← Тафсир

Тафсир · id 10463

تفسير ابن رجب الحنبلي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (1 372 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وقال ابنُ سيرين: كان رسولُ اللَّه ﷺ يلتفتُ في الصلاةِ عن يمينِهِ وعن يساره، فأنزلَ اللَّه تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) ، فخشعَ رسولُ اللَّه ﷺ ، ولم يكنْ يلتفتْ يمنةً ولا يسرةً. وخرَّجهُ الطبرانيُّ من روايةِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرة. والمرسلُ أصحُّ. * * * إنَّ اللَّه مدحَ في كتابِهِ المخبتينَ لَهُ، والمُنْكَسِرِينَ لَعظَمتِهِ. والخاضعينَ. فقالَ تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) . وقالَ تعالى: (وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ) إلى قوله: (أَعَدَّ اللَهُ لَهُم مَغْفرَةً وَأَجرًا عَظِيمًا) . ووصفَ المؤمنينَ بالخشوع لهُ في أشرفِ عباداتهِم التَّي هُم علَيْهَا يحافظونَ. فقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) . ووصفَ الذين أُوتوا العلمَ بالخشوع، حيثُ يكونُ كلامُه لهم مسموعًا. فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) .

стр. 702

وأصلُ الخشوع هو: لينُ القلبِ ورِقَتُه وسكونُه وخشوعُه وانكسارُه وحرقتُه، فإذا خشعَ القلبُ تبعهُ خشوعُ جميع الجوارح والأعضاءِ لأنَّها تابعة له، كما قال ﷺ : "ألا إنَّ في الجسد مُضْغَة، إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدتْ فسدَ الجسدُ كلّه، ألا وهي القلبُ ". فإذا خشعَ القلبُ، خشعَ السمعُ والبصرُ والرأسُ والوجهُ وسائرُ الأعضاءِ وما ينشأُ مِنْها حتى الكلامِ. ولهذا كانُ النبيُّ ﷺ يقولُ في ركوعِه في الصلاة: "خشعَ لك سمعِي وبصرِي ومُخي وعظامِي ". وفي روايةٍ: "وما استقل به قدَمي ". ورأى بعضُ السَّلَفِ رجلاً يعبثُ بيده في صلاتِه فقالَ: لو خشعَ قلبُ هذا لخشعتْ جوارِحُه. ورُويَ ذلك عن حُذيفة ﵁ وسعيدِ بنِ المسيِّبِ. ويُروى مرفوعًا بإسنادٍ لا يصح. قال المسعوديُّ عن أبي سناد عمَّن حدَّثه عن علي بنِ أبي طالمب ﵁ في قولِهِ تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) . قال: هوَ الخشوعُ في القلبِ وأن تُلينَ كنفكَ للمرءِ المسلم وأن لا تلتفتَ في صلاتكِ.

стр. 703

وقال عطاءُ بنُ السائبِ عن رجلٍ عن عليٍّ ﵁: "الخشوع: خشوعُ القلبِ، وأن لا يلتفتَ يمينًا وشمالاً". وقال: عن علي بنِ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ ﵄ في قوله تعالى:: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشعُونَ) . قال: خائفونَ ساكِنون. وقال ابنُ شَوْذب عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى -: "كان الخشوعُ في قلوبِهِم فغضوا له البصرَ وخفضوا له الجَناحَ ". وقال منصور عن مجاهدٍ: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ في الصلاة. وقال ليث عن مجاهدٍ: من ذلك: خفضُ الجناح، وغضُّ البصرِ، وكانَ المسلمونَ إذا قامَ أحدُهم إلى الصلاةِ خافَ ربه أن يلتفتَ عن يمينهِ أو شماله. وقال عطاءٌ الخراسانيُّ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ والطَّرْفِ. وقال الزهريُّ: هو سكونُ العبدِ في صلاتهِ. وعن قتادةَ قال: الخشوعُ في القلبِ هو الخوفُ وغضُّ البصرِ في الصلاةِ. وقال ابنُ أبي نَجيح عن مجاهدٍ - رحمه اللَّه تعالى - في قولهِ تعالى: (وَكانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) قال: متواضِعينَ.

стр. 704

وقد وصَف اللَّهُ تعالى في كتابِهِ الأرضَ بالخشوع فقالَ: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ) ، فاهتزازُهَا وربوُّها - وهو ارتفاعُها - مُزيلٌ لخشوعِهَا، فدَلَّ على أنَّ الخشوعَ الذي كانتْ عليه هو سكونُها وانخفاضُها. وكذلك القلبُ إذا خَشَعَ فإنَّه يَسْكُنُ خواطرُهُ وإرادتُه الرديئةُ التي تنشأُ عن اتِّباع الهَوى، وينكسرُ ويخضعُ للَّه ، فيزول بذلك ما كانَ فيه من البَأْوِ والترفع والتعاظُم والتكبُّرِ، ومتى سكَنَ ذلكَ في القلبِ خشعتِ الأعضاءُ والجوارحُ والحركاتُ كلُّها حتى الصَّوتُ. وقد وصفَ اللَّهُ تعالَى الأصواتَ بالخشوع في قوله: (وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا) ، فخشوعُ الأصواتِ هو سكونُها وانخفاضُها بعد ارتفاعِهَا. وكذلكَ وصفَ وجوهَ الكُفارِ وأبصارَهم في يومِ القيامةِ بالخشوع، فدل ذلك على دخولِ الخشوع في هذه الأعضاءِ كلِّها. ومتى تكلَّف الإنسانُ تعَاطي الخشوع في جوارحِهِ وأطرافِه مع فراغ قلبهِ من الخشوع وخُلوه منه كانَ ذلك خشوعَ نفاقٍ، وهو الذي كانَ السلف يستعيذونَ منه، كما قالَ بعضُهم: استعيذوا باللَّهِ من خشوع النفاقِ. قالوا: وما خشوعُ النفاقِ؟ قال: أن يُرى الجسَدُ خاشعًا والقلبُ ليس بخاشع. ونظر عمُر ﵁ إلى شابٍّ قد نكسَ رأسَه، فقالَ له: يا هذا، ارفعْ

стр. 705

رأسكَ، فإنَّ الخشوعَ لا يزيدُ على ما في القلبِ. فمن أظهَر للناسِ خشوعًا فوقَ ما في قلبِهِ فإنَّما هو نفاقٌ على نفاقٍ. وأصلُ الخشوع الحاصلُ في القلبِ، إنَّما هوَ من معرفةِ اللَّه، ومعرفةِ عظمتِهِ وجلاِلهِ وكمالِهِ، فمن كانَ باللَّه أعرفَ كانَ له أخشعَ. وتتفاوتُ القلوبُ في الخشوع بحَسبِ تفاوُتِ معرفَتِهَا لمن خشعت. وبحسبِ تفاوتِ مشاهدةِ القلوبِ للصفاتِ المقتضيةِ للخشوع، فمِنْ خاشع لقوةِ مُطالعتهِ قُربَ اللَّهِ من عبدِهِ واطَلاعِهِ على سِرِّه وضميرِه المقتضي للاستحياءِ من اللَّهِ تعالى ومراقبتهِ في الحركاتِ والسكناتِ، ومن خاشع لمطالعتِه لجلالِ اللَّه وعظمتهِ وكبريائهِ المقتضي لهيبتهِ، ومن خاشعِ لمطالعتهِ لكمالهِ وجمالهِ المقتضِي للاستغراقِ في محبتهِ والشوقِ إلى لقائهِ ورويتهِ، ومن خاشع لمُطالعتهِ شدَّةَ بطشِه وانتقامِه وعقابِه المقتضِي للخوفِ منهُ. وهو جابِرُ القلوبِ المنكسرةِ لأجلِه فهو يتقرّبُ من القلوبِ الخاشعةِ له كما يتقربُ ممن يناجيهِ في الصلاةِ، وممَّن يعفِّرُ له وَجْهَهُ في الترابِ بالسجودِ. وكما يتقربُ من وفدِهِ وزوارِ بيتهِ الواقفينَ بين يديه المتضرعينَ إليه في الوقوفِ بعرفةَ ويدنُو ويباهِي بهم الملائكةَ. وكما يتقربُ من عبادِهِ الدائبينَ له، السائليَن له، المستغفريَن من ذنوبهِم بالأسحارِ، ويجيبُ دعاءَهم ويعطِيهم سؤالَهم. ولا جبَر لانكسارِ العبدِ أعظمُ من القربِ والإجابةِ.

стр. 706

روى الإمامُ أحمدُ - رحمه اللَّه تعالى - في كتابِ "الزهد" بإسنادِهِ عن عمرانَ القصير قال: "قال موسى بنُ عمرانَ ﵇: أي ربِّ أين أبغيكَ؟ قال: ابغِني عندَ المنكسرةِ قلوبُهم، إنَّي أدنو منهُم كل يومٍ باعًا، ولولا ذلكَ لانهدمُوا". وروى إبراهيمُ بن الجُنَيد - رحمه اللَّه تعالى - في كتابِ "المحبةِ": عن جعفر بنِ سليمانَ قال: سمعتُ مالكَ بنَ دينار يقول: "قال موسى - عليه السلام -: إلهي أين أبغيكَ؟ فأوحَى اللَّهُ إليه: أن يا موسى ابغني عند المنكسرةِ قلوبُهم، فإني أدنُو منهم في كلِّ يومٍ وليلةٍ باعًا ولولا ذلك لانهدمُوا، قال جعفر: فقلتُ لمالكِ بن دينار: كيف المنكسرةُ قلوبُهم؟ فقال: سألتُ الذي قرأ في الكتب فقال: سألتُ الذي سألَ عبد الله بن سلام فقال: سألت عبدَ اللَّهِ بنَ سلامِ عن المنكسرةِ قلوبُهم ما يعني؟ قال: المنكسرةُ قلوبُهم بحبِّ اللهِ عن حبِّ غيرهِ ". وقد جاءَ في السنةِ الصحيحةِ ما يشهدُ لقربِ اللَّهِ من القلبِ المنكسرِ ببلائِهِ الصابِرِ على قضائِهِ أو الراضِي بذلكَ، كما في "صحيح مسلم " عن أبي هريرةَ ﵁ عن النبي ﷺ : "يقولُ اللَّه يومَ القيامةِ: يا ابنَ آدمَ مرضتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب كيف أعودُك وأنتَ رب العالمينَ؟ قال: أمَا علمتَ أن عبدي فُلانًا مرضَ فلم تَعُدْه، أما عِلمْت أنَّكَ لو عُدتَهُ لوجَدْتني عندَهُ ". وروى - أبو نُعيمٍ من طريقِ ضمرةَ عن ابن شَوْذب قال: "أوحى اللَّهُ تعالى

стр. 707

إلى موسَى ﵇: أتدرِي لأيِّ شيءٍ اصطفيتُكَ على الناسِ برسالاتِي وبكلامِي؟ قال: لا يا ربِّ! قال: لأنه لم يتواضع لي أحد تواضُعَكَ ". وهذا الخشوعُ هو العلمُ النافعُ، وهو أولُ ما يُرفعُ من العلم. خرَّج النَّسائيُّ من حديثِ جُبَيرِ بن نفيرٍ ﵁ عن عَوْفِ بن مالكٍ ﵁ عن رسولَ اللَّهِ ﷺ نظرَ إلى السماءِ يومًا وقال: "هذا أوانُ يرفعُ العلمُ " فقال رجل من الأنصارِ - يُقالُ له: زيادُ بن لَبيد -: يا رسولَ اللَّه: ويُرْفَعُ العلم وقد أُثبتَ وَوَعَتْهُ القُلوبُ؟ فقال له رسولُ اللَّه ﷺ : "إنْ كنتُ لأحسبكَ من أفقهِ أهلِ المدينةِ" وذكرَ ضلالةَ اليهودِ والنصارَى على ما في أيديهم من كتابِ اللَّهِ . قال: فلقيتُ شدَّاد بنَ أوسٍ فحدثتُه بحديثِ عوفِ بن مالكٍ، فقال: صدقَ عوف، ألا أخبرُكَ بأولِ ذلك يُرفع؟ قلتُ: بلى، قالَ: الخشوعُ، حتَّى لا ترى خاشعًا. وخَرَّجه الترمذيُّ من حديثِ جبيرِ بن نفيرٍ عن أبي الدرداءَ عن النبي ﷺ بنحوِه، وفي آخره: قال جبير: فلقيتُ عبادةَ بنَ الصامتِ، فقلتُ: ألا تسمعُ ما يقولُ أخوك أبو الدرداء - فأخبرتُه بالذي قال؟ قال: صدقَ أبو الدرداء، لو شئتَ لحدثتك بأول علم يُرفع من الناسِ: الخشوعُ، يوشكُ أن تدخلَ مسجدَ الجامع فلا تَرى فيه رجُلاً خاشِعًا.

стр. 708

وقد قيل: إن روايةَ النسائيَ أرجحُ. وقد روى سعيدُ بنُ بشيرٍ عن قتادةَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - عن شدَّادِ بنِ أوسٍ عن النبي ﷺ قال: "أولُ ما يرفعُ من الناسِ الخشوعُ " فذكره. ورواه أبو بكرِ بنِ أبي مريمَ عن ضمرةَ بنِ حبيبٍ مُرسلاً. ورُوي نحوه عن حذيفةَ من قولهِ. فالعلمُ النافعُ هو ما باشرَ القلوبَ فأوجبَ لها السكينةَ والخشية والإخباتَ للَّه والتواضعَ والانكسارَ له، وإذا لم يباشر القلبَ ذلك من العلم؛ وإنما كانَ على اللسانِ فهو حُجَّةُ اللَّهِ على ابنِ آدمَ يقومُ على صاحبهِ وغيرهِ، كما قال ابنُ مسعود ﵁: "إنَّ أقوامًا يقرأونَ القرآنَ لا يُجاوزُ تراقيهِم، ولكن إذا وقعَ في القلبِ فَرَسَخ فيه نَفَع " خرَّجه مسلم. وقالَ الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى -: العلمُ عِلمانِ: علمٌ باللسان وعلم بالقلبِ، فعلمُ القلبِ: هو العلمُ النافعُ، وعلمُ اللسانِ: هو حجة اللًّهِ على ابنِ آدمَ. ورُويَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - مرسلاً عن النبيِّ ﷺ ورويَ عنه عن جابرٍ ﵁ مرفوعًا، وعنه عن أنسٍ ﵁ مرفوعًا، ولا يصحُّ وصلُه. فأخبر النبيُّ ﷺ أن العلمَ عندَ أهلِ الكتابَينِ من قَبلنا موجودٌ بأيديهم ولا ينتفعونَ بشيءٍ منُه لمَّا فقدُوا المقصودَ منهُ، وهو وصولُه إلى قلوبهِم، حتى يجدُوا حلاوةَ الإيمانِ به ومنفعتَه بحصول الخشيةِ والإنابةِ لقلوبهِم، وإنما هُوَ علَى ألسنتهِم تقومُ به الحُجَّةُ عليهِم.

стр. 709

ولهَذا المعنى وَصَفَ اللَّهُ تعالَى في كتابِهِ العلماءَ بالخشيةِ كَمَا قالَ اللَّه تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) . وقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) . ووصفَ العُلماءَ من أهلِ الكتابِ قبلَنا بالخشوع؛ كَما قالَ اللَّهُ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) . فقولُهُ ﵎ في وصفِ هؤلاءِ الذينَ أوتُوا العلم: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) . مدحٌ لمن أوجبَ له سماعُ كتابِ اللَّهِ الخُشُوعَ في قلبهِ، وقالَ تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) . ولينُ القلوبِ هو زوالُ قسوتِهَا بحدوثِ الخُشوع فيها والرقةِ. وقد وبَّخ اللَّهُ من لا يخشعُ قلبُه لسماع كلامِه وتدبُّرِه، قالَ سبحانه: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) . قالَ ابنُ مسْعودٍ ﵁: "ما كانَ بين إسلامِنا وبينَ أنْ عوتبْنا بهذهِ الآيةِ إلا أربعَ سنينَ ". خرَّجه مسلم، وخرَّجه غيُره وزادَ فيه: "فجعلَ المسلمونَ يعاتبُ بعضُهم بعضًا".

стр. 710

وخرَّجَ ابنُ ماجةَ من حديثِ ابنِ الربيرِ ﵁ قال: " لم يكنْ بينَ إسلامِهم وبينَ أن نزلَتْ هذه الآيُةُ يعاتبهُمُ اللَّهُ بها، إلا أربعَ سنينَ ". وقد سمعَ كثيرٌ من الصالحينَ هذه الآيةَ تُتلى، فأثَّرتْ فيهم آثارًا متعددةً فمنهُم من ماتَ عند ذلكَ لانصداع قلبهِ بها، ومنهُم من تابَ عند ذلكَ وخرجَ عما كانَ فيه. وقد ذكرنا أخبارَهم في كتابِ "الاستغناءِ بالقرآنِ ". وقال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) . قال أبو عمرانَ الجونيّ: واللَّه؛ لقدْ صرفَ إلينا ربُّنا في هذا القرآن ما لو صرفَهُ إلى الجبال لحتَّها وجَبَاها َ. وكان مالكُ بنُ دينار ﵀ يقرأُ هذه الآيةَ ثمَّ يقول: أقسمُ لكم. لا يؤمنُ عبدٌ بهذا القرآنِ إلا صُدعِّ قلبُه. ورُويَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - قال: يا ابنَ آدمَ، إذا وسوسَ لك الشيطانُ بخطيئةٍ أو حدَّثت بها نفسَكَ، فاذكرْ عندَ ذلكَ ما حَملَكَ اللَّهُ من كتابِهِ مما لو حملتْهُ الجبال الرواسي لخشعتْ وتصدَّعتْ أمَا سمعتَه يقولُ: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) .

стр. 711

فإنما ضرب لكَ الأمثالَ لتتفكرَ فيها وتعتبرَ بِها وتزدجرَ عن معاصِي اللهِ عز وجل، وأنتَ يا ابنَ آدمَ أحقُّ أن تخشعَ لذكرِ اللَّهِ وما حَمَّلكَ من كتابِهِ وآتاكَ من حكمِهِ، لأنَّ عليكَ الحسابَ ولكَ الجنةُ أو النارُ. وقد كان النبيُّ ﷺ يستعيذُ باللَّهِ من قلبٍ لا يخشعُ، كما في "صحيح مسلم " عن زيدِ بنِ أرقمَ: أن النبيَّ ﷺ كانَ يقولُ: "اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من علمٍ لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يخشعُ، ومن نفسٍ لا تشبعُ، ومن دعوة لا يُستجابُ لَها". وقد رُويَ نحوُه عن النبيِّ ﷺ من وجوهٍ متعددةٍ ويُروى عن كعبٍ الأحبار قالَ: مكتوبٌ في الإنجيلٍ: "يا عيسى، قلبٌ لا يخشعُ عملُه لا ينفعُ، وصوتُه لا يُسمعُ، ودعاؤُه لا يُرفعُ ". قال أسدُ بنُ موسى في كتابِ "الورع ": حدثنا مُباركُ بنُ فَضالةَ قالَ: كان الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى - يقولُ: إن المؤمنينَ لَمَّا جاءتْهُم هذه الدعوةُ من اللَّه صدَّقوا بها وأفْضَى يقينُها إلى قلوبِهِم خشعتْ لذلكَ قلوبُهم وأبدانُهم وأبصارُهم، كنتَ واللَّهِ إذا رأيتَهم رأيتَ قومًا كأنَّهم رَأيُ عينٍ، فواللهِ؛ ما كانُوا بأهلِ جدلٍ ولا باطلٍ، ولا اطمأنُّوا إلا إلى كتابِ اللَّه، ولا أظهُروا ما ليسَ في قلوبِهم، ولكنْ جاءَهُم عن اللَّهِ أمرٌ فصدَّقوا به، فَنَعَتهُم اللَّهُ تعالى في القرآنِ أحسنَ نعتٍ فقال: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) . قال الحسنُ: الهونُ في كلامِ العربِ، اللينُ والسكينةُ والوقارُ. قال: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) . قال: حلماءُ لا يجهلونُ، وإذا جُهلَ عليهِم حَلموا، يُصاحبونَ عبادَ الله

стр. 712

نهارهم بما تسمعونَ، ثم ذكرَ ليلَهم خيرَ ليلٍ فقالَ: (وَالَّذِينَ يبيتونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) . ينتصبون للَّهِ على أقدامِهم، ويفترشونَ وجوهَهُم لربِّهم سُجَّدًا، تجري دموعُهم على خُدودِهم فرقًا من ربِّهم لأمرٍ ما، أسْهَرُوا له ليلَهم، ولأمرٍ ما. خَشَعُوا له نهارَهُم، ثم قالَ: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كانَ غَرَامًا) . قال: وكلُّ شيءٍ يُصيبُ ابنَ آدمَ ثمَّ يزولُ عنه فليس بغرامٍ، إنما الغرامُ: اللازمُ له ما دامتِ السماواتُ والأرضُ، قالَ: صدقَ القومُ، واللَّهِ الذي لا إله إلا هوَ، فعمِلُوا ولم يتمنَوا، فإياكم - رحمكم اللَّهُ - وهذه الأماني، فإن اللَّهَ لم يُعطِ عبدًا بالأمنيةِ خيرًا قطُّ في الدنيا والآخرةِ، وكانَ يقولُ: يالَهَا موعظة لو وافقت من القُلوبِ حياةً. وقد شرعَ اللَّهُ لعبادِهِ من أنواع العباداتِ ما يظهُر فيه خشوع الأبدانِ الناشيءُ عن خشوع القلبِ وذلّه وانكسارِه، ومن أعظمِ ما يظهرُ فيه خشوعُ الأبدانِ للَّهِ تعالى مِنَ العباداتِ: الصلاةُ، وقد مدحَ اللَّهُ تعالى الخاشعينَ فيها بقولهِ : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) . وقد سبقَ بعضُ ما قاله السلفُ في تفسيرِ الخشوع في الصلاةِ. وقال ابنُ لَهيعةَ عن عطاءِ بنِ دينارٍ رحمه اللَّه تعالى عن سعيدِ بن جُبيرٍ - رحمه اللَّه تعالى -: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) يعني: متواضِعينَ لا يعرفُ مَنْ عنْ يمينِهِ ولا مَنْ عن شمالهِ، ولا يلتفتُ في الخشوع للَّه .

стр. 713

وقال ابنُ المباركِ عن أبي جعفرٍ عن ليثٍ عن مجاهدٍ: (وَقوموا للَّهِ قَانِتِينَ) . قال: القنوتُ: الركونُ والخشوعُ وغضُّ البصرِ وخفض الجناح من رهبةِ اللَّه . قال: وكانَ العلماءُ إذا قامَ أحدهُم في الصلاةِ هابَ الرحمنَ أن يشذ نظرُه أو يلتفتَ أو يُقلِّبَ الحصى أو يعبثَ بشيءٍ أو يُحدِّثَ - يعني: نفسهُ - بشيءٍ من الدنيا، إلا ناسِيًا، ما دامَ في صلاتهِ. وقال منصورٌ عن مجاهدٍ رحمه اللَّهُ تعالى في قولهِ تعالى: (سيمَاهُمْ فِي وجُوهِهِم) . قال: الخشوعُ في الصلاةِ. وخرَّجَ الإمامُ أحمدُ والنسائي والترمذيُّ من حديثِ الفضلِ بن عباسٍ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: "الصلاةُ مثنى مثنى، تشهَّدُ في كلِّ ركعتينِ، وتخشَّعُ وتضَّرعُ، وتمسْكَنُ، وتُقنعُ يديك " يقول: "تَرْفعهُما إلى ربِّك وتقولُ: يا رب يا رب يا رب ثلاثًا فمنْ لم يفعلْ ذلكَ فهي خِدَاجٌ ". وفي "صحيح مسلم " عن عثمانَ ﵁ عن النبيّ ﷺ قال: "ما من امرئ مسلمٍ تحضرُه صلاةٌ مكتوبةٌ فيحسنُ وُضوءَها وخشوعَها وركوعَها إلا كانَت كفارةً لما

стр. 714

قبلَها من الذنوبِ، ما لم تُؤْتَ كبيرة وذلكَ الدهرَ كلَّه ". فممَّا يظهرُ فيه الخشوعُ والذلُّ والانكسارُ من أفعالِ الصلاةِ: وضعُ اليدين إحداهُما على الأخرى في حالِ القيامِ. وقد رُوي عن الإمام أحمدَ ﵀ أنه سُئلَ عن المرادِ بذلكَ، فقالَ: هو ذلٌّ بين يَدي عزيزٍ. قال عليٌّ بنُ محمد المصريُّ الواعظُ - رحمه اللَّه تعالى -: ما سمعتُ في العلم بأحسنَ من هذا. ورُوي عن بِشر الحافي - رحمه اللَّه تعالى - أنه قال: "أشتهي منذ أربعينَ سنةً أن أضعَ يدًا على يدٍ في الصلاةِ ما يمنعُني من ذلكَ إلا أن أكونَ قد أظهرتُ من الخشوع ما ليس في القلبِ مثلُه " وروى محمد بنُ نصرٍ المروزيُّ - رحمه اللَّه تعالى - بإسنادِهِ عن أبي هريرةَ ﵁ قال: يُحشرُ الناسُ يومَ القيامةِ على قدرِ صنيعهم في الصلاةِ، وفسرهُ بعضُ رواتِهِ فقبضَ شمالَه بيمينهِ وانحنَى هكذا. وبإسنادِه عن أبي صالحٍ السمَّانِ - رحمه اللَّه تعالى - قال: يُبعثُ الناسُ يومَ القيامةِ هكذا، ووضَع إحْدى يديه على الأخرَى. وملاحظةُ هذا المعنى في الصلاةِ يُوجبُ للمصلِّي أن يتذكَّرَ وقوفه بين يدي اللَّه للحسابِ.

стр. 715

كان ذو النونِ - رحمه اللَّهُ تعالى - يقولُ في وصفِ العُبَّادِ: لو رأيتَ أحدَهُم وقد قامَ إلى صلاتهِ فلمَّا وقفَ في محرابِهِ واستفتحَ كلامَ سيِّده، خطرَ على قلبهِ أنَّ ذلكَ المقامَ هو المقامُ الذي يقومُ الناسُ فيه لربِّ العالمين، فانخلعَ قلبه وذهلَ لبُّه. خرَّجه أبو نُعيمٍ - رحمه اللَّه تعالى. ومن ذلكَ: إقبالُه على اللَّهِ ، وعدمُ التفاتهِ إلى غيرهِ، وهو نوعانِ: أحدهما: عدمُ التفاتِ قلبهِ إلى غيرِ منْ هو مناج لهُ، وتفريغُ القلبِ للربِّ . وفي "صحيح مسلم " عن عمرِو بن عبسةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنه ذكر فضلَ الوضوءِ وثوابَه، ثم قالَ: "فإنْ هو قامَ فصلَّى فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ ومجدَه بالذي هو أهلُه، وفرَّغَ قلبَه للهِ، إلا انصرفَ من خطيئتِهِ كيوم ولدتْه أمُّه ". والثاني: عدمُ الالتفاتِ بالبصرِ يمينًا وشمالاً، وقَصرُ النظرِ على موضع السجودِ، وهو من لوازمِ الخشوع للقلبِ وعدمِ التفاتهِ، ولهذا رأى بعضُ السَّلفِ مصليًا يعبثُ في صلاتهِ فقالَ: لو خشعَ قلبُ هذا لخشعت جوارحُه. وقد سبقَ ذكرُه. وخرَّج الطبراني من حديثِ ابنِ سيرينَ عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: "كان النبيُّ ﷺ ، يلتفتُ في الصلاةِ عن يمينهِ وعن يسارِه، ثمَّ أنزلَ اللَّهُ تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) . فخشعَ رسولُ الله ﷺ فلم يكن يلتفت يمنةً ولا يسرةً".

стр. 716

ورواه غيرُه عن ابِن سيرينَ - رحمه اللَّه تعالى - مرسلاً، وهو أصحّ. وخرَّجَ ابنُ ماجةَ من حديثِ أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين ﵂ قالتْ: كان الناسُ في عهدِ النبيِّ ﷺ إذا قامَ أحدُهم يصلِّي لم يعدُ بصرُه موضعَ قدميه، فتوفِّي النبيُّ ﷺ ، فكانَ الناسُ إذا قامَ أحدُهم إلى الصلاةِ لم يعدُ بصرهُ موضعَ جبهتِهِ، فتوفي أبو بكرٍ، فكانَ عمرُ ﵁، فكانَ الناسُ إذا قام أحدهم يصلِّي لم يَعْدُ بَصَر أحدِهِم موضع القبْلةِ، وكان عثمانُ بنُ عفانَ ﵁، فكانتِ الفتنةُ، فتلفتَ الناسُ يمينًا وشمالاً". وفي "صحيح البخاري " عن عائشةَ ﵂: سألتُ النبيَّ ﷺ عنِ الالتفاتِ في الصلاةِ فقال: "هو اختلاسٌ يختلسُه الشيطانُ من صلاةِ العبدِ". وخرَّج الإمام أحمد - رحمه اللَّه تعالى - وأبو داودَ والنسائيُّ من حديث أبي ذرٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يزالُ اللَّهُ مقبلاً على العبدِ في صلاتهِ، ما لم يلتفتْ، فإذا التفتَ انصرفَ عنهُ ". وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من حديثِ الحارثِ الأشعري عن النبي ﷺ : "إنَّ اللَّهَ أمرَ يحيى بنَ زكريا بخمسِ كلماتٍ أن يعملَ بهنَّ، ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بهنَّ " فذكر منها: "وآمرُكم بالصلاةِ، فإنَّ اللَّه ينصبُ وجههُ لوجه عبدِهِ ما لم يلتفتْ، فإذا صليتُم فلا تلتفتُوا".

стр. 717

وفي المعنى أحاديثُ أُخَرُ متعدِّدةٌ. وقال عطاءٌ: سمعتُ أبا هُريرة يقول: "إذا صلَّى أحدكُم فلا يلتفتُ؛ فإنه يناجِي ربَّه، إنَّ ربَّه أمامه، وإنه يناجيهِ فلا يلتفتُ ". قال عطاءٌ - رحمه اللَّه تعالى -: وبلغنَا أن الربَّ يقول: "يا ابنَ اَدمَ، إلى مَنْ تلتفت؟ أنا خير لكَ ممَّن تلتفتَ إليه ". وخرَّجه "البزَّار وغيرُه مرفوعًا، والموقوفُ أصحُّ. وقال أبو عمرانَ الجونيُّ - رحمه اللَّه تعالى -: أوحى اللَّهُ إلى موسى ﵇ يا موسى، إذا قمتَ بين يديَّ فقمْ مقامَ العبدِ الحقيرِ الذليلِ، وذُمَّ نفسَكَ، فهي أَوْلَى بالذمِّ، وناجِني بقلب وجلٍ ولسانٍ صادقٍ. ومن ذلك: الركوعُ، وهو ذل بظاهرِ الجسدِ. ولهذا كانتِ العربُ تأنَفُ منهُ ولا تفعلهُ حتى بايعَ بعضُهم النبي ﷺ على أن لا يخرَّ إلا قائمًا يعني: أن يسجدَ من غيرِ ركوع. كذا فسره الإمامُ أحمدُ - رحمه اللَّه تعالى - والمحققونَ من العلماءِ. وقال اللَّه تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكعُوا لا يَرْكعُونَ) . وتمامُ الخضوع في الركوع: أن يخضعَ القلبُ للَّهِ ويذلَ له، فيتمُّ بذلكَ خضوعُ العبدِ بباطنهِ وظاهرِه للَّه .

стр. 718

ولهذا كان النبي ﷺ يقولُ في ركوعِهِ: "خشع لك سمْعي وبصري ومُخِّي وعظامي وما استقلَّ به قدمِي ". إشارةً إلى: أن خشوعَهُ في ركوعِهِ قد حصلَ بجميع جوارحِهِ ومن أعظمها القلبُ الذي هو مَلِكُ الأعضاءِ والجوارح فإذا خشعَ خشعتِ الجوارحُ والأعضاءُ كلُّها تبعًا لخشوعِهِ. ومن ذلك: السجودُ وهو أعظمُ ما يظهَرُ فيه ذلُّ العبدِ لربِّه حيثُ جعلَ العبدُ أشرفَ ما له من الأعضاء وأعزَّها عليه وأعلاها حقيقة؛ أوضعَ ما يُمكنه، فيضعُه في الترابِ مُتَعَفِّرًا، ويتبعُ ذلك انكسارُ القلب وتواضعُهُ وخشوعُه للَّه . ولهذا كان جزاءُ المؤمنِ إذا فعلَ ذلك أن يُقَربه اللَّهُ إليه فإن: "أقربَ ما يكونُ العبدُ من ربّه وهو ساجدٌ" كما صحَّ عن النبي ﷺ . وقال اللَّه تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) . "والسُّجودُ أيضًا مما كانَ يأنَفُ منه المشركونَ المستكبرونَ عَنْ عبادةِ اللَّهِ . وكان بعضُهم يقولُ: أكرهُ أنْ أسجدَ فتعلُوني إسْتي، وكان بعضُهم يأخذُ كفًّا من حصى فيرفعُه إلى جبهتِهِ، ويكتفي بذلك عن السجود. وإبليسُ إنما طَردَهُ اللَّه لمَّا استكبرَ عن السجودِ لمن أمَرهُ اللَّهُ بالسجودِ له. ولهذا يبكي إذا سجدَ المؤمنُ ويقولُ: "أمِرَ ابنُ آدم بالسجود ففعل فله الجنة، وأمرتُ بالسُجود فِعصيتُ فليَ النارُ".

стр. 719

ومن تمامِ خشوع العبدِ للَّهِ وتواضعِه له في ركوعِهِ وسجودِهِ: أنه إذا ذلَّ لربه بالركوع والسجودِ وصفَ ربه حينئذٍ بصفاتِ العز والكبرياءِ والعظمةِ والعلوِّ، فكأنه يقولُ: الذل والتواضعُ وصفي، والعلو والعظمةُ والكبرياءُ وصفُكَ، فلهذا شرع للعبدِ في ركوعِهِ أن يقولَ: " سبحان ربي العظيم "، وفي سجودِهِ: " سبحان ربي الأعلي ". وكانَ النبيُّ ﷺ أحيانًا يقولُ في سجودِهِ: "سُبحان ذي الملكوتِ والجبروتِ والكبرياءِ والعظمةِ". ورُوي عنه ﷺ أنه قالَ ليلة في سجودِهِ: "أقولُ كما قالَ أخي داودُ ﵇: أعَفِّر وجهِي في الترابِ لسيِّدي، وحُقَ لسيدي أن تُعَفَّر الوجوهُ لوجهِهِ ". قال الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى -: "إذا قُمتَ إلى الصلاةِ فقُم قانِتًا كما أمركَ الله، وإياكَ والسهرَ والالتفاتَ، أن ينظرَ اللَّهُ إليكَ وتنظرَ إلى غيرهِ. وتسأل اللهَ الجنةَ وتعوذَ به مِنَ النارِ وقلبُك ساه لا تدْري ما تقولُ بلسانِكَ ". خرَّجه محمدُ بنُ نصرٍ المَرْوزيُ - رحمه الله تعالى. وروى بإسنادِه عن عثمانَ بنِ أبي دَهْرَشٍ قالَ: بَلَغَني أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ -

стр. 720

صلَّى صلاةً جَهَر فيها بالقراءةِ فلما فرغ قال: "هل أسْقَطتُ من هذه السورة شيئا؟ ". قالوا: لا ندري، فقال أبيُّ بن كعبٍ: نعم آيةَ كذا وكذا، فقالَ رسولُ اللَّه ﷺ : "ما بالُ أقوامٍ، يُتلَى عليهم كتابُ اللَّهِ ، فلا يدرونَ ما يُتلى منه ممَّا تُرِكَ، هكذا خرجتْ عظمةُ اللَّهِ من قلوبِ بني إسرائيلَ، شهدِتْ أبدانُهم وغابتْ قُلوبُهُم، ولا يقبلُ اللَهُ من عبدٍ عملاً حتى يشهدَ بقلبِهِ مع بدَنِهِ ". والآثارُ في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا. ومر عصامُ بن يوسفَ - رحمه الله تعالى - بحاتمٍ الأصمِّ وهو يتكلمُ في مجلسِهِ، فقالَ: يا حاتمُ، تحسنُ تصلِّي؟ قال: نعم! قال: كيفَ تصلي؟ قال حاتم: أقوم بالأمرِ، وأمشي بالخشيةِ، وأدخل بالنِّيَّةِ، وأُكبِّر بالعظمةِ، وأقرأُ بالترتيلِ والتفكرِ، وأركعُ بالخشوع، وأسجدُ بالتواضع، وأجلسُ للتشهدِ بالتمامِ وأسلِّمُ بالسبيلِ والسُّنةِ، أسلمها بالإخلاصِ إلى اللَّه ، وأرجعُ على نفسِي بالخوفِ، أخاف أن لا يُقبلَ منِّي، وأحفظُهُ بالجهدِ إلى الموت، قال: تكلَّم " فأنت تحسنُ تصلِّي. ومن أنواع العباداتِ التَّي يظهرُ فيها الذلُّ والخضوعُ للَّهِ : الدعاءُ. قالَ اللَّهُ : (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) . وقالَ: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) . فمما يظهر فيه الذلُّ من الدعاء رفعُ اليدينِ.

стр. 721

وقد صحَّ عن النبيِّ ﷺ أنه رفعَ يديهِ في الدعاءِ في مواطنَ كثيرةٍ وأعظمُهَا: في الاستسقاءِ؛ فإنه كانَ يرفعُ فيه يديهِ حتَّى يُرى بياضُ إبطيهِ، وكذلك كان يجتهدُ في الرفع عشيةَ عرفةَ بعرفةَ. وخرَّج الطبرانيّ رحمه اللَّه تعالى - من حديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ قالَ: "رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ يدعُو بعرفةَ ويداهُ إلى صدره كاستطعامِ المسكين ". وقد كان بعضُ الخائفينَ يجلسُ بالليلِ ساكنًا مُطْرقًا برأسِهِ، ويمدُّ يديه كحالِ السائلِ، وهذا من أبلغ صفاتِ الذلِّ وإظهارِ المسكنةِ والافتقارِ. ومن ذلك أيضًا افتقارُ القلبِ في الدعاءِ وانكساره للَّه واستشعارهِ شدةُ الفاقَةِ إليه والحاجةِ. وعلى قَدرِ هذه الحرقةِ والفَاقةِ تكونُ إجابة الدعاءِ. وفي "المسندِ" والترمذي عن النبيِّ ﷺ قال: "إن اللَّه لا يستجيبُ دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ ". ومن ذلكَ: إظهارُ الذلِّ باللسانِ في نفسِ السؤالِ والدعاءِ والإلحاح فيه. قال الأوزاعيُّ - رحمه اللَّه تعالى -: كان يُقال: "أفضلُ الدعاءِ الإلحاحُ على اللَّه والتضرعُ إليه ". وفي الطبراني عن ابنِ عباسٍ ﵄ أن النبيَّ ﷺ دعا يوْمَ عرفةَ فقالَ: "اللهمَّ إنَك ترى مكانِي وتسمعُ كلامِي ولا يخْفَى عليكَ شيءٌ من أمَرِي،

стр. 722

أنا البائسُ الفقيرُ المستغيثُ المستجيرُ الوجِلُ المُشْفقُ المُقِر المعترفُ بذنبهِ، أسألكَ مسألةَ المسكينِ وأبتهلُ إليكَ ابتهالَ المُذنبِ الذليل، وأدعوكَ دعاءَ الخائفِ الضرير، ومن خضعَتْ لك رقبتُه، وذلَّ لك جسدُه، ورغِمَ لك أنفُه، وفاضتْ لك عيناه. اللَّهمَّ لا تجعلني بدعائِكَ شقيًّا، وكنْ بي بارًّا رؤوفًا رحيمًا، يا خيرَ المسئولينَ، ويا خيرَ المُعطينَ ". وكان بعضُهم يقول في دعائِهِ: بعزِّك وذلِّي وغِناكَ وفَقْري. وقال طاوس - رحمه اللَّه تعالى -: دخلَ عليٌّ بنُ الحسينِ ﵀ تعالى - ذاتَ ليلة الحجرَ يصلِّي، فسمعتُه يقول في سجودهِ: عُبيدُكَ بفنائكَ. مُسيكينُكَ بفنائِك، فقيرُكَ بفنائِك، سائلُك بفنائِك، قال طاوس: فحفظتُهنَّ، فما دعوتُ بهنَّ في كَرْبٍ إلا فُرِّجَ عنَي. خرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا. وروى ابنُ باكَوَيْه الصوفيُّ - رحمه الله تعالى - بإسنادٍ له: أنَّ بعضَ العُبَّادِ حجَّ ثمانينَ حَجَّةً على قدَميهِ، فبينما هو في الطوافِ وهو يقول: يا حبيبي. وإذا بهاتفٍ يهتفُ به: ليس ترضى أن تكون مسكِينًا حتَّى تكونَ حبيبًا. قال: فغُشي عليَّ، ثم كنتُ بعد ذلك أقول: مسكينُكَ مسكينُكَ، وأنا تائبٌ عن قول: حبيبي. * * * قوله تعالى: (يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) كان السلفُ الصَّالح يجتهدون في إتمام العمَل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمُّون بعد ذلكَ بقبولهِ، ويخافونَ من رَدِّه، وهؤلاء الذينَ (يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) . رُويَ عن عليٍّ نهى قال: كونُوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا

стр. 723

منكمُ بالعمل، ألم تسمعُوا اللَّهَ يقولُ: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّه من المُتَقِينَ) . وعن فضالةَ بنِ عبيدٍ قالَ: لأن أكونَ أعلمُ أنَّ اللَّهَ قد تقبلَ منَي مثقالَ حبة من خردلٍ أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأنَّ اللَّهَ يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّه من المُتَقِينَ) . وقال ابنُ دينار: الخوفُ على العملِ أن لا يتقبَّلَ أشدّ من العمل. وقال عطاءٌ السُّليميُّ: الحذرُ: الاتقاءُ على العملِ أن لا يكونَ للهِ. وقالَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي روَّاد: أدركتُهم يجتهدونَ في العملِ الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ، أيقبلُ منهُم أم لا؟ قال بعضُ السَّلفِ: كانوا يدعُون اللَّهَ ستَّةَ أشهرٍ أن يبلِّغهم شهر رمضانَ. ثم يدعونَ اللَّهَ ستَّةَ أشهرٍ أن يتقبَّلَهُ منهُم. خرجَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ﵀ في يومِ عيدِ فطرٍ، فقالَ في خطبته: أيُّها الناسُ؛ إنَّكم صُمتم للَّهِ ثلاثين يومًا، وقُمتُم ثلاثين ليلةً. وخرجتُم اليومَ تطلبون من اللَّه أن يتقبَّل منكم. كانَ بعضُ السَّلف يظهرُ عليه الحزنُ يومَ عيدِ الفطر، فيقالُ له: إنَه يومُ فرحٍ وسرورٍ، فيقولُ: صدقتُم، ولكنِّي عبدٌ أمرنِي مولاي أن أعملَ له عملاً، فلا أدري أيقبلُه منِّي أم لا؟ رأى وُهيبُ بنُ الورد قومًا يضحكونَ في يومِ عيدٍ، فقالَ: إن كانَ هؤلاءِ تُقبِّلَ منهم صيامُهم فما هذا فعلُ الشاكرينَ، وإن كانُوا لم يُتقبَّلْ منهم صيامهُم فما هذا فعلُ الخائفينَ. وعن الحسنِ قالَ: إنَّ اللَّه جعلَ شهرَ رمضانَ مضمارًا لخلقه يَسْتَبِقُون فيه بطاعتهِ إلى مرضَاتهِ، فسبق قومٌ ففازُوا، وتخلَّف آخرونَ فخابُوا. فالعجَب من

стр. 724

اللاعِبِ الضَّاحِكِ في اليومِ الذي يفوزُ فيه المحسنونَ ويخسرُ فيه المبطِلُونَ. لعلك غَضْبانُ وقلبي غافِلٌ. . . سلامٌ على الدَّارَينِ إن كنتَ راضيًا رُويَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه كانَ ينادي في آخرِ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ: يا ليتَ شِعْرِي! مَن هذا المقبولُ فنهنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ فنُعَزِّيه؟ وعن ابنِ مسعودٍ أنَّه كانَ يقولُ: مَن هذا المقبُولُ منَّا فنُهنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ منَّا فنعزِّيه؟ أيُّها المقبولُ هنيئًا لكَ، أيها المردودُ جبرَ اللَّه مُصيبتك. ليتَ شِعْرِي مَنْ فيه يُقْبَلُ مِنَا. . . فيُهَنَّأ يا خيبةَ المَرْدُودِ مَنْ تولَّى عنة بغيْرِ قَبولٍ. . . أرْغَمَ اللَّه أنفَهُ بِخِزيٍ شَديدِ * * * قوله تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) في معنى الخراج قال بعضهم: هو المال الذي يجبى ويؤتى به لأوقات محدودة، ذكره ابن عطية قال: وقال الأصمعي: الخراج الجُعْل مرة واحدة. والخراج: ما ردد لأوقاتٍ ما. قال ابن عطية: هذا فرقٌ استعماليّ وإلا فَهُمَا في اللغة بمعنىً. وقد ورد في كتاب الله (أَمْ تَسْاَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) . هذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم، وقرأ حمزة والكسائي (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرَاجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) وقرأ ابن عامر (خرجا) في الموضعين وقال تعالى في قصة ذي القرنين (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) . وقرئ (خراجا) أيضًا.

стр. 725

قال ابن عباس ﵄: (خَرْجًا) يعني: أجرًا. وقال أبو. عبيد: الخراج في كلام العرب إنما هو الغلة، ألا تراهم يُسَمُّونَ غَلةَ الأرضِ والدارَ والملوكَ خراجًا؛ ومنه حديث النبي ﷺ "أنه قضي بالخراج بالضمان "، وحديث: "أن النبي ﷺ لما حجمه أبو طيبة كلَّم أهله فوضعوا عنه من خراجه " فسمى الغلة: خراجًا. وقال الأزهري: الخراج: اسم لما يخرج من الفرائض في الأموال، ويقع على القرية وعلى مال الفيء، ويقع على الجزية وعلى الغلة، والخراج المصدر. انتهى. والجزية تسمى خراجًا. وقد كتب النبي ﷺ إلى قيصر كتابًا مع دِحْيَةَ يُخَيرَهُ بين إحدى ثلاث، منها: "أن يقرَّ له بخراج يجري عليه " والحديث في مسند الإمام أحمد وغيره. * * * قوله تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) قال اللَّه تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) . قال مجاهدٌ: البرزخُ: الحاجزُ بين الموتِ والرجوع إلى الدنيا. وعنه قالَ: هو ما بينَ الموتِ إلى البعثِ. قال الحسنُ: هي هذه القبورُ التي بينَكُم وبين الآخرةِ. وعنه قالَ: هي هذِهِ القبورُ التي تركضونَ عليها، لا يسمعونَ الصوتَ. وقال عطاءٌ الخراسانيّ: البرزخُ: مدةُ ما بينَ الدُّنيا والآخرةِ.

стр. 726

وصلَّى أبو أمامةَ الباهليُّ على جنازةٍ فلمَّا وُضِعتْ في لحدِها، قال أبو أمامةَ: هذا برزخٌ إلى يومِ يبعثونَ. وقيل للشعبيِّ: ماتَ فلان، قال: ليسَ هو في الدُّنيا ولا في الآخرةِ، هو في البرزخ. وسمعَ رجلاً يقولُ: ماتَ فلان أصبحَ من أهلِ الآخرةِ. قالَ: لا تقلْ: من أهلِ الآخرةِ، ولكنْ قل: من أهلِ القبورِ. * * * قوله تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤) قالَ اللَّهُ تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) . روى دراجُ عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم قالَ: (وَهُمْ فِيهَا كَالِحُون) ، قالَ: "تَشْويهِ النارُ، فتقلصُ شفتُهُ العليا حتَّى تبلغَ وسطَ رأسه وتسترخي شفتُه السفلَى حتى تضربَ سرّتهُ ". خرَّجَه الإمام أحمدُ والترمذيُّ والحاكم وقالا: صحيح. وعن ابنِ مسعودٍ أنه قالَ في قولِه: (وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) قالَ: ككلُوح الرأسِ النضيج، وعنه: ككلُوح الرأسِ المشيطِ بالنارِ - قد بدتْ أسنانهم وتقلصتْ شفاهُهُم. وعنه قالَ: ألم ترَ إلى الرأسِ المشيطِ بالنارِ وقد تقلصتْ شفتاهُ وبدتْ أسنانُه. وخرَّجَ الخلالُ في كتابِ "السنةِ" من حديثِ الحكم بنِ الأعرج عن

стр. 727

أبي هريرةَ قال: يعظمُ الرجلُ في النارِ حتى يكونَ مسيرةَ سبع ليال، ضرسُهُ مثلُ أحدٍ، شفاهُهُم على صدورِهِم، مقبوحينَ يتهافتونَ في النارِ. قال أبو بكرِ بنِ عياس عن محمدِ بنِ سويد، كانَ لطاوس طريقانِ إذا رجعَ من المسجدِ أحدُهُما فيها روَّاس، وكان يرجعُ إذا صلَّى المغربَ، فإذا أخذَ الطريقَ الذي فيه الروَّاس لم يستطعْ أن يتعشى، فقيلَ لهُ: فقالَ: إذا رأيتُ الرؤوسَ كالحةً لم أستطعْ آكلُ. قال أبو بكر: فذكرتُهُ لسريع المكيِّ، فقالَ: قد رأيتُهُ يقفُ عليهَا. وقالَ أبو غندرٍ الدمشقيُّ: كان أويس إذا نظرَ إلى الرؤوسِ المشويةِ يذكرُ هذه الآية: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) ، فيقعُ مغشيًا عليه حتى يظنَّ الناظرون إليه أنه مجنونٌ. خرَّجهُما ابنُ أبي الدنيا وغيرُه. وقال الأصمعيُّ: حدثنا الصقرُ بنُ حبيب قالَ: مرَّ ابنُ سيرين بروَّاسٍ قد أخرجَ رأسًا فغشي عليهِ. * * *

стр. 728

سُورَةُ النُّورِ قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) من كانَ مستورًا لا يُعرفُ بشيءٍ مِنَ المعاصِي، فإذَا وقعتْ منه هفوةٌ، أو زلَّةٌ، فإنَّه لا يجوزُ كشفُها ولا هتكُها، ولا التَّحدُثُ بها، لأنَّ ذلك غِيبةٌ محرَمةٌ، وهذا هو الذي وردتْ فيه هذه النُصوصُ، وفي ذلكَ قد قالَ اللَّهُ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) . والمرادُ: إشاعةُ الفاحشةِ على المؤمنِ المستترِ فيمَا وقعَ منه، أو اتهِمَ به وهو بريءٌ منهُ، كما في قصَّةِ الإفْكِ. قالَ بعضُ الوزراءِ الصالحينَ لبعضِ من يأمرُ بالمعروفِ: اجتهدْ أن تستُرَ العُصَاةَ، فإِنَ ظهورَ معاصِيهم عَيْبٌ في أهلِ الإسلامِ، وأوْلَى الأمورِ سترُ العيوبِ. ومثلُ هذا لو جاءَ تائبًا نادمًا، وأقرَّ بحَد لم يفسَّرْهُ، ولم يُستفسر، بل يُؤمَر بأنْ يرجعَ ويستُرَ نفسَهُ، كمَا أمر النبيُّ ﷺ ماعزًا والغامديةَ، وكما لم يستفسرِ الذي قال له: "أصبْتُ حدًّا فأقمه عليَّ ". ومثلُ هذا لو أُخذَ بجريمتِهِ، ولم يبلغ الإمامَ، فإنه يُشفع له حتَى لا يبلغَ الإمام. وفي مثلهِ جاءَ الحديثُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "أَقِيلوا ذوي الهيئاتِ عَثَراتهم ".

стр. 729

خرَّجه أبو داودَ والنسائيُّ من حديثِ عائشةَ ﵂. * * * قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) وقد أمر النبي ﷺ ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ: أن تُنظَّفَ وتُطَيَّبَ، وسنذكرُهُ في موضع آخرَ - إن شاءَ اللَّهُ. وقد فُسِّر قولُ اللَّهِ : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) . ببنيانهَا وتطهيرهَا وتنزيههَا عمَّا لا يليقُ بهَا. * * * قوله تعالى: (قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعتُ الوزير يقول في قوله تعالى: (قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ) ، قال: وقع لي فيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أن المعنى: لا تقسموا واخرجوا من غير قسم، فيكون المحرك لكم إلى الخروج الأمر لا القسم، فإن من خرج لأجل قسمه ليس كمن خرج لأمر ربه. والثاني: أنَّ المعنى: نحن نعلم ما في قلوبكم، وهل أنتم على عزم الموافقة

стр. 730

للرسول في الخروج؛ فالقسم هاهنا: إعلام منكم لنا بما في قلوبكم. وهذا يدل منكم على أنكم ما علمتم أن اللَّه يطلع على ما في القلوب. والثالث: أنكم ما أقسمتم إلا وأنتم تظنون أنا نتهمكم، ولولا أنكم في محل تهمة ما ظننتم ذلك فيكم. وبهذا المعنى وقع المتنبي فقال: وفي يمينك ما أنتَ وَاعِدُهُ. . . ما دَلَّ أنكَ في الميعادِ متهمُ. * * *

стр. 731

سُورَةُ الفُرْقَانِ قوله تعالى: (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) قال ابن الجوزيِّ في "المقتبس ": سمعمتُ الوزير يقولُ في قولِهِ تعالى: (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ) ، قال: العجبُ كلُّ العجبِ لجهلهِم حين أرادُوا أن يُلقى إليه كنزٌ أَوْ يكونَ لَهُ جنةٌ. ولو فهموا علموا أن كلَّ الكنوزَ له وجميعَ الدنيا مِلْكُهُ. أو ليس قد قهرَ أرباب الكنوز، وحكم في جميع الملوك؛ وكان من تمام معجزته أن الأموال لم تفتح عليه في زمنه؛ لئلا يقول قائلٌ: قد جرت العادة بأن إقامة الدول، وقهرَ الأعداءِ بِكَثرةِ الأَمْوَالِ. فتمت المعجزةُ بالغلبة والقهرِ مِنْ غَيْرِ مالٍ، ولا كَثْرةِ أَعوانٍ، ثم فتحت الدنيا على أصحابِهِ، ففرقُوا ما جمعهُ الملوكُ بالشَّرَهِ، فأخرجوه فيما خلق له، لم يمسكوه إمساك الكافرين، ليعلموا الناسَ بإخراج ذلك المالِ: أن لنا دارًا سوى هذه، ومقرًّا غير هذا. وكان من تمام المعجزات للنبيِّ ﷺ : أنه لما جاءهم بالهدى فَلَمْ يقبلْ، سلَّ السيفَ على الجاحدِ، ليعلمهُ أن الذي ابتعثني قاهرٌ بالسيفِ بعد القهر بِالحجج. ومما يقوي صدقَهُ أنَّ قيصرَ وكِبارَ الملوكِ لَم يوفقوا للإيمانِ به؛ لئلا

стр. 732

يقولَ قائلٌ: إنما ظهرَ لأنَّ فلانًا الملكَ تعصبَ له فتقوَّى به، فبانَ أن أمرَهُ من السماءِ لا بنصرةِ أهلِ الأرضِ. * * * قوله تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) قالَ اللَّهُ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا) ، وقالَ تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) . ١٢ وقال تعالى: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) . والشهيق الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوتِ الحمارِ. قالَ الربيعُ بنُ أنسٍ: الشهيقُ في الصدرِ. وقالَ مجاهدٌ في قولهِ: (وَهِيَ تَفورُ) قال: تغلي بهم كما يغلي القدرُ. وقالَ ابنُ عباسٍ: تميزُ: تفرقُ، وعنه قال: يكادُ يفارقُ بعضُها بعضًا وتتفطرُ. وعن الضحاكِ: تميزُ. وقال ابنُ زيد: التميزُ: التفرقُ من شدةِ الغيظِ على أهلِ معاصِي اللَهِ ، غضبًا له وانتقامًا له. وخرج ابنُ أبي حاتمٍ من حديثِ خالدِ بنِ دريك عن رجل من الصحابةِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "من تقوَّلُ عَليَّ ما لم أقل فليتبوء بين عيني جهنمَ مقعدًا" قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، وهل لها عينانِ؟ قال: "نعم، أو لم تسمعْ قول اللَّهِ :

стр. 733

(إِذَا رَأَتْهم مِّن مَّكَان بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) ". وروى أبو يحيى القتاتُ عن مجاهد عن ابنِ عباسٍ قالَ: إن العبدَ ليجرُّ إلى النارِ، فتشهقُ إليه شهقةَ البغلةِ إلى الشعير، ثم تزفرُ زفرةً لا يبقى أحدٌ إلا خافَ. خرَّجهُ ابنُ أبي حاتمٍ. وقال كعب: ما خلقَ اللَّهُ من شيءٍ، إلا وهوَ يسمعُ زفيرَ جهنم غدوةً وعشيةً، إلا الثقلينِ اللذينِ عليهما الحسابُ والعذابُ. خرَّجَه الجوزجانيّ. وفي "كتابِ الزهدِ" لهنادِ بنِ السريِّ عن مغيثِ بنِ سمي، قالَ: إنَّ لجهنمَ كلَّ يومٍ زفرتين يسمعُهما كلُّ شيءٍ، إلا الثقلينِ اللذينِ عليهما الحسابُ والعذابُ. وعن الضحاك قالَ: إن لجهنَّمَ زفرة يومَ القيامة لا يبقى ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا خرَّ ساجدًا يقولُ: رب نفسي نفسِي. وعن عبيدِ بنِ عميرٍ قالَ: تزفرُ جهنمُ زفرةً لا يبقى ملكٌ ولا نبيٌ إلا وقعَ لركبتيه، ترعدُ فرائسُهُ يقولُ: ربِّ نفسي نفسي. وروى ابنُ أبي الدُّنيا وغيرُه عن الضحاكِ قالَ: ينزلُ الملكُ الأعلَى في بهائه وملكِهِ، مجنبته اليسرى جهنمُ، فيسمعونَ شهيقها وزفيرهَا فيندُّون. وعن وهبِ بنِ مُنَبِّه قالَ: إذا سيرتِ الجبالُ فسمعتْ حسيسَ النارِ وتغيظَها وزفيرَها وشهيقَها، صرختِ الجبالُ كما تصرخُ النساءُ، ثم يرجعُ أوائلُها على أواخرِهَا، يدقُ بعضُها بعضًا. خرَّجهُ الإمامُ أحمد.

стр. 734

وفي "تفسيرِ آدمَ بنِ أبي إياس" عن محمدِ بنِ الفضلِ عن عليِّ بنِ زيدِ بن جدعان، عن أبي الضُّحى، عن ابنِ عباسٍ قالَ: تزفرُ جهنمُ زفرةً، لا يبْقَى ملكٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا جثا على ركبتيهِ حولَ جهنَّم، فتطيشُ عقولهُم فيقولُ اللَّهُ : ماذا أجبتُمُ المرسلينَ؟ قالُوا: لا علمَ لنا، ثم تُردُّ عليهم عقولُهم فينطقونَ بحجتِهِم وينطقونَ بعذرِهِم. محمدُ بنُ الفضلِ هو ابنُ عطيةَ متروكٌ. قال آدمُ: وحدثنا أبو صفوانَ عن عاصم بنِ سليمانَ الكوزيِّ عن ابنِ جريج عن عطاءٍ عن ابنِ عباسٍ (إِذَا رَأَتْهم مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) المكان البعيدُ، مسيرة مائة عامٍ، وذلكَ أنه إذا أُتيَ بجهنمَ تقادُ بسبعينَ ألف زمام يشدُّ بكلِّ زمامٍ سبعونَ ألفَ ملكٍ، ولو تركتْ لأتتْ على كُلِّ برٍ وفاجر، ثمَّ تَزفرُ زفرة لا يبقى قطرةٌ من دمع إلا بدرت. ثم تزفرُ الثانيةُ فَتَتقَطِعُ القلوبُ من أماكنها تبلغُ اللهواتِ والحناجرَ وهو قولُه: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ) . وعاصم الكوزيُّ ضعيف جدًّا. وقال الليثُ بنُ سعد عن عبيدِ اللَّهِ بن أبي جعفر: إنَّ جهنَّم لتزفرُ زفرةً تنشقُّ منها قلوبُ الظلمةِ، ثم تزفرُ أخرى فيطيرونَ في الأرضِ حتى يقعُوا على رؤوسِهِم. خرَّجهُ عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ. ورَوى أسدُ بنُ موسى عن إبراهيمَ بنِ محمد عن صفوانَ بنِ سليم عن عطاءِ بنِ يسارِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بن العاصِ - مثلَه. وخرجَ أبو نعيم وغير من روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ حاطبٍ، قالَ: قالَ عمرُ ﵁ لكعبِ: خَوِّفْنَا، قالَ: والذي نفسِي بيده؛ إن النارَ لتقربُ يومَ القيامة لها زفيرٌ وشهيقٌ، حتى إذا دنتْ وقربتْ زفرت زفرةً، ما خلقَ اللَّهُ من نبي ولا شهيدٍ إلا وجبَ لركبتيهِ ساقطا،

стр. 735

حتى يقولَ كل نبي وكلُّ صدِّيق وكلُّ شهيدٍ: اللهمَّ لا أكلفُكَ اليومَ إلا نفسِي، ولو كانَ لكَ يا ابنَ الخطابِ عملُ سبعينَ نبيًا لظننتَ أن لا تنجُو، قالَ عمرُ: واللَّه، إن الأمرَ لشديد. ومن روايةِ شريح بنِ عبيدٍ قالَ: قالَ عمرُ لكعب: خَوِّفنا، قالَ: واللهِ لتزفرنَّ جهنمُ زفرةً، لا يبقَى ملك مقرَّب ولا غيرُهُ إلا خرَّ جاثيًا على ركبتيهِ، يقولُ: ربِّ نفسِي نفسِي، وحتى نبينا محمدٍ وإبراهيمَ وإسحاقَ - عليهمُ السلامُ -، قال: فأبكَى القومَ حتى نشجُوا. وفي رواية مطرفِ بن الشخيرِ عن كعبٍ، قالَ: كنتُ عندَ عمرَ، فقالَ: يا كعبُ خوِّفنا، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ جهنمَ لتزفرُ يومَ القيامة زفرةً لا يبقَى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرَ ساجِدًا على ركبتيهِ، حتى إنً إبراهيمَ خليله ﵇ ليخرُّ جاثيًا ويقولُ: نفسِي نفسِي، لا أسألكُ اليومَ إلا نفسِي، قالَ: فأطرقَ عمرُ مليًّا، قالَ: قلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، أولستُم تجدونَ هذا في كتابِ اللَّهِ ؟! قالَ عمرُ: كيفَ؛ قلتُ: يقولُ اللَه في هذه الآيةِ: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١) . وكانَ سعيدُ الجرميُّ يقولُ في موعظتِهِ إذا وصفَ الخائفين: كأنَ زفيرَ النارِ في آذانِهِم. وعن الحسنِ أنه قالَ في وصفِهم: إذا مرُّوا بآية فيها ذكرُ الجنة بكوا شَوْقًا. وإذا مرُّوا بآيةٍ فيهَا ذكرُ النارِ ضجوا صُراخًا، كأنَّ زفيرَ جهنًّم عندَ أصولِ آذانِهِم.

стр. 736

وروى ابنُ أبي الدنيا وغيرُه عن أبي وائلٍ قالَ: خرجْنا معَ ابنِ مسعودٍ ومعنا الربيعُ بنُ خُثَيم، فأتينَا على تنورٍ على شاطئ الفراتِ، فلمَّا رآهُ عبدُ اللَّهِ والنارُ تلتهبُ في جوفهِ قرأَ هذه الآيةَ (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) إلى قوله: (ثُبُورًا) ، فصعقَ الربيعُ بنُ خثَيمٍ فاحتملناه إلى أهلهِ، فرابطَهُ عبدُ اللَّهِ حتى صلَّى الناسُ الظهرَ فلم يُفقْ، ثم رابطَهُ إلى العصرِ فلم يُفِقْ، ثم رابطَهُ إلى المغربِ فأفاقَ، فرجعَ عبدُ اللَّهِ إلى أهلهِ. ومن روايةِ مسمع بنِ عاصم قالَ: بتُّ أنا وعبدُ العزيزِ بن سليمانَ وكلابُ ابنُ جريٍّ وسلمانُ الأعرجُ على ساحلٍ من بعضِ السواحلِ، فبكَى كلاب حتى خشيتُ أن يموتَ، ثم بكى عبدُ العزيزِ لبكائِهِ ثم بكَى سلمانُ لبكائهِمَا. وبكيتُ - واللَّهِ - لبكائِهم لا أدْرِي ما أبكَاهُم، فلما كانَ بعدُ سألتُ عبدَ العزيزِ فقلتُ: يا أبا محمدٍ ما الذي أبكاك ليلتئذٍ؟ قالَ: إنَي - واللَّهِ - نظرتُ إلى أمواج البحرِ تموجُ وتجيلُ، فذكرتُ أطباقَ النيرانِ وزفراتِها، فذلكَ الذي أبكاني. ثم سألتُ كلابًا أيضًا نحوًا مما سألتُ عبدَ العزيز، ِ فواللَّهِ؛ لكأنّما سمعَ قصتَهُ، فقال لي مثلَ ذلكَ، ثم سألتُ سلمانَ الأعرجَ نحوًا مما سألتُهما. فقالَ لي: ما كانَ في القومِ شرّ منّي، ما كانَ بُكائي إلا لبكائِهم رحمةً لهم مما كانُوا يصنعونَ بأنفسِهِم - رحمهُمُ اللَّهُ تعالى. * * *

стр. 737

قوله تعالى (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠) قال ابن الجوزي في "المقتبس ": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى: (فَقَذ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ) ، قال: المعنى: فقد كذبكم أصنامكم بقولكم؛ لأنكم ادعيتم أنها الآلهة وقد أقررتم أنها لا تنفع، فإقراركم يكذب دعواكم. في قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ) ، قال هو يدل على فضل هداية الخلق بالعلم، ويبين شرف العالم على الزاهد المنقطع؛ فإن النبي ﷺ كالطبيب، والطبيب يكون عِنْدَ المرضى، فلو انقطع عنهم هلكوا. * * * قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُ دْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) وخرَّج النسائيّ من حديثِ أبي سعيد، عن النبيِّ ﷺ قالَ: "إذا أسلمَ العبدُ

стр. 738

فحَسُنَ إسلامُهُ، كتَبَ اللَّهُ له كُل حَسنة كانَ أزلفَها، ومحيت عنه كلُّ سيئة كان أزلفها، ثمَّ كانَ بعدَ ذلكَ القصاصُ، الحسنةُ بعشْر أمثالِها إلى سَبع مائةِ ضعف، والسيئةُ بمثلها إلا أن يتجاوزَ اللَّهُ ". وفي روايةٍ أخرى: "وقيلَ لهُ: ائْتَنِفِ الْعَمَلَ ". والمرادُ بالحسناتِ والسيئاتِ التي كانَ أزلَفَهَا: ما سبقَ منه قبلَ الإسلامِ. وهذا يدلُّ على أنه يُثابُ بحسناتهِ في الكفرِ إذا أسلمَ وتُمحى عنه سيئاتُه إذا أسلَمَ، لكن بشرطِ أن يحسُنَ إسلامُه، ويتقِي تلكَ السيئاتِ في حالِ إسلامِهِ. وقد نصَّ على ذلكَ الإمامُ أحمدُ. ويدلُّ على ذلكَ ما في "الصحيحينِ " عن ابنِ مسعودٍ قال: قلنا: يا رسولَ اللَّهِ، أنؤاخذُ بما عملْنا في الجاهليةِ؟ قالَ: "أما مَنْ أحسنَ منكُم في الإسلامِ فلا يُؤاخذُ بِهَا، ومن أساءَ أُخِذَ بعملِهِ في الجاهليةِ والإسلام". وفي "صحيح مسلم " عن عمرِو بنِ العاصِ قال للنبيِّ ﷺ لما أسلمَ: أريدُ أن أشترطَ، قالَ: "تشترطُ ماذَا؟ " قلتُ: أن يُغفرَ لِي. قالَ: "أما عَلمتَ أنَّ الإسلامَ يهدمُ ما كانَ قبلَهُ؟ ". وخرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ ولفظُه: "إن الإسلامَ يجبُّ ما كانَ قبلَهُ منَ الذنوبِ " وهذا محمولٌ على الإسلامِ الكاملِ الحسنِ، جمعًا بينَهُ وبين حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي قبلَهُ. وفي "صحيح مسلم " أيضًا عن حكيم بنِ حزام قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ أمورًا كنتُ أصنعُها في الجاهليةِ من صدقةٍ أو عتاقةٍ أو صلة رحم، أفيها أجرٌ؟

стр. 739

فقالَ رسولُ اللَّه ﷺ : " أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ" وفي روايةٍ لهُ: قالُ: فقلتُ: واللَّهِ؛ لا أدعُ شيئًا صنعتُه في الجاهليةِ إلا صنعتُ في الإسلام مثلَهُ. وهذا يدلُّ على أنَّ حسناتِ الكافرِ إذا أسلمَ يُثابُ عليهَا كما دلَّ عليه حديثُ أبي سعيدٍ المتقدِّمُ. وقد قيلَ: إن سيئاتهِ في الشركِ تبدَّلُ حسناتٍ، ويُثابُ عليها، أخذًا من قولهِ تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) . "وقد اختلفَ المفسرونَ في هذا التبديلِ على قولِين: فمنهُم مَنْ قالَ: هو في الدنيا، بمعنى: أنَّ اللَّه يُبَدِّلُ من أسلمَ وتابَ إليه بدلَ ما كان عليهِ من الكفرِ والمعاصِي: الإيمانَ والأعمالَ الصالحةَ. وحكَى هذا القولَ إبراهيمُ الحربيُّ في "غريب الحديثِ " عن أكثرِ المفسرينَ، وسمَّى منهم ابنَ عباسٍ، وعطاءً، وقتادةَ، والسُّديَّ، وعكرمةَ. قلتُ: وهو المشهورُ عن الحسنِ. قالَ: وقال الحسنُ وأبو مالكٌ وغيرُهما: هي في أهلِ الشركِ خاصةً، ليس هي في أهلِ الإسلامِ. قلتُ: إنما يصحُّ هذا القولُ على أنْ يكونَ التبديلُ في الآخرةِ كما سيأتِي. وأما إن قيلَ: إنه في الدنيا، فالكافرُ إذا أسلمَ والمسلمُ إذا تاب في ذلكَ سواءٌ، بل المسلمُ إذا تابَ فهو أحسنُ حالاً من الكافر إذا أسلمَ.

стр. 740

قالَ: وقال آخرونَ: التبديلُ في الآخرةِ: جعلت لهم مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً منهم: عمرُو بنُ ميمون، ومكحولٌ، وابنُ المسيبِ، وعليٌّ بنُ الحسينِ، قالَ: وأنكرهُ أبو العاليةَ، ومجاهدٌ، وخالد سبلان، وفيه موضعُ إنكارٍ، ثم ذكرَ ما حاصلهُ: أنه يلزمُ من ذلكَ: أن يكونَ مَن كثرتْ سيئاتُهُ أحسن حالاً ممن قلَّتْ سيئاتُه، حيثُ يُعطى مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً. ثم قالَ: ولو قال قائل: إنما ذكرَ اللَّهُ أن يُبدلَ السيئاتِ حسناتٍ ولم يذكرِ العددَ كيفَ تبدَّل فيجوزُ أن معنى تبدَّلُ: أن من عملَ سيئةً واحدةً وتابَ منها تبدَّلُ مائةَ ألفِ حسنةٍ، ومن عملَ ألفَ سيئة أن تبدَّل ألفَ حسنةٍ، فيكونُ حينئذٍ مَنْ قلَّت سيئاتُهُ أحسنُ حالاً. قلتُ: هذا القولُ - وهو التبديلُ في الآخرةِ - قد أنكرَهُ أبو العاليةَ، وتلا قولَهُ تعالَى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) ، وردّه بعضُهم بقولِه تعالَى: (وَمَن يَعْمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) ، وقولهِ تعالَى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) . ولكن قد أُجيبَ عن هذا: بأنَّ التائبَ يُوقفُ على سيئاتهِ؛ ثمَّ تبدَّلُ حسناتٍ، قالَ أبو عثمانَ النهديُ: إن المؤمنَ يُؤتَى كتابهُ في سَتْرٍ من اللَّه عزّ وجلّ، فيقرأُ سيئاتهِ، فإذَا قرأَ تغيَّر لها لونُه حتَّى يمرَّ بحسناتِهِ، فيقرؤُها فيرجعُ إليه لونُه، ثم ينظرُ فإذا سيئاتُه قد بُدلمتْ حسناتٍ، فعندَ ذلكَ يقولُ: (هَاؤُمُ اقرَءُوا كتَابِيَهْ) . ورواهُ بعضُهم عن أبي عثمانَ عن ابنِ مسعودٍ، وقالَ بعضُهم: عن أبي عثمانَ عن سلمانَ.
следующие страницы →