← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وطَعْنة برمح، ورَمْية بسهم. وهأنذا أموت (١) على فراشي كما يموت العَيْرُ (٢). فلا قرَّت أعينُ الجبناء» (٣). ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨]. قال العلماء: كان من المنافقين من يرجع من الخندق [ق ٦٢] فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحدٌ قالوا له: ويحك، اجلس فلا تخرج. ويكتبون بذلك إلى إخوانهم الذين بالعسكر: أنِ ائتونا بالمدينة فإنّا ننتظركم، يُثبِّطونهم عن القتال. وكانوا لا يأتون العسكر إلا أن لا يجدوا بُدًّا، فيأتون العسكر ليرى الناسُ وجوهَهم، فإذا غُفِلَ عنهم عادوا إلى المدينة. فانصرف بعضهم من عند النبي ﷺ ، فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ، فقال له (٤): أنت ههنا، ورسول الله ﷺ بين الرماح والسيوف؟ ! فقال: هلُمَّ إليَّ، فقد أُحيط بك وبصاحبك. فوصف المثبِّطين (٥) عن الجهاد وهم صنفان؛ لأنّهم إمّا أن (٦) يكونوا في بلد الغُزاة أو في غيره، فإن كانوا فيه عَوَّقوهم عن الجهاد بالقول أو بالعمل أو

стр. 282

بهما. وإن كانوا في غيره راسلوهم و (١) كاتبوهم بأن يخرجوا إليهم من بلد الغُزاة؛ ليكونوا معهم بالحصون أو بالبُعد، كما جرى في هذه الغزاة. فإنَّ أقوامًا في العسكر والمدينة وغيرهما (٢) صاروا يُعوِّقون من أراد الغزو، وأقوامًا بعثوا من المعاقل والحصون أو غيرها إلى إخوانهم: هلُمَّ إلينا. قال الله تعالى فيهم: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾. أي: بخلًا (٣) عليكم بالقتال معكم، والنفقة في سبيل الله. وقالوا: بخلًا عليكم بالخير والظَّفَر والغنيمة (٤). وهذه حال من بخل على المؤمنين بنفسه وماله، أو شحَّ عليهم بفضل الله؛ من نَصْره ورزقه الذي يُجريه بفعل غيره. فإنَّ أقوامًا يَشُحُّون بمعروفهم، وأقوامًا يشُحُّون بمعروف الله وفضله، وهم الحُسَّاد. ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] من شدة الرُّعب الذي في قلوبهم يُشْبِهون المُغْمى عليه وقت النّزْع، فإنَّه يخاف ويذهل عقله، ويَشْخَص بصره ولا يَطْرِف، فكذلك هؤلاء؛ لأنّهم يخافون القتل. ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾.

стр. 283

ويقال في اللغة: «صلقوكم» وهو رفع الصوت بالكلام المؤذي. ومنه: «الصالقة» وهي التي ترفع صوتها بالمصيبة. يقال: سَلَقه، وصَلَقه (١) ــ وقد قرأ طائفة من السَّلف بها، لكنها خارجةٌ عن المصحف (٢) ــ إذا خاطبه خطابًا شديدًا قويًّا. ويقال: «خطيب مِسْلاق»، إذا كان بليغًا في خطبته. لكنَّ الشدَّة هنا في الشرِّ لا في الخير، كما قال: ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾. وهذا السَّلق بالألسنة الحادّة (٣) يكون بوجوه: تارةً يقول المنافقون للمؤمنين (٤): هذا الذي جرى علينا بشؤمكم، فإنّكم أنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين وقاتلتم عليه وخالفتموهم. فإنَّ هذه (٥) مقالةُ المنافقين للمؤمنين من الصحابة. وتارةً يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمُقام هنا، والثبات بهذا بالثَّغْر إلى هذا الوقت، وإلاّ فلو كنَّا سافرنا قبل هذا لما أصابنا هذا. وتارة يقولون: أنتم مع قِلَّتكم وضَعْفكم تريدون أن تكسروا العدوَّ، وقد غرَّكم دينكم، كما قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ [ق ٦٣] دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٤٩].

стр. 284

وتارةً يقولون: أنتم مجانين لا عقل لكم! تريدون أن تُهلِكُوا أنفسكم والناسَ معكم. وتارةً يقولون أنواعًا من الكلام المؤذي الشديد، وهم مع ذلك أشحَّةٌ على الخير، أي: حِراص على الغنيمة والمال الذي قد حصل لكم. قال قتادة: إذا (١) كان وقت قِسْمة الغنيمة، بسطوا ألسنتهم فيكم، يقولون: أعطونا، فلستم بأحقَّ بها منَّا. فأمَّا عند البأس (٢) فأجْبَنُ قومٍ وأخذلهم للحقّ. وأما عند الغنيمة فأشحُّ قومٍ. وقيل: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: بُخلاء به، لا ينفعون، لا بنفوسهم ولا بأموالهم. وأصلُ الشُّحِّ: شدّة الحرص الذي يتولَّد عنه البخل والظلم؛ من مَنْع الحقِّ، وأخذ الباطل، كما قال النبي ﷺ : «إيّاكم والشحَّ، فإنَّه (٣) أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبُخل فبَخِلوا، وأمرهم بالظُّلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا» (٤). فهؤلاء أشحَّاءُ على إخوانهم، أي: بُخلاءُ عليهم، وأشحَّاءُ على الخير،

стр. 285

أي: حِراصٌ عليه فلا يُنْفقونه، كما قال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. ثم (١) قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٠]. فوصفهم بثلاثة (٢) أوصاف: الأول (٣): أنَّهم لِفَرْطِ خوفهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد، وهذه حالُ الجَبان الَّذي في قلبه مَرض، فإنَّ قلبَه يُبادرُ (٤) إلى تصديق الخبر الَمخُوف، وتكذيبِ خبر الأمْن. الوصف الثاني: أنَّ الأحزابَ إذا جاءوا تَمنّوا أن لا يكونوا بينكم، بل يكونون في البادية بين الأعراب، يسألون عن أنبائكم: أيْشٍ خَبَرُ المدينة؟ وأيْشٍ جرى للناس؟ والوصف الثالث: أن الأحزابَ إذا أتوا وهم فيكم، لم يقاتلوا إلا قليلًا. * وهذه الصفات الثلاث منطبقةٌ على كثير من الناس في هذه الغزوة، كما يعرفونه من أنفسهم، ويعرفه (٥) منهم مَنْ خَبَرَهم.

стр. 286

ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. فأخبر ــ سبحانه ــ أنَّ الذين يُبتلون بالعدوِّ، كما ابْتُلِي به (١) رسول الله ﷺ ، فلهم فيه إِسْوة حسنة، حيث أصابهم مثل ما أصابه، فليتأسَّوا به في التوكُّل والصَّبر، ولا يظنُّوا أنّ هذه المصائب نقمة لصاحبها (٢) وإهانة له، فإنه لو كان كذلك ما ابتُلِي بها خير الخلائق، بل بها تُنالُ الدَّرجات العالية، وبها يُكَفِّرُ الله الخطايا لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا. وإلاّ فقد ابتُليَ بذلك من ليس كذلك، فيكون في حقِّه عذابًا، كالكفار والمنافقين. ثمّ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]. قال العلماء: كان الله قد أنزل في [ق ٦٤] سورة البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]. فبيّن الله سبحانه ــ منكرًا على من حَسِب خلاف ذلك ــ أنّهم لا يدخلون الجنّة إلاّ بعد أن يُبتلوا مثل هذه الأمم قبلهم بـ «البأساء» وهي الحاجة والفاقة؛ و «الضراء» وهي الوجع والمرض، و «الزلزال» وهي زلزلة العدوّ.

стр. 287

فلمّا جاء الأحزابُ عام الخندق فرأوهم (١) قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وعلموا أنَّ الله قد ابتلاهم بالزلزال. وأتاهم مَثَل الذين من قبلهم، وما زادهم إلّا إيمانًا وتسليمًا لحكم الله وأمره. * وهذا حالُ أقوامٍ في هذه الغزوة قالوا ذلك. وكذلك قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]. أي: عهده الذي عاهد الله عليه، فقاتل حتى قُتِل أو عاش. «والنَّحبُ»: النَّذرُ والعهد ــ وأصله من النَّحِيْب (٢)، وهو الصوت. ومنه: الانتحاب في البكاء ــ وهو الصوت الذي تكلَّم به في العهد. ثمّ لمّا كان عهدهم هو نَذْر (٣) الصِّدق في اللقاء ــ ومن صَدَق في الِّلقاء فقد يُقتَل ــ صار يُفْهَمُ من قوله: ﴿قَضَى نَحْبَهُ﴾ أنه استُشْهِد، لاسيّما إذا كان النَّحْب (٤) نَذْر الصّدق في جميع المواطن، فإنَّه لا يقضيه إلّا بالموت. وقضاءُ النَّحْب هو الوفاء بالعهد، كما قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: أكمل الوفاء، وذلك لمن

стр. 288

كان عهده مطلقًا بالموت أو القتل. ومنهم من ينتظر قضاءه إذا كان قد وفَّى البعضَ. فهو ينتظر إتمام (١) العهد. وأصل القضاء: الإكمال والإتمام (٢). ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤]. بيّن الله ــ ــ أنّه أتى بالأحزاب ليجزي (٣) الصادقين بصدقهم، حيثُ صدقوا في إيمانهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]. فحصر الإيمان في المؤمنين المجاهدين، وأخبر أنهم هم الصادقون في قولهم: آمنَّا. لا كما (٤) قالت الأعراب: (آمنّا)، والإيمانُ لم يدخل في قلوبهم، بل انقادوا واستسلموا. وأمّا المنافقون فهم بين أمرين: إما أن يعذِّبهم، وإمّا أن يتوب عليهم. فهذا حالُ الناس في الخندق وفي هذه الغزاة (٥).

стр. 289

وأيضًا: فإنَّ الله ابتلى الناس بهذه الفتنة؛ ليجزي الصادقين بصدقهم، وهم الثابتون (١) الصابرون، لينصروا الله ورسوله، ويعذِّب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم. ونحن نرجو من الله أن يتوب على خلقٍ كثير من هؤلاء المذمومين (٢)، فإنّ منهم من ندم، والله سبحانه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد «فتح الله للتوبة بابًا من قِبَل المغرب عرضُه أربعون سنةً، لا يُغلقه حتى تطلع الشمس من قِبَله» (٣). وقد ذكر [ق ٦٥] أهل المغازي ــ منهم ابن إسحاق ــ أنّ النّبي ﷺ قال في الخندق: «الآن نغزوهم ولا يغزونا» (٤) فما غزت (٥) قريشٌ ولا غطفانُ ولا اليهودُ المسلمين بعدها، بل غزاهم المسلمون ففتحوا (٦) خيبر، ثم فتحوا مكة. كذلك إن شاء الله هؤلاء الأحزابُ من المُغْلِ وأصناف التُّرْك، ومن الفُرس، والمُستَعْرِبة، والنصارى، ونحوهم من أصناف الخارجين عن شريعة

стр. 290

الإسلام = الآن نغزوهم ولا يغزونا. ويتوب الله على من يشاء (١) من المسلمين، الذين خالط قلوبَهم مرضٌ أو نفاق، بأن يُنيبوا إلى ربهم ويحسن ظنُّهم في الإسلام، وتقوى عزيمتهم على جهاد عدوِّهم. فقد أراهم الله من (٢) الآيات ما فيه عبرةٌ لأُولي الأبصار، كما قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥]. فإنّ الله صَرَف الأحزابَ عام الخندق بما أرسل عليهم من ريح الصَّبا ــ ريحٍ شديدةٍ باردةٍ ــ وبما فرَّق به بين قلوبهم، حتَّى شَتَّت شَمْلهم، ولم ينالوا خيرًا، إذ كان هِمّتُهم فتح المدينة والاستيلاء على الرسول والصحابة، كما كان همة هذا العدوِّ فتح الشَّام والاستيلاء على من بها من المؤمنين= فرَدَّهم الله بغيظهم، حيث أصابهم من الثَّلج العظيم، والبرد الشديد، والرِّيح العاصف، والجزع (٣) المزعج، ما الله به عليم. وقد كان بعض الناس يكره تلك الثلوج والأمطار العظيمة التي وقعت في هذا العام، حتَّى طلبوا الاستصحاء غير مرَّة، وكنا نقول لهم: هذا فيه خِيْرَةٌ عظيمة، وفيه لله حكمة وسرٌّ فلا تكرهوه، وكان (٤) من حكمته أنه ــ فيما قيل ــ أصاب غازان وجنودَه حتّى أهلكهم. وهو كان ــ فيما قيل ــ سبب رحيلهم،

стр. 291

وابتلي به المسلمون ليتبين من يصبر على أمر الله وحكمه (١) ممّن يفرّ عن طاعته وجهاد عدوِّه. وكان مبدأُ رحيل غازان فيمن معه من أرض الشام وأراضي (٢) حلب يوم الاثنين، حادي عشر جمادى الأولى، يوم دخلت مصر (٣) واجتمعت بالسلطان وأمراء المسلمين، وألقى الله في قلوبهم من الاهتمام بالجهاد ما ألقاه، فلمّا ثبَّت الله قلوبَ المسلمين صرف العدوَّ، جزاءً ومنَّةً (٤)، وبيانًا أنّ النية الخالصة والهمَّة الصَّادقة ينصر الله بها، وإن لم يقع الفعل، وإن تباعدت الدِّيار. وذكر أنَّ الله تعالى فرَّق بين قلوب هؤلاء المُغْل والكرْج وألقى بينهم تباغضًا وتعاديًا، كما ألقى سبحانه عام الأحزاب بين قريش وغطفان، وبين اليهود. كما ذكر ذلك أهل المغازي (٥). فإنّه لم (٦) يتَّسع هذا المكان لأنْ نَصِفَ فيه قصة الخندق، بل من طالعها علم صحة ذلك، كما (٧) ذكره أهل المغازي، مثل عروة بن الزبير، والزُّهريِّ، وموسى بن عُقبَة، وسعيد بن يحيى الأموي، ومحمد بن عائذ، ومحمد بن إسحاق، والواقدي، وغيرهم.

стр. 292

ثم تبقّى بالشام (١) بقايا، سار إليهم من عسكر دمشق أكثرهم، مضافًا إلى عسكر حماة وحلب، وما هنالك. وثبت المسلمون بإزائهم، وكانوا أكثر من المسلمين بكثير، لكن في ضعف شديد، وتقرّبوا [ق ٦٦] إلى حماة وأذلَّهم الله تعالى، فلم يَقْدموا على المسلمين قط، وصار من المسلمين من يريد الإقدام عليهم، فلم يوافقه غيره، فجرت مناوشات صغار، كما كان قد جرى (٢) في غزوة الخندق، حيث قَتَل عليُّ بن أبي طالب ــ ﵁ ــ فيها عَمْرو بن عبد وُدٍّ العامريَّ لما اقتحم الخندق هو ونفرٌ قليل من المشركين. كذلك صار يتقرَّبُ بعضُ العدوّ فيكسرهم المسلمون، مع كون العدوِّ المتقرِّب أضعافَ من قد يسري (٣) إليه من المسلمين، وما من مرّة إلا وقد كان المسلمون مستظهرين (٤)، وساق المسلمون خلفهم في آخر النوبات، فلم يدركوهم إلا عند عبور الفرات، وبعضهم في جزيرةٍ فيها، فرأوا أوائلَ المسلمين فهربوا منهم وخالطوهم، وأصاب المسلمون بعضَهم (٥). وكان عبورهم وخلوّ الشام منهم في أوائل رجب، بعد أن جرى ما بين عبور غازان أوَّلًا وهذا العبور رَجَفات ووَقَعات صغار، وعزمنا على الذهاب إلى حماة غير مرّة لأجل الغزاة، لمّا بلغنا أنّ المسلمين يريدون غَزْوَ الذين

стр. 293

بقوا، وثبت بإزائهم المقدَّم الذي بحماة ومن معه من العَسْكر، ومن أتاه من مَدَد (١) دمشق، وعزموا على لقائهم، ونالوا أجرًا عظيمًا. وقد قيل: إنهم كانوا عدة طمانات (٢)، إما ثلاثة، أو أربعة، وكان من المقدَّر أنه إذا عزم الأمر وصدق المؤمنون الله يُلْقِي في قلوب عدوِّهم الرُّعبَ فيهربون، لكن أصابوا من البُليدَات (٣) بالشَّمال مثل تيزين (٤)، والفُوعة، ومعرَّة مَصْرِين، وغيرها ما لم يكونوا وَطِئوه في العام الماضي. وقيل: إنَّ كثيرًا من تلك البلاد كان فيهم مَيلٌ إليهم بسبب الرَّفض، وأنَّ عند بعضهم قرابين (٥) منهم، لكن هؤلاء ظَلَمة، ومَنْ أعان ظالمًا بُلي به، والله تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٩]. وقد ظاهروهم (٦) على المسلمين: الذينَ كفروا من أهل الكتاب، من أهل سيس (٧) والإفرنج. فنحن نرجو من الله أن يُنْزِلَهم من صياصيهم ــ وهي

стр. 294

الحصون، ويقال للقرون: الصياصي ــ ويقذفَ في (١) قلوبَهم الرُّعبَ، وقد فعل. ويفتح (٢) الله تلك البلاد، ونغزوهم إن شاء الله تعالى، فَنَفْتَح (٣) أرض العراق وغيرها، وتعلو كلمةُ الله ويظهر دينُه. فإنّ هذه الحادثة كان فيها أمورٌ عظيمة جازت حدَّ القياس. وخَرَجت عن سَنَن العادة، وظهر لكلِّ ذي عقلٍ من تأييد الله لهذا الدين، وعنايته بهذه (٤) الأمة، وحفظه للأرض (٥) التي بارك فيها للعالمين، بعد أن كاد الإسلام أن (٦)،

стр. 295

وكرَّ (١) العدوُّ كرَّةً فلم يَلْوِ عن، وخُذِلَ الناصرون فلم يلووا على، وتحيَّر السائرون فلم يدروا مِنْ ولا إلى، وانقطعت الأسبابُ الظاهرة، وأهطعت الأحزابُ القاهرة، وانصرفت الفئةُ الناصرة، وتخاذلت القلوب المتناصرة، وثبتت الفئة الصابرة، وأيقنت (٢) بالنصر القلوبُ الطاهرة، واستنجزت من الله وعدَه للعصابة (٣) المنصورة الظاهرة. ففتحَ الله أبوابَ سماواته لجنوده القاهرة، وأظهر على الحقّ آياته الباهرة، وأقام عمود الكتاب بعد ميله. وثبّت لواء الدين بقوّته وحوله، وأرغم معاطس أهل الكفر [ق ٦٧] والنفاق، وجعل ذلك آيةً للمؤمنين إلى يوم التلاق. فالله تعالى يُتمُّ هذه النعمة بجمع قلوب أهل الإيمان على جهاد أهل الطُّغْيان، ويجعل هذه المِنَّة الجسيمة مَبْدأً لكلِّ منحةٍ كريمة، وأساسًا (٤) لإقامةِ الدعوة النبوية القويمة، ويشفي صدور المؤمنين من أعدائهم (٥)، ويمكِّنهم من دانيهم وقاصيهم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على (٦) محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا (٧).

стр. 296

قال الشيخ (١) ﵀: كتبتُ أوّل هذا الكتاب بعد رحيل قازان وجنوده، لما رجعت من مصر في جمادى الآخرة، وأشاعوا أنه لم يبق منهم أحد، ثمّ لما بقيت تلك الطائفة اشتغلنا بالاهتمام بجهادهم، وقصد الذهاب إلى إخواننا بحماة، وتحريض الأمراء على ذلك، حتّى جاءنا الخبرُ بانصراف المتبقين منهم، فكملته في رجب (٢). *** قلتُ: وفي أول شهر رمضان من سنة اثنتين وسبعمائة كانت وقعة شَقْحَب (٣) المشهورة، وحصل للناس شدَّة عظيمةٌ، وظهر فيها من كرامات الشيخ، وإجابة دعائه، وعظيم جهاده، وقوّة إيمانه، وفَرْطِ (٤) نصحه للإسلام، وفرط شجاعته، ونهاية كرمه، وغير ذلك من صفاته= ما يفوق النعت، ويتجاوز الوصف. ولقد قرأتُ بخطِّ بعض أصحابه ــ وقد ذكر هذه الوَقْعة (٥)، وكثرة من حَضَرها من جيوش المسلمين ــ قال: واتفقت كلمة إجماعهم على تعظيم الشيخ تقيّ الدين ومحبته، وسماع كلامه ونصيحته، واتّعظوا بمواعظه، وسأله بعضُهم مسائل في أمر الدِّين، ولم يبق من ملوك الشام تركيٌّ ولا عربيٌّ إلا

стр. 297

واجتمع بالشيخ في تلك المدّة (١)، واعتقد خيرَه وصلاحَه ونصحَه لله ولرسوله وللمؤمنين. قال: ثم ساق الله ــ سبحانه ــ جيش الإسلام العَرَمْرَم المصريِّ، صحبةَ أمير المؤمنين والسلطان الملك الناصر، وولاة الأمر (٢)، وزعماء الجيش، وعظماء المملكة، والأمراء المصريين عن آخرهم، بجيوش الإسلام= سَوقًا حثيثًا للقاء التتار المخذولين، فاجتمع الشيخ المذكور بالخليفة والسلطان، وأرباب الحلِّ والعقد، وأعيان الأُمراء عن آخرهم (٣). وكلُّهم (٤) بمَرْجِ الصُّفَّر قِبْليَّ دمشق المحروسة، وبينهم وبين التتار أقل من مقدار ثلاث ساعات مسافةً. ودار بين الشيخ المذكور وبينهم ما دار بينه وبين الشاميين، وكان منهم وبينهم كأحد (٥) أعيانهم. واتفق له من اجتماعهم مالم يتفق لأحد قبله من أبناء جنسه، حيث اجتمعوا بجملتهم في مكانٍ واحدٍ في يومٍ واحد، على أمرٍ جامعٍ لهم وله، مهمٍّ عظيمٍ يحتاجون (٦) فيه إلى سماع كلامه. هذا توفيقٌ عظيم كان من الله تعالى له، لم يتفق لمثله.

стр. 298

وبقي الشيخ المذكور هو وأخوه وأصحابه ومن معه من الغزاة قائمًا بظهوره وجهاده ولأْمَةِ حَرْبه، يوصي الناس بالثبات، ويَعِدُهم النصرَ (١)، ويُبشِّرهم بالغنيمة والفوز بإحدى الحُسنيين، إلى أن صدق الله وعدَه، وأعزَّ جندَه، وهزمَ التتارَ وحدَه، ونصر المؤمنين، وهُزِمَ الجمعُ وولَّوا الدُّبر، وكانت (٢) كلمة الله العُليا، وكلمة الكفار السُّفلى، وقُطِع دابرُ [ق ٦٨] القوم الكفار، والحمد لله ربِّ العالمين. ودخل جيشُ الإسلام المنصور إلى دمشق المحروسة، والشّيخُ في أصحابه شاكًّا (٣) في سلاحه، داخلًا معهم، عاليةً كلمتُهُ، قائمةً حُجَّتُه، ظاهرةً ولايتُه، مقبولةً شفاعتُه، مجابةً دعوتُه، مُلْتَمَسَةً بركتُه، مُكرَّمًا مُعَظّمًا، ذا سلطانٍ وكلمةٍ نافذةٍ. وهو مع ذلك يقول للمدّاحين (٤) له: أنا رجلُ مِلَّةٍ، لا رجُلُ دولةٍ. ولقد أخبرني حاجبٌ من الحُجّاب الشاميين، أميرٌ من أمرائهم، ذو دينٍ متين، وصدق لهجةٍ، معروفٌ في الدولة قال: قال لي الشيخ يوم اللقاء، ونحن بمَرْج الصُّفَّر، وقد تراءى الجمعان: يا فلان الدِّين (٥)، أوقِفْني موقفَ (٦) الموت.

стр. 299

قال: فسُقْتُه إلى مقابلة العدوّ، وهم مُتحدّرون (١) كالسّيل، تلوحُ أسلحتُهم (٢) من تحت الغبار المنعقد عليهم. ثم قلت له: يا سيدي! هذا موقف الموت، وهذا العدوّ قد أقبل تحت هذه الغَبَرة المنعقدة، فدونك وما تريد. قال: فرفع طَرْفَه إلى السماء، وأشخصَ بصرَه (٣)، وحرّك شفتيه طويلًا، ثم انبعثَ وأقدم على القتال. وأما أنا فخُيِّل إليَّ (٤) أنّه دعا عليهم، وأنّ دعاءه استُجيب منه في تلك الساعة. قال: ثم أحال (٥) القتال بيننا والالتحام، وما عدتُ رأيتُه، حتى فتح الله ونصر، وانحاز التتار إلى جبل صغير، عصموا نفوسهم به من سيوف المسلمين تلك الساعة، وكان آخر النهار. قال: وإذا أنا بالشيخ وأخيه يصيحان بأعلى صوتيهما، تحريضًا على القتال، وتخويفًا للناس من الفرار. فقلت له: يا سيدي! لك البشارةُ بالنصر، فإنّه قد فتح الله ونصر، وهاهم التتار محصورون بهذا السّفْح، وفي غدٍ ــ إن شاء الله ــ يُؤخَذون عن آخرهم.

стр. 300

قال: فحمد الله تعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ودعا لي في ذلك الموطن دعاءً (١) وجدت بركته في ذلك الوقت وبعده. هذا (٢) كلام الأمير الحاجب. قال (٣): ثمّ لم يزل الشيخ بعد ذلك على زيادةٍ في الحال والقال والجاه، والتعمُّق (٤) والتحقيق في العلم والعرفان، حتّى حرَّك الله عَزَمات نفوس ولاةِ الأمر لقتال أهل جبل كسروان. وهم الذين بَغَوا وخرجوا على الإمام، وأخافوا السَّبيل (٥)، وعارضوا المارّين بهم من الجيش بكلِّ سوء. فقام الشيخ في ذلك أتمّ قيام (٦)، وكتبَ إلى أطراف الشام في الحثّ على قتال المذكورين، وأنها غَزاةٌ في سبيل الله. ثم تجهّز هو بمن (٧) معه لغزوهم بالجبل، صُحْبَةَ وليّ الأمر نائب المملكة (٨) المعظّمة ــ أعزّ الله نصره ــ والجيوش الشامية المنصورة، وما زال

стр. 301

مع وليِّ الأمر في حصارهم وقتالهم، حتّى فتح الله الجبل وأجلى أهله. وكان من أصعب الجبال مسلكًا، وأشقِّها (١) ساحة. وكانت الملوكُ المتقدِّمة لا تُقْدِم على حصاره، مع علمها بما أهله عليه من البغي والخروج على الإمام والعصيان (٢)، وليس إلاّ لصعوبة المسلك، ومشقّة النزول عليهم. وكذلك لما حاصرهم بَيْدَرَا (٣) بالجيش رحلَ عنهم، ولم ينل منهم (٤) منالًا، لذلك السبب ولغيره، وذلك عقيب [ق ٦٩] فتح قلعة الروم، ففتحه (٥) الله على يدي وليّ الأمر، نائب الشام المحروس ــ أعزّ الله نصره ــ. وكان فتحُه أحدَ المكرمات والكرامات المعدودة (٦) بسببين (٧) ــ على ما يقوله الناس ــ: أحدهما: لكون أهل هذا الجَبَل بُغاةً رافضة (٨) سبّابة، تَعَيّن قتالُهم.

стр. 302

والثاني: لأنّ أهل (١) جبل الصالحية لمّا استولت الرافضةُ عليه (٢) ــ في حال استيلاء الطاغية غازان ــ أشار بعض كُبرائهم بنهب الجبل، وسَبْي أهله وقَتْلهم وحَرْق (٣) مساكنهم، انتقامًا منهم لكونهم سُنّة، وسمّاهم ذلك المُشير: نواصب (٤). فكان (٥) ما كان من أمر جبل الصالحية بذلك القول، وتلك الإشارة. قالوا: فكوفئ الرافضةُ بمثل ذلك، بإشارةِ كبير من كبراء أهل السنة، وزنًا بوزنٍ، جزاءً على يد وليِّ الأمر وجيوش الإسلام، والمشير المذكور هو (٦) الشيخُ المشارُ إليه. ولمّا فُتِحَ الجبلُ، وصار الجيشُ بعد الفتح إلى دمشق المحروسة، عكف خاصُّ الناس وعامُّهم على الشيخ بالزيارة له، والتسليم له (٧)، والتهنئة بسلامته، والمسألة له منهم عن كيفية الحِصار للجبل، وصورة قتالِ أهله، وعمّا وقع بينهم وبين الجيش من المراسلات وغيرها؟ فحكى الشيخ ذلك.

стр. 303

وحكى أيضًا أنّه تجادل معه (١) كبيرٌ من كبراءِ أهلِ جبل كسروان، له (٢) اطلاع على مذهب الرافضة. قال: وكان الجدلُ والبحثُ في عصمة الإمام وعدم عصمته، وفي أنّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب ــ ﵁ ــ معصومٌ من الكبائر والصغائر (٣)، في كلِّ قولٍ وفعل ــ هذه (٤) دعوى الجَبَلي ــ وأنَّ الشيخَ حاجَّه في أنَّ العصمة لم تثبُت إلاّ للأنبياء ــ ﵈ ــ. قال: وإنّني قلتُ له: إنَّ عليًّا وعبدالله بن مسعود اختلفا في مسائل وقعت، وفتاوى أفتيا (٥) بها، وأنّ تلك الفتاوى والمسائل عُرضت على النبي ﷺ ، فصوَّب فيها قولَ ابنِ مسعود ــ ﵁ ــ. هذا معنى كلام الشيخ في حديثه عن المجادلة مع الرافضيِّ الجبليِّ، وإن اختلفت العبارة. انتهى ما ذكره. وكان توجُّه الشيخِ تقيِّ الدِّين إلى الكسروانيين في مُسْتَهَلِّ ذي الحجة من سنة أربعٍ وسبعمائة، وصحبته الأمير قراقوش (٦)، وتوجَّه نائبُ السلطنة

стр. 304

الأميرُ جمالُ الدين الأفرم بمن تأخَّر من عسكر دمشق إليهم، لغزوهم واستئصالهم في ثاني شهر المحرَّم من سنة خمسٍ وسبعمائة (١). وكان قد توجّه قبله العَسْكَرُ، طائفة بعد طائفة في ذي الحجة. في (٢) يوم الخميس سابع عشر صَفَر (٣) وصَلَ النائبُ والعسكرُ معه إلى دمشق، بعد أن نصرهم الله على حزب الضُّلَاّل من الروافض والنُّصَيرية وأصحاب العقائد الفاسدة، وأبادهم اللهُ من تلكَ الأرض، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

стр. 305

[رسالة الشيخ إلى الملك الناصر] (١) ثمّ إنّ الشيخ ــ ﵀ ــ بعد وقعة جبل كسروان أرسل رسالة إلى السلطان الملك الناصر، يذكر فيها ما أنعم الله على السلطان وعلى أهل الإسلام، بسبب فتوح الجبل المذكور. وهي هذه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من الداعي أحمد ابن تيمية إلى سلطان المسلمين، ومن أيّد الله في دولته الدين، وأعزّ (٢) بها عباده المؤمنين، وقمع فيها الكفار والمنافقين والخوارج المارقين، نصره الله ونصر به الإسلام، وأصلح له وبه أمور الخاص والعام، وأحيا به معالم الإيمان، وأقام به شرائع القرآن، وأذلّ به أهل الكفر والفسوق والعصيان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فإنّا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلّ شيء قدير. ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. أمّا بعد، فقد صدق الله وعده، ونصر عبدَه، وأعزَّ جُندَه، وهزم الأحزابَ

стр. 306

وحده. وأنعم الله على السلطان، وعلى المؤمنين في دولته نعمًا لم تُعهد في القرون الخالية. وجُدِّد الإسلام في أيامه تجديدًا بانت فضيلته على الدول الماضية. وتحقّق في ولايته خبر الصادق المصدوق، أفضل الأولين والآخرين، الذي أخبر فيه عن تجديد الدين في رؤوس المئين، والله تعالى يُوزِعُهُ والمسلمين شكر هذه النعم العظيمة في الدنيا والدين، ويُتِمُّها بتمام النصر على سائر الأعداء المارقين. وذلك أنّ السلطان ــ أتمَّ الله نعمته ــ حصل للأمة بيُمنِ ولايته وحُسْن نيته، وصحة إسلامه وعقيدته، وبركة إيمانه ومعرفته، وفضل همته، وشجاعته، وثمرة تعظيمه للدّين وشرعته، ونتيجة اتباعه لكتاب الله وحكمته = ما هو شبيه بما كان يجري في أيام الخلفاء الراشدين وما كان يقصده أكابر الأئمة العادلين، من جهاد أعداء الله المارقين من الدين، وهم صنفان: أهل الفجور والطغيان، وذوو الغَيِّ والعدوان، الخارجون عن شرائع الإيمان، طلبًا للعلوّ في الأرض والفساد، وتركًا لسبيل الهدى والرشاد. وهؤلاء هم التتار، ونحوهم من كل خارج عن شرائع الإسلام وإن تمسَّك بالشهادتين، أو ببعض سياسة الأنام (١). والصنف الثاني (٢): أهل البدع المارقون، وذوو الضلال المنافقون، الخارجون عن السنة والجماعة، المفارقون للشِّرْعَة والطاعة. مثل هؤلاء الذين غُزُوا بأمر السلطان من أهل الجبل، والجرد، والكسروان. فإنّ ما منَّ الله

стр. 307

به من الفتح والنصر على هؤلاء الطَّغَام، هو من عزائم (١) الأمور التي أنعم الله بها على السلطان وأهل الإسلام. وذلك أنَّ هؤلاء وجنسهم من أكابر المفسدين في أمر الدنيا والدين، فإن اعتقادهم: أنَّ أبا بكر وعمر وعثمان، وأهل بَدْر وبَيْعة الرِّضوان، وجمهور المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الإسلام وعلماءَهُم، أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، ومشايخ الإسلام وعُبَّادهم، وملوك المسلمين وأجنادهم، وعوامَّ المسلمين وأفرادهم. كل هؤلاء عندهم كُفَّار مرتدُّون، أكفر من اليهود والنصارى؛ لأنهم مُرتدّون عندهم، والمرتدُّ شَرٌّ من الكافر الأصلي. ولهذا السبب يُقدِّمون الفرنج والتتار على أهل القرآن والإيمان. ولهذا لمّا قَدِم التتار إلى البلاد، فعلوا (٢) بعسكر المسلمين ما لا يحصى من الفساد، وأرسلوا إلى أهل قُبْرُس (٣) فملكوا بعض الساحل، وحملوا راية الصَّليب، وحملوا إلى قبرس من خيل المسلمين وسلاحهم وأسْراهم ما لا يُحصي عَدَدَه إلا الله، وأقام سوقهم بالساحل عشرين يومًا يبيعون فيه المسلمين والخيل والسلاح على أهل قبرس، وفرحوا بمجيء التتار، هم وسائر أهل هذا المذهب الملعون، مثل أهل جِزِّين (٤) وما حواليها، وجبل

стр. 308

عاملة (١) ونواحيه. ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصرية، ظهر فيهم من الخزي والنكال ما عرفه الناس منهم. ولما نصر الله الإسلام النُّصرة العظمى عند قدوم السلطان، كان بينهم شبيه بالعزاء. كل هذا، وأعظم منه، عند هذه الطائفة التي كانت من أعظم الأسباب في خروج جَنكِخان إلى بلاد الإسلام، وفي استيلاء هُولاكو على بغداد، وفي قدومه إلى حلب، وفي نَهْب الصَّالحية (٢)، وفي غير (٣) ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله؛ لأن عندهم أَنّ كلّ من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر مرتد. ومن استحلّ الفُقَّاع (٤) فهو كافر. ومن مسح على الخُفّين فهو عندهم كافر. ومن حَرَّم المتعة فهو عندهم كافر. ومن أحبَّ أبا بكْر أَو عمر، أَو عثمان، أو ترضَّى عنهم أو عن (٥) جماهير الصحابة، فهو عندهم كافر. ومن لم

стр. 309

يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر (١)! وهذا المنتظر صبيٌّ (٢) عمره سنتان، أو ثلاث، أو خمس. يزعمون أنه دخل السِّرداب بسامرَّاء من أكثر من أربعمائة سنة. وهو يعلم كلّ شيء، وهو حجّة الله على أهل الأرض، فمن لم يؤمن به فهو عندهم كافر. وهو شيء لا حقيقة له. ولم يكن هذا في الوجود قط. وعندهم من قال: إن الله يُرى في الآخرة فهو كافر. ومن قال: إن الله تكلَّم بالقرآن حقيقة فهو كافر. ومن قال: إن الله فوق السموات فهو كافر، ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: إن الله يهدي من يشاء ويُضِلُّ من يشاء، وأن الله يُقلِّب قلوب عباده، وأن الله خالقُ كلِّ شيء فهو عندهم كافر. وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله فهو عندهم كافر. هذا هو المذهب الذي تُلقِّنُهُ لهم أئمتهم، مثل بني العُود. فإنهم شيوخ أهل هذا الجبل. وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين. ويُفتونهم بهذه الأمور. وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف ابن العُود (٣)

стр. 310

وغيره. وفيها هذا وأعظم منه. وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علَّموهم وأمروهم، لكنهم مع هذا يُظهرون التّقيَّة والنفاق، ويتقرَّبون ببذل الأموال إلى من يقبلها منهم. وهكذا كان عادة هؤلاء الجَبَلِيَّة، فإنما أقاموا بجَبَلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق ويبذلونه من البِرْطِيل (١) لمن يقصدهم. والمكان الذي لهم في غاية الصعوبة. ذكر أهل الخبرة أنهم لم يروا مثله؛ ولهذا كثر فسادُهم؛ فقتلوا من النفوس وأخذوا من الأموال ما لا يعلمه إلا الله. ولقد كان جيرانهم من أهل البقاع وغيرها معهم في أمر لا يُضْبط شرُّه، كل ليلة تنزل (٢) عليهم منهم طائفة، ويفعلون من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد. وكانوا في قطع الطرقات وإخافة سكان البيوتات على أقبح سيرة عُرِفت من أهل الجنايات، يرد إليهم النصارى من أهل قبرس فيضيفونهم

стр. 311

ويعطونهم سلاح المسلمين، ويقعون بالرجل الصالح من المسلمين؛ فإما أن يقتلوه أو يسلبوه، وقليل (١) منهم من يفلت منهم بالحيلة. فأعان الله ويَسَّرَ، بحسن نية السلطان، وهِمَّته في إقامة شرائع الإسلام، وعنايته بجهاد المارقين أن غزوا غزوة شرعية، كما أمر الله ورسوله، بعد أن كُشِفَت أحوالهم، وأُزِيحَت عللهم، وأُزِيلَت شُبْهتهم (٢)، وبُذل لهم من العدل والإنصاف ما لم يكونوا يطمعون به، وبُيِّن لهم أن غزوهم اقتداء بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في قتاله الحروريَّة المارقين، الذين تواتر عن النبي ﷺ الأمر بقتالهم، ونَعْت حالهم من وجوه متعددة. أخرج منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه: من حديث علي بن أبي طالب، وأبي سعيد الخُدْري، وسَهْل بن حُنَيف، وأبي ذَرٍّ الغِفَاري، ورافع بن عَمرو، وغيرهم من أصحاب النبي ﷺ . قال فيهم: «يَحْقِر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرُق السهم من الرَّميَّة، لئن أدْرَكتُهم لأقتلنَّهم قتلَ عاد، لو يعلم الذين يُقاتلونهم ماذا لهم على لسان محمد ﷺ لاتَّكلوا (٣) عن العمل، يقتلون أهل الإسلام ويَدَعون أهل الأوثان، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم،

стр. 312

شرُّ قتلى (١) تحت أديم السَّماء، ـ خير قتلى من قتلوه» (٢). وأوّل ما خرج هؤلاء زمن أمير المؤمنين علي ﵁، وكان لهم من الصلاة والصيام والقراءة والعبادة والزَّهادة ما لم يكن لعموم الصحابة، لكن كانوا خارجين عن سنّة رسول الله ﷺ ، وعن جماعة (٣) المسلمين. وقتلوا من المسلمين رجلًا اسمه عبد الله بن خبَّاب وأغاروا على دوابِّ المسلمين (٤). وهؤلاء القوم كانوا أقلّ صلاةً وصيامًا، ولم نجد في جَبَلهم مصحفًا، ولا فيهم قارئ للقرآن، وإنّما عندهم عقائدهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، وأباحوا بها دماء المسلمين، وهم مع هذا قد سفكوا من الدماء، وأخذوا من الأموال ما لا يحصي عددَه إلاّ الله تعالى. فإذا كان علي بن أبي طالب قد أباح لعسكره أن ينهبوا ما في عسكر الخوارج، مع أنّه قتلهم جميعهم، كان هؤلاء أحقَّ بأخذ أموالهم. وليس هؤلاء بمنزلة المتأوِّلين الذين نادى فيهم علي بن أبي طالب يوم الجمل: «أنّهُ لا يقتل مُدْبِرهم، ولا يُجْهَز على جريحهم، ولا يُغنم لهم مال (٥) ولا يُسْبى لهم ذرية» (٦)؛ لأنّ مثل أولئك لهم تأويل سائغ، وهؤلاء ليس لهم تأويل

стр. 313

سائغ، ومثل أولئك إنّما يكون خارجًا (١) عن طاعة الإمام، وهؤلاء خرجوا عن شريعة رسول الله ﷺ وسنته، وهم شرٌّ من التَّتار من وجوه متعدّدة، لكن التتر أكثر وأقوى، فلذلك ظهر شرُّهم. وكثير من فساد التتر هو لمخالطة هؤلاء لهم، كما كان في زمن قازان وهولاكو وغيرهما، فإنهم أخذوا من أموال (٢) المسلمين أضعاف ما أخذوا من أموالهم، وأرضهم فيءٌ لبيت المال. وقد قال كثيرٌ من السلف: إنّ الرّافضة لا حقَّ لهم من الفيء؛ لأنّ الله إنّما جعل الفيء للمهاجرين والأنصار ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، فمن لم يكن قلبه سليمًا لهم، ولسانه مستغفرًا لهم، لم يكن من هؤلاء (٣). وقطعت أشجارهم؛ لأنَّ النبي ﷺ لمّا حاصر بني النضير قطع أصحابُه نخْلَهم وحرَّقوه، فقال اليهود: هذا فساد، وأنت يا محمد تنهى عن الفساد، فأنزل الله في القرآن: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]. وقد اتّفق العلماء على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر عند الحاجة

стр. 314

إليه، فليس ذلك بأولى من قتل النفوس. وما أمكن غير ذلك؛ فإنّ القوم لم يحضروا كلّهم من الأماكن التي اختفوا فيها، وأيسوا من المقام في الجبل إلا حين قُطعت الأشجار، وإلاّ كانوا يختفون حيث لا يمكن العلم بهم، وما أمكن أن يسكن الجبل غيرهم؛ لأن التركمان إنّما قصدُهم الرَّعي، وقد صار لهم مرعى، وسائر الفلَّاحين لا يتركون عمارة أرضهم ويجيئون إليه. فالحمد لله الذي يسَّر هذا (١) الفتح في دولة السلطان بهمته وعزمه وأمره، وإخلاء الجبل منهم، وإخراجهم من ديارهم. وهم يشبهون ما ذكره الله في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤) مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٢ ــ ٥]. وأيضًا فإنَّه بهذا قد انكسر من أهل البدع والنفاق بالشام ومصر والحجاز واليمن والعراق ما يرفع الله به درجات السلطان، ويُعِزُّ به أهل الإيمان.

стр. 315

فصل تمام هذا الفتح وبركته تقدُّم مراسم (١) السلطان بحسم مادّة أهل الفساد، وإقامة الشريعة في البلاد، فإنَّ هؤلاء القوم لهم من المشايخ والإخوان في قُرى كثيرة مَنْ يقتدون به وينتصرون (٢)، وفي قلوبهم غلٌّ عظيم، وإبطان معاداة شديدة، لا يُؤمَنون معها على ما يمكنهم، ولو أنَّه مباطنة العدوّ، فإذا أمسك رؤوسهم الذين يُضِلونهم ــ مثل بني العُود ــ زال بذلك من الشرّ ما لا يعلمه إلا الله. ويُتقدَّم إلى قُراهم، وهي قُرى متعدّدة بأعمال دمشق، وصَفَد، وطرابلس، وحماة، وحمص (٣)، وحلب= بأن يُقام فيهم شرائع الإسلام: الجمعة والجماعة وقراءة القرآن، ويكون لهم خطباء ومؤذِّنون، كسائر قرى المسلمين، وتُقرأ فيهم الأحاديث النبوية، وتُنشر فيهم المعالم الإسلامية، ويُعاقب من عُرِفَ منه البدعة (٤) والنفاق بما توجبه شريعة الإسلام. فإنَّ هؤلاء المحاربين (٥) وأمثالهم قالوا: نحن قوم جهال، وهؤلاء كانوا يعلمونا ويقولون لنا: أنتم إذا قاتلتم هؤلاء تكونون مجاهدين، ومن قُتل منكم فهو شهيد.

стр. 316

وفي هؤلاء خلقٌ كثير لا يقرُّون بصلاة، ولا صيام، ولا حجّ ولا عمرة، ولا يُحَرِّمون الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنّة والنّار، من جنس الإسماعيلية، والنُّصيرية (١)، والحاكميّة، والباطنيّة، وهم كفّار أكفر من اليهود والنصارى بإجماع المسلمين. فتقدُّمُ المراسيم السلطانية بإقامة شعائر الإسلام: من الجمعة، والجماعة، وقراءة القرآن، وتبليغ أحاديث النبي ﷺ في قُرى هؤلاء من أعظم المصالح الإسلامية، وأبلغ الجهاد في سبيل الله. وذلك سبب لانقماع من يُباطن العدوَّ من هؤلاء، ودخولهم في طاعة الله ورسوله، وطاعة أولي الأمر من المسلمين. وهو من الأسباب التي يعين الله بها على قمع الأعداء. فإنَّ ما فعلوه بالمسلمين في أرض «سيس» (٢) نوع من غدرهم الذي به ينصر الله المسلمين عليهم. وفي ذلك لله حكمة (٣) عظيمة، ونصرة للإسلام جسيمة. قال ابن عباس: «ما نقض قومٌ العهد إلا أُديل عليهم العدوّ» (٤). ولولا هذا وأمثاله ما حصل للمسلمين من العزم بقوّة الإيمان، وللعدوّ من الخذلان، ما ينصر الله به المؤمنين، ويُذلُّ به الكفار والمنافقين.

стр. 317

والله هو المسئول أن يُتمَّ نعمته على سلطان الإسلام خاصة، وعلى عباده المؤمنين عامّة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. عنوان الكتاب ظاهره: سلطان المسلمين، ومن أيَّد في دولته الدِّين، وقمع الكفَّار والمنافقين، أَيَّد الله به الإسلام، ونشر عدله في الأنام.

стр. 318

[مناظرة الشيخ مع الأحمدية] وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى (١) من هذه السنة ــ سنة خمسٍ ــ اجتمعَ جماعةٌ من الأحمدية الرِّفاعية (٢) عند نائب السلطنة بالقصر، وحضر الشيخ تقيُّ الدِّين، وطلبوا أن يُسَلِّم إليهم حالهم، وأنَّ الشَّيخ تقيَّ الدِّين لا يُعَارضهم ولا يُنكر [ق ٧٠] عليهم، وأرادوا أن يُظْهروا شيئًا ممَّا يفعلونه، فانتدبَ لهم الشيخ، وتكلّم باتباع الشريعة، وأنَّه لا يسعُ أحدًا (٣) الخروج عنها بقولٍ ولا فعلٍ (٤)، وذكر أنَّ لهم حيلاً يتحيَّلون بها في دخول النَّار، وإخراج الزّبدة من الحلوق. وقال لهم: من أراد دخول النار فليغسل جَسَدَه في الحمام، ثمّ يَدْلكه بالخَلِّ، ثم يدخل (٥)، ولو دخل لا يُلتفت إلى ذلك، بل هو نوعٌ من فعل الدجَّال عندنا. وكانوا جمعًا كثيرًا. وقال الشيخ صالح شيخ المُنَيبِع (٦): نحن أحوالنا تَنْفُقُ عند التتار ما تنفق

стр. 319

قُدَّام الشَّرْع. وانفصلَ المجلسُ على أنَّهم يخلعون أطواقَ (١) الحديد، وعلى أنَّ من خرج عن الكتاب والسُّنَّة ضُرِبَت عُنُقه (٢)، وحَفِظ هذه الكلمة الحاضرون من الأمراء والأكابر وأعيان الدولة. وكتب الشيخُ عقيب هذه الواقعة جزءًا في حال الأحمدية ومبدئهم، وأصل طريقتهم (٣)، وذِكْرِ شيخهم، وما في طريقهم من الخير والشرّ، وأوضح الأمرَ في ذلك. [ملخص محنة الشيخ بسبب الحموية وما جرى له في مصر] وقال الذهبيُّ في أثناء كلامه في ترجمة الشيخ (٤): ولمّا صنَّف «المسألة الحموية» في الصفات سنة ثمان وتسعين، تحزَّبوا له، وآل بهم الأمرُ إلى أن طافوا بها (٥) على قصبة من جهة القاضي الحنفي، ونُودي عليه بأن لا يُسْتَفتى. ثم قام بنصره طائفةٌ آخرون، وسلَّم الله.

стр. 320

فلمّا كان سنة (١) خمس وسبعمائة جاء الأمر من مصر بأن يُسأل عن مُعْتقده، فجُمِعَ له القُضاةُ والعلماءُ بمجلس نائب دمشق الأفرم. فقال: أنا كنتُ سُئِلْتُ عن مُعتقد السنَّة (٢)، فأجبتُ عنه في جزءٍ من سنين، وطَلَبه من داره، فأُحضِرَ، وقرأه. فنازعوه في موضعين أو ثلاثة منه، وطال المجلس، فقاموا واجتمعوا مرَّتين أيضًا لتتمة الجزء، وحاققوه، ثم وقع الاتفاقُ على أنَّ هذا مُعْتَقدٌ سلفيٌّ جَيِّد. وبعضُهم قال ذلك كُرْهًا. وكان المصريُّون قد سَعَوا في أمر الشيخ، ومالأوا الأمير رُكن الدين الشاشنكير (٣) ــ الذي تَسَلْطن ــ عليه، فطُلِب إلى مصر على البريد. فثاني يوم دخوله اجتمعَ القُضاة والفقهاء بقلعة مصر، وانتصبَ ابنُ عَدْلان (٤) له خصمًا، وادَّعى عليه عند القاضي ابن مخلوفٍ (٥) المالكي: أنَّ
следующие страницы →