← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وحديث معاذ وقول النبي ﷺ له (١): «لا تدعنَّ دُبُر كلِّ صلاةٍ». وحديث بَرِيرة، وقول النبي ﷺ لعائشة (٢): «اشترطي لهم الولاء». وحديث: «فحجَّ آدمُ موسى» شرحه مرَّات (٣). وحديث: «لا يضرب أحدٌ (٤) فوق عشرة أسواط إلا في حدٍّ من حدود الله». وحديث: «من جُعِل قاضيًا فقد ذُبح بغير سِكِّين» (٥). وحديث: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم» (٦). وشرحَ أحاديثَ كثيرة غير (٧) ما ذُكِر.

стр. 177

وشرح ما روي عن عمر ﵁ أنه قال: نِعْم العبدُ (١) صُهيب لو لم يخفِ اللهَ لم يعْصِه. وتكلم على (لو) (٢). وشرح قول علي ﵁: لا يرجونَّ أحدٌ (٣) إلا ربَّه ولا يخافنَّ إلا ذنبه (٤). وله أجوبة كثيرة في أحاديث يُسأل عنها، من صحيحٍ يشرحه، وضعيفٍ يبيّن ضعفه، وباطل ينبّه على بطلانه. وله من الأجوبة والقواعد شيء كثير غير ما تقدَّم ذكره يشقّ ضبطُه وإحصاؤه، ويعسُر حصرُه واستقصاؤه. وسأجتهد [ق ٢٦] إن شاء الله تعالى في ضبط ما يمكنني من أسماء (٥) مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأبيّن ما صنَّفه منها (٦) بمصر وما ألَّفه منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتِّبه ترتيبًا حسنًا غير هذا الترتيب، بعون الله وقوَّته ومشيئته. قال الشيخ أبو عبد الله (٧): لو أراد الشيخ تقي الدين ﵀ أو غيره

стр. 178

حصرها ــ يعني مصنفات (١) الشيخ ــ لما قدروا (٢)؛ لأنه ما زال يكتب، وقد مَنَّ الله عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه من غير نقل. وأخبرني غير واحد أنه كتب مجلدًا لطيفًا في يوم، وكتب غير مرة أربعين ورقة في جلسة وأكثر. وأحْصيتُ ما كتبه في يوم وبَيَّضتُه (٣) في يوم فكان ثمان كراريس، في مسألة من أشكل المسائل. وكان يكتب على السؤال الواحد مجلدًا. وأما جوابٌ يَكْتب فيه خمسين ورقة، وستين، وأربعين، وعشرين، فكثير. ويكتبُ الجوابَ، فإن حضر من يبيّضه وإلا أخذ السائلُ خطَّه وذهب. ويكتب قواعدَ كثيرة في فنونٍ من العلم؛ من (٤) الأصول والفروع والتفسير وغير ذلك، فإن وُجِد من ينقله (٥) من خطِّه وإلا لم يشتهر ولم يُعْرَف. وربما أخذه بعضُ أصحابه فلم (٦) يقدر على نقله، ولا يردّه إليه فيذهب. وكان كثيرًا ما يقول: قد كتبت في كذا وفي كذا. ويُسأل عن الشيء، فيقول: قد كتبتُ في هذا، فلا يُدرى أين هو، فيلتفت

стр. 179

إلى أصحابه ويقول: ردّوا خطي وأظهروه لينقل. فمِن حرصهم عليه لا يردُّونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه ولا أين هو (١). فلهذه الأسباب وغيرها تعذَّر إحصاءُ ما كتبه وما صنفه. وما كفى هذا، إلا أنه لما حُبِس تفرَّقت (٢) أتباعُه، وتفرَّقت كتبُه، وخوَّفوا أصحابه من أن يُظهروا كتبه= ذهبَ كلُّ أحدٍ بما عنده وأخفاه ولم يظهروا كتبه (٣)، فبقي هذا يهرب بما عندَه، وهذا يبيعه أو يهبه (٤)، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تُسْرَق كتبه أو تُجْحَد، فلا يستطيع أن يطلبها ولا يقدر على تحصيلها (٥)! ! فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف كلَّ تمزّق (٦)! ولولا أنَّ الله تعالى لطفَ وأعان ومنَّ وأنعم، وخَرَق (٧) العادةَ في حِفْظ أعيان كتبه وتصانيفه لما أمكن أحدًا أن يجمعها. ولقد رأيتُ من خَرْق العادة في حفظ كتبه وجمعها، وإصلاح ما فَسَد منها، وردّ ما ذهب منها= ما لو ذكرتُه لكان عجبًا، يعلم به كلُّ منصف (٨) أنَّ لله

стр. 180

عنايةً به وبكلامه؛ لأنه يذب عن سنة نبيه ﷺ تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين. قلت: ومن مؤلفاته أيضًا: قاعدة في تقرير النبوات بالعقل والنقل (١). وقاعدة في تبديل السيئات حسنات. وقاعدة في المتشابهات. وقاعدة في إبطال المجرّدات (٢). وقاعدة في إثبات الرؤية والردّ على نُفاتها (٣). وقاعدة [ق ٢٧] في وجوب تقديم محبَّة الله ورسوله على النَّفْس والأهل والمال. وقاعدة في لفظ الجسم، واختلاف الناس واصطلاحاتهم في هذا الاسم (٤). وقاعدة في تحريم الحشيشة، وبيان حكم آكلها، وماذا يجب عليه (٥).

стр. 181

وقاعدة في الردِّ على من قال بفناء الجنة والنار (١). وله «الحموية الكُبرى» (٢). و «الحموية الصُّغرى» (٣). فأما «الحموية الكبرى» فأملاها ما (٤) بين الظهر والعصر، وهي جواب عن سؤال ورد من حماة سنة ثمان وتسعين وستمائة، وجرى بسبب تأليفها أمور ومحن. وتكلَّم الشيخُ فيها على آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك، وقال في مقدَّمتها ــ وهي عظيمة جدًّا ــ: «قولنا فيها ما قال (٥) الله ورسوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وما قاله أئمة الهدى بعد (٦) هؤلاء الذين

стр. 182

أجمعَ المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، وهذا هو الواجب على جميع الخلق في هذا الباب وفي غيره. فإن الله بعث محمدًا ﷺ بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد، وشهد له بأنه بعثه داعيًا إليه (١) بإذنه وسراجًا منيرًا، وأمره أن يقول: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ٨٠]. ومن المُحال في العقل والدين أن يكون السراج المنير الذي أَخرجَ (٢) به الناسَ من الظلمات إلى النور، وأنزلَ معه الكتابَ بالحقّ ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وأمرَ الناسَ أن يردّوا ما تنازعوا فيه من (٣) دينهم إلى ما بُعِثَ به من الكتاب والحكمة، وهو يدعو إلى الله وإلى سبيله بإذنه (٤) على بصيرة، وقد أخبر الله أنه أكمل له ولأمته دينهم وأتمَّ عليهم نعمته =محالٌ (٥) مع هذا وغيره أن يكون قد ترك باب الإيمان بالله والعلم به مُلتبسًا مشتبِهًا، ولم يميّز ما يجب لله من الأسماء الحسنى والصفات العُلى، وما يجوز عليه، وما يمتنع عليه. فإن معرفة هذا أصل الدين وأساس الهداية، وأفضل وأوجب ما اكتسبته القلوب وحصَّلته النفوس وأدركته العقول.

стр. 183

فكيف يكون ذلك الكتاب، وذلك الرسول، وأفضل خَلْق الله بعد النبيين لم يُحْكِموا هذا الباب اعتقادًا وقولًا. ومن المحال أيضًا أن يكون النبي ﷺ قد علَّم أمته كلَّ شيء حتى الخِراءة (١). وقال: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك» (٢). وقال ــ فيما صح عنه أيضًا ــ: «ما بعث الله من نبيّ إلا كان حقًّا عليه (٣) أن يدلَّ أمته على خير ما يَعْلَمه لهم وينهاهم عن شرِّ ما يعلمه لهم» (٤). وقال أبو ذرّ: لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلِّب جناحيه في السماء إلا ذَكَّرنا (٥) منه علمًا (٦).

стр. 184

وقال [ق ٢٨] عمر بن الخطاب ﵁: قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا فذكر بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم. حفظ ذلك من حَفِظَه، ونَسِي ذلك (١) من نسيه. رواه البخاري (٢). مُحال مع هذا ومع (٣) تعليمهم كلّ شيء لهم فيه منفعة في الدين ــ وإن دقَّت ــ أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم وقلوبهم (٤) في ربهم ومعبودهم رب العالمين، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، بل هذا خلاصة الدعوة النبوية، وزُبْدة الرسالة الإلهية. فكيف يتوهَّم من في قلبه أدنى مُسْكَة من إيمان وحكمة أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول ﷺ على غاية التمام؟ ! ثم إذا كان قد وقع ذلك منه، فمن المُحال أن يكون خير أمته وأفضل قرونها قصَّروا في هذا الباب زائدين فيه أو ناقصين عنه. ثم من المُحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة؛ القرن الذي بُعِث فيهم رسول الله ﷺ ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كانوا غير عالمين (٥) وغير قائلين في هذا الباب بالحقِّ المبين؛ لأنّ ضدّ ذلك إما عدم العلم والقول، وإما

стр. 185

اعتقاد نقيض الحقّ وقول خلاف الصِّدْق، وكلاهما ممتنع. أما الأول؛ فلأنَّ من في قلبه أدنى حياة، وطلبٍ للعلم، ونَهْمة في العبادة؛ يكون البحثُ عن هذا الباب والسؤالُ عنه ومعرفةُ (١) الحقّ فيه أكبر (٢) مقاصده وأعظم مطالبه (٣). وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية (٤). فكيف يتصوَّر مع قيام هذا المقتضي ــ الذي هو من أقوى المقتضيات ــ أن يتخلَّف عنه مقتضاه في أولئك (٥) السادة في مجموع عصورهم (٦)؟ ! هذا لا يكاد يقع في أبْلَد الخلق، وأشدّهم إعراضًا عن الله، وأعظمهم إكبابًا على طلب الدنيا والغفلة عن ذكر الله، فكيف يقع في أولئك؟ وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه، فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عَرَف حالَ القوم. ثم الكلام عنهم في هذا الباب أكثر من أن يمكن أن يُسَطَّر في هذه الفتيا أو أضعافها، يَعرف ذلك من طلبَه وتتبَّعه. ولا يجوز أيضًا أن يكون الخالفون أعلم من السالفين، كما قد يقوله

стр. 186

بعضُ الأغبياء ممن لم يَقْدُر قدر السلف، بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين به حقيقة المعرفة المأمور بها؛ من أنَّ طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم. فإن هؤلاء المبتدعة الذين يُفضِّلون طريقة (١) الخَلَف (٢) على طريقة السلف إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرَّد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقهٍ لذلك. بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة/٧٨] [ق ٢٩] وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات. فهذا الظنُّ الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف. وسبب ذلك: اعتقادُهم أنه ليس [لله] (٣) في نفس الأمر صفة دلَّت عليها هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي شَركوا (٤) فيها إخوانهم من الكافرين.

стр. 187

فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر، وكان ــ مع ذلك ــ لابدّ للنصوص من معنى، بقوا متردّدين بين الإيمان باللفظ، وتفويض المعنى، وهي التي يسمونها: طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معانٍ (١) بنوع تكلُّف، وهي التي يسمونها: طريقة الخلف؛ وصار هذا الباطل مركبًا من فساد العقل والكفر بالسمع، فإن النفي إنما اعتمدوا (٢) فيه على أمور عقلية ظنوها بيَّنات وهي شبهات، والسمع حرَّفوا فيه الكَلِمَ (٣) عن مواضعه. فلما انْبَنى (٤) أمرُهم على هاتين المقدِّمتين الكاذبتين الكُفْريتين، كانت النتيجة استجهال السابقين الأوّلين (٥) واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قومًا (٦) أميين، بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحَّروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطَّنوا لدقيق (٧) العلم الإلهي، وأن الخَلَفَ الفضلاء حازوا قَصَب السَّبْق في هذا كله. وهذا (٨) القول إذا تدبَّره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة. كيف يكون هؤلاء المتأخِّرون ــ لاسيما والإشارة بالخَلَف إلى

стр. 188

ضَرْب من المتكلمين ــ الذين كَثُر (١) في باب الدين اضطرابُهم، وغَلُظ عن معرفة الله حجابُهم، وأخبر الواقفُ على نهايات (٢) إقدامهم بما انتهى إليه من مرامهم (٣) حيث يقول: لعمري لقد (٤) طُفت المعاهد كلّها ... وسيّرت طَرْفي بين تلك المعالم فلم أر إلا واضعًا كفَّ حائرٍ ... على ذَقَنٍ أو قارعًا سنَّ نادم (٥) وأقرُّوا على أنفسهم بما قالوه متمثِّلين به أو منشئين له فيما صنفوه من كتبهم (٦)، كقول بعض رؤسائهم: نهاية إقدام العقولِ عقالُ ... وأكثرُ سَعْي العالمين ضلال وأرواحُنا في وَحْشةٍ من نفوسنا (٧) ... وحاصل دنيانا أذًى ووبال ولم نستفد في (٨) بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا (٩)

стр. 189

لقد تأملت الطرق الكلامية (١)، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها (٢) تشفي عليلًا ولا تُرْوي غليلًا، ورأيتُ أقربَ الطرق طريقة القرآن؛ أقرأ في الإثبات: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] وأقرأُ في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]. قال: ومن جَرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. ويقول الآخر منهم (٣): لقد خُضْت البحر الخِضَمّ (٤)، وتركتُ أهلَ الإسلام وعلومهم، وخضت في [ق ٣٠] الذي نهوني (٥) عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته (٦) فالويل لفلان، وها أنذا (٧) أموت على عقيدة أمي. ويقول الآخر منهم: أكثر الناس شكًّا عند الموت أصحاب (٨) الكلام. ثم هؤلاء المتكلِّمون (٩) المخالفون للسلف إذا حُقِّق عليهم الأمر، لم

стр. 190

يوجد عندهم من حقيقة العلم بالله، وخالص المعرفة به خَبَر، ولم يقعوا من ذلك على عين ولا أثر. = كيف يكون هؤلاء المحجوبون، المنقوصون، المسبوقون المفضولون (١)، الحيارى، المتهوِّكون (٢) أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، من (٣) ورثة الأنبياء وخلفاء الرسل وأعلام الهدى ومصابيح الدُّجى، الذين بهم قام الكتاب، وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب، وبه نطقوا، الذين وهبهم الله من العلم والحكمة ما برزوا به على سائر أتباع الأنبياء، فضلًا عن سائر الأمم الذين لا كتاب لهم، وأحاطوا من حقائق المعارف وبواطن الحقائق بما لو جُمِعَت حكمةُ غيرهم إليها لاستحيى من يطلب المقابلة؟ ! ثم كيف يكون خير قرون الأمة أنقص في العلم والحكمة، لا سيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة إليهم؟ ! أم كيف يكون أفراخُ المتفلسفة، وأتباع الهند واليونان، وورثة (٤)

стр. 191

المجوس والمشركين، وضُلَّال اليهود والنصارى (١) والصابئين، وأشكالهم وأشباههم، أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن والإيمان؟ ! . وإنما قدَّمت هذه المقدمة لأن من استقرت عنده هذه المقدمة (٢) عَلِم طريق الهدى أين هو في هذا الباب وغيره، وعلم أن الضلال والتهوُّك (٣) إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عمَّا بعث الله به محمدًا ﷺ من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريق السابقين والتابعين، والتماسهم عِلْم معرفة الله ممن لم يعرف الله بإقراره على نفسه، وبشهادة (٤) الأمة على ذلك، وبدلالات كثيرة. وليس غرضي واحدًا معيَّنًا وإنما أصفُ نوع هؤلاء ونوع هؤلاء (٥). وإذا كان كذلك، فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره، وسنة رسول الله ﷺ من أولها إلى آخرها، ثم عامة كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة (٦) مملوء بما هو إما نصّ وإما ظاهر في أن الله هو العليّ الأعلى (٧)، وهو فوقَ كلّ شيء، وهو عال على كل شيء، وأنه فوق العرش، وأنه فوق السماء، مثل قوله:

стр. 192

﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١) (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك: ١٦ - ١٧]، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٥٨]، ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. [ق: ٣١]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥]، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في ستة مواضع ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢) [طه: ٥] ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ (٣) ... إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا (٤)﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٤]. إلى أمثال ذلك مما لا يكاد يُحصى إلا بِكُلْفة. وفي الأحاديث الصحاح ما لا يكاد يُحْصى إلا بكُلْفة (٥)، مثل قصة معراج الرسول ﷺ إلى ربه (٦)، ونزول الملائكة من عند الله وصعودها إليه،

стр. 193

وقوله في الملائكة الذين يتعاقبون فيكم بالليل (١) والنهار: «فتعرج الذين باتوا فيكم إلى ربهم، فيسألهم وهو أعلم بهم ... » (٢). وفي «الصحيح» (٣) في (٤) حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً». وفي حديث الرُّقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله (٥) الذي في السماء تقدَّس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رَحْمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حُوبنا وخطايانا، أنت ربّ الطيبين، أنزِلْ رحمةً من رحمتك وشفاءً من شفائك على هذا الوجع (٦)» (٧). قال ﷺ : «إذا اشتكى أحدٌ منكم أو اشتكى أخٌ له فليقل: ربّنا الله الذي في السماء ... » وذَكَره. وفي حديث الأوعال: «والعرش فوق ذلك، والله فوق عرشه، وهو يعلم

стр. 194

ما أنتم عليه» رواه أحمد وأبو داود وغيرهما (١). وقوله في الحديث الصحيح (٢) للجارية: «أين الله؟ » قالت: في السماء، قال: «من أنا؟ ». قالت: أنت رسول الله. قال: «أعتقها فإنها مؤمنة». وقوله في الحديث الصحيح: «إنَّ الله لما خلق الخلق كتب في كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» (٣). وقوله في حديث قَبْض الروح: «حتى تعرج به (٤) إلى السماء التي فيها الله ». وقول عبد الله بن رَواحة الذي أنشده للنبي وأقرَّه عليه:

стр. 195

شهدتُ بأنّ وعْدَ الله حقّ ... وأنّ النارَ مثوى الكافرينا (١) وأنَّ العرش فوقَ الماء طافٍ ... وفوق العرش ربّ العالمينا (٢) وقول أمية بن أبي الصَّلْت الذي أنشده (٣) للنبي ﷺ هو وغيره من شعره فاستحسنه وقال: «آمن شِعْرُه، وكفر قلبُه». مجِّدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق النـ ... ـاس (٤) وسوَّى فوق السماء سريرا شرجعًا ما يناله بصر الـ ... ـعين تُرى دونه الملائكُ صورا (٥) وقوله في الحديث الذي في «السنن»: «إن الله حيِيٌّ كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صِفْرًا» (٦). وقوله: «يمدّ يديه إلى السماء يا ربّ يا ربّ» (٧).

стр. 196

إلى أمثال ذلك مما لا يحصيه إلا الله، مما هو من أبلغ التواترات اللفظية والمعنوية التي تورث علمًا يقينيًّا (١) من أبلغ العلوم الضرورية، أن الرسول المبلِّغ عن الله ألقى إلى أمته المَدْعوّين: أن الله سبحانه على العرش، وأنه [ق ٣٢] فوق السماء، كما فَطَر (٢) على ذلك جميع الأمم: عَرَبهم وعَجَمهم في الجاهلية والإسلام، إلا من اختالته (٣) الشياطين عن فطرته. ثم عن السلف في ذلك من الأقوال ما لو جُمِعَ لبلغ مئين و (٤) ألوفًا. ثم ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا عن أحدٍ من سلف الأمة، لا (٥) من الصحابة، ولا من التابعين لهم بإحسان، ولا عن الأئمة الذين أدركوا زمن الأهواء والاختلاف = حَرْفٌ واحد (٦) يخالف ذلك لا نصًّا ولا ظاهرًا، ولم يقل أحد منهم قط: إن الله ليس في السماء، ولا إنه ليس على العرش، ولا إنه بذاته في كل مكان (٧)، ولا أنَّ جميع الأمكنة بالنسبة إليه سواء، ولا أنه (٨)

стр. 197

لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل ولا منفصل، ولا أنه لا تجوز إليه الإشارة الحسية (١). بل قد ثبت في «الصحيح» (٢) عن جابر بن عبد الله أن النبيَّ ﷺ قال (٣) لمَّا خطب خطبته العظيمة يوم عرفات في أعظم مَجْمع حَضَره رسول الله ﷺ جعل يقول: «ألا هل بلَّغْت». فيقولون: نعم، فيرفع إصبعه إلى السماء ويَنْكُتها (٤) إليهم ويقول: «اللهم اشهد» غير مرة، وأمثال ذلك كثير. فإن كان الحقُّ ما يقوله هؤلاء السالبون النافون للصفات الثابتة بالكتاب والسنة من هذه (٥) العبارات ونحوها، دون ما يفهم من الكتاب والسنة إمّا نصًّا وإما ظاهرًا، فكيف يجوز على الله تعالى، ثم على رسوله ﷺ ، ثم على خير الأمة = أنهم يتكلَّمون دائمًا بما هو (٦) نصّ أو ظاهر في خلاف الحق! ثم الحقّ الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، ولا يدلّون عليه لا نصًّا ولا ظاهرًا، حتى تجيء أنباطُ الفرس والروم، وفراخ اليهود (٧) والفلاسفة،

стр. 198

يبيّنون (١) للأمة العقيدة الصحيحة، التي يجب على كلِّ مكلَّف أو كلّ فاضل أن يعتقدها! لئن كان الحقُّ ما يقوله هؤلاء المتكلّمون (٢)، وهو الاعتقاد الواجب، وهم مع (٣) ذلك أُحيلوا في معرفته على مجرَّد عقولهم، وأن يدفعوا بمقتضى قياس عقولهم ما دلَّ عليه الكتاب والسنة نصًّا أو ظاهرًا= لقد كان ترك الناس بلا كتاب ولا سنة أهدى لهم وأنفع على هذا التقدير! بل كان وجود الكتاب والسنة ضررًا محضًا في أصل الدين! فإنّ (٤) حقيقة الأمر ــ على ما يقوله هؤلاء ــ: إنكم يا معشر العباد لا تطلبوا معرفة الله وما يستحقّه من الصفات نفيًا وإثباتًا، لا من الكتاب ولا من السنة ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فما وجدتموه مستحقًّا له من الصفات فصِفوه به، سواء كان موجودًا في الكتاب والسنة أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقًّا له في عقولكم فلا تصفوه به. ثم هم ههنا فريقان؛ أكثرهم يقولون: ما لم تثبته عقولكم فانفوه. ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياسُ عقولكم ــ الذي أنتم فيه مختلفون ومضطربون اختلافًا أكثر [ق ٣٣] من جميع اختلافٍ على وجه الأرض ــ

стр. 199

فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبَّدتكم به (١)! وما كان مذكورًا في الكتاب والسنة مما (٢) يخالف قياسكم هذا، أو يثبت ما لم تدركه عقولكم ــ على طريقة أكثرهم ــ فاعلموا أني امتحنتكم (٣) بتنزيله، لا لتأخذوا الهدى منه، لكن لتجتهدوا في تخريجه على شواذِّ اللغة، ووَحْشيّ الألفاظ، وغرائب الكلام، أو أن (٤) تسكتوا عنه مفوِّضين علمه إلى الله، مع نفي دلالته على شيء من الصفات! هذا حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين. وهذا الكلام قد رأيته صرَّح بمعناه طائفة منهم، وهو لازم لجماعتهم لزومًا لا محيدَ عنه. ومضمونه: أنَّ كتابَ الله لا يُهتدَى به في معرفة الله، وأن الرسول معزول عن التعليم والإخبار بصفات من أرسلَه، وأن الناس عند التنازع لا يردُّون ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، بل إلى مثل ما كانوا عليه في الجاهلية، وإلى مثل ما يتحاكم إليه من لا يؤمن بالأنبياء كالبراهمة والفلاسفة، وهم المشركون والمجوس وبعض الصابئين، وإن كان هذا الردّ (٥) لا يزيد الأمر إلا شدَّة ولا يرتفع الخلافُ به؛ إذ لكلِّ فريق طواغيت يريدون أن يتحاكموا

стр. 200

إليهم، وقد أُمِروا أن يكفروا بهم (١). وما أشبه حالَ هؤلاء المتكلِّفين بقوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا (٢) بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٢]. فإنَّ هؤلاء إذا دُعُوا إلى ما أنزل الله من الكتاب وإلى الرسول ــ والدعاء إليه بعد وفاته هو الدعاء إلى سنته ــ أعرضوا عن ذلك وهم يقولون: إنا قصدنا الإحسان علمًا وعملًا بهذه الطريق التي سلكناها، والتوفيق بين الدلائل العقلية والنقلية. ثم عامة هذه الشُّبهات التي يسمُّونها دلائل إنما تقلَّدوا أكثرها عن طاغوت (٣) من طواغيت المشركين والصابئين، أو بعض ورثتهم الذين أُمِروا أن يكفروا بهم، مثل فلان وفلان، أو عمن قال كقولهم لتشابه (٤) قلوبهم (٥):

стр. 201

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ (١) [البقرة: ٢١٣]. ولازم هذه المقالة: أن لا يكون الكتابُ هدىً للناس، ولا بيانًا ولا شفاءً لما في الصدور، ولا نورًا ولا مردًّا عند التنازع؛ لأنّا نعلم [ق ٣٤] بالاضطرار أن ما يقوله هؤلاء المتكلِّفون أنه الحقّ الذي يجب اعتقاده= لم يدلّ عليه الكتابُ ولا السنةُ لا نصًّا ولا ظاهرًا، وإنما غاية المُتَحَذّق (٢) منهم أن يستنتج هذا من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. وبالاضطرار يعلمُ كلُّ عاقل أنَّ من دلَّ الخلقَ على أنَّ الله ليس فوق العرش، ولا فوق السموات، ونحو ذلك بقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ لقد أبعد النُّجْعة، وهو إمَّا مُلْغز وإما مدلِّس، لم يخاطبهم بلسانٍ عربّي مبين. ولازم هذه المقالة: أن يكون ترك الناس بلا رسالة خيرًا لهم في أصل دينهم؛ لأن مرَدَّهم قبل الرسالة وبعدها واحد، وإنما الرسالة زادتهم عَمًى

стр. 202

وضلالًا (١)! يا سبحان الله! كيف لم يقل الرسولُ يومًا من الدَّهر، ولا أحدٌ من سلف الأمة: هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلَّت عليه، لكن اعتقدوا الذي تقتضيه مقاييسكم، واعتقدوا (٢) كذا وكذا فإنه الحق. وما خالفه ظاهره فلا تعتقدوا ظاهره وانظروا فيها، فما وافقَ قياسَ عقولكم فاعتقدوه، وما لا فتوقَّفوا فيه وانفوه (٣)! ثم الرسول ﷺ قد أخبر بأن أمته ستفترق ثلاثًا وسبعين فرقة (٤)، فقد عَلِم ما سيكون، ثم قال: «إني تاركٌ فيكم ما إن تمسَّكْتم به لن تضلّوا: كتاب الله» (٥). ورُوِي عنه أنه قال في صفة الفرقة الناجية: «هو (٦) من كان على مثل ما أنا

стр. 203

عليه اليوم وأصحابي (١)» (٢). فهلَّا قال: من تمسَّك بالقرآن، أو بدلالة القرآن، أو بمفهوم القرآن، أو (٣) بظاهر القرآن في باب الاعتقاد فهو ضال، وإنما الهدى رجوعكم إلى مقاييس عقولكم، وما يُحْدِثه المتكلِّمون منكم بعد القرون الثلاثة! وإن كان نَبَغَ (٤) أصلُ هذه المقالة في أواخر عصر التابعين. ثم أصل هذه المقالة ــ مقالة التعطيل للصفات ــ إنما هو مأخوذ من (٥) تلامذة اليهود والمشركين، وضُلَّال الصابئين. فإنَّ أول (٦) من حُفِظَ عنه أنه قال هذه المقالة في الإسلام (٧): هو الجَعْد بن درهم، وأخذها (٨) عنه الجهم بن صفوان، وأظهرها فنُسِبَت مقالته (٩) الجهمية إليه. وقد قيل: إنَّ الجَعْد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان من

стр. 204

طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم، وأخذها طالوت من لبيد بن أعصم اليهودي الساحر، الذي سَحَر النبيَّ ﷺ ». ثم أطال الشيخ ﵀ الكلامَ إلى أن قال: «والفتوى لا تحتمل البسطَ في هذا الباب، وإنما أُشير إشارةً إلى مبادئ الأمور، والعاقل يسير فينظر، وكلام السلف في هذا الباب موجود في كتب كثيرة، لا يمكن أن نذكر هنا إلا قليلًا منه». إلى أن قال: «وإذا كان أصلُ هذه المقالة ــ مقالة (١) التعطيل والتأويل ــ مأخوذًا (٢) عن تلامذة المشركين والصابئين واليهود، فكيف تطيبُ نفسُ مؤمن، بل نفس عاقل أن يأخذ [ق ٣٥] سبيلَ (٣) هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، ويدعَ سبيلَ الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين؟ ! ». قال: «ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصَفَ اللهُ بما وصف به نفسَه أو وصفَه به رسولُه، و (٤) بما وصفه به السابقون الأولون، لا يتجاوز (٥) القرآنَ والحديثَ (٦).

стр. 205

ومذهب السلف: أنهم يصفون اللهَ بما وصف به نفسَه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل». ثم ذكر الشيخ ﵀ جُملًا نافعةً وأصولًا جامعةً في إثبات الصفات والردِّ على الجهمية، وذَكَر من النقول عن سلف الأمة وأئمتها في إثبات العلوّ وغيره ما يضيق هذا الموضع عن ذكره. ثم قال في آخر كلامه: «وجِماع الأمر: أن الأقسامَ الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كلُّ قسم عليه طائفة من أهل القبلة؛ قسمان يقولون (١): تُجْرَى على ظاهرها، وقسمان يقولون: هي على خلاف ظاهرها، وقسمان يسكتون. أما الأولون (٢) فقسمان: أحدهما: من يُجريها على ظاهرها، ويجعل ظاهرَها من جنس صفات المخلوقين. فهؤلاء هم المشبِّهة، ومذهبهم باطل أنكره السلف، وإليهم توجَّه الردُّ بالحق. والثاني: من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى، كما يجري

стр. 206

اسم (١) العليم والقدير، والربّ والإله، والموجود والذات، ونحو ذلك على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى. فإنَّ ظواهر هذه الصفات في حق المخلوقين إما جوهر محدَث وإما عَرَض قائم به (٢). فالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والرحمة والرضا والغضب، ونحو ذلك في حق العبد: أعْراض. والوجه واليد والعين في حقّه: أجسام. فإذا كان الله موصوفًا عند عامة أهل الإثبات بأنَّ له علمًا وقدرة، وكلامًا ومشيئة، وإن لم تكن أعراضًا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين، جاز أن يكون وجه الله ويداه ليست أجسامًا يجوز عليها ما يجوز على صفات المخلوقين (٣). وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطَّابي وغيره عن السلف، وعليه يدلُّ كلامُ جمهورهم، وكلامُ الباقين لا يخالفه (٤). وهو أمر واضح، فإنَّ الصفات كالذات، فكما أنَّ ذاتَ الله ثابتةٌ حقيقةً من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين (٥)، [فصفاته ثابتةٌ حقيقةً من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين] (٦).

стр. 207

فمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودَين (١). قيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟ ! ومن المعلوم أن صفات كلِّ موصوفٍ تناسب ذاتَه وتلائمُ حقيقتَه، فمن لم يفهم من صفات الربّ الذي ليس كمثله شيء إلا ما يناسب المخلوق، فقد ضلَّ في عقله ودينه. وما أحسن ما قال بعضُهم: إذا قال لك الجهميُّ: كيف استوى؟ أو كيف ينزل إلى سماء الدنيا؟ وكيف يداه؟ ونحو ذلك. فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا يعلم ما هو [ق ٣٦] إلا هو، وكُنْه الباري غير معلوم للبشر. فقل له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم (٢) للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن يُعْلَم (٣) كيفية صفةٍ لموصوفٍ (٤) لم تُعْلم كيفيته؟ وإنما تُعلم الذات والصفات من حيث الجملة، على الوجه الذي ينبغي لك. بل هذه المخلوقات في الجنة قد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» (٥). وقد أخبر الله تعالى أنه:

стр. 208

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. وقال النبي ﷺ : «يقول الله تعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطرَ على قلبِ بشر» (١). فإذا كان (٢) نعيم الجنة ــ وهو خلقٌ من خلق الله ــ كذلك، فما الظن بالخالق ؟ ! وهذه الرُّوح التي في بني آدم، قد عَلِم العاقلُ اضطرابَ الناسِ فيها، وإمساك النصوص عن بيان (٣) كيفيتها، أفلا يعتبر العاقل بها عن الكلام في كيفية الله تعالى؟ مع أنا نقطع أن الروح في البدن، وأنها تخرج منه وتعرج إلى السماء، وأنها تُسَلُّ منه وقت النَّزْع، كما نطقت بذلك النصوص الصحيحة. لا نغالي (٤) في تجريدها غلوّ المتفلسفة ومن وافقهم، حيث نفوا عنها الصعود والنزول، والاتصال بالبدن والانفصال عنه، وتخبَّطوا فيها حيث رأوها من غير جنس البدن وصفاته. فعَدَم مماثلتها للبدن لا ينفي أن تكون هذه الصفات ثابتة لها (٥) بحسبها، إلا أن يفسروا كلامهم بما يوافق النصوص، فيكونوا قد أخطأوا في اللفظ، وأنى لهم بذلك؟ ! (٦)

стр. 209

وأما القسمان اللذان ينفيان ظاهرها ــ أعني (١) الذين يقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة لله تعالى قطّ، وأنَّ الله لا صفةَ له ثبوتية، بل صفاته إما سلب وإما إضافة (٢) وإمَّا مركَّبة منهما. أو يثبتون بعض الصفات، وهي السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر. أو يثبتون الأحوال دون الصفات، على ما قد عُرِف من مذاهب المتكلِّمين (٣)؛ فهؤلاء قسمان: قسم يتأوَّلونها ويعيّنون المراد، مثل (٤) قولهم: «استوى» بمعنى «استولى»، أو بمعنى: علوّ المكانة والقدر (٥)، أو بمعنى: ظهور نوره للعرش، أو بمعنى (٦): انتهاء الخلق إليه، إلى غير ذلك من معاني المتكلِّفين (٧). وقسم يقولون: الله أعلم بما أراد بها لكنَّا نعلم أنه لم يُرِد إثبات صفة خارجةٍ عما علمناه. وأما القسمان الواقفان؛ فقسم يقولون: يجوز أن يكون المراد ظاهرها

стр. 210

اللائق بالله تعالى، ويجوز أن لا يكون المراد (١) صفةً لله تعالى، ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم. وقوم (٢) يمسكون عن هذا كلِّه، ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات. فهذه الأقسام الستة لا يمكن أن يخرجَ الرجلُ عن قسم منها. والصواب في كثير من آيات الصفات وأحاديثها: القطع بالطريقة الثانية (٣)؛ كالآيات والأحاديث الدالة على أنه [ق ٣٧] سبحانه فوق عرشه، ويُعلم طريقة الصواب في هذا وأمثاله بدلالة الكتاب والسنة والإجماع على ذلك دلالةً لا تَحْتمل (٤) النقيض، وفي بعضها قد يغلب على الظن ذلك مع احتمال النقيض. وتردُّد المؤمن في ذلك هو بحسب ما يؤتاه من العلم والإيمان ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]. ومن اشتبه ذلك عليه أو غيره، فلْيَدْعُ بما رواه مسلم في «صحيحه» (٥) عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل يصلي يقول:

стр. 211

«اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وفي رواية لأبي (١) داود: أنه كان يكبِّر في صلاته ثم يقول ذلك. فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدْمَن النظرَ في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين= انفتح له طريقُ الهدى. ثم إن كان قد خَبَر نهايات (٢) إقدام المتفلسفة والمتكلِّمين في هذا الباب، وعَلِم (٣) غالبَ ما يزعمونه برهانًا وهو شُبهة (٤)، ورأى أن غالبَ ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركَّبة (٥) من قياس فاسد، أو قضيَّة كُلّية لا تصحّ إلا جُزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة له، والتمسّك (٦) في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة. ثم إن ذلك إذا رُكِّب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم (٧) يعرف

стр. 212

اصطلاحهم أوهَمَت الغِرَّ ما يوهم (١) السَّرابُ للعطشان= ازداد إيمانًا وعلمًا بما جاء به الكتاب والسنة. فإن الضدَّ يُظْهر حُسْنَه الضدُّ. وكلُّ من كان بالباطل أعلم كان للحق أشدَّ تعظيمًا وبقدره أعْرَف (٢). فأما المتوسِّط من المتكلّمين فيُخاف عليه ما لا يُخاف على من لم يدخل فيه، وعلى من قد أنهاه نهايته. فإنَّ من لم يدخل فيه هو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية، فما بقي يخاف (٣) من شيء آخر. فإذا ظهر له الحقّ وهو عطشان إليه قَبِلَه. وأمّا المتوسِّط فمتوهِّم بما تلقَّاه (٤) من المقالات المأخوذة، تقليدًا لمعظَّمِه وتهويلًا. وقد قال الناس: أكثر ما يفسدُ الدنيا: نصفُ متكلِّم، ونصف متفقِّه، ونصف متطبِّب، ونصف نحوي. هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان. ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة (٥) وغيرهم ــ في الغالب ــ في قولٍ مختلف (٦)، يؤفَكُ عنه من أُفِك، يعلم الذكيُّ منهم العاقلُ أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حُجَّته ليست بيّنة، وإنما هي كما قيل فيها:

стр. 213

حُججٌ تَهافَتُ كالزّجاج تخالها ... حقًّا وكلٌّ كاسِرٌ مكسور (١) ويعلمُ البصير العالم أنهم من وجه مستحقُّون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: «حُكْمي في أهل الكلام أن [ق ٣٨] يضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم (٢) في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام». ومن وجه آخر إذا نظرتَ إليهم بعين (٣) القدر ــ والحيرةُ مستوليةٌ عليهم، والشيطانُ مستحوذٌ عليهم ــ رَحِمْتَهم ورقَقْتَ لهم (٤). أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاء، وأُعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدةً ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. ومن كان عالمًا (٥) بهذه الأمور تبيَّن له بذلك حِذْق السلف وعلمهم

стр. 214

وخبرتهم، حيث حذَّروا عن (١) الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم. وعَلِمَ أنّ من ابتغى الهدى من (٢) غير الكتاب والسنة لم يزدد إلا بُعدًا. فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين». هذا آخر «الحموية الكبرى» وهي في ستة (٣) كراريس بقطع نصف البلدي، ألفها الشيخ ﵀ قبل سنة سبعمائة، وعمره إذ ذاك دون الأربعين سنة، ثم انفتح له بعد ذلك من الردِّ على الفلاسفة والجهمية وسائر أهل الأهواء والبدع، ما لا يوصف ولا يعبَّر عنه. وجرى له من المناظرات العجيبة والمباحثات الدقيقة، في كتبه وغير كتبه، مع أقرانه وغيرهم، في سائر أنواع العلوم ما تضيق العبارة عنه. وقد ذكرنا عن ابن الزَّمْلَكاني ــ فيما تقدم ــ أنه قال: ولا يعرف أنه (٤) ناظر أحدًا فانقطع معه.

стр. 215

[مناظرة في الحمد والشكر مع ابن المرحِّل] وقد رأيت بخطِّ بعض (١) أصحابه ما صورته: «تلخيص م بحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيميَّة ﵀ وبين ابن المُرَحِّل (٢): كان الكلام في الحَمْد والشكر، وأن الشكر يكون بالقلب (٣) واللسان والجوارح (٤)، والحمد لا يكون إلا باللسان. فقال ابنُ المُرحِّل: قد نقل بعض المصنِّفين ــ وسمّاه ــ: أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد، ومذهب الخوارج: أنه يكون بالاعتقاد والقول والعمل. وبنوا على هذا أن من ترك الأعمال يكون كافرًا؛ لأن الكفر نقيض الشكر، فإذا لم يكن شاكرًا كان كافرًا. قال الشيخ تقي الدين: هذا المذهب المحكيُّ عن أهل السنة (٥) خطأ،
следующие страницы →