِ عرفةَ.
فهذا قد يُؤخذُ منه أنَّ الأعيادَ لا تكونُ بالرأي والاختراع كما يفعلُه أهلُ
الكتابيْنِ من قبلنا، وإنَّما تكونُ بالشرع والاتباع.
فهذه الآية ُ لما تضمنتْ إكمالَ الدِّين وإتمامَ النِّعمة، أنزلَها اللَّهُ في يومٍ شرعَه
عيدًا لهذه الأمة من وجهينِ:
أحدهما: أنه يوم عيدِ الأسبوع، وهو يومُ الجمعةِ.
والثاني: أنَّه يومُ عيدِ أهلِ الموسم، وهوَ يومُ مجمَعِهم الأكبرِ وموقفهم
الأعظم.
وقد قيل: إنَّه يومُ الحجِّ الاكبرِ.
وقد جاء تسميتُه عيدًا في حديثٍ مرفوع خرَّجه أهلُ "السنن" من
حديثِ عقبةَ بن عامرٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "يومُ عرفةَ، ويومُ النَّحْرِ، وأيامُ التشريقِ، عيدُنا أهلَ الإسلامِ، وهي أيامُ أكلٍ وشرب ".
وقد أُشكلَ وجهُهُ على كثيرٍ من العلماءِ، لأنَّه يدلُّ على أنَّ يومَ عرفةَ يومُ
عيدٍ لا يصامُ، كما رُوي ذلك عن بعضِ المتقدِّمينَ.
وحملَهُ بعضُهم على أهلِ الموقفِ.
وهو الأصحُ، لأنَّه اليومُ الذي فيه أعظمُ مجامِعِهم، ومواقفِهم، بخلافِ
أهلِ الأمصارِ فإنَّ يومَ اجتماعهم يوم النحرِ، وأمَّا أيامُ التشريقِ فيشاركُ أهلُ
الأمصارِ أهلَ الموسم فيها؛ لأنها أيامُ ضحاياهم وأكلهم من نسكِهِم، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ.
стр. 368
وقال عطاءٌ: إنَّما هي أعيادٌ لأهلِ الموسم، فلا يُنْهى أهل الأمصارِ عن
صيامِها.
وقولُ الجمهورِ أصحُ.
ولكنَّ الأيامَ التي تحدثُ فيها حوادثُ من نعم اللَّه على عبادِهِ، لوْ صامَها
بعضُ الناسِ شكرًا، من غيرِ اتخاذِها عيدًا، كان حسنًا، استدلالاً لصيامِ النبيِّ
ﷺ عاشوراءَ، لما أخبرَه اليهودُ بصيامِ موسى له شكراً، وبقولِ النبي ﷺ لمَّا سُئلَ عن صيامِ يومِ الاثنين.
قال: "ذلك يومٌ وُلدتُ فيه، وأُنزلَ عليَّ فيه".
فأمَّا الأعيادُ التي يجتمعُ عليها الناسُ، فلا يُتجاوزُ بها ما شرعَهَ اللَّهُ
لرسولِهِ، وشرعَه الرسولُ لأُمَّتِهِ.
والأعيادُ هي مواسمُ الفرح والسرورِ، وإنَّما شرعَ اللَّهُ لهذهِ الأمَّة الفرحَ
والسرورَ بتمامِ نعمته وكمالِ رحمتِهِ، كما قال تعالى:
(قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) ، فشرعَ لهم عيدينِ في سنةٍ، وعيدًا في كلِّ أسبوعٍ.
فأمَّا عيدا السنةِ:
فأحدُهُما: تمامُ صيامهم الذي افترضه عليهم كلَّ عامٍ، فإذا أتمُّوا صيامَهم
أعتقهم من النارِ، فشرعَ لهم عيدًا بعدَ إكمالِ صيامِهم، وجعله يومَ الجوائِزِ.
يرجعونَ فيه من خروجِهِم إلى صلاتِهِم وصدقتِهم بالمغفرةِ، وتكونُ صدقةُ
الفطرِ وصلاةُ العيدِ شكرًا لذلكَ.
стр. 369
والعيدُ الثاني: أكبرُ العيدينِ، عندَ تمامِ حجِّهم، بإدراكِ حجِّهم بالوقوفِ
بعرفةَ، وهو يومُ العتقِ منَ النارِ، ولا يحصل العتقُ من النارِ والمغفرةُ للذنوبِ
والأوزارِ في يومٍ من أيامِ السنةِ أكثرَ منه، فجعلَ اللَّهُ عقبَ ذلك عيدًا.
بل هو العيدُ الأكبرُ، فيكملُ أهلُ الموسم فيه مناسكَهم، ويقضُون فيه
تفثَهم، ويوفونَ نذورَهم، ويطوفونَ بالبيتِ العتيقِ.
ويشاركُهُم أهلُ الأمصارِ في هذا العيدِ؛ فإنَّه يشاركونَهم في يومِ عرفةَ في
العتقِ والمغفرة، وإنْ لم يشاركوهم في الوقوفِ بعرفةَ، لأنَّ الحجَّ فريضةُ العمرِ
لا فريضةَ كلًّ عامٍ، بخلافِ الصيامِ.
ويكون شكرُ عيدِ أهلِ الأمصارِ: الصلاةُ والنحرُ، والنحرُ أفضلُ من
الصدقةِ التي في يومِ الفطرِ، ولهذا أمرَ اللَّهُ نبيَّه ﷺ أن يشكر نعمته عليه بإعطائهِ الكوثَرَ بالصلاةِ له والنَّحْرِ، كما شرع ذلك لإبراهيمَ خليلِهِ ﵇ عند أمرِه بذبح ولدِه وافتدائِهِ بذبْح عظيم.
وأمَّا عيدُ الأسبوع، فهو يومُ الجمعةِ، وهو متعلقٌ بإكمالِ فريضة الصلاةِ.
فإنَّ اللَّهَ فرضَ على عبادِهِ المسلمينَ الصلاةَ كلَّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مرَّاتٍ، فإذا
كمُلَتْ أيامُ الأسبوع التي تدورُ الدنيا عليهَا، وأكملُوا صلاتَهم عليها، شرعَ لهم يومَ إكمالِهَا - وهوَ اليومُ الذي انتهى فيه الخلقُ، وفيه خُلِقَ آدمُ، وأُدخلَ الجنَّةَ - عيدًا، يجتمعونَ فيه على صلاةِ الجمعةِ.
وشرع لهم الخطبة تذكيرًا بنعم اللَّهِ عليهم، وحثّا لهم على شكرها، وجعلَ
стр. 370
شهودَ الجمعةِ بأدائها كفارةً لذنوب الجمعة كلِّها وزيادة ثلاثةِ أيامٍ.
وقد رُوي أن يومَ الجمعةِ أفضلُ من يومِ الفطرِ ويومِ النحر.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ في "مسندهِ ".
وقاله مجاهدٌ وغيرُه.
ورُوي أنه حجُّ المساكين.
ورُوي عن عليٍّ، أنَّه يومُ نسكِ المسلمينَ.
وقال ابن المسيبِ: الجمعةُ أحبُّ إليَّ من حجِّ التطوع.
وجعلَ اللَّهُ التبكيرَ إلى الجمعةِ كالهدي، فالمبكِّرُ في أول ساعةٍ كالمهدي
بدنة، ثم كالمهدي بقرةً، ثم كالمهديِ كبشًا، ثم كالمهدي دجاجةً، ثم كالمهدي بيضه.
ويوم الجمعةِ يومُ المزيدِ في الجنة، الذي يزورُ أهلُ الجنةِ فيه ربَّهم، يتجلَّى
لهم في قدرِ صلاةِ الجمعة.
وكذلك رُوي في يومِ العيدينِ أنَّ أهلَ الجنةِ يزورون ربهم فيها، وأنَه
يتجلَّى بها لأهلِ الجنَةِ عمومًا، يشاركُ الرجالَ فيها النساءُ.
فهذه الأيامُ أعياد للمؤمنينَ في الدنيا، وفي الآخرةِ عمومًا.
وأمَّا خواصُ المؤمنينَ، فكل يوم لهم عيدٌ، كما قالَ بعضُ العارفينَ.
стр. 371
ورُوي عن الحرمِ: كلُّ يومٍ لا يُعصَى اللَهُ فيه فهو عيدٌ.
ولهذا رُوي أنَّ خواصَّ أهلِ الجنة يزورون ربَّهم، وينظرونَ إليه كلَّ يومٍ
مرتينِ بُكرةً وعشيًا.
وقد خرَّجه الترمذيُّ من حديث ابنِ عمرَ - مرفوعًا، وموقوفًا.
ولهذا المعنى - واللَّهُ أعلمُ - لما ذكر النبي ﷺ الرؤيةَ في حديثِ جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ البجلي، أمرَ عقبَ ذلك بالمحافظة على الصلاةِ قبل طلوع الشمسِ وقبلَ غروبِها، فإنَّ هذينِ الوقتينِ وقتٌ لرؤيةِ خواصِّ أهلِ الجنةِ ربَّهم، فمن حافظَ على هاتينِ الصلاتينِ على مواقيتهما، وأدائهما.
وخشوعهما، وحضورِ القلبِ فيهما، رُجي له أن يكون ممن ينظرُ إلى اللَّهِ في
الجنةِ في وقتهما.
فتبين بهذا: أن الأعيادَ تتعلقُ بإكمال أركانِ الإسلامِ، فالأعيادُ الثلاثةُ
المجتمَعُ عليها تتعلقُ بإكمال الصلاةِ والصيامِ والحج.
فأمَّا الزكاة، فليس لها زمانٌ معينٌ تكملُ فيه. وأما الشهادتانِ، فإكمالُهما
هو الاجتهادُ في الصدق فيهما، وتحقيقِهما والقيامِ بحقوقِهما.
وخواصُّ المؤمنينَ يجتهدون على ذلكَ كلَّ يومٍ ووقتٍ، فلهذَا كانتْ أيامُهُم
كلُّها أعيادًا، ولذلكَ كانتْ أعيادُهم في الجنةِ مستمرةً. واللَّهُ أعلم.
* * *
стр. 372
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)
[قالَ البخاريُّ] : ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ
خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ
стр. 373
فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.
قيل: إن الرواية هنا: "فقامَ حتَّى أصبح " ورواه في "التفسيرِ" بلفظ: "فنام
حتى أصبح " وهو لفظُ مسلم، وكذا في "الموطأ".
هذا السياقُ سياقُ عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم لهذا الحديثِ عن أبيه، عن
عائشة. وقد رواه هشامُ بنُ عُرْوةَ عن أبيه، عن عائشةَ فخالَفَ في بعضِ
ألفاظِه ومعانِيه مما لا يَضُرُّ. وقد خرَّجه البخاريّ في موضع آخرَ، وفي بعضِ
ألفاظِهِ اختلافٌ على عروة - أيضًا.
ومما خالفَ فيه: أنه ذكر أن عائشة استعارتْ قلادةً من أسماءَ فسقطتْ.
وأنَّ النبيَّ ﷺ أرسلَ رَجُليْنِ في طلَبِها وليس معهما ماءٌ فنزلتْ آيةُ التيمم.
وفي روايةٍ: أنَّهُما صلَّيا بغيرِ وضوءِ.
وهذا يمكنُ الجمعُ بينه وبين حديثِ القاسم، عن عائشة بأن القلادة لمَّا
سقطتْ ظنُّوا أنها سقطتْ في المنزلِ الماضى، فأرسلُوا في طلبِها وأقامُوا في
منزلهِم وباتُوا فيه، وفقد الجميعُ الماءَ حتى تعذَّر عليهم الوضوء.
وفي حديثِ هشامٍ: أنَّ ذلك كان ليْلَةَ الأبواءِ.
وفي روايةٍ عنه: أنَّ ذلك المكانَ كان يُقال له: الصلصل.
وروى ابنُ إسحاقَ: حدثني يحيى بن عبَّادِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبيرِ، عن
أبيه، عن عائشة، قالتْ: أقبلْنا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في بعضِ أسفاره، حتى إذا كنَّا بِتُرْبانَ - بلدٌ بينه وبين المدينةِ بَرِيدٌ وأميالٌ، وهو بلدٌ لا ماءَ به - وذلك من
стр. 374
السَّحَر، انْسَلَّتْ قلادة لي من عُنُقِي فوقَعتْ - وذكر بقيةَ الحديثِ.
خرَّجه الإمامُ أحمد.
وقد رُوِي هذا الحديثُ من حديثِ عمَّارِ بن ياسرٍ - أيضًا - أنَّ النبيَّ ﷺ عَرَّسَ بأولاتِ الجيشِ ومعه عائشةُ، فانقطعَ عِقْد لها من جزع ظَفَاهـ، فحُبِس الناسُ ابتغاءَ عِقْدها ذلك حتى أضاءَ الفجرُ، وليس مع الناسِ ماء، فتغَيَّظ عليها أبو بكرٍ وقال: حبَسْتِ الناسَ وليس معهم ماء؟ فأنزلَ اللَّهُ على رسوله ﷺ رُخصةَ التطهر بالصعيدِ الطيب، فتيمم المسلمون مع رسولِ اللَّهِ ﷺ
وذكر الحديثَ.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود - وهذا لفظُهُ - والنسائي وابنُ ماجةَ.
وفي إسنادِهِ اختلافٌ.
والآية التي نزلتْ بسببِ هذه القصةِ كانتْ آيةَ المائدة، فإنَّ البخاريَّ خرَّج
هذا الحديثَ في "التفسيرِ" من كتابِهِ هذا من حديثِ ابنِ وهبٍ، عن عمرٍو
عن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، وقال في حديثِهِ: فنزلتْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) هذه الآية ُ.
وهذا السفرُ الذي سَقَط فيه قلادة عائشة أو عِقْدُها كان لغزوة المرَيْسِيع إلى
بني المُصْطَلِق من خُزاعةَ سنةَ ستٍّ، وقيلَ: سنة خمسٍ، وهو الذي ذكره ابنُ
سعدٍ عن جماعةٍ من العلماءِ، قالُوا: وفي هذه الغزوةِ كان حديثُ الإفْكِ.
وقد ذكر الشافعيُّ: أنَّ قصة التيمم كانتْ في غزوةِ بني المُصْطَلِق، وقال:
стр. 375
أخبرَني بذلك عددٌ من قريشٍ منْ أهلِ العلم بالمغازِي وغيرِهم.
فإن قيلَ: فقد ذكر غيرُ واحدٍ، منهُم: ابنُ عبدِ البر: أنه يُحتملُ أنْ يكون
الذي نزلَ بسببِ قصة عائشةَ الآيةُ التي في سورةِ النساءِ، فإنها نزلتْ قبلَ
سورةِ المائدة بيقين، وسورةُ المائدةِ من أواخِر ما نزل من القرآنِ، حتى قيلَ:
إنها نزلتْ كلُّها أو غالبُها في حَجَّةِ الوداع، وآيةُ النساءِ نزولها متقدِّم.
وفي "صحيح مسلم " من حديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ أنها نزلتْ فيه لمَّا
ضَرَبَه رجلٌ قد سكِر بِلَحْي بعير، ففزَرَ أنْفَه.
وفي "سن أبي داودَ" والنسائيِّ وابنِ ماجةَ، عن عليٍّ، أنَّ رجلاً صلَّى
وقد شربَ الخمرَ، فخَلَّطَ في قراءتِهِ، فنزلتْ آيةُ النساءِ.
فقد تبيَّن بهذَا: أنَّ الآيةَ التي في سورةِ النساءِ نزلتْ قبلَ تحريمِ الخمرِ.
والخمرُ حُرِّمتْ بعد غزوةِ أُحُدٍ، ويقال: إنها حرمتْ في محاصرةِ بني النضيرِ
بعدَ أُحُدٍ بيسيرٍ، وآيةُ النساءِ فيها ذكر التيمم، فلو كانتْ قد نزلتْ قبل قصةِ عائشةَ لما توقفوا حينئذٍ في التيممِ، ولا انتظرُوا نزولَ آية أخرى فيه.
قيلَ: هذا لا يصح؛ لوجوهٍ:
أحدها: أنَّ سببَ نزولِ آيةِ النساءِ قد صحَّ أنه كانَ ما ينشأُ من شربِ الخمرِ
من المفاسدِ في الصلاةِ وغيرِها، وهذا غيرُ السببِ الذي اتَّفَقَتِ الرواياتُ عليه
في قصةِ عائشةَ، فدل على أنَّ قصةَ عائشةَ نزلَ بسببِها آيةٌ غيرُ آيةِ النساءِ.
وليسَ سوى آيةِ المائدةِ.
стр. 376
والثاني: أنَّ آيةَ النساءِ لم تُحَرِّم الخمرَ مطلقًا بل عند حضورِ الصلاةِ، وهذا
كان قبلَ أحد، وقصة عائشةَ كانتْ بعد غزوةِ أُحُدٍ بغيرِ خلافٍ، وليسَ في
قصَّتِها ما يناسبُ النهي عن قربانِ الصلاةِ مع السُّكْرِ حتى تُصَدَّر به الآيةُ.
وأمَّا تصديرُ الآيةِ بذكرِ الوضوءِ فلم يكنْ لأصلِ مشروعيتِهِ، فإنَّ الوضوءَ
كان شُرع قبلَ ذلك بكثيرٍ، كما سبقَ تقريرُه في أولِ "كتابِ الوضوءِ"، وإنَّما كان تمهيدًا للانتقالِ عنه إلى التيمم عندَ العجزِ عنه.
ولهذا قالتْ عائشةُ: فنزلتْ آيةُ التيمم، ولم تقل: آيةُ الوضوءِ.
والثالث: أنه قد ورد التصريحُ بذلكَ في "صحيح البخاريِّ " كما ذكرناه.
وأمَّا توقُّفهم في التيممِ حتَّى نزلتْ آيةُ المائدةِ مع سبْقِ نزولِ التيممِ في
سورة النساءِ، فالظاهرُ - واللَّهُ أعلمُ - أنَّهم توقَّفوا في جوازِ التيممِ في مثلِ
هذه الواقعةِ، لأنَّ فَقْدَهم للماءِ إنما كانَ بسببِ إقامتِهِم لطلبِ عقْدٍ أو قلادة، وإرسالِهم في طلبِها من لا ماءَ معه مع إمكانِ سيرِهم جميعًا إلى مكانٍ فيه
ماءٌ، فاعتقدُوا أنَّ في ذلك تقصيرًا في طلبِ الماءِ، فلا يُباحُ معه التيممُ.
فنزلتْ آيةُ المائدةِ مُبَيِّنةً جوازَ التيمم في مثلِ هذه الحالِ، وأنَّ هذه الصورةَ
داخلةٌ في عمومِ آيةِ النساءِ.
ولا يُستبعدُ هذا، فقد كان طائفةٌ من الصحابةِ يعتقدونَ أنَّه لا يجوزُ
استباحةُ رُخَصِ السَّفرِ من الفطرِ والقَصْرِ إلا في سفرِ طاعةٍ دونَ الأسفارِ
المُباحةِ، ومنهم من خَصَّ ذلك بالسفرِ الواجبِ كالحجِّ والجهادِ، فلذلكَ توقَّفوا في جوازِ التيمم للاحتباسِ عن الماءِ لطلب شيءٍ من الدنيا حتى بيَّن لهم
جوازَهُ ودخولَهُ في عمومِ قولهِ: (فَلَمْ تَجِدوا مَاءً) ، ويدل ذلك على
стр. 377
جوازِ التيمم في سفرِ التجارةِ وما أشبهه من الأسفارِ المباحةِ، وهذا مما يَستأنس به من يقول: إنَّ الرُّخَصَ لا تُستباح في سفرِ المعصية.
وأمَّا دعوى نزول سورةِ المائدةِ كلِّها في حجِّةِ الوداع فلا تَصحُّ، فإن فيها
آيات نزلتْ قبلَ ذلكَ بكثيرٍ، وقد صحَّ أن المقْدادَ قال للنبيِّ ﷺ يومَ بدرٍ: لا نقول لكَ كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتِلا إنَّا هَا هُنا قاعدُون، فدل هذا على أنَّ هذه الآية نزلتْ قبل غزوةِ بدر. واللَّهُ أعلمُ.
وقد ذكرَ اللَّهُ تعالى التيممَ في الآيتينِ بلفظ واحد، فقال فيهما:
(وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) .
فقولُهُ تعالى: (وَإِن كنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) ، ذكر شيئين مبيحين
للتيمم:
أحدهما: المرضُ، والمرادُ به عندَ جمهورِ العلماءِ: ما كانَ استعمال الماءِ معه
يُخشى منه الضررُ.
والثاني: السفرُ، واختلفُوا: هل هوَ شرطٌ للتيمم مع عدمِ الماءِ، أم وقعَ
ذكرُه لكونِهِ مظنَّة عدمِ الماءِ غالبًا، فإن عدمَ الماء في الحضرِ قليل أو نادرٌ، كما قال الجمهورُ في ذكرِ السفرِ في آيةِ الرَّهْنِ، أنَّهَ إنما ذُكِر السَّفرُ لأنه مظنَّةُ عدمِ الكاتب، وليس بشرط للرَّهنِ.
والجمهورُ: على أنَّ السفر ليس بشرط للرهنِ ولا للتيمم مع عدمِ الماءِ.
وأنَه يجوزُ الرهنُ في الحضرِ، والتيمم مع عدمِ الماءِ في الحضرِ.
وقالت الظاهريةُ: السفر شرطٌ في الرهنِ والتيمم.
стр. 378
وعن أحمدَ روايةٌ باشتراطِ السفرِ للتيمم خاصةً، وحُكي روايةً عن أبي
حنيفة وعن طائفة من أصحابِ مالكٍ.
وعلى هذا: فلا فرق بين السفرِ الطويلِ والقصيرِ على الأصح عندهم.
وقولُهُ: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ منكُم منَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتمُ النِّسَاءَ) .
قد قيل: إنَّ "أو" هنا بمعنى الواو، كما يقولُ الكوفيونَ ومنْ وَافَقَهُم، فإنه
لما ذَكَر السببينِ المبيحينِ للتيمم، وهما التضررُ باستعمالِهِ بالمرضِ ومظنةُ فقْدِهِ
بالسفرِ ذكر ما يُستباحُ منه الصلاةُ بالتيمم وهو الحدثُ، فإنَّ التيمم يُبيحُ
الصلاةَ من الحدثِ الموجودِ ولا يرفعُه عند كثيرٍ من العُلماءِ، وهو مذهبُ
الشافعيِّ، وظاهرُ مذهبِ أحمدَ وأصحابِه، ولهذا قالُوا: يجب عليه أن ينوي
ما يستبيحُه من العباداتِ وما يَستبيح فعلَ العباداتِ منه من الأحداثِ.
وقالتْ طائفةٌ: بل التيمم يرفع الحدثَ رفْعًا مؤقتًا بعدمِ القدرةِ على
استعمالِ الماءِ، ورُبَّما استدل بعضُهم بهذه الآيةِ، وقالُوا: إنَّما أمرَ اللَّهُ بالتيمم مع وجودِ الحدثِ، ولو كانَ التيممُ واجبًا لكلِّ صلاةٍ أو لوقتِ كل صلاةٍ - كما يقولُهُ من يقول: إنَّ التيممَ لا يرفعَ الحدثَ، على اختلافٍ بينهم في ذلك - لما كان لذكرِ الحدثِ معنًى.
والأظهرُ - واللهُ أعلمُ -: أنَّ "أو" ها هُنا ليست بمعنى الواو، بل هي على
بابها، وأُرِيدَ بها: التقسيم والتنويع، وأنَّ التيممَ يُباح في هذه الحالاتِ
الثلاثِ، واثنتان منهما مَظِنَّتان، وهُما: المرضُ والسفرُ، فالمرضُ مظنَّة التضررِ باستعمالِ الماء، والسفر مظنة عدم الماءِ، فإن وُجدتْ الحقيقةُ في هاتينِ المظنتينِ جازَ التيممُ، وإلا فلا.
стр. 379
ثمَّ ذكرَ قسمًا ثالثًا، وهو وجودُ الحقيقةِ نفسِها، فذكر أنَّ من كانَ مُحْدِثًا
ولم يجدْ ماءً فلْيَتَيمَّم، وهذا يشملُ المسافرَ وغيرَه، ففي هذا دليلّ على أنَّ
التيممَ يجوز لمن لم يجدِ الماءَ، مسافرًا كان أو غيرَ مسافرٍ، واللَّهُ أعلمُ.
وقد ذكر سبحانَهُ حدثَين:
أحدهما: الحدثُ الأصغرُ، وهو المجيء من الغائطِ، وهو كناية عن قضاء
الحاجةِ والتَّخَلِي، ويلتحقُ به كلُّ ما كانَ في معناهُ، كخروج الريح أو
النجاساتِ من البدَنِ عندَ من يرى ذلكَ.
والثاني: ملامسةُ النساءِ، واختلفُوا: هل المرادُ بها الجماعُ خاصةً، فيكونُ
حينئذٍ قد أمَرَ بالتيمم من الحدثِ الأصغرِ والأكبرِ، وفي ذلكَ رد على من
خالفَ في التيمم للجنابةِ كما سيأتي ذكْرُهُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى - أو المرادُ
بالملامسةِ مقدِّماتُ الجِماع من القُبْلةِ والمباشرةِ لشهوة، أو مطلقُ التقاء
البَشْرَتين، وعلى هذين القولينِ فلم يذكر في الآيةِ غير التيمم من الحدث
الأصغر.
وقولُه تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) ، متعلِّق بمن أحدثَ، سواء كان
على سفر أو لم يكنْ، كما سبق تقريرُه، دون المريضِ، لأنَّ المريضَ لا يُشترط لتيممه فقْدُ الماءِ، هذا هو الذي عملَ به الأُمة سلفًا وخلفًا.
وحُكِيَ عن عطاءٍ والحسنِ: أنَّ فقْدَ الماء شرط للتيمم مع المرض - أيضًا -
فلا يُباحُ للمريض أن يتيممَ مع وجودِ الماءِ وإن خشي التلفَ.
وهذا بعيدُ الصحةِ عنهما، فإنه لو لم يَجُزِ التيممُ إلا لفقدِ الماء لكان ذِكْرُ
المرضِ لا فائدةَ له.
стр. 380
وقولُهُ: (فَتَيَمَّمُوا) ، أصلُ التيمم في اللغةِ القصدُ، ثم صارَ علمًا
على هذه الطهارةِ المخصوصةِ.
وقولُهُ: (صَعِيدًا) ، اختلَفُوا في المرادِ بالصعيدِ، فمنهُم من فَسَّره
بما تصاعدَ على وجهِ الأرضِ من أجزائها، ومنهم: من فسره بالتراب خاصةً.
وقولُهُ: (طَيِّبًا) ، فسره من قال: الصعيدُ: ما تصاعدَ على وجهِ
الأرضِ " بالطاهرِ، ومن فسره بالترابِ، قال: المرادُ بالصعيدِ التراب المُنْبِت، كقوله تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُج نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) ، وهذا مذهبُ
الشافعيِّ وأحمدَ في المشهورِ عنه.
وقال ابنُ عباسٍ: الصعيدُ الطيبُ ترابُ الحَرْثِ.
وقولُهُ: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) ، كقولِهِ في الوضوءِ:
(وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) .
وقد ذكرنا فيما سبَقَ في "أبوابِ الوضوءِ" أنَّ كثيرًا من العلماءِ أوجبوا
استيعاب مسح الرأسِ بالماءِ، وخالفَ فيه آخرونَ، وأكثرُهم وافقُوا هاهُنا.
وقالُوا: يجبُ استيعابُ الوجهِ والكفينِ بالتيمم، ومنهُم من قال: يُجْزِئُ
أكثرُهما، ومنهم من قال: يجزئُ مسحُ بعضِهما كالرأسِ - أيضًا.
وقولِ النبيِّ ﷺ لعمَّار: "إنَّما يكفيك أن تضرب بيديك الأرضَ، ثم تمسحُ بهما وجهك وكفَّيْك "يردُّ ذلك ويبينُ أنَّ المأمورَ به مسحُ جميعهما.
وسيأتِي الكلامُ على حدِّ اليدينِ الأمورِ بمسحِهِما في التيممِ - إن شاءَ
تعالى.
وقولُهُ تعالى: (مِّنْهُ) يستدل به منْ قال: لا تيمم إلا بترابٍ لَهُ
стр. 381
غبارٌ يعلق باليدِ، فإن قوله: (مِّنْهُ) ، يقتضي أن يكونَ الممسوحُ به
الوجهُ واليدان بعض الصعيدِ، ولا يمكنُ ذلك إلا فيما له غبارٌ يَعْلَق باليد حتى
يقع المسح به، ومَنْ خالَفَ في ذلك، جعَل "مِن" هاهُنا لأبعد الغاية، لا
للتبعيض، وهو بعيد يأباه سياق الكلامِ، واللَّهُ تعالى أعلم.
* * *
وقد أجمع العلماءُ على أنَّ مسح الوجهِ واليدينِ بالترابِ في التيمم فرضٌ
لا بدَّ منه في الجملةِ، فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: (فَامْسَحوا بِوجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) .
ولكن اختلفوا في قَدْر الفَرْضِ من ذلك:
فأمَّا " الوجهُ ":
فمذهبُ مالكٍ والشافعيَ وأحمدَ وجمهورِ العلماءِ: أنه يجب استيعابُ
بشرتِهِ بالمسح بالترابِ، ومسْحُ ظاهرِ الشعرِ الذي عليه، وسواءٌ كان ذلك
الشعر يجب إيصالُ الماءِ إلى ما تحتَه كالشعرِ الخفيفِ الذي يَصِفُ البشرةَ، أم
لا، هذا هو الصحيحُ.
وفي مذهبِنَا ومذهبِ الشافعيِّ وجهٌ آخرُ: أنه يجب إيصالُ الترابِ إلى ما
تحتَ الشعورِ التي يجبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تحتها، ولا يجبُ عند أصحابِنَا
إيصالُ الماءِ إلى باطنِ الفم والأنفِ، وإن وجبَ عندهم المضمضةُ والاستنشاقُ
في الوضوءِ.
وعن أبي حنيفةَ روايات، إحدَاهَا: كقولِ الشافعيِّ وأحمدَ.
стр. 382
والثانية: إن ترك قدرَ درْهم لم يُجزئْه، وإن تركَ دونَهُ أجْزأه.
والثالئةُ: إن تركَ دون ربع الوجهِ أجَزأه، وإلا فلا.
والرابعةُ: إن مسح أكثره وترك الأقل منه أو من الذراع أجزأه، وإلا فلا، وحكاهُ الطحاويُّ عن أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ وزُفَرَ.
وحكى ابنُ المنذرِ، عن سُليْمان بن داودَ الهاشميِّ: أن مسحَ التيمم حُكْمُه
حكْمُ مسح الرأس في الوضوءِ، يجزئُ فيه البعضُ.
وكلامُ الإمامِ أحمدَ يدلُّ على حكايةِ الإجماع على خلافِ ذلك.
قال الجوزجانيُّ: ثنا إسماعيلُ بنُ سعيدِ الشالنجيُّ، قال: سألتُ أحمدَ بن
حنبلٍ عمن ترك مسحَ بعضِ وجههِ في التيمم؟
قال: يُعيدُ الصلاةَ. فقلتُ له:
فما بالُ الرأسِ يجزئُ في المسح ولم يَجُز أن يتركَ ذلكَ من الوجهِ في التيمم؟
فقال: لم يبلغْنا أن أحدًا تركَ ذلك من تيممه.
قال الشَّالنجي: وقال أبو أيُّوبَ - يعني: سليمانَ بنَ داودَ الهاشميَّ يجزئه
في التيمم إن لم يُصب بعضَ وجهه أو بعضَ كفَّيه، لأنه بمنزلةِ المسح على
الرأس؛ إذا تركَ منه بعضًا أجزأه.
قال الجوزجانيُّ: فذكرتُ ذلك ليحى بنِ يحيى - يعني: النَّيْسابوريَّ فقال:
المسحُ في التيمم كما يَمْسَحُ الرأسَ، لا يتعمَّد لتركِ شيء من ذلكَ، فإنْ بَقِيَ شيء منه لم يُعِدْ، وليسَ هو عندي بمنزلةِ الوضوءِ.
قال الجوزجانيُّ: لم نسمعْ أحدًا يتَّبِعُ ذلكَ من رأسِهِ في المسح، ولا بينَ
أصابِعِه في التيممِ كما يتَّبِعُوا في الوضوءِ بالتخليلِ، فأحسن الأقاويل منها ما
ذكَرَه يحيى بن يحيى: أن لا يتعمَّد تركَ شيء من ذلك، فإن بقي شيءٌ لم
يُعِد. انتهى.
стр. 383
وظاهرُ هذا: يدلُّ على أنَّ مذهبَ سليمانَ بنِ داودَ ويحيى بن يحيى
والجوزجانيَّ: أنه إذا ترك شيئًا من وجهه ويديه في التيمم لم يُعِد الصلاةَ.
ونقل حرْب، عن إسحاقَ، أنه قال: تضربُ بكفَّيْك على الأرضِ، ثم
تمْسح بهما وجهَك، وتَمُرُّ بيديك على جميع الوجه واللِّحْية، أصابَ ما
أصابَ وأخطأ ما أخطأ، ثم تضرب مرة أخرى بكفَّيْك.
ومُرادُ إسحاقَ: أنه لا يشترط وصولُ الترابِ إلى جميع أجزاءِ الوجهِ كما
يقولُهُ من يقولُهُ من الشافعيَّةِ وغيرِهم، حتى نص الشافعي: أنه لو بَقَيَ من
مَحِلِّ الفرض شيء لا يدركه الطَّرْفُ لم يصحَّ التيممُ.
واستشكل أبو المعالِي الجُوَيْنىُّ تحقُّق وصولِ الترابِ إلى اليدينِ إلى المرفقينِ
بضربةٍ واحده، وقالَ: الذي يجبُ اعتقادُه أنَّ الواجبَ استيعابُ الَمَحِلِّ بالمسح باليدِ المغبَّرةِ من غير ربطِ الفكر بانبساطِ الغبارِ على جميع المحل.
قال: وهذا شيء أظهر به، ولم أرَ منه بُدًّا.
وحكى ابنُ عطية في "تفسيرِهِ " عن محمدِ بنِ مسلمةَ من المالكية: أنه لا
يجبُ أن يُتْبَعَ الوجهُ بالترابِ كما يُتْبعُ بالماءِ، وجعله كالخُفِّ وما بين الأصابع
في اليدينِ - يعني: في التيمم.
وحكى في وجوبِ تخليلِ الأصابع وتحريكِ الخاتَم قولينِ لأصحابِهِم:
بالوجوبِ، والاستحبابِ.
وحكَى ابنُ حزمٍ في وجوبِ تخليلِ اللحيةِ بالترابِ اختلافًا.
وأما " اليدانِ ":
فأكثرُ العلماءِ على وجوبِ مسح الكفين: ظاهرهما وباطنهما بالترابِ إلى
стр. 384
الكُوعين، وقد ذكرنا أن بعض العلماء لم يوجب استيعابِ ذلك بالمسح.
وحكى ابنُ عطية عن الشَّعْبيِّ: أنه يمسح الكفينِ فقطِ، لحديثِ عمَّارٍ، وأنَّه
لم يُوجبْ إيصال الترابِ إلى الكُوعين، وهذا لا يصحُّ. واللَّهُ أعلم.
وإنَّما المرادُ بحديثِ عمَّارٍ، وبما قالُه الشعبيُّ وغيرُه من مسح الكفينِ:
مسحُهما إلى الكُوعين، وقد جاء ذلك مقيَّداً، رواه أبو داود الطيالسيُّ.
عن شعبةَ، عن الحكَم: سمعَ ذَرَّ بن عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ
أبْزَى، عن أبيه، عن عمَّارٍ، أنَ النبيَّ ﷺ قالَ لهُ: "إنَّما كان يُجزئك " وضربَ رسول اللَّهِ ﷺ بيدهِ الأرضَ إلى الترابِ، ثم قال: "هكذا"، فنفخَ فيها.
ومسَحَ وجهه ويديهِ إلى المفْصَلِ، وليسَ فيه الذراعانِ.
ورَوى إبراهيمُ بنُ طهْمان، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، عن عمَّارٍ بنِ
ياسرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: "إنَّما كان يكفيك أنْ تضْرِبَ بكفيك في الترابِ، ثم تنْفُخ فيهما، ثم تمسحُ بهما وجهك وكفيك إلى الرُّسْغَيْنِ ".
خرَّجه الدارقطنيُّ وقال: لم يَروه عن حُصَين مرفوعًا غيرُ إبراهيمَ بنِ
طهمانَ، ووقفه شعبةُ وزائدةُ وغيرُهما.
يعني: أنهم رَوَوْه عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، عن عمَّارٍ موقوفًا.
والموقوفُ أصحُّ -: قاله أبو حمادتمٍ الرَّازيُّ.
وأبو مالكٍ، قال الدارقطنيُّ: في سماعِه من عمَّارٍ نظرٌ، فإن سلمةَ بنَ
стр. 385
كُهَيلٍ رواه عن أبي مالكٍ، عن ابنِ أبْزَى، عن عمَّارٍ.
وقال أبو حاتمٍ: يُحتمل أنه سمع منه.
وأبو مالكٍ، هو: الغِفاريُّ، سُئل أبو زرعةَ: ما اسمه؟
فقال: لا يُسمى.
وقال السهيليُّ: اسمُهُ حبيبُ بنُ صُهْبانَ.
وفيما قاله نظرٌ؛ فإن حبيبَ بنَ صهبانَ هو: أبو مالكٍ الكاهليّ الأسديُّ.
وأما الغفاريُّ فاسمه: غزوانُ -: قالهُ ابنُ معينٍ. وقد فرَّق بينهما ابنُ أبي
حاتمٍ، ووقع في بعضِ نُسخ البخاريِّ، غير أنَّ البخاريَّ متوقفٌ غيرُ جازمٍ
بأنَّ حبيبَ بنَ صُهبانَ يكنى: أبا حاتمٍ، ولا أنَّ أبا مالكٍ الغِفاريَ اسمُه:
غزوانُ.
ورُوِيَ حديثُ عمَّارٍ على وجهٍ آخرَ: فروى الأعْمشُ، عن سلمةَ بنِ
كُهَيلٍ، عن عبدِ الرحمن بن أبْزَى، عن عمَّار، أنَّ النبيَّ ﷺ قال له: "إنما كان يكفيك هكذا" ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما على الأخرَى، ثم مسح وجهه، والذراعينِ إلى نصفِ الساعدينِ، ولم يبلغ المرفقينِ، ضربةً واحدةً.
خرَّجه أبو داود.
وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ سفيانَ الثوريِّ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن
أبي مالك، عن عبدِ الرحمن بن أبزى، قالَ: كنتُ عند عمرَ، فقال عمَّار:
قال النبيُّ ﷺ : "إنما كان يكفيك أن تقول هكذا" وضربَ بيديه إلى الأرضِ، ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصفِ الذراع.
стр. 386
وخرَّجه النسائيُّ من طريقِ سفيانَ، عن سلمةَ، عن أبي مالكٍ - وعن
عبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبْزى، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبْزى، قال:
كنَّا عند عمر - فذكر الحديثَ، وفيه: ثم مسح وجهه وبعضَ ذراعيهِ.
وقد رواه عن سلمةَ بنِ كُهَيْل: شعبةُ، وسفيانُ، والأعْمش، واختُلِفَ
عنهم في إسنادِهِ.
وقد تقدَّمَ: أن في رواية شعبةَ أن سلمةَ شكَّ: هل ذكر فيه الذراعين، أو
الكفين خاصةً، وهذا يدل على أن ذكْرَ الذراعينِ أو بعضهِمَا لم يحفظه
سلمةُ، إنَّما شكَّ فيه، لكنَّه حفظ الكفينِ وتيقنَهُما، كما حفظه غيره.
وعلى تقديرِ أن يكون ذكرُ بعضِ الذراعينِ محفوظا فقد يحملُ على
الاحتياطِ لدخولِ الكوعينِ، أو يكونُ من بابِ المبالغةِ وإطالةِ التَّحجيلِ، كما
فعلَهُ أبو هريرةَ في الوضوءِ، وقد صرَّح الشافعيةُ باستحبابِهِ في التيمم -
أيضًا.
وقد رُويَ عن قتادةَ، قال: حدَّثني محدِّثٌ عن الشعبيِّ، عن عبدِ الرحمنِ
بن أبْزى، عن عمَّارِ بن ياسرٍ، أنَّ رسولَ اللَهِ ﷺ قال: "إلى المرفقين ".
خرَّجه أبو داود.
وهذا الإسنادُ مجهولٌ لا يَثْبُت.
والصحيحُ: عن قتادةَ، عن عزرةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيهِ.
عن عمَّارٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ أمرَهُ بالتيمم للوجه والكفينِ.
стр. 387
خرَّجه الترمذيُّ وصححه.
وخرَّجه أبو داود، ولفظُه: أنَ النبي ﷺ أمرَه في التيمم: ضربةً واحدةً للوجه والكفينِ.
وقد روي عن عمَّارٍ، أنَهم تيمَّموا مع النبيِّ ﷺ إلى المناكب والآباطِ: من روايةِ الزهريِّ، عن عُبيد اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن عمَّارٍ، قال: نزلتْ رخصةُ التطهر بالصَّعيد الطيب، فقام المسلمون مع النبي ﷺ ، فضربوا بأيديهم الأرضَ، ثم رفعوا أيديَهم ولم يَقبضوا من الترابِ شيئًا، فمسحوا بها وجوهَهم وأيديَهم إلى المناكبِ، ومن بُطُون أيديهم إلى الآباط.
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ.
وقد اختُلِفُ في إسنادِهِ على الزهري:
فقيل: عنه، كما ذكرنا.
وقيل: عنه، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبةَ، عن أبيهِ، عن عمَّارٍ.
كذا رواه عنه: مالكٌ وابنُ عُيْينةَ، وصحَّحَ قولهما أبو زُرعةَ وأبو حازمٍ
الرَازِيَانِ.
وقيل: عن الزِّهريِّ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عمَّارٍ - مرسلاً.
وهذا حديث منكر جدًّا، لم يزلِ العلماءُ يُنكرونه، وقد أنكَرَهُ الزهريُّ
راويه، وقال: هو لا يعتبر به الناسُ -: ذكره الإمامُ أحمد وأبو داود
стр. 388
وروي عن الزهريِّ، أنه امتنع أن يُحَدِّث به، وقال: لم أسمعْه إلا من
عُبَيْدِ اللَّهِ، ورويَ عنه، أنه قالَ: لا أدْري ما هو؟!.
وروي عن مكحولٍ، أنه كان يغضبُ إذا حدَّث الزهريُّ بهذا الحديثِ.
وعن ابنِ عُيَيْنة، أنه امتنع أن يُحدِّث به، وقال: ليسَ العملُ عليه.
وسئل الإمامُ أحمدُ عنه، فقالَ: ليسَ بشيء - وقال - أيضًا -: اختلفُوا
في إسنادِهِ، وكانَ الزهريُّ يهابُه، وقال: ما أرى العملَ عليه.
وعلى تقديرِ صحَّتِه، ففي الجوابِ عنه وجهانِ:
أحدهما: أن النبيَّ ﷺ لم يُعلِّمْ أصحابَهُ التيممَ على هذهِ الصفَةِ، وإنَّما فعلوه عند نزولِ الآيةِ، لظنِّهم أن اليدَ المطلقةَ تشملُ الكفينِ والذراعينِ والمَنْكبَيْن والعضدين، ففعلُوا ذلكَ احتياطا كما تمعَّك عمَّار بالأرض للجنابةِ، وظنًّ أنَّ تيمُّمَ الجُنُبِ يعُمُّ البدنَ كلَّه كالغُسلِ، ثم بيَّن النبي ﷺ التيممَ بفعلِهِ.
وقولِه: "التيمم للوجه والكفين " فرجَعَ الصحابةُ كلُّهم إلى بيانِهِ ﷺ ، ومنهم عمَّار راوِي الحديثِ، فإنه أفتى أن التيممَ ضربة للوجهِ والكفينِ، كما رواه حُصينٌ، عن أبي مالكٍ، عنه، كما سبق.
وهذا الجوابُ ذكره إسحاقُ بنُ راهويه وغيره من الأئمةِ.
والثاني: ما قالهُ الشافعيُّ، وأنّه إن كان ذلكَ بأمْرِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فهو منسوخ، لأنَّ عمَّارًا أخْبر أن هذا أولُ تيمُّم كان حينَ نزلتْ آيةُ التيمم، فكلُّ تيمَّم كان للنبيِّ ﷺ بعدَهُ مخالفٌ له، فهو له ناسح.
وكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيرُه من العلماءِ.
وقد حكى غيرُ واحدٍ من العلماءِ عن الزهري، أنَّه كان يذهبُ إلى هذا
стр. 389
الحديثِ الذي رواه.
ورُوي عن عبدِ الوهَّابِ بنِ عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، أن الزُّهريَّ
قال: التيمم إلى الآباط، قال سعيد: ولا يُعجبنا هذا..
قلت: قد سبقَ عن الزهري أنه أنكر هذا القول، وأخبر أن الناس لا
يعتبرونَ به، فالظاهرُ أنه رجع عنه لما علم إجماع العلماءِ على مخالفتِهِ.
واللَّهُ أعلمُ.
وذهبَ كثيرٌ من العلماءِ إلى أنه ينتهي المسحُ لليدين بالترابِ إلى المرفقينِ.
هذا مروي عن ابنِ عمرَ وجابرٍ - وروي - أيضًا - عن سالم بنِ
عبدِ اللَّه، والشَّعْبيِّ، والحسنِ، والنخَعِيَّ، وقتادةَ، وسفْيانَ، وابن المباركِ.
واللَّيْثِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ.
واستدلَّ بعضُهم: بالأحاديثِ المرفوعةِ المروية في ذلكَ، ولا يثبت منها
شيء، كما سبق الإشارةُ إلى ذلك.
واستدلُّوا - أيضًا -: بأنَّ اللَّه تعالى أمرَ بغسلِ اليدينِ في الوضوءِ إلى
المرفقين، ثم ذكر في التيمم مسحَ الوجهِ واليدينِ، فينصرفُ إطلاقهما في
التيمم إلى تقييدِهِما في الوضوءِ، لا سيَّما وذلكَ في آيةٍ واحده. فهُوَ أولى
منْ حَمْلِ المُطْلَقِ علي المُقَيَّدِ في آيتينِ.
وأجابَ من خالفَهُم: بأن المطلق إنما يحملَ على المقيدِ في قضيةٍ واحدة.
والوضوءُ والتيممُ طهارتانِ مختلفتان، فلا يصحُّ حمْلُ مطلقِ أحدِهما علَّىَ
مقيدِ الآخرِ.
ويدلُّ على ذلك: أن أصحابَ النبيِّ ﷺ عند نزولِ آيةِ التيمم لم يَفهموا
стр. 390
حملَ المطلقِ على المقيدِ فيها، بل تيمَّمُوا إلى المناكبِ والآباطِ، وهم أعلمُ
الناسِ بلُغةِ العربِ، ثم بيَّن النبيُّ ﷺ أن التيممَ للوجهِ والكفينِ، وهو - أيضًا - يُنافي حمْلَ المطلقِ على المقيدِ فيها.
وذهب آخرونَ: إلى أن التيممَ يمسح فيه الكفان خاصةً.
وقد حكى ابنُ المنذرِ لأهلِ هذه المقالةِ قولينِ: أحدهما: يمسحُ الكفين إلى
الرسغينِ، وحكاه عن عليٍّ، والثاني: يمسحُ الكفين مطلقًا، قال: هو قولُ
عطاءٍ، ومكحولٍ، والشعبي، والأوزا عيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ.
قال: وبهذا نقولُ للثابتِ عن نبيِّ الله ﷺ ، أنَّه قال: "التيممُ ضربة للوجهِ والكفينِ ".
قلتُ: هذا يُوهم أن من قالَ بمسح الوجهِ والكفين، أنه لا ينتهي مسحُهُما
إلى الكوعين، وهذا كما حكاهُ ابنُ عطيّة عن الضعبيِّ، كما سبق عنه، وليس
هذا قولُ الأئمةِ المشهورينَ.
وقد روى داودُ بنُ الحُصَيْنِ، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، أنه سُئل عن
التيمم، فقال: إنَّ اللَّهَ قال في كتابِهِ حينَ ذكر الوضوءَ:
(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) ، وقال في التيممِ: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكمْ وَأَيدِيكُم منه) ، وقال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ، فكانتِ السُّنةُ في القطع الكفين، إنما هو: الوجهُ والكفينِ - يعني: التيمم.
خرَّجه الترمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ غريب.
وروى الحكمُ بنُ أبانِ، عن عكرمةَ هذا المعنى - أيضًا.
следующие страницы →