Полный текст (1 372 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وبإسنادِهِ عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، قال: بلغني أنَّ الميتَ إذا وُضِعَ في قبره
احتشوته أعمالُهُ، ثم أنطقَها اللَّهُ تعالى، فقالتْ: أيها العبدُ المفردُ في حفرتِهِ.
انقطعَ عنك الأخلاءُ والأهلونَ، فلا أنيسَ لك اليومَ غيرَنا، قالَ: ثمَّ يبْكي
ويقولُ: طوبى لمن كان أنيسُه صالِحًا، والويلُ لمن كان أنيسُه وبالاً.
وبإسنادِهِ عن يزيدَ الرقاشيِّ - أيضًا - أنه كانَ يقولُ في كلامِهِ: أيها المنفردُ
في حفرتِه، المُخَلَّى في القبرِ بوحدتِهِ، المستأنسُ في بطنِ الأرضِ بأعمالِهِ.
ليتَ شِعْرِي بأيِّ أعمالِك استبشرتَ، وبأيِّ إخوانِك اغتبطتَ، قالَ: ثمَّ يَبْكي حتى يبلَ عمامَتَهُ، ويقول: استبشر واللَّهِ بأعمالِهِ الصالحةِ، واغتبطَ واللَّه بإخوانِهِ المتعاونينَ على طاعةِ اللَّهِ.
وبإسنادِهِ عن الوليد بنِ عمرِو بنِ ساجٍ، قال: بلغني أن أولَ شيءٍ يجدُه
الميتُ حولَهُ عندَ رجلَيْه، فيقولُ: ما أنتَ؟ فيقولُ: أنا عملُكَ.
وقد ورد في شفاعةِ القرآن لقارئِه ودفعِهِ عندَ عذابِ القبرِ خصوصًا: سورةُ
تبارك.
وخرَّج النسائيُّ في "عمل اليومِ والليلةِ" بإسنادِهِ عن ابنِ مسعودٍ في.
قالَ: من قرأ: "تباركَ الذي بيده الملكُ " كلَّ ليلةٍ منعهُ اللَّهُ بها من عذابِ
القبرِ، وكنَّا في عهد رسول اللَّه ﷺ نسمِّيها المانِعةَ.
وخرَّجه خلفُ بنُ هشامٍ في كتابِ "فضائل القرآنِ " عن ابنِ مسعودٍ، ولفظُهُ
أنه ذكرَ "تباركَ "، فقال: هي المانعةُ، تمنعُ من عذابِ القبرِ، توفِّيَ رجلٌ فأُتِي
стр. 667
من قبل رجليه، فتقولُ رجلاه: لا سبيلَ لكُم على ما قِبَلي، إنه كان يقرأ
عليَّ سورةَ تبارك، ويُؤتَى من قِبلِ بطنِهِ، فيقولُ بطنُه: لا سبيلَ لكُم على ما
قِبلي، إنَّه كانَ أوعَى فيه سورةَ الملكِ، ويُؤتى من قِبلِ رأسِهِ فيقولُ رأسُهُ: لا
سبيلَ لكم على ما قِبلي إنه كان يقرأ سورةَ الملكِ.
وأخرجَ أبو عبيدٍ في كتابِ "فضائلِ القرآنِ " بإسنادِهِ عن ابنِ مسعود
﵁، قال: إنَّ الميّتَ إذا ماتَ أوقدتْ له نيران حولَهُ، فتأكلُ كلُّ نارٍ ما يليها إنْ لم يكنْ له عملٌ يحولُ بينه وبينَها، وإنَّ رَجُلاً ماتَ ولم يكن يقرأ من القرآنِ إلا سورةً، ثلاثينَ آيةٍ، فأتته من قِبَلِ رأسِه، فقالتْ: إنه كانَ يقرأ بي، فأتتْه من قِبلِ رجليهِ، فقالتْ: إنه يقومُ بي، فأتتْه من قبل جوفِهِ، فقالتْ: إنه كان وعائِي، قالَ: فأنجتْهُ.
قال زِرٌّ: فنظرتُ أنا ومسروقٌ في المصحفِ فلم نجِد سورةً ثلاثينَ آيةً إلا
تباركَ.
وروى عبدُ بنُ حميدٍ في "مسندهِ " عن إبراهيمَ بنِ الحكمِ بنِ أبان، عن
أبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اقرأْ (تباركَ الَّذي بيده الملكُ) .
احفظْها، وعلمْها أهلَك، وولدَك، وصبيانَ بيتِك، وجيرانَك، فإنها المُنجِّية
والمجادلةُ، تجادلُ أو تخاصمُ عن صاحبِهَا عند الله لقارِئِهَا، وتطلبُ أن ينجيه
من عذابِ النارِ إذا كانت، في جوفِهِ، وينجِّي اللَّهُ بها صاحبَها من عذابِ
النارِ.
وروى سوارُ بنُ مصعب - وهو ضعيفٌ جدا -، عن أبي إسحاقَ، عن
стр. 668
البراءِ، يرفعُه: "من قرأَ: الم السجدةَ، وتباركَ، قبلَ النوم، نجَا من عذابِ القبرِ، ووُقِيَ فتَّانا القبرِ".
وسنذكرُ حديثَ عبادةَ في نزولِ القرآنِ مع الميتِ في قبره فيما بعدُ - إن شاء
اللَّه تعالى.
وروى هشامُ بنُ عمَّار، حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ.
عن أبيه، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: إذا وُضِعَ الميتُ في لحدِهِ، فأولُ شيءٍ
يأتيِه عملُهُ، فيضربُ فخذَه الشمالَ، فيقول: أنا عملُكَ، فيقولُ: أين أهلِي، وولدِي، وعشيرتِي، وما خوَّلني اللَّهُ تعالى؟ فيقولُ: تركتَ أهلَك، وولدَك، وعشيرتَك، وما خوَّلك اللَّه وراءَ ظهرِك، فلم يدخلْ قبرَك معكَ غيرِي، فيقولُ: يا ليْتني آثرتُك على أهلِي، وولدِي وعشيرتي، وما خوَّلني الله تعالى إذ لم يدخل معِي غيرُك.
قال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا يحيى بنُ سليم، عن ابنِ أبي نجيحٍ.
عن مجاهدٍ، في قولِه تعالى: (فَلأَنفسِهِمْ يَمْهَدُونَ) ، قال: في القبرِ.
قال أحمد: فحدثتُ به يحيى بن معينٍ، فقال: طوبى لمن كان له عمل
صالحٌ، يكون وطْأهُ في القبرِ.
ويشهدُ لهذا كلِّه ما في "الصحيحينِ " عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"يتْبَعُ الميّتَ ثلاثة فيرجعُ اثنانِ ويبقَى واحدٌ يتبعه: أهلُه ومالُهُ وعملُهُ، فيرجِعُ أهلُهُ ومالُهُ، ويبقَى عملُهُ ".
стр. 669
وخرَّجه البزَّارُ والطبرانيُّ والحاكم بسياقٍ مطوَّلٍ، من حديثِ أنسٍ -
أيضًا - عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"ما من عبد إلا له ثلاثةُ أخِلاء، وأما خليلٌ فيقول له: ما
أنفقتَ فلكَ، وما أمسكت فليس لك، فذلك مالُهُ، وأما خليلٌ فيقول: أنا معك، فإذا أتيتَ بابَ الملكِ رجعتُ وتركتُكَ، فذلكَ أهلُهُ وحشَمُه، وأمَّا خليلٌ فيقولُْ أنا معكَ حيثُ دخلتَ، وحيثُ خرجتَ، فذلكَ عملُهُ، فيقولُ: إن كنتَ لأهونُ الثلاثةِ عليَّ ".
وخرَّج البزَّارُ والحاكمُ أيضًا من حديثِ النعمانِ بن بشيرٍ عن النبي ﷺ معناه وقد اختلفَ في رفعِهِ ووقفِهِ.
وقد رُوي هذا من حديثِ عائشةَ ﵂ عن النبي ﷺ بسياقٍ مبسوطِ، وأنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ كرزٍ قالَ في هذا المعنى شعرًا، وأنشده للنبيِّ ﷺ ولكنْ إسنادُهُ
ضعيفٌ جدا.
وخرَّج البزَّارُ هذا المعنى - أيضًا - من حديثِ أبي هريرةَ، وسمُرَةَ بن
جندبٍ، عن النبيِّ ﷺ .
وخرَّجه الطبرانيُّ من حديثِ سمُرةَ عن النبيِّ ﷺ أيضًا.
وروَى إبراهيمُ بنُ بشارٍ، عن إبراهيمَ بنِ أدْهَمَ، أنه كان ينشدُ شِعرًا:
ما أحدٌ اكرَمُ من مُفْرَدٍ. . . في قبرِهِ أعمالُهُ تؤْنِسُه
مُنَعَّمُ الجسْم وفي رَوْضَةٍ. . . زينها اللهُ فهِيَ مجْلِسُه
стр. 670
وأمَّا العارفون باللَّهِ، المحبُّونَ له، المنقطعونَ إليه في الدنيا، والمستأنسونَ به
دونَ خلقِهِ: فإنَّ اللَّهَ بكرمِهِ وفضلِهِ لا يخذُلُهم في قبورِهِم، بل يتولاَّهم.
ويؤنسُ وحشتَهُم فـ: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) .
وقد جاء في بعضِ ألفاظِ حديثِ يومِ المزيدِ: أنهم يقولونَ لربِّهم في ذلك
اليومِ: أنت الذي أنستَ منا الوحشةَ في القبورِ.
وكتبَ محمدُ بنُ يوسفَ الأصبهانيُّ العابدُ إلى أخيه: إنّي محذِّرُكَ
متحوَّلَك من دارِ مُهلتِكَ إلى دارِ إقامتِك وجزاءَ أعمالِك، فتصيرُ في قرارِ
باطنِ الأرضِ بعدَ ظاهرِها، فيأتيكَ منكرٌ ونكير، فيقعدانِكَ وينتهرانِكَ، فإن
يكنِ اللَّهُ معك فلا بأسَ عليكَ، ولا وحشةَ ولا فاقةَ، وإن يكنْ غيرُ ذلكَ
فأعاذني اللَّهُ وإيَّاك من سوءِ مصرع، وضيقِ مضجع.
ورُئِيَ ابنُ أبي عاصمٍ المنامِ فسُئِل عن حالِه فقالَ: يؤنسني ربِّي عزَّ
وجلَ.
وأمَّا من كانَ في الدنيا مشغولٌ عن اللَّهِ وكان يخافُ غيرَهُ.
فإنه يُعذبُ في قبرِهِ بذلكَ.
قالَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا إبراهيمُ بنُ الفضلِ، عن أبي المليح
الرقي، قالَ: إذا دخلَ ابنُ آدمَ قبرَهُ لم يبقَ شيء كان يخافُه في الدنيا من دون
اللَّهِ إلا تمثَّل له يفزِّعه في قبرِهِ، لأنه في الدنيا كان يخافُه دون
اللَّهِ تعالى.
وروى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن ابنِ عمر ﵄ عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"ليسَ على أهلِ لا إله إلا اللَهُ وحشةً في قبورِهِم، ولا يومَ نشورِهِم،
стр. 671
وكأنِّي بأهلِ لا إله إلا اللَهُ ينفضونَ الترابَ عن رءوسهِم، يقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) ".
* * *
قوله تعالى: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)
قولُهُ: "وكان رزقُهُ كفَافًا فصبرَ على ذلك " هذا خيرُ الرزقِ كما سبقَ في
حديثِ "خيرُ الرزقِ ما يكفِي ".
وفي "الصحيح أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول: "اللهمَّ اجعلْ رزقَ آلِ محمدٍ قُوتًا".
وقد فسَّر طائفةٌ من المفسرينَ قولَهُ تعالى: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) .
بهذا، وقالُوا: المرادُ: رزقُ يومِ بيومٍ.
في "صحيح مسلم " عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو عن النبيِّ ﷺ قالَ: "قد أفلحَ من هُديَ إلى الإسلامِ، وكان عيشُه كفافًا وقنَّعهُ اللَهُ به ".
وخرَّج الترمذيُّ والنسائيُّ من حديث فضالةَ بنِ عبيدٍ عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"طُوبى لمنْ هُديَ للإسلامِ وكانَ عيشُهُ كفافًا وقنِعَ ".
стр. 672
وفي "المسندِ" و"سننِ ابنِ ماجةَ " عن أنسٍ مرفوعًا: "ما منْ غني ولا فقيرٍ إلا
ودَّ يومَ القيامةِ أنَّه أُوتِيَ قُوتًا".
وفي الترمذي عن أبي أُمامةَ - مرفوعًا:
"عرض علي ربي أن يجعلَ لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلتُ: لا يا ربِّ، ولكن أجوعُ يومًا وأشبعُ يومًا، فإذا جعتُ تضرعتُ إليكَ ودعوتُكَ، وإذا شبعْتُ حمدتُكَ وشكرتُكَ ".
وفي "سنن ابن ماجةَ " أنَّ النبيَّ ﷺ بعثَ إلى رجلٍ يستمنحُهُ ناقةً فردَّهُ ثم بعث إلى آخرَ فبعثَ إليه بناقةٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "اللهمَّ أكثرْ مالَ فلانٍ -
للمانع الأولِ - واجعلْ رزقَ فلانٍ يومًا بيومٍ - للذي بعثَ بالناقةِ".
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا من حديثِ أبي هريرةَ - مرفوعًا: "اللَّهُمَّ منْ أحبَّني
فارزقْهُ العفافَ والكفافَ، ومن أبغَضَنِي فأكثر مالَهُ وولدَهُ ".
وفي الترمذيِّ وابنِ ماجةَ عن النبيِّ ﷺ قال:
"من أصبح منكُم آمنًا في سِرْبهِ معافًى في بدنِهِ عندَهُ قُوتُ يومِهِ؛ فكأنَّما حِيزتْ له الدنيا".
وخرَّجه الطبرانيُّ وزادَ في أوَّلِهِ: "ابنَ آدمَ، جمعتُ عندَك ما يكفيكَ وأنتَ
تطلبُ ما يطغيكَ، لا بقليلٍ تقنعُ ولا منْ كثيرٍ تشبعُ " وزادَ في آخر: "فعلَى الدُّنيا العفاءُ".
وقال عمرُ: كونُوا أوعيةَ الكتابِ، ينابيعَ للعلم، وسلُوا اللَّهَ ش زقَ يومٍ
стр. 673
بيومٍ، وعدُّوا أنفسكُم في الموتى، ولا يضرُّكم أن لا يكثرَ لكُم.
والكفافُ من الرزقِ؛ هو ما ليسَ فيه فضلٌ - بأن يكتَفي به صاحبُهُ من غيرِ
فضْل.
وجاء من حديثِ ابنِ عباسٍ - مرفوعًا:
"إنَّما يكْفِي أحدُكُم ما قنعتْ به نفسُهُ "
خرَّجه ابنُ أبي الدنيا.
والمرادُ أن من اكتفى من الدنيا باليسيرِ وقنعتْ به نفسُهُ فقدْ كفاهُ ذلكَ
واستغْنَى له وإنْ كان يسيرًا.
قال أبو حازمٍ: إنْ كان يغنيكَ ما يكفيكَ فإن أدْنَى ما في الدنيا يكفيكَ -
وإنْ كان لا يغنيكَ ما يكفيكَ فليسَ في الدنيا شيءٌ يكفيكَ.
قال بكرٌ المزنيُّ: يكفيكَ من الدُّنيا ما قنعْتَ به ولو كفُّ تمرٍ وشربةُ ماءٍ.
وقال الإمامُ أحمدُ: قليلُ الدنيا يكفِي وكثيرُ ما يكفِي يُغنِي، إنَّ من اكتفى
من الدنيا كفاهُ منها القليلُ، ومن لم يكتفِ لم يكفِهِ الكثيرُ، كما قالَ
بعضُهُم، شعر:
حقيقٌ بالتواضع منْ يموتُ. . . ويكفِي المرءَ من دنْيَاه قوتٌ
وقال آخرُ:
يكفِي الفتى خلق وقوتُ. . . ما أكثرَ القوتَ لمن يموتُ
وقد مدحَ في هذا الحديثِ من صبرَ على كفافِ عيشِهِ وقنعَ بهِ، فأما
الراضِي بذلكَ: فهو أعْلَى منزلةً من الصابرِ القانِع.
وقد قيلَ: إنَّ الفقيرَ الراضي أفضلُ من الفقيرِ الصابرِ والغنيَّ الشاكرِ
بالاتفاقِ.
стр. 674
وفي الحديثِ أنه ﵇ كان يقولُ في دعائِهِ: "رضِّنِي بما قسمتَ
وفي حديب آخرَ.
"إذا أرادَ بعبدِهِ خيرًا رضَّاهُ بما قسَمَ له، وبارَكَ لهُ فيه ".
* * *
стр. 675
سُورَةُ الأنْبِيَاءِ
[قالَ البخاريُّ] :
قوله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)
حدثنا مُسدَّدٌ، ثنا يحيى، عن الأعمشِ، حدَّثني شقيقٌ، حدَّثني حذيفةُ.
قال: كنَّا جُلُوسًا عند عُمرَ، فقال: أيكُم يحفظُ قولَ رسولِ اللَّهِ ﷺ في الفتْنَةِ؟
قلتُ: أنا كما قاله. قال: إنَّك عليهِ - أو عليها - لجريءٌ.
قلتُ: "فتنةُ الرَّجل في أهلِه ومالِه وولده وجارِه، تُكفِّرُها الصلاةُ والصومُ والصدقةُ والأمرُ والنهْيُ.
قال: ليس هذا أُرِيدُ، ولكن الفتْنةَ التي تمُوجُ كما يمُوجُ البحرُ، قال: ليس
عليك منها بأسٌ يا أمير المؤمنين، إنَّ بينك وبينها بابا مُغْلقًا، قال: يُكْسَرُ أمْ
يُفْتحُ؟
قال: يُكْسرُ. قال: إذن لا يُغْلقُ أبدًا.
قُلنا: أكان عُمرُ يعلَمُ البابَ؟
قال: نعمْ، كما أنَّ دونَ غدٍ الليلةَ، إنِّي حدَّثتُهُ حديثًا ليس بالأغاليطِ، فَهِبْنَا أن نسْأل حذيفةَ، فأمرْنا مسروقًا فسألَهُ، فقال: البابُ عمرُ.
أصلُ الفتنةِ: الابتلاءُ والامتحانُ والاختبارُ، ويكون تارةً بما يسوء، وتارةً بما
يَسرُّ، كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) .
وقال: (وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .
стр. 676
وغلبَ في العُرفِ استعمالُ الفتنةِ في الوقوع فيما يسوءُ.
والفتنةُ نوعانِ: أحدُهما: خاصة، تختص بالرجلِ في نفسِهِ، والثاني: عامَّة.
تعمُ الناسَ.
فالفتنة الخاصة: ابتلاءُ الرجلِ في خاصةِ نفسِهِ بأهلِه ومالهِ وولدِهِ وجاره.
وقد قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) ، فإنَّ ذلك غالبًا
يُلهي عن طلبِ الآخرةِ، والاستعدادِ لها، ويشغل عن ذلك.
ولمَّا كان النبيُّ ﷺ يخطبُ على المنبرِ، ورأى الحسنَ والحسينَ يمشيانِ ويعثُرانِ وهما صغيرانِ، نزلَ فحملَهُمَا، ثمَّ قال: "صدق اللَّه ورسولُهُ: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكمْ فِتْنَةٌ) ، إني رأيتُ هذين الغُلامين يمشيان ويعْثران فلم أصبر". ً
وقد ذمَّ اللَّهُ تعالى منْ ألهاهُ مالُهُ وولدُهُ عن ذكر، فقال: (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) .
فظهرَ بهذا: أنَّ الإنسانَ يُبتلَى بمالِهِ وولدِهِ وأهلِهِ وبجاور المجاورِ له، ويُفتتن
بذلك، فتارةً يُلهيه الاشتغالُ به عمَّا ينفعه في آخرتِهِ، وتارةً تحملُهُ محبتُه على
أنْ يفعلَ لأجله بعضَ ما لا يحبُه اللَّه، وتارةً يقصِّر في حقِّه الواجبِ عليه.
وتارةً يظلمه ويأتي إليه ما يكرهُه اللَهُ من قولٍ أو فعلِ، فيسألُ عنه ويطالب
فإذا حصل للإنسانِ شيء من هذه الفتن الخاصة، ثم صلَّى أو صامَ أو
تصدَّقَ أو أمرَ بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ كان ذلك كفَّارة له، وإذا كان الإنسانُ
стр. 677
تسوؤه سيئتُه، ويعمل لأجلها عملاً صالحًا، كان ذلك دليلاً على إيمانِهِ.
وفي "مسندِ بَقِيِّ بنِ مَخْلدٍ" عن رجلٍ سأل النبيَّ ﷺ : ما الإيمانُ يا رسولَ اللَّه؟
قال: "أن تؤمنَ باللهِ ورسولِهِ "، فأعادَهَا ثلاثًا، فقالَ له في الثالثةِ:
"أتحبُّ أن أخبرَك ما صريحُ الإيمانِ؟ "
فقالَ: ذلك الذي أردتُ، فقالَ:
"إن صريحَ الإيمانِ إذا أسأت أو ظلمتَ أحدًا، عبْدَك أو أَمَتَكَ، أو واحدًا من الناسِ، صُمْتَ أو تصدَّقتَ وإذا أحسنتَ استبشرتَ ".
وأمَّا الفتن العامةُ: فهي التي تموجُ موجَ البحر، وتضطربُ، ويتبع بعضُها
بعضًا كأمواج البحرِ، فكانَ أوَّلُها فتنةَ قتلِ عثمانَ ﵁ وما نشأ منها من افتراقِ قلوبِ المسلمينَ، وتشعبِّ أهوائِهم وتكفيرِ بعضِهم بعضًا، وسفكِ بعضِهم دماءَ بعضٍ، وكانَ البابَ المغلقَ الذي بين الناسِ وبين الفتن عُمَرُ ﵁ وكان قتلُ عُمَرَ كسْرًا لذلكَ البابِ، فلذلكَ لم يُغْلَق ذلكَ البابُ بعدَه أبدًا.
وكان حذيفةُ أكثرَ الناسِ سؤالا للنبيِّ ﷺ عن الفتنِ، وأكثرَ الناسِ علمًا بها، فكانَ عندَهُ عن النبي ﷺ علمٌ بالفتنِ العامةِ والخاصةِ، وهو حدَّث عُمَرَ تفاصيلَ الفتن العامَّة، وبالبابِ الذي بينَ الناسِ وبينَها، وأنه هو عمرُ، ولهذا قالَ: إنِّي حدثتُهُ حديثًا ليس بالأغاليطِ، والأغاليطُ: جمع أغْلُوطة، وهي التي يُغَالطُ بها.
واحدها: "أُغْلُوطةٌ" و"مَغْلَطَةٌ"، والمعنى: أنه حدَّثه حديثًا حقًّا.
ليس فيه مرْية، ولا إيْهَام.
وهذا مما يُستدل به على أنَّ روايةَ مثلِ حذيفةَ يحصلُ بها لِمَنْ سمعَها العلمُ
اليقينيُّ الذي لا شكَّ فيه، فإنَّ حذيفةَ ذكرَ أن عُمرَ علِمَ ذلك وتيقنه كما تيقنَ
стр. 678
أنَّ دونَ غدٍ الليلةَ لما حذَثه به من الحديثِ الذي لا يحتملُ غيرَ الحقِّ والصدقِ.
وقد كانتِ الصحابةُ تعرفُ في زمانِ عُمَرَ أنَّ بقاءَ عُمَرَ أمانٌ للناسِ من
الفتن.
وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ لمَّا عزَلَه عُمَرُ، قالَ لهُ
رجل: اصبرْ أيها الأميرُ، فإنَّ الفتن قد ظهرتْ، فقال خالدٌ: وابن الخطَّابِ
حيٌّ، إنَّما يكون بعدَهُ".
وقد رُويَ من حديث عثمانَ بن مَظْعونٍ، أن النبيَّ ﷺ سمَّى عمر: غلق الفتنة وقال: "لا يزال بينكم وبينَ الفتنةِ باب شديدُ الغلقِ ما عاشَ هذا بين أظهركم ".
خرَّجه البزار.
ورُوي نحوه من حديثِ أبي ذرٍّ.
ورَوَى كعبٌ، أنه قال لعمرَ: أجدُكَ مصْراعَ الفتنة، فإذا فُتحَ لم يغلق
أبدًا.
* * *
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)
فأمَّا خشية اللَّهِ مي الغيب والشهادةِ فالمعنيُّ بهما: أن العبدَ يخْشَى اللَّه سرًّا
وعلانيةً وظاهرًا وباطنًا، فإنًّ أكثر الناسِ يرى أنه يخشَى اللَّهَ في العلانيةِ وفي
стр. 679
الشهادةِ، ولكن الشأنَ في خشية اللَّه في الغيبِ إذا غابَ عن أعينِ الناسِ.
وقد مدحَ اللَّه من يخافهُ بالغيبِ قالَ تعالى: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) ، وقال: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) .
وقال تعالى: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) .
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كبِيرٌ) .
وقد فُسِّر الغيبُ في هذه الآياتِ بالدنيا لأن أهلها في غيبٍ عمَّا وعِدُوا به
في الآخرة، وأما في هذا الحديثِ فلا يتأتَّى ذلكَ، كما ترى لمقابلتِهِ بالشهادةِ، كان بعضُ السلفِ يقول لإخوانِهِ: زهَّدنا اللَّه وإياكُم في الحرامِ زهادةَ من قدرَ عليهِ في الخلوةِ فعلِمَ أنَّ اللَّه يراهُ فتركَهُ.
ومن هذا قول بعضِهِم: ليسَ الخائفُ من بكى وعصر عينيه، إنَّما الخائفُ
من تركَ ما اشتَهى من الحرامِ إذا قدرَ عليه، ومن هنا عَظُمَ ثواب من أطاعَ
اللَّهَ، سرًّا بينه وبينه، ومن تركَ المحرماتِ التي يقدرُ عليها سرًّا.
فأمَّا الأولُ فمثلُ قولِهِ تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) إلى قولهِ:
(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) .
قال بعض السلفِ: أخفوا للَّهِ العملَ فأخفى لهم الأجر.
وفي حديثِ السبعةِ الذين يظلهم اللَّه في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه، "رجل
ذكر اللَّهَ خاليًا ففاضتْ عيناه، ورجل تصدَّقَ بصدقة، حتى لا تعلمَ شمالُهُ ما تنفق يمينُه ".
وفي الحديثِ: "إذا صلَّى العبدُ في العلانيةِ فأحسنَ وصلَّى في السرِّ فأحسنَ،
стр. 680
قال اللهُ: هذا عبدِي حقا".
وفي حديثٍ آخرَ: "من أحسن صلاتَهُ حيثُ يراهُ الناسُ وأساءها حيث لا يراه أحدٌ فتلك استهانةٌ يستهينُ العبدُ بها ربَّه ".
وأما الثاني: فمثلُ قولِهِ ﷺ في السبعةِ الذينَ يظلُّهم اللَّهُ في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه "ورجلٌ دعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ حسنٍ وجمال فقال: إنِّي أخافُ اللَهَ ربَّ العالمين ".
ومثلُ الحديثِ الذي جاء فيمن أدَّى دَينًا خفيًا أنه يخيَّرُ في أي الحورِ
العينِ شاء، والموجب لخشيةِ اللَّه في السر والعلانيةِ أمورٌ.
منها: قوةُ الإيمانِ بوعدِهِ ووعيدِهِ على المعاصِي.
ومنها: النظرُ في شدَّةِ بطشِهِ وانتقامِهِ وقوتِهِ وقهره، وذلك يوجبُ للعبدِ
تركَ التعرضِ لمخالفتِهِ، كما قال الحسنُ: ابنَ آدمَ، هل لكَ طاقةً بمحاربةِ اللَّه، فإنَّ من عصَاهُ فقدْ حاربَهُ.
وقال بعضُهم: عجِبْتُ من ضعيفٍ يعصِي قويًّا.
ومنها: قوةُ المراقبةِ له، والعلمُ بأنَّه شاهدٌ ورقيبٌ على قلوبِ عبادِهِ
وأعمالِهِم وأنَّه مع عباده حيثُ كانُوا، كما دل القرآنُ على ذلكَ في مواضعَ
كقولِهِ تعالى: (إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كانُوا) .
وقولُهُ تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) الآية.
وقولُهُ: (مَا يَكُونُ مِن نَّجوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ) .
وقولُهُ تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) الآية.
وكما في الحديثِ الذي خرَّجهُ الطبرانيُّ:
стр. 681
"أفضلُ الإيمانِ: أن يعلمَ العبدُ أنَّ الله معه حيثُ كان "
فيوجبُ ذلكَ الحياءَ منه في السرِّ والعلانيةِ.
قال بعضُهُم: خفِ اللَّهَ على قدرِ قدرتِهِ عليكَ.
واستحِ منه على قدرِ قربِهِ منكَ.
وقال بعضُهم لمن استوصَاهُ: اتَّقِ اللَّهَ أن يكونَ أهونَ الناظرينَ إليكَ.
وفي هذا المعنى يقولُ بعضُهم:
يا مدمنَ الذنبِ أما تستَحِي. . . واللَّهُ في الخلوةِ ثانيكَا
غرَّك من ربِّكَ إمهالُهُ. . . وسترُهُ طولَ مساويكَا
وفي حديثِ أبي ذرٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ : "ثلانةٌ يحبُّهم اللَّهُ: رجل أتى قومًا فسألهم باللَّهِ ولم يسألهُم لقرابةٍ كانتْ بينه وبينَهُم، فتخلفَ رجلٌ فأعطاهُ سرًّا، لا يعلمُ بعطيتِهِ إلا اللَّهُ والذي أعطاهُ، وقومٌ سارُوا ليلَهُم حتى إذا كانَ النومُ أحبَّ إليهم مما يعدلُ
به، فوضَعُوا رءوسهم فقامَ رجلٌ يتملقُنِي ويتْلُو كتابي، ورجلٌ كانَ في سرية فخلفُوا العدوَ، فهُزِمُوا، فأقبلَ بصدْرِهِ حتى يقتلَ أو يفتحَ له ".
فهؤلاء الثلاثةِ قد اجتمعَ لهم معاملةُ اللَّهِ سرًّا بينَهُم وبينَهُ، حيثُ غَفَل
الناسُ عنهُم، فهُوَ تعالى يحبُّ من يعامُلُهُ سرًّا بينه وبينَهُ، حيث لا يعامله
حينئذٍ أحد، ولهذا فُضِّلَ قيامُ وسطِ الليلِ على ما سواه من أوقاتِ الليلِ.
والمحبونَ يحبونَ ذلك أيضًا علمًا منهم باطلاعه عليهم ومشاهدته لهم، فهم
يكتفون بذلك لأنهم عرفوه فاكتفوا به من بين خلقه، وعاملُوه فيما بينَهُ وبينَهُم
стр. 682
معاملةَ الشاهدِ غيرَ الغائبِ، وهذا مقامُ الإحسانِ.
قال بعض العارفين: من عرفَ اللَّهَ اكتفى به من خلقِهِ.
وكان بعضُ المخلصينَ يقولُ: لا أعتدُّ بما ظهرَ من عملِي.
اطلعَ على بعضِ أحوالِ بعضِهم، فدَعَى لنفسِهِ بالموتِ وقال: إنما كانتْ
تطيبُ الحياةُ إذا كانتِ المعاملةُ بيني وبين اللَّه سرًّا.
وقيلَ لبعضهم: ألا تستوحشُ وحدَكَ؟
قالَ: وكيفَ أستوحشُ وهو يقولُ: أنا جليسُ من ذكرَني.
آنستني خلواتِي بكَ عن كلِّ أنيسي. . . وتفردتُ فعاينتُكَ في الغيبِ جليسِي
* * *
قوله تعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)
كَمْ بَيْنَ الذين: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) ، وبينَ الذينَ: (يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) .
قال: عليٌّ ﵁: تتلقَّاهُم الملائكةُ على أبوابِ الجنة:
(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) .
ويلْقَى كُلُّ غِلمان صاحبَهم يُطيُفون به فِعْلَ الوِلْدان بالحميم جاء من الغيبةِ، ويقولون: أبشِرْ فقدْ أعدَّ اللَّهُ لك من الكرامةِ كذا وكذا، وينطلقُ غُلامٌ من غِلْمانِهِ إلى أزواجه من الحور العين، فيقولُ: هذا فلان - باسمه في الدنيا -، فيقلْنَ: أنتَ رأيتَه؟ فيقولُ: نعم، فيستخفُّهُنَّ الفرحُ حتى يخرُجْنَ إلى أُسْكُفَّةِ البابِ.
* * *
стр. 683
قوله تعالى: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:
(إِنَّه يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ) المعنى: أنه إذا اشتدت الأصوات
وتغالبت فإنها حالة لا يسمع فيها الإنسان.
واللَّه يسمع كلام كل شخص بعينه، ولا يشغله سَمع عن سَمْع.
* * *
قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)
قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:
(رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) : المراد منه: كن أنت أيها القائل على الحق.
ليمكنك أن تقول: احكم بالحق، لأن المبطل لا يمكنه أن يقول: احكم
بالحق.
* * *
стр. 684
سُورَةُ الحَجِّ
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)
وقولُه: "ثم يكونُ علقةً مثلَ ذلك "
يعني: أربعين يومًا، والعلقةُ: قطعة من "ثم يكون مضعةً مثلَ ذلك " يعني: أربعين يومًا، والمضغةُ: قطعة من لحم.
"ثمَّ يُرسلُ اللَهُ إليه الملك، فينفخ فيه الرُّوحَ، ويؤمرُ بأربع كلماتٍ: بكتبِ رزقِهِ وعملِهِ وأجلِهِ وشقى أو سعيدٌ".
فهذا الحديثُ يدلُّ على أنه يتقلبُ في مائةٍ وعشرينَ يومًا، في ثلاثةِ
أطوارٍ، في كلِّ أربعينَ منها يكونُ في طَوْرٍ، فيكونُ في الأربعينَ الأولى
نطفةً، ثم في الأربعينَ الثانية علقةً، ثم في الأربعينَ الثالثةِ مضغةً، ثم بعدَ
المائةِ وعشرينَ يومًا ينفخُ المَلَكُ فيه الرُّوحَ ويكتبُ لهُ هذه الأربعَ الكلماتِ.
وقد ذكرَ اللَهُ في القرآن في مواضعَ كثيرةٍ تقلُّبَ الجنينِ في هذه الأطوارِ.
كقولِهِ تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) .
стр. 685
وذكرَ هذه الأطوارَ الثلاثةَ: النُّطفةَ والعلقةَ والمضعةَ في مواضعَ متعددةٍ من
القرآنِ، وفي موضع آخرَ ذكرَ زيادةً عليها، فقالَ في سورةِ المؤمنين
(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) .
فهذه سبعُ تاراتٍ ذكرَها اللَّهُ في هذه الآيةِ لخلقِ ابنِ آدمَ قبلَ نفخ
الروح فيه.
وكان ابنُ عباسٍ يقولُ: خُلِقَ ابنُ آدمَ منْ سبعٍ، ثم يتلُو هذه الآيةَ.
وسئلَ عن العزلِ، فقرأ هذه الآيةَ ثمَّ قالَ: فهل يخلق أحدٌ حتى
تجري فيه هذه الصفةُ؟
وفي روايةٍ عنه قال: فهلْ تموتُ نفسٌ حتى تمرَّ على هذا الخلقِ؟.
ورُوي عن رفاعةَ بنِ رافع قالَ: جلسَ إلى عمرَ عليّ والزبيرُ وسعدٌ في نفرٍ
منْ أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ فتذاكرُوا العزل، فقالُوا: لا بأس به، فقالَ رجلٌ: إنَّهم يزعمونَ أنَّها الموءودةُ الصُّغرى.
فقالَ عليٌّ: لا تكون موءودةً حتى تمرَ على التَّاراتِ السَّبع: تكونُ سلالةً من طين، ثمَّ تكونُ نطفةً، ثم تكونُ علقةً، ثم تكونُ مضغةً، ثم تكونُ عظامًا، ثم تكونُ لحمًا، ثم تكونُ خلقًا آخرَ، فقال عمرُ: صدقتَ، أطال اللَّهُ بقاءَك.
رواه الدارقطنيُّ في "المؤتلف والمختلف ".
* * *
стр. 686
[قالَ البخاريُّ] : "بابُ: مُخَلَّقةٍ وغيرِ مُخَلَّقةٍ":
حدثنا مسدد: ثنا حماد، عن عبيد الله بنِ أبي بكرٍ، عن أنس بنِ مالكٌ.
عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"إنَّ اللهَ وكَلَ بالرَّحم ملَكًا، يقولُ: يا ربِّ نُطفة يا ربِّ
علَقة، يا ربِّ مُضْغة، فإذا أراد أن يقْضِي اللَّهُ خلقَهُ قال: أذَكَر أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيا؟ فما الرزقُ؟ فما الأجلُ؟ فيُكْتَبُ في بطنِ أمِّه ".
اختلف السَّلفُ في تأويلِ قولِ اللَّه : (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) .
فقال مجاهد: هي المضغةُ التي تسقطُها المرأةُ، منها ما هو مُخَلَّقٌ فيه
تصوير وتخطيطٌ، ومنها ما ليسَ بمخلَّقٍ ولا تصوير فيه، أرَى اللَهُ تعالى ذلك
عبادَه ليُبَين لهم أصْلَ ما خُلِقُوا منه، والذي يُقِرّه في الأرحامِ هو الذي يتمُّ
خلْقُهُ ولُولَدُ.
وقالتْ طائفةٌ: المخلقةُ: هي التي يتمُّ خلْقُها، وغيرُ مخلقة: هي التي
تَسقُطُ قبلَ أن تكونَ مضغةً.
روى الشَّعْبيُّ، عن علْقَمَةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: النطفةُ إذا استقرتْ في
الرَّحم حَمَلَها ملَكٌ بكفِّه، وقال: أي ربِّ، مخلقة أم غيرُ مُخلقةٍ؟
فإنْ قيلَ: غير مخلقةٍ: لم تكنْ نسمة، وقذفَتْها الأرحامُ.
وإن قيلَ: مخلقةٌ، قالَ: أي ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيدٌ؟
ما الأجلُ؟ ما الأثرُ؟ وبأيِّ أرضٍ تموتُ؟
قال: فيقالُ للنطفةِ: من ربّكِ؟
فتقولُ: اللَّهُ، فيقالُ: من رازقُكِ؟ فتقولُ: اللَّهَ.
فيقولُ اللَّه : اذهبْ إلى الكتابِ، فإنَّكَ ستجدُ فيه قصةَ هذه
стр. 687
النطفةِ، قالَ: فتُخلقُ، فتعيشُ في أجلِها، وتأكلُ رزقَها، وتطأُ في أثَرِها.
حتى إذا جاء أجلُها ماتتْ، فدُفنتْ في ذلكَ، ثم تلا الشعبيُّ: (يَا أَيُّهَا الناسُ
إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) إلى قولهِ: (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) ، فإذا
بلغتْ مضغةً نُكِسَتْ في الخَلْقِ الرابع، فكانتْ نسمةً، فإنْ كانتْ غيرَ مخلقةٍ
قذفَتْها الأرحامُ دمًا، وإن كانتْ مخلقةً نكِسَتْ نسمةً.
خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه، وآخرُهُ هو من قولِ الشعبيِّ.
وقد يستأنسُ بهذا من يقولُ: إنَّ الحاملَ لا تحيضُ ولا ترى دمَ الحيضِ في
حالِ حَمْلِها، وأنَها لا ترَى إلا دمَ النِّفاسِ خاصةً، وفي ذلكَ نظرٌ.
وقد قيلَ: إن هذا هو مرادُ البخاريِّ بتبويبِهِ هذا.
وقد رُويَ عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ : (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسانَ مِن نُّطْفَةٍ
أَمْشَاجِ) ، أنَّ النطفةَ مُشجتْ - أي: خُلِطَتْ بدمِ الحيضِ -، فإذا
حَمَلتِ المرأةُ ارتفعَ حيضُها.
وحديثُ أنسٍ الذي خرَّجه البخاريُّ يدلُّ على أنَّه لا يُخلقُ إلا بعدَ أن
يكونَ مضغةً، وليسَ فيه ذِكْرُ مدةِ ذلكَ.
وذكرُ المدةِ في حديث ابنِ مسعودٍ -
وقد خرَّجه البخاريُّ في مواضعَ أُخَرَ - قالَ: حدثنا رسولُ اللًّهِ ﷺ وهو الصادقُ المصدوقُ -:
"إنَّ خلقَ أحدِكُم يُجْمَع في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا نطفة، ثم يكون علقةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ مضغةً مثلَ ذلك، ثم يُبعثُ إليه الملكُ، فيُؤمَرُ بأربع
كلماتٍ: بكتْبِ رزِقه، وأجَلِهِ، وعمَلِهِ، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثم يُنفخُ فيه الرُّوح " -
وذكر الحديثَ.
وقد رُويَ هذا المعنى عن ابن مسعودٍ موقوفًا عليه، وعن ابنِ عباسٍ،
стр. 688
وغيرِهما من الصحابةِ.
وقد أخذَ كثيرٌ من العلماءِ بظاهرِ حديثِ ابنِ مسعودٍ، وقالُوا. أقلُّ ما يتبيَنُ
فيه خلْقُ الولدِ أحدٌ وثمانونَ يومًا؛ لأنه لا يكونُ مضغةً إلا فى الأربعينَ
الثالثةِ، ولا يتخلَّقُ قبلَ أن يكونَ مضغةً.
قال الإمامُ أحمدُ: ثنا هُشَيْمٌ: أنْبَأ داودُ، عن الشعبي، قال: إذا نُكِسَ
السَّقْطُ الخلْقَ الرابعَ وكان مخلقًا عُتقَت به الأَمَةُ، وانقضتْ به العدَّة.
قال أحمدُ: إذا تبيَّنَ الخلْقُ فهو نفاسٌ، وتُعْتَقُ به إذا تبيَّن.
قال: ولا يُصَلَّى على السَّقْطِ إلا بعد أربعة أشهرٍ.
قيلَ له: فإنْ كان أقلَّ من أربعةٍ؟
قالَ: لا، هو في الأربعةِ يتبيَّنُ خلقُه.
وقال: العلقةُ: هي دمٌ لا يتبين فيها الخلقُ.
وقال أصحابُنا وأصحابُ الشافعيّ - بناءً على أن الخلقَ لا يكونُ إلا في
المضغةِ -: أقلّ ما يُتبيَّنُ فيه خلْقُ الولدِ أحدٌ وثمانون يومًا، في أولِ الأربعين
الثالثةِ التي يكونُ فيها مضغةٌ، فإن أُسقطتْ مضغةً مخلقةً انقضتْ بها العدةُ
وعُتِقَتْ بها أمُّ الولدِ، ولو كان التخليقُ خفِيًّا لا يَشهدُ به إلا من يعرفُهُ من
النساء فكذلكَ.
فإنْ كانتْ مضغةً لا تَخْليقَ فيها: ففي انقضاءِ العدةِ وعتقِ الأمَةِ به روايتانِ
عن أحمدَ.
وهل يعتبرُ للمضغةِ المخلقةِ أن يكونَ وضعُها بعدَ تمامِ أربعةِ أشهر؟
فيه قولانِ، أشهرُهُما: لا يُعتبرُ ذلكَ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ، وهو المشهورُ عن أحمدَ، حتى قالَ: إذا تبيَّنَ خلقُهُ: ليسَ فيه اختلافٌ، أنها تُعْتقَ بذلكَ.
стр. 689
ورويَ عنه ما يدل على اعتبارِ مُضِيِّ الأربعةِ أشهُرِ، وعنه روايةٌ أُخْرى في
العلقةِ إذا تبيَّنَ أنها ولدٌ: أنَّ الأمَةَ تُعْتَقُ بها، ومن أصحابنا من طرد ذلك في
انقضاءِ العدَّةِ بها - أيضًا - وهذه الروايةُ قول النَّخعِي، وحكيَ قولاً للشافعي.
وهذا يدلُّ على أنَّه يمكنُ التخليقُ في العلقةِ، وقد رُويَ ما يدلُّ عليه.
والأطباءُ تعترفُ بذلكَ.
فأمَّا الصلاةُ على السقْطِ: فالمشهورُ عن أحمدَ أنه لا يُصلَّى عليهِ حتى يُنفخَ
فيه الروحُ، ليكون ميْتًا بمفارقةِ الروح لهُ، وذلك بعد مُضِيِّ أربعةِ أشهرٍ، وهو قولُ ابنِ المسيبِ، وأحدُ أقوالِ الشافعيِّ، وإسحاقَ.
وإذا ألْقَتْ ما يتبيَّن فيه خلْقُ الإنسانِ فهيَ نُفساءُ، ويلزمُها الغُسْلُ، فإنْ لم
يتبيَّنْ فيه خلقُ الإنسانِ وكانَ مضغةً فلا نفاسَ لها، ولا غُسلَ عليها في
المشهورِ عن أحمدَ، وعنه رواية: أنها نفساءُ -. نقلها عنه الحسنُ بنُ ثوابٍ.
ولم يشترطْ شيئًا، لأن المضغة مظنَةُ تبيُّنِ التَخَلُّقِ والتصويرِ غالبًا.
وإنْ ألقَتْ علقةً: فلا نفاسَ لها فيه، ولأصحابِنا وجهٌ ضعيفٌ: أنها نفساءُ.
بناءً على القولِ بانقضاءِ العدَّةِ به.
ومذهبُ الشافعيةِ والحنفيّةِ: أنَّ الاعتبارَ في النفاسِ بما تنقضِي به العدَّةُ.
وتصيرُ به الأمَةُ أمَّ ولدٍ، فحيثُ وُجد ذلكَ فالنفاسُ موجودٌ، وإلا فلا.
والاعتبارُ عندهُم في ذلكَ كلِّه بما يتَبيَّنُ فيه خلقُ الإنسانِ.
وقال إسحاقُ: إذا استتمَّ الخلقُ فهو نفاسٌ -: نقلَهُ عنه حرْبٍ.
* * *
стр. 690
قوله تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)
قال تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ) ، وكان إبراهيمُ
التيميُّ إذا تلا هذه الآيةَ يقولُ: سبحانَ من خلَقَ من النارِ ثيابًا.
وروينا من طريقِ يحيى بن معينٍ، حدثنا أبو عبيدةَ الحدادُ، حدثنا عبدُ اللَّهِ
ابنُ بحيرٍ، عن عباسٍ الجريريَ - أحسبُهُ عن ابنِ عباس - قالَ: يُقطعُ للكافرِ
ثيابٌ من نارٍ، حتى ذكرَ القباءَ والقميصَ والكمةَ.
وخرَّج أبو داود وغيرُه من حديثِ المستوردِ عن النبيِّ ﷺ قال: "من أكل برجل مسلمٍ أكلة في الدنيا أطعمَهُ اللَّهُ مثلها في جهنَّمَ، ومن كسَى أو اكتسَى برجل مسلمٍ ثوبًا كساهُ اللَّهُ مثلَهُ في جهنَّم ".
وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" عن هُبيبُ بن مُغْفِل، عن النبي ﷺ قالَ:
"من وطِئَ إزارَهُ خيلاءَ وطئَهُ في النارِ"
وهو يبينُ معنى ما في "صحيح البخاريِّ " عن أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ أنه قالَ: "ما تحت الكعبين من الإزار ففي النارِ".
أن المراد: ما تحتَ الكعبِ من البدنِ والثوبِ معًا، وأنه يسحبُ ثوبه
في النارِ كما يسحبُهُ في الدنيا خيلاءَ.
وسيأتي حديثُ: "أهونُ أهلِ النارِ عذابًا: مَن في قدميهِ نعلانِ من نار يغلي فيهما دماغُهُ "
فيما بعدُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
стр. 691
وفي كتابِ أبي داودَ والنسائيِّ والترمذيِّ عن بريدةَ: أنَّ النبي ﷺ رأى على رجلٍ خاتمًا من حديدٍ فقالَ:
"ما لي أرَى عليكَ حليةَ أهلِ النارِ".
وروى حمادُ بنُ سلمةَ عن عليِّ بنِ زيدٍ عن أنسٍ عن النبيِّ ﷺ
"أنَّ أولَ من يُكسى حلةً من النارِ. إبليسُ، يضعُها على حاجِبِه ويسحبُها من خلفِهُ ذريتُه وهو يقولُ: يا ثبورهُ، وهم ينادونَ: يا ثبورَهُم، حتى يقفُوا على النارِ، فيقولُ: يا ثبورهُ ويقولونَ: يا ثبورَهُم، فيقالَ:
(لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) ".
خرَّجه الإمامُ أحمد.
وفي حديثِ عديٍّ الكنديِّ عن عمرَ: "أنَّ جبريلَ قالَ للنبيِّ ﷺ : والذي بعثك بالحقِّ، لو أنَّ ثوبًا من ثيابِ النارِ عُلِّق بين السماء والأرضِ لماتَ من في الأرضِ جميعًا من حرِّهِ ".
وخرَّجه الطبرانيُّ، وسبقَ ذكرُ إسنادِهِ.
وفي "موعظةِ الأوزاعيِّ " للمنصورِ قالَ: بلغني أنَّ جبريل قالَ للنبيِّ ﷺ فذكر بنحوه.
* * *
ومن أنواع عذابِهم: الصَّهْرُ، قال اللَّهُ تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) .
قال مجاهد: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ) : يذابُ به إذابةً.
وقال عطاءُ الخراسانيُّ: يذابُ به ما في بطونِهِم كما يذابُ الشحمُ.
стр. 692
وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ أبي هريرة عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"إن الحميمَ ليصبُّ على رءوسهم، فينفذ الحميمُ حتى يخلصَ إلى جوفِهِ، فيسلتُ ما في جوفِهِ حتى يمرقَ من قدميهِ وهو الصهرُ، ثم يعودُ كما كانَ " وقال: حسنٌ غريبٌ صحيح.
وقال اللَّهُ : (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) .
قال كثيرٌ من السلفِ: نزلتْ هذه الآية ُ في أبي جهلٍ.
قال الأوزاعيُّ: يؤخذ أبو جهل يوم القيامة فيخرق في رأسه خرق، ثم
يؤتى بسجل من الحميمِ فيصب في ذلك الخرق، ثم يقال له: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) .
قال مجاهدٌ في قوله: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) .
قال: النحاس: الصُّفْر، يذاب فيصب على رءوسهم يعذبون به.
وقال عطاء الخراسانيُّ في قوله تعالى: (وَنُحَاسٌ) قال: الصُّفْر، يذاب فيصب
على رءوسهم فيعذبون به.
* * *
قال اللَّهُ تعالى: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا) .
قال جويبر عن الضحاك: (مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ) : أي: مطارقُ.
стр. 693
وروى ابنُ لهيعةَ عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ ﷺ قالَ:
"لو أنَّ مقمعًا من حديدٍ وُضِعَ في الأرضِ فاجتمعَ له الثقلانِ لما أقلوه من الأرضِ "
خرَّجه الإمامُ أحمدُ، وخرَّج أيضًا بهذا الإسنادِ عن النبيِّ ﷺ :
"لو ضُرب بمقامع من حديدٍ لتفتت ثمَّ عاد".
قال الإمامُ أحمدُ في كتابِ "الزهدِ": حدثنا سيارٌ، حدثنا جعفر، سمعت
مالكَ بنَ دينار، قال: إذا أحسَّ أهلُ النارِ في النارِ بضربِ المقامع انغمسُوا في
حياضِ الحمَّيَم فيذهبونَ سفالاً، كما يغرقُ الرجلُ في الماءِ في الدنيا.
ويذهبُ سفالاً سفالاً.
قال سعيدٌ عن قتادةَ: قالَ عمرُ بنُ الخطابِ: ذكِّروهم النارَ؛ لعلَّهم
يفرقُونَ، فإن حرَّها شديدٌ، وقعرُها بعيدٌ، وشرابُها الصديدُ، ومقامعُها
الحديدُ.
وذكر ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن صالح المريِّ أنه قرأ على بعضِ العبادِ:
(إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) .
قالَ: فشهقَ الرجلُ شهقةً، فإذا هو قدْ يبسَ مغشيًا عليهِ، قالَ: فخرجْنَا
من عندِهِ وتركْنَاهُ.
وقرأ رجلٌ على يزيدَ الضبيِّ: (وَترَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) ، فجعلَ يزيدُ يبكي حتى غشيَ عليه.
خرَّجهُ عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ.
وقد سبقَ عن مالكِ بنِ دينارٍ: أنه قامَ ليلةً في وسطِ الدارِ إلى الصباح،
стр. 694
فقالَ: ما زالَ أهلُ النارِ يعرضُونَ عليَّ في سلاسلهم وأغلالِهِم حتى
الصباحِ.
* * *
قوله تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)
وقال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)
والمعنى: أنه تعالى يحبُّ من عبادِهِ أنْ يتَّقُوه ويُطيعُوه، كما أنَّه يكره منهم
أن يعْصُوه، ولهذا يفرحُ بتوبةِ التائبينَ إليه أشدَّ من فرح منْ ضلَّتْ راحلتُهُ
التي عليْهَا طعامُهُ وشرابُهُ بفَلاةٍ من الأرضِ، وطلبَهَا حتَّى أعيا وأيسَ منهَا.
واستسلَمَ للموتِ، وأيسَ من الحياةِ، ثم غلبتْهُ عينُه فنامَ فاستيقظَ وهي قائمةٌ
عندَهُ، وهذا أعْلَى ما يتصورُهُ المخلوقُ من الفرح، هذا كلُّه مع غناهُ عن
طاعاتِ عبادِهِ وتوباتِهِم إليه، وإنَّه إنَّما يعودُ نفعُها إليهِم دونَهُ، ولكن هذا من كمالِ جودِهِ وإحسانِهِ إلى عبادِهِ، ومحبتِهِ لنفعِهِم ودفع الضَّرَرِ عنهُم، فهو
يُحِبُّ من عبادِهِ أن يعرفُوه ويحبُّوه ويخافُوه ويتَّقوه ويطيعُوه ويتقرَّبوا إليه.
ويُحِبُّ أن يعلمُوا أنَّه لا يغفرُ الذنوبَ غيرُه، وأنَّه قادرٌ على مغفرةِ ذنوبِ
عبادِهِ، كما في روايةِ عبد الرحمنِ بنِ غنْم عن أبي ذرٍّ لهذا الحديثِ:
"من علمَ منكم أنِّي ذو قُدرةٍ على المغفرةِ، ثم استغفرني، غفرتُ له ولا أبالي ".
وفي "الصحيح " عن النبيِّ ﷺ : "إنَّ عبدًا أذنبَ ذنبًا، فقالَ: يا ربِّ، إنَي عملتُ
стр. 695
ذنبًا، فاغفر لي، فقالَ اللَّهُ : علمَ عبدِي أنَّ له ربًّا يغفرُ الذنب ويأخذُ بالذنبِ، قد غفرتُ لعبدِي ".
وفي حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه لما ركبَ دابَّته حمِدَ اللَّهَ ثلاثًا، وكبَّر ثلاثاً، وقالَ: "سبحانَك إنّي ظلمتُ نفسِي، فاغفرْ لِي، فإنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ " ثم ضحكَ، وقال: "إنَّ ربَّك ليعجَبُ من عبدٍ إذا قالَ: ربِّ اغفرْ لي ذنوبي، يعلمُ أنه لا يغفرُ الذُّنوبَ غيرِي ".
خرَّجه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وصححه.
وفي "الصحيح " عن النبيِّ ﷺ قال:
"واللهِ؛ للَّهُ أرحمُ بعباده من الوالدةِ بولدِها ".
كان بعضُ أصحابِ ذي النونِ يطوفُ وينادي: آه، أين قلبِي؟ ، مَنْ وجَدَ
قلبي؟ فدخلَ يومًا بعضَ السككِ، فوجدَ صبيًّا يبكي وأمُّه تضربُه، ثم
أخرجتُه من الدارِ، وأغلقتِ البابَ دونه، فجعل الصبيُّ يتلفَّتُ يمينًا وشمالاً
لا يدري أين يذهبُ ولا أين يقصِدُ، فرجعَ إلى بابِ الدارِ، فجعَلَ يبْكي ويقول:
يا أمَّاه منْ يفْتَحُ لي البابَ إذا أغلقتِ عنِّي بابَك؛ ومن يُدنيني من نفسِهِ إذا
طردتيني؟ ومن ذا الذي يُدنيني بعد أن غضبتِ عليَّ؛ فرحمتْهُ أمُّه، فقامتْ
فنظرتْ من خَلَلِ البابِ، فوجدتْ ولدَهَا تجري الدموعُ على خدَّيهِ متمعِّكًا في
الترابِ، ففتحتِ البابَ، وأخدْتْهُ حتى وصْعتْهُ في حَجْرِها، وجعلتْ تُقبِّله،
стр. 696
وتقولُ: يا قُرَّةَ عيني، ويا عزيزَ نفسِي، أنت الذي حملتني على نفسِكَ.
وأنت الذي تعرَّضتَ لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتنِي لم تلقَ منِّي مكروهًا.
فتواجدَ الفتى، ثم قام: فصاحَ، وقال: قد وجدتُ قلبِي، قد وجدتُ قلبِي.
وتفكَّروا في قولهِ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم ذَكَرُوا اللَّهَ
فَاسْتَغْفَرُوا لِذنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنوبَ إِلاَّ اللَّهُ) .
فإنَّ فيه إشارةً إلى أن المذنبينَ ليسَ لهُم من يلجئونَ إليه ويُعوِّلونَ عليه في مغفرةِ ذنوبِهِم غيرُهُ.
وكذلك قولُهُ في حقِّ الثلاثةِ الذين خُلِّفوا: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) .
فرتَّبَ توبتَه عليهم على ظنِّهم أن لا ملجأ من اللَّهِ إلا إليه، فإنَّ العبدَ إذا خافَ من مخلوقٍ، هربَ منه، وفرَّ إلى غيرِهِ.
وأمَّا من خافَ من اللَّهِ، فما لهُ منْ ملجأ يلجأُ إليه، ولا مهرَبٍ يهربُ إليه إلا
هو، فيهربُ منه إليهِ، كما كان النبيُّ ﷺ يقولُ في دعائِهِ: "لا ملجأ، ولا منْجَا منكَ إلا إليكَ "، وكان يقولُ: "أعوذُ برضاك من سَخَطك، وبعفوك من عقوبتكَ، وبك منك ".
قال الفضيلُ بنُ عياضٍ ﵀: ما مِنْ ليلةٍ اختلطَ ظلامُها، وأرْخى
الليلُ سِرْبالَ ستْرها، إلا نادَى الجليلُ ﷻ : منْ أعظمُ منِّي جودًا، والخلائقُ لي عاصونَ، وأنا لهُم مراقبٌ؟ ، أكلؤهُم في مضاجِعِهم، كأنهم لم
يعصوني، وأتولَّي حفظَهم، كأنَّهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينَهُم، أجود بالفضلِ
على العاصِي، وأتفضَّلُ على المسيء، من ذا الذي دعاني فلم أُلبِّهْ؟ أم منْ ذا
стр. 697
الذي سألني فلم أعطِه؟ ، أم من ذا الذي أناخَ ببابي فنحَّيتُه؟
أنا الفضل، ومنِّي الفضلُ، أنا الجوادُ، ومنِّي الجودُ، أنا الكريمُ، ومنِّي الكرمُ، ومِن كرَمِي أن أغفرَ للعاصينَ بعدَ المعاصِي، ومن كرَمِي أن أُعطيَ العبدَ ما سألني، وأُعطيه ما لم يسألْني، ومن كرمِي أن أُعطيَ التَّائبَ كأنَّه لم يعصِني، فأين عنِّي يهربُ الخلائقُ؟ وأين عن بابي يتنحَّى العاصونَ؟.
خرَّجه أبو نُعيمٍ.
ولبعضِهِم في المعنى:
أسأتُ ولم أُحْسِن وجئتُكَ تائبًا. . . وأنَّى لِعَبْدٍ عن مواليه مهْرَبُ
يُؤَمِّلُ غُفْرَانًا فإنْ خابَ ظَنُّه. . . فما أحدٌ منه على الأرضِ أخيبُ
* * *
стр. 698
الجزء الثاني
стр. 699
سُورَةُ المؤمِنُونَ
قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)
قد مدح اللَّه الخاشعينَ في صلاتِهِم، فقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) .
وقال: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) .
رُوي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، قال: هو الخشوعُ في القلبِ، وأن تلينَ
كنفكَ للمسلم، وأن لا تلتفتَ في صلاتِك.
وعنه قال: الخشوعُ خُشُوعُ القلبِ، وأن لا تلتفتَ يمينًا ولا شمالا.
وعن ابنِ عباسٍ قال: (خاشعون) : خائفونَ ساكنون.
وعنِ الحسنِ قال: كان الخشوعُ في قلوبِهِم، فغضُّوا له البصرَ، وخفضُوا
له الجناح.
وعن مجاهدٍ قال: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ في الصلاةِ.
وعنه قال: هو خفضُ الجناح وغضُّ البصرِ، وكان المسلمون إذا قامَ أحدُهُم
في الصلاةِ خافَ ربَّه أن يلتفتَ عن يمينِهِ أو شمالِهِ.
стр. 700
وعنه قالَ: العلماءُ إذا قامَ أحدُهم في الصلاةِ هابَ الرحمنَ أن
يشذ نظرُهُ، أو يلتفتَ، أو يقلِّب الحصى، أو يعبثَ بشيء، أو يحدثَ نفسَهُ
بشيءٍ من الدنيا، إلا ناسيًا، ما دامَ في صلاتِهِ.
وعن الزهريِّ قال: هو سكونُ العبدِ في صلاتِهِ.
وعن سعيدِ بن جبير، قال: يعني: متواضعينَ، لا يعرفُ مَن عن يمينِهِ.
ولا مَن عنْ شمالِهِ ولا يلتفتُ من الخشوعُ للَّه .
ورُوي عن حذيفةَ أنه رأى رجلاً يعبثُ في صلاتِهِ، فقالَ: لو خشعُ قلبُ
هذا لخشعتْ جوارحُهُ.
ورُوي عن ابنِ المسيبِ.
ورُوي مرسلا.
فأصلُ الخشوع: هو خشوعُ القلبِ، وهو انكسارُهُ للَّه، وخضوعة وسكونُهُ
عن التفاتِهِ إلى غيرِ مَنْ هو بينَ يديهِ، فإذا خشعَ القلبُ خشعتِ الجوارحُ كلُّها
تبعًا لخشوعِهِ، ولهذا كان النبي ﷺ يقولُ في ركوعِهِ: "خشع لك سمعي، وبصري، ومخّي، وعظامي، وما استقل به قدَمِي ".
ومن جملةِ خشوع الجوارح: خشوعُ البصرِ أن يلتفتَ عن يمينِهِ أو
يسارِهِ.
стр. 701
وقال ابنُ سيرين: كان رسولُ اللَّه ﷺ يلتفتُ في الصلاةِ عن يمينِهِ وعن يساره، فأنزلَ اللَّه تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ، فخشعَ رسولُ اللَّه ﷺ ، ولم يكنْ يلتفتْ يمنةً ولا يسرةً.
وخرَّجهُ الطبرانيُّ من روايةِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرة.
والمرسلُ أصحُّ.
* * *
إنَّ اللَّه مدحَ في كتابِهِ المخبتينَ لَهُ، والمُنْكَسِرِينَ لَعظَمتِهِ.
والخاضعينَ.
فقالَ تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) .
وقالَ تعالى: (وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ) إلى قوله: (أَعَدَّ اللَهُ لَهُم مَغْفرَةً وَأَجرًا
عَظِيمًا) .
ووصفَ المؤمنينَ بالخشوع لهُ في أشرفِ عباداتهِم التَّي هُم علَيْهَا يحافظونَ.
فقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) .
ووصفَ الذين أُوتوا العلمَ بالخشوع، حيثُ يكونُ كلامُه لهم مسموعًا.
فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) .
стр. 702
وأصلُ الخشوع هو: لينُ القلبِ ورِقَتُه وسكونُه وخشوعُه وانكسارُه
وحرقتُه، فإذا خشعَ القلبُ تبعهُ خشوعُ جميع الجوارح والأعضاءِ لأنَّها تابعة
له، كما قال ﷺ :
"ألا إنَّ في الجسد مُضْغَة، إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا
فسدتْ فسدَ الجسدُ كلّه، ألا وهي القلبُ ".
فإذا خشعَ القلبُ، خشعَ السمعُ والبصرُ والرأسُ والوجهُ وسائرُ الأعضاءِ
وما ينشأُ مِنْها حتى الكلامِ.
ولهذا كانُ النبيُّ ﷺ يقولُ في ركوعِه في الصلاة:
"خشعَ لك سمعِي وبصرِي ومُخي وعظامِي ".
وفي روايةٍ: "وما استقل به قدَمي ".
ورأى بعضُ السَّلَفِ رجلاً يعبثُ بيده في صلاتِه فقالَ: لو خشعَ قلبُ هذا
لخشعتْ جوارِحُه.
ورُويَ ذلك عن حُذيفة ﵁ وسعيدِ بنِ المسيِّبِ.
ويُروى مرفوعًا
بإسنادٍ لا يصح.
قال المسعوديُّ عن أبي سناد عمَّن حدَّثه عن علي بنِ أبي طالمب ﵁ في قولِهِ تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) .
قال: هوَ الخشوعُ في القلبِ وأن تُلينَ كنفكَ للمرءِ المسلم وأن لا تلتفتَ في صلاتكِ.
стр. 703
وقال عطاءُ بنُ السائبِ عن رجلٍ عن عليٍّ ﵁:
"الخشوع: خشوعُ القلبِ، وأن لا يلتفتَ يمينًا وشمالاً".
وقال: عن علي بنِ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ ﵄ في قوله تعالى::
(الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشعُونَ) .
قال: خائفونَ ساكِنون.
وقال ابنُ شَوْذب عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى -:
"كان الخشوعُ في قلوبِهِم فغضوا له البصرَ وخفضوا له الجَناحَ ".
وقال منصور عن مجاهدٍ: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ في
الصلاة.
وقال ليث عن مجاهدٍ: من ذلك: خفضُ الجناح، وغضُّ البصرِ، وكانَ
المسلمونَ إذا قامَ أحدُهم إلى الصلاةِ خافَ ربه أن يلتفتَ عن يمينهِ أو
شماله.
وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ والطَّرْفِ.
وقال الزهريُّ: هو سكونُ العبدِ في صلاتهِ.
وعن قتادةَ قال: الخشوعُ في القلبِ هو الخوفُ وغضُّ البصرِ في الصلاةِ.
وقال ابنُ أبي نَجيح عن مجاهدٍ - رحمه اللَّه تعالى - في قولهِ تعالى:
(وَكانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) قال: متواضِعينَ.
стр. 704
وقد وصَف اللَّهُ تعالى في كتابِهِ الأرضَ بالخشوع فقالَ: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) ، فاهتزازُهَا
وربوُّها - وهو ارتفاعُها - مُزيلٌ لخشوعِهَا، فدَلَّ على أنَّ الخشوعَ الذي كانتْ عليه هو سكونُها وانخفاضُها.
وكذلك القلبُ إذا خَشَعَ فإنَّه يَسْكُنُ خواطرُهُ وإرادتُه الرديئةُ التي تنشأُ عن
اتِّباع الهَوى، وينكسرُ ويخضعُ للَّه ، فيزول بذلك ما كانَ فيه من
البَأْوِ والترفع والتعاظُم والتكبُّرِ، ومتى سكَنَ ذلكَ في القلبِ خشعتِ
الأعضاءُ والجوارحُ والحركاتُ كلُّها حتى الصَّوتُ.
وقد وصفَ اللَّهُ تعالَى الأصواتَ بالخشوع في قوله: (وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ
لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا) ، فخشوعُ الأصواتِ هو سكونُها
وانخفاضُها بعد ارتفاعِهَا.
وكذلكَ وصفَ وجوهَ الكُفارِ وأبصارَهم في يومِ القيامةِ بالخشوع، فدل
ذلك على دخولِ الخشوع في هذه الأعضاءِ كلِّها.
ومتى تكلَّف الإنسانُ تعَاطي الخشوع في جوارحِهِ وأطرافِه مع فراغ قلبهِ من
الخشوع وخُلوه منه كانَ ذلك خشوعَ نفاقٍ، وهو الذي كانَ السلف يستعيذونَ منه، كما قالَ بعضُهم: استعيذوا باللَّهِ من خشوع النفاقِ.
قالوا: وما خشوعُ النفاقِ؟
قال: أن يُرى الجسَدُ خاشعًا والقلبُ ليس بخاشع.
ونظر عمُر ﵁ إلى شابٍّ قد نكسَ رأسَه، فقالَ له: يا هذا، ارفعْ
стр. 705
رأسكَ، فإنَّ الخشوعَ لا يزيدُ على ما في القلبِ.
فمن أظهَر للناسِ خشوعًا فوقَ ما في قلبِهِ فإنَّما هو نفاقٌ على نفاقٍ.
وأصلُ الخشوع الحاصلُ في القلبِ، إنَّما هوَ من معرفةِ اللَّه، ومعرفةِ
عظمتِهِ وجلاِلهِ وكمالِهِ، فمن كانَ باللَّه أعرفَ كانَ له أخشعَ.
وتتفاوتُ القلوبُ في الخشوع بحَسبِ تفاوُتِ معرفَتِهَا لمن خشعت.
وبحسبِ تفاوتِ مشاهدةِ القلوبِ للصفاتِ المقتضيةِ للخشوع، فمِنْ خاشع
لقوةِ مُطالعتهِ قُربَ اللَّهِ من عبدِهِ واطَلاعِهِ على سِرِّه وضميرِه المقتضي
للاستحياءِ من اللَّهِ تعالى ومراقبتهِ في الحركاتِ والسكناتِ، ومن خاشع
لمطالعتِه لجلالِ اللَّه وعظمتهِ وكبريائهِ المقتضي لهيبتهِ، ومن خاشعِ لمطالعتهِ
لكمالهِ وجمالهِ المقتضِي للاستغراقِ في محبتهِ والشوقِ إلى لقائهِ ورويتهِ، ومن
خاشع لمُطالعتهِ شدَّةَ بطشِه وانتقامِه وعقابِه المقتضِي للخوفِ منهُ.
وهو جابِرُ القلوبِ المنكسرةِ لأجلِه فهو
يتقرّبُ من القلوبِ الخاشعةِ له كما يتقربُ ممن يناجيهِ في الصلاةِ، وممَّن يعفِّرُ
له وَجْهَهُ في الترابِ بالسجودِ.
وكما يتقربُ من وفدِهِ وزوارِ بيتهِ الواقفينَ بين يديه المتضرعينَ إليه في
الوقوفِ بعرفةَ ويدنُو ويباهِي بهم الملائكةَ.
وكما يتقربُ من عبادِهِ الدائبينَ له، السائليَن له، المستغفريَن من ذنوبهِم
بالأسحارِ، ويجيبُ دعاءَهم ويعطِيهم سؤالَهم.
ولا جبَر لانكسارِ العبدِ أعظمُ من القربِ والإجابةِ.
следующие страницы →