الخلاصة:
يرى أهل السنة أن المؤمنين يرون الله تعالى في الآخرة بأبصارهم رؤية حقيقية لا يُضامون في رؤيته وليست رؤية علمية كما قال المبتدعة.
المناقشة:
س١: ما هو موقف أهل السنة من مسألة الرؤية في الآخرة؟
س ٢: اذكر دليلا واحدا من الكتاب والسنة على إثبات الرؤية في الآخرة.
س ٣: اذكر مذهب الأشعرية والماتريدية في مسألة الرؤية.
стр. 72
[قولهم في مرتكب الكبيرة]
(قولهم في مرتكب الكبيرة) * ولا يكفِّرون أحدا من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر، ومعهم بما هم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر.
اللغة: - (ولا يكفرون) : أي لا يحكمون بالكفر.
- (الكبائر) : هي الذنوب التي ورد في حقها لعن أو وعيد شديد.
الشرح: دل على إثبات أن الكبيرة لا تُخرج صاحبها من الإيمان القرآن والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾
قال الأشعري: (وأجمعوا على أن المؤمن بالله تعالى وسائر ما دعا إليه النبي ﷺ أن الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورون بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان) [رسالة الثغر، ص (٩٤) ] ، وهذا هو ما قرره الحافظ
стр. 73
أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٤) ] حيث قال: (ويقولون إن أحدا من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين لو ارتكب ذنبا أو ذنوبا كثيرة صغائر أو كبائر، مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقبله عن الله؛ فإنه لا يكفر به ويرجون له المغفرة، قال تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ) .
وكذا شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني حيث قال في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٧١- ٧٢) ] : (ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبا كثيرة صغائر كانت أو كبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالما غانما غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه من الذنوب واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عاقبه وعذبه مدة بعذاب النار وإذا عذبه لم يخلده فيها بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار) .
الخلاصة:
لا يحكم أهل السنة على مرتكب الكبيرة بالكفر، بل هو مسلم فاسق، ولا يكفرون أحدا بذنب ما لم يستحله، ويقولون
стр. 74
إن مرتكب الكبيرة تحت المشيئة يوم القيامة إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه.
المناقشة:
س١: عرِّف الكبيرة.
س ٢: ما قول أهل السنة في مرتكب الكبيرة؟
س ٣: ما حكم مرتكب الكبيرة الذي يموت على غير توبة؟
стр. 75
[أركان الإيمان]
(أركان الإيمان) * والإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما أصابهم لم يكن ليخطئهم.
الشرح: تقدم شرح هذه الأركان في أول الكتاب، أما الإيمان باليوم الآخر فسيذكره المؤلف مفصلا في ثنايا الرسالة.
وقوله: (وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم وما أصابهم لم يكن ليخطئهم) فإنه مأخوذ من قوله ﷺ : «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك» (١) .
ومعنى ذلك أن الإنسان إذا قدر الله له أن يصاب بسوء فليس من الممكن أن يخطئه هذا السوء، بل لا بد أن يصيبه وإن فعل ما فعل، وتحرَّز بما تحرز، فهو لا بد مصيبه، وإن قدّر الله له أن يعافى من هذا السوء فإنه لا يمكن أن يصاب به، وإن اجتمع
стр. 76
الناس جميعا على إنزاله به، لم يستطيعوا إلى ذلك سبيلا.
الخلاصة:
أركان الإيمان عند أهل السنة ستة هي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
المناقشة:
س١: اذكر أركان الإيمان عند أهل السنة.
س ٢: ما مذهبهم في إثبات القدر؟
س ٣: اشرح قول النبي ﷺ : «واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك» .
стр. 77
[أركان الإسلام]
(أركان الإسلام) * والإسلام هو أن يُشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله على ما جاء في الحديث.
اللغة: (الإسلام) : في اللغة هو الاستسلام والإذعان والانقياد.
الشرح: تضمنت هذه الكلمة العظيمة نفيا وإثباتا؛ فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله بقولك (لا إله) ، وأثبتت الإلهية لله وحده بقولك (إلا الله) ، ولا ريب أن الشهادة لا تكون شهادة إلا إذا كانت عن علم ويقين وصدق، وأما مع الجهل بمعناها والشك فلا تعتبر ولا تنفع، فيكون الشاهد والحالة هذه كاذبا لجهله بمعنى الذي شهد به، فكم ضل بسبب ذلك من ضل وهم الأكثرون، فقلبوا حقيقة المعنى فأثبتوا الإلهية المنفية لمن نُفيت عنه من المخلوقين أرباب القبور والمشاهد والطواغيت والأشجار والأحجار والجن وغير ذلك، واتخذوا ذلك دينا، وشبهوا وزخرفوا واتخذوا التوحيد بدعة وأنكروه على من دعاهم إليه، فلجهلهم معنى الإله قلبوا حقيقة المعنى إلى معنى توحيد الربوبية وهو القدرة على الاختراع، فأثبتوا ما نفته
стр. 78
(لا إله إلا الله) من الشرك، وأنكروا ما أثبتته من إخلاص العبادة لله جهلا منهم، والله المستعان. [انظر: قرة عيون الموحدين ص (١٤- ١٥) ] .
وأما معنى: أشهد أن محمدا عبده ورسوله، أي أشهد بصدق ويقين، وذلك يقتضي اتباعه وتعظيم أمره ونهيه ولزوم سَمْته ﷺ ، وأن لا تعارض قوله بقول أحد لأن غيره يجوز عليه الخطأ، والنبي ﷺ قد عصمه الله تعالى وأمرنا بطاعته والتأسي به وتوعدنا على ترك طاعته بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وللأسف فقد وقع في التفريط في المتابعة وتركها أقوام، وقدموا أقوال من يجوز عليهم الخطأ على قوله ﷺ ، والله المستعان. [انظر: قرة عيون الموحدين، ص (١٥- ١٦) ] .
ومن مقتضى شهادتنا بأنه رسول الله أن لا نقدم على قوله قول أحد كائنا من كان، وهو أحد نوعي التوحيد فإن التوحيد نوعان: توحيد المُرْسِل وهو الله وتوحيد متابعة الرسول.
قال ابن أبي العز: (فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول،
стр. 79
فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته. . .) [شرح العقيدة الطحاوية ص (١٦٠) ] .
وقوله: (على ما جاء في الحديث) : يشير إلى حديث جبريل، فقد سأل جبريل النبي ﷺ عن الإيمان والإسلام والإحسان فقال النبي ﷺ : «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا» (١) .
الخلاصة:
يعرِّف أهل السنة الإسلام على ما عرفه النبي ﷺ في الحديث: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله» . . . الحديث.
المناقشة:
س١: عرِّف الإسلام عند أهل السنة.
س ٢: اذكر نوعي التوحيد اللذين لا يتم إلا بهما.
س ٣: كيف تحقق توحيد المرسل؟
стр. 80
[الفرق بين الإيمان والإسلام]
(الفرق بين الإيمان والإسلام) * والإسلام عندهم غير الإيمان.
الشرح: هذا ما قرره المؤلف عنهم لكن الحافظ أبو بكر الإسماعيلي أشار إلى أنهم قد اختلفوا في الفرق بين الإسلام والإيمان. [انظر: اعتقاد أئمة الحديث ص (٦٧) ] .
فقد قال في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٧: ٦٨) ] : (وقال منهم: إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فُرض على الإنسان أن يفعله إذا ذكر كل اسم على حدته مضموما إلى الآخر فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعا مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد بالآخر، وإن ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمهم، فكثير منهم قالوا: الإسلام والإيمان واحد، قال الله : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ فلو أن الإيمان غيره لم يُقبل، وقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
ومنهم من ذهب إلى أن الإسلام مختص بالاستسلام لله
стр. 81
والخضوع له والانقياد لحكمه فيما هو مؤمن به كما قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وقال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ وهذا أيضا دليل لمن قال هما واحد) .
قلت: وهناك أقوال أخرى والراجح في نظري قول من يقول: إن الإيمان والإسلام إذا افترقا اتفقا وإن اجتمعا افترقا.
الخلاصة:
الإسلام والإيمان إن اجتمعا أُريد بالأول الأعمال الظاهرة وبالثاني الاعتقادات والأعمال الباطنة، وإن ذكر كل منهما منفردا أريد به كلا الأمرين.
المناقشة:
س١: عرِّف الإسلام والإيمان مع ذكر الفرق بينهما.
س ٢: ما معنى القول بأن الإيمان والإسلام إذا افترقا اتفقا وإذا اجتمعا اختلفا؟
стр. 82
[الله سبحانه مقلب القلوب]
(الله سبحانه مقلب القلوب) * ويقرون بأن الله سبحانه مقلب القلوب.
الشرح: مأخوذ من حديث النبي ﷺ : «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» (١) .
ومعناه: أن الله يقلب قلوب العباد بين أصبعيه كما في الحديث، فقد يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، والله تعالى كل يوم هو في شأن، فالنبي ﷺ كان يدعو الله تعالى أن يثبِّت قلبه على الإسلام وأن يعافيه من الزيغ والضلال، وألا يضله بعد إذ هداه، وذلك لأن مقلب القلوب ومصرفها هو الله تعالى وحده.
الخلاصة:
يقول أهل السنة إن الله تعالى هو الذي يقلب قلوب العباد بين أصابعه.
стр. 83
المناقشة:
س١: اذكر دليلا على أن الله تعالى يقلب قلوب العباد.
س ٢: ما معنى القول بأن الله تعالى يقلب القلوب؟
стр. 84
[الشفاعة]
(الشفاعة) * ويقرون بشفاعة رسول الله ﷺ وأنها لأهل الكبائر من أمته.
اللغة: (يقرون) : يعترفون ويثبتون، (الشفاعة) : هنا استشفاع النبي ﷺ إلى الله في أهل الكبائر.
الشرح: الشفاعة لا تكون يوم القيامة إلا بإذن الله تعالى للشافع ورضاه عن المشفوع له، وهذا ما قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٨) ] حيث قال: (ويقولون إن الله يخرج من النار قوما من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين، وأن الشفاعة حق) .
وكذا شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٦١) ] حيث قال: (ويؤمن أهل الدين والسنة بشفاعة الرسول ﷺ لمذنبي أهل التوحيد ومرتكبي الكبائر كما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ ، ودل على ثبوت الشفاعة الكتاب والسنة والإجماع.
стр. 85
قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وبين الله الشفاعة الصحيحة وهي التي تكون بإذنه لمن يرتضي قوله وعمله.
وقال ﵊: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد ﷺ فيدخلون الجنة يسمون الجَهَنَّميين» (١) والأحاديث في ذلك كثيرة متواترة، وقد نص بعض أهل العلم على تواترها كابن أبي عاصم في السنة [٢ / ٣٨٥] ، والقاضي عياض كما في شرح مسلم [٣ / ٣٥] وغيرهما) .
وذكر الأشعري الإجماع في رسالته إلى أهل الثغر [ص (٩٧) ] فقال: (وأجمعوا على أن شفاعة النبي ﷺ لأهل الكبائر من أمته وعلى أن يخرج من النار قوم من أمته بعدما صاروا حُمَما) ، وخالفهم المعتزلة والخوارج. [انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص (٢٥٨) ] .
أما صاحب كتاب شرح الأصول الخمسة المعتزلي فيرى الشفاعة ثابتة ويخالف في كونها للفساق، [ص (٦٨٧ - ٦٨٨،
стр. 86
٦٩٠ -) ] ، ورد الأحاديث في الشفاعة للناس بأنها منقولة بطريق الآحاد [انظر: الإرشاد (ص ٣٩٣- ٣٩٥) ، والمواقف (٣٨٠) ] ، وقد عقد الإمام الحافظ إسماعيل التيمي فصلا في الرد على من ينكر إخراج الموحدين من النار فارجع إليه.
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بشفاعة النبي ﷺ يوم القيامة بأنواعها ومنها الشفاعة لأهل الكبائر من أمته.
المناقشة:
س١: ما المراد بالشفاعة؟
س ٢: هل الشفاعة خاصة بالنبي ﷺ أم يشاركه غيره فيها؟
س ٣: ما شروط الشفاعة الصحيحة؟
س ٤: اذكر بعض المخالفين لأهل السنة في الشفاعة.
стр. 87
[عذاب القبر]
(عذاب القبر) * وبعذاب القبر.
الشرح: يؤمن أهل السنة بالنصوص الواردة في إثبات وجود عذاب القبر لمن شاء الله من خلقه من أهل الشقاء، وهذا ما قرره وبسط الكلام فيه الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٩) ] حيث قال: (ويقولون إن عذاب القبر حق يُعذِّب الله من استحقه إن شاء وإن شاء عفا عنه، لقوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فأثبت لهم ما بقيت الدنيا عذابا بالغدو والعشي دون ما بينهما، حتى إذا قامت القيامة عُذبوا أشد العذاب بلا تخفيف عنهم كما كان في الدنيا، وقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ يعني قبل فناء الدنيا، لقوله تعالى: بعد ذلك: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ بيَّن أن المعيشة الضنك قبل يوم القيامة، وفي معاينتنا اليهود والنصارى والمشركين في العيش الرغد والرفاهية في المعيشة ما يُعلم أنه لم يرد به ضيق الرزق في
стр. 88
الحياة الدنيا لوجود مشركين في سعة من أرزاقهم، وإنما أراد به بعد الموت قبل الحشر) .
ومن الآيات التي استدل بها أهل السنة على إثبات عذاب القبر قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾
وقد استدل بها النبي ﷺ على إثبات عذاب القبر، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث البراء بن عازب وفيه قوله ﷺ : «المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ » (١) وقول النبي ﷺ : «إن أحدكم إذا مات عُرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة» (٢) .
والأحاديث في إثبات عذاب القبر كثيرة متواترة، قال الشيخ عبد الغني المقدسي في عقيدته [ص (٣٧) ] : (رواه عن
стр. 89
النبي اثنا عشر صحابيا) [ضمن المجموعة العلمية السعودية ص (٣٧) ] ، وخالف جمهور أهل السنة في ذلك ضرار بن عمر وبشر المريسي وأكثر المتأخرين من المعتزلة [انظر: شرح الأصول الخمسة ص (٧٣٠) ، والمواقف ص (٣٨٢) ] .
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بوجود عذاب في القبر على الحقيقة كما ورد في الكتاب والسنة.
المناقشة:
س١: هل يوجد في القبر عذاب حقيقي أم لا؟
س ٢: اذكر دليلا في إثبات عذاب القبر.
س ٣: اذكر بعض المخالفين لأهل السنة في هذا الباب.
стр. 90
[الحوض]
(الحوض) * وأن الحوض حق
الشرح: يؤمن أهل السنة بالحوض المورود الذي أعده الله تعالى لنبيه ﷺ .
وهذا ما قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٨) ] فقد قال: (والحوض حق) ، وكذا شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٦٥) ] فقد قال: (ويؤمنون بالحوض والكوثر. .) ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ وقد تضافرت الأدلة من السنة على إثبات الحوض، فقد بوَّب البخاري في صحيحه بابا (في الحوض) ، وكذا مسلم عقد بابا (في إثبات حوض نبينا محمد ﷺ ، ومن جملة تلك الأحاديث حديث أنس بن مالك مرفوعا: «إن قدْر حوضي كما بين أيلة وصنعاء اليمن وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء» (١)
стр. 91
وحديث جندب مرفوعا: «أنا فَرَطُكم على الحوض» (١) والأحاديث في ذلك كثيرة بلغت حد التواتر، صرح بذلك بعض أهل العلم كالقرطبي في المفهم كما في فتح الباري [ (١١ / ٤٦٧) ] ، وابن كثير في النهاية [ (٢ / ٣) ] ، والقاضي عياض كما في شرح مسلم [ (١٥ / ٥٣) ] ، وابن أبي عاصم كما في السنة [ (٢ / ٣٦٠) ] وغيرهم.
فأهل السنة اتفقت كلمتهم قاطبة على إثبات حوض نبينا محمد ﷺ ، وهو حوض عظيم ومورد كريم طوله مسيرة شهر كعرضه، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأطيب ريحا من المسك، وآنيته عدد نجوم السماء، على ما صحت به الأخبار عن النبي المختار، وأنكرته طائفة من المبتدعة.
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بحوض النبي ﷺ على صفته الواردة في الآثار.
стр. 92
المناقشة:
س١: ما موقف أهل السنة من مسألة حوض النبي ﷺ ؟
س ٢: اذكر بعضا من صفات هذا الحوض كما وردت بها الآثار.
س ٣: من هو فرط المسلمين على الحوض؟
стр. 93
(الصراط) * والصراط حق.
اللغة: (الصراط) : الطريق، والمراد هنا جسر على متن جهنم.
الشرح: أجمع أهل السنة والجماعة على إثبات الصراط، وهو جسر - بفتح الجيم وكسرها - ممدود على جهنم ليعبر المسلمون عليه إلى الجنة، وهو أحدّ من السيف وأدقّ من الشعر، ولا يعبره إلا المؤمنون، فيمضون عليه على قدر نورهم، منهم من يمر كانقضاض الكواكب، ومنهم من يمر كالريح ومنهم من يمر كالطرف، ومنهم من يرمل رملا، وهو ثابت بالكتاب والسنة.
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ فسَّرها عبد الله بن مسعود وقتادة وزيد بن أسلم (بالمرور على الصراط) ، قال ابن أبي العز: (والأظهر أنه المرور على الصراط، وفسرها جماعة منهم ابن عباس بالدخول في النار لكن ينجون منها) . [انظر: تفسير البغوي (٥ / ٢٤٦) ] .
стр. 94
وقد بوب الإمام البخاري في صحيحه باب (الصراط جسر جهنم) ذكر فيه حديث أبي هريرة الطويل وفيه: «ويُضرب جسر جهنم، قال رسول الله ﷺ : " فأكون أول من يُجيز، ودعاء الرسول يومئذ: اللهم سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان» (١) الحديث، وأنكره بعض المعتزلة. [ينظر: شرح الأصول الخمسة (٧٣٧، ٣٧٨) ، والإرشاد للجويني ص ٣٧٠، ٣٨٠) ] .
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بأن الصراط حق، كما ورد في الكتاب والسنة، وعليه الإجماع.
المناقشة:
س١: ما المراد بالصراط؟ وما صفته؟
س ٢: ما مذهب أهل السنة في شأن الصراط؟
س ٣: اذكر بعض المخالفين في هذا الباب.
стр. 95
[البعث]
(البعث) * والبعث بعد الموت حق
اللغة: (البعث) : هو إحياء الموتى يوم القيامة للحساب.
الشرح: البعث بعد الموت قررته الأديان كلها ووردت فيه النصوص الشرعية التي لا تحصى.
وهذا ما قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي فقد قال في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٨) ] : (والمعاد حق) .
وكذا شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٦٠) ] حيث قال: (ويؤمن أهل الدين والسنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة، وبكل ما أخبر الله سبحانه ورسوله ﷺ من أهوال ذلك اليوم الحق) .
فالله يبعث الموتى من القبور ويعيدهم معادا جسمانيا بأن يجمع ما تفرق من أجسامهم ثم ينشئهم نشأة أخرى ثم يعيد أرواحهم، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ - قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾
стр. 96
[سورة الأعراف، الآيتان: ٢٤، ٢٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ وقول النبي ﷺ : «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذَّنَب منه خلق ابن آدم وفيه يركّب» (١) .
وأجمعت الأمة على إثبات البعث، قال السفاريني في لوامع الأنوار [٢ / ١٥٧] : (اعلم أنه يجب الجزم شرعا أن الله تعالى يبعث جميع العباد ويعيدهم بجميع أجزائهم الأصلية وهي التي شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره، ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء، فإن هذا حق ثابت بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة) .
بل اتفقت اليهود والنصارى على إثبات المعاد.
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بالبعث بعد الموت يوم القيامة على الحقيقة بالأبدان والأرواح.
стр. 97
المناقشة:
س١: ما هو البعث؟
س ٢: ما قول أهل السنة في مسألة البعث بعد الموت؟
س ٣: هل البعث للأرواح فقط أم للأرواح والأبدان معا؟
س ٤: اذكر بعضا ممن أنكر المعاد الجسماني.
стр. 98
[الحساب]
(الحساب) * والمحاسبة من الله للعباد حق، والوقوف بين يدي الله حق.
اللغة: (المحاسبة) : مفاعلة من حاسب، والمقصود بها الحساب وعرض الأعمال على الله ، (الوقوف) : القيام.
الشرح: يؤمن أهل السنة بالحساب وبما يكون فيه من العرض والمناقشة، وهذا ما قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٨) ] حيث قال: (والحساب حق) .
وكذا الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٦) ] حيث قال: (واختلاف العباد فيه والخلق فيما يرونه ويلقونه هنالك في ذلك اليوم الهائل؛ من أخذ الكتب بالأيمان والشمائل، والإجابة عن المسائل، إلى سائر الزلازل والبلابل الموعودة في ذلك اليوم العظيم، والمقام الهائل من الصراط والميزان ونشر الصحف التي فيها مثاقيل الذر من الخير وغيرها) .
стр. 99
فقد كثرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على إثبات وقوف الخلق للحساب، دل على هذا قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
وقول النبي ﷺ : «من حُوسب عُذِّب " فقالت عائشة: يقول الله تعالى: ﴿يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قالت: فقال: " إنما ذلك العرض ولكن من نوقش للحساب يهلك ".»
وقول النبي ﷺ في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: «يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» .
قال السفاريني ذاكرا إجماع أهل العلم: (وهو حق ثابت ورد به الكتاب والسنة وانعقد عليه الإجماع وهو يوم القيامة) . [لوامع الأنوار (١ / ٣٩٤) ] .
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة بالوقوف بين يدي الله تعالى يوم القيامة للحساب والعرض عليه.
стр. 100
المناقشة:
س١: ما المراد بالحساب، الوقوف؟
س ٢: ما مصير من يناقش الحساب؟
س ٣: ما المراد بقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ ؟
стр. 101
[زيادة الإيمان ونقصانه]
(زيادة الإيمان ونقصانه) * ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق.
الشرح: هذا هو قول أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان، وهو ما قرره الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه اعتقاد أئمة أهل الحديث [ص (٦٣: ٦٤) ، حيث قال: (ويقولون إن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، من كثرت طاعته أزيد إيمانا ممن هو دونه في الطاعة) .
وكذا شيخ الإسلام أبو عثمان إسماعيل الصابوني في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث [ص (٦٧) ] حيث قال: (ومن مذهب أهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ومعرفة يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية) .
فالأدلة من الكتاب والسنة متضافرة على أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأجمع عليه أهل العلم، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
قال الحليمي في كتابه المنهاج [ (١ / ٣٧٩) ] : (أجمع
стр. 102
المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس فثبت أن الصلاة إيمان وإذا ثبت ذلك فكل طاعة إيمان إذ لم أعلم فارقا فرق في هذا التسمية بين الصلاة وسائر الطاعات) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
وقول النبي ﷺ : «الإيمان بضع وستون شعبة، والحياء من الإيمان» (١) . أخرجه البخاري، زاد مسلم في رواية «فأفضلها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» .
قال ابن منده: (فجعل الإيمان شعبا بعضها باللسان وبعضها بالقلب وبعضها بسائر الجوارح) . [الإيمان، (١ / ٣٣٢) ] .
وعقد البخاري باب (زيادة الإيمان ونقصانه) وقول الله تعالى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وقال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فإذا ترك
стр. 103
شيئا من الكمال فهو ناقص، ثم ساق حديث أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير» (١) . وحكى اتفاق السلف على أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية غيرُ واحد من أهل العلم؛ كالشافعي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة [ (٣ / ٨٨٦، ٨٨٧) ] ، وأحمد كما في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي [ص (٢٢٨) ] ، والبخاري كما في فتح الباري [ (١ / ٤٧) ] ، وابن عبد البر في التمهيد [ (٩ / ٢٣٨) ] ، والبغوي في شرح السنة [١ / ٣٨، ٣٩) ] ، وعبد الرزاق الصنعاني كما في شرح مسلم [١ / ١٤٦] .
وقوله: (قول) أي قول القلب واللسان، فقول القلب هو الاعتقاد، وأما قول اللسان فهو التكلم بكلمتي الإسلام والإيمان.
قوله: (وعمل) العمل قسمان: عمل القلب وهو الإخلاص
стр. 104
والنية، وعمل الجوارح وهي الأعضاء.
وقوله: (لا يقولون) وهذه المقالة من البدع التي أحدثها أهل الكلام، وأصلها يرجع إلى القول باللفظ بالقرآن، فقد تقدم أن الإمام أحمد نهى أن يقال لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق، ونهى كذلك أن يقال الإيمان مخلوق أو غير مخلوق، فقد نقل ابن حامد أن أبا طالب نقل عن الإمام أحمد أنه يقول في الإيمان: (إن من قال مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فقد ابتدع وأنه يهجر حتى يرجع) . [طبقات الحنابلة (٢ / ١٧٦) ] .
وقال القاضي أبو يعلى في مختصر المعتمد [ص (١٩١) ] : (واعلم أنه لا يجوز إطلاق القول في الإيمان أنه مخلوق أو غير مخلوق لأن من قال مطلقا إنه مخلوق أوهم أن كلام الله وأسماءه وصفاته مخلوقة، ومن قال إنه غير مخلوق أوهم أن أفعال العباد قديمة غير مخلوقة) .
الخلاصة:
يؤمن أهل السنة أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق أو غير مخلوق.
стр. 105
المناقشة:
س١: ما موقف أهل السنة من مسألة دخول الأعمال في مسمى الإيمان؟
س ٢: هل يقول أهل السنة إن الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟
س ٣: اذكر بعض من خالف أهل السنة في مسألة الإيمان.
س ٤: ما الذي جرَّأ أهل البدع على القول بأن الإيمان مخلوق؟
стр. 106
[الاسم للمسمى]
(الاسم للمسمى) * ويقولون: أسماء الله هي الله.
الشرح: من البدع التي أحدثها أهل الكلام أن أسماء الله غير الله، وما كان غيره فهو مخلوق، وهذا من حماقاتهم وبذلك يمهدون الطريق لبدعة القول بخلق أسماء الله، قال ابن جرير في كتابه صريح السنة: (وأما القول في الاسم هو المسمى أم هو غيره فإنه من الحماقات الحادثة التي لا أثر فيها فيُتبع ولا قول من إمام فيُستمع) .
قلت: قول ابن جرير: (ولا قول من إمام فيستمع) يشير إلى أن النزاع في هذه المسألة حدث بعد أئمة السلف الأوائل، وذكر ابن أبي يعلى أن الإمام أحمد كان يشق عليه الكلام في الاسم والمسمى ويقول: (هذا كلام محدث، ولا يقول إن الاسم غير المسمى ولا هو هو ولكن يقول: إن الاسم للمسمى اتباعا لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾
وقال شيخ الإسلام: (وهذا هو القول بأن الاسم للمسمى، وهذا الإطلاق اختيار أكثر المنتسبين إلى السنة من أصحاب
стр. 107
أحمد وغيره) . [انظر: الفتاوى (٦ / ١٨٧) ] .
وعقد اللالكائي في كتابه (١) بابا في (سياق ما فُسِّر من كتاب الله تعالى وما روي عن رسول الله ﷺ وورد في لغة العرب على أن الاسم والمسمى واحد وأنه هو هو لا غير) قال المحقق في الحاشية هنا في حاشية الأصل بخط دقيق كأنه جديد: (وأن الاسم للمسمى) ، وذكر الأدلة من الكتاب والسنة منها قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ ومن أعظم الشرك أن يقال (إن العبادة لاسمه واسمه مخلوق وقد أمر بالعبادة للمخلوق) وهذا قول المعتزلة والنجارية وغيرهم من أهل البدع والكفر والضلالة. وقال ﵎: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقد أجمع المسلمون على أن هو إشارة إليه وأن اسمه هو، وقال ﵎: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ فأمر الله ﵎ أن يُذكر اسمه على البُدْن حيث نحرها للتقرب إليه، وعلى مذهب المبتدعة لو ذكر اسم زيد أو عمرو أو اللات والعزى يجزيه لأن هذه الأسماء مخلوقة، وأسماء الله عندهم مخلوقة، وقال في آية أخرى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
стр. 108
[سورة الأنعام، الآية: ١١٨] .
وأجمع المسلمون على أن المؤذن إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فإنه قد أتى بالتوحيد وأقر بالنبوة إلا المعتزلة فإنه يلزمهم أن يقولوا: أشهد أن الذي اسمه (الله) لا إله إلا هو وأشهد أن الذي اسمه محمد رسول الله، وهذا خلاف ما وردت به الشريعة وخلاف ما عليه المسلمون، وكذلك هذه الأيمان التي بالله ﵎ كلها عندهم يجب أن تكون مخلوقة والناس يحلفون بالمخلوق دون الخالق لأن الاسم غير المسمى والاسم مخلوق عندهم، والذي عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: «باسمك اللهم أحيا وأموت» (١) وكان يستشفي للمرضى بقوله: «أعيذك بكلمات الله التامة» ، وكان يعوِّذ بها حسنا وحسينا، وجبريل حين اشتكى رسولُ الله ﷺ عوَّذه بها، ثم قول الناس في الأدعية: اللهم اغفر لي وارحمني: معناه عندهم: من اسمه اللهم الذي هو مخلوق اغفر لي، وهذا كفر بالله وخلاف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع المسلمين ولغة العرب والعرف والعادة.
стр. 109
والحاصل أن هاهنا ثلاث صور:
الأولى: الاسم غير المسمى.
والثانية: الاسم هو المسمى.
والثالثة: الاسم للمسمى.
فأما الصورتان الأوليان فتحتملان حقا وباطلا، فقول القائل إن الاسم غير المسمى إن أراد أن لفظ الاسم غير الذات وأنه مخلوق، فهذا معنى باطل لأن أسماء الله تعالى من كلامه وكلامه غير مخلوق فأسماء الله غير مخلوقة.
وإن أراد القائل أن أسماء الله غير ذات الله، فهذا كلام صحيح عقلا ولغة، لأن لفظ زيد مثلا غير زيد الآكل الشارب.
وأما الصورة الثانية: أن الاسم عين المسمى، فأيضا تحتمل حقا وباطلا، فمن قال إن الاسم عين المسمى وأراد بالاسم الذات وأراد أن ألفاظ أسماء الله مخلوقة، فهذا معنى باطل كما سبق.
وإن أراد أن الاسم عين المسمى بمعنى الاسم لا ينفك عن المسمى ولم يقل بخلق أسماء الله، فهو كلام حق.
وأما الصورة الثالثة: وهي أن الاسم للمسمى فهو كلام واضح لا تلبيس فيه ولا تدليس وليس من الكلمات المحدثة بل الكتاب والسنة يدلان عليه، فقد قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ فالحاصل أن قول القائل إن الاسم عين
стр. 110
المسمى أو غير المسمى إن صدر عن إمام من أئمة السنة فيُحمل على المعنى الحق، وإن جرى على لسان إمام من أئمة أهل الكلام فيحمل على المعنى الباطل.
ولذلك ننبه طلبة العلم إلى معرفة مصطلحات أهل الكلام لغموضها وتلبيسها ولما في طياتها من التعطيل والشطط (١) والله المستعان.
الخلاصة:
الراجح عند أهل السنة أن يقال: إن الاسم للمسمى؛ لورود الأدلة بذلك، ولا يقال الاسم هو المسمى أو غير المسمى إلا ببيان المعنى الحق إذ إنها تحتمل حقا وباطلا.
المناقشة:
س١: بيِّن القول الراجح عند أهل السنة في مسألة الاسم والمسمى.
س ٢: ما المعاني الحقة والباطلة في قولنا إن الاسم هو المسمى أو غير المسمى؟
س ٣: بيِّن مذهب المعتزلة في هذه المسألة.