← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

قبلها [ق ٤٩] من الأمم. وذكر في غير موضع أن سنته في ذلك سنة مُطَّرِدة وعادته مستمرة؛ فقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا ... ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦٢]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: ٢٢ - ٢٣]. وأخبر سبحانه أنَّ دأب الكافرين من المستأخرين كدأب الكافرين من المستقدمين. فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده، ودأب الأمم وعاداتهم، لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التي طَبَّقَ الخافقين خَبَرُها، واستطار في جميع ديار المسلمين (١) شرَرُها، وأطلع فيها النفاقُ ناصيةَ رأسه، وكَشَر فيها الكفرُ عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيه (٢) عمود الكتاب أن يُجْتَثَّ ويُخْتَرم، وحَبْل الإيمان أن يُقْطَع (٣) ويُصْطَلم، وعُقْر دار المؤمنين أن يحلّ بها البوار، وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفَجَرة التتار، وظنَّ المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنْ ما وعدهم الله ورسولُه إلا غرورًا، وأن لن ينقلب حزبُ الله ورسوله إلى أهليهم أبدًا، وزُيّن ذلك في قلوبهم، وظنوا ظنَّ السَّوء وكانوا

стр. 247

قومًا بورًا. ونزلت فتنةٌ تركت الحليمَ (١) فيها حيران، وأنزلت الرجلَ الصاحي منزلةَ السَّكْران، وتركت الرجلَ اللبيبَ لكثرة الوَسْواس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، وبقي (٢) للرجل بنفسه شُغل عن أن يُغيث اللهفان. ومَيَّز الله فيها أهلَ البصائر والإيقان، مِنَ الذين في قلوبهم مرض أو نفاق وضعف إيمان. ورفع بها أقوامًا إلى الدرجات العالية، كما خفض بها أقوامًا إلى المنازل الهاوية، وكفَّر بها عن آخرين أعمالَهُم الخاطئة. وحَدَث من أنواع البلوى ما جعلها قيامةً مُختصرةً (٣) من القيامة الكبرى، فإنَّ الناسَ تفرَّقوا فيها ما بين شقيٍّ وسعيد (٤)، كما يتفرقون كذلك في اليوم الموعود. وفرَّ الرجلُ فيها من (٥) أخيه وأمّه وأبيه؛ إذ كان لكلّ امرئ منهم (٦) شأنٌ يغنيه، وكان من الناس من أقصى همته النجاةُ بنفسه، لا يَلْوي على ماله ولا ولده ولا غرسه (٧)، كما أنَّ فيهم (٨) من فيه قوة على تخليص الأهل والمال، وآخرُ فيه

стр. 248

زيادةُ معونةٍ لمن هو منه ببال، وآخر منزلتُه منزلة الشفيع المطاع، وهم درجات عند الله في المنفعة والدفاع. ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلا الإيمان والعملُ الصالح (١)، والبرّ والتقوى، وبُلِيَت فيها السرائر، وظهرت الخبايا التي كانت تُكِنُّها (٢) الضمائر، وتبيّن أنَّ البَهْرج من الأقوال والأعمال، يخون صاحبه أحوجَ ما كان إليه في المآل. وذمَّ سادتَه وكبراءَه من أطاعهم فأضلّوه السبيلا (٣)، كما حمدَ ربَّه من صَدَق في إيمانه فاتخذ مع الرسول [ق ٥٠] سبيلًا، وبان صدقُ ما جاءت به الآثارُ النبوية من الإخبار بما يكون، وواطأتها قلوبُ الذين هم في هذه الأمة محدَّثون، كما تواطأت عليه (٤) المبشِّرات التي أُرِيَها المؤمنون، وتبيّن فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين، الذين لا يضرُّهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة. حيث تحزَّب الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين، وآخر خاذلٌ له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام. وانقسم الناسُ ما بين مأجور ومعذور، وآخر قد غرَّه بالله الغَرور، وكان هذا الامتحانُ تمييزًا من الله وتقسيمًا، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤].

стр. 249

ووجه الاعتبار في هذه الحادثة العظيمة: أن الله بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليُظْهِره على الدين كلِّه، وشرع له الجهاد إباحةً (١) أولًا ثم إيجابًا ثانيًا؛ لمَّا هاجر إلى المدينة وصار له فيها أنصار ينصرون الله ورسولَه، فغزا بنفسه ﷺ مدَّة مُقامه بدار الهجرة ــ وهو نحو عشر سنين ــ بضعًا وعشرين غزوة، أوّلها بدر وآخرها غزوة (٢) تبوك. أنزل الله في أول مغازيه سورة الأنفال، وفي آخرها سورة براءة، وجمع بينهما في المصحف ليشابه (٣) أول الأمر وآخره، كما قال أمير المؤمنين عثمان لما سُئل عن القِران بين السورتين من غير فصل بالبسملة (٤). وكان القتال منها في تسع غزوات. فأوَّل غزوات القتال بدر، وآخرها حُنَين والطائف. وأنزل الله فيهما (٥) ملائكته، كما أخبرَ به القرآن، ولهذا (٦) صار الناس يجمعون بينهما في القول، وإن تباعَدَ ما بين الغزوتين مكانًا وزمانًا. فإنَّ بدرًا كانت في شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة، ما بين المدينة ومكة، شاميَّ مكة. وغزوة حنين في آخر شوال من السنة الثامنة. وحنين وادٍ قريب من الطائف شرقيّ مكة.

стр. 250

ثم قَسَم النبي ﷺ غنائمها (١) بالجِعِرَّانة، واعتمر عمرة الجِعِرّانة. ثم حاصر الطائف فلم يقاتله أهلُ الطائف زحفًا وصفوفًا (٢)، وإنما قاتلوه من وراء جدار. وآخر (٣) غزوةٍ كان فيها القتال زحفًا واصطفافًا هي غزوة حُنَين. وكانت غزوة بدر أول غزوة ظهر فيها المسلمون على صناديد الكفار، وقَتَل (٤) الله وأَسَر رؤوسَهم مع قلة المسلمين وضعفهم، فإنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، ليس معهم إلا فَرَسان، وكان يَعْتَقِب الاثنان والثلاثة على البعير الواحد، وكان عدوّهم بقدرهم أكثر من ثلاث مرات في قوَّة وعُدّة وهيبةٍ (٥) وخُيَلاء. فلما كان من العام المقبل غزا الكفارُ المدينةَ وفيها النبي ﷺ وأصحابهُ فخرج [ق ٥١] إليهم النبي ﷺ وأصحابه (٦) في نحوٍ من ربع الكفار، وتركوا عيالهم بالمدينة لم ينقلوهم إلى موضع آخر. وكانت أولًا الكَرَّة للمسلمين عليهم، ثم صارت للكفار (٧)، فانهزم عامة عسكر المسلمين إلا نفرًا قليلًا حول النبي ﷺ منهم من قُتِل، ومنهم من جُرِح. وحَرَصوا على قتل النبي

стр. 251

- ﷺ (١) حتى كسروا رَباعيته، وشجّوا جبينه، وهشموا البيضةَ على رأسه، وأنزل الله فيها نحوًا من شطر سورة آل عمران، من قوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١] إلى أن قال فيها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]، وقال فيها: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٢]، وقال فيها: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥]. وكان الشيطان قد نَعَق في الناس: أنّ محمدًا قد قُتل، فمنهم من تزلزل لذلك فهرب، ومنهم من ثبت فقاتل، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وكان (٢) هذا مثل حال المسلمين لما انكسروا في العام الماضي، وكانت هزيمة المسلمين في العام الماضي بذنوبٍ ظاهرة وخطايا واضحة؛ مِن فساد

стр. 252

النيّات، والفخر والخيلاء، والظلم والفواحش، والإعراض عن حكم الكتاب والسنة، وعن المحافظة على فرائض الله، والبغي على كثير من المسلمين الذين بأرض الجزيرة (١) والروم. وكان عدوُّهم في أول الأمر راضيًا منهم بالموادعة والمسالمة، شارعًا في الدُّخول في الإسلام. وكان مبتدئًا في الإيمان والأمان، وكانوا هم قد أعرضوا عن كثير من أحكام الإيمان = فكان من حكمة الله ورحمته بالمؤمنين أن ابتلاهم بما ابتلاهم به ليُمَحِّص (٢) الله الذين آمنوا ويُنِيبوا إلى ربِّهم، وليظهر من عدوِّهم ما ظهر منه (٣) من البَغْي والمَكْر والنَّكْث، والخروج عن شرائع الإسلام، فيقوم بهم ما يستوجبون به النصر وبعدوِّهم ما يستوجب به الانتقام. فقد كان في نفوس كثير من مقاتلة المسلمين ورعيَّتهم من الشرِّ الكبير ما لو يقترن (٤) به ظَفَرٌ بعدوِّهم ــ الذي هو على الحال المذكورة ــ لأوجب لهم ذلك من فساد الدِّين والدنيا مالا يوصف. كما أن نَصْر الله للمؤمنين يومَ بَدْر كان رحمةً ونعمة (٥)، وهزيمتهم يوم أُحدٍ كان باطنها رحمةً ونعمةً (٦) على المؤمنين.

стр. 253

فإن النبي ﷺ قال: «لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاءُ فشكر الله كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء [ق ٥٢] فصبر كان خيرًا له» (١). فلما كانت حادثةُ المسلمين عامَ أوَّل شبيهةً بأحدٍ، وكان بعد أُحد بأكثر من سنة ــ وقيل بسنتين ــ قد ابتلي المسلمون بغزوة الخندق= كذلك في هذا العام ابتُلي المسلمون (٢) بعدوِّهم، كنحو ما ابتُلي المسلمون مع النبي ﷺ عام الخندق، وهي غزوة الأحزاب التي أنزل الله فيها سورة الأحزاب. وهي سورة تضمَّنت ذِكْر هذه الغَزَاة التي نصر الله فيها عبدَه ﷺ وأعزَّ فيها جندَه المؤمنين (٣)، وهزم الأحزاب الذين تحزَّبوا عليهم وَحْدَه (٤) بغير قتال، بل بثبات المؤمنين بإزاء عدوِّهم. ذُكِرَ فيها خصائصُ رسول الله ﷺ وحقوقُه وحُرْمتُه (٥)، وحُرمة أهل بيته؛ لمَّا كان هو القلبُ الذي نصره الله فيها بغير قتال، كما كان ذلك في غزوتنا هذه سواء (٦). وظهر فيها سرّ تأييد (٧) الدين كما ظهر في غزوة الخندق، وانقسم الناس فيها كانقسامهم عام الخندق.

стр. 254

وذلك أن الله تعالى منذ (١) بعثَ محمدًا وأعزَّه بالهجرة والنُّصرة؛ صار الناس ثلاثة أقسام: قسمًا مؤمنين، وهم الذين آمنوا به ظاهرًا وباطنًا. وقسمًا كفَّارًا، وهم الذين أظهروا الكفر به. وقسمًا منافقين، وهم الذين آمنوا به ظاهرًا لا باطنًا. ولهذا افتتح الله (٢) سورة البقرة بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وثلاث عشرة آية في صفة المنافقين. وكلُّ واحد من الإيمان والكفر والنفاق له دعائم وشُعَب، كما دلت عليه دلائل الكتاب والسنة، وكما فسَّره أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في الحديث المأثور عنه في الإيمان ودعائمه وشُعَبه (٣). فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدَّرْك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبيّ وغيره، بأن يظهر تكذيب الرسول، أو جحودَ بعض ما جاء به أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرَّة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك مما لا يكون صاحبه إلا عدوًّا لله ورسوله.

стр. 255

وهذا القَدْر كان موجودًا في زمن رسول الله ﷺ وما زال بعده (١)، بل هو بعده أكثر منه على عهده (٢)؛ لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى. فإذا كانت مع قوَّتها كان النفاق (٣) موجودًا، فوجوده فيما دون ذلك أولى. وكما أنه ﷺ كان يعلم بعضَ المنافقين ولا يعلم بعضهم، كما بيَّنه قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] كذلك خلفاؤه بعده وورثته قد يعلمون بعضَ (٤) المنافقين ولا يعلمون بعضًا (٥). وفي المنتسبين إلى الإسلام من عامة الطوائف منافقون كثيرون في الخاصة والعامة، ويسمّون الزنادقة. وقد اختلف العلماء في قبول توبتهم في الظاهر، لكون ذلك لا يعلم، إذ هم دائمًا يُظهِرون الإسلام، وهؤلاء يَكْثُرون في المتفلسفة [ق ٥٣] من المنجِّمين ونحوهم، ثم في الأطباء، ثم في الكتّاب أقل من ذلك. ويوجدون في المتصوِّفة والمتفقِّهة و (٦) المقاتلة والأمراء، وفي العامة أيضًا. ولكن يوجدون كثيرًا في نِحَل أهل البدع لاسيما الرافضة، ففيهم من

стр. 256

الزنادقة والمنافقين، ما ليس في أحدٍ من أهل النِّحَل، ولهذا كانت الخُرَّمِيّة والباطنية والقرامطة والإسماعيلية والنُّصيرية، ونحوهم من المنافقين الزنادقة منتسبةً إلى الرافضة. وهؤلاء المنافقون ــ في هذه الأوقات ــ لكثيرٍ (١) منهم مَيل إلى دولة هؤلاء التتار؛ لكونهم لا يلزمونهم شريعة الإسلام، بل يتركونهم وما هم عليه. وبعضهم إنما ينفرون عن التتار لفساد سيرتهم في الدنيا، واستيلائهم على الأموال، واجترائهم على الدِّماء والسبي، لا لأجل الدين. فهذا ضربُ النّفاق الأكبر. وأما النفاق الأصغر: فهو النفاق في الأعمال ونحوها، مثل أن يكذب إذا حدَّث، أو (٢) يُخْلِف إذا وعد، ويخون إذا ائتمن، أو يَفْجُر إذا خاصم، ففي «الصحيحين» (٣) عن النبي ﷺ أنه (٤) قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّثَ كَذَب، وإذا وعَدَ أخْلَف، وإذا ائتمن خان». وفي رواية صحيحة: «وإن صام وصلَّى وزعم أنه مسلم». وفي «الصحيحين» (٥) عن عبد الله بن عَمْرو عن النبي ﷺ قال: «أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خَصْلة منهن كانت فيه خَصْلة من

стр. 257

النفاق حتى يدعها: إذا حدَّث كذب، وإذا وعد (١) أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فَجَر». ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين، قال النبي ﷺ : «مَنْ مات ولم يغز ولم يحدِّث نفسَه بالغزو مات على شعبةٍ من نفاق» رواه مسلم (٢). وقد أنزل الله سورة براءة التي تسمى «الفاضحة» لأنها فضحت المنافقين. أخرجاه في «الصحيحين» (٣) عن ابن عباس قال: هي الفاضحة، ما زالت تنزل (ومنهم، ومنهم) حتى ظنوا أن لا يبقى أحدٌ إلا ذكر فيها. وعن المقداد بن الأسود قال: هي سورة البحوث؛ لأنها بحثت عن سرائر (٤) المنافقين. وعن قتادة قال: هي المثيرة؛ لأنها أثارت مخازي المنافقين. وعن ابن إسحاق (٥) قال: هي المُبَعْثرة. والبعثرة والإثارة متقاربان. وعن ابن عمر: أنها المُقَشْقِشَة؛ لأنها تبرئ من مرض النفاق. يقال: تَقَشْقَش المريضُ إذا برأ. وقال الأصمعي: وكان يقال لسورتي الإخلاص: المُقَشْقِشتان؛ لأنهما

стр. 258

يُبْرِئان من النفاق (١). وهذه السورة نزلت في آخر مغازي النبي ﷺ ــ غزوة تبوك ــ عام تسع من الهجرة، وقد عزَّ الإسلامُ وظهر، فكشف الله فيها أحوالَ المنافقين، ووصفهم فيها بالجُبْن وترك الجهاد، ووصفهم (٢) بالبخل عن النفقة في سبيل الله، والشحِّ على المال. وهذان داءان (٣) عظيمان: البُخْل والجُبْن (٤). قال النبي ﷺ [ق ٥٤]: «شرُّ ما في المرء شحُّ هالع وجُبْن خالع» (٥) حديث صحيح. ولهذا قد يكونان من الكبائر الموجبة للنار كما دل عليه قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦]. وأما (٦) وصفهم بالجبن والفزع؛ فقال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ

стр. 259

مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٦ - ٥٧]. فأخبر سبحانه أنهم وإن حلفوا أنهم من المؤمنين، فما هم منهم، ولكن يفزعون من العدوِّ فـ ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يلجأون إليه مثل (١) المعاقل والحصون التي يفرُّ إليها من يترك الجهاد ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ وهي جمع مغارة (٢)، سُمّيت بذلك لأن الداخل يغور فيها أي: يستتر، كما يغور الماء. ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ وهو الذي يُتَكَلَّف الدخول إليه إما لضيق بابه أو غير (٣) ذلك أي: مكانًا يدخلون إليه (٤) ولو كان الدخول بِكُلْفة ومشقَّة ﴿لَوَلَّوْا﴾ عن الجهاد ﴿إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ أي: يسرعون إسراعًا لا يردُّهم شيء، كالفرس الجَمُوح الذي إذا حمل لا يردُّه اللجام. وهذا وصف منطبق على أقوامٍ كثيرين في حادثتنا، وفيما قبلها من الحوادث وبعدها. وكذلك قال في سورة محمد ﷺ : ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ أي: فبُعدًا (٥) لهم ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ

стр. 260

صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠ - ٢١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] فحَصَر المؤمنين فيمن آمن وجاهد. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٤ - ٤٥]. فهذا إخبارٌ من الله بأنّ المؤمن لا يستأذن الرسول في ترك الجهاد، وإنما يستأذنه الذي لا يؤمن. فكيف بالتارك من غير استئذان؟ ومن تدبر القرآن وجد نظائر هذا متضافرة على هذا المعنى. وقال في وصفهم بالشحِّ: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤]. فهذه حال من أنفق كارهًا، فكيف من (١) ترك النفقة رأسًا؟ ! وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨].

стр. 261

وقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦]. [ق ٥٥] وقال في السورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥]. فانتظمت هذه الآية حالَ من أخذ المال بغير حقِّه، أو منعه عن مستحقِّه من جميع الناس؛ فإنَّ الأحبار هم العلماء، والرُّهبان هم العُبَّاد. وقد أخبر أنَّ كثيرًا منهم يأكلون أموالَ الناس بالباطل، ويَصدُّون أي: يُعرضون ويَمنعون، يقال: صدَّ عن الحق صدودًا وصدَّ غيره صدًّا (١). وهذا يندرج فيه ما يؤكل بالباطل، مِنْ وَقْفٍ أو عطيَّة على الدين، كالصِّلات (٢) والنذور التي تُنْذَر لأهل الدين، ومن الأموال المشتركة كأموال بيت المال ونحو ذلك. فهذا فيمن يأكلُ المال بالباطل بشُبْهَة دين.

стр. 262

ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ﴾ فهذا يندرج فيه مَن كَنَز المال عن النفقة الواجبة في سبيل الله، والجهادُ أحقُّ الأعمال باسم «سبيل الله» سواءً كان مَلِكًا أو مقدَّمًا أو غنيًّا أو غير ذلك. وإذا دَخَل في هذا ما كُنِز من المال (١) الموروث والمكسوب، فما كُنِز من الأموال المشتركة التي يستحقُّها عمومُ الأمة، ويستحقُّها (٢) مصالحهم أَوْلى وأحْرى. *** فصل فإذا تبيَّن بعضُ معنى المؤمن والمنافق، فإذا قرأ الإنسان سورة الأحزاب، وعَرَف من المنقولات في الحديث والتفسير والفقه والمغازي كيف كانت صفةُ الواقعة التي نزل بها القرآن، ثمَّ اعتبر هذه الحادثة بتلك = وجد مصداق ما ذكرنا (٣)، وأن الناس انقسموا في هذه الحادثة إلى الأقسام الثلاثة، كما انقسموا في تلك، وتبيَّن له كثير من المتشابهات. افتتح الله السورة بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] وذكر في أثنائها قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا

стр. 263

(٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٧ - ٤٨] ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢ - ٣]. فأمره باتباع ما أُوحِي إليه من الكتاب والحكمة ــ التي هي سُنَّته ــ وبأن يتوكل على الله. فبالأول (١) تحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾. وبالثانية تحقق قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. ومثل ذلك قوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود: ١٢٣] وقوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. وهذا وإن كان مأمورًا به في جميع الدين، فإنَّ ذلك في الجهاد أَوْكَد؛ لأنه يحتاج إلى أن يُجاهد الكفار والمنافقين، وذلك لا يتمّ إلا بتأييد قويّ من الله، ولهذا كان الجهادُ سنام العمل، وانتظم سنام جميع الأحوال الشريفة. ففيه سنام المحبة كما في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ق ٥٦] وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]. وفيه سنام التوكُّل وسنام الصبر، فإنّ المجاهدَ أحوجُ الناس إلى الصبر والتوكل، ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا

стр. 264

حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [النحل: ٤١ - ٤٢] و ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. ولهذا كان الصبر واليقين ــ الذي هو (١) أصل التوكّل ــ يوجبان الإمامة في الدين، كما دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ (٢) أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤]. ولهذا كان الجهاد موجبًا للهداية التي هي مُحِيْطة بأبواب العلم، كما دلَّ عليه قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. فجعل لمن جاهد فيه هدايته جميع سُبله (٣) تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما: إذا اختلف الناس في شيء فانظروا ما عليه أهل الثغر، فإنَّ الحقّ معهم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٤). وفي الجهاد أيضًا: حقيقة الزُّهد في الحياة الدنيا (٥).

стр. 265

وفيه أيضًا: حقيقة الإخلاص، فإنَّ الكلام فيمن جاهد في سبيل الله لا في سبيل الرِّياسة، ولا سبيل المال، ولا سبيل الحَمِيَّة، وهذا لا يكون إلا لمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وليكون الدِّين كلّه لله (١). وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١]. والجنةُ اسمٌ للدار التي حَوَت كلَّ نعيم، أعلاه النظر إلى الله، إلى ما دون ذلك مما تَشْتهيه الأنفس وتَلَذُّ الأعين مما قد نعرفه وقد لا نعرفه، كما قال الله تعالى فيما رواه عنه رسوله: «أعْدَدْت لعباديَ الصالحين مالا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَر على قلب بشر» (٢). فقد تبيَّن بعضُ أسباب افتتاح هذه السورة بهذا. ثم إنه قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٩]. وكان مختصر (٣) القصة: أن المسلمين تحزَّب عليهم (٤) عامَّةُ المشركين الذين حولهم، وجاءوا

стр. 266

بجموعهم إلى المدينة ليستأصلوا المؤمنين، فاجتمعت قريشٌ وحلفاؤها ومواليها من كنانة وأهل نجد والأحابيش، واجتمعَتْ غَطَفان وحلفاؤها (١) من بني أسد وأشْجَع وفَزارة وغيرهم من قبائل نجد. واجتمعت أيضًا اليهودُ من قُرَيظة والنضير، فإنّ بني النضير كان النبي ﷺ قد أجلاهم قبل ذلك، كما ذكره الله في سورة الحشر، فجاءوا في الأحزاب إلى قُرَيظة، وهم متعاهدون (٢) للنبي ﷺ ومجاورون له قريبًا من المدينة، فلم يزالوا بهم (٣)، [ق ٥٧] حتى نَقَضت قريظةُ العهد ودخلوا في الأحزاب، فاجتمعت هذه الأحزاب العظيمة، وهم بِقَدْر المسلمين مرَّات متعددة، فرفع النبي ﷺ الذرية من النساء والصبيان في آطام المدينة، وهي مثل الجواسق، ولم ينقلهم إلى مواضع أُخر، وجعل ظهرهم (٤) إلى سَلْع وهو الجبل القريب من المدينة من ناحية الغرب والشام، وجعل بينه وبين العدو خندقًا، والعدوُّ قد أحاط بهم من العالية والسافلة، وكان عدوًّا شديد العداوة، لو تَمَكَّن من المؤمنين لكانت نكايتُه فيهم أعظمَ النِّكايات. * وفي هذه الحادثة تحزَّب هذا العدوّ من مُغل وغيرهم من أنواع الترك، ومن فُرْس ومُسْتَعربة، ونحوهم من أجناس المُرْتدَّة، ومن نصارى من الأرمن وغيرهم، ونزل هذا العدوُّ (٥) بجانب ديار المسلمين، وهو بين الإقدام

стр. 267

والإحْجام، مع قِلَّة مَنْ بإزائهم من المسلمين، وقصدهم (١) الاستيلاء على الدار، واصطلام أهلها. كما نزل أولئك بنواحي المدينة بإزاء المؤمنين (٢). ودامَ الحصارُ على المسلمين عام الخندق ــ على ما قيل ــ بضعًا وعشرين ليلة، وقيل: عشرين ليلة. وهذا العدوُّ عَبَر الفراتَ سابع عشر ربيع الآخر، وكان أول انصرافه راجعًا عن حلب، لما رجع مُقَدَّمهم الكبير غازان بمن معه يوم الاثنين حادي أو ثاني عشر جمادى الأولى (٣) يوم دخل العسكر ــ عسكر (٤) المسلمين ــ إلى مصر المحروسة، واجتمع بهم الداعي، وخاطبهم في هذه القضية. وكان الله لما ألقى في قلوب المؤمنين ما ألقى، من الاهتمام والعزم= ألقى في قلوب عدوِّهم الرَّوعَ والانصراف. وكان عامَ الخندقِ بردٌ شديد، وريح شديدة منكرة، بها صَرَف الله الأحزاب عن المدينة، كما قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: ٩]. وهذا (٥) العام أكْثَرَ الله فيه الثلجَ والمطر والبَرْد، على خلاف أكثر

стр. 268

العادات، حتى كره أكثر الناس ذلك، وكنّا نقول لهم: لا تكرهوا ذلك، فإن لله فيه حكمةً ورحمة. وكان ذلك من أعظم الأسباب التي صرف الله به (١) العدوَّ، فإنه كَثُر عليهم الثلج والمطر والبرد، حتى هلك من خيلهم ما شاء الله، وهلك أيضًا منهم من شاء الله، وظهر فيهم وفي بقية خَيلهم الضَّعْفُ (٢) والعَجْزُ بسبب البرد والجوع = ما رأوا أنهم (٣) لا طاقة لهم معه بقتال. حتى بلغني عن بعض كبار المقدَّمين في أرض الشمال (٤) أنه قال: لا بيَّض الله وجوهنا، عدوُّنا في الثلج إلى شعره، ونحن نعودُ ولا نأخذهم! (٥). وحتى علموا أنهم كانوا صيدًا للمسلمين لو يصطادونهم، لكن كان لله في تأخير (٦) اصطيادهم حكمةٌ عظيمة. وقال الله في شأن الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١٠ - ١١].

стр. 269

* وهكذا هذا العام؛ جاء العدوُّ من ناحيتي علوّ الشام، وشمالي (١) الفرات، وقِبْلي (٢) الفرات؛ فزاغت الأبصارُ زيغًا عظيمًا [ق ٥٨] وبلغت القلوب الحناجرَ لعظم البلاء، لاسيّما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر، وبِقُرْب (٣) العدوِّ، وتوجُّهه إلى دمشق، وظنَّ الناس بالله الظنون (٤): هذا يظنُّ أنه لا يقف قُدَّامهم أحد من جند الشام، حتى يصطلموا أهل الشام. وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم شرَّ كِسْرة، وأحاطوا بهم إحاطةَ الهالة بالقمر. وهذا يظنُّ أن أرض الشام ما بقيت تُسْكَن، ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام. وهذا يظن أنهم يأخذونها، ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها، فلا يقف قُدّامهم أحد، فيحدِّث نفسَه بالفرار إلى اليمن ونحوها. وهذا ــ إذا أحسن ظنَّه ــ قال: إنهم (٥) يملكونها العام، كما ملكوها عام هولاكو سنة سبع وخمسين. ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم، كما خرج ذلك العام. وهذا (٦) ظنُّ خيارِهم.

стр. 270

وهذا يظنّ أنَّ ما أخبره به أهل الأثارة (١) النبوية، وأهل التحديث والمبشِّرات أمانيّ كاذبة، وخرافات لاغية (٢). وهذا قد استولى عليه الرُّعب والفَزَع، حتى يمرُّ الظنُّ من فؤاده (٣) مرَّ السَّحاب (٤)، ليس له عقلٌ يتفهَّم ولا لسانٌ يتكلَّم. وهذا قد تعارَضَت عندَه الأمارات، وتقابلت عنده (٥) الإرادات، لاسيما وهو لا يفرِّق من المبشِّرات بين الصادق والكاذب، ولا يميّز في التحديث بين المخطئ والصائب، ولا يعرف النصوصَ الأثرية معرفة العلماء، بل إما أن يكون جاهلًا بها أو قد سمعها سماعَ الغبراء (٦). ثم قد لا يتفطَّن لوجوه دلالتها الخفيَّة، ولا يهتدي (٧) لدفع ما يتخيَّلُ أنه معارض لها في بادِئ (٨) الرويَّة. فلذلك استولت الحيرةُ على مَن كان مُتَّسِمًا بالاهتداء، وتراجمت به الآراءُ تراجمَ الصبيان بالحصباء= ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا

стр. 271

شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] ابتلاهم الله بهذا البلاء (١) الذي يُكَفِّر به خطيئاتهم (٢)، ويرفع به درجاتهم، وزُلْزِلوا بما حصل (٣) لهم من الرَّجَفات، ما استوجبوا به أعلى (٤) الدرجات. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: ١٢]. * وهكذا قالوا في هذه الفتنة فيما وعدهم أهل الوراثة النبوية، والخلافة الرِّسالية، وحزب الله المُحَدَّثون عنه، حتى حصل لهؤلاء التأسِّي برسول الله ﷺ ، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]. فأما المنافقون فقد مضى التنبيه عليهم. وأمّا الذين في قلوبهم مرض فقد تكرَّر ذكرُهم في هذه السورة، فذُكِروا هنا وفي قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ [الأحزاب: ٦٠]، وفي قوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. وذكر الله مرضَ القلب في مواضع، فقال تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ

стр. 272

فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]، وقال تعالى (١): ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ﴾ [الأنفال: ٤٩]. والمرض في القلب كالمرض في الجَسَد، فكما أنَّ هذا هو ما أحالَه (٢) عن الصِّحَّة والاعتدال من غير [موت، فكذلك قد يكون في القلب مرض يحيله عن الصحة والاعتدال من غير] (٣) أن يموت القلب، سواءٌ أفْسَد (٤) إحساسَ [ق ٥٩] القلبِ وإدراكَه، أو أفْسَد عملَه وحركَتَه. وذلك ــ كما فسّره هو (٥) ــ من ضعف الإيمان؛ إمّا يُضْعِف (٦) علم القلب واعتقاده، وإما يُضْعِف عملَه وحركته، فيدخل فيه مَنْ ضَعُفَ تصديقه ومَنْ غلب عليه الجُبْن والفزع، فإنَّ أدواء القلب؛ من الشهوة المحرَّمة والحسد والجبن والبخل وغير ذلك، كلها أمراض. وكذلك الجهل والشّكوك (٧) والشبهات التي فيه. وعلى هذا فقوله: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] هو إرادة الفجور، وشهوة الزنا ــ كما فُسِّرَ به (٨) ــ ومنه قولُ النبيِّ ﷺ : «وأيُّ داءٍ أدوى

стр. 273

من البُخل» (١)، وقد جعل الله كتابَه شفاءً لما في الصدور (٢). وقال النبيُّ ﷺ : «إنما شِفاءُ العِيِّ السؤال» (٣)، وكان يقول في دعائه: «اللهمَّ إني أعوذُ بك من منكرات الأخلاق والأهْواء والأدْواء» (٤). ولن يخاف الرجلُ غيرَ الله إلا لمرضٍ في قلبه، كما ذكروا أن رجلًا شكا إلى أحمد بن حنبل خَوفَه من بعض الوُلاة، فقال: لو صَحَحْتَ لم تخَفْ أحدًا (٥). أي: خوفُك من أجل زوال الصِّحة من قلبك. ولهذا (٦) أوجبَ الله على عباده أن لا يخافوا حِزْبَ الشيطان، بل لا يخافوا (٧) غيره، فقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. أي: يُخَوِّفكم أولياءَه.

стр. 274

وقال لِعموم بني إسرائيل تنبيهًا لنا: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]. وقال: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال (١): ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠]، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، وقالَ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، وقال: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ... ﴾ إلى قوله: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ [التوبة: ١٣]. فدلَّت هذه الآية، وهي (٢) قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الأنفال: ٤٩] على أنَّ المرضَ والنفاقَ في القلب يوجب الرَّيبَ في الأنْباءِ الصادقة التي توجِبُ أمْنَ (٣) الإنسانِ من الخوف، حتَّى يظنوا أنها كانت غُرورًا لهم، كما وقع في حادثتنا هذه سواء. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مَقَامَ (٤) لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾

стр. 275

[الأحزاب: ١٣]. وكان النبيُّ ﷺ قد عَسْكَرَ بالمسلمين عند سَلْعٍ، وجعل الخَنْدَق بينه وبين العدوِّ، فقالت طائفةٌ منهم: لا مَقَامَ لكم هنا لكثرة العدوِّ، فارجعوا إلى المدينة. وقيل: لا مَقام لكم على دين محمد فارجعوا [إلى دين الشرك وقيل: لا مَقام لكم على القتال] (١) فارجعوا إلى الاستيمان والاستجارة (٢) بهم. وهكذا لما قَدِمَ (٣) العدوُّ؛ مِنَ المنافقينَ مَنْ قال: ما بقيتِ الدَّولة الإسلامية تقوم، فينبغي الدُّخول في دولةِ التتار. وقال بعضُ الخاصَّة: ما بقيت أرضُ (٤) الشام تُسْكَنُ، بل ننتقل (٥) عنها إما إلى الحجاز واليمن، وإما إلى مصر. وقال بعضهم: بل المصلحةُ الاستسلام لهؤلاء، كما قد استسلم لهم أهلُ العراق، والدخولُ تحت حُكمهم. * فهذه [ق ٦٠] المقالات الثلاث قد قيلت في هذه النازلة، كما قيلت في تلك. وهكذا قال طائفة من المنافقين والذين في قلوبهم مرض لأهل دِمَشْق خاصَّة والشام عامَّة: لا مُقام لكم بهذه الأرض.

стр. 276

ونفي المَقام بها أبلغ من نفي المُقام، وإن كانت (١) قد قُرئت بالضَّمِّ أيضًا (٢). فإنَّ من لا (٣) يقدرُ أنْ يقومَ بالمكان فكيف يُقيم فيه (٤)؟ قال الله: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣]. كان قومٌ من هؤلاء المذمومين يقولون ــ والناسُ مع النبيِّ ﷺ عند سَلْع داخل الخندق، والنساء والصبيان في آطام المدينة ــ: يا رسول الله إنّ بيوتنا عورة، أي مكشوفة، ليس (٥) بينها وبين العدوّ حائل. وأصل العورة: الخالي الذي يحتاج إلى حفظ وسَتْر، يقال: اعورَّ مجلسك إذا ذهب ستره، أو سقط جداره. ومنه: عورة العدوّ. وقال مجاهد والحسن: أي ضائعة، نخشى (٦) عليها السُّرَّاق. وقال قتادة: قالوا: بيوتنا ممّا يلي العدوّ، ولا نأمن على أهلنا، فأذَنْ لنا لنذهب إليها (٧)، لحفظ النساء والصِّبيان (٨).

стр. 277

قال الله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾؛ لأنَّ الله يحفظها ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، فهم يقصدون الفرار من الجهاد، ويحتجُّون بحجَّة العائلة. * وهكذا أصاب كثيرًا من الناس في هذه الغَزاة، صاروا يفرُّون من الثغر إلى المعاقل والحصون، وإلى الأماكن البعيدة، كمصر، ويقولون: ما مقصودنا إلاّ حفظ العيال، وما يمكن إرسالهم مع غيرنا، وهم يكذبون في ذلك. فقد كان يمكنهم جعلهم في حِصْن دمشق لو دنا العدوُّ، كما فعل المسلمون على عهد رسول الله ﷺ . وقد كان يمكنهم إرسالهم والمقام للجهاد، فكيف بمن فرَّ بعد إرسال عياله (١)؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤]. فأخبر أنه لو دُخِلَت عليهم المدينة من جوانبها، ثم طُلِبَت منهم الفتنة ــ وهي الافتتان عن الدين بالكفر، أو (٢) النفاق ــ لأعطَوا الفتنةَ، ولجاءوها من غير توقُّف. * وهذه حالة (٣) أقوام لو دَخَل عليهم هذا العدوُّ المنافق المجرم، ثم طُلب منهم موافقته على ما هو عليه من الخروج عن شريعة الإسلام ــ وتلك فتنةٌ عظيمة ــ لكانوا معه على ذلك، كما ساعدهم (٤) في العام الماضي أقوام

стр. 278

بأنواعٍ من الفتنة في الدين والدنيا، ما بين ترك واجباتٍ، وفعل محرَّمات، إمّا في حقِّ الله، وإمّا (١) في حق العباد؛ كترك الصلاة، وشُرب الخمور، وسبِّ السَّلف، وسبِّ جنود المسلمين، والتجسُّس لهم على المسلمين، ودلالتهم على أموال المسلمين وحريمهم، وأخذ أموال الناس وتعذيبهم، وتقوية دولتهم الملعونة، وإرجاف قلوب المسلمين (٢) منهم، إلى غير ذلك من أنواع الفتنة. ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا (٣) عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥]. * وهذه حالة (٤) أقوام عاهدوا ثم نكثوا قديمًا وحديثًا في هذه [ق ٦١] الغزوة؛ فإنّ العام الماضي وفي هذا العام ــ في أوّل الأمر ــ مِنَ الناس (٥) من أصنافِ الناس مَنْ عاهد على أن يُقاتل ولا يفرَّ، ثم فرَّ منهزمًا لما اشتدّ الأمرُ. ثمَّ قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦]. فأخبر الله أنّ الفرار لا ينفع لا من (٦) الموت ولا من القتل، فالفرار

стр. 279

من الموت كالفرار من الطاعون، ولذلك (١) قال النبي ﷺ : «إذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» (٢). والفرارُ من القتل كالفرار من الجهاد. وحرف «لن» ينفي الفعل في الزمن المستقبل، والفعلُ نكرة، والنكرةُ في سياق النفي تعمُّ جميع أفرادها، فاقتضى ذلك: أنّ الفرار من الموت أو القتل ليس فيه منفعة (٣) أبدًا. وهذا خبر الله الصادق، فمن اعتقد أنّ ذلك منفعة فقد كذَّبَ الله في خبره. * والتَّجربة تدلُّ على مثل ما دلّ عليه القرآن، فإنَّ هؤلاء الذين فرُّوا في هذا العام لم ينفعهم فرارُهم، بل خسروا الدِّين والدنيا، وتفاوتوا في المصائب. والمرابطون الثابتون نفعهم ذلك في الدِّين والدنيا، حتَّى الموت الذي فرُّوا منه كَثُرَ فيهم، وقلَّ في المقيمين، فمات مع الهرب مَن شاء الله. والطالبون للعدوِّ والمعاقبون لهم لم يمت منهم أحد ولا قُتِل، قلَّ الموتُ جدًّا في البلد (٤) من حين خرج الفارُّون (٥). وهكذا سُنَّة الله قديمًا وحديثًا. ثم قال تعالى: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، يقول: لو كان الفرار ينفعكم لم ينفعكم إلا حياةً قليلة ثم تموتون، فإنّ الموت لا بُدَّ منه. وقد حُكِيَ عن بعض الحمقى أنَّه قال: فنحن نريد ذلك القليل!

стр. 280

وهذا جهلٌ منه بمعنى الآية، فإنّ الله لم يقل: إنّهم يُمتَّعون بالفرار قليلًا، لكن (١) ذكر أنه لا منفعة فيه أبدًا. ثم ذكر جوابًا ثانيًا: أنه لو كان ينفع لم يكن فيه إلا متاع قليل (٢). ثم إنّه ذكر جوابًا ثالثًا: وهو أنّ الفارَّ يأتيه ما قُضِي له من المضرَّة، ويأتي الثابت ما قُضِي له من المسرَّة، فقال: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧]. ونظيره قوله في سياق آيات الجهاد: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]. فمضمون الأمر: أنّ المنايا محتومة، فكم ممّن حضر الصفوف فسلم، وكم ممَّن (٣) فرَّ من المنيَّة فصادفته. كما قال خالد بن الوليد لمّا احْتُضِر: «لقد حضرتُ كذا وكذا صفًّا (٤)، وإنّ ببدني (٥) بضعًا وثمانين، ما بين ضَرْبة بسيف،

стр. 281

وطَعْنة برمح، ورَمْية بسهم. وهأنذا أموت (١) على فراشي كما يموت العَيْرُ (٢). فلا قرَّت أعينُ الجبناء» (٣). ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق [ق ٦٢] فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحدٌ قالوا له: ويحك، اجلس فلا تخرج. ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر: أنِ ائتونا بالمدينة فإنّا ننتظركم، يُثبِّطونهم عن القتال. وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بُدًّا، فيأتون العسكر ليرى الناسُ وجوهَهم، فإذا غُفِلَ عنهم عادوا إلى المدينة. فانصرف بعضهم من عند النبي ﷺ ، فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ، فقال له (٤): أنت ههنا، ورسول الله ﷺ بين الرماح والسيوف؟ ! فقال: هلُمَّ إليَّ، فقد أُحيط بك وبصاحبك. فوصف المثبِّطين (٥) عن الجهاد وهم صنفان؛ لأنّهم إمّا أن (٦) يكونوا في بلد الغُزاة أو في غيره، فإن كانوا فيه عَوَّقوهم عن الجهاد بالقول أو بالعمل أو

стр. 282

بهما. وإن كانوا في غيره راسلوهم و (١) كاتبوهم بأن يخرجوا إليهم من بلد الغُزاة؛ ليكونوا معهم بالحصون أو بالبُعد، كما جرى في هذه الغزاة. فإنَّ أقوامًا في العسكر والمدينة وغيرهما (٢) صاروا يُعوِّقون من أراد الغزو، وأقوامًا بعثوا من المعاقل والحصون أو غيرها إلى إخوانهم: هلُمَّ إلينا. قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. أي: بخلًا (٣) عليكم بالقتال معكم، والنفقة في سبيل الله. وقالوا: بخلًا عليكم بالخير والظَّفَر والغنيمة (٤). وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله، أو شحَّ عليهم بفضل الله؛ من نَصْره ورزقه الذي يُجريه بفعل غيره. فإنَّ أقوامًا يَشُحُّون بمعروفهم، وأقوامًا يشُحُّون بمعروف الله وفضله، وهم الحُسَّاد. ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] من شدة الرُّعب الذي في قلوبهم يُشْبِهون المُغْمى عليه وقت النّزْع، فإنَّه يخاف ويذهل عقله، ويَشْخَص بصره ولا يَطْرِف، فكذلك هؤلاء؛ لأنّهم يخافون القتل. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾.

стр. 283

ويقال في اللغة: «صلقوكم» وهو رفع الصوت بالكلام المؤذي. ومنه: «الصالقة» وهي التي ترفع صوتها بالمصيبة. يقال: سَلَقه، وصَلَقه (١) ــ وقد قرأ طائفة من السَّلف بها، لكنها خارجةٌ عن المصحف (٢) ــ إذا خاطبه خطابًا شديدًا قويًّا. ويقال: «خطيب مِسْلاق»، إذا كان بليغًا في خطبته. لكنَّ الشدَّة هنا في الشرِّ لا في الخير، كما قال: ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾. وهذا السَّلق بالألسنة الحادّة (٣) يكون بوجوه: تارةً يقول المنافقون للمؤمنين (٤): هذا الذي جرى علينا بشؤمكم، فإنّكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين وقاتلتم عليه وخالفتموهم. فإنَّ هذه (٥) مقالةُ المنافقين للمؤمنين من الصحابة. وتارةً يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمُقام هنا، والثبات بهذا بالثَّغْر إلى هذا الوقت، وإلاّ فلو كنَّا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا. وتارة يقولون: أنتم مع قِلَّتكم وضَعْفكم تريدون أن تكسروا العدوَّ، وقد غرَّكم دينكم، كما قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ [ق ٦٣] دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩].

стр. 284

وتارةً يقولون: أنتم مجانين لا عقل لكم! تريدون أن تُهلِكُوا أنفسكم والناسَ معكم. وتارةً يقولون أنواعًا من الكلام المؤذي الشديد، وهم مع ذلك أشحَّةٌ على الخير، أي: حِراص على الغنيمة والمال الذي قد حصل لكم. قال قتادة: إذا (١) كان وقت قِسْمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم، يقولون: أعطونا، فلستم بأحقَّ بها منَّا. فأمَّا عند البأس (٢) فأجْبَنُ قومٍ وأخذلهم للحقّ. وأما عند الغنيمة فأشحُّ قومٍ. وقيل: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: بُخلاء به، لا ينفعون، لا بنفوسهم ولا بأموالهم. وأصلُ الشُّحِّ: شدّة الحرص الذي يتولَّد عنه البخل والظلم؛ من مَنْع الحقِّ، وأخذ الباطل، كما قال النبي ﷺ : «إيّاكم والشحَّ، فإنَّه (٣) أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبُخل فبَخِلوا، وأمرهم بالظُّلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» (٤). فهؤلاء أشحَّاءُ على إخوانهم، أي: بُخلاءُ عليهم، وأشحَّاءُ على الخير،

стр. 285

أي: حِراصٌ عليه فلا يُنْفقونه، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. ثم (١) قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠]. فوصفهم بثلاثة (٢) أوصاف: الأول (٣): أنَّهم لِفَرْطِ خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد، وهذه حالُ الجَبان الَّذي في قلبه مَرض، فإنَّ قلبَه يُبادرُ (٤) إلى تصديق الخبر الَمخُوف، وتكذيبِ خبر الأمْن. الوصف الثاني: أنَّ الأحزابَ إذا جاءوا تَمنّوا أن لا يكونوا بينكم، بل يكونون في البادية بين الأعراب، يسألون عن أنبائكم: أيْشٍ خَبَرُ المدينة؟ وأيْشٍ جرى للناس؟ والوصف الثالث: أن الأحزابَ إذا أتوا وهم فيكم، لم يقاتلوا إلا قليلًا. * وهذه الصفات الثلاث منطبقةٌ على كثير من الناس في هذه الغزوة، كما يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه (٥) منهم مَنْ خَبَرَهم.
следующие страницы →