← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وخاطبتُ (١) بعضَهم في غير هذا المجلس، بأن أريتُه العقيدة التي جمعها الإمام القادرُ بالله (٢)، [التي فيها]: «إنه (٣) كلام الله خرج منه» فتوقَّف في هذا اللفظ. فقلتُ: هكذا قال النبي ﷺ : «وما تقرَّب العبادُ إلى الله بمثل ما خرجَ منه» (٤). يعني: القرآن. وقال خبَّاب بن الأرَتّ: «يا هَنَتاه! تقرَّبْ إلى الله بما استطعتَ، فلن تتقرَّب (٥) إليه بشيءٍ أحبَّ إليه ممَّا خرج منه» (٦).

стр. 352

وقال أبو بكر الصديق ﵁ ــ لما قُرئ عليه قرآنُ مُسَيلمة (١) ـ: «إنَّ هذا كلام (٢) لم يخرج من إلٍّ» (٣). يعني: رَبٍّ. وممَّا فيها: «ومن الإيمان به: الإيمان بأنَّ القرآنَ كلامُ الله، مُنَزَّلٌ، غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، وأنَّ الله تكلَّم به حقيقةً، وأنَّ هذا القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ هو كلامُ الله حقيقةً، لا كلامُ غيره، ولا يجوزُ إطلاقُ القول بأنه [ق ٨٠] حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأ الناسُ القرآنَ (٤)، أو كتبوه في المصاحف، لم يخرج بذلك عن أن يكونَ كلامَ الله، فإنَّ الكلامَ إنما يُضاف حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مُبَلِّغا مؤدِّيًا». فامْتَعَضَ بعضُهم من إثبات (٥) كونه كلام الله حقيقة، بعد تسليمه أنَّ اللهَ تكلَّم به حقيقةً، ثمَّ إنه سلَّم ذلك لمَّا بُيِّنَ له أنَّ المجاز يصحّ نفيُه، وهذا لا يصحُّ نفيه، ولما بُيِّنَ له أنّ (٦) أقوالَ المتقدِّمين المأثورة عنهم، وشِعْر الشعراء المضاف إليهم، هو كلامهم حقيقةً. [فلا يكون نسبة القرآن إلى الله

стр. 353

بأقلّ من ذلك] (١). ولما ذُكِرَ فيها: «أنَّ الكلامَ إنما يُضافُ حقيقةً إلى من قاله مبتدئًا، لا إلى من قاله مُبَلِّغا مؤديًا». استحسنوا هذا الكلام وعظَّمُوه، وأخذ أحدُ الخصوم (٢) يُظْهِر تعظيمَ هذا الكلام، وأنه أزال عنه الشُّبهات، ويذكر أشياءَ من هذا النَّمط (٣). ولما جاء ما ذُكرَ من الإيمان باليوم الآخر، وتفصيله ونَظْمه استحسنوا ذلك وعظَّموه. وكذلك لما جاء ذِكْر الإيمان بالقَدَرِ، وأنه على درجتين، إلى غير ذلك ممَّا فيه من القواعد الجليلة. وكذلك لما جاء الكلامُ في الفاسقِ المِلِّيِّ، وفي الإيمان؛ لكن اعترضوا على ذلك بما سأذكره. وكان مجموع ما اعترض به المنازعون (٤) ــ بعد انقضاء قراءة جميعها، والبحث فيها ــ[أربعة أسئلة: السؤال الأول] (٥): قولنا: «ومن أصولِ الفرقة الناجية: أنَّ الإيمان

стр. 354

والدين: قولٌ وعملٌ، يزيدُ وينقصُ؛ قولُ القلبِ واللسان، [وعَمَلُ القلبِ واللسان] (١) والجوارح». قالوا: إذا قيل: إنَّ هذا من أصول الفرقة الناجية، خرج عن الفرقة الناجية من لم يقل بذلك، مثل أصحابنا المتكلِّمين الذين يقولون: إنَّ الإيمانَ هو التصديق، ومن يقول: إنَّ الإيمانَ هو التصديق (٢) والإقرار. وإذا لم يكونوا ناجين، لزمَ أن يكونوا هالكين (٣). وأما الأسولة الثلاثة ــ وهي التي كانت عمدتهم ــ فأوردوها على قولنا: «وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمانُ بما أخبر الله به في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ ، وأجمعَ عليه سلفُ الأُمة: من (٤) أنه سبحانه فوقَ سمواته، على (٥) عَرْشه، عليٌّ على خَلْقِه، وهو معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون. كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ (٦) مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤].

стр. 355

«وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ (١) أنَّه مختلطٌ بالخلق، فإِنَّ هذا لا توجبه اللغة، وهو خلافُ ما أجمعَ عليه سلفُ الأُمة، وخلافُ ما فطَرَ الله عليه الخلق، بل القمر آيةٌ من آياتِ الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر (٢) أينما كان، وهو سبحانه فوقَ العَرْش، رقيبٌ على خَلْقه، مُهَيْمنٌ عليهم، مُطَّلعٌ إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكلُّ هذا الكلام الذي ذكره الله، من أنَّه فوقَ العرش، وأنَّه معنا= حقٌّ على حقيقته، لا يحتاج (٣) إلى تحريف، ولكن يُصان عن الظنون الكاذبة. [والسؤال الأوّل] (٤) قال بعضهم: نُقِرُّ باللفظ الوارد، مثل حديث [ق ٨١] العباس، حديث (٥) الأوعال: «واللهُ فوقَ العرشِ» (٦) ولا نقول: فوق السماوات، ولا نقول: على العرش. وقالوا أيضًا: نقول: على (٧) العرش

стр. 356

استوى، ولا نقول: الله على العرش (١) استوى، ولا نقول: مستوٍ. وأعادوا هذا المعنى مرارًا= أنّ الّلفظ الذي ورد يقال (٢) بعينه، ولا يُبدَّل بلفظٍ يرادفُه، ولا يُفهم له معنًى أصلًا، ولا يقال: إنَّه يدلُّ على صفة لله أصلًا. وانبسط الكلامُ في هذا في (٣) المجلس الثاني، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. والسؤال الثاني: قالوا: التشبيه بالقمر فيه تشبيه كونِ الله في السَّماء بكون القمر في السَّماء. السؤال الثالث: قالوا: قولك: «حقٌّ على حقيقته»، الحقيقةُ هي المعنى اللغويُّ، ولا يُفهم من الحقيقة اللغوية (٤) إلَاّ استواء الأجسام وفوقيَّتها (٥)، ولم تضع العرب ذلك إلا لها. فإثبات الحقيقة هو محضُ التجسيم، ونفي التجسيم ــ مع هذا ــ تناقضٌ أو مُصانعة؟ فأجبتهم (٦): بأنَّ قولي: «اعتقادُ الفِرْقة الناجية» هي الفرقة التي وصفها النبيّ ﷺ بالنجاة، حيثُ قال: «تفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون

стр. 357

في النار، وواحدة في الجنَّة، وهي من كان على مِثْل ما أنا عليه وأصحابي» (١). فهذا الاعتقادُ هو المأثورُ عن النَّبي ﷺ وأصحابه، وهم ومن اتَّبعهم: الفرقةُ الناجية. فإنَّه قد ثبت عن غير واحدٍ من الصحابة أنَّه قال: «الإيمانُ يزيد وينقص» (٢). وكلُّ ما ذكرتُه في ذلك فإنَّه مأثورٌ عن الصحابة بالأسانيد الثابتة، لفظُه أو معناه (٣)، وإذا خالفهم من بعدهم لم يضرّ في (٤) ذلك. قلت (٥): وليس كلُّ من خالف (٦) في شيءٍ من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا. فإنَّ المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا، يغفر اللهُ له (٧) خطأه. وقد لا يكون بَلَغه في ذلك من العلم ما تقوم عليه به الحجَّة، وقد يكون له

стр. 358

من الحسنات ما يمحو (١) الله به سيئاته. وإذا كانت ألفاظُ الوعيد المتناولة [له] (٢) لا يجبُ أن يدخلَ فيها المتأوِّل، والتائب (٣)، وذو الحسنات الماحية، والمغفور له، وغير ذلك= فهذا أولى. بل مُوجب هذا الكلام أنَّ من اعتقدَ ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضِدَّه فقد يكون ناجيًا، وقد لا يكون ناجيًا. كما يقال (٤): من صَمَتَ نجا. وأمَّا السؤال الثاني: فأجبتهم أوَّلاً: بأنَّ كلَّ لفظٍ قلته فهو مأثور عن النبي ﷺ ، مثل لفظ: «فوق السماوات» ولفظ: «على العرش»، و «فوق العرش». وقلتُ: اكتبوا الجوابَ. فأخَذ الكاتبُ في كتابته. ثمَّ قال بعضُ الجماعة: قد طال المجلسُ اليوم، فيؤخَّر هذا إلى مجلسٍ آخر، تكتبون (٥) أنتم الجواب، وتُحضِرونه في ذلك المجلس. وأشار بعضُ الموافقين بأن نُتِمَّ (٦) الكلامَ بكتابةِ الجوابِ؛ لئلا تنتشر أسْوِلتهم واعتراضهم.

стр. 359

وكأنَّ الخصومَ كان (١) لهم غرضٌ في تأخير كتابةِ الجواب، ليستعدُّوا لأنفسهم، ويطالعوا، ويُحضروا من غابَ من أصحابهم، ويتأمَّلوا العقيدةَ فيما بينهم، ليتمكَّنوا من الطعن والاعتراض. فحصلَ الاتفاقُ على أن يكون تمامُ الكلام يوم الجمعة، وقمنا على ذلك. وقد أظهرَ الله من قيام الحُجَّة وبيانِ المحجَّة ما أعزَّ به [ق ٨٢] أهل (٢) السنة والجماعة، وأرغَم به أهل البدعة والضلالة، وفي نفوس كثيرٍ من الناس أمورٌ لما يحدث (٣) في المجلس الثاني. وأخذوا في تلك الأيام يتأمَّلونها، ويتأملون ما أجبتُ (٤) به في مسائل تتعلَّق بالاعتقاد، مثل «المسألة الحموية في الاستواء والصفات الخبرية»، وغيرها.

стр. 360

فصل (١) فلمَّا كان المجلس الثاني، بعد صلاة الجمعة (٢)، ثاني عشر رجب، وقد أحضروا أكبرَ (٣) شيوخهم ــ ممن لم يكن حاضرًا ذلك المجلس (٤) ــ وبحثوها فيما بينهم، واتفقوا وتواطأوا، وحضروا بقوَّة واستعداد غير ما كانوا عليه؛ لأنَّ المجلس الأول أتاهم بغتة، وإن كان أيضًا بغتةً للمخاطَب الذي هو المسؤول والمجيبُ والمناظرُ. فلمَّا اجتمعنا ــ وقد أحضرتُ ما كتبته من الجواب على (٥) أسولتهم المتقدِّمة التي طُلِبَ تأخيرها (٦) إلى هذا اليوم ــ حمدتُ الله بخطبة الحاجة، خطبة ابن مسعود. ثمَّ قلتُ: إنَّ الله أمرَنا بالجماعة والائتلاف، ونهانا عن الفُرقة والاختلاف، وقال لنا في القرآن: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ

стр. 361

الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وربُّنا واحد، وكتابنا واحد، ونبيّنا واحد، وأصولُ الدِّين لا تحتمل التفرُّقَ والاختلاف. وأنا أقول ما يوجب الجماعةَ بين المسلمين، وهو متفقٌ عليه بين السلف، فإن وافق الجماعةُ فالحمد لله، وإلَاّ فمن خالفني بعد ذلك، كشفتُ له (١) الأسرار، وهتكت الأستار، وبيَّنتُ المذاهب الفاسدة، التي أفسدت الملل والدُّوَل. وأنا أذهب إلى سلطان الوقت على البريد، وأُعرِّفه من الأمور ما لا أقوله في هذا المجلس، فإنَّ للسِّلم كلامًا، وللحرب كلامًا. وقلتُ: لا شكَّ أنَّ الناس يتنازعون، فيقول هذا: أنا حنبليٌّ، ويقول هذا: أنا أشعريٌّ، ويجري بينهم تفرُّقٌ وفتنٌ (٢) واختلاف على أمور لا يعرفون حقيقتها. وأنا قد أحضرتُ ما يُبيِّن (٣) اتفاقَ المذاهب فيما ذكرتُه، وأحضرتُ كتاب «تبيين (٤) كَذِب المفتري فيما يُنسَب (٥) إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري»، تأليف الحافظ أبي القاسم ابن عساكر.

стр. 362

وقلتُ: لم يُصَنَّف في أخبار الأشعريِّ المحمودة كتابٌ مثل هذا، وقد ذكرَ فيه لفظَه الذي ذكره في كتاب «الإبانة». فلمَّا انتهيتُ إلى ذكر المعتزلة، سأل الأميرُ عن معنى المعتزلة؟ فقلتُ: كان (١) الناسُ في قديم الزمان قد اختلفوا في الفاسق المِلِّيِّ ــ وهو أوَّل اختلاف (٢) حدث في الملَّة ــ هل هو كافرٌ أو مؤمن؟ فقالت الخوارج: إنَّه كافر، وقالت الجماعةُ: إنَّه مؤمن. فقالت طائفةٌ: نقول: هو فاسقٌ، لا كافر ولا مؤمن، نُنْزِله منزلةً بين المنزلتين، وخلَّدوه (٣) في النار، واعتزلوا حَلْقة الحسن البصري وأصحابه، فسُمُّوا معتزلةً. فقال الشيخ الكبير ــ بِجَبَهٍ (٤) وردٍّ ــ: ليس كما قلت، ولكن أول مسألة اختلف فيها المسلمون: مسألة الكلام، وسُمِّي المتكلمون [ق ٨٣] متكلِّمين لأجل تكلُّمهم في ذلك، وكان أوَّلُ من قالها: عَمْرو بن عُبَيد، ثم خلفه بعد موته عطاءُ بن واصل.

стр. 363

هكذا قال! وذكر نحوًا من هذا. فغضبتُ (١) وقلتُ: أخطأتَ، وهذا كذبٌ مخالفٌ للإجماع. وقلتُ له: لا أدبَ ولا فضيلة، لا تأدَّبتَ معي في الخطاب، ولا أصبتَ في الجواب! الناسُ (٢) اختلفوا في مسألة الكلام في خلافة المأمون وبعدها في أواخر المئة الثانية، وأمَّا المعتزلة فقد كانوا قبل ذلك بكثير، زمن (٣) عَمْرو بن عُبيد بعد موت الحسن البصريِّ، في أوائل المئة الثانية، ولم يكن أولئك قد تكلَّموا في مسألة الكلام، ولا تنازعوا فيها، وإنَّما أوَّل بدعتهم: تكلُّمُهم في مسائل الأسماء والأحكام (٤) والوعيد. فقال: هذا ذكره الشهرستاني في كتاب «الملل والنِّحل». فقلتُ: الشهرستانيُّ ذكر ذلك في اسم المتكلِّمين لِمَ سُمُّوا متكلِّمين (٥)، والأميرُ إنِّما سألَ عن اسم المعتزلة. وأنكر الحاضرون عليه. وقال: غلطتُ (٦). وقلتُ في ضمن كلامي: أنا أعلمُ كلَّ بدعةٍ حدثت في الإسلام، وأوّل

стр. 364

من ابتدعها، وما كان سببُ ابتداعها (١). وأيضًا: فما ذكره الشهرستانيُّ ليس بصحيح في اسم المتكلِّمين، فإنَّ المتكلّمين كانوا يُسَمَّون بهذا الاسم قبل تنازعهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء: إنَّه متكلِّم، ويصفونه بالكلام، ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام. وقلتُ أنا وغيري: إنَّما هو واصل بن عطاء (٢). قلتُ: وواصل لم يكن بعد موتِ عَمْرو بن عُبيد، وإنِّما كان قرينَه (٣). وقد رُويَ أنَّ واصلاً تكلَّم مرَّةً بكلام، فقال عَمْرو بن عُبيد: لو بُعِثَ نبيٌّ أكان (٤) يتكلّم بأحسن من هذا، وفصاحتُه مشهورة، حتى قيل: إنَّه كان ألثغ، فكان يحترز عن الرَّاء، حتَّى قيل له: أمرَ الأميرُ أن تُحْفَر بيرٌ (٥). فقال: أوْعزَ القائدُ أن يُقْلَب قليبٌ (٦). قال الشيخ المقدَّم فيهم (٧): لا ريب أنَّ الإمام أحمد إمامٌ عظيم القدر،

стр. 365

ومن أكبر أئمة الإسلام، لكن قد انتسب إليه أناسٌ ابتدعوا أشياء. فقلتُ: أمَّا هذا فحقٌّ، وليس هذا من خصائص أحمد، بل ما من إمامٍ إلَّا وقد انتسب (١) إليه أقوامٌ هو منهم بريءٌ، قد انتسبَ إلى مالك أقوامٌ هو منهم بريءٌ، وانتسب إلى الشافعيّ كذلك، وانتسب إلى أبي حنيفة كذلك. وقد انتسب إلى عيسى أُناسٌ هو منهم بريءٌ، وانتسب إلى موسى كذلك. وكذلك إلى علي بن أبي طالب (٢). ونبينا ﷺ قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف المُلْحِدَة والمنافقين من هو بريءٌ منهم. وذكر في كلامه أنَّه انتسبَ إلى أحمد أناسٌ من الحَشَوية والمشبِّهة. ونحو هذا الكلام. فقلتُ: المشبِّهة والمجسِّمة في غير أصحاب الإمام (٣) أحمد أكثر منهم فيهم، هؤلاء أصناف الأكراد كلهم شافعيَّة، وفيهم من التشبيه والتجسيم ما لا يوجد في صنفٍ آخر. وأهلُ جيلان، فيهم شافعيّة وحنبليَّة. (٤) وأمَّا الحنبليةُ المَحْضةُ [ق ٨٤] فليس فيهم من ذلك ما في غيرهم.

стр. 366

وكان من تمام الجواب: أنَّ الكرَّاميَّة المجسِّمة كلَّهم حنفية. وتكلمتُ على لفظ الحشويَّة (١) فقلتُ: هذا الّلفظ أوّل من ابتدعه المعتزلة؛ فإنَّهم يسمُّون الجماعةَ والسواد الأعظم: الحَشْو، كما تسميهم الرافضةُ: الجمهور. وحَشْو الناسِ: هم (٢) عموم الناس وجمهورُهم، وهم غير الأعيان المتميزين (٣). وأوَّل من تكلَّم بهذا: عَمْرو بن عُبَيد، وقال: كان عبد الله بن عمر حَشْويًّا. فالمعتزلة سموا الجماعة حَشْوًا (٤). وأوَّلُ من قال: إنّ الله جِسْم: هشامُ بن الحكم الرافضي. وقلتُ لهذا الشيخ: مَنْ في أصحابنا (٥) حَشْويٌّ بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم، أبو داود، المرُّوذي، الخلاّل، أبو بكر عبد العزيز، أبو الحسن التميمي، ابن حامد، القاضي أبو يعلى، أبو الخطاب، ابن عقيل؟ ! ورفعتُ صوتي وقلتُ: سَمِّهم، قل لي مَنْ هم، مَن هم؟ أَبِكَذِبِ ابنِ الخطيب (٦) وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطلُ الشريعةُ،

стр. 367

وتندرسُ معالم الدين؟ كما نقل هو وغيره عنهم أنَّهم يقولون: القرآنُ (١) القديمُ هو أصوات القارئين، ومدادُ الكاتبين، وأنَّ الصوتَ والمداد قديمٌ أزليٌّ؟ من قال هذا؟ أو في أيِّ كتابٍ وُجِدَ عنهم هذا (٢)؟ قل لي. وكما نقلَ عنهم: أنَّ الله لا يُرى في الآخرة، باللزوم الذي ادَّعاه، والمقدِّمة التي نقلها عنهم. وأخذتُ أذكرُ ما يستحقّه هذا الشيخ؛ من أنَّه كبير الجماعة وشيخُهم، وأن فيه من العقل والدين، ما يستحقُّ أن يُعامل بموجبه (٣). وأمرتُ بقراءة العقيدة جميعها عليه، فإنّه لم يكن حاضرًا في المجلس الأوّل، وإنّما أحضروه في الثاني انتصارًا به. وحدثني الثقةُ عنه بعد خروجه من المجلس، أنَّه اجتمعَ به، وقال له: أخبرني عن هذا المجلس؟ فقال: ما لفلانٍ ذنبٌ، ولا لي، فإنَّ الأمير سأل عن شيءٍ فأجابه عنه. فظننتُه سألَ عن شيءٍ آخر. وقال: قلتُ لهم: ما لكم على الرجل اعتراضٌ، فإنَّه نَصَرَ تَرْكَ التأويل، وأنتم تنصرون قولَ التأويل، وهما قولان للأشعريِّ. وقال: أنا أختارُ قولَ تركِ التأويل، وأخرج وصيَّته التي أوصى بها. وفيها:

стр. 368

قولُ تركِ التأويل. قال الحاكي لي: فقلتُ له: فبلغني عنك أنَّك قلتَ في آخر المجلس (١)، لما أشهدوا (٢) الجماعةُ على أنفسهم بالموافقة: لا تكتبوا عنِّي نفيًا ولا إثباتًا. فلِمَ ذاك؟ فقال: لوجهين: أحدهما: أنِّي لم أحضر قراءةَ جميع العقيدة في المجلس الأول. والثاني: لأنَّ أصحابي طلبوني لينتصروا بي، فما كان يليق أن أُظْهِرَ مخالفتهم، فسكتُّ عن الطائفتين. وأمرتُ غيرَ مرَّة أن تُعاد قراءة العقيدة جميعها على هذا الشيخ، فرأى بعضُ الجماعة أنَّ ذلك يطولُ (٣)، وأنَّه لا يُقرأ عليه إلا الموضع الذي (٤) لهم عليه سؤال، وأعْظَمُه لفظ «الحقيقة» فقرؤوه عليه. وذكر هو بحثًا حسنًا يتعلَّق بدلالة اللفظ. فحسَّنته ومَدَحْتُه عليه، وقلتُ: لا ريبَ أنَّ الله حيٌّ حقيقة، [عليمٌ حقيقةً] (٥)، سميعٌ حقيقةً، بصيرٌ حقيقةً، وهذا متَّفقٌ عليه بين أهل [ق ٨٥] السنَّة

стр. 369

والصِّفاتية من جميع الطوائف، ولو نازَع بعضُ أهل البدع في بعض ذلك، فلا ريبَ أنَّ الله موجودٌ، والمخلوقُ موجودٌ. ولفظ «الوجود» سواء كان مقولاً عليهما بطريق الاشتراك اللفظيِّ فقط، أو بطريق التواطُؤ المتضمِّن للاشتراك لفظًا ومعنًى، أو بالتشكيك الذي هو نوعٌ من التواطؤ= فعلى كلِّ قول، فالله موجود حقيقةً، والمخلوقُ موجودٌ حقيقة، ولا يلزمُ من إطلاق الاسم على الخالق والمخلوق بطريق الحقيقة محذورٌ. ولم أُرَجِّح في ذلك المقام قولاً من هذه الثلاثة على الآخر؛ لأنَّ غرضي يحصُل على كلِّ مقصود. وكان مقصودي تقريرَ ما ذكرتُه على قولِ جميعِ الطوائف، وأن أُبَيِّن اتفاقَ السلفِ ومن تَبِعَهم على ما ذكرتُه، وأَنَّ أَعيانَ المذاهبِ الأربعة، والأشعريَّ، وأكابر أصحابه على ما ذكرتُه. فإنَّه قبل المجلس الثاني، اجتمعَ بي من أكابر الشافعية، والمنتسبين إلى الأشعرية والحنفية، وغيرهم، ممن عَظُم خوفُهم من هذا المجلس، وخافوا انتصارَ الخصوم فيه، وخافوا على نفوسهم أيضًا من تفرُّق (١) الكلمة، فلو أظْهَرتُ (٢) الحُجَّةَ التي ينتصرُ بها ما ذكرته، ولم (٣) يكن من أئمة أصحابهم من يوافقها= لصارت فُرقةً، ولصعُب (٤) عليهم أن يُظْهِروا في المجالس

стр. 370

العامة الخروج عن أقوال طوائفهم، لما في ذلك من تمكُّن أعدائهم من أغراضهم. فإذا كان من أئمة مذاهبهم من يقول ذلك، وقامت عليه الحجَّة، وبان أنَّه مذهب السلف= أمكنهم إظهارُ القول به، مع ما يعتقدونه [في الباطن] (١) أنه الحق. حتَّى قال لي بعض الأكابر من الحنفية ــ وقد اجتمع بي ــ: لو قلتَ: هذا مذهب أحمد بن حنبل، وثَبَتَّ على ذلك؛ لانقطع النزاع. ومقصودُه أنَّه يحصل دفع الخصوم عنه (٢) بأنَّه مذهبُ متبوع، ويستريح المنتصر والمنازع من إظهار الموافقة. فقلتُ: لا والله، ليس لأحمد بن حنبل بهذا اختصاصٌ، وإنَّما هذا اعتقادُ سلف الأمة، وأهل (٣) الحديث. وقلتُ أيضًا: هذا اعتقادُ رسول الله ﷺ ، وكلُّ لفظٍ ذكرتُه فأنا أذكُر به آيةً أو حديثًا، أو إجماعًا سلفيًّا، وأذكر (٤) من ينقل الإجماعَ عن السلف من جميع طوائف المسلمين؛ الفقهاء (٥) الأربعةِ، والمتكلِّمين، وأهلِ الحديث، والصوفية.

стр. 371

وقلتُ لمن خاطبني من أكابر الشافعية: لأُبيننَّ (١) أنَّ ما ذكرتُه هو قولُ السَّلف، وقولُ أئمة أصحاب الشافعيِّ، وأذكرُ قولَ الأشعريِّ وأئمة أصحابه التي ترُدُّ على هؤلاء الخصوم، ولينتصرنَّ كلُّ شافعيٍّ، وكلُّ من قال بقول الأشعريِّ الموافقِ لمذهب السَّلف، وأُبيِّنُ أنَّ القولَ المحكيَّ عنه في تأويل الصِّفات الخبريّة قولٌ لا أصلَ له في كلامه، وإنَّما هو قولُ طائفةٍ من أصحابه. فللأشعرية قولان، ليس للأشعريِّ قولان. ولما ذكرتُ في المجلس أنَّ جميعَ أسماء الله التي يُسمَّى (٢) بها المخلوق، كلفظ «الوجود» الذي هو مقولٌ بالحقيقة على الواجب والممكن (٣) = تَنازَعَ كبيران (٤)؛ هل هو مقولٌ بالاشتراك أو بالتواطؤ؟ فقال أحدهما: هو متواطئ، وقال الآخر: هو [ق ٨٦] مشترك، لئلّا يلزم التركيب. وقال هذا: قد ذكر فخر الدين أنَّ هذا النزاع (٥) مبنيٌّ على أنَّ وجودَه هل هو عينُ ماهيَّته أم لا؟ فمن قال: إنَّ وجود كلِّ شيءٍ عينُ ماهيَّته، قال: إنَّه مَقُول بالاشتراك، ومن قال: إنَّ وجودَه قدرٌ زائد على ماهيَّته، قال: إنَّه مقولٌ بالتواطؤ.

стр. 372

فأخَذ الأوَّلُ يُرجِّحُ قولَ من يقول: إنَّ الوجود زائدٌ على الماهيَّة، لينصر أنَّه مقولٌ بالتواطؤ (١). فقال الثاني: ليس (٢) مذهبُ الأشعريِّ وأهل السنة أنَّ وجودَه عينُ ماهيَّته. فأنكر الأول ذلك. فقلتُ: أمَّا متكلِّمو (٣) أهل السنة، فعندهم أنَّ وجود كلِّ شيءٍ عينُ ماهيَّته. وأمَّا القولُ الآخر فهو قول المعتزلة: إنَّ وجود كلِّ شيءٍ قدرٌ زائدٌ على ماهيَّته، وكلٌّ منهما أصاب من وجه. فإنَّ الصوابَ أنَّ هذه الأسماء مقولة بالتواطؤ، كما قد قرَّرْتُه في غير هذا الموضع. وأجبتُ عن شُبهة التركيب بالجوابين المعروفَين. وأمَّا بناءُ ذلك على كون وجود الشيء عين ماهيَّته أو ليس [عينه] (٤) فهو من الغلط المضاف إلى ابن الخطيب، فإنَّا وإن قلنا: إنَّ وجودَ الشيءِ عينُ ماهيَّته، لا يجبُ أن يكون الاسم مقولاً عليه وعلى نظيره بالاشتراك (٥) اللفظيِّ فقط، كما في جميع أسماء الأجناس، فإنَّ اسم «السواد» مَقُولٌ على هذا السواد وهذا السواد بالتواطؤ، وليس عينُ هذا السواد هو عين هذا السواد؛

стр. 373

إذ (١) الاسم دالٌّ على القدر المشترك بينهما، وهو المطلق الكلّي، لكنَّه لا يوجد مطلقًا (٢) بشرط الإطلاق إلا في الذِّهْن، ولا يلزم من ذلك نفي القَدْر المشترك بين الأعيان الموجودة في الخارج، فإنّه على ذلك تنتفي الأسماء المتواطئة، وهي جمهورُ (٣) الأسماء الموجودة في اللُّغات (٤)، وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق (٥) على الشيء وعلى كلِّ ما أشبهه، سواء كان اسم عين أو اسم صفة، جامدًا أو مشتقًّا، وسواء كان جنسًا (٦) منطقيًّا أو فقهيًّا أو لم يكن. بل اسم الجنس في اللغة يدخل فيه (٧) الأجناس والأصناف (٨) والأنواع، ونحو ذلك، وكلُّها أسماء متواطئة، وأعيانُ مُسمياتها في الخارج متميزة. وطلب بعضُهم إعادةَ قراءة الأحاديث المذكورة (٩) في العقيدة، ليطعنَ

стр. 374

في بعضها (١). فقلتُ: كأنّك استعددت للطعن في حديث الأوعال (٢)، وكانوا قد تَعَنَّوا (٣) حتَّى ظفروا بما تكلَّم به زكيُّ الدين عبد العظيم (٤)، من قول البخاريِّ في «تاريخه» (٥): عبد الله بن عُميرة، لا يُعرَف له سماع من الأحنف. فقلت: هذا الحديث مع أنه رواه أهل السنن، كأبي داود وابن ماجه والترمذي وغيرهم= فهو مرويٌّ من طريقين مشهورَين، فالقدح في أحدهما لا يقدح في الآخر. فقال: أليس مداره على ابن عُميرة، وقد قال البخاريّ: لا يُعرف له سماعٌ من الأحنف؟ فقلتُ: قد رواه إمام الأئمة ابن خُزيمة في «كتاب التوحيد» (٦) الذي اشترط فيه أنه لا يحتجُّ فيه إلا بما نقله العدلُ عن العدل موصولًا إلى النبي ﷺ .

стр. 375

قلتُ: والإثبات مقدَّمٌ على النفي، والبخاريُّ إنَّما نفى معرفتَه بسماعه (١) من الأحنف، لم ينف معرفةَ الناس بهذا، فإذا عرف غيره ــ إمام الأئمة (٢) ــ كانت معرفته وإثباته مقدَّمًا على نفي غيره وعدم معرفته. ووافقَ الجماعةُ على ذلك. وأخذ بعضُ الجماعة يذكر من المدح ما لا يليق أن أحكيه. وأخذوا يناظرون في أشياء لم تكن في العقيدة، ولكن لها تعلُّقٌ بما أجبتُ به في مسائل، ولها تعلُّقٌ بما قد يفهمونه من العقيدة. وأحضر بعضُ أكابرهم (٣) كتاب «الأسماء والصفات» للبيهقي، فقال: هذا فيه تأويل الوجه عن السَّلف. فقلتُ: لعلك تعني قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٤) [البقرة: ١١٥]. فقال: نعم، قد قال مجاهد والشافعي: يعني قِبلَة الله. فقلتُ: هذا صحيح عنهما وعن (٥) وغيرهما، وهذا حقٌّ، وليست هذه الآية من آيات الصفات. ومن عدَّها في الصفات فقد غلط، كما فعل طائفة! فإنَّ سياق الكلام يدلُّ على المراد، حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا

стр. 376

تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والمشرقُ والمغربُ الجهات. والوجه: هو الجهة، يقال: أيَّ وجهٍ تريد؟ أي: أيَّ جهةٍ، وأنا أريدُ هذا الوجه، أي هذه الجهة. كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: ١٤٨]، ولهذا قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾، أي: تستقبلوا وتتوجّهوا. والله أعلم. هذا آخر ما علَّقه الشيخ ــ ﵀ ــ فيما يتعلَّق بالمناظرة، بحضرة نائبِ السَّلطنة (١) والقضاة والفقهاء وغيرهم بالقصر.

стр. 377

[كتاب باستدعاء الشيخ إلى مصر] وفي يوم الاثنين خامس شهر رمضان من سنة خمس وسبعمائة وصل كتابُ السلطان بالكشف عما (١) وقع للشيخ تقيّ الدين في ولاية سيف الدين جاغان، وفي ولاية القاضي إمام الدين (٢)، وبإحضاره وإحضار القاضي (٣) نجم الدين بن صَصْرى إلى الديار المصرية. فَطَلب نائبُ السلطنة الشيخَ وجماعةً من الفقهاء وسألهم عن تلك الواقعة وقُرئ عليهم المرسوم. فأجابَ كلٌّ منهم بما كان عنده من تلك القضية، وكتبه عنهم صاحب الديوان محيي الدين ابن فضل الله (٤). وفي يوم الاثنين ثاني عشر رمضان توجه الشيخ تقي الدين (٥)، والقاضي نجم الدين إلى مصر على البريد، وخرج مع الشيخ خَلْق كثير، وبكوا وخافوا عليه من أعدائه. وأُخْبِرت أن نائب السَّلْطنة كان قد أشار على الشيخ بترك التوجُّه إلى مصر، وأنه يُكاتب في ذلك، فامتنع الشيخ من ذلك ولم يقبل، وذَكَر أن في توجُّهه إلى مصر مصالح كثيرة. ***

стр. 378

وقرأت بخطِّ بعض أصحاب الشيخ، قال: ولمَّا توجَّه الشيخ في اليوم الذي توجّه فيه من دمشق المحروسة، كان يومًا مشهودًا غريبَ المثل في كثرة ازدحام الناس لوداعه ورؤيته، حتى انتشروا (١) من باب داره إلى قريب الجسورة (٢) ــ فيما بين دمشق والكِسْوة (٣) ــ التي هي أول منزلة منها، وهم ما بين باكٍ وحزين ومتعجِّب ومتنزِّه، ومزاحم متغالٍ فيه. [ق ٨٨] ودخل الشيخُ مدينة غزَّة يوم السبت، وعمل في جامعها مجلسًا عظيمًا. وفي يوم الخميس الثاني والعشرين من رمضان وصل الشيخ والقاضي إلى القاهرة. وفي ثاني يوم بعد صلاة الجمعة، جُمِع القضاةُ وأكابر الدولة بالقلعة لمَحْفِل الشيخ (٤)، وأراد الشيخ أن يتكلَّم، فلم يمكَّن من البحث والكلام على عادته، وانتَدَب له الشمسُ ابن عَدْلان خَصْمًا احتسابًا، وادَّعى عليه عند القاضي ابن مخلوف المالكي (٥) أنه يقول: إن الله فوق العرش حقيقة، وإن الله يتكلَّم بحرف وصوت، وسأل جوابه.

стр. 379

فأخذ الشيخُ في حَمْد الله والثناء عليه، فقيل له: أجِبْ، ما جئنا بك لتخطب! فقال: ومَنِ الحاكمُ فيَّ؟ قيل (١) له: القاضي المالكي. قال: كيف يحكم فيَّ وهو خصمي؟ ! وغضب غضبًا شديدًا وانزعج. فأُقيم مرسَّمًا عليه وحُبِس في برجٍ أيامًا. ثم نُقِل منه ليلة عيد الفطر إلى الحبس المعروف بـ «الجُبّ» هو وأخواه شرف الدين عبد الله، وزين الدين عبد الرحمن. ثم إن نائب السلطنة: سيف الدين سلَّار (٢)، بعدَ أكثر من سنةٍ، وذلك ليلة عيد الفطر من سنة ست وسبعمائة أحضر القضاة الثلاثة: الشافعي والمالكي والحنفي، ومن الفقهاء: الباجيّ والجَزَري والنمراوي، وتكلم في إخراجه (٣) من الحبس. فاتفقوا على أنه يُشْترط عليه (٤) أمور، ويُلْزَم بالرجوع عن بعض العقيدة. فأرسلوا إليه من يُحضره ليتكلَّموا معه في ذلك، فلم يُجِب إلى

стр. 380

الحضور، وتكرَّر الرسولُ إليه في ذلك ست (١) مرات، وصمَّم على عدم الحضور، فطال عليهم المجلس، وانصرفوا عن غير شيء (٢). وفي اليوم الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة (٣) ست وسبعمائة، أخبر نائبُ السلطنة بدمشق بوصول كتابٍ إليه من الشيخ تقيّ الدين من الجُبّ، وأعْلَمَ بذلك جماعةً ممن حضر مجلسه، وأثنى عليه وقال: ما رأيت مثله ولا أشجع منه! وذَكَر ما هو عليه في السِّجْن من التوجُّه إلى الله تعالى، وأنه لم يقبل شيئًا من الكسوة السلطانية، ولا من الإدرار السلطاني، ولا تدنَّس بشيء من ذلك. وفي هذا الشهر أيضًا شهر ذي الحجة في يوم الخميس اليوم السابع والعشرين منه طُلِب أخَوا الشيخ تقيّ الدين: شرف الدين (٤)، وزين الدين من الحَبْس (٥) إلى مجلس نائب السلطة سلَّار، وحضر القاضي زينُ الدين بن مخلوف المالكي، وجرى بينهم كلام كثير، وأُعِيدا إلى موضعهما بعد أن بحثَ الشيخُ شرف الدين مع القاضي المالكي (٦)، وظهر عليه في النقل

стр. 381

والمعرفة، وخطَّأه في مواضع [٨٩] ادَّعى فيها الإجماع، وكان الكلام في مسألة العرش، وفي مسألة الكلام، وفي مسألة النزول. وفي يوم الجمعة التالي لليوم (١) المذكور أُحْضِر الشيخ شرف الدين وحدَه إلى مجلس نائب السلطنة، وحضر ابن عَدْلان، وتكلَّم معه الشيخ شرفُ الدين، وناظره وبحثَ معه وظهرَ عليه (٢). وفي اليوم الرابع والعشرين من صفر من سنة سبع وسبعمائة اجتمع القاضي بدر الدين بن جماعة (٣) بالشيخ تقيّ الدين في دار الأوحديّ بالقلعة بكرة الجمعة، وتفرَّقا قبل الصلاة، وطال بينهما الكلام. [الأمير ابن مهنا وإخراج الشيخ من الجبّ] وفي شهر ربيع الأول من سنة سبع دخل الأمير حُسام الدين مهنَّا ابن عيسى مَلِك العَرَب إلى مصر، وحضر بنفسه إلى الجبّ. فأخرجَ الشيخَ تقيّ الدين بعد أن استأذنَ في ذلك، فخرج يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر المذكور (٤) إلى دار نائب السلطنة بالقلعة، وحضر بعضُ الفقهاء،

стр. 382

وحصل بينهم بحثٌ كثير، وفَرَّقت صلاةُ الجمعة بينهم، ثم اجتمعوا (١) إلى المغرب، ولم ينفصل الأمر. ثم اجتمعوا يوم الأحد بعد يومين بمرسوم السلطان مجموعَ النهار، وحضرَ جماعةٌ أكثر من الأولين، حضر نجم الدين بن الرِّفْعة، وعلاء الدين الباجي، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد، وعزّ الدين النَّمْراوي، وشمس الدين بن عَدْلان، وجماعة من الفقهاء (٢). ولم يحضر القضاة، وطُلِبوا، فاعتذر بعضُهم بالمرض، وبعضهم بغيره، وقَبِل عذْرَهم نائبُ السلطنة (٣). ولم يكلِّفهم الحضور، بعد أن رسم السلطان بحضورهم. وانفصلَ المجلس على خير. وبات الشيخ عند نائب السلطنة. وكتبَ كتابًا إلى دمشق بكرة الاثنين السادس والعشرين من الشهر، يتضمَّنُ خروجَه، وأنه أقام بدار ابن شُقَير بالقاهرة، وأنَّ الأمير سيف الدين سلَّار رَسَم بتأخُّرِه (٤) عن الأمير مهنَّا أيَّامًا، ليرى الناسُ فضله ويحصل لهم الاجتماع به.

стр. 383

وكان (١) مُدَّة مقام الشيخ في الجبِّ ثمانية عشر شهرًا. وفرح خلقٌ كثير بخروجه، وسرُّوا بذلك سرورًا عظيمًا، وحَزِن آخرون وغضبوا. وامتدحه الشيخ الإمام نجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي (٢) بقصيدة، منها: فاصبر ففي الصبر (٣) ما يغنيك عن حِيَل ... وكلُّ صَعْب إذا صابرته هانا ولستَ تَعْدَم من خطبٍ رُميتَ به ... إحدى اثنتين فأيقن ذاك إيقانا تمحيصَ ذنب لتلقى الله خالصةً ... أو امتحانًا به تزدادُ قربانا يا سعد، إنا لنرجو أن تكون لنا ... سَعْدًا ومرعاك للرّوّاد (٤) سعدانا وأن يَضرّ بك الرحمنُ طائفةً ... وَلَّت وينفعُ من بالودِّ والانا يا أهل تيميَّة العالين مرتبةً ... ومنصبًا فَرعَ (٥) الأفلاك تبيانا جواهرُ الكون أنتم غيرَ أنكمُ ... في معشر أُشرِبوا في العقل نقصانا لا يعرفون لكم فضلًا ولو عَقَلوا ... لصيَّروا لكم الأجفانَ أوطانا [ق ٩٠] يا من حوى من علوم الخلق ما قَصُرَتْ عنه الأوائل مُذْ كانوا إلى الآنا

стр. 384

إن تُبْتلى بلئام الناس يرفَعُهم ... عليك دهر (١) لأهل الفضلِ قد خانا إني لأقسم والإسلامُ مُعْتقدي ... وإنني من ذوي الإيمان أيمانا: لم ألقَ قبلك إنسانًا أُسرُّ به ... فلا بَرِحْتَ لعين المجد إنسانا في أبيات كثيرة غير هذه يمدح فيها الشيخ ويذمُّ أعداءه. *** وفي يوم الجمعة صلّى الشيخ في جامع الحاكم، وجلس فاجتمع إليه خلقٌ عظيم. وسأله بعضُهم أن يتكلَّمَ بشيء يسمعونه منه، فلم يجبهم إلى ذلك، بل كان يتبسَّم وينظر يَمْنهً ويَسْرةً. فقال له رجل: قال الله في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، فنهضَ (٢) قائمًا، وابتدأ بخطبة الحاجة ــ خطبة ابن مسعود ــ ثم استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، وقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ... ﴾ [الفاتحة: ١ - ٢] (٣) إلى آخرها. وتكلَّم على تفسير قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وفي معنى العبادة والاستعانة، إلى أن أذَّنَ مؤذِّن العصر.

стр. 385

وفي يوم الخميس السادس من شهر ربيع الآخر من سنة سبع عُقِد للشيخ مجلسٌ آخر بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، واجتمع فيه القضاةُ وغيرهم. وكان مما جرى في المجلس ــ فيما بلغني ــ أنه قيل للشيخ: تَسْتَغفر الله العظيم، وتتوب (١) إليه! فقال الشيخ: كلُّنا نستغفر الله العظيم ونتوب إليه، والتفتَ إلى رجلٍ منهم، فقال له: اسْتَغْفر الله العظيم وتُبْ إليه! فقال: أستغفرُ الله العظيم وأتوبُ إليه، وكذلك قال لآخر ولآخر، وكلُّهم يقول كذلك! فقيل للشيخ: تُبْ إلى الله من كذا وكذا ــ وذُكِر له كلامٌ (٢) ــ. فقال: إن كنتُ قلتُ كلامًا يستوجب التوبةَ فأنا تائبٌ منه. فقال له قائل: هذه ليست توبة. فردَّ عليه الشيخ، وجهَّلَه، ووقع كلامٌ يطول ذكره. ووصل كتابُ الشيخ مؤرَّخًا بليلة الجمعة الرابع عشر من الشهر، يذكر فيه أنه عُقِد له مجلس ثالث بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، بعد خروج مُهنَّا في يوم الخميس سادس الشهر، وأنه حَصَل فيه خير، وأن في إقامته مصالح وفوائد (٣).

стр. 386

[كتاب من الشيخ إلى والدته وغيرها] وقد وقفتُ على عدَّة كتبٍ بخط الشيخ، بعثها (١) من مصر إلى والدته، وإلى أخيه لأمه: بدر الدين، وإلى غيرهما. منها: كتاب إلى والدته يقول فيه: من أحمد ابن تيميَّة إلى الوالدة السعيدة، أقرَّ الله عينَها بنِعَمِه، وأسبغَ عليها جزيلَ كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخَدَمِه. سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنَّا نحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهْلٌ، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلِّي على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. كتابي إليكم [ق ٩١] عن نِعَم من الله عظيمة، ومِنَن كريمة، وآلاء جسيمة، نشكر الله عليها، ونسأله المزيدَ من فضله. ونِعَم الله كلَّما جاءت في نموٍّ وازدياد (٢)، وأياديه جلَّت عن التَّعْداد. وتعلمون أنّ مُقامنا الساعة في هذه البلاد، إنما هو (٣) لأمور ضرورية، متى أهملناها فسَدَ علينا أمرُ الدين والدنيا. ولَسْنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيورُ لسِرْنا إليكم، ولكنَّ الغائب عذرُه معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنكم ــ ولله الحمد ــ ما تختارون الساعةَ إلا ذلك، ولم

стр. 387

نعزم على المُقام والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كلَّ يوم نستخير الله تعالى في السَّفَر إليكم، فاستخيروا اللهَ (١) لنا ولكم، وادعوا لنا بالخِيَرة. فنسأل الله العظيم أن يَخِير لكم ولنا (٢) وللمسلمين ما فيه الخِيَرة في خير وعافية. ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال ولا يدور في الخيال! ونحن في كلّ وقت مُهتمُّون في السَّفَر (٣)، مستخيرون الله . فلا يظن الظانُّ أنا نؤثِرُ على قربكم شيئًا من أمور الدنيا قط، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربُكم أرجح منه، ولكن ثَمَّ أمور كبار نخاف الضررَ الخاصَّ والعامَّ من إهمالها، والشاهدُ يرى ما لا يرى الغائب. والمطلوبُ كثرة الدّعاء بالخيرة، فإنَّ الله يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علَّام الغيوب. وقد قال النبي ﷺ : «مِنْ سعادة ابن آدم استخارَتُه الله، ورضاه بما يقسم الله له، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله، وسَخَطه بما يقسم الله له» (٤).

стр. 388

والتاجر يكون مسافرًا، فيخاف ضياعَ بعضِ ماله، فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيه، وما نحن فيه أمرٌ يَجِلُّ عن الوصف، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كثيرًا كثيرًا، وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار، وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدًا واحدًا. والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه (١) وسلَّم تسليمًا. *** [كتاب الشيخ إلى أخيه لأمه بدر الدين] (٢) ومنها: كتاب إلى أخيه لأمّه يقول فيه: من أحمد ابن تيمية إلى الأخ الشيخ الإمام العالم بدر الدين، تولَّاه الله في جميع الأمور (٣)، وصرف عنه كلَّ محذور، وأصلح له أمرَ الدّنيا والآخرة، وأسبغ عليه نِعَمَه باطنةً وظاهرة.

стр. 389

سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله [إلا] هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلِّ شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين: محمدٍ عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم تسليمًا. أما بعد؛ فقد وصل كتابكم المبشِّر بوصول الكتاب إليكم، وحَمِدْنا الله على ما أنعم به عليكم (١) من وصول أخبار السرور إليكم. ومن حين خرجنا لم نزل في آلاءٍ مترادفة ونِعَمٍ متزايدة، ومِنَنٍ جازت حدَّ الأماني، بحيث يقصر الخطاب والكتاب عن تفصيل مِعْشارها (٢)، ونِعَم الله في زيادة، والله هو المسؤول أن يوزِعَنا وسائرَ المؤمنين شكرَها ويزيدنا من فضله. وفي مُقامنا من حصول الخير والفوائد لأهل هذه البلاد ولكم ولسائر المؤمنين ما أوجبَ التأخُّر عن التعجيل إليكم [ق ٩٢]. فتعلمون أن ذلك من تمام نِعَمة الله تعالى، فإنّ في ذلك من الخيرات ما لا يمكن وصفُه. وقد كان عُقِد مجلسٌ بالمدرسة المنصوريّة يوم الخميس، وكان يومًا مشهودًا، كان فيه من رحمة الله ولطفه، وانتشار الدعاء المستجاب، والثناء المستطاب، واجتماع (٣) القلوب على ما تحبونه وتختارونه فوق (٤) ما كان

стр. 390

بالشام وأعظم منه، بحيث صار عند أهل (١) مصر من البِشْر بنعمة الله علينا ما لا يوصَف، وظَهَر الحقُّ للعامّة والخاصّة، ووصل الجماعةُ القادمون عقب (٢) ذلك يوم الجمعة، فجمع الله الشمل بهم على أحسن حال، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي جمعَ قلوبَ المؤمنين، فأكْثِروا الشكر لله والثناء. وعليكم بما يجمع قلوبَ المؤمنين ويؤلِّف بين قلوبهم (٣)، وإيّاكم والبَطَر والتفريقَ بين المؤمنين، فالأصل الذي يُبْنى عليه الاعتصام بالسنة والجماعة هو (٤): اجتماع قلوب المؤمنين بحيث يُجْتنب التفرّق بينهم والاختلاف بحسب الإمكان. فإنّ الذي صنعه الله ويصنعه (٥) في هذه القضية أمرٌ جاز (٦) حدَّ الأوهام، وفات قُوى العقول. والحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربنا ويرضى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وتسلِّمون على جميع الإخوان والأصحاب (٧) واحدً واحدًا.
следующие страницы →