[الاسم للمسمى]
(الاسم للمسمى) * ويقولون: أسماء الله هي الله.
الشرح: من البدع التي أحدثها أهل الكلام أن أسماء الله غير الله، وما كان غيره فهو مخلوق، وهذا من حماقاتهم وبذلك يمهدون الطريق لبدعة القول بخلق أسماء الله، قال ابن جرير في كتابه صريح السنة: (وأما القول في الاسم هو المسمى أم هو غيره فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيُتبع ولا قول من إمام فيُستمع) .
قلت: قول ابن جرير: (ولا قول من إمام فيستمع) يشير إلى أن النزاع في هذه المسألة حدث بعد أئمة السلف الأوائل، وذكر ابن أبي يعلى أن الإمام أحمد كان يشق عليه الكلام في الاسم والمسمى ويقول: (هذا كلام محدث، ولا يقول إن الاسم غير المسمى ولا هو هو ولكن يقول: إن الاسم للمسمى اتباعا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
وقال شيخ الإسلام: (وهذا هو القول بأن الاسم للمسمى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب
стр. 107
أحمد وغيره) . [انظر: الفتاوى (٦ / ١٨٧) ] .
وعقد اللالكائي في كتابه (١) بابا في (سياق ما فُسِّر من كتاب الله تعالى وما روي عن رسول الله ﷺ وورد في لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد وأنه هو هو لا غير) قال المحقق في الحاشية هنا في حاشية الأصل بخط دقيق كأنه جديد: (وأن الاسم للمسمى) ، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة منها قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ومن أعظم الشرك أن يقال (إن العبادة لاسمه واسمه مخلوق وقد أمر بالعبادة للمخلوق) وهذا قول المعتزلة والنجارية وغيرهم من أهل البدع والكفر والضلالة. وقال ﵎: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقد أجمع المسلمون على أن هو إشارة إليه وأن اسمه هو، وقال ﵎: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ فأمر الله ﵎ أن يُذكر اسمه على البُدْن حيث نحرها للتقرب إليه، وعلى مذهب المبتدعة لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجزيه لأن هذه الأسماء مخلوقة، وأسماء الله عندهم مخلوقة، وقال في آية أخرى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
стр. 108
[سورة الأنعام، الآية: ١١٨] .
وأجمع المسلمون على أن المؤذن إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فإنه قد أتى بالتوحيد وأقر بالنبوة إلا المعتزلة فإنه يلزمهم أن يقولوا: أشهد أن الذي اسمه (الله) لا إله إلا هو وأشهد أن الذي اسمه محمد رسول الله، وهذا خلاف ما وردت به الشريعة وخلاف ما عليه المسلمون، وكذلك هذه الأيمان التي بالله ﵎ كلها عندهم يجب أن تكون مخلوقة والناس يحلفون بالمخلوق دون الخالق لأن الاسم غير المسمى والاسم مخلوق عندهم، والذي عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: «باسمك اللهم أحيا وأموت» (١) وكان يستشفي للمرضى بقوله: «أعيذك بكلمات الله التامة» ، وكان يعوِّذ بها حسنا وحسينا، وجبريل حين اشتكى رسولُ الله ﷺ عوَّذه بها، ثم قول الناس في الأدعية: اللهم اغفر لي وارحمني: معناه عندهم: من اسمه اللهم الذي هو مخلوق اغفر لي، وهذا كفر بالله وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين ولغة العرب والعرف والعادة.
стр. 109
والحاصل أن هاهنا ثلاث صور:
الأولى: الاسم غير المسمى.
والثانية: الاسم هو المسمى.
والثالثة: الاسم للمسمى.
فأما الصورتان الأوليان فتحتملان حقا وباطلا، فقول القائل إن الاسم غير المسمى إن أراد أن لفظ الاسم غير الذات وأنه مخلوق، فهذا معنى باطل لأن أسماء الله تعالى من كلامه وكلامه غير مخلوق فأسماء الله غير مخلوقة.
وإن أراد القائل أن أسماء الله غير ذات الله، فهذا كلام صحيح عقلا ولغة، لأن لفظ زيد مثلا غير زيد الآكل الشارب.
وأما الصورة الثانية: أن الاسم عين المسمى، فأيضا تحتمل حقا وباطلا، فمن قال إن الاسم عين المسمى وأراد بالاسم الذات وأراد أن ألفاظ أسماء الله مخلوقة، فهذا معنى باطل كما سبق.
وإن أراد أن الاسم عين المسمى بمعنى الاسم لا ينفك عن المسمى ولم يقل بخلق أسماء الله، فهو كلام حق.
وأما الصورة الثالثة: وهي أن الاسم للمسمى فهو كلام واضح لا تلبيس فيه ولا تدليس وليس من الكلمات المحدثة بل الكتاب والسنة يدلان عليه، فقد قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فالحاصل أن قول القائل إن الاسم عين
стр. 110
المسمى أو غير المسمى إن صدر عن إمام من أئمة السنة فيُحمل على المعنى الحق، وإن جرى على لسان إمام من أئمة أهل الكلام فيحمل على المعنى الباطل.
ولذلك ننبه طلبة العلم إلى معرفة مصطلحات أهل الكلام لغموضها وتلبيسها ولما في طياتها من التعطيل والشطط (١) والله المستعان.
الخلاصة:
الراجح عند أهل السنة أن يقال: إن الاسم للمسمى؛ لورود الأدلة بذلك، ولا يقال الاسم هو المسمى أو غير المسمى إلا ببيان المعنى الحق إذ إنها تحتمل حقا وباطلا.
المناقشة:
س١: بيِّن القول الراجح عند أهل السنة في مسألة الاسم والمسمى.
س ٢: ما المعاني الحقة والباطلة في قولنا إن الاسم هو المسمى أو غير المسمى؟
س ٣: بيِّن مذهب المعتزلة في هذه المسألة.
стр. 111
[ترك الشهادة لأحد من الموحدين بالجنة أو النار إلا من شهد له رسول الله]
(ترك الشهادة لأحد من الموحدين بالجنة أو النار
إلا من شهد له رسول الله ﷺ * ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين، حتى يكون الله سبحانه ينزلهم حيث شاء ويقولون: أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، ويؤمنون بأن الله سبحانه يُخرج قوما من الموحدين من النار على ما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ .
اللغة: (يشهدون) : الشهادة هي الإخبار عن علم، (الموحدين) : جمع موحد وهو من أفرد الله تعالى بجميع أنواع التوحيد.
الشرح: لا يحكم أهل الحديث لمسلم معين بجنة أو نار إلا من ورد في حقهم نص عن النبي ﷺ ، وقد قرر هذا الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٨: ٦٩) ] حيث قال: (ولا يقطعون على أحد من أهل الملة أنه من أهل الجنة أو من أهل النار لأن علم ذلك يغيب عنهم لا يدرون على ماذا الموت؟ أعلى الإسلام أم على
стр. 112
الكفر؟ ولكن يقولون: إن من مات على الإسلام مجتنبا للكبائر والأهواء والآثام فهو من أهل الجنة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ولم يذكر عنهم ذنبا ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ - جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ومن شهد له النبي ﷺ بعينه وصح ذلك عنه فإنهم يشهدون له بذلك اتباعا لرسول الله ﷺ وتصديقا لقوله) .
وكذا قال الشيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٨٢) ] حيث قال: (ويعتقد ويشهد أصحاب الحديث أن عواقب العباد مبهمة لا يدري أحد بِمَ يُختم له، ولا يحكمون لواحد بعينه أنه من أهل الجنة، ولا يحكمون على أحد بعينه أنه من أهل النار، لأن ذلك مغيَّب عنهم لا يعرفون علام يموت عليه الإنسان أعلى الإسلام أم على الكفر؟ ولذلك يقولون: إنا مؤمنون إن شاء الله، أي من المؤمنين الذين يختم لهم بخير إن شاء الله.
ويشهدون لمن مات على الإسلام أن عاقبته الجنة، فإن الذين سبق القضاء عليهم من الله أنهم يعذبون بالنار مدة لذنوبهم التي اكتسبوها ولم يتوبوا منها فإنهم يردون أخيرا إلى الجنة ولا يبقى أحد في النار من المسلمين فضلا من الله ومنة، ومن مات - والعياذ بالله - على الكفر فمرده إلى النار لا ينجو
стр. 113
منها ولا يكون لمقامه فيها منتهى) .
فمن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الشهادة بالجنة أو النار تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة.
فالعامة: هي المعلَّقة بالوصف مثل أن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، أو لكل كافر بأنه في النار، أو نحو ذلك من الأوصاف التي جعلها الشارع سببا لدخول الجنة أو النار.
والخاصة: هي المعلقة بشخص مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة أو لشخص معين بأنه في النار، فلا نعيِّن إلا ما عينه الله أو رسوله.
الخلاصة:
لا يشهد أهل السنة لأحد من المسلمين بجنة ولا نار بل هم تحت مشيئة الله تعالى، ويؤمنون بأن الموحدين يخرجون من النار ويدخلون الجنة.
المناقشة:
س١: ما موقف أهل السنة من قضية الحكم على المعين؟
س ٢: هل يخرج أحد من النار بعد أن يدخلها؟
س ٣: اذكر أنواع الشهادة بالجنة أو النار وما يجوز منها وما لا يجوز.
стр. 114
[ترك المراء والجدال في الدين]
(ترك المراء والجدال في الدين) * وينكرون الجدال والمراء في الدين، والخصومة في القدر، والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل، ويتنازعون فيه من دينهم بالتسليم للروايات الصحيحة والآثار التي رواها الثقات عدلا عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ ، ولا يقولون كيف ولا لِمَ لأن ذلك بدعة.
اللغة: (الجدال) : شدة المخاصمة، (المراء) : هو الجدال، (عدلا) : المؤدي للفرائض المجتنب للمحارم.
الشرح: قرر هذا أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٩٩) ] حيث قال: (ويتقون الجدال في الدين والخصومات فيه) ، والحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٧١) ] حيث قال: (ويرون ترك الخصومات والمراء في القرآن وغيره، لقول الله : ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني يجادل فيها تكذيبا بها، والله أعلم) .
قلت: ما ذكره الإسماعيلي من الجدال القبيح المنهي عنه،
стр. 115
أما إذا كان الغرض من الجدال إثبات الحق وإبطال الباطل فهذا من المجادلة الحسنة وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
وقد وردت نصوص شرعية فيها الأمر بالإمساك عن القدر والنهي عن الخوض فيه، فمما ورد في ذلك قول النبي ﷺ : «إذا ذُكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا» أخرجه الطبراني في الكبير (١) .
الخلاصة:
يمنع أهل السنة الجدال والمراء في الدين والقدر، ويسلمون لما ورد في الآثار الصحيحة عن النبي ﷺ .
المناقشة:
س١: ما موقف أهل السنة من مسألة الجدال في الدين؟
س ٢: هل يجوز الخوض في مسائل القدر؟
стр. 116
[الإرادة الكونية والشرعية]
(الإرادة الكونية والشرعية) * ويقولون: إن الله لم يأمر بالشر بل نهى عنه وأمر بالخير ولم يرض بالشر وإن كان مريدا له.
اللغة: (يأمر) هو طلب الفعل على وجه الإلزام، (نهى) : النهي عن الشيء هو طلب الكف عنه.
الشرح: الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية أن الكونية يلزم فيها وقوع المراد ولا يلزم أن يكون محبوبا لله مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ فهي بمعنى المشيئة.
وأما الشرعية فيلزم أن يكون المراد فيها محبوبا لله ولا يلزم وقوعه كقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ وقال التيمي في الحجة [١ / ٢٣] : (والإرادة غير المحبة والرضا، فقد يريد ما لا يحبه الله ولا يرضاه بل
стр. 117
يكرهه ويسخطه ويبغضه، قال بعض السلف: إن الله يقدِّر ما لا يرضاه بدليل قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ ) .
والشر لا يضاف إلى الله مفردا قط، بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وإما أن يضاف إلى السبب كقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وإما أن يحذف فاعله كقول الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾
стр. 118
[حقوق الصحابة والاعتراف بفضائلهم]
(حقوق الصحابة والاعتراف بفضائلهم) * ويعرفون حق الذين اختارهم الله سبحانه لصحبة نبيه ﷺ ، ويأخذون بفضائلهم، ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم.
اللغة: (الفضائل) : جمع فضيلة وهي ما يُحمد عليه الإنسان، (يمسكون) : يكفون، (شجر) : دب ووقع من الشر.
الشرح: يكفيهم في الفضل أن الله أثنى عليهم ورضي عنهم ووعدهم بالحسنى كما في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ - وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
стр. 119
[سورة الحشر، الآيتان: ٨، ٩] .
فأفضل الصحابة المهاجرون لجمعهم بين الهجرة والنصرة، ثم الأنصار الذين آووا المهاجرين وآثروهم على أنفسهم ونصروا دين الله.
وأما مسألة الكف عما شجر بين الصحابة فهذا هو الصواب، ويستثنى منه ما إذا كان الغرض بيان الحق في مسألة ما دونما انتقاص لأحد منهم.
وقد قرر هذا شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٩٣) ] حيث قال: (ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبا لهم ونقصا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم، وكذلك يرون تعظيم قدر أزواجه ﵅، والدعاء لهن ومعرفة فضلهن والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين) .
وكذا ابن بطة في الإبانة على أصول السنة [ص (٢٦٨) ] : (ومن بعد ذلك نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ فقد شهدوا المشاهد معه، وسبقوا الناس بالفضل، فقد غفر الله لهم وأمر بالاستغفار لهم والتقرب إليه
стр. 120
بمحبتهم، وفرض ذلك على لسان نبيه وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون، وإنما فُضِّلوا على سائر الخلق لأن الخطأ والعمد قد وُضع عنهم وكل ما شجر بينهم مغفور لهم) .
وكذا أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٧٩) ] حيث قال: (والكف عن الوقيعة فيهم وتأويل القبيح عليهم ويَكِلونهم فيما جرى بينهم على التأويل إلى الله .
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بفضل الصحابة على من عداهم، ويكفُّون عما شجر بينهم.
المناقشة:
س١: ما موقف أهل السنة من الصحابة؟
س ٢: ما موقف أهل السنة مما شجر بين الصحابة من منازعات؟
س ٣: ما الذي يستثنى من مسألة الكف عما شجر بين الصحابة؟
стр. 121
[المفاضلة بين الصحابة]
(المفاضلة بين الصحابة) * ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليا رضوان الله عليهم.
الشرح: أفضل هؤلاء الأربعة أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، لحديث ابن عمر ﵄: «كنا نخيِّر بين الناس زمن النبي ﷺ فنخير أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان» (١) .
فهذا الحديث الجليل فيه رد بليغ على أهل الضلال الذين قدموا عليًّا ﵁ على الشيخين، بل الحق الذي عليه أهل الحديث أهل السنة والجماعة أن خير هذه الأمة بعد نبيها ﷺ هو الصديق أبو بكر ﵁ ثم عمر الفاروق ثم عثمان ذو النورين ثم علي ﵃ أجمعين، على ترتيبهم في الخلافة، ثم باقي العشرة، ثم أصحاب بدر والرضوان وبيعة العقبة وهكذا.
стр. 122
هذا هو قولهم وهو الذي يدينون الله به ولا يعدلون عنه، وقد ضل من عدل عن قولهم في هذه المسألة أو غيرها من المسائل.
والصحابة كانوا يخيِّرون بهذا الترتيب في زمن النبي ﷺ ، فلو كان باطلا لما أقرهم عليه ولا وافقهم ولا سكت، فتنبه.
стр. 123
[خلافة الخلفاء الراشدين]
(خلافة الخلفاء الراشدين) * ويقرون أنهم الخلفاء الراشدون المهديون أفضل الناس كلهم بعد النبي ﷺ .
الشرح: هذا قول أهل السنة قاطبة في شأن الخلفاء الأربعة ﵃، وقد قرر هذا وبسطه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتاب اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٧١: ٧٢) ] حيث قال: (ويثبتون خلافة أبي بكر ﵁ بعد رسول الله ﷺ باختيار الصحابة إياه، ثم خلافة عمر بعد أبي بكر ﵁ باستخلاف أبي بكر إياه، ثم خلافة عثمان ﵁ باجتماع أهل الشورى وسائر المسلمين عليه عن أمر عمر، ثم خلافة علي بن أبي طالب ﵁ عن بيعة من بايع من البدريين عمار بن ياسر وسهل بن حنيف ومن تبعهما من سائر الصحابة مع سابقة فضله) .
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بتفضيل الخلفاء الأربعة على من سواهم من الصحابة، وبفضلهم على ترتيبهم في الخلافة، وأنهم خير الأمة بعد رسول الله ﷺ .
стр. 124
المناقشة:
س١: ما قول أهل السنة في التفضيل بين الصحابة؟
س ٢: من أحسن الأمة بالفضل بعد النبي ﷺ ؟
س ٣: ما قولك فيمن يقدم عليا ﵁ على أبي بكر وعمر ﵄؟
стр. 125
[صفة النزول]
(صفة النزول) * ويصدِّقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ : «إن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر» . . .؟ " كما جاء الحديث عن رسول الله ﷺ .
اللغة: (يصدقون) : يؤمنون ويقرون.
الشرح: حديث النزول من الأحاديث المتواترة، نص على ذلك أبو زرعة الرازي كما في عمدة القاري [ (٧ / ١٩٩) ] ، وابن القيم في تهذيب السنن [ (٧ / ١٠٨) ] ، والذهبي في العلو [ص (٧٣) ] ، وابن عبد الهادي في الصارم المنكي [ص (٣٠٤) ] ، والكتاني في النظم المتناثر [ص (١٩١) ] وغيرهم.
ولفظه: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له» . . . " متفق عليه.
وهذا ما قرره عن أهل الحديث الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٢) ] حيث قال: (وأنه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن رسول
стр. 126
الله ﷺ بلا اعتقاد كيف فيه) .
وشيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٢٦) ] حيث قال: (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ وينتهون فيه إليه، ويُمِرُّون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويَكِلون علمه إلى الله) ، قلت: قوله: (يَكِلون علمه إلى الله) يقصد به علم كيفية النزول، فقد استأثر الله بعلم الكيف، أما المعنى فهو معروف من لغة العرب وهو لائق بجلال الله وعظمته من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بصفة النزول الإلهي على الكيفية اللائقة بالله تعالى وأنه نزول حقيقي إلى السماء الدنيا كل ليلة.
المناقشة:
س١: ما موقف أهل السنة من صفة النزول الإلهي؟
س٢: هل ذكر أهل السنة كيفية معينة لنزول الرب ؟
س٣: ما حكم من شبَّه نزول الله تعالى بنزول الخلق؟
стр. 127
[التحاكم عندهم إلى الكتاب والسنة]
(التحاكم عندهم إلى الكتاب والسنة) * ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال الله : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾
اللغة: (التحاكم) : التماس الحكم، (تنازعتم) : تخاصمتم.
الشرح: هذا أصل من أصول مذهب أهل الحديث وهو التحاكم إلى الكتاب والسنة والتسليم لهما وعدم معارضتهما بالرأي أو العقل أو القياس، فمن رام النجاة والسلامة من الأهواء فليكن ميزانه الكتاب والسنة، فلا تقبل من أحد قولا وإلا وطالِبه بالاستدلال على صحة قوله بآية محكمة أو سنة ثابتة أو قول صحابي من طريق صحيح. [انظر: رسالة الحرف والصوت ص (٣١٠) ] .
قال الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٧٩) ] : (فتمسكوا معتصمين بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا عنه، واعلموا أن الله تعالى أوجب محبته ومغفرته لمتبعي رسوله ﷺ في كتابه، وجعلهم الفرقة الناجية والجماعة المتبعة، فقال لمن ادعى أنه يحب الله :
стр. 128
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾
وقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (١٠٧) ] : (وقد وفقهم - يعني أصحاب الحديث - الله ﷻ لاتباع كتابه ووحيه وخطابه، والاقتداء برسوله في أخباره التي أمر فيها أمته بالمعروف من القول والعمل وزجرهم فيها عن المنكر منهما، وأعانهم على التمسك بسيرته والاهتداء بملازمة سنته. . وشرح صدورهم لمحبته ومحبة أئمة شريعته وعلماء أمته، ومن أحب قوما فهو معهم يوم القيامة بحكم قول رسول الله ﷺ : «المرء مع من أحب» (١) .
الخلاصة:
يرى أهل السنة والجماعة أن من أصول الاعتقاد وجوب التحاكم إلى الله ورسوله عند التنازع في أي أمر.
المناقشة:
س١: إلى من تتحاكم عند التنازع؟
س ٢: ما حكم من لم يسلِّم لله والرسول؟
стр. 129
[اتباع السلف]
(اتباع السلف) * ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين لا يبتدعون في دينهم ما لم يأذن به الله.
اللغة: (اتباع) : اقتفاء أثر وملازمة الأمر الذي كانوا عليه.
الشرح: من أصول مذهب أهل الحديث اتباع أقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان من أئمة الدين في أصول العقيدة خاصة وفي الدين عامة، أما الصحابة فلما فُضِّلوا به من شرف الصحبة وأخذهم الدين عن النبي ﷺ ، وسلامة قلوبهم وأعمالهم من البدع وسلامة ألسنتهم من العجمة.
وأما التابعون فلأخذهم الدين مباشرة عن الصحابة، ولقربهم من عهد النبوة، فقد قال النبي ﷺ : «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم» (١) .
стр. 130
وقال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٩٩) ] : (ويقتدون بالنبي ﷺ وبأصحابه الذين هم كالنجوم بأيهم اقتدوا اهتدوا) .
وقال الإمام الحافظ أبو نصر السجزي: (أئمة الحق هم المتبعون لكتاب ربهم سبحانه، المقتفون سنة نبيهم ﷺ ، المتمسكون بآثار سلفهم بمعرفتها وجمعها والتقدم فيها أئمة لغيرهم) .
الخلاصة:
وجوب اتباع الصحابة والتابعين في جميع مسائل الدين وحرمة الابتداع بما لم يأذن به الله.
المناقشة:
س١: من الذين يجب عليك اتباعهم؟
س ٢: ما سبب وجوب اتباع الصحابة والتابعين؟
س ٣: اذكر حكم الابتداع في الدين بما لم يأذن به الله.
стр. 131
[صفة المجيء]
(صفة المجيء) * ويقرون أن الله سبحانه يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾
الشرح: مجيء الله للفصل بين عباده يوم القيامة ثابت بالكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾
وقال النبي ﷺ في حديث طويل: «حتى إذا لم يبق إلا من يعبد الله أتاهم رب العالمين» (١) متفق عليه.
فيجب إثباته له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وهو مجيء حقيقي يليق بالله تعالى، وهذا ما قرره شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني حيث قال: (وكذلك يثبتون ما أنزله الله - عز اسمه - في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾
стр. 132
وقوله عز اسمه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ) . [عقيدة السلف أصحاب الحديث ص (٢٧) ] .
وهذه صفة من الصفات الفعلية التي يفعلها الله تعالى إذا شاء، وأهل السنة لم يشبِّهوا مجيء الله بمجيء الخلق كما فعلت المشبهة، وكذلك لم يؤوِّلوا ويحرِّفوا كما فعلت المعطلة.
стр. 133
[القرب]
(القرب) * وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾
اللغة: (يقرب) : يدنو، (الوريد) جمعه أوردة وهي العروق التي يجري فيها الدم إلى القلب.
الشرح: إن الله سبحانه فوق سماواته على عرشه، كما أنه يقرب من عباده في آخر الليل، وهو فوق عرشه، فإن علوه سبحانه على سماواته من لوزام ذاته، فلا يكون قط إلا عاليا ولا يكون فوقه شيء ألبتة كما قال أعلم الخلق: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء» (١) وهو سبحانه قريب في علوه، عالٍ في قربه كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي موسى الأشعري قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فارتفعت أصواتنا
стр. 134
بالتكبير فقال: " أيها الناس، اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبا؛ إن الذي تدعونه سميع قريب أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (١) فأخبر ﷺ وهو أعلم الخلق به أنه أقرب إلى أحدهم من عنق راحلته، وأخبر أنه فوق سماواته على عرشه، مطلع على خلقه، يرى أعمالهم ويعلم ما في بطونهم، وهذا حق لا يناقض أحدهما الآخر والذي يسهل عليك فهم هذا معرفة عظمة الرب وإحاطته بخلقه وأن السماوات السبع كخردلة في يد العبد، وأنه سبحانه يقبض السماوات بيده والأرض بيده الأخرى ثم يهزُّهن، فكيف يستحيل في حق من هذا بعض عظمته أن يكون فوق عرشه، ويقرب من خلقه كيف شاء، وهو على العرش تقدست أسماؤه وعظمت صفاته (٢) ؟
الخلاصة:
إن الله تعالى يقرب من خلقه كيف شاء ومتى شاء، ولا تنافيَ بين هذا القرب وبين علوه على خلقه واستوائه على
стр. 135
عرشه، وهو سبحانه يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بينهم كما ورد في الأخبار.
المناقشة:
س١: اذكر بعضا من الأدلة الدالة على إثبات صفة المجيء لله تعالى.
س ٢: اذكر دليلا على أن الله تعالى يقرب من خلقه متى شاء.
س ٣: هل هناك تناف بين صفة القرب وبين العلو والاستواء؟
стр. 136
[الجمعة والجماعة خلف كل إمام مسلم]
(الجمعة والجماعة خلف كل إمام مسلم) * ويرون العيد والجماعة خلف كل إمام بر وفاجر.
اللغة: (البر) : هو المطيع الصالح، (الفاجر) : هو العاصي الفاسق. الشرح: هذا مذهب أهل السنة في مسألة الصلاة خلف البر والفاجر، وهو الذي قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٧٥) ] حيث قال: (ويرون الصلاة - الجمعة وغيرها - خلف كل إمام مسلم، برا كان أو فاجرا، فإن الله فرض الجمعة وأمر بإتيانها فرضا مطلقا مع علمه تعالى بأن القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق ولم يستثن وقتا دون وقت ولا أمرا بالنداء للجمعة دون أمر) .
وكذا قرره شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٩٢) ] حيث قال: (ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برا كان أو فاجرا) .
стр. 137
الخلاصة:
يرى أهل السنة صحة الصلاة خلف كل مسلم برا أو فاجرا.
المناقشة:
س١: ما معنى البر، الفاجر؟
س ٢: ما حكم الصلاة خلف الإمام الفاجر؟
стр. 138
[المسح على الخفين]
(المسح على الخفين) * ويثبتون المسح على الخفين سنة ويرونه في الحضر والسفر.
اللغة: (الحضر) : هو ضد السفر، وهو الإقامة.
الشرح: المسح على الخفين من المسائل الفقهية، ولأن أهل البدع أنكروا المسح على الخفين نص العلماء عليها في عقائدهم، قال ابن أبي العز شارحا كلام الطحاوي: (ونرى المسح على الخفين في السفر والحضر كما جاء في الأثر) ، وقال: (تواترت السنة عن رسول الله بالمسح على الخفين وبغسل الرجلين، والرافضة تخالف هذه السنة المتواترة. . والكلام عليها في كتب الفروع) [شرح العقيدة الطحاوية ص (٤٣٧، ٤٣٩) ] .
تنبيه: هذه المسألة من المسائل الفرعية ولكن مخالفتها والتشنيع على فاعليها يجعلها من مسائل أصول الاعتقاد، ولذلك يذكرها أئمة السنة في كتب العقائد كما ذكروا مسألة رفع اليدين وسورة الفاتحة خلف الإمام لما رأوا أن كثيرا من
стр. 139
أهل البدع من أهل الرأي شنَّعوا على من يعمل بها.
الخلاصة:
يرى أهل السنة جواز المسح على الخفين للمسافر والمقيم على ما تواتر في السنة النبوية.
المناقشة:
س١: ما حكم المسح على الخفين للمسافر والمقيم؟
س ٢: لماذا تكلم العلماء في كتب العقيدة على هذه المسائل رغم أنها من مسائل الفروع؟
стр. 140
[جهاد الكفار والمشركين ماضٍ إلى يوم القيامة]
(جهاد الكفار والمشركين ماضٍ إلى يوم القيامة) * ويثبتون فرض الجهاد للمشركين منذ بعث الله نبيه ﷺ إلى آخر عصابة تقاتل الدجال وبعد ذلك.
اللغة: (الجهاد) : مصدر جاهد، ومعناه بذل الجهد والوسع، ومقصوده قتال الكفار والمنافقين، (عصابة) : جماعة من الناس، (الدجال) : الأعور الكذاب الذي وردت الآثار في شأنه.
الشرح: جهاد الكفار والمشركين ماضٍ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد قرر الإمام أبو بكر الإسماعيلي مذهب أهل الحديث في الجهاد مع الأئمة وإن كانوا جَوَرَة، فقد قال في كتابه اعتقاد أهل الحديث [ص (٧٥) ] : (ويرون جهاد الكفار معهم وإن كانوا جورة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل) .
وكذا أبو عثمان شيخ الإسلام إسماعيل الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٩٢) ] حيث قال: (ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جَوَرة فَجَرة، ويرون
стр. 141
الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعية) .
الخلاصة:
يرى أهل السنة وجوب قتال الكفار والمنافقين مع كل إمام عدل أو جائر، وكذلك يرون الدعاء لهم بالتوفيق وتحري العدل واجتناب الظلم.
المناقشة:
س١: ما حكم قتال الكفار والمشركين؟
س ٢: ما حكم القتال مع الإمام الجائر؟
س ٣: هل يجوز الدعاء للحاكم بالخير؟
стр. 142
[نهيهم عن الخروج على أئمة المسلمين]
(نهيهم عن الخروج على أئمة المسلمين) * ويرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح، وأن لا يخرجوا عليهم بالسيف، وأن لا يقاتلوا في الفتنة.
اللغة: (أئمة المسلمين) : المراد بهم هنا أمراء المسلمين.
الشرح: قلت: هذا هو المذهب الحق في مسألة الخروج على الأئمة، وهذا ما قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٧٥: ٧٦) ] حيث قال: (ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم ولا قتال الفتنة، ويرون قتال الفئة الباغية مع الإمام العدل، إذا كان وجد على شرطهم في ذلك) .
وشيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٩٣) ] حيث قال: (ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف، ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل) .
стр. 143
تنبيه: الخروج على الحكام الكفرة المطبقين للقوانين الكفرية ليس من هذا الباب بل هذا من الجهاد في سبيل الله، فإن مراد عدم الخروج على ولاة الأمر الذين يعظمون شعائر الله وينفذون شرائع الله ثم الخروج على الحكام الكفرة أيضا يحتاج إلى التأني والتثبت، فقد يكون في الخروج عليهم ضرر بالإسلام والمسلمين، فمثل هذا يُعمل بأخف الضررين.
الخلاصة:
يرى أهل السنة عدم الخروج على الأئمة وعدم القتال في الفتنة.
المناقشة:
س١: ما حكم الخروج عن طاعة الإمام المسلم؟
س ٢: هل يجوز قتال الفتنة؟
س ٣: ما حكم قتال الأئمة الذين بدَّلوا شرائع الإسلام واستبدلوا بها غيرها؟
стр. 144
[خروج الدجال]
(خروج الدجال) * ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى ابن مريم يقتله.
اللغة: (الدجال) : الكذاب الأعور الذي يخرج في آخر الزمان قبل قيام الساعة.
الشرح: من أشراط الساعة الكبرى خروج الدجال في آخر الزمان يدعي الربوبية ومعه خوارق فيقول للسماء أمطري فتمطر وللأرض أنبتي فتنبت.
وقد ذكر النبي كثيرا من صفاته وحذر منها، وكان النبي ﷺ يتعوَّذ منه في الصلاة، فقد قال النبي ﷺ : «اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات» (١) .
стр. 145
وفي حديث النواس بن سمعان «أنه يخرج من طريق بين الشام والعراق فيدعو الناس إلى عبادته، فأكثر من يتبعه اليهود والنساء والأعراب ويتبعه سبعون ألفا من يهود أصبهان، فيسير في الأرض كلها كالغيث استدبرته الريح إلا مكة والمدينة فيُمنع منهما، ومدته أربعون يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وباقي أيامه كالعادة، وهو أعور العين مكتوب بين عينيه (ك ف ر) يقرؤه المؤمن فقط، وله فتنة عظيمة منها أنه يأمر السماء فتمطر والأرض فتنبت، معه جنة ونار فجنته نار وناره جنة» (١) قال القاضي عياض: (هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم وغيره في قصة الدجال حُجة لمذهب أهل الحق في صحة وجوده وأنه شخص بعينه ابتلى الله به عباده وأقدره على أشياء من مقدورات الله تعالى: من إحياء الميت الذي يقتله، ومن ظهور زهرة الدنيا معه، وجنته وناره، ونهريه، واتباع كنوز الأرض له، وأمره السماء أن تمطر فتمطر والأرض أن تنبت فتنبت، فيقع كل ذلك بقدرة الله تعالى ومشيئته ثم يعجزه الله ﵎ بعد ذلك فلا يقدر على قتل ذلك الرجل ولا