← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

[كتاب من الشيخ إلى والدته وغيرها] وقد وقفتُ على عدَّة كتبٍ بخط الشيخ، بعثها (١) من مصر إلى والدته، وإلى أخيه لأمه: بدر الدين، وإلى غيرهما. منها: كتاب إلى والدته يقول فيه: من أحمد ابن تيميَّة إلى الوالدة السعيدة، أقرَّ الله عينَها بنِعَمِه، وأسبغَ عليها جزيلَ كرمه، وجعلها من خيار إمائه وخَدَمِه. سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنَّا نحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهْلٌ، وهو على كل شيء قدير. ونسأله أن يصلِّي على خاتم النبيين، وإمام المتقين محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا. كتابي إليكم [ق ٩١] عن نِعَم من الله عظيمة، ومِنَن كريمة، وآلاء جسيمة، نشكر الله عليها، ونسأله المزيدَ من فضله. ونِعَم الله كلَّما جاءت في نموٍّ وازدياد (٢)، وأياديه جلَّت عن التَّعْداد. وتعلمون أنّ مُقامنا الساعة في هذه البلاد، إنما هو (٣) لأمور ضرورية، متى أهملناها فسَدَ علينا أمرُ الدين والدنيا. ولَسْنا والله مختارين للبعد عنكم، ولو حملتنا الطيورُ لسِرْنا إليكم، ولكنَّ الغائب عذرُه معه، وأنتم لو اطلعتم على باطن الأمور، فإنكم ــ ولله الحمد ــ ما تختارون الساعةَ إلا ذلك، ولم

стр. 387

نعزم على المُقام والاستيطان شهرًا واحدًا، بل كلَّ يوم نستخير الله تعالى في السَّفَر إليكم، فاستخيروا اللهَ (١) لنا ولكم، وادعوا لنا بالخِيَرة. فنسأل الله العظيم أن يَخِير لكم ولنا (٢) وللمسلمين ما فيه الخِيَرة في خير وعافية. ومع هذا فقد فتح الله من أبواب الخير والرحمة، والهداية والبركة، ما لم يكن يخطر بالبال ولا يدور في الخيال! ونحن في كلّ وقت مُهتمُّون في السَّفَر (٣)، مستخيرون الله . فلا يظن الظانُّ أنا نؤثِرُ على قربكم شيئًا من أمور الدنيا قط، بل ولا نؤثر من أمور الدين ما يكون قربُكم أرجح منه، ولكن ثَمَّ أمور كبار نخاف الضررَ الخاصَّ والعامَّ من إهمالها، والشاهدُ يرى ما لا يرى الغائب. والمطلوبُ كثرة الدّعاء بالخيرة، فإنَّ الله يعلم ولا نعلم، ويقدر ولا نقدر، وهو علَّام الغيوب. وقد قال النبي ﷺ : «مِنْ سعادة ابن آدم استخارَتُه الله، ورضاه بما يقسم الله له، ومن شقاوة ابن آدم ترك استخارته لله، وسَخَطه بما يقسم الله له» (٤).

стр. 388

والتاجر يكون مسافرًا، فيخاف ضياعَ بعضِ ماله، فيحتاج أن يقيم حتى يستوفيه، وما نحن فيه أمرٌ يَجِلُّ عن الوصف، ولا حول ولا قوّة إلا بالله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كثيرًا كثيرًا، وعلى سائر من في البيت من الكبار والصغار، وسائر الجيران والأهل والأصحاب واحدًا واحدًا. والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه (١) وسلَّم تسليمًا. *** [كتاب الشيخ إلى أخيه لأمه بدر الدين] (٢) ومنها: كتاب إلى أخيه لأمّه يقول فيه: من أحمد ابن تيمية إلى الأخ الشيخ الإمام العالم بدر الدين، تولَّاه الله في جميع الأمور (٣)، وصرف عنه كلَّ محذور، وأصلح له أمرَ الدّنيا والآخرة، وأسبغ عليه نِعَمَه باطنةً وظاهرة.

стр. 389

سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله [إلا] هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلِّ شيء قدير، ونسأله أن يصلي على خاتم النبيين، وإمام المتقين: محمدٍ عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم تسليمًا. أما بعد؛ فقد وصل كتابكم المبشِّر بوصول الكتاب إليكم، وحَمِدْنا الله على ما أنعم به عليكم (١) من وصول أخبار السرور إليكم. ومن حين خرجنا لم نزل في آلاءٍ مترادفة ونِعَمٍ متزايدة، ومِنَنٍ جازت حدَّ الأماني، بحيث يقصر الخطاب والكتاب عن تفصيل مِعْشارها (٢)، ونِعَم الله في زيادة، والله هو المسؤول أن يوزِعَنا وسائرَ المؤمنين شكرَها ويزيدنا من فضله. وفي مُقامنا من حصول الخير والفوائد لأهل هذه البلاد ولكم ولسائر المؤمنين ما أوجبَ التأخُّر عن التعجيل إليكم [ق ٩٢]. فتعلمون أن ذلك من تمام نِعَمة الله تعالى، فإنّ في ذلك من الخيرات ما لا يمكن وصفُه. وقد كان عُقِد مجلسٌ بالمدرسة المنصوريّة يوم الخميس، وكان يومًا مشهودًا، كان فيه من رحمة الله ولطفه، وانتشار الدعاء المستجاب، والثناء المستطاب، واجتماع (٣) القلوب على ما تحبونه وتختارونه فوق (٤) ما كان

стр. 390

بالشام وأعظم منه، بحيث صار عند أهل (١) مصر من البِشْر بنعمة الله علينا ما لا يوصَف، وظَهَر الحقُّ للعامّة والخاصّة، ووصل الجماعةُ القادمون عقب (٢) ذلك يوم الجمعة، فجمع الله الشمل بهم على أحسن حال، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي جمعَ قلوبَ المؤمنين، فأكْثِروا الشكر لله والثناء. وعليكم بما يجمع قلوبَ المؤمنين ويؤلِّف بين قلوبهم (٣)، وإيّاكم والبَطَر والتفريقَ بين المؤمنين، فالأصل الذي يُبْنى عليه الاعتصام بالسنة والجماعة هو (٤): اجتماع قلوب المؤمنين بحيث يُجْتنب التفرّق بينهم والاختلاف بحسب الإمكان. فإنّ الذي صنعه الله ويصنعه (٥) في هذه القضية أمرٌ جاز (٦) حدَّ الأوهام، وفات قُوى العقول. والحمد لله ربِّ العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربنا ويرضى. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وتسلِّمون على جميع الإخوان والأصحاب (٧) واحدً واحدًا.

стр. 391

كتب (١) ليلة الجمعة رابع عشر شهر ربيع الآخر. *** [كتاب آخر للشيخ بعثه من مصر إلى دمشق] ومنها: كتاب قال فيه ــ بعد حَمْد الله تعالى والصلاة على نبيه ﷺ ــ: أما بعد؛ فإنَّ الله ــ وله الحمد ــ قد أنعم عليَّ من نعمه العظيمة، ومِنَنه الجسيمة، وآلائه الكريمة ما هو مستوجبٌ لعظيم الشكر، والثبات على الطاعة، واعتياد حُسْن الصبر على فعل المأمور، والعبدُ مأمور بالصبر (٢) في السرَّاء أعظم من الصبر في الضرَّاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ (٣) أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: ٩ - ١١]. وتعلمون أنّ الله سبحانه منَّ في هذه القضية من المِنَن التي فيها من أسباب نَصْر دينه، وعلوِّ كلمته، ونَصْر جُنده، وعزّة أوليائه، وقوَّة أهل السنة والجماعة، وذُلّ أهل البِدْعة والفُرْقة، وتقرير ما قُرِّر عندكم من السنة، وزيادات على ذلك بانفتاح أبواب من الهدى (٤) والنصر والدلائل، وظهور

стр. 392

الحق لأمم لا يُحْصي عددَهم إلا الله، وإقبال الخلائق إلى سبيل السنة والجماعة، وغير ذلك من المِنن، مما (١) لابدَّ معه من عظيم الشكر ومن الصبر، وإن كان صبرًا في سرَّاء. وتعلمون أنَّ من القواعد العظيمة، التي هي من جِماع الدِّين: تأليفَ القلوب، واجتماع الكلمة، وإصلاحَ (٢) ذات البَين، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]. ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ويقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وأمثالُ ذلك من النصوص التي تأمر بالجماعة والائتلاف، وتنهى (٣) عن الفُرْقة [ق ٩٣] والاختلاف. وأهلُ هذا الأصل هم أهل الجماعة، كما أنَّ الخارجين عنه هم أهل الفُرْقة. وجماع السنة: طاعةُ الرسول، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في «صحيحه» (٤) عن أبي هريرة: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرَّقوا، وأن

стр. 393

تُناصِحوا من ولَّاه الله أمورَكم». وفي «السنن» (١) من حديث زيد بن ثابت وابن مسعود ــ فَقيهَي الصحابة ــ عن النبي ﷺ أنه قال: «نضَّر الله امرأً سمع مِنَّا (٢) حديثًا فبلَّغه إلى من لم يَسْمَعه، فرُبّ حامل فقهٍ غير فقيه، وربّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقه منه. ثلاثٌ لا يغلّ عليهنّ قلبُ مسلم: إخلاص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإنّ دعوتهم تُحِيط مَنْ وراءَهم». وقوله: «لايغلّ» أي: لا يحقد عليهنّ، فلا يبغضُ هذه الخصال قلبُ المسلم بل يحبهنّ ويرضاهنّ. وأول ما أبدأ به من هذا الأصل: ما يتعلَّقُ بي (٣)، فتعلمون ــ رضي الله عنكم ــ أني لا أحبُّ أن يؤذَى أحدٌ من عموم المسلمين ــ فضلًا عن أصحابنا ــ بشيء (٤) أصلًا، لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا عندي عَتْب على أحد منهم ولا لوم أصلاً، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال، والمحبَّة والتعظيم أضعافُ أضعافِ ما كان، كُلٌّ بِحَسَبه.

стр. 394

ولا يخلو الرَّجل من (١) أن يكون مجتهدًا مصيبًا، أو مخطئًا، أو مذنبًا. فالأول: مأجور مشكور، والثاني: مع أجره على الاجتهاد فمعفوٌّ عنه مغفور له. والثالث: فالله يغفر لنا وله ولسائر المؤمنين. فيُطْوَى (٢) بساطُ الكلام المخالف لهذا الأصل؛ كقول القائل: فلانٌ قصَّر، فلانٌ ما عَمِل، فلانٌ أُوذِيَ الشيخُ بسببه، فلانٌ كان سبب هذه القضية، فلانٌ كان يتكلَّم في كذا (٣)، فلانٌ، فلانٌ (٤). ونحو هذه الكلمات التي فيها مذمَّة لبعض الأصحاب والإخوان، فإني لا أسامح من آذاهم من هذا الباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله. بل مثل هذا يعودُ على قائله بالملام، إلا أن تكون له نيَّة حسنة فيكون (٥) ممن يغفرُ الله له إن شاء، وقد عفا الله عمَّا سلف. وتعلمون أيضًا أن ما يجري (٦) من نوع تغليظٍ أو تخشينٍ على بعض الأصحاب والإخوان، مما (٧) كان يجري بدمشق، ومما جرى الآن بمصر، فليس ذلك غَضاضةً ولا نقصًا في حقِّ صاحبه، ولا حصل بسبب ذلك تغيّر

стр. 395

منَّا ولا نقص (١)، بل هو بعد ما عُومِلَ به من التغليظ والتخشين أرفعُ قدرًا، وأنْبَه ذكرًا، وأحبّ وأعظم. وإنما هذه الأمور هي من مصالح المؤمنين، التي يُصْلِحُ الله بها بعضَهم ببعض؛ فإن المؤمن للمؤمن كاليدين يغسل أحدُهما (٢) الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخُ إلا بنوعٍ من الخشونة، لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما يُحْمَد (٣) معه ذلك التخشين. وتعلمون أنَّا جميعًا متعاونون على البرِّ والتقوى، واجبٌ علينا نصر بعضنا بعضًا أعظمَ مما كان وأشدّ، فمن رام أن يؤذي بعضَ الأصحاب أو الإخوان لِمَا قد يظنه من نوع تخشينٍ عُومل به بدمشق أو بمصر [ق ٩٤] الساعة أو غير ذلك= فهو الغالط. وكذلك من ظنَّ أن المؤمنين يتخلَّون (٤) عمَّا أُمِروا به من التعاون والتناصر، فقد ظنَّ ظنَّ سوء، وإن الظنَّ لا يغني من الحقّ شيئًا، وما غاب عنَّا أحدٌ من الجماعة، أو قَدِم إلينا الساعة أو قبل الساعة، إلا ومنزلته عندنا اليوم أعظم مما كانت وأجلُّ وأرفع. وتعلمون رضي الله عنكم: أن ما دون هذه القضية من الحوادث يقع فيها من اجتهاد الآراء، واختلاف الأهواء، وتنوّع أحوال أهل الإيمان، وما لا بدّ منه

стр. 396

من نزغات الشيطان= مالا يتصوّر أن يعتري (١) عنه نوع الإنسان، وقد قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٢ - ٧٣]. بل أنا أقول ما هو أبلغ من ذلك، تنبيهًا بالأدنى على الأعلى وبالأقصى على الأدنى، فأقول: تعلمون كثرة ما وقع في هذه القضية من الأكاذيب المفتراة، والأغاليط المظنونة، والأهواء الفاسدة، وأنَّ ذلك أمرٌ يجلّ عن الوصف، وكل ما قيل من كَذِبٍ وزور، فهو في حقِّنا خيرٌ ونعمة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ... ﴾ (٢) [النور: ١١]. وقد أظهر الله من نور الحقِّ وبرهانه، ما ردَّ به إفكَ الكاذبِ وبُهتانه. فلا أحبُّ أن يُنْتَصر لي (٣) من أحدٍ بسبب كذبه عليَّ أو ظلمه وعداوته (٤)، فإني قد حلَّلتُ كلَّ مسلم، وأنا أحبُّ الخير لكلِّ المسلمين، وأريد لكلّ مؤمن من الخير ما أحبُّه لنفسي، والذين كذبوا وظلموا فهم في حلٍّ من جهتي. وأما ما يتعلَّق بحقوق الله تعالى؛ فإن تابوا تابَ الله عليهم، وإلا فحُكم

стр. 397

الله نافذٌ فيهم. فلو كان الرجل مشكورًا على سوء عمله لكُنْت (١) أشكر كلَّ من كان سببًا في هذه القضية؛ لما ترتَّب عليه من خير الدنيا والآخرة، لكنَّ الله هو المشكور على حُسْن نعمه وآلائه وأياديه التي لا يُقْضى للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له. وأهل القصد الصالح يُشْكَرون (٢) على قصدهم، وأهل العمل الصالح يُشْكرون على عملهم، وأهل السيئات نسأل الله أن يتوب عليهم. وأنتم تعلمون هذا من خُلقي، والأمر أزْيَد مما كان وأوكد، لكن حقوق الناس بعضهم مع بعض، وحقوق الله عليهم= هم فيها تحت حكم الله. وأنتم تعلمون أن الصدِّيق الأكبر في قضية الإفك ــ التي أنزل الله فيها القرآن ــ حلف لا يَصِلُ إلى (٣) مِسْطَح بن أُثاثة؛ لأنه كان من الخائضين في الإفك، فأنزل الله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] فلما نزلت قال أبو بكر: بلى أحبُّ (٤) أن يغفر الله لي، فأعاد إلى مِسْطَح النفقة التي كان ينفق. ومع ما ذكر من العفو والإحسان وأمثاله وأضعافه، فالجهادُ (٥) على ما

стр. 398

بعثَ الله به رسولَه من الكتاب والحكمة أمرٌ لا بدَّ منه= ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ [ق ٩٥] عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٤ - ٥٦]. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. والحمد لله وحده، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا (١). *** وقد بعثَ الشيخُ ــ ﵀ ــ إلى أقاربه (٢) وأصحابه بدمشق كتبًا غير هذه. ولم يزل بمصر يُعلِّم الناسَ ويُفتيهم، ويذكِّرُ بالله ويدعو إليه، ويتكلَّم في الجوامع على المنابر بتفسير القرآن وغيره، من بعد صلاة الجمعة إلى العصر. إلى أن ضاقَ منه خلقٌ كثيرٌ (٣) وانحصروا، واجتمعَ خلقٌ كثيرٌ من أهل الخوانِقِ والرُّبط والزوايا، واتفقوا على أن يشتكوا (٤) الشيخَ إلى السلطان،

стр. 399

فطَلَعَ منهم خلقٌ إلى القلعة، وكان منهم خلقٌ تحت القلعة= كانت (١) لهم ضَجَّةٌ شديدة، حتى قال السلطان: ما لهؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء كلُّهم قد جاءوا من أجل الشيخ تقيّ الدين ابن تيميَّة يشكون منه، ويقولون: إنه يسبُّ مشايخهم، ويضعُ من قَدْرهم عند الناس! واستعاثوا (٢) فيه، وأجلبوا عليه، ودخلوا على الأمراء في أمره، ولم يُبقوا ممكنًا. وكان بعضُ الناس يأتون إلى الشيخ فيقولون له: إنَّ الناسَ قد جمعوا لك جمعًا كثيرًا. فيقول: حَسْبُنا الله ونعم الوكيل. وأمر أن يُعْقَد له مجلسٌ (٣) بدار العدل. فعُقِد له مجلسٌ يوم الثلاثاء في العشر الأول من شوال من سنة سبعٍ وسبعمائة. وظهر في ذلك المجلس من علم الشيخ، وشجاعته وقوَّة قلبه، وصِدْق توكُّله، وبيان حُجَّته= ما يتجاوزُ الوَصْفَ. وكان وقتًا مشهودًا ومجلسًا عظيمًا. وقال له كبيرٌ من المخالفين: من أين لك هذا؟ فقال له الشيخ: من أين لا تعلمه! وذكر بعضُ من حضر ذلك المجلس: أنَّ الناسَ لما تفرَّقوا منه قام الشيخ

стр. 400

ومعه جماعةٌ من أصحابه، قال: فجاء وجئتُ معه إلى موضعٍ ــ ذَكَره ــ في دار العدل، قال: فلما جلسنا استلقى الشيخُ على ظهره، وكان هناك حَجَر لأجل تثقيل الحصير، فأَخَذَه ووضعه تحت رأسه، فاضطجع قليلاً ثم جلس، وقال له إنسان: يا سيِّدي قد أكثرَ الناسُ عليك! فقال: إنْ هُم إلَّا كالذُّباب، ورفع كفَّه إلى فيه ونفخَ فيه. وقام، فقمنا (١) معه، حتَّى خرَجْنا، فأُتي بحصانٍ، فركِبَه وتحنَّك (٢) بذؤابته، فلم أر أحدًا أقوى قلبًا منه (٣) ولا أشدَّ بأسًا. ولما (٤) أكثروا الشِّكايَةَ منه والملام، [وأوسعوا من أجله الكلام] (٥) = رُسِم بتسفيره إلى بلاد الشام. فخرج للسفر ليلة الخميس ثامن عشر (٦) الشهر إلى جهة الشام، ثم رُدَّ في يوم الخميس المذكور، وحُبِس بسجن الحاكم بحارة الدَّيْلم، في ليلة الجمعة تاسع [عشر] (٧) شوال. قال: [ق ٩٦] ولما دخلَ الحبس وجد المحابيس مشتغلين بأنواعٍ من

стр. 401

اللَّعب يلتهون (١) بها عمَّا هم فيه، كالشِّطرنج والنَّرْدِ ونحو ذلك من تضييع الصلوات= فأنكر الشيخُ ذلك عليهم أشدَّ الإنكار، وأمرهم بملازمة الصلاة، والتوجُّه إلى الله بالأعمال الصالحة، والتسبيح والاستغفار والدُّعاء. وعلَّمهم من السُّنة ما يحتاجون إليه، ورغَّبهم في أعمال الخير، وحَضَّهم على ذلك، حتى صار الحبسُ بما (٢) فيه من الاشتغال بالعلم والدين خيرًا من كثير من (٣) الزَّوايا والرُّبط والخوانق والمدارس، وصار خلقٌ من المحابيس إذا أُطْلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المتردِّدون إليه حتَّى كان السِّجن (٤) يمتلئ منهم. فلما كَثُر اجتماعُ الناس به، وتردُّدُهم إليه، ساءَ ذلك أعداءَه، وحَصِرتْ صدورُهم. فسألوا نقله إلى الإسكندرية، وظنُّوا أنَّ قلوبَ أهلها عن محبَّته عَرِيَّة، وأرادوا أن يَبْعُد عنهم خبرُه، أو لعلهم يقتلوه (٥) فينقطع أثرُه. فأُرْسِل به إلى ثغر الإسكندرية، في ليلةٍ يُسْفر صباحُها (٦) عن يوم الجمعة سلخ صفر من سنة تسع وسبعمائة.

стр. 402

[سجن الشيخ بالإسكندرية] وذكر الشيخُ علم الدين (١) البرزاليُّ وغيره: أنَّ في شهر شوَّال من سنةِ سبعٍ وسبعمائة شكا شيخُ الصوفية بالقاهرة ــ كريم الدين الآملي (٢)، وابنُ عطاء (٣)، وجماعةٌ نحو الخمسمائة ــ من الشيخ تقيِّ الدين وكلامه في ابن عربي وغيره إلى الدولة. فرُدَّ (٤) الأمر في ذلك إلى القاضي الشافعي. وعُقِدَ له مجلسٌ وادَّعى عليه ابنُ عطاء بأشياءَ لم يثْبُت منها شيء (٥)، لكنه قال: إنه لا يُستغاثُ إلَّا بالله، حتَّى لا يُستغاثُ (٦) بالنبي ﷺ استغاثةً بمعنى العبادة، ولكن (٧) يُتَوسَّلُ به ويُتَشفَّع به إلى الله.

стр. 403

فبعضُ الحاضرين قال: ليس في هذا شيءٌ، ورأى قاضي القضاة بدر الدين أنَّ هذا فيه قلَّة أدب. فحضرتْ رسالةٌ إلى القاضي أن يعمل معه ما تقتضيه الشريعة (١) في ذلك، فقال القاضي: قد قلتُ له ما يُقال لمثله. ثم إنَّ الدولةَ خيَّروه بين أشياء، وهي: الإقامة بدمشق، أو الإسكندرية بشروط، أو الحبس؟ فاختار الحبس. فدَخَل عليه جماعةٌ في السفر إلى دمشق ملتزمًا ما شُرِط (٢)، فأجابهم، فأرْكَبوه (٣) خيلَ البريد ليلةَ الثامن عشر من شوَّال. ثمَّ أُرْسِل خلْفَه من الغَدِ بريدٌ آخر، فرَدَّه، وحضر عند قاضي القضاة بحضور جماعة من الفقهاء، فقال بعضهم له: ما ترضى الدولة إلا بالحبس. وقال قاضي القضاة (٤): وفيه مصلحةٌ له، واستناب شمس الدين التونسي (٥) المالكي، وأَذِنَ له أن يحكم عليه بالحبس، فامتنع وقال: ما ثبت عليه شيءٌ.

стр. 404

فأذِنَ لنور الدين الزواوي المالكيّ (١)، فتحيَّر. فقال الشيخ: أنا أمضي إلى الحبس وأتْبَع ما تقتضيه المصلحة. فقال نور الدين ــ المأذون له في الحكم ــ: فيكون في موضعٍ يصلح لمثله. فقيل له: ما ترضى الدولة إلا بمسمَّى الحبس، فأُرْسِلَ إلى حبس القاضي، وأُجْلِس [ق ٩٧] في الموضع الذي أُجْلس فيه القاضي تقي الدين ابن بنت الأعزّ لما حُبِس (٢)، وأُذِن في (٣) أن يكون عنده من يخدمه. وكان جميع ذلك بإشارة الشيخ نَصْر المنبجي ووجاهته في الدولة. واستمرَّ الشيخ في الحبس يُسْتَفْتى ويقصده الناس ويزورونه، وتأتيه الفتاوى المشكلة من الأمراء وأعيان الناس. قال عَلَم الدين (٤): وفي ليلة الأربعاء العشرين من شوال من سنة ثمان

стр. 405

وسبعمائة طُلِب أخوا الشيخ تقيّ الدين، فوُجِد زين الدين وعنده جماعة، فرُسِّم عليهم، ولم يوجد شرف الدين، ثم أُطْلق الجماعةُ سوى زين الدين، فإنه حُمِل إلى المكان الذي فيه الشيخ، وهو قاعة الترسيم بالقاهرة، ثم إنه أُخْرِج في خامس صفر سنة تسع وسبعمائة. قال (١): وفي الليلة الأخيرة من شهر صفر هذا ــ وهي ليلة الجمعة ــ توجَّه الشيخُ تقيّ الدين من القاهرة إلى الإسكندريَّة مع أميرٍ مُقَدَّم، ولم يُمَكَّن (٢) أحدٌ من جماعته من السفر معه. ووصل (٣) الخبر إلى دمشق بعد عشرة أيام، فحصل التألّم لأصحابه ومحبِّيه. وضاقت الصدور، وتضاعف الدعاء له. وبلغنا أنّ دخوله الإسكندرية كان يوم الأحد، دُخِل به (٤) من باب الخوخة إلى دار السلطان، ونُقِلَ ليلًا إلى برجٍ في شرقي البلد. ثم وصلت الأخبار أن (٥) جماعةً من أصحابه توجَّهوا إليه بعد ذلك، وصار الناس يدخلون إليه، ويقرؤون عليه، ويبحثون (٦) معه. وكان الموضع الذي هو فيه فسيحًا مُتَّسِعًا.

стр. 406

[كتاب شرف الدين ابن تيميّة إلى أخيه لأمه بدر الدين] وقد رأيتُ كتابًا بخطِّ الشيخ (١) شرف الدين كتبه إلى أخيه بدر الدين بعد توجُّه الشيخ إلى الإسكندرية، يقول فيه: من أخيه عبد الله ابن تيميَّة. سلامُ الله (٢) ورحمتُه وبركاته على الشيخ الإمام العالم الجليل (٣) بدر الدين والى اللهُ عليه آلاءَه وأَتْبعها، وأسْبغَ عليه نعمَه ونَوَّعَها، وأباحَه مِنَنَه وأينعها (٤)، وأيَّده بالقوَّة والتأييد لإقامة الحقّ على القريب والبعيد، غير مقصِّر ولا وانٍ، ولا مُفَتِّرٍ ولا متوانٍ بالرأي السديد، والعزم الوكيد. وجمعنا وإياه في هذه الدار على طاعته، وفي دار القرار في دار كرامته، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين أهل ولايته، إنه ذو الفضل العظيم، والمنِّ الجسيم، والطَّوْل العميم. أما بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، وأصلِّي على سيِّد ولد آدم، وخيرِ خلقِ الله أجمعين، وسيِّد رُسُل ربِّ العالمين إلى الأسود والأحمر، والجنّ والإنس، بشيرًا للمؤمنين، ونذيرًا للكافرين= أتمَّ الصلاةِ وأفضلَها، وأشرَفَها وأكملَها، دائمةً إلى يوم الدين، وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

стр. 407

وبعد؛ فنحن والجماعة في نعم الله الكاملة، ومِنَنه الشاملة التي تفوق (١) العدَّ والإحصاء، وتعجزُ العقولُ عن تصوُّرها ودَرْكها، وتحسر (٢) الألسنُ عن نعتها ووَصْفها فضلًا عن كتابتها. فنسأل الله [ق ٩٨] العظيم أن يُوزِعَنا شكرَها، وأن يُدِيمها علينا وعلى جميع الإخوان والمؤمنين، إنه جوادٌ كريم (٣). فمنها: نزول الأخ الكريم بالثَّغْر المحروس، فإنَّ أعداءَ الله قصدوا (٤) بذلك أمورًا يكيدون بها الإسلامَ وأهلَه، وظنوا أنَّ ذلك يحصل (٥) عن قريب، فانقلبت عليهم مقاصدُهم الخبيثةُ المعلومةُ، وانعكست من كلِّ الوجوه، وأصبحوا وما زالوا عندَ الله وعند العارفين من المؤمنين سُوْدَ الوجوه، يتقطعون حسراتٍ وندمًا على ما فعلوه. وأقبلَ أهلُ الثغر أجمعون إلى [الأخ] متقبِّلين (٦) لما نذكره وننشره (٧) من كتاب الله وسنة رسوله، والحطِّ والوقيعة في أعدائهما من أهل البدع والضلالات والكفر والجهالات. خصوصًا أخبث الملاحدة: الاتحادية (٨) ثم الجهمية.

стр. 408

واتفقَ أنه وجَدَ بها إبليس إلحادَهم قد باض وفرَّخ، ونصبَ بها عَرْشَه ودوَّخ، وأضلَّ بها فريقي السَّبْعينية والعربية (١)، فمزَّق الله بها بقدومه الثغرَ جموعَهم شَذَرَ مَذَرَ، وهتك أستارَهم وكشف رمزهم ــ الإلحاد والكفر ــ وأسرارَهم وفضحهم، واستتابَ جماعاتٍ منهم. وتوَّبَ رئيسًا من رؤسائهم ــ وإن كان عند عباد الله المؤمنين حقيرًا ــ وصنَّف هذا التائبُ كتابًا في كشف كفرهم وإلحادهم، وكان من خواصِّ (٢) اللعين عدوِّ الله ورسوله نُصَيْرٌ الملحِدُ (٣). واشتهر ذلك واستقرَّ عند عموم المؤمنين وخواصهم؛ من أمير وقاض وفقيه ومفتٍ (٤) وشيخ وعموم المجاهدين، إلا من شذَّ من الأغمار الجهال مع الذلّة والصَّغَار؛ حذرًا على نفسه من أيدي المؤمنين وألسنتهم. وعَلَت كلمةُ الله بها على أعداء الله ورسوله، ولعِنوا لعنًا ظاهرًا في مجامع الناس بالاسم الخاصِّ، وصارَ بذلك عند نصيرٍ الملحدِ (٥) المقيمُ المقعِدُ، ونزل به من الخوف والذُّلِّ ما لا يُعَبَّر عنه.

стр. 409

وهمَّ أن يكيد كيدًا آخر، فوقع ما وقع عندكم بالشام من الأمر المزعج، والكَرْب المقْلِق، والبلاء العظيم والذّلّ، واستعطاف (١) من كانوا لا يلتفتون إليه بالأموال والأنفس والتذلُّل، حتى رقَّ بعضُ الأصحابِ لهم، فزُجِر عن ذلك. وقيل له: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] إلى أمور كثيرة من المِحَن والبلاء (٢) مما لا يمكن وصفُه. فنسألُ الله العظيم أن يعجِّل تمامَ النِّقْمة (٣) عليهم، وأن يقطع دابرَهم، وأن يريح عبادَه وبلاده منهم، وأن ينصرَ دينَه وكتابَه ورسولَه وعبادَه المؤمنين (٤) عليهم، وأن يُوزِعنا شكرَ هذه النعمة، وأن يتمَّها علينا وعلى سائر المؤمنين. وغير خافٍ عنك سيرتُنا: إذا أعجبتْكَ خصالُ امرئ ... فكُنْه يكن منك (٥) ما يعجِبُك فليسَ لدى المجد والمكرماتِ ... إذا جئتها حاجبٌ يحجُبُك (٦)

стр. 410

فأسأل الله العظيم أن يُغْنيك ويعينك (١)، ويمدَّك ويؤيدك بروح منه، وأن يُقرَّ بك أعينَ المؤمنين، وأن يُخْزيَ بك الكافرين (٢) والمنافقين، وأن يوفقك لما يحبه ويرضاه، وأن يتولَّاك في جميع الأمور، ويعينك على القيام فيها بما يرضي اللهَ ورسولَه (٣). والسلام عليك (٤) [ق ٩٩] ورحمة الله وبركاته. وعلى السَّعيدة الكريمة الطيبة التي ﵂ وأرضاها، وجعل ــ بعد اجتماعنا بها ــ الجنةَ دارَها ومأواها (٥)، وأراها وجْهَه الكريم في دار النعيم: الوالدةِ التي منحها الله في آخر عمرها هذه الكرامة العظيمة، والمنزلة الرفيعة، والدرجة العليَّة= أكمل (٦) السلام وأنماه. وعلى جميع الأهلِ والأصحابِ والإخوانِ (٧)، والمعارفِ والجيرانِ، كبيرهم وصغيرهم، قريبهم وبعيدهم، كلِّ فردٍ فردٍ أتمُّ (٨) السلام. وغير خافٍ عنهم العجزُ عن حصرهم. فالله تعالى يرضى عن جميعهم، ويجمعنا وإياهم ــ بعد نصر دين الله ورسوله ــ على ما يحبُّه ويرضاه.

стр. 411

كُتِبَ والخاطرُ مشغولٌ بأمر المسلمين، لحدوثِ أمرٍ يذكره لكم الشيخ عبد الله (١). والحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا. *** قلتُ: بقي الشيخُ بثغر الإسكندرية ثمانية أشهر، مقيمًا ببرجٍ مليحٍ نظيف له شُبَّاكان: أحدهما إلى جهة البحر، يدخلُ إليه من شاء، ويتردَّد (٢) إليه الأكابرُ والأعيانُ والفقهاءُ، يقرأون عليه، ويبحثون معه، ويستفيدون منه. [إحضار الشيخ إلى القاهرة ولقاؤه بالملك الناصر] فلما دخل السلطانُ الملك (٣) الناصر إلى مصر، بعد خروجه من الكرك، وقدومه إلى دمشق، وتوجّهه (٤) منها إلى مصر ــ وكان دخوله (٥) إليها يوم عيد الفطر، من سنة تسعٍ وسبعمائة ــ نفَّذ لإحضار الشيخ من الإسكندرية في اليوم الثامن من شوال. وخرج الشيخُ منها متوجِّهًا إلى مصر، ومعه خلقٌ من أهلها يودِّعونه،

стр. 412

ويسألون الله أن يردَّه إليهم، وكان وقتًا مشهودًا. ووصل إلى القاهرة يومَ السبت ثامن عشر الشهر، واجتمع بالسلطان في يوم الجمعة الرابع والعشرين منه، وأكرمه وتلقَّاه في مجلس حَفِل (١)، فيه قضاةُ المصريين والشاميين والفقهاء، وأصلَحَ بينه وبينهم. ولقد أخبرني بعضُ أصحابنا (٢) قال: أخبرني القاضي جمالُ الدين بن القلانسي، قاضي العساكر المنصورة، فيما تذاكرتُ أنا وهو ذات ليلة؛ حينَ كان الشيخُ تقيّ الدين ــ ﵀ ــ معتقلًا (٣) في القلعة المنصورة (٤)، وقد أشاع بعضُ الجهلة، وأرجفَ بعضُ المبغضين للسُّنَّة بأخبارٍ مُخْتَلَقَة (٥) لا حقيقة لها، لكن وقعَ في نفوس أصحابِ الشيخ من ذلك ما يلقيه الشيطانُ في قلب الإنسان، وما ذاك إلا من شِدَّة الشَّفَقة والمحبّة. فقلت له ــ فيما تحدَّثْنا به ــ: إنَّ الناسَ يقولون: كَيتَ وكَيتَ، وأنَّ الشيخَ ربّما يخرج من القلعة، ويُدَّعَى عليه، ويُعزَّر ويُطاف به. فقال: يا فلان هذا لا يقع منه شيءٌ، ولا يسمحُ السلطان ــ خلَّد الله سعادته ــ

стр. 413

بشيءٍ من ذلك، وهو أعلمُ بالشيخ من كلِّ هؤلاء، وبعلمه ودينه (١). ثم قال: أُخبرك بأمرٍ عجيبٍ وقع من السلطان في حقِّ الشيخ تقيّ الدين، وذلك حين توجَّه السلطانُ إلى الديار المصرية ومعه القضاةُ والأعيان ونائبُ الشام الأفرم. فلما دخل الديار المصرية [ق ١٠٠] وعاد إلى مملكته، وهربَ سلَّار والششنكير، واستقرَّ أمرُ السلطان= جَلَسَ يومًا في دَسْتِ السلطنة، وأُبَّهةِ المُلْكِ (٢)، وأعيانُ الأمراءِ من الشاميين والمصريين حضورٌ عنده، وقضاة مصر عن يمينه، وقضاة الشام عن يساره، ــ وذكر لي كيفية جلوسهم منه بحسب (٣) منازلهم ــ. قال: وكان من جملة من هناك ابن صَصْرى عن يسار السلطان، وتحته الصَّدْر علي قاضي الحنفية (٤)، ثم بعده الخطيب جلال الدين، ثم بعده ابن الزَّمْلَكاني. قال (٥): وأنا إلى جانب ابن الزَّمْلَكاني والناسُ جلوسٌ خلفه، والسلطانُ على مَقْعد مرتفعٌٍ، فبينما الناسُ كذلك (٦) جلوسٌ؛ إذ نهض السلطانُ قائمًا،

стр. 414

فقام الناسُ، ثم مشى السلطانُ، فنزل عن تلك المقعدة، ولا ندري (١) ما به، وإذا بالشيخ تقيّ الدين ابن تيميَّة ــ ﵀ ــ مُقْبِل من الباب والسلطانُ قاصِدٌ إليه، فنزل السلطانُ عن الإيوان، والناسُ قيام (٢) والقضاةُ والأمراءُ والدولةُ، فتسالم هو والسلطان وتَكَارَشا (٣)، وذهبا إلى صُفَّةٍ في ذلك المكان فيها شُبَّاك إلى بستان، فجلسا فيها حينًا، ثم أقبلا ــ ويدُ الشيخ في يد السلطان ــ فقام الناس، وكان قد جاء في غَيْبة السلطان تلك الوزيرُ فخرُ الدين ابن الخليلي (٤)، فجلس عن يسار السلطان فوق ابن صَصْرى. فلما جاء السلطانُ قَعَد على [مقعدته، وجاء الشيخُ تقيُّ الدين فجلسَ بين يدي السلطان على طرف] (٥) مقعدته متربِّعًا. فشرعَ السلطانُ يُثْني على الشيخ عند الأمراء والقضاة بثناءٍ ما سمعتُه من

стр. 415

غيره قطّ، وقال كلامًا كثيرًا، والناس يقولون (١) معه ومثله، والقضاةُ (٢) والأمراءُ. وكان وقتًا عجيبًا! وذلك مما يسوء كثيرًا من الحاضرين من أبناء جنسه. وقال في الشيخ من الثناء والمبالغة مالا يقدر أحدٌ من أخصِّ أصحابه أن يقوله. ثم إنَّ الوزير أنهى إلى السلطان: أنَّ أهلَ الذِّمّة قد بذلوا للديوان في كلِّ سنةٍ سبعمائة ألف درهم، زيادة على الجالية (٣)، على أن يعودوا إلى لبس العمائم البيض المعلَّمة بالحُمرة والصُّفْرة والزُّرْقة، وأن يُعْفَوا من هذه العمائم (٤) المصَبَّغة كلِّها بهذه الألوان، التي ألزمهم بها ركن الدين الشاشنكير. فقال السلطان للقضاة ومَنْ هناك: ما تقولون؟ فسكت الناس! فلما رآهم الشيخُ تقيُّ الدين سكتوا، جثا على ركبتيه، وشرع يتكلَّم مع السلطان في ذلك بكلامٍ غليظٍ، ويردُّ ما عرضَه الوزيرُ عنهم ردًّا عنيفًا، والسلطانُ يُسَكِّتُه بترفُّق وتُؤَدَة وتوقير. وبالغ (٥) الشيخُ في الكلام، وقال مالا يستطيعُ أحدٌ أن يقوم بمثله ولا بقريبٍ منه، حتَّى رجع السلطانُ عن ذلك، وألزمهم بما هم عليه، واستمرُّوا على هذه الصِّفة.

стр. 416

فهذه من حسنات الشيخ تقيّ الدين ابن تيميَّة ﵀ (١). قال: هذا مُلَخَّص ما أخبرني به ﵀. وكنت جلستُ يومًا إلى قاضي القضاة صدر الدين، قاضي الحنفية، فقال لي وهو يضحك: تحبُّ الشيخَ تقيَّ الدين ابن تيميَّة؟ فقلت: نعم. فقال: والله تحبُّ شيئًا مليحًا، وحكى لي قريبًا مما ذكر ابن القلانسي، لكن سياق ابنِ القلانسي أبْسَط وأتمّ. *** [عفو شيخ الإسلام عمن ظلمه] وسمعتُ الشيخَ تقيَّ الدين ابن تيميَّة ﵀ يذكر أنَّ السلطانَ ــ لما جلسا (٢) بالشباك ــ أخرج (٣) فتاوى لبعض الحاضرين في قتله، واستفتاني (٤) في قتل بعضهم. قال: ففهمتُ مقصودَه، وأنَّ عنده حَنَقًا شديدًا عليهم، لمَّا خَلعوه، وبايعوا الملكَ المظفَّرَ ركنَ الدين بيبرس الشاشنكير. فشرعتُ في مدحهم والثناء عليهم وشكرهم، وأنَّ هؤلاء لو ذهبوا لم

стр. 417

تجد مثلَهم في دولتك، وأنا (١) فَهُم في حلٍّ من حقِّي ومن جهتي، وسكَّنْتُ ما عندَه عليهم. قال: فكان القاضي زينُ الدين ابنُ مخلوف ــ قاضي المالكية ــ يقولُ بعد ذلك: ما رأينا أفْتى (٢) من ابن تيميَّة، لم نُبْقِ ممكنًا في السَّعْي فيه، ولما قَدَر علينا عفا عنَّا. ثم إنَّ الشيخَ ﵀ ــ بعد اجتماعه بالسلطان ــ نزلَ إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مَشْهد الحسين، وعاد إلى بثِّ العلم (٣) ونشره، والخلقُ يشتغلون عليه ويقرؤون، ويستفتونَه ويجيبهم بالكلام والكتابة، والأمراءُ والأكابرُ والناسُ يتردَّدون إليه، وفيهم من يعتذرُ إليه ويتنصَّل مما وقع، فقال: قد جعلتُ الكلَّ في حلٍّ مما جرى. [كتاب الشيخ إلى أصحابه وأقاربه بدمشق] وبعثَ الشيخُ كتابًا إلى أقاربه وأصحابِه بدمشق، يَذْكُر ما هو فيه من النعمة (٤) العظيمة والخير الكثير، ويطلب فيه جملةً من كتبِ العلم يُرْسَل بها إليه. وقال في هذا الكتاب: تعلمون أنَّا بحمد الله في نِعَم عظيمة، ومِنَنٍ جسيمة، وآلاءٍ متكاثرة، وأيادٍ

стр. 418

متظاهرة. لم تكن تخطر (١) لأكثر الخلق ببالٍ، ولا تدور لهم في خيال. والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحبه ربنا ويرضاه ... إلى أن قال: والحقُّ دائمًا في انتصار وعلوٍّ وازدياد، والباطل في انخفاض وسَفال وَنَفاد. وقد أخضع الله رقابَ الخصوم وأذلَّهم غايةَ الذلِّ (٢)، وطلب أكابرهم من السِّلم والانقياد ما يطولُ وصفُه. ونحن ــ ولله الحمد ــ قد اشترطنا عليهم في ذلك من الشروط ما فيه عزُّ الإسلام والسُّنة، وانقماعُ الباطل والبدعة، وقد دخلوا في ذلك كلِّه؛ وامتنعنا حتى يَظْهَر ذلك إلى الفعل، فلم نثق لهم بقولٍ وعهد (٣)، ولم نُجِبْهم إلى مطلوبهم حتى يصير المشروط معمولًا، والمذكور مفعولًا، ويظهر من عزِّ الإسلام والسنة للخاصَّة والعامَّة ما يكون من الحسنات التي تمحو سيئاتهم. وقد أيَّد (٤) الله من الأسباب التي فيها عزُّ الإسلام والسنة، وقَمْع الكفر والبدعة، بأمورٍ يطولُ وصفُها في كتابٍ. وكذلك جرى من الأمور التي فيها (٥) عزُّ الإسلام وقمع اليهود والنصارى، بعد أن كانوا قد استطالوا وحصلت لهم شوكة، وأعانهم من أعانهم على أمرٍ فيه ذُلٌّ كبير من المسلمين (٦)، فلطفَ الله باستعمالنا في

стр. 419

بعض ما أمرَ الله به ورسولُه. وجرى في ذلك مما فيه عزّ المسلمين، وتأليف قلوبهم، وقيامهم على اليهود والنصارى، وذلّ المشركين وأهل الكتاب، مما هو من أعظم نِعَم الله على عباده المؤمنين. ووَصْفُ هذا يطول. وقد أرسلت إليكم كتابًا أطلبُ ما صنَّفْته في أمر الكنائس، وهي كراريس بخطي، قَطْعِ [ق ١٠٢] النصف (١) البلدي، فترسلون ذلك إن شاء الله تعالى، وتستعينون على ذلك بالشيخ جمال الدين المِزِّي، فإنه يُقلِّبُ الكتبَ ويخرجُ المطلوب. وترسلون أيضًا من تعليق القاضي أبي يعلى الذي بخطِّ القاضي أبي الحسين، إنْ أمكنَ الجميع، وهو أحدَ عشر مجلدًا، وإلَّا فمن أوله مجلدًا، أو مجلَّدين (٢)، أو ثلاثة. وذكر كُتُبًا أُخر (٣) يطلبها منهم. ولم يزل الشيخُ مستمرًّا على عادته من إشغال الناسِ (٤) ونَفْعهم وموعظتِهم، والاجتهادِ في سَبِيْل (٥) الخير. ***

стр. 420

[قيام جماعة على أذية الشيخ وعفوه عنهم] فلما كان في شهر (١) رجب من سنة إحدى عشرةَ وسبعمائة، جاءَ رجلٌ ــ فيما بلغني ــ إلى أخيه الشيخ شرف الدين، وهو في (٢) مسكنه بالقاهرة، فقال له: إن جماعةً بجامع مصر قد تعصَّبوا على الشيخ، وتفرَّدوا به (٣) وضربوه. فقال: حسبُنا الله ونعم الوكيل! وكانَ بعضُ أصحابِ الشيخ جالسًا عند شرف الدين. قال: فقمتُ من عنده وجئتُ إلى مصر، فوجدتُ خلقًا كثيرًا من الحُسَيْنية (٤) وغيرها رجالًا وفرسانًا يسألون عن الشيخ، فجئتُ فوجدْتُه بمسجدِ الفخر كاتب المماليك على البحر، واجتمعَ عندَه جماعةٌ، وتتابع الناسُ، وقال له بعضهم: يا سيِّدي! قد جاء خلقٌ من الحسينية، ولو أمرتهم أن يهدموا مصر كلَّها لفعلوا. فقال لهم الشيخ: لأيِّ شيءٍ (٥)؟ قالوا (٦): لأجلك.

стр. 421

فقال لهم: هذا ما يجوز. قالوا: فنحنُ (١) نذهبُ إلى بيوت هؤلاءِ الذين آذوك، فنقتلهم ونخرِّب دورهم. فإنَّهم شَوَّشوا على الخلق، وأثاروا هذه الفتنة على الناس. فقال لهم: هذا ما يحلّ. قالوا: فهذا الذي قد فعلوه معكَ يحلّ؟ هذا شيءٌ لا نصبرُ عليه، ولا بدَّ أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا. والشيخ ينهاهم ويزجرهم. فلما أكثروا في القول قال لهم: إمَّا أن يكون الحقُّ لي أو لكم أو لله، فإنْ كانَ الحقُّ لي فهم في حلٍّ منه، وإن كان لكم، فإنْ لم تسمعوا منِّي ولا تستفتوني، فافعلوا ما شئتم (٢)، وإنْ كان الحقُّ لله، فالله يأخذُ حقَّه كما يشاء إن شاء (٣). قالوا: فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم؟ ! قال: هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه. قالوا: فتكونُ أنتَ على الباطل وهم على الحقّ؟ فإذا كنتَ تقول: إنَّهم مأجورون فاسمع (٤) منهم ووافقهم على قولهم!

стр. 422

فقال لهم: ما الأمرُ كما تزعمون، فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين، فَفَعَلوا ذلك باجتهادٍ (١)، والمجتهدُ المخطئ له أجرٌ. فلما قال لهم ذلك. قالوا: فقُمْ واركب معنا، حتى تجيء (٢) إلى القاهرة. فقال: لا. وسأل عن وقت العصر؟ فقيل له: إنه قريب، فقام قاصدًا إلى الجامع لصلاة العصر. فقيل له: يا سيّدي قد تواصَوا عليك ليقتلوك. وفي الجامع قد يتمكَّنون منك، بخلاف غيرِه، فصَلِّ حيثُ كان. فأبى إلا المضيَّ إلى الجامع والصلاة فيه، فخرج وتبعه خَلْق كثير لا يرجعون عنه، فضاقت الطريق بالناس، فقال له من كان قريبًا منه: ادخل إلى هذا المسجد ــ مسجدٍ في الطريق ــ واقعد فيه حتَّى يخفّ الناسُ، لئلَّا يموتَ أحدٌ من الزحام. فدخل ولم يجلس فيه، ووقف وأنا معه. فلما خفَّ الناسُ خرج يطلب الجامع العتيق، فمرَّ في طريقه على قوم يلعبون بالشِّطْرنج على مَسْطَبة بعض حوانيت الحدَّادين، فنفض الرُّقعة وقلبها، فَبُهِت (٣) الذي يلعب بها والناسُ من فعله ذلك. ثم مشى قاصدًا للجامع، والناسُ يقولون: هنا يقتلونه، الساعة يقتلونه.

стр. 423

فلما وصل [ق ١٠٣] إلى الجامع قيل: الساعة يُغْلَق الجامعُ عليه وعلى أصحابه ويُقْتَلون، فدخل الجامعَ ودخَلْنا معه، فصلَّى ركعتين، فلما سلَّم منها (١) أذَّن المؤذِّن بالعَصْر، فصلَّى العصرَ، ثم افتتح بقراءة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثم تكلَّم في المسألة التي كانت الفتنةُ بسببها إلى أذان المغرب. فخرج أتباعُ خصومه وهم يقولون: والله لقد كُنَّا غالطين في هذا الرجل بقيامنا عليه، والله إنَّ الذي يقوله هذا هو الحق. ولو تكلَّم هذا بغير الحقِّ لم نُمهله إلى أن يسكت، بل كنَّا نبادر إلى قتله، ولو كان هذا يبطن (٢) خلافَ ما يظهر لم يَخْفَ علينا، وصاروا فرقتين يخاصمُ بعضُهم بعضًا. قال: ورُحْنا مع الشيخ إلى بيت ابن عمه على البحر فبِتْنا عنده. *** [أذيّة أخرى للشيخ] وقال الشيخ عَلَم الدين (٣): وفي العشر الأوسط من رجب من سنة إحدى عشرة (٤)، وقع أذًى في حقِّ الشيخ تقيّ الدين بمصر، وظَفِر به بعضُ المبغضين له في مكان خالٍ، وأساءَ عليه الأدب. وحضرَ جماعةٌ كثيرة من الجند وغيرهم إلى الشيخ بعد ذلك لأجل الانتصار له، فلم يُجِب إلى ذلك.

стр. 424

وكتبَ إليَّ المقاتلي (١) يذكُرُ أنَّ ذلك وقعَ من فقيهٍ (٢) بمصر، يُعْرف بالبكري (٣)، حصل منه إساءة أدب، ثم بعد ذلك طُلِبَ وتُودر (٤)، وشَفَعَ فيه جماعةٌ، والشيخُ ما تكلَّم ولا اشتكى، ولو حصل منه شكوى أُهِيْن ذاك (٥) غاية الإهانة، لكن قال: أنا ما أنتصرُ لنفسي. وأقام الشيخُ بعد هذا مدةً بالديار المصرية.

стр. 425

[عودة الشيخ إلى الشام] ثم إنَّه توجَّه إلى الشام صحبةَ الجيش المصري قاصدًا الغزاة (١). فلما وصل معهم إلى عسقلان توجَّه (٢) إلى بيت المقدس، وتوجَّه منه إلى دمشق، وجعل طريقَه على عَجْلون وبعض بلاد السَّواد وزُرَعَ. ووصل إلى دمشق (٣) في أول يومٍ من شهر ذي القَعْدة سنة (٤) اثنتي عشرة وسبعمائة، ومعه أخواه وجماعةٌ من أصحابه. وخرَجَ خلقٌ كثير لتلقِّيه، وسُرُّوا سرورًا عظيمًا بمقدَمه وسلامته وعافيته. وكان مجموع غَيبته عن دمشق سبعَ سنين وسبعَ جُمَع. وقد توفي في أثناء غيبة الشيخ عن دمشق غيرُ واحدٍ من كبار أصحابه وساداتهم. منهم: الشيخُ الإمامُ القدوة الزاهد العابد (٥) العارف عمادُ الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي، المعروف بابنِ شيخِ الحزَّامين (٦). توفي يوم السبت السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر من
следующие страницы →