← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

«اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطرَ السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلِف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». وفي رواية لأبي (١) داود: أنه كان يكبِّر في صلاته ثم يقول ذلك. فإذا افتقر العبد إلى الله ودعاه، وأدْمَن النظرَ في كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، وكلام الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين= انفتح له طريقُ الهدى. ثم إن كان قد خَبَر نهايات (٢) إقدام المتفلسفة والمتكلِّمين في هذا الباب، وعَلِم (٣) غالبَ ما يزعمونه برهانًا وهو شُبهة (٤)، ورأى أن غالبَ ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركَّبة (٥) من قياس فاسد، أو قضيَّة كُلّية لا تصحّ إلا جُزئية، أو دعوى إجماع لا حقيقة له، والتمسّك (٦) في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة. ثم إن ذلك إذا رُكِّب بألفاظ كثيرة طويلة غريبة عمن لم (٧) يعرف

стр. 212

اصطلاحهم أوهَمَت الغِرَّ ما يوهم (١) السَّرابُ للعطشان= ازداد إيمانًا وعلمًا بما جاء به الكتاب والسنة. فإن الضدَّ يُظْهر حُسْنَه الضدُّ. وكلُّ من كان بالباطل أعلم كان للحق أشدَّ تعظيمًا وبقدره أعْرَف (٢). فأما المتوسِّط من المتكلّمين فيُخاف عليه ما لا يُخاف على من لم يدخل فيه، وعلى من قد أنهاه نهايته. فإنَّ من لم يدخل فيه هو في عافية، ومن أنهاه فقد عرف الغاية، فما بقي يخاف (٣) من شيء آخر. فإذا ظهر له الحقّ وهو عطشان إليه قَبِلَه. وأمّا المتوسِّط فمتوهِّم بما تلقَّاه (٤) من المقالات المأخوذة، تقليدًا لمعظَّمِه وتهويلًا. وقد قال الناس: أكثر ما يفسدُ الدنيا: نصفُ متكلِّم، ونصف متفقِّه، ونصف متطبِّب، ونصف نحوي. هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد الأبدان، وهذا يفسد اللسان. ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة (٥) وغيرهم ــ في الغالب ــ في قولٍ مختلف (٦)، يؤفَكُ عنه من أُفِك، يعلم الذكيُّ منهم العاقلُ أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حُجَّته ليست بيّنة، وإنما هي كما قيل فيها:

стр. 213

حُججٌ تَهافَتُ كالزّجاج تخالها ... حقًّا وكلٌّ كاسِرٌ مكسور (١) ويعلمُ البصير العالم أنهم من وجه مستحقُّون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: «حُكْمي في أهل الكلام أن [ق ٣٨] يضربوا بالجريد والنعال، ويُطاف بهم (٢) في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام». ومن وجه آخر إذا نظرتَ إليهم بعين (٣) القدر ــ والحيرةُ مستوليةٌ عليهم، والشيطانُ مستحوذٌ عليهم ــ رَحِمْتَهم ورقَقْتَ لهم (٤). أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاء، وأُعطوا فهومًا وما أعطوا علومًا، وأعطوا سمعًا وأبصارًا وأفئدةً ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٦]. ومن كان عالمًا (٥) بهذه الأمور تبيَّن له بذلك حِذْق السلف وعلمهم

стр. 214

وخبرتهم، حيث حذَّروا عن (١) الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم. وعَلِمَ أنّ من ابتغى الهدى من (٢) غير الكتاب والسنة لم يزدد إلا بُعدًا. فنسأل الله العظيم أن يهدينا الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين». هذا آخر «الحموية الكبرى» وهي في ستة (٣) كراريس بقطع نصف البلدي، ألفها الشيخ ﵀ قبل سنة سبعمائة، وعمره إذ ذاك دون الأربعين سنة، ثم انفتح له بعد ذلك من الردِّ على الفلاسفة والجهمية وسائر أهل الأهواء والبدع، ما لا يوصف ولا يعبَّر عنه. وجرى له من المناظرات العجيبة والمباحثات الدقيقة، في كتبه وغير كتبه، مع أقرانه وغيرهم، في سائر أنواع العلوم ما تضيق العبارة عنه. وقد ذكرنا عن ابن الزَّمْلَكاني ــ فيما تقدم ــ أنه قال: ولا يعرف أنه (٤) ناظر أحدًا فانقطع معه.

стр. 215

[مناظرة في الحمد والشكر مع ابن المرحِّل] وقد رأيت بخطِّ بعض (١) أصحابه ما صورته: «تلخيص م بحث جرى بين شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيميَّة ﵀ وبين ابن المُرَحِّل (٢): كان الكلام في الحَمْد والشكر، وأن الشكر يكون بالقلب (٣) واللسان والجوارح (٤)، والحمد لا يكون إلا باللسان. فقال ابنُ المُرحِّل: قد نقل بعض المصنِّفين ــ وسمّاه ــ: أن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد، ومذهب الخوارج: أنه يكون بالاعتقاد والقول والعمل. وبنوا على هذا أن من ترك الأعمال يكون كافرًا؛ لأن الكفر نقيض الشكر، فإذا لم يكن شاكرًا كان كافرًا. قال الشيخ تقي الدين: هذا المذهب المحكيُّ عن أهل السنة (٥) خطأ،

стр. 216

والنقلُ فيه (١) عن أهل السنة خطأ، فإنّ مذهب أهل السنة: أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول والعمل، قال الله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣]. وقام النبي ﷺ حتى تورَّمت قدماه، فقيل له: أتفعل هذا وقد غَفَر الله لك (٢) ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ » (٣). قال ابن المُرحِّل: أنا لا أتكلَّم في الدليل، وأُسلِّم ضعف هذا القول، لكن أنا أنقل أنه مذهب أهل السنة. قال الشيخ تقي الدين: نسبة هذا إلى أهل السنة خطأ، فإنَّ القول إذا ثبت ضعفه كيف يُنْسَب إلى أهل [ق ٣٩] الحقِّ؟ ثم قد صرَّح من شاء الله من العلماء المعروفين بالسنة: أن الشكر يكون بالاعتقاد والقول (٤) والعمل، وقد دلَّ على ذلك الكتابُ والسنة. قلت: وباب سجود الشكر في الفقه (٥) أشهر من أن يُذْكر، وقد قال النبي ﷺ عن سجدة (ص): «سجدها داودُ توبةً ونحن نسجدها شكرًا» (٦). ثم مَن

стр. 217

الذي قال من أئمة السنة: إن الشكر لا يكون إلا بالاعتقاد؟ قال ابن المُرحِّل: هذا قد نُقل، والنقل لا يُمْنَع لكن يُسْتَشْكل، ويقال: هذا مذهبٌ مُشكل. قال الشيخ تقيُّ الدين ابن تيميَّة: النقل نوعان: أحدهما: أن يَنقل ما سَمِع أو رأى. والثاني: ما يُنقل باجتهادٍ واستنباط. وقول القائل: مذهب فلان كذا، أو مذهب أهل السنة كذا، قد يكون نسبَه إليه لاعتقاده (١) أن هذا مقتضى أصوله، وإن لم يكن فلانٌ قال ذلك. ومثل هذا يدخله الخطأ كثيرًا (٢). ألا ترى أن كثيرًا من (٣) المصنِّفين يقول (٤): مذهبُ الشافعي أو غيره كذا، ويكون منصوصه بخلافه، وعُذْرهم في ذلك: أنهم رأوا أن أصولَه تقتضي ذلك القول، فنسبوه إلى مذهبه من جهة الاستنباط لا من جهة النص. وكذلك هذا لمَّا كان أهل السنة لا يُكَفِّرون بالمعاصي، والخوارج

стр. 218

يكفِّرون بالمعاصي، ثم رأى المصنِّف أنَّ (١) الكفر ضد الشكر = اعتقدَ أنَّا إذا جعلنا الأعمال شكرًا لزم انتفاء الشكر بانتفائها، ومتى انتفى الشكر خَلَفه الكفر، ولهذا قال: إنهم بنوا على ذلك التكفير بالذنوب، فلهذا عزى إلى أهل السنة إخراج الأعمال عن الشكر. قلت: كما أن كثيرًا من المتكلِّمين أخرج الأعمال عن الإيمان لهذه العلة. قال: وهذا خطأ؛ لأن الكفر (٢) نوعان؛ أحدهما: كفر النِّعمة، والثاني: الكفر بالله. والكفرُ الذي هو ضدّ الشكر إنما هو كفر النعمة لا الكفر بالله، فإذا زال الشكر خَلَفه كفر النّعمة لا الكفر بالله (٣). قلت: على أنه لو كان ضدّ (٤) الكفر بالله، فَمَن ترك الأعمال شاكرًا بقلبه ولسانه فقد أتى ببعض الشكر وأصله، والكفرُ إنما يثبت إذا عُدِم الشكرُ بالكلية، كما قال أهل السنة: إن من ترك فروع الإيمان لا يكون كافرًا حتى يترك أصل (٥) الإيمان، وهو الاعتقاد. ولا يلزم من زوال فروع (٦) الحقيقة التي هي ذات شُعَب وأجزاء زوال اسمها، كالإنسان إذا قُطِعت يدُه، أو الشجرة إذا قُطِع بعض فروعها.

стр. 219

قال الصَّدْر ابن المُرحِّل: فإن أصحابك قد خالفوا الحسن البصري في تسمية الفاسق «كافر النعمة»، كما خالفوا الخوارج في جعله كافرًا بالله (١). قال الشيخ تقي الدين: أصحابي لم يخالفوا الحسن في هذا، فعمَّن تنقل من أصحابي هذا (٢)؟ بل يجوز عندهم أن يسمَّى الفاسق «كافر النعمة» حيث أطلقته الشريعة (٣). قال ابن المُرحِّل: أنا ظننت أن أصحابك قد قالوا هذا [ق ٤٠] لكن أصحابي قد خالفوا الحسن في هذا. قال الشيخ تقي الدين: ولا أصحابك خالفوه، فإن أصحابك قد تأوَّلوا أحاديث النبي ﷺ التي أُطْلق فيها الكفر على بعض الفسوق، مثل ترك الصلاة، وقتال المسلمين، على أن المراد به كفر النعمة؛ فعُلِم (٤) أنهم يطلقون على المعاصي في الجملة أنها كفر النعمة، فعُلِم أنهم موافقو (٥) الحسن لا مخالفوه. ثم عاد ابن المُرحِّل فقال: أنا أنقل هذا عن المصنف، والنقلُ ما يُمْنع لكن يُسْتَشكل.

стр. 220

قال الشيخ تقي الدين: إذا دار الأمر بين أن يُنْسَب إلى أهل السنة مذهب باطل، أو يُنْسَب الناقلُ عنهم إلى تصرّفه في (١) النقل، كان نسبة الناقل إلى التصرُّف أولى من نسبة الباطل إلى طائفة الحق، مع أنهم قد صرَّحوا في غير موضع أن الشكر يكون بالقول والعمل والاعتقاد، وهذا أظهر من أن يُنْقَل عن واحدٍ بعينه. ثم إنَّا نعلم بالاضطرار أنه ليس من أصول أهل الحق إخراج الأعمال أن تكون شكرًا لله، بل قد نصَّ الفقهاء على أن الزكاة شكر نعمة المال. وشواهد هذا أكثر من أن تحتاج إلى نقل. وتفسير الشكر بأنه يكون بالقول والعمل في الكتب التي يُتكلَّم فيها على لفظ (الحمد والشكر) مثل (٢) كتب التفسير واللغة وشروح الحديث، يعرفه آحاد الناس، والكتاب والسنة قد دلَّا على ذلك. فخرج ابن المُرحِّل إلى شيء غير هذا فقال: الحَسَن (٣) يسمِّي الفاسق منافقًا، وأصحابك لا يسمونه منافقًا. قال الشيخ تقيُّ الدين له: بل يسمّونه منافقًا النفاق الأصغر لا النفاق الأكبر، والنفاقُ يطلق على النفاق الأكبر الذي هو إضمار (٤) الكفر، وعلى النفاق الأصغر الذي هو اختلاف السرِّ والعلانية في الواجبات.

стр. 221

قال له ابن المُرحِّل: ومن أين قلت: إن الاسم يُطلق على هذا وعلى هذا؟ قال الشيخ تقي الدين: هذا (١) مشهور عند العلماء، وبذلك فسَّروا قول النبيّ ﷺ : «آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدَّث كَذَب، وإذا وَعَد (٢) أخْلَف، وإذا ائتُمِنَ خان» (٣). وقد ذكر ذلك الترمذيُّ وغيره، وحكوه عن العلماء (٤). وقال غير واحد من السلف: كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك. وإذا كان النفاقُ جنسًا تحته نوعان، فالفاسق داخلٌ في أحد نوعيه. قال ابن المُرحِّل: كيف تجعل النفاق اسم جنس، وقد جَعَلْته (٥) لفظًا مشتركًا؟ وإذا كان اسم جنس كان (٦) متواطئًا، والأسماء المتواطئة غير المشتركة، فكيف تجعله مشتركًا (٧) متواطئًا؟ قال الشيخ تقي الدين: أنا لم أذكر أنه مشترك، وإنما قلت: يُطلق على هذا

стр. 222

وعلى هذا، والإطلاق أعمّ. ثم لو قلتُ: إنه مشترك لكان الكلام صحيحًا، فإن اللفظ الواحد قد يُطلق على شيئين (١) بطريق التواطؤ، وبطريق الاشتراك، فأطلقتُ لفظ النفاق على إبطان الكفر وإبطان المعصية، تارةً بطريق الاشتراك، وتارةً بطريق التواطؤ. كما أنَّ لفظ «الوجود» يطلق على الواجب والممكن، عند قوم باعتبار الاشتراك، وعند قومٍ باعتبار التواطؤ؛ ولهذا سمّي مشكّكًا. قال ابن المُرحِّل: كيف يكون هذا؟ وأخذَ في كلامٍ (٢) لا يَحْسُن ذِكْره! قال (٣) الشيخ تقي الدين: المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر. وذلك أن الماهيَّتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يُطلق على كلٍّ منهما، فقد يطلق عليهما باعتبار (٤) ما به تمتاز كلُّ ماهيَّة عن الأخرى، فيكون مشتركًا الاشتراك اللفظي. وقد يكون مطلقًا باعتبار القَدْر المشترك بين الماهيَّتين، فيكون لفظًا متواطئًا. قلت: ثم إنه في اللغة يكون موضوعًا للقدر المشترك، ثم يغلب عُرْف الاستعمال على استعماله في هذا تارةً وفي هذا تارة. فيبقى دالًّا بِعُرف الاستعمال على ما به الاشتراك والامتياز. وقد تكون قرينة مثل لام التعريف أو الإضافة تكون هي الدالَّة على ما به الامتياز.

стр. 223

مثال ذلك: اسم الجنس إذا غلب في العُرْف على بعض أنواعه، كلفظ «الدابة» إذا غلب على الفَرَس، قد نُطلقه على الفَرَس باعتبار القَدْر المشترك بينها (١) وبين سائر الدواب، فيكون متواطئًا. وقد نُطلقه (٢) باعتبار خصوصية الفَرَس، فيكون مشتركًا بين خصوص الفَرَس وعموم سائر الدواب، ويصير استعماله في الفَرَس تارةً بطريق التواطؤ (٣)، وتارة بطريق الاشتراك. وهكذا اسم الجنس إذا غلب على بعض الأشخاص وصار عَلَمًا بالغَلَبة، مثل ابن عُمر (٤) والنجم، فقد نُطلقه عليه باعتبار القَدْر المشترك بينه وبين سائر النجوم وسائر بني عمر، فيكون إطلاقه عليه بطريق التواطؤ، وقد نطلقه (٥) باعتبار ما به يمتاز عن غيره من النجوم، ومن بني عمر، فيكون بطريق الاشتراك بين هذا المعنى الشخصي، وبين المعنى النوعي. وهكذا كلّ اسمٍ عامّ غلب على بعض أفراده، يصحّ استعماله في ذلك الفرد بالوضع الأول العام فيكون بطريق التواطؤ، وبالوضع (٦) الثاني فيصير بطريق الاشتراك. ولفظ «النفاق» من هذا الباب؛ فإنه في الشرع: إظهار الدين وإبطان

стр. 224

خلافه. وهذا المعنى الشرعيّ أخصّ من مسمّى النفاق في اللغة، فإنه في اللغة أعم من إظهار الدين. ثم إبطان (١) ما يخالف الدين، إما أن يكون كفرًا أو فسقًا، فإذا (٢) أظهر أنه مؤمن وأبطن التكذيب، فهذا هو النفاق الأكبر الذي أُوعِدَ صاحبه بأنه في الدَّرْك الأسفل من النار. وإن أظهر أنه صادق أو موف أو أمين، وأبطن الكذب والغدر والخيانة ونحو ذلك، فهذا هو النفاق الأصغر الذي يكون صاحبه فاسقًا. فإطلاق النفاق عليهما في الأصل بطريق التواطؤ. وعلى هذا؛ فالنفاق اسم جنس تحته نوعان. ثمّ إنه قد يراد به النفاق في أصل الدين، مثل قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، و ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. والمنافق هنا (٣): الكافر. وقد يراد به [ق ٤٢] النفاق في فروعه، مثل قوله ﷺ : «آية المنافق ثلاث» (٤)، وقوله: «أربعٌ من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا» (٥). وقول ابن عمر فيمن يتحدث عند الأمراء بحديث (٦)، ثم يخرج فيقول بخلافه: «كنّا نعدّ هذا

стр. 225

على عهد النبيّ ﷺ نفاقًا» (١). فإذا أردتَ به أحدَ النوعين، فإما أن يكون تخصيصه لقرينة لفظيّة، مثل لام العهد والإضافة، فهذا لا يخرجه عن أن يكون متواطئًا، كما إذا قال الرجل: جاء القاضي، وعنَى به: قاضي بلده، لكون اللام للعهد، كما قال سبحانه: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦] أن اللام هي أوجبت قَصْر الرسول على موسى، لا نفس لفظ «رسول». وإما أن يكون لغلبة الاستعمال عليه فيصير مشتركًا بين اللفظ العام والمعنى الخاص، فكذلك قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فإن تخصيص هذا اللفظ بالكافر، إما أن يكون لدخول اللام التي تفيد العهد، والمنافق المعهود هو الكافر، أو تكون (٢) لغلبة هذا الاسم في الشرع على نفاق الكفر. وقوله ﷺ : «ثلاثٌ من كنَّ فيه كان منافقًا ... » يعني به (٣) منافقًا بالمعنى العام، وهو إظهاره من الدين خلاف ما يُبْطن. فإطلاق لفظ «النفاق» على الكافر وعلى الفاسق، إن أَطلَقْتَه باعتبار المعنى العام كان متواطئًا، وإن أَطْلَقْتَه على الكافر باعتبار (٤) ما يمتاز به عن الفاسق كان إطلاقه عليه وعلى الفاسق باعتبار الاشتراك. وكذلك يجوز أن

стр. 226

يُراد به الكافر خاصة، ويكون متواطئًا إذا كان الدال على الخصوصية غير لفظ «منافق» بل لام التعريف. وهذا البحث (١) الشريف جار في كلّ لفظ عام اسْتُعْمل في بعض أنواعه؛ إما لغلبة الاستعمال، أو لدلالة لفظية خصَّته بذلك النوع، مثل تعريف الإضافة، أو تعريف اللام؛ فإن كان لغلبة الاستعمال صح أن يقال: إن اللفظ مشترك (٢)، وإن كان لدلالة لفظية كان اللفظ باقيًا على مواطأته. فلهذا صحّ أن يقال: النفاق (٣) اسم جنس تحته نوعان، لكون اللفظ في الأصل عامًّا متواطئًا. وصحَّ أن يقال: هو مشترك بين النفاق (٤) في أصل الدين، وبين مطلق النفاق في الدين، لكونه في عُرْف الاستعمال الشرعي غلب على نفاق الكفر.

стр. 227

بحثٌ ثانٍ جرى (١) أَنَّ الحمد والشكر بينهما عموم وخصوص؛ فالحمد أعمّ من جهة أسبابه التي يقع عليها، فإنه يكون على جميع الصفات، والشكر لا يكون إلا على الإحسان. والشكر أعمُّ من جهة ما به يقع، فإنه يكون بالاعتقاد والقول والفعل، والحمد يكون بالفعل (٢) أو بالقول أو بالاعتقاد (٣). أورد الشيخ الإمام زين الدين ابن المنجَّى الحنبلي (٤): أن هذا الفرق إنما هو من جهة مُتعلَّق الحمد والشكر؛ لأنَّ كونه يقع على كذا ويقع بكذا خارج عن ذاته، فلا يكون فرقًا في الحقيقة، والحدود إنما يتعرَّض فيها لصفات الذات، لا لما خرج عنها. فقال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيميَّة: المعاني على قسمين: مفردة ومضافة [ق ٤٣] فالمعاني المفردة حدودها

стр. 228

لا تؤخذ (١) عنها متعلَّقاتها (٢)، وأما المعاني الإضافية فلا بد أن يوجد في حدودها تلك الإضافات، فإنها داخلة في حقيقتها ولا يمكن تصورها إلا بتصور تلك المتعلَّقات، فتكون المتعلَّقات (٣) جزءًا من حقيقتها فيتعيَّن (٤) ذكرها في الحدود. والحمد والشكر معنيان متعلَّقان (٥) بالمحمود عليه والمشكور عليه (٦) فلا يتم ذكر حقيقتهما إلا بذكر متعلّقهما، فيكون متعلقهما داخلًا في حقيقتهما. فاعترض الصدر ابن المُرحِّل (٧) بأنه ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية، فلا يكون للحمد والشكر من متعلقهما صفة ثبوتية، فإن التعلُّقَ (٨) صفة نسبية (٩)، والنِّسَب أمورٌ عدمية، وإذا لم تكن صفة ثبوتية لم تكن داخلة في الحقيقة؛ لأن العدم لا يكون جزءًا من الوجود.

стр. 229

فقال الشيخ تقي الدين: قولك: «ليس للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية»، ليس على العموم، بل قد يكون للمتعلِّق من المتعلَّق صفة ثبوتية (١)، [وقد لا يكون، وإنما الذي يقوله أكثر المتكلمين: ليس لمتعلق القول من القول صفة ثبوتية] (٢). ثم الصفات المتعلِّقة نوعان: أحدهما: إضافة محضة، مثل الأبوَّة والبنوَّة والفوقية والتحتية، ونحوها. فهذه الصفة التي (٣) يقال فيها: هي مجرّد نسبة وإضافة، والنِّسَب أمور عدمية. والثاني: صفة ثبوتية مضافة إلى غيرها كالحبّ والبغض، والإرادة والكراهة، والقدرة، وغير ذلك من الصفات، فإن الحبّ صفة ثبوتية متعلقة بالمحبوب. فالحب معروض للإضافة، بمعنى أن الإضافة صفة عرضَتْ له، لا أنَّ (٤) نفس الحبّ هو الإضافة. ففرقٌ بين ما (٥) هو إضافة وبين ما هو صفة مضافة، فالإضافة يقال فيها: إنها عَدَمية، وأما (٦) الصفة المضافة فقد تكون ثبوتية كالحب (٧).

стр. 230

قال ابن المُرحِّل: الحبُّ أمر عَدَميّ؛ لأن الحبّ نسبة، والنِّسَب (١) عدميّة. قال الشيخ تقيّ الدين: كون الحب والبغض والإرادة والكراهة أمرًا عدميًّا باطلٌ بالضرورة، وهو خلاف إجماع العقلاء. ثمّ هو مذهبُ بعض المعتزلة في إرادة الله؛ فإنه (٢) زعم أنها صفة سلبية، بمعنى أنه غير مغلوب ولا مُسْتَكره، وأطبق الناسُ على بطلان هذا القول. وأما إرادة المخلوق وحبّه وبُغْضه فلم نعلم أحدًا من العقلاء قال: إنه أمرٌ (٣) عدميّ. فأصرَّ ابنُ المُرحِّل على أن الحبّ الذي هو ميل القلب إلى المحبوب أمر عدمي، وقال: المحبة أمر وجودي. قال الشيخ تقي الدين: المحبّة هي الحبّ، فإنه يقال: أحبّه وحبّه حبًّا ومحبّةً، ولا فرق، وكلاهما مصدر. قال ابن المُرحِّل: وأنا أقول: إنهما إذا كانا مصدَرَين فهما أمرٌ عَدَميّ. قال له الشيخ تقي الدين: الكلام إذا انتهى إلى المقدمات الضرورية فقد انتهى وتمّ، وكون الحبّ والبغض أمرًا وجوديًّا معلومٌ بالاضطرار، فإنّ كلَّ أحدٍ يعلم أن الحيَّ إن (٤) كان خاليًا عن الحبّ كان هذا الخُلوّ (٥) صفةً

стр. 231

عدمية، فإذا صار محبًّا فقد تغير الموصوف وصار له صفة ثبوتية (١) زائدة على ما كان قبل أن يقوم به الحبّ، وهو (٢) يحس ذلك من نفسه [ق ٤٤]، يجده كما يجد شهوته ونُفْرته، ورضاه وغضبه، ولذَّته وألَمَه. ودليل ذلك: أنك تقول: أحبَّ يُحب محبَّة، ونقيض «أحبّ»: لم يحب، و «لم يحب» صفة عدمية، ونقيض العدم الإثبات. قال ابن المُرحِّل: هذا ينتقض بقولهم: امتنع يمتنع، فإنّ نقيض الامتناع: لا امتناع، [والامتناع] (٣) صفة عدمية. قال الشيخ تقي الدين: الامتناع أمرٌ اعتباري عقلي، فإنّ الممتنع ليس (٤) له وجود خارجي حتى تقوم به صفة، وإنما هو معلوم بالعقل باعتبار (٥) كونه معلومًا له ثبوتٌ علمي. وسَلْب هذا الثبوت العلمي: عدم هذا الثبوت، فلم يَنْقُضْ هذا قولَنا: نقيض العدم ثبوت. وأما الحبّ فإنه صفة قائمة بالمحبّ، فإنك تشير إلى عينٍ خارجةٍ وتقول: هذا الحيّ صار محبًّا بعد أن لم يكن محبًّا، فتخْبِر عن الوجود الخارجي بصفةٍ (٦)، فإذا كان نقيضها عدمًا خارجيًّا، كانت وجودًا (٧) خارجيًّا.

стр. 232

وفي الجملة فكون الحبّ والبغض صفةً ثبوتيةً وجودية معلوم بالضرورة، فلا يُقبل فيه نزاع ولا يُناظَر صاحبه إلا مناظرة السّوفسطائية. قلت: وإذا كان الحبُّ والبغض ونحوهما من الصفات المضافة المتعلقة بالغير صفاتٍ وجودية، وظهر الفرقُ بين الصفات التي هي إضافة ونسبة، وبين الصفات التي هي مضافة منسوبة، فالحمد والشكر من القسم الثاني. فإن الحمد أمر وجوديّ متعلِّق بالمحمود عليه، وكذلك الشكر أمر وجودي متعلق بالمشكور عليه، فلا يتم فهم حقيقتهما إلا بفهم الصفة الثبوتية لهما التي هي متعلقة بالغير، وتلك الصفة داخلة في حقيقتهما. فإذا كان متعلَّق أحدهما أكبر (١) من متعلَّق الآخر، وذلك التعلق إنما هو (٢) عارض لصفة ثبوتية لهما = وجبَ ذكر تلك الصفة الثبوتية في ذكر حقيقتهما. والدليل على هذا: أن من لم يفهم الإحسان امتنع أن يفهم الشكر، فعُلِم أن تصوّر متعلَّق الشكر داخل في تصوّر الشكر. قلت: ولو قيل: إنه ليس هذا إلا أمرًا عدميًّا فالحقيقة إن كانت مركَّبة من وجودٍ وعدم، وجب ذكرهما في تعريف الحقيقة، كما أنَّ من عرَّف الأبَ من حيث هو أب، فإنّ تصوّره موقوف على تصوّر الأبوَّة التي هي نسبة وإضافة، وإن كان الأبُ أمرًا وجوديًّا. فالحمد والشكر متعلِّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه، وإن لم يكن

стр. 233

هذا التعلُّق عارضًا (١) لصفة ثبوتية، فلا يُفهم الحمد والشكر إلا بفهم هذا التعلّق، كما لا يُفهَم معنى الأب إلا بفهم معنى الأبوَّة، الذي هو التعلق. وكذلك الحمد والشكر أمران متعلّقان بالمحمود عليه والمشكور عليه. وهذا التعلُّق جزء من هذا المسمى، بدليل أن من لم يفهم الصفات الجميلة لم يفهم الحمد، ومن لم يفهم الإحسان لم يفهم الشكر. فإذا كان فهمهما موقوفًا على فهم متعلَّقهما، فوقوفه على فهم التعلّق أولى، فإن التعلّق فرع على المتعلّق وتبع (٢) له، فإذا توقَّف فهمهما على فهم المتعلّق الذي هو أبعد عنهما من التعلق، فتوقّفه على فهم المتعّلق (٣) أولى، وإن كان المتعلّق أمرًا عدميًّا، والله سبحانه أعلم. [ق ٤٥] مبحث ثالث ادّعى مُدّعٍ أن قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] عامٌّ (٤) في كلِّ ما يسمّى بيعًا. قال له الشيخ تقي الدين ابن تيميَّة: قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ قد أُتْبع بقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وعامة أنواع الربا يسمى بيعًا، والربا إنْ كان اسمًا مجملًا فهو مجهول، واستثناء المجهول من المعلوم يوجب جهالة

стр. 234

المستثنى (١)، فيبقى المراد إحلال (٢) البيع الذي ليس بربًا. فما لم يثبت أن الفرد المعيّن ليس بربًا لم يصحّ إدخاله في البيع الحلال، وهذا يمنع دعوى العموم. وإن كان الربا اسمًا عامًّا فهو مستثنًى من البيع أيضًا، فيبقى البيع لفظًا مخصوصًا، فلا يصح ادعاء العموم على الإطلاق فيه (٣). قال ابن المُرحِّل: هذا من باب التخصيص، وهنا عمومان تعارضا، وليس من باب (٤) الاستثناء، فإنّ صِيَغ الاستثناء معلومة، وإذا كان هذا تخصيصًا لم يُمنع ادعاء العموم فيه. قال الشيخ تقي الدين: هذا كلام متصل بعضه ببعض، وهو من باب التخصيص المتصل، وتسميه الفقهاء: استثناء، كقوله: له هذه الدار ولي منها هذا البيت، فإن هذا بمنزلة (٥): إلا هذا البيت، وكذلك لو قال: أكرم هؤلاء القوم ولا تكرم فلانًا، وهو منهم، كان بمنزلة قوله: إلا فلانًا، وإذا كان كذلك صار بمنزلة قوله: أحلَّ (٦) الله البيع إلا ما كان منه ربًا. فمن ادعى بعد هذا أنه عامّ في كلّ ما يسمى بيعًا فهو مخطئ. قال ابن المُرحِّل: أنا أسلِّم أنه إنما هو عامّ في كل بيع لا يسمى ربًا.

стр. 235

قال له الشيخ تقي الدين: وهذا كان المقصود، لكن (١) بطل بهذا دعوى عمومه على الإطلاق، فإن دعوى العموم على الإطلاق تنافي (٢) دعوى العموم في بعض الأنواع دون بعض، وهذا كلام بيِّن. وادعى مدّع أن فيه قولين، أحدهما: أنه عام مخصوص، والثاني: أنه عموم مراد. فقال الشيخ تقي الدين: فإنَّ دعوى أنه عموم مراد، باطل قطعًا، فإنّا نعلم أن كثيرًا من أفراد البيع حرام. فاعترض ابنُ المُرحِّل بأن تلك الأفراد حُرِّمت بعد ما أُحِلّت، فيكون نسخًا. قال الشيخ تقي الدين: فيلزم من هذا أن لا نحرم شيئًا من البيوع بخبر واحد ولا بقياس، فإنّ نسخ القرآن لا يجوز بذلك، وإنما يجوز تخصيصه به، وقد اتفق العلماء (٣) على التحريم بهذه الطريقة. قال ابن المُرحِّل: رجعتُ عن هذا السؤال، لكن أقول: هو عموم مراد في كلِّ ما يسمى بيعًا في الشرع، فإن البيع من الأسماء المنقولة إلى كل بيع صحيح شرعي. قال الشيخ تقي الدين: «البيع» ليس من الأسماء المنقولة، فإن مسماه في الشرع والعرف هو المسمى اللغوي، لكنَّ الشارع اشترط لِحِلّه وصحته

стр. 236

شروطًا، كما قد كان أهلُ الجاهلية لهم شروط (١) أيضًا بحسب اصطلاحهم، وهكذا سائر أسماء العقود، مثل الإجارة والرهن والهبة والقرض والنكاح، إذا أريد به العقد وغير ذلك هي باقية على مسمّياتها، والنقل إنما يُحْتاجُ إليه إذا أحدث الشارعُ معاني لم تكن العربُ [ق ٤٦] تعرفها مثل الصلاة والزكاة والتيمم، فحينئذٍ يحتاج إلى النقل، ومعاني هذه العقود ما زالت معروفة. قال ابن المُرحِّل: أصحابي قد قالوا: إنها منقولة. قال الشيخ تقي الدين: لو كان لفظ البيع في الآية المراد به البيع الصحيح الشرعي لكان التقدير: أحلّ الله البيع الصحيح الشرعي، أو أحل الله البيع الذي هو عنده حلال. وهذا مع أنه تكرر (٢) فإنه يمنع الاستدلال بالآية، فإنا لا نعلم دخول بيع من البيوع في الآية حتى نعلم أنه بيع صحيح شرعي، ومتى علمنا ذلك استغنينا عن الاستدلال بالآية. قال ابن المُرحِّل: متى ثبت أنَّ هذا الفرد يسمى بيعًا في اللغة قلتُ: هو بيع في الشرع؛ لأن الأصل عدم النقل، وإذا كان بيعًا في الشرع دخل في الآية. قال الشيخ تقي الدين: هذا إنما يصح لو لم يثبت أن الاسم منقول، أما إذا ثبت (٣) أنه منقول، لم يصحّ إدخال فردٍ فيه حتى يثبت أن الاسم (٤) المنقول

стр. 237

واقع عليه، وإلا فيلزم من هذا أن كلَّ ما سمي في اللغة صلاة وزكاة وتيممًا وصومًا وبيعًا وإجارةً ورهنًا أنه يجوز إدخاله في المسمى الشرعي بهذا الاعتبار، وعلى هذا التقدير فلا يبقى فرقٌ بين الأسماء المنقولة وغيرها، وإنما يقال: الأصل عدم النقل إذا لم يثبت، بل متى ثبت النقل فالأصل (١) عدمُ دخول هذا الفرد في (٢) الاسم المنقول حتى يثبت (٣) أنه داخل فيه بعد النقل. قلت: أصل (٤) هذه الأبحاث الثلاثة، وكل ما فيها (قلت) فإنه من كلام الشيخ تقي الدين قرَّره بعد المناظرة (٥).

стр. 238

[عودة إلى ترجمة شيخ الإسلام] وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي (١) ــ في أثناء كلامه في ترجمة الشيخ ﵀ ــ: وله باعٌ طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين، وقلَّ أن يتكلَّم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب (٢) الأربعة، وقد خالف الأربعة في مسائل معروفة، وصنَّف فيها واحتجَّ لها بالكتاب والسنة. ولما كان مُعتقلًا بالإسكندرية التمسَ منه صاحب سَبْتة أن يجيز له مرويَّاته، وينصّ (٣) على أسماء جملة منها، فكتب في عشر ورقات جملةً من ذلك بأسانيدها من حفظه، بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر مُحَدِّث (٤). وله الآن عدة سنين لا يفتي بمذهب معيَّن، بل بما قام الدليلُ عليه عنده. ولقد نَصَر السُّنةَ المَحْضة، والطريقةَ السلفية، واحتجَّ لها ببراهين ومقدّمات وأمور لم يُسْبَق إليها. وأطلق عبارات أحجم عنها الأولون والآخرون وهابوا، وجَسَر (٥) هو عليها، حتى قام عليه خلقٌ من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيدَ عليه، وبدَّعوه وناظروه وكابروه (٦)، وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي، بل يقول الحقَّ المرَّ

стр. 239

الذي أدَّاه إليه اجتهادُه، وحِدَّة ذهنه، وسَعَة دائرته في السنن والأقوال. مع ما اشتهر عنه (١) من الورع، وكمال الفكر، وسرعة الإدراك، والخوف من الله العظيم (٢)، والتعظيم لحرمات الله. فجرى بينه وبينهم [ق ٤٧] حَمَلات حربية، ووقائع شامية ومصرية، وكم من نوبةٍ قد رموه بها (٣) عن قوسٍ واحدة، فينجِّيه الله! فإنه دائم الابتهال، كثير الاستغاثة، قويُّ التوكُّل، ثابت الجأش، له أورادٌ وأذكار يُدْمِنها بكيفيَّةٍ (٤) وجمعيّة. وله من الطرف الآخر محبُّون من العلماء والصلحاء، ومن الجند والأمراء، ومن التجار والكبراء. وسائر العامةِ تحبُّه؛ لأنه منتصب لنفعهم ليلًا ونهارًا، بلسانه وقلمه. وأما شجاعته؛ فبها تُضرب الأمثال، وببعضها يتشبَّه (٥) أكابر الأبطال. فلقد أقامه الله في نوبة (٦) غازان، والتقى أعباء الأمر بنفسه، وقام وقعد، وطلع

стр. 240

وخرج، واجتمع بالملك (١) مرتين، وبخطلوشاه (٢) وببولاي (٣). وكان قَبْجَق (٤) يتعجَّب من إقدامه وجرأته على المغول. وله حِدّة قوية تعتريه في البحث، حتى كأنَّه ليثٌ حَرِب (٥). وهو أكبر من أن ينبِّه مثلي على نعوته، فلو حُلِّفْتُ بين الرُّكن والمقام لحَلَفتُ أنِّي ما رأيت بعيني مثله، ولا والله رأى (٦) هو مثل نفسه في العلم! قلت: ما فعله الشيخ ﵀ في نوبة غازان من جميع أنواع الجهاد، وسائر أنواع الخير؛ من إنفاق الأموال، وإطعام الطعام، ودفن الموتى، وغير

стр. 241

ذلك، معروف مشهور. ثم بعد ذلك بعام سنة سبعمائة، لما قدم التتار إلى أطراف البلاد، وبقي الخلق في شدَّة عظيمة، وغَلَب على ظنّهم أن عسكر مصر قد ارتحلوا (١) عن الشام = ركب الشيخ، وسار (٢) على البريد إلى الجيش المصري في سبعة أيام، ودخل القاهرة في اليوم الثامن، يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى، وأطْلابُ المصريين داخلة، وقد دخل السلطان الملك الناصر. فاجتمع بأركان الدولة، واسْتَصْرخ بهم، وحضَّهم على الجهاد، وتلا عليهم الآيات والأحاديث، وأخبرهم بما أعدَّ الله للمجاهدين من الثواب، فاستفاقوا وقويت هممهم، وأبدَوا له العذر في رجوعهم مما قاسوا من المطر والبرد بيد عرش (٣) ونودي بالغزاة، وقَوي العزمُ، وعظَّموه وأكرموه، وتردد الأعيان إلى زيارته. واجتمع به في هذه السنة الشيخ تقيّ الدين ابن دقيق العيد وسمع كلامه، وذُكِر أنهم سألوه عنه (٤) بعد انقضاء المجلس فقال: هو رجل حُفَظَة (٥).

стр. 242

قيل له: فهلَّا تكلَّمتَ معه؟ فقال: هذا رجل يحبُّ الكلام، وأنا أحبّ السكوت. ولقد أخبرني الذهبيّ عن الشيخ ﵀ أنه أخبره أنّ ابنَ دقيق العيد قال له بعد سماع كلامه: ما كنت أظنُّ أن الله بقي (١) يخلق مثلك (٢)! وفي اليوم السابع والعشرين من شهر جمادى المذكور، وصل (٣) الشيخ إلى دمشق على (٤) البريد.

стр. 243

[كتاب الشيخ في حادثة غزو التتار لبلاد الشام] وكتب في هذه الحادثة كتابًا (١) وصورته (٢): إلى من يصل إليه من المؤمنين والمسلمين. سلامٌ (٣) عليكم ورحمة الله [ق ٤٨] وبركاته، فإنَّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أَهْل، وهو على كل شيء قدير، ونسأله أن يصلي على صفوته من خلقه (٤)، وخِيرته من بَرِيَّته محمد عبده ورسوله، وعلى آله وأصحابه (٥) وسلم تسليمًا. أما بعد، فقد صدق الله وعدَه، ونصر عبدَه، وأعزَّ جندَه، وهزم الأحزابَ وحدَه، ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] والله تعالى يحقِّق لنا تمامَ الكلام (٦) بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي

стр. 244

قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧]. فإنَّ هذه الفتنة التي ابتلي بها المسلمون مع عدُوِّهم (١)، العدوّ المفسد الخارج عن شريعة الإسلام، قد جرى فيها شبيهٌ بما جرى للمسلمين مع عدوّهم على (٢) عهد رسول الله ﷺ في المغازي التي أنزل الله فيها كتابه، وابتلى بها نبيَّه والمؤمنين مما (٣) هو أسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا إلى يوم القيامة، فإنَّ نصوص الكتاب والسنة اللذين هما دعوة محمد ﷺ يتناولان (٤) عموم الخلق بالعموم اللفظيّ والمعنويّ، أو بالعموم المعنويّ. وعهودُ الله في كتابه وسنة رسوله تنال آخرَ هذه الأمة كما نالت أوَّلها. وإنما قصَّ الله علينا قَصَص مَن قبلنا من الأمم، لتكون عبرةً لنا فنشبِّه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر الأمم بأوائلها، فيكون للمؤمن من المستأخرين شَبَه بما كان للمؤمن (٥) من المستقدمين (٦)، ويكون للكافر والمنافق من المستأخرين شَبَهٌ بما كان للكافر والمنافق من المستقدمين (٧)، كما قال تعالى

стр. 245

ــ لمَّا قصَّ قصة يوسف مفصَّلةً وأجمل ذكر قصص الأنبياء (١): ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: ١١١] أي هذه القصص المذكورة في الكتاب ليست بمنزلة ما يفترى من القصص المكذوبة، كنحو ما يُذْكر في الحروب في (٢) السِّيَر المكذوبة. وقال تعالى لما ذكر قصة فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٥ - ٢٦]. وقال في سيرة نبينا محمد ﷺ مع أعدائه ببدرٍ وغيرها: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: ١٣]. وقال تعالى في محاصرته لبني النضير: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢]. فأمرنا أن نعتبر بأحوال المستقدمين (٣) علينا من هذه الأمة، وممن (٤)

стр. 246

قبلها [ق ٤٩] من الأمم. وذكر في غير موضع أن سنته في ذلك سنة مُطَّرِدة وعادته مستمرة؛ فقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٢ - ٢٣]. وأخبر سبحانه أنَّ دأب الكافرين من المستأخرين كدأب الكافرين من المستقدمين. فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده، ودأب الأمم وعاداتهم، لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التي طَبَّقَ الخافقين خَبَرُها، واستطار في جميع ديار المسلمين (١) شرَرُها، وأطلع فيها النفاقُ ناصيةَ رأسه، وكَشَر فيها الكفرُ عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيه (٢) عمود الكتاب أن يُجْتَثَّ ويُخْتَرم، وحَبْل الإيمان أن يُقْطَع (٣) ويُصْطَلم، وعُقْر دار المؤمنين أن يحلّ بها البوار، وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفَجَرة التتار، وظنَّ المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنْ ما وعدهم الله ورسولُه إلا غرورًا، وأن لن ينقلب حزبُ الله ورسوله إلى أهليهم أبدًا، وزُيّن ذلك في قلوبهم، وظنوا ظنَّ السَّوء وكانوا

стр. 247

قومًا بورًا. ونزلت فتنةٌ تركت الحليمَ (١) فيها حيران، وأنزلت الرجلَ الصاحي منزلةَ السَّكْران، وتركت الرجلَ اللبيبَ لكثرة الوَسْواس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، وبقي (٢) للرجل بنفسه شُغل عن أن يُغيث اللهفان. ومَيَّز الله فيها أهلَ البصائر والإيقان، مِنَ الذين في قلوبهم مرض أو نفاق وضعف إيمان. ورفع بها أقوامًا إلى الدرجات العالية، كما خفض بها أقوامًا إلى المنازل الهاوية، وكفَّر بها عن آخرين أعمالَهُم الخاطئة. وحَدَث من أنواع البلوى ما جعلها قيامةً مُختصرةً (٣) من القيامة الكبرى، فإنَّ الناسَ تفرَّقوا فيها ما بين شقيٍّ وسعيد (٤)، كما يتفرقون كذلك في اليوم الموعود. وفرَّ الرجلُ فيها من (٥) أخيه وأمّه وأبيه؛ إذ كان لكلّ امرئ منهم (٦) شأنٌ يغنيه، وكان من الناس من أقصى همته النجاةُ بنفسه، لا يَلْوي على ماله ولا ولده ولا غرسه (٧)، كما أنَّ فيهم (٨) من فيه قوة على تخليص الأهل والمال، وآخرُ فيه

стр. 248

زيادةُ معونةٍ لمن هو منه ببال، وآخر منزلتُه منزلة الشفيع المطاع، وهم درجات عند الله في المنفعة والدفاع. ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلا الإيمان والعملُ الصالح (١)، والبرّ والتقوى، وبُلِيَت فيها السرائر، وظهرت الخبايا التي كانت تُكِنُّها (٢) الضمائر، وتبيّن أنَّ البَهْرج من الأقوال والأعمال، يخون صاحبه أحوجَ ما كان إليه في المآل. وذمَّ سادتَه وكبراءَه من أطاعهم فأضلّوه السبيلا (٣)، كما حمدَ ربَّه من صَدَق في إيمانه فاتخذ مع الرسول [ق ٥٠] سبيلًا، وبان صدقُ ما جاءت به الآثارُ النبوية من الإخبار بما يكون، وواطأتها قلوبُ الذين هم في هذه الأمة محدَّثون، كما تواطأت عليه (٤) المبشِّرات التي أُرِيَها المؤمنون، وتبيّن فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين، الذين لا يضرُّهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة. حيث تحزَّب الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين، وآخر خاذلٌ له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام. وانقسم الناسُ ما بين مأجور ومعذور، وآخر قد غرَّه بالله الغَرور، وكان هذا الامتحانُ تمييزًا من الله وتقسيمًا، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤].

стр. 249

ووجه الاعتبار في هذه الحادثة العظيمة: أن الله بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليُظْهِره على الدين كلِّه، وشرع له الجهاد إباحةً (١) أولًا ثم إيجابًا ثانيًا؛ لمَّا هاجر إلى المدينة وصار له فيها أنصار ينصرون الله ورسولَه، فغزا بنفسه ﷺ مدَّة مُقامه بدار الهجرة ــ وهو نحو عشر سنين ــ بضعًا وعشرين غزوة، أوّلها بدر وآخرها غزوة (٢) تبوك. أنزل الله في أول مغازيه سورة الأنفال، وفي آخرها سورة براءة، وجمع بينهما في المصحف ليشابه (٣) أول الأمر وآخره، كما قال أمير المؤمنين عثمان لما سُئل عن القِران بين السورتين من غير فصل بالبسملة (٤). وكان القتال منها في تسع غزوات. فأوَّل غزوات القتال بدر، وآخرها حُنَين والطائف. وأنزل الله فيهما (٥) ملائكته، كما أخبرَ به القرآن، ولهذا (٦) صار الناس يجمعون بينهما في القول، وإن تباعَدَ ما بين الغزوتين مكانًا وزمانًا. فإنَّ بدرًا كانت في شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ما بين المدينة ومكة، شاميَّ مكة. وغزوة حنين في آخر شوال من السنة الثامنة. وحنين وادٍ قريب من الطائف شرقيّ مكة.

стр. 250

ثم قَسَم النبي ﷺ غنائمها (١) بالجِعِرَّانة، واعتمر عمرة الجِعِرّانة. ثم حاصر الطائف فلم يقاتله أهلُ الطائف زحفًا وصفوفًا (٢)، وإنما قاتلوه من وراء جدار. وآخر (٣) غزوةٍ كان فيها القتال زحفًا واصطفافًا هي غزوة حُنَين. وكانت غزوة بدر أول غزوة ظهر فيها المسلمون على صناديد الكفار، وقَتَل (٤) الله وأَسَر رؤوسَهم مع قلة المسلمين وضعفهم، فإنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، ليس معهم إلا فَرَسان، وكان يَعْتَقِب الاثنان والثلاثة على البعير الواحد، وكان عدوّهم بقدرهم أكثر من ثلاث مرات في قوَّة وعُدّة وهيبةٍ (٥) وخُيَلاء. فلما كان من العام المقبل غزا الكفارُ المدينةَ وفيها النبي ﷺ وأصحابهُ فخرج [ق ٥١] إليهم النبي ﷺ وأصحابه (٦) في نحوٍ من ربع الكفار، وتركوا عيالهم بالمدينة لم ينقلوهم إلى موضع آخر. وكانت أولًا الكَرَّة للمسلمين عليهم، ثم صارت للكفار (٧)، فانهزم عامة عسكر المسلمين إلا نفرًا قليلًا حول النبي ﷺ منهم من قُتِل، ومنهم من جُرِح. وحَرَصوا على قتل النبي
следующие страницы →