← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وفي هؤلاء خلقٌ كثير لا يقرُّون بصلاة، ولا صيام، ولا حجّ ولا عمرة، ولا يُحَرِّمون الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ولا يؤمنون بالجنّة والنّار، من جنس الإسماعيلية، والنُّصيرية (١)، والحاكميّة، والباطنيّة، وهم كفّار أكفر من اليهود والنصارى بإجماع المسلمين. فتقدُّمُ المراسيم السلطانية بإقامة شعائر الإسلام: من الجمعة، والجماعة، وقراءة القرآن، وتبليغ أحاديث النبي ﷺ في قُرى هؤلاء من أعظم المصالح الإسلامية، وأبلغ الجهاد في سبيل الله. وذلك سبب لانقماع من يُباطن العدوَّ من هؤلاء، ودخولهم في طاعة الله ورسوله، وطاعة أولي الأمر من المسلمين. وهو من الأسباب التي يعين الله بها على قمع الأعداء. فإنَّ ما فعلوه بالمسلمين في أرض «سيس» (٢) نوع من غدرهم الذي به ينصر الله المسلمين عليهم. وفي ذلك لله حكمة (٣) عظيمة، ونصرة للإسلام جسيمة. قال ابن عباس: «ما نقض قومٌ العهد إلا أُديل عليهم العدوّ» (٤). ولولا هذا وأمثاله ما حصل للمسلمين من العزم بقوّة الإيمان، وللعدوّ من الخذلان، ما ينصر الله به المؤمنين، ويُذلُّ به الكفار والمنافقين.

стр. 317

والله هو المسئول أن يُتمَّ نعمته على سلطان الإسلام خاصة، وعلى عباده المؤمنين عامّة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. عنوان الكتاب ظاهره: سلطان المسلمين، ومن أيَّد في دولته الدِّين، وقمع الكفَّار والمنافقين، أَيَّد الله به الإسلام، ونشر عدله في الأنام.

стр. 318

[مناظرة الشيخ مع الأحمدية] وفي يوم السبت تاسع جمادى الأولى (١) من هذه السنة ــ سنة خمسٍ ــ اجتمعَ جماعةٌ من الأحمدية الرِّفاعية (٢) عند نائب السلطنة بالقصر، وحضر الشيخ تقيُّ الدِّين، وطلبوا أن يُسَلِّم إليهم حالهم، وأنَّ الشَّيخ تقيَّ الدِّين لا يُعَارضهم ولا يُنكر [ق ٧٠] عليهم، وأرادوا أن يُظْهروا شيئًا ممَّا يفعلونه، فانتدبَ لهم الشيخ، وتكلّم باتباع الشريعة، وأنَّه لا يسعُ أحدًا (٣) الخروج عنها بقولٍ ولا فعلٍ (٤)، وذكر أنَّ لهم حيلاً يتحيَّلون بها في دخول النَّار، وإخراج الزّبدة من الحلوق. وقال لهم: من أراد دخول النار فليغسل جَسَدَه في الحمام، ثمّ يَدْلكه بالخَلِّ، ثم يدخل (٥)، ولو دخل لا يُلتفت إلى ذلك، بل هو نوعٌ من فعل الدجَّال عندنا. وكانوا جمعًا كثيرًا. وقال الشيخ صالح شيخ المُنَيبِع (٦): نحن أحوالنا تَنْفُقُ عند التتار ما تنفق

стр. 319

قُدَّام الشَّرْع. وانفصلَ المجلسُ على أنَّهم يخلعون أطواقَ (١) الحديد، وعلى أنَّ من خرج عن الكتاب والسُّنَّة ضُرِبَت عُنُقه (٢)، وحَفِظ هذه الكلمة الحاضرون من الأمراء والأكابر وأعيان الدولة. وكتب الشيخُ عقيب هذه الواقعة جزءًا في حال الأحمدية ومبدئهم، وأصل طريقتهم (٣)، وذِكْرِ شيخهم، وما في طريقهم من الخير والشرّ، وأوضح الأمرَ في ذلك. [ملخص محنة الشيخ بسبب الحموية وما جرى له في مصر] وقال الذهبيُّ في أثناء كلامه في ترجمة الشيخ (٤): ولمّا صنَّف «المسألة الحموية» في الصفات سنة ثمان وتسعين، تحزَّبوا له، وآل بهم الأمرُ إلى أن طافوا بها (٥) على قصبة من جهة القاضي الحنفي، ونُودي عليه بأن لا يُسْتَفتى. ثم قام بنصره طائفةٌ آخرون، وسلَّم الله.

стр. 320

فلمّا كان سنة (١) خمس وسبعمائة جاء الأمر من مصر بأن يُسأل عن مُعْتقده، فجُمِعَ له القُضاةُ والعلماءُ بمجلس نائب دمشق الأفرم. فقال: أنا كنتُ سُئِلْتُ عن مُعتقد السنَّة (٢)، فأجبتُ عنه في جزءٍ من سنين، وطَلَبه من داره، فأُحضِرَ، وقرأه. فنازعوه في موضعين أو ثلاثة منه، وطال المجلس، فقاموا واجتمعوا مرَّتين أيضًا لتتمة الجزء، وحاققوه، ثم وقع الاتفاقُ على أنَّ هذا مُعْتَقدٌ سلفيٌّ جَيِّد. وبعضُهم قال ذلك كُرْهًا. وكان المصريُّون قد سَعَوا في أمر الشيخ، ومالأوا الأمير رُكن الدين الشاشنكير (٣) ــ الذي تَسَلْطن ــ عليه، فطُلِب إلى مصر على البريد. فثاني يوم دخوله اجتمعَ القُضاة والفقهاء بقلعة مصر، وانتصبَ ابنُ عَدْلان (٤) له خصمًا، وادَّعى عليه عند القاضي ابن مخلوفٍ (٥) المالكي: أنَّ

стр. 321

هذا يقول: إنَّ الله تكلَّم بالقرآن بحرفٍ وصوتٍ، وأنَّه تعالى على العرش بذاته، وأنَّ الله يُشارُ إليه الإشارة الحِسِّيَّة. وقال: أطلبُ عقوبته على ذلك. فقال القاضي: ما تقول يا فقيه؟ فحمد الله وأثنى عليه. فقيل له: أسْرِع، ما أحضرناك لتخْطُب! فقال: أُمْنَع من الثناء على الله؟ ! فقال القاضي: أجِبْ، فقد حمدتَ اللهَ. فسكتَ، فألحَّ عليه. فقال: مَن الحاكم فيَّ (١)؟ فأشاروا له إلى القاضي ابن مخلوف. فقال: أنت خَصْمي، كيف تحكمُ فيَّ؟ وغضبَ وانزعجَ، وأُسْكِتَ القاضي. فأقيمَ الشيخُ وأخواه، وسُجنوا بالجُبِّ بقلعة الجبل، وجرت أمورٌ طويلة. وكُتِبَ إلى الشام كتابٌ سلطانيٌّ بالحطِّ (٢) عليه، فقرئ بالجامع، وتألَّم

стр. 322

الناسُ له. ثم بقي سنةً ونصفًا، وأُخرج، وكتب لهم ألفاظًا اقترحوها عليه، وهُدِّد أو (١) تُوُعِّد بالقتل إن لم يكتبها (٢). وأقام بمصر يُقرئ العلمَ ويجتمع خلقٌ (٣) عنده، إلى أن تكلَّم في الاتحادية القائلين بوحدة الوجود، وهم ابنُ سبعين وابنُ عربي والقُونويُّ وأشباههُم (٤)، فتحزَّب عليه صوفيَّةٌ وفقراءُ، وسعوا فيه، وأنَّه تكلَّم (٥) في صفوة الأولياء. فعُمِل له محفل، ثم أخرجوه على البريد، ثم ردُّوه على مرحلةٍ من مصر، ورأوا مصلحَتهم في اعتقاله، فسجنوه في حبس القُضاة سنةً ونصفًا.

стр. 323

فجعل أصحابُه يدخلون إليه في السِّرِّ، ثم تظاهروا، فأخرجته الدولة على البريد إلى الإسكندرية، وحُبِس ببرج منها، وشِيْع (١) بأنه قتل، وأنَّه غرق، غيرَ مرَّةٍ. فلما عادَ السلطانُ ــ أيَّده الله ــ من الكَرْك، وأبادَ أضْدَادَه، بادر باستحضار الشيخ إلى القاهرة مكرَّمًا. واجتمعَ به وحادَثَه، وسارَّه بحضرة القضاة والكبار، وزادَ في إكرامه. ثم نزلَ وسكنَ في دارٍ، واجتمع بعد ذلك بالسلطان، ولم يكن الشيخ من رجال الدُّوَل، ولا يسلك معهم تلك النواميس، فلم (٢) يعد السلطانُ يجتمع به، فلما قَدِمَ السلطانُ لكشف العدو عن الرَّحَبة جاء الشيخُ إلى دمشق سنة اثنتي عشرة وسبعمائة (٣). ثم جَرَت أمورٌ ومِحَن. انتهى كلامه. [م فصَّل محنة الشيخ بسبب «الحموية»] وقال الشيخُ عَلَمُ الدين: وفي شهر ربيع الأول من سنة (٤) ثمان وتسعين وستمائة وقع بدمشق محنة للشيخ الإمام تقيِّ الدين ابن تيميّة، وكان الشروع فيها من أول الشهر، وظهرت يومَ الخامس منه، واستمرَّت إلى آخر الشهر. وملخَّصُها: أنه كان كتَب جوابًا سُئل عنه من حماة في الصفات، فذكر فيه مذهبَ السلف، ورجَّحَه على مذهبِ المتكلِّمين، وكان قبل ذلك بقليل أنكرَ

стр. 324

أمر المنجِّمين، واجتمع بسيف الدين جاغان (١) في ذلك، في (٢) حال نيابته بدمشق وقيامه مقام (٣) نائب السلطنة. وامتثلَ أمرَه وقَبِلَ قولَه، والتمس منه كثرةَ الاجتماع به. فحصلَ بسبب ذلك ضيقٌ لجماعة، مع ما كان عندهم قبل ذلك (٤) من كراهية الشيخ، وتألُّمِهم (٥) لظهوره وذِكْره الحَسَن. فانضافَ شيءٌ إلى أشياء، ولم يجدوا مساغًا إلى الكلام فيه، لزهده وعدمِ إقباله على الدنيا، وتركِ المزاحمة على المناصب، وكثرةِ علمه، وجودةِ أجوبته وفتاويه، وما يظهرُ فيها من غزارة العلم (٦)، وجَوْدَة الفهم. فعَمَدوا إلى الكلام في العقيدة؛ لكونهم يرجِّحُون مذهبَ المتكلِّمين في الصفات والقرآن على مذهب السلف، ويعتقدونه الصواب. فأخذوا الجوابَ الذي كتبه، وعملوا عليه أوراقًا في ردِّه، ثم سَعَوا السَّعيَ الشديدَ إلى القضاة والفقهاء (٧) واحدًا واحدًا. [ق ٧٢] وأَغْرَوا به (٨) خواطرَهم،

стр. 325

وحَرَّفوا الكلامَ، وكذبوا الكذب الفاحش، وجعلوه يقول بالتجسيم ــ وحاشاه من ذلك ــ وأنَّه قد أوعز (١) ذلك المذهب إلى أصحابه، وأنَّ العوامَّ قد فسدت عقائدُهم بذلك، ولم يقع من ذلك شيء والعياذ بالله! وسَعَوا في ذلك سعيًا شديدًا، في أيامٍ كثيرة المطر والوَحْل والبرد (٢). فوافقهم جلالُ الدّين الحنفيُّ ــ قاضي الحنفية يومئذٍ ــ على ذلك، ومشى معهم إلى دار الحديث الأشرفيَّة، وطلب حضورَه، وأرسل إليه، فلم يحضر. وأرسل إليه (٣) في الجواب: إنَّ العقائد ليس أمرُها إليك، وإن السلطان إنّما ولَاّك لتحكمَ بين الناس، وإن إنكار المنكرات ليس ممَّا (٤) يختصُّ به القاضي. فوصلت إليه هذه الرسالة، فأوْغَروا (٥) خاطرَه، وشوَّشوا قلبَه، وقالوا: لم يحضر، وردَّ عليك. فأمرَ بالنِّداء على بطلان عقيدته في البلدة، فأجيب (٦) إلى ذلك، فنودي في بعض البلد (٧). ثم بادرَ سيفُ الدّين جاغان، وأرسل طائفةً، فضُرِبَ المنادي وجماعةٌ

стр. 326

ممن حولَه، وأخْرَق بهم، فرجعوا مضروبين في غاية الإهانة! ثم طلب سيفُ الدين جاغانُ من قام في ذلك وسعى فيه، فدارت الرسلُ والأعوانُ عليهم في البلد، فاختفوا، واحتمى مُقدَّمهم ببدر الدِّين الأتابكي، ودخل عليه في داره، وسأل منه أن يجيره (١) من ذلك. فترفَّق في أمره، إلى أن سكن غضب (٢) سيفُ الدّين جاغان. ثُمَّ إنّ الشيخ جلس يوم الجمعة على عادته ثالث عشر الشهر، وكان تفسيره في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وذَكَر الحِلْمَ، وما ينبغي استعمالُه، وكان ميعادًا جليلًا. ثُمّ إنّه اجتمع بالقاضي إمام الدين الشافعي (٣)، وواعده لقراءة جُزئه الذي أجابَ فيه، وهو المعروف بـ «الحموية». فاجتمعوا يوم السبت رابع عشر الشهر، من بُكرة النهار إلى نحو الثلث من ليلة الأحد، ميعادًا طويلًا مستمرًّا، وقُرِئت (٤) جميع العقيدة، وبَيَّن مرادَه من مواضع أشكلت، ولم يحصل إنكارٌ عليه من الحاكم ولا ممَّن حضر المجلس، بحيثُ انفصل منهم والقاضي يقول: كلُّ من تكلَّم في الشيخ فأنا

стр. 327

خصمه. وقال أخوه جلالُ الدِّين ــ بعد هذا الميعاد ــ: كلُّ من تكلَّم في الشيخ نُعَزّره (١). وانفصلَ عنهم عن طيبةٍ. وخرج والناس ينتظرون ما يسمعون من طَيِّب أخباره، فوصل إلى داره في ملأ كثيرٍ من الناس، وعندهم استبشارٌ وسرورٌ به، وهو في ذلك كلِّه ثابتُ الجأش، قويُّ القلب، واثقٌ بالنصر (٢) الإلهيِّ، لا يلتفتُ إلى نصر مخلوق، ولا يُعَوِّل عليه. وكان سَعْيهم في حقِّه أتَمَّ السَّعْي، لم يُبْقُوا ممكنًا من الاجتماع بمن يرجون (٣) منه أدنى نصرٍ لهم، وتكلَّموا في حقِّه بأنواعِ الأذى، وبأمورٍ يستحي الإنسانُ من الله سبحانه أن يحكيها، فضلاً عن أن يختلقها ويُلفِّقها، فلا حول ولا قوَّة إلاّ بالله. والذين سعوا فيه معروفون عندنا وعند كلِّ أحدٍ، قد اشتهر عنهم هذا الفعل الفظيع، وكذلك من ساعدهم [ق ٧٣] بقول، أو تشنيع، أو إغراء، أو إرسال رسالة، أو إفتاءٍ، أو شهادة، أو أذىً لبعض أصحاب الشيخ ومن يلوذُ به، أو شَتْم، أو غيبة، أو تشويش باطنٍ. فإنَّه وقع من (٤) ذلك شيءٌ كثير من جماعة كثيرة. ورأى جماعةٌ من الصالحين والأخيار في هذه الواقعة وعقيبها للشيخ

стр. 328

مرائي حسنةً جليلةً، لو ضُبطَت كانت مجلّدًا تامًّا. انتهى ما ذكره. ثمَّ بعد هذه الواقعة بمُدَّةٍ كثيرةٍ، وذلك يوم الاثنين ثامن رجب من سنة خمس وسبعمائة، طُلِبَ القضاةُ والفقهاءُ، وطُلِبَ الشيخُ تقيُّ الدين إلى القصر، إلى مجلس نائب السلطنة الأفرم، فلما اجتمعوا (١) عنده سأل الشيخَ تقيَّ الدِّين وحدَه عن عقيدته، وقال له: هذا المجلس عُقِدَ لك، وقد وردَ مرسومُ السلطان أن أسألك عن اعتقادك. فأحضر الشيخُ عقيدَته «الواسطية»، وقال: هذه كتبتُها من نحو سبع سنين، قبل مجيء التتار إلى (٢) الشام. فقُرِئت في المجلس، وبُحِثَ فيها، وبقي مواضع أُخِّرت إلى مجلسٍ آخر. ثمَّ اجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر رجب المذكور، وحضر المخالفون، ومعهم الشيخ صفيُّ الدين الهندي (٣)، واتفقوا على أنَّه يتولَّى

стр. 329

المناظرة مع الشيخ تقي الدين، فتكلَّم معه. ثم إنهم رجعوا عنه، واتفقوا على الشيخ كمال الدين ابن الزَّمْلَكانيّ، فناظرَ الشيخَ وبحثَ معه، وطال الكلامُ، وخرجوا من هناك والأمرُ قد انفصل. وأَظهر اللهُ من قيام (١) الحجَّة ما أَعَزَّ به أهلَ السنة. وانصرفَ الشيخُ تقيُّ الدين إلى منزله. واختلفت نقول المخالفين للمجلس (٢)، وحَرَّفوه، ووضعوا مقالةَ الشيخ على غير موضعها، وشنَّع ابنُ الوكيل وأصحابه بأن الشيخَ قد رجع عن عقيدته، فالله المستعان (٣). والذي حَمَل نائب السَّلْطنة على هذا الفعل: كتابٌ ورَدَ عليه من مصر في هذا المعنى، وكان القائمُ في ذلك بمصر: القاضي ابن مخلوف المالكي، والشيخ نَصْر الَمنْبِجيُّ، والقَرَوي (٤)، واستعانوا بركن الدين الششنكير.

стр. 330

ثم بعد ذلك عَزَّرَ بعضُ القضاة بدمشق شخصًا يلوذُ بالشيخ تقي الدين، وطُلِبَ جماعةٌ، ثم أُطْلِقوا، ووقع هَرْج في البلد، وكان الأمير نائب السلطنة قد خرج للصيد وغابَ (١) نحو جمعةٍ ثم حضر. وكان الحافظُ جمالُ الدين المِزِّي يقرأ «صحيح البخاري» لأجل الاستسقاء (٢)، فقرأ يوم الاثنين الثاني والعشرين من رجب في أثناء ذلك فصلاً في الردِّ على الَجْهمية، وأنَّ اللهَ فوقَ العرش، من «كتاب أفعال العباد»، تأليف البخاري، تحت النَّسْر (٣)، فغضبَ لذلك بعضُ الفقهاء الحاضرين، وقالوا (٤): نحن المقصودون بهذا، ورفعوا الأمر إلى قاضي القضاة الشافعية (٥)، فطلبه ورَسَم بحبسه. فبلغ ذلك الشيخَ تقيَّ الدين، فتألَّمَ له، وأخْرجه من الحبس بيده، وخرج إلى القصر إلى ملك الأمراء، وتخاصَمَ هو والقاضي هناك، وأثنى على الشيخ جمال الدين.

стр. 331

وغضبَ القاضي وانزعج وقال: لئن لم يُرَدَّ إلى حبسي (١) عزلتُ نفسي. فأرضاه ملك الأمراء بأن أعاد الشيخ جمال الدين إلى حبسه، فاعتقله بالقوصيَّة أيَّامًا. وذكر الشيخُ تقيُّ الدين للنائب ما وقع في غَيْبته في حقِّ بعض أصحابه من الأذى، فرسَمَ بحبس جماعةٍ من أصحاب ابن الوكيل، وأمر فنودي في البلد: إنه من تكلَّم في العقائد حلَّ ماله ودمه، ونُهِبَت (٢) دارُه وحانوته. وقَصَدَ بذلك تسكين الشرِّ والفتن (٣). وفي يوم الثلاثاء سابع شعبان عُقِدَ للشيخ تقي الدين مجلسٌ ثالث بالقصر، ورضي الجماعة بالعقيدة. وفي هذا اليوم عَزلَ قاضي القُضاة نجم الدين بن صَصْرى نفسَه عن الحكم بسببِ كلامٍ سمعه من الشيخ كمال الدين بن الزّمْلكاني لا أحبُّ حكايتَه (٤). وفي اليوم السادس والعشرين من شعبان وردَ كتابُ السلطان إلى القاضي بإعادته إلى الحكم، وفيه: إنا كنَّا رَسَمْنا بعَقْدِ مجلس للشيخ تقيّ الدين، وقد بلغنا ما عُقِدَ له من المجالس، وأَنه على مذهب السلف. وما قَصَدْنا بذلك إلّا براءة ساحته.

стр. 332

[مجالس المناظرة في العقيدة] وقد ذكر الشيخ ﵀ صورةَ ما جَرَى في هذه المجالس ملخَّصًا، وعلَّق في ذلك شيئًا مختصرًا (١) فقال (٢): الحمد لله ربِّ العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ظهيرَ ولا مُعين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، الذي أرسلَه إلى الخلقِ أجمعين. صلى الله عليه وعلى آله وسلم (٣) وعلى سائر عباد الله الصَّالحين. أما بعد؛ فقد سُئلت (٤) أن أكتبَ ما حضرني ذِكْرُه مما جرى في المجالس الثلاثة المعقودة للمناظرة في أَمْر الاعتقاد، بمقتضى ما وردَ به كتابُ السلطان من الديار المصريَّة إلى نائبه أمير البلاد، لما سعى إليه قومٌ من (٥)

стр. 333

ذوي الأحقاد. فأَمَرَ الأميرُ بجمع القضاة (١) والمشايخ ممن له حُرْمة وبه اعتداد. وهم لا يدرون ما (٢) قُصِد بجمعهم في هذا الميعاد، وذلك يوم الاثنين ثامن رجب المبارك عام خمس وسبعمائة. فقال لي: هذا المجلس عُقِد لك، وقد (٣) وردَ مرسومُ السلطان: أن أسألكَ عن اعتقادك، وعما كتبتَ به إلى الديار المصرية من الكتب التي تدعو بها (٤) الناسَ إلى الاعتقاد. وأظنُّه قال: وأنْ أَجْمَعَ القضاةَ والفقهاءَ، ويتباحثون (٥) في ذلك. فقلتُ: أما الاعتقادُ فلا (٦) يُؤْخَذ عنّي ولا عمَّن هو أكبرُ منِّي، بل يؤخذُ عن الله ورسوله [ق ٧٥] وما أجمعَ عليه سلفُ الأمة؛ فما كان في القرآن وجبَ اعتقادُه، وكذلك ما ثبتَ في الأحاديث الصحيحة، مثل «صحيح البخاري ومسلم». وأما الكتب؛ فما كتبتُ إلى أحدٍ كتابًا ابتداءً أدعو (٧) به إلى شيءٍ من ذلك،

стр. 334

ولكن (١) كتبتُ أجوبةً أجبتُ بها مَن يسألني من أهل الديار المصرية وغيرهم. وكان قد بلغني أنه زُوِّرَ عليِّ كتابٌ إلى الأمير رُكْن الدين الجاشنكير أستاذِ دارِ (٢) السلطان، يتضمَّن ذكرَ عقيدةٍ مُحَرَّفة، ولم أعلم بحقيقتهِ، لكن علمتُ أنَّ هذا مكذوب (٣). وكان يَردُ عليَّ من مصرَ وغيرها مَنْ يسألني مسائل في الاعتقاد أو غيره، فأُجيبه (٤) بالكتاب والسنة وما كان عليه سلفُ الأمة. فقال: نريدُ أن تكتبَ لنا عقيدتك. فقلتُ: اكتبوا. فأُمِرَ الشيخُ كمالُ الدين (٥) أن يكتب. فكُتِبَتْ (٦) له جُمَلُ الاعتقاد في أبواب الصفاتِ، والقَدَرِ، ومسائل الإيمان، والوعيد، والإمامة (٧)، والتفضيل. وهو أنَّ اعتقاد أهل السنة والجماعة: الإيمانُ بما وصف الله به نفسَه، وبما وصفه به رسولُه ﷺ ، من غير تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ولا تكييفٍ، ولا تمثيل. وأنَّ القرآن كلامُ الله غير

стр. 335

مخلوق، منه بدأ وإليه يعود. والإيمانُ بأنَّ الله خالقُ كلِّ شيءٍ من أفعال العباد وغيرها. وأنَّه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وأنَّه أمر بالطاعة وأحبَّها ورضيها (١)، ونهى عن المعصية وكرهها. والعبدُ فاعل حقيقةً، واللهُ خالقُ فعله. وأنَّ الإيمان والدِّين قولٌ وعملٌ يزيدُ وينقص. وأن لا يُكَفَّر أحدٌ (٢) من أهل القبلة بالذنوب، ولا يُخلَّد في النار من أهل الإيمان أحدٌ (٣). وأنَّ الخلفاء بعدَ رسول الله ﷺ أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليٌّ، مرتبتهم في الفضل كَرُتْبَتهم (٤) في الخلافة، ومن قدَّم عليًّا على عثمان فقد أزْرى بالمهاجرين والأنصار. وذكرت (٥) هذا ونحوه، فإنّي الآن قد بَعُدَ عهدي، ولم أحفظ لفظ ما أمليته إذ ذاك (٦). ثم قلتُ للأمير والحاضرين: أنا أعلم أنَّ أقوامًا يكذبون عليَّ، كما قد كذبوا عليّ (٧) غير مرَّةٍ، وإن أمليتُ الاعتقاد من حفظي (٨) ربما يقولون: كتم بعضَه، أو داهن ودارى، فأنا أُحضِر عقيدةً مكتوبةً من نحو سبع سنين، قبل

стр. 336

مجيء التتر إلى الشام. وقلتُ قبل حضورها كلامًا قد بَعُدَ عهدي به، وغضبت غضبًا شديدًا، لكن (١) أذكر أنّي قلتُ: أنا أعلمُ أنَّ أقوامًا كذبوا عليَّ، وقالوا للسلطان أشياء (٢). وتكلَّمتُ بكلامٍ احتجتُ إليه، مثل أن قلتُ: من قام بالإسلامِ أوقات (٣) الحاجة غيري؟ ومن الذي أوضحَ دلائلَه وبيَّنه، وجاهد أعداءَه، وأقامه لمَّا مال؟ حين (٤) تخلّى عنه كلُّ أحدٍ ولا (٥) أحدٌ ينطقُ بحجَّته، ولا أحدٌ يجاهدُ

стр. 337

عنه، وقمتُ مُظْهِرًا لحجَّته، مُجاهدًا عنه، مُرَغِّبًا فيه. فإذا كان هؤلاء يطمعون في الكلام فيَّ، فكيف يصنعون بغيري؟ ! ولو أنّ يهوديًّا طلب من السلطان الإنصاف، لوجبَ عليه أن يُنصفه، وأنا قد أغفر عن حقِّي وقد لا أغفر (١)، بل قد أطلبُ الإنصاف (٢) منه، وأن يُحْضَر هؤلاء الذين يكذبون [ق ٧٦]، ليُحاقُّوا (٣) على افترائهم. وقلتُ كلامًا أطولَ من هذا (٤)، من هذا الجنس، لكن بَعُدَ عهدي به. فأشار الأميرُ إلى كاتب الدَّرْج (٥): محيي الدين بأن يكتب ذلك (٦). وقلتُ أيضًا: كلُّ من خالفني في شيءٍ ممَّا كتبتُه فأنا أعلمُ بمذهبه منه. وما أدري، هل قلتُ هذا قبل حضورها أو بعدها؟ لكنِّي (٧) قلتُ ــ أيضًا ــ بعد حضورها وقراءتها: ما ذكرتُ فيها فصلاً إلا وفيه مخالفٌ من المنتسبين إلى القبلة، وكلُّ جملةٍ فيها خلافٌ لطائفةٍ من الطوائف.

стр. 338

ثمَّ أرسلتُ من أحضرها، ومعها (١) كراريس بخطِّي من المنزل، فحضرت «العقيدة الواسطية». وقلتُ لهم: هذه كان (٢) سببُ كتابتها أنَّه قَدِمَ من أرض واسط بعضُ قُضاة نواحيها، شيخٌ يُقال له: رضيُّ الدين الواسطي (٣)، قَدِمَ علينا حاجًّا، وكان من أهل الخير والدين، وشكا ما الناسُ فيه بتلك البلاد وفي دولة التتر (٤) من غَلَبةِ الجهل والظلم، ودروس الدين والعلم، وسألني أن أكتبَ له عقيدةً تكونُ عمدةً له ولأهل بيته. فاستعفيت (٥) من ذلك، وقلت: قد كتبَ الناسُ عقائد أئمة السنة (٦). فألحَّ في السؤال، وقال: ما أحبُّ إلا عقيدةً تكتبها أنت. فكتبتُ له هذه العقيدة وأنا قاعد بعد العصر. وقد انتشرت (٧) بها نُسَخ كثيرة في مصر والعراق وغيرهما. فأشار الأميرُ بأن لا أقرأها أنا ــ لدفع (٨) الرِّيبة ــ وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين، فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، والجماعةُ الحاضرون

стр. 339

يسمعونها (١). ويُوْرِدُ الموردُ منهم ما شاء، ويُعَارض ما (٢) شاء. والأميرُ أيضًا سأل (٣) عن مواضع فيها. وقد علم الناسُ ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين من الخلاف والهوى (٤). ولا يمكن ذِكْر ما جرى من الكلام والمناظرات في هذه المجالس، فإنَّه كثير (٥)، لكن أكتب ملخَّصَ ما حضرني من ذلك مع بُعْدِ العهد بذلك. ومع أنه كان يجري رَفْعُ أصواتٍ ولَفْظٌ (٦) لا ينضبط. فكان ممَّا اعترضَ عليه (٧) بعضُهم لما ذُكِرَ في أولها: «ومن الإيمان بالله: الإيمانُ بما وصفَ به نفسَه، ووصفَه به رسولُه (٨)؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ولا تكييفٍ ولا تمثيل». فقال: ما المراد بالتحريف والتعطيل؟

стр. 340

ومقصودُه: أنَّ هذا ينفي التأويل الذي يثبته أهلُ التأويل، الذي هو صرفُ اللفظِ عن ظاهره؛ إمَّا وجوبًا وإمَّا جوازًا. فقلت: تحريفُ الكَلِمِ عن مواضعه، كما ذمَّه الله في كتابه، وهو إزالة اللفظ عما دلَّ عليه من المعنى، مثل تأويل بعض الجهْمِيَّة لقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] أي: جرَّحَه بأظافير الحكمة تجريحًا. ومثل تأويلات (١) القَرامِطة والباطنية، وغيرِهم من الجَهْميِة والرافضة والقَدَرية وغيرهم (٢). فسكت وفي نفسِه ما فيها. وذكرتُ في غير هذا المجلس: أني عَدَلْتُ عن لفظ «التأويل» إلى لفظ «التحريف»؛ لأن التحريفَ اسمٌ جاءَ القرآنُ بذمِّه. وأنا تحرَّيتُ في هذه العقيدة اتباعَ الكتاب والسنة، فنفيتُ ما ذمَّهُ الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظَ التأويل بنفيٍ ولا إثبات؛ لأنه لفظٌ له عِدَّة معانٍ، كما بَيَّنتُه في موضعه من القواعد. فإنَّ معنى لفظ «التأويل» في كتاب الله غير (٣) [ق ٧٧] لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرِّين من أهل الأصول والفقه، وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير والسلف (٤)، ولأنّ منَ المعاني التي قد تُسَمَّى تأويلاً ما هو (٥) صحيحٌ منقول عن بعض

стр. 341

السلف (١). فلم أنفِ ما تقومُ الحجّةُ على صِحَّته؛ إذ ما قامت الحجةُ على صحته، وهو منقولٌ عن السَّلف، فليس من التحريف. وقلتُ لهم (٢) أيضًا: ذكرتُ في النفي «التمثيل» ولم أذكر «التشبيه»؛ لأنَّ التمثيل نفاه الله بنصِّ كتابه حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] كان (٣) أحبَّ إليَّ من لفظٍ ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسوله (٤)، وإن كان قد يُعنى بنفيه معنىً صحيح، كما قد يُعنى به معنىً فاسد. ولما ذكرتُ: «أنهم لا ينفون عنه ما وصفَ به نفسَه، ولا يحرِّفون الكَلِم عن مواضعه، ولا يُلحدون (٥) في أسماء الله وآياته». جعل بعضُ الحاضرين يمتعِضُ من ذلك؛ لاستشعاره ما في ذلك من الردِّ لِمَا (٦) هو عليه، ولكن لم (٧) يتوجَّه له ما يقوله، وأرادَ أن يدور عليَّ بالأسولة (٨) التي أعلمها، فلم يتمكَّن (٩).

стр. 342

ولما ذكرتُ آية الكرسِّي، أظنُّ سألَ الأميرُ عن قولنا: «لا يقربه شيطانٌ حتَّى يصبح». فذكرتُ حديثَ (١) أبي هريرة في الذي كان يسرق صدقةَ الفطر، وذكرتُ أنَّ البخاريَّ رواه في «صحيحه» (٢). وأخذوا يذكرون نفيَ التشبيه والتجسيم، ويُطنبون في هذا ويُعَرِّضون بما ينسبه بعضُ الناس إلينا من ذلك. فقلتُ: قولي (٣): «من غير تكييف ولا تمثيل» ينفي كلَّ باطل، وإنَّما اخترتُ (٤) هذين الاسمين؛ لأنَّ «التكييف» مأثورٌ نفيه عن السَّلَف، كما قال ربيعةُ، ومالكٌ، وابن عُيينة وغيرهم ــ المقالةَ التي تلقَّاها العلماءُ بالقبول ــ: «الاستواءُ معلوم، والكيفُ مجهول، والإيمانُ به واجب، والسؤال عنه بدعة». واتَّفق (٥) هؤلاء السَّلف على أن الكيف غير معلومٍ لنا، فنفيتُ ذلك اتّباعًا لسلفِ الأُمَّة، وهو أيضًا منفيٌّ بالنَّصِّ. فإنَّ تأويل آياتِ الصفات يدخلُ فيها حقيقةُ الموصوف وحقيقةُ صفاته، وهذا من التأويل الذي لا يعلمُه إلَاّ الله. كما قد قرَّرْتُ ذلك في قاعدةٍ مفردة ذكرتها في «التأويل، والمعنى، والفَرْق بين عِلْمِنا بمعنى الكلام، وبين عِلْمِنا بتأويله».

стр. 343

وكذلك «التمثيل» منفيٌّ (١) بالنصِّ والإجماع القديم، مع دلالة العقل على نفيه ونفي التكييف، إذ كُنْهُ الباري غير معلومٍ للبشر، وذكرتُ في ضمن ذلك كلامَ الخطَّابي الذي نقل أنه مذهبُ السَّلف، وهو: إجراءُ آيات الصِّفات وأحاديثها على ظاهرها، مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصِّفات فرعٌ عن (٢) الكلام في الذَّات، يُحْتَذَى (٣) فيه حذوه، ويُتَّبَعُ فيه مثالُه. فإذا كان إثباتُ الذَّاتِ إثباتَ وجودٍ لا إثباتَ تكييف= فكذلك إثباتُ الصِّفات (٤) إثبات وجود لا إثبات تكييف. فقال أحدُ كبراء المخالفين (٥): فحينئذٍ يجوز أن يُقال: هو جسم، لا (٦) كالأجسام! فقلتُ له أنا وبعضُ الفضلاء (٧): إنِّما قيل: إنَّه يوصَفُ الله بما وصفَ به نفسَه، وبما وصفه به رسوله، وليس في الكتاب والسنَّة [ق ٧٨] أنَّ الله جسم، حتَّى يلزم هذا السؤال.

стр. 344

وأخذَ بعضُ القضاةِ (١) المعروفين بالدِّيانة يريد إظهار أنَّ ينفي عنّا ما يقوله (٢)، فجعل يزيد في المبالغة (٣) في نفي التشبيه والتجسيم. فقلتُ: قد ذُكِرَ (٤) فيها في غير موضع «من غير تحريفٍ، ولا تعطيلٍ، ومن غير تكييف ولا تمثيل». [وقلتُ في صدرها: «ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف الله به نفسَه في كتابه، وبما وصفه به رسولُه محمد ﷺ ، من غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل». ثمَّ قلتُ: «وما وصف الرسول به ربَّه من الأحاديث الصحاح التي تلقَّاها أهلُ المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك». إلى أن قلت: «إلى أمثال هذه الأحاديث الصحاح التي يخبر فيها رسول الله ﷺ بما يخبر به، فإنَّ الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. بل هم] (٥) الوسط في فرق الأمة، كما أنَّ الأمة هي

стр. 345

الوسط في الأمم، فهم وسطٌ في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبِّهة». ولمَّا رأى هذا الحاكمُ العَدْلُ تمالُؤَهم وتعصُّبَهم، ورأى قلَّة العارف الناصر (١)، وخافهم، قال: أنتَ قد صنَّفت اعتقاد الإمام أحمد، فنقول: هذا اعتقادُ أحمد. يعني: والرجلُ يصنِّفُ على مذهبه، فلا يُعتَرضُ عليه، فإنَّ هذا مذهبٌ متبوع. وغرضُهُ بذلك: قطعُ مخاصمة الخصوم. فقلتُ: ما خرَّجتُ (٢) إلاّ عقيدةَ السلف الصالح جميعهم، ليس للإمام أحمد اختصاصٌ بهذا، والإمامُ أحمد إنَّما هو مبلِّغ العلم الذي جاء به النبي ﷺ . ولو قال أحدٌ (٣) من تلقاء نفسه ما لم يجئ به الرسول لم نقبله. وهذه عقيدة محمد ﷺ . وقلتُ مرَّاتٍ: قد أمهلتُ من (٤) خالفني في شيءٍ منها ثلاث سنين، فإن جاء بحرفٍ واحدٍ عن القرون الثلاثة التي أثنى عليها رسول الله ﷺ ، حيث قال: «خيرُ القرونِ القرن الذي بُعِثتُ فيهم، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين

стр. 346

يلونهم» (١) = يخالفُ ما ذكرتُه فأنا أرجع عن ذلك. وعليَّ أن (٢) آتي بنقولِ جميع الطوائف من القرون الثلاثة يوافقُ (٣) ما ذكرتُه؛ من الحنفيّة، والمالكية، والشافعية، والحنبلية، والأشعرية، والصوفية، وأهل الحديث، وغيرهم. وقلتُ ــ أيضًا في غير هذا المجلس ــ: الإمامُ أحمد ــ ﵁ ــ لمَّا انتهى إليه من السنَّة ونصوص رسول الله ﷺ أكثرُ ممَّا انتهى إلى غيره، وابتُلي بالمحنة والرَّدِّ على أهل البدع أكثر من غيره (٤) = فصار إمامًا في السنة أظهر من غيره. وإلَاّ فالأمرُ كما قاله بعضُ شيوخ المغاربة العلماء (٥)، قال: المذهبُ لمالك والشَّافعي، والظهور لأحمد بن حنبل (٦). يعني: أنَّ الذي كان عليه أحمد عليه جميعُ أئمة الإسلام، وإن كان لبعضهم من زيادة العلم والبيان، وإظهار الحقِّ، ودفع الباطل، ما ليس

стр. 347

لبعض (١). ولمَّا جاء حديثُ أبي سعيد المتفق عليه في «الصحيحين» (٢) عن النبي ﷺ : «يقولُ اللهُ (٣): يا آدم! فيقول: لبَّيك وسَعْدَيْك. فينادَى بصوتٍ: إنَّ الله يأمرُكَ أنْ تبعثَ بعثًا إلى النار ... » الحديث. سألهم الأميرُ: هل هذا الحديث صحيح؟ فقلتُ: نعم، هو في «الصحيحين»، ولم يخالفوا في ذلك، واحتاجَ المنازعُ إلى الإقرار به (٤). وطلبَ الأميرُ الكلامَ في مسألة الحرف والصوت؛ لأنَّ ذلك طُلِبَ منه. فقلتُ: هذا الذي يُحكى عن أحمد (٥) وأصحابه: أنَّ صوت القارئين ومِدَاد المصاحف قديمٌ أزليٌّ (٦) = كَذِبٌ مُفترى، لم يقل ذلك أحمد ولا أحدٌ من علماء المسلمين (٧). وأخرجتُ كُرَّاسًا كان قد أُحْضِرَ (٨) مع العقيدة،

стр. 348

وفيه (١) ما ذكره الشيخ أبو بكر الخلَاّل في «كتاب السُّنَّة» عن الإمام أحمد، وما جمعه صاحبه أبو بكر المرُّوْذي من كلام أحمد، وكلام أئمة زمانه (٢)، في أنَّ من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جَهْمي. ومن قال: غيرُ مخلوق، فهو مبتدع (٣). قلتُ: فكيف بمن يقول: لفظي (٤) قديمٌ أزليّ؟ [فكيف بمن يقول: صوتي غير مخلوق] (٥)؟ فكيف بمن يقول: صوتي قديم (٦)؟ ! وأحضرتُ جواب مسألةٍ كنتُ سُئلتُ قديمًا عنها، فيمن حلف بالطلاق في مسألة الحَرْفِ والصَّوت، ومسألة الظَّاهر في العرش (٧). وقلتُ: هذا جوابي. وكانت هذه المسألة قد أرْسَلَ بها طائفةٌ من المعاندين المتجهِّمة، ممَّن

стр. 349

كان بعضُهم حاضرًا في المجلس، فلمَّا وصل إليهم الجوابُ أسْكَتَهم. وكانوا قد ظنُّوا إن أُجِيْب (١) بما في ظنهم أنَّ أهل السُّنَّة تقوله= حَصَلَ مقصودُهم من الشناعة، وإن أجبتُ بما يقولونه (٢) = حَصَل مقصودُهم من الموافقة. فلمَّا أُجيبوا بالفرقان الذي عليه أهلُ السُّنَّة، وليس هو ممَّا (٣) يقولونه هم، ولا ما ينقلونه عن أهل السُّنَّة، أو قد (٤) يقولُه بعضُ الجُهَّال= [بُهِتُوا لذلك] (٥). وفيه: «إنَّ القرآن (٦) كلامُ اللهُ حروفه ومعانيه، ليس القرآنُ اسمًا لمجرَّد الحروف، ولا لمجرَّد المعاني» (٧). ولمَّا جاءت مسألةُ القرآن، «وأنَّ القرآنَ (٨) كلامُ الله غيرُ مخلوق، منه

стр. 350

بدأ وإليه يعود» = نازَع بعضُهم في كونه منه بدأ وإليه يعود، وطلبوا تفسيرَ ذلك. فقلتُ: أمَّا هذا القول فهو المأثور الثابت عن السَّلف، مثل ما نقله عَمْرو بن دينار قال: «أدركتُ النَّاسَ منذ سبعين سنة يقولون: الله الخالق وما سواه مخلوق، إلَاّ القرآن، فإنَّه كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود» (١). وقد (٢) جمع غيرُ واحدٍ ما في ذلك من الآثار عن النَّبيّ ﷺ والصحابة والتابعين (٣). وأمَّا معناه: فإنَّ قوله (٤): «منه بدأ» أي: هو المتكلِّم به، وهو الذي أنزله من لدنه، ليس هو كما تقوله الجهميَّة: إنَّه خُلِقَ في الهواء أو غيره (٥)، وبدأ من عند غيره. وأمّا «إليه يعود» فإنَّه يُسْرَى به في آخر الزَّمان (٦) من المصاحف والصدور، فلا يبقى في الصدور منه كلمة، ولا في المصاحف منه حرف. ووافقَ على ذلك غالبُ الحاضرين، وسكت المنازعون.

стр. 351

وخاطبتُ (١) بعضَهم في غير هذا المجلس، بأن أريتُه العقيدة التي جمعها الإمام القادرُ بالله (٢)، [التي فيها]: «إنه (٣) كلام الله خرج منه» فتوقَّف في هذا اللفظ. فقلتُ: هكذا قال النبي ﷺ : «وما تقرَّب العبادُ إلى الله بمثل ما خرجَ منه» (٤). يعني: القرآن. وقال خبَّاب بن الأرَتّ: «يا هَنَتاه! تقرَّبْ إلى الله بما استطعتَ، فلن تتقرَّب (٥) إليه بشيءٍ أحبَّ إليه ممَّا خرج منه» (٦).

стр. 352

وقال أبو بكر الصديق ﵁ ــ لما قُرئ عليه قرآنُ مُسَيلمة (١) ـ: «إنَّ هذا كلام (٢) لم يخرج من إلٍّ» (٣). يعني: رَبٍّ. وممَّا فيها: «ومن الإيمان به: الإيمان بأنَّ القرآنَ كلامُ الله، مُنَزَّلٌ، غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنَّ الله تكلَّم به حقيقةً، وأنَّ هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو كلامُ الله حقيقةً، لا كلامُ غيره، ولا يجوزُ إطلاقُ القول بأنه [ق ٨٠] حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأ الناسُ القرآنَ (٤)، أو كتبوه في المصاحف، لم يخرج بذلك عن أن يكونَ كلامَ الله، فإنَّ الكلامَ إنما يُضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مُبَلِّغا مؤدِّيًا». فامْتَعَضَ بعضُهم من إثبات (٥) كونه كلام الله حقيقة، بعد تسليمه أنَّ اللهَ تكلَّم به حقيقةً، ثمَّ إنه سلَّم ذلك لمَّا بُيِّنَ له أنَّ المجاز يصحّ نفيُه، وهذا لا يصحُّ نفيه، ولما بُيِّنَ له أنّ (٦) أقوالَ المتقدِّمين المأثورة عنهم، وشِعْر الشعراء المضاف إليهم، هو كلامهم حقيقةً. [فلا يكون نسبة القرآن إلى الله

стр. 353

بأقلّ من ذلك] (١). ولما ذُكِرَ فيها: «أنَّ الكلامَ إنما يُضافُ حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مُبَلِّغا مؤديًا». استحسنوا هذا الكلام وعظَّمُوه، وأخذ أحدُ الخصوم (٢) يُظْهِر تعظيمَ هذا الكلام، وأنه أزال عنه الشُّبهات، ويذكر أشياءَ من هذا النَّمط (٣). ولما جاء ما ذُكرَ من الإيمان باليوم الآخر، وتفصيله ونَظْمه استحسنوا ذلك وعظَّموه. وكذلك لما جاء ذِكْر الإيمان بالقَدَرِ، وأنه على درجتين، إلى غير ذلك ممَّا فيه من القواعد الجليلة. وكذلك لما جاء الكلامُ في الفاسقِ المِلِّيِّ، وفي الإيمان؛ لكن اعترضوا على ذلك بما سأذكره. وكان مجموع ما اعترض به المنازعون (٤) ــ بعد انقضاء قراءة جميعها، والبحث فيها ــ[أربعة أسئلة: السؤال الأول] (٥): قولنا: «ومن أصولِ الفرقة الناجية: أنَّ الإيمان

стр. 354

والدين: قولٌ وعملٌ، يزيدُ وينقصُ؛ قولُ القلبِ واللسان، [وعَمَلُ القلبِ واللسان] (١) والجوارح». قالوا: إذا قيل: إنَّ هذا من أصول الفرقة الناجية، خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك، مثل أصحابنا المتكلِّمين الذين يقولون: إنَّ الإيمانَ هو التصديق، ومن يقول: إنَّ الإيمانَ هو التصديق (٢) والإقرار. وإذا لم يكونوا ناجين، لزمَ أن يكونوا هالكين (٣). وأما الأسولة الثلاثة ــ وهي التي كانت عمدتهم ــ فأوردوها على قولنا: «وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمانُ بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ ، وأجمعَ عليه سلفُ الأُمة: من (٤) أنه سبحانه فوقَ سمواته، على (٥) عَرْشه، عليٌّ على خَلْقِه، وهو معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون. كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ (٦) مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].

стр. 355

«وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (١) أنَّه مختلطٌ بالخلق، فإِنَّ هذا لا توجبه اللغة، وهو خلافُ ما أجمعَ عليه سلفُ الأُمة، وخلافُ ما فطَرَ الله عليه الخلق، بل القمر آيةٌ من آياتِ الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر (٢) أينما كان، وهو سبحانه فوقَ العَرْش، رقيبٌ على خَلْقه، مُهَيْمنٌ عليهم، مُطَّلعٌ إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكلُّ هذا الكلام الذي ذكره الله، من أنَّه فوقَ العرش، وأنَّه معنا= حقٌّ على حقيقته، لا يحتاج (٣) إلى تحريف، ولكن يُصان عن الظنون الكاذبة. [والسؤال الأوّل] (٤) قال بعضهم: نُقِرُّ باللفظ الوارد، مثل حديث [ق ٨١] العباس، حديث (٥) الأوعال: «واللهُ فوقَ العرشِ» (٦) ولا نقول: فوق السماوات، ولا نقول: على العرش. وقالوا أيضًا: نقول: على (٧) العرش
следующие страницы →