← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فقال لهم: هذا ما يجوز. قالوا: فنحنُ (١) نذهبُ إلى بيوت هؤلاءِ الذين آذوك، فنقتلهم ونخرِّب دورهم. فإنَّهم شَوَّشوا على الخلق، وأثاروا هذه الفتنة على الناس. فقال لهم: هذا ما يحلّ. قالوا: فهذا الذي قد فعلوه معكَ يحلّ؟ هذا شيءٌ لا نصبرُ عليه، ولا بدَّ أن نروح إليهم ونقاتلهم على ما فعلوا. والشيخ ينهاهم ويزجرهم. فلما أكثروا في القول قال لهم: إمَّا أن يكون الحقُّ لي أو لكم أو لله، فإنْ كانَ الحقُّ لي فهم في حلٍّ منه، وإن كان لكم، فإنْ لم تسمعوا منِّي ولا تستفتوني، فافعلوا ما شئتم (٢)، وإنْ كان الحقُّ لله، فالله يأخذُ حقَّه كما يشاء إن شاء (٣). قالوا: فهذا الذي فعلوه معك هو حلال لهم؟ ! قال: هذا الذي فعلوه قد يكونون مثابين عليه مأجورين فيه. قالوا: فتكونُ أنتَ على الباطل وهم على الحقّ؟ فإذا كنتَ تقول: إنَّهم مأجورون فاسمع (٤) منهم ووافقهم على قولهم!

стр. 422

فقال لهم: ما الأمرُ كما تزعمون، فإنهم قد يكونون مجتهدين مخطئين، فَفَعَلوا ذلك باجتهادٍ (١)، والمجتهدُ المخطئ له أجرٌ. فلما قال لهم ذلك. قالوا: فقُمْ واركب معنا، حتى تجيء (٢) إلى القاهرة. فقال: لا. وسأل عن وقت العصر؟ فقيل له: إنه قريب، فقام قاصدًا إلى الجامع لصلاة العصر. فقيل له: يا سيّدي قد تواصَوا عليك ليقتلوك. وفي الجامع قد يتمكَّنون منك، بخلاف غيرِه، فصَلِّ حيثُ كان. فأبى إلا المضيَّ إلى الجامع والصلاة فيه، فخرج وتبعه خَلْق كثير لا يرجعون عنه، فضاقت الطريق بالناس، فقال له من كان قريبًا منه: ادخل إلى هذا المسجد ــ مسجدٍ في الطريق ــ واقعد فيه حتَّى يخفّ الناسُ، لئلَّا يموتَ أحدٌ من الزحام. فدخل ولم يجلس فيه، ووقف وأنا معه. فلما خفَّ الناسُ خرج يطلب الجامع العتيق، فمرَّ في طريقه على قوم يلعبون بالشِّطْرنج على مَسْطَبة بعض حوانيت الحدَّادين، فنفض الرُّقعة وقلبها، فَبُهِت (٣) الذي يلعب بها والناسُ من فعله ذلك. ثم مشى قاصدًا للجامع، والناسُ يقولون: هنا يقتلونه، الساعة يقتلونه.

стр. 423

فلما وصل [ق ١٠٣] إلى الجامع قيل: الساعة يُغْلَق الجامعُ عليه وعلى أصحابه ويُقْتَلون، فدخل الجامعَ ودخَلْنا معه، فصلَّى ركعتين، فلما سلَّم منها (١) أذَّن المؤذِّن بالعَصْر، فصلَّى العصرَ، ثم افتتح بقراءة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، ثم تكلَّم في المسألة التي كانت الفتنةُ بسببها إلى أذان المغرب. فخرج أتباعُ خصومه وهم يقولون: والله لقد كُنَّا غالطين في هذا الرجل بقيامنا عليه، والله إنَّ الذي يقوله هذا هو الحق. ولو تكلَّم هذا بغير الحقِّ لم نُمهله إلى أن يسكت، بل كنَّا نبادر إلى قتله، ولو كان هذا يبطن (٢) خلافَ ما يظهر لم يَخْفَ علينا، وصاروا فرقتين يخاصمُ بعضُهم بعضًا. قال: ورُحْنا مع الشيخ إلى بيت ابن عمه على البحر فبِتْنا عنده. *** [أذيّة أخرى للشيخ] وقال الشيخ عَلَم الدين (٣): وفي العشر الأوسط من رجب من سنة إحدى عشرة (٤)، وقع أذًى في حقِّ الشيخ تقيّ الدين بمصر، وظَفِر به بعضُ المبغضين له في مكان خالٍ، وأساءَ عليه الأدب. وحضرَ جماعةٌ كثيرة من الجند وغيرهم إلى الشيخ بعد ذلك لأجل الانتصار له، فلم يُجِب إلى ذلك.

стр. 424

وكتبَ إليَّ المقاتلي (١) يذكُرُ أنَّ ذلك وقعَ من فقيهٍ (٢) بمصر، يُعْرف بالبكري (٣)، حصل منه إساءة أدب، ثم بعد ذلك طُلِبَ وتُودر (٤)، وشَفَعَ فيه جماعةٌ، والشيخُ ما تكلَّم ولا اشتكى، ولو حصل منه شكوى أُهِيْن ذاك (٥) غاية الإهانة، لكن قال: أنا ما أنتصرُ لنفسي. وأقام الشيخُ بعد هذا مدةً بالديار المصرية.

стр. 425

[عودة الشيخ إلى الشام] ثم إنَّه توجَّه إلى الشام صحبةَ الجيش المصري قاصدًا الغزاة (١). فلما وصل معهم إلى عسقلان توجَّه (٢) إلى بيت المقدس، وتوجَّه منه إلى دمشق، وجعل طريقَه على عَجْلون وبعض بلاد السَّواد وزُرَعَ. ووصل إلى دمشق (٣) في أول يومٍ من شهر ذي القَعْدة سنة (٤) اثنتي عشرة وسبعمائة، ومعه أخواه وجماعةٌ من أصحابه. وخرَجَ خلقٌ كثير لتلقِّيه، وسُرُّوا سرورًا عظيمًا بمقدَمه وسلامته وعافيته. وكان مجموع غَيبته عن دمشق سبعَ سنين وسبعَ جُمَع. وقد توفي في أثناء غيبة الشيخ عن دمشق غيرُ واحدٍ من كبار أصحابه وساداتهم. منهم: الشيخُ الإمامُ القدوة الزاهد العابد (٥) العارف عمادُ الدين أبو العباس أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي، المعروف بابنِ شيخِ الحزَّامين (٦). توفي يوم السبت السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر من

стр. 426

سنة إحدى عشرة وسبعمائة. وكان رجلًا صالحًا ورعًا، كبيرَ الشَّأْن، منقطعًا إلى الله، متوفِّرًا على العبادة والسلوك. وكان قد كتَبَ رسالةً وبعثها إلى جماعةٍ من أصحاب الشيخ وأوصاهم فيها بملازمة الشيخ، والحثِّ على اتباع طريقه (١)، وأثنى فيها على الشيخ ثناءً عظيمًا. وهذه نسخةُ الرسالة التي كتبها: [التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار] (٢) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، وسبحانَ الله وبحمده، وتقدَّس في علوِّه وجلالِه، وتعالى في صفاتِ كماله، وتعالى (٣) في سُبُحات فَرْدانيته وجماله، وتكرَّم في إفضاله ونواله (٤)، جلَّ أن يُمَثَّل بشيءٍ من مخلوقاته، أو يحاط (٥) به، بل هو المحيط بمبتدعاته، لا تصوره الأوهام، ولا تُقِلُّه الأجرام، ولا تَعقل كُنْهَ ذاته

стр. 427

البصائر ولا الأفهام. الحمد لله مؤيّد (١) الحقِّ وناصره، ودافعِ (٢) الباطل وكاسره، ومُعِزِّ الطائع [ق ١٠٤] وجابره، ومُذِلِّ الباغي وداثره، الذي سعد بحضرة (٣) الاقتراب من قدسه من قام بأعباء الاتباع في بنائه وأُسِّه، وفاز بمحبوبيّته في ميادين أُنسه مَن بَذَلَ ما يهواه في طلبه من قلبه وحِسِّه، وتَثَبَّت في مَهامِهِ (٤) الشكوك منتظرًا زوالَ لَبْسِه، سبحانه وبحمده، وله (٥) المثل الأعلى، والنور الأتمّ الأجلى، والبرهان الظاهر في الشريعة المُثلى. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي شَهِدَت بوحدانيته الفِطَر، وأَسْلم لربوبيّتهِ ذوو العقل والنظر، وظهرت أحكامُه في الآي والسُّوَر، وتمَّ اقتدارُه في تنزُّل القدر. وأشهدُ أنَّ محمدًا ﷺ عبدُه ورسولُه، الذي شهدت بنبوَّته الهواتف والأحبار، فكان قبل ظهوره يُنْتَظر (٦)، وتلاحقت عند مبعثه معجزاته من حَنِيْن الجِذْع وانقياد الشَّجَر، صلواتُ الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الخشية والحَذَر، والعلم المنوَّر، فهم قُدْوَة التابع للأثر.

стр. 428

وبعد؛ فهذه رسالةٌ سطرها العبدُ الضعيف الراجي رحمةَ ربِّه وغفرانه، وكرمه وامتنانه: أحمد بن إبراهيم الواسطي ــ عامله الله بما هو أهله، فإنه أهل التقوى والمغفرة (١) ــ إلى إخوانه في الله، السادةِ العلماءِ، والأئمةِ الأتقياء، ذوي العلم النافع، والقلب الخاشع، والنور الساطع، الذين كساهم الله كسوة الاتّباع، وأرجو من كرمه أن يحقِّقهم بحقائق الانتفاع: السيّد الأجلّ العالم الفاضل، فخر المحدِّثين ومصباح المتعبِّدين المتوجِّه إلى ربِّ العالمين؛ تقي الدين أبي حفص عُمر بن عبد الله (٢) بن عبد الأحد بن شُقَيْر (٣). والشيخ الأجلّ، العالم الفاضل، السَّالك الناسك ذي العلم والعمل، المكتسي من الصفات الحميدة أجملَ (٤) الحُلل، الشيخ شمس الدين محمد بن عبد الأحد الآمِدي (٥). والسيّد الأخ، العالم الفاضل، السَّالك الناسك، التقيّ الصالح، الذي سيماء نور قلبه لائح على صفحات وجهه؛ شرف الدين محمد بن المنجَّى (٦). والسيّد الأخ، الفقيه العالم، النبيل الفاضل، فخر المحدِّثين (٧)؛

стр. 429

زين الدين عبد الرحمن (١) بن محمود بن عُبيدان البعلبكّي (٢). والسيّد الأخ، العالم الفاضل، السَّالك الناسك، ذي اللبِّ الراجح، والعمل الصالح، والسكينة الوافرة، والفضيلة الغامرة؛ نور الدين محمد بن محمد بن محمد بن الصَّائغ (٣). وأخيه السيد الأخ، العالم التقي الصالح، الخيِّر الدَّيِّن، العامل الثقة، الأمين الراجح، ذي السَّمْت الحسن، والدِّين المتين في الاتباع للسنن (٤)؛ فخر الدين محمد (٥). والأخ العزيز الصالح، الطالب لطريق ربِّه، والراغب في مرضاته وحبِّه، العالم الفاضل، الولد شرف الدين محمد بن سعدِ الدين سعدِ الله ابن بُخَيْخٍ (٦).

стр. 430

وغيرهم من اللائذين بحضرة شيخهم وشيخنا السيد الإمام، الأُمَّة (١) الهمام، محيي السنة وقامع البدعة، ناصر الحديث ومفتي الفرق، الفاتق (٢) عن الحقائق، ومُؤصِّلها بالأصول الشرعية للطالب الذائق، الجامع بين الظاهر والباطن، فهو يقضي بالحقِّ ظاهرًا وقلبه في العُلى قاطن. أنموذج الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، الذين غابت عن القلوب سِيَرهم [ق ١٠٥]، ونَسِيَت الأمَّة حَذْوَهم وسُبُلهم، فذكَّرَهم بها الشيخ، فكان في دارس نهجهم سالكًا، ولمَوات حَذْوِهم محييًا، ولأعِنَّة قواعدهم مالكًا: الشيخُ الإمام تقيُّ الدين أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميَّة، أعاد الله علينا (٣) بركته، ورفعَ إلى مدارجِ العُلى درجتَه، وأدام توفيق السادة المبدوِّ بذكرهم وتسديدهم، وأجزل لهم حظَّهَم ومزيدَهم. السلام عليكم معشر الإخوان ورحمة الله وبركاته، جَعَلنا الله وإياكم ممن ثبت على قَرْع نوائب الحق جأْشُه، واحتسبَ لله ما بذله من نفسه في إقامة دينه، وما احتوشه من ذلك وحاشه (٤)، واحتذى حَذْو السُّبَّق الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين لم تأخذهم في الله لومةُ لائم، فما ضَرَّهم مَنْ خذلَهم ولا من خالفهم، مع قِلَّة عددهم في أوَّل الأمر، فكانوا مع ذلك كلٌّ منهم مجاهدٌ بدين الله قائم. ونرجو من كرم الله أن يوفِّقنا لأعمالهم، ويرزقَ

стр. 431

قلوبنا قِسْطًا من أحوالهم، ويَنْظِمنا في سِلْكهم، تحت سَنْجقهم (١) ولوائهم، مع قائدهم وإمامهم سيِّد المرسلين، وإمام المتّقين، محمد صلوات الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين. أذكِّركم ــ رحمكم الله ــ ما (٢) أنتم به عالمون، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]. وأبدأُ من ذلك بأنْ أُوصي نفسي وإيَّاكم بتقوى الله، وهي وصية الله تعالى إلينا وإلى الأمم من قبلنا، كما بيَّن قائلًا وموصِّيًا: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]. وقد علمتم تفاصيلَ التقوى على الجوارح والقلوب، بحسب الأوقات والأحوال؛ من الأقوال والأعمال، والإرادات والنيات. وينبغي لنا جميعًا أن لا نقنع من الأعمال بصُوَرِها، حتى نطالب قلوبنا بين يدي الله تعالى بحقائقها. ومع ذلك فلتكن لنا هِمَّةٌ عُلْوِيَّةٌ تترامى إلى أوطان القُرْب، [ونفحات] (٣) المحبوْبِيَّة والحبّ. فالسعيدُ من حَظي من ذلك بنصيب، وكان مولاه (٤) منه على سائر الأحوال قريبًا بخصوصِ التقريب، فيكتسي العبدُ من ذلك ثمرةَ الخشية والتعظيم للعزيز العظيم. فالحبُّ والخشيةُ ثابتان في الكتاب العزيز والسنة المأثورة. قال تعالى:

стр. 432

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وفي الحديث: «أسألك حُبَّكَ وحبَّ من أحَبَّك وحبَّ عملٍ يقرِّبني إلى حُبِّك» (١). وفي الحديث: «لو تعلمون ما أعْلَم لضحِكْتُم قليلًا ولَبَكَيتُم كثيرًا، ولخرجتم إلى الصُّعُدَاتِ تجأرُوْنَ إلى الله» (٢). ومعلومٌ أنُّ الناسَ يتفاوتون في مقامات الحبِّ والخشية؛ في مقامٍ أعلى من مقام، ونصيبٍ أرفعَ من نصيب، فلتكن همةُ أحدِنا من مقامات الحبِّ والخشية أعلاه، ولا يقنع إلا بِذرْوَته (٣) وذُرَاه. فالهممُ القصيرة تقنع بأيسر نصيب، والهمم العليَّة تعلو مع الأنفاس إلى قُرْب (٤) الحبيب، لا يشغلها عن ذلك ما هو دونه من الفضائل، والعاقلُ لا يقنعُ بأمرٍ مفضول عن حالٍ فاضل. [ق ١٠٦] ولتكن الهمَّة مقسمةً على نيل المراتب الظاهرة، وتحصيل المقامات الباطنة، فليس من الإنصاف الانصبابُ إلى الظواهر، والتشاغل عن المطالب العلويَّة ذوات الأنوار البواهر. وليكن لنا جميعًا (٥) من الليل والنهار ساعةٌ، نخلو فيها بربِّنا جلَّ اسمه

стр. 433

وتعالى قدسُه، نجمعُ بين يديه في تلك الساعة همومَنا، ونطرحُ أشغال الدنيا عن (١) قلوبنا، فنزهدُ فيما سوى الله ساعةً من نهار، فبذلك يعرفُ الإنسانُ حالَه مع ربِّه، فمن كان له مع ربِّه حالٌ، تحرَّكَت في تلك الساعة عزائمُه، وابتهجَتْ (٢) بالمحبَّة والتعظيم سرائرُه، وطارت إلى العُلى زفراتُه وكوامِنُه. وتلك الساعة أنموذجٌ لحالة العبدِ في قبره، حين خُلُوِّه عن ماله وحِبِّه، فمن لم يُخْلِ قلبَه لله ساعةً من نهار، لِمَا احتوشَه من الهمومِ الدنيويّة وذوات الآصار. فلْيَعْلَم أنه ليس له ثَمَّ رابطة علويّة، ولا نصيبٌ من المحبة ولا المحبوبية، فلْيَبْكِ على نفسه، ولا يرضى منها إلا بنصيبٍ من قرب ربِّه وأُنْسِه (٣). فإذا خَلَصَت (٤) لله تلك الساعةُ أمكنَ إيقاعُ الصلواتِ الخمس على نمطها من الحضور والخشوع، والهيبة للربِّ العظيم في السجود والركوع. فلا ينبغي لنا أن نبخل على أنفسِنا في اليوم والليلة من أربعٍ وعشرين ساعة بساعةٍ واحدةٍ لله الواحد القهَّار، نعبُدُه فيها حقَّ عبادته، ثم نجتهدُ على إيقاع الفرائض والتهجّد (٥) على ذلك النَّهْج في رعايته، وذلك طريقٌ لنا جميعًا ــ إن شاء الله تعالى ــ إلى النفوذ (٦). فالفقيه إذا لم ينفُذْ في عِلْمه حصل

стр. 434

له الشطر الظاهر، وفاته الشطرُ الباطن؛ لاتصاف قلبه بالجمود، وبُعْدِه في العبادة والتلاوة عن لين القلوب والجلود، كما قال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٣]. وبذلك يرتقي الفقيه عن فقهاء عصرنا (١) ويتميَّزُ به عنهم، فالنافذ من الفقهاء له البصيرة المنوَّرَة، والذَّوق الصحيح، والفراسة الصادقة، والمعرفة التامّة، والشهادة على غيره بصحيح الأعمال وسقيمها. ومن لم ينفُذْ لم تكن له هذه الخصوصية، وأبصرَ بعضَ الأشياء وغاب عنه بعضُها. فيتعيَّنُ علينا جميعًا طلبُ النفوذِ إلى حضرة قُرْب المعبودِ، ولقائه بذوق الإيقان، لنعبدَه كأنَّنا نراه، كما جاءَ في الحديث (٢). وذلك بعد الحظوة في هذه الدار بلقاء (٣) الرسول ﷺ غيبًا في غيب، وسرًّا في سرٍّ، بالعكوفِ على معرفةِ أيامه وسننه واتباعها، فتبقى البصيرةُ شاخصةً إليه، تراه عيانًا في الغيب، كأنها معه ﷺ وفي أيامه. فيجاهد على دينه، ويبذل ما استطاع من نفسه في نُصْرته. وكذلك من سلك في طريق النفوذ يُرجَى له أن يلقى ربَّه بقلبه غيبًا في غيب، وسرًّا في سرٍّ، فيُرْزَق القلبُ قسطًا من المحبَّة والخشية والتعظيم [اليقيني] (٤)، فيرى الحقائقَ بقلبه من وراءِ سِتْر رقيق. وذلك هو المُعَبَّر عنه

стр. 435

بالنفوذ. ويصلُ إلى قلبه من وراء ذلك السِّتر ما يغمره من أنوار العظمة والجلال والبهاء والكمال، فيتنوَّر العلمُ الذي اكتَسَبَه العبد، ويبقى له كيفية أخرى زائدة على الكيفية المعهودة من [ق ١٠٧] البَهْجة (١) والأنوار، والقوّة في الإعلان والإسرار. فلا ينبغي لنا أن نتشاغل عن نَيْل هذه الموهبة السَّنِيَّة بشواغل الدنيا وهمومها، فننقطع (٢) بذلك ــ كما تقدّم ــ بالشيءِ المفضول عن الأمر المهمِّ الفاضل. فإذا سلَكْنا في ذلك بُرْهةً من الزمان، ورَزَقَنا الله تعالى نفوذًا وتمكَّنا في ذلك النفوذ، فلا تعودُ هذه العوارض الجزئيات (٣) الكونيات تُؤَثِّر فينا إن شاء الله تعالى. وليكن شأنُ أحدنا اليوم: التعديل بين المصالح الدنيوية والفضائل العلمية، والتوجُّهات القلبية، ولا يقنع أحدُنا بأحدِ هذه الثلاثة عن الآخَرَين، فيفوته المطلوب. ومتى اجتهد في التعديل فإنه إن شاء الله تعالى بقَدْر ما يحصِّل العبدُ جزءًا (٤) من أحدهم، حصَّل جزءًا من الآخر، ثم بالصبر على ذلك تجتمع الأجزاءُ المحصَّلة، فتصيرُ مرتبةً عاليةً عند النهاية إن شاء الله تعالى. هذا وإن كنتم ــ أيّدكم الله تعالى ــ بذلك عالمين، لكنّ الذِّكْرى تنفعُ المؤمنين.

стр. 436

فصل واعلموا ــ أيَّدكم الله ــ أنه يجب عليكم أن تشكروا ربَّكم تعالى في هذا العصر، حيثُ جعلكم بين جميع أهل هذا (١) العصر كالشَّامة البيضاء في الحيوان الأسود. لكن من لم يسافر إلى الأقطار، ولم يتعرَّف أحوالَ الناس، لا يدري قَدْر ما هو فيه من العافية. فأنتم إن شاء الله تعالى كما قال الله تعالى في حقِّ هذه الأمة الأُولى (٢): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وكما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ... ﴾ الآية [الحج: ٤١]. أصبحتم إخواني تحت سَنْجق (٣) رسول الله ﷺ ــ إن شاء الله تعالى ــ مع شيخكم وإمامكم، شيخنا وإمامنا المبدوء بذكره ــ ﵁ ــ قد تميَّزتُم عن جميع أهل الأرض؛ من (٤) فقهائها وفقرائها، وصوفيتها (٥) وعوامها= بالدين الصحيح. وقد عرفتم ما أحدَثَ الناسُ من الأحداث، في الفقهاء والفقراء، والصوفية والعوام. فأنتم اليوم في مقابلة الجهمية من الفقهاء، نصرتم اللهَ

стр. 437

ورسولَه في حفظ ما أضاعوه من دين الله، تصلحون ما أفسدوه من تعطيل صفات الله. وأنتم أيضًا في مقابلة من لم ينفُذ في علمه من الفقهاء إلى رسول الله ﷺ ، وجَمَد (١) على مجرَّد تقليد الأئمة، فإنَّكم قد نصرتم الله ورسوله في تنفيذ العلم إلى أصوله من الكتاب والسنة، واتخاذ أقوال الأئمة تأنُّسًا (٢) بهم لا تقليدًا لهم. وأنتم أيضًا في مقابلة ما أحدثته أنواعُ الفقراء؛ من الأحمدية والحريرية، من إظهار شعار المُكاء والتَّصْدِية، ومؤاخاة النساء والصبيان، والإعراض عن دين الله، إلى خُرافات مكذوبة عن مشايخهم، واستنادهم (٣) على شيوخهم، وتقليدهم في صائب (٤) حركاتهم وخطائها، وإعراضهم عن دين الله الذي أنزله من السماء. فأنتم بحمد الله تجاهدون هذا الصنف أيضًا كما تجاهدون من سبق. حفظتم من دين الله ما أضاعوه، وعرفتم ما جهلوه، تُقَوِّمون من الدين ما عوَّجوه، وتُصْلِحون منه ما أفسدوه. وأنتم أيضًا في مقابلة [ق ١٠٨] رسميَّة الصوفية والفقهاء، وما أحدثوه من

стр. 438

الرسوم الوضعية (١)، والآصار الابتداعية، من التصنُّع باللباس، والأطواق (٢)، والسجادة؛ لنيل الرزق من المعلوم، ولُبس البَقْيار (٣)، والأكمام الواسعة في حضرة الدرس (٤)، وتنميق الكلام، والعَدْو بين يدي المدرِّس (٥) راكعين، حفظًا للمناصب، واستجلابًا للرزق والإدْرار. فخَلَط هؤلاء في عبادة الله غيرَه، وتألَّهوا سواه، ففسدت قلوبُهم من حيث لا يشعرون؛ يجتمعون لغير الله بل للمعلوم، ويلبسون للمعلوم، وكذلك في أغلب حركاتهم يراعون ولاةَ المعلوم، فضيَّعوا كثيرًا من دين الله وأماتوه، وحفظتم أنتم ما ضيَّعوه، وقوَّمتم ما عوَّجوه. وكذلك أنتم في مقابلة ما أحدثته (٦) الزنادقةُ؛ من الفقراء والصوفية، من قولهم بالحلول والاتحاد، وتألُّه المخلوقات، كاليونسية، والعربية، والصدرية، والسبعينية، والسَّعدية (٧)، والتِّلِمْسانية. فكلُّ هؤلاء بدَّلوا دين الله

стр. 439

وقلبوه، وأعرضوا عن شريعةِ رسول الله ﷺ . فاليونسية: يتألَّهون شيخَهم، ويجعلونه مَظْهَرًا للحقّ، ويستهينون (١) بالعبادات، ويظهرون بالفَرْعَنة والصَّولة، والسفاهة والمحالات، لما وَقَر في بواطنهم من الخيالات الفاسدة. وقِبلتهم الشيخ يونس (٢). ورسولُ الله ﷺ والقرآنُ المجيد عنهم بمعزل، يؤمنون به بألسنتهم، ويكفرون به بأفعالهم. وكذلك الاتحاديّة، يجعلون الوجود مَظْهَرًا للحقِّ، باعتبار أن [لا] (٣) متحرِّك في الكون سواه، و [أن لا] ناطق في الأشخاص غيرُه (٤). وفيهم من لا يفرق بين الظاهر والمظهر، فيجعل الأمر كموج البحر، فلا يفرّق بين عين الموجَة وبين عين البحر، حتَّى إن أحدهم يتوهَّم أنه الله، فينطق على لسانه، ثم يفعل ما أراد من الفواحش والمعاصي؛ لأنَّه يعتقد ارتفاع المثنوية (٥)، فمن العابدُ ومن المعبود؟ صار الكلُّ واحدًا! ! اجتمعنا بهذا الصنف في الرُّبُط والزوايا. فأنتم بحمد الله قائمون في وجه هؤلاء أيضًا تنصرون الله ورسوله، وتذبُّون عن دينه، وتعملون على إصلاح ما أفسدوا، وعلى تقويم ما عوّجوا. فإنَّ هؤلاء محوا رَسْم الدِّين، وقلعوا أثره، فلا يقال: أفسدوا ولا

стр. 440

عوَّجوا، بل بالغوا في هَدْم الدين ومَحْوِ أثره! ولا قُربة أفضل (١) عند الله تعالى من القيام بجهاد هؤلاء بمهما أمكن، وتبيين مذاهبهم للخاصِّ والعام. وكذلك جهادُ كلِّ من ألْحَد (٢) في دين الله وزاغ عن حدوده وشريعته، كائنًا في ذلك ما كان من فتنةٍ وقول، كما قيل: إذا رضيَ الحبيبُ فلا أُبالي ... أقام الحيُّ أم جدَّ الرَّحِيْلُ (٣) وبالله المستعان. وكذلك أنتم ــ بحمد الله ــ قائمون بجهاد الأمراء والأجناد، تصلحون ما أفسدوا من المظالم والإجحافات، وسوء السيرة الناشئة عن الجهل بدين الله، بما أمكن. وذلك لبعد [ق ١٠٩] العهد عن دين (٤) رسول الله ﷺ ؛ لأنَّ له اليوم سبعمائة سنة، فأنتم بحمد الله تجدِّدون ما دَثَر من ذلك، بل يُجَدِّد الله بكم وبشيخكم إن شاء الله ما عفا من ذلك ودَثَر (٥). وكذلك أنتم ــ بحمد الله ــ قائمون في وجوه العامة، مما أحدثوا من تعظيم الميلادة (٦)، والقَلَنْدس، وخميس البيض (٧)، والشّعانين، وتقبيل

стр. 441

القبور والأحجار، والتوسُّل عندها. ومعلومٌ أن ذلك كلَّه من شعائر النصارى والجاهلية. وإنما بُعث رسول الله ﷺ ليُوَحَّد الله ويُعبد وحده (١)، ولا يُتألَّه معه شيء من مخلوقاته. بعثه الله تعالى ناسخًا لجميع الشرائع والأديان والأعياد، فأنتم بحمد الله قائمون بإصلاح ما أفسد الناسُ من ذلك. وقائمون في وجوه من ينصر هذه البدع من مارقي الفقهاء، أهل الكيد والضِّرار لأولياء الله، أهل المقاصد الفاسدة، والقلوب التي هي عن نَصْر الحقِّ حائدة (٢). وإنما أَعْرَض هذا الضعيفُ عن ذكر قيامكم في وجوه التتر والنصارى واليهود، والرافضة والمعتزلة والقدرية، وأصناف أهل البدع والضلالات؛ لأنَّ النَّاس متفقون على ذمِّهم، يزعمون أنَّهم قائمون بردِّ بدعتهم، ولا يقومون بتوفية حقِّ الرَّدِّ عليهم كما تقومون، بل يعلمون ويَجْبُنون عند (٣) اللقاء فلا يجاهدون، وتأخذهم في الله اللائمة لحفظ مناصبهم، وإبقاءً على أعراضهم. سافرنا البلاد فلم نرَ من يقوم بدين الله في وجوه مثل هؤلاء ــ حقَّ القيام ــ سواكم، فأنتم القائمون في وجوه هؤلاء ــ إن شاء الله ــ بقيامكم

стр. 442

بنُصرة شيخكم وشيخنا ــ أيده الله ــ حقَّ القيام، بخلاف (١) من ادَّعى من الناس أنهم يقومون بذلك. فصبرًا يا إخواني على ما أقامكم الله فيه، من نُصرة دينه وتقويم اعوجاجه، وخذلان أعدائه. واستعينوا بالله، ولا تأخذكم في الله (٢) لومة لائم، وإنَّما هي أيام قلائل، والدين منصور، قد تولَّى الله إقامته (٣)، ونُصْرة من قام به من أوليائه، إن شاء الله، ظاهرًا وباطنًا. وابذلوا فيما أقمتم فيه ما أمكنكم من الأنفس والأقوال والأفعال والأموال، عسى أن تلحقوا بذلك بسلفكم أصحاب رسول الله ﷺ ، فلقد عرفتم ما لقوا في ذات الله، كما قال خُبَيْب حين صُلِبَ على الجذع (٤): وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يُبارك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّع وقد عرفتم ما لقي رسول (٥) الله ﷺ من الضرِّ والفاقة في شعب بني هاشم، وما لقي السابقون الأولون من التعذيب والهجرة إلى الحبشة، وما لقي المهاجرون والأنصار في أُحد، وفي بئر معونة، وفي قتال أهل الرِّدَّة، وفي جهاد الشام والعراق، وغير ذلك. وانظروا كيف بذلوا نفوسهم وأموالهم لله، حُبًّا له، وشوقًا إليه. فكذلك

стр. 443

أنتم ــ رحمكم الله ــ كلٌّ منكم على قدر إمكانه [ق ١١٠] واستطاعته، بفعله، وبقوله، وبخطِّه، وبقلبه، وبدعائه. كلُّ ذلك جهاد. أرجو أن لا يخيبَ مَنْ عاملَ اللهَ بشيءٍ من ذلك؛ إذ لا عيش إلَّا في ذلك، ولو لم يكن فيه إلَّا أنَّ (١) هِمَمَكُم مزاحِمةٌ لأهل الزيغ، ومُشوِّشة لهم، تُبغضونهم في الله، وتطلبون استقامته في دين الله، وذلك من الجهاد الباطن إن شاء الله تعالى. فصل ثم اعرفوا إخواني حقَّ ما أنعم الله عليكم من قيامكم بذلك، واعرفوا طريقكم إلى ذلك، واشكروا الله تعالى عليها، وهو أن أقام لكم ولنا في هذا العصر مثل سيِّدنا الشيخ الذي فتح الله به أقفال القلوب، وكشف به عن البصائر عمى الشُّبهات وحيرة الضلالات، حيث تاه العقلُ بين هذه الفرق، ولم يهتد (٢) إلى حقيقة دين الرسول ﷺ . ومن العجب أنَّ كلًّا منهم يدَّعي أنه على دين الرسول، حتى كشف الله لنا ولكم بواسطة هذا الرجل عن حقيقة دينه الذي أنزله من السماء وارتضاه لعباده. واعلموا أنَّ في آفاق الدنيا أقوامًا يعيشون أعمارهم بين هذه الفرق، يعتقدون أنَّ تلك البدع حقيقةُ الإسلام، فلا يعرفون الإسلام إلا هكذا! فاشكروا الله الذي أقام لكم في رأس السبع مئة من الهجرة من بَيَّن (٣)

стр. 444

لكم أعلام دينكم، وهداكم الله به وإيانا إلى نهج شريعته، وبيَّن لكم بهذا النور المحمَّدي ضلالات العبَّاد وانحرافاتهم، فصرتم تعرفون الزائغ من المستقيم، والصحيح من السقيم. وأرجوا أن تكونوا أنتم الطائفة المنصورة، الذين لا يضرُّهم من خَذَلهم ولا من خالفهم، وهم بالشام إن شاء الله تعالى. فصل ثم إذا علمتم ذلك؛ فاعرفوا حقَّ هذا الرجل ــ الذي هو بين أظهركم ــ وقدْرَه، ولا يعرفُ حقَّه وقدره إلَّا من عرف دين الرسول ﷺ وحقَّه وقَدْره. فمن وقع دينُ الرسول ﷺ من قلبه بموقعٍ يستحقُّه، عرف ما قام هذا الرجل به (١) بين أظهر عباد الله؛ يُقوِّم معوَجَّهم، ويُصلح فسادهم، ويلُمّ شَعَثَهم جَهْد إمكانه، في الزمان المظلم، الذي انحرف فيه الدين، وجُهِلَت السنن، وعُهِدَت البدع، وصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والقابضُ على دينه كالقابض على الجمر، فإنَّ أجر من قام بهذا (٢) النور في هذه الظلمات لا يُوْصَف وخطره لا يُعرَف. هذا إذا عرفتموه أنتم من حيثيَّة الأمر الشرعي الظاهر، فهنا قومٌ عرفوه من حيثيّةٍ أُخرى من الأمر الباطن، ومن نُفُوذه (٣) إلى معرفة أسماء الله

стр. 445

تعالى وصفاته، وعظمةِ ذاته، واتصال قلبه بأشعة أنوارها، والاحتظاء (١) من خصائصها وأعلى أذواقها، ونفوذه من الظاهر إلى الباطن، ومن الشهادة إلى الغيب، ومن الغيب إلى الشهادة، ومن عالم الخلق إلى عالم الأمر، وغير ذلك ممَّا لا يمكن شرحُه في كتاب. فشيخكم ــ أيدكم الله ــ عارفٌ (٢) بأحكام الله الشرعية، عارفٌ بأحكامه القدرية، عارفٌ بأحكام أسمائه [ق ١١١] وصفاته الذاتية. ومثلُ هذا العارف قد يبصر ببصيرته تنزُّلَ الأمر بين طبقات السماء والأرض، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ... ﴾ (٣) [الطلاق: ١٢]. فالناسُ يحِسُّون بما يجري في عالم الشهادة، وهؤلاء بصائرهم شاخصةٌ إلى الغيب، ينتظرون ما تجري به الأقدار، يشعرون بها أحيانًا عند تنزُّلها. فلا تُهوِّنوا أمرَ مثل هؤلاء في انبساطهم مع الخلق، واشتغال أوقاتهم بهم، فإنهم كما حُكي عن الجُنيد ــ ﵀ ــ أنه قيل له: «كم تنادي على الله تعالى بين الخلق؟ فقال: أنا أنادي على الخلق بين يدي الله». فاللهَ اللهَ في حفظ الأدب معه، والانفعال لأوامره، وحفظ حُرُماته في الغيب والشهادة، وحُبِّ من أحبَّه، ومجانبة من أبغضه أو عابَه وانتقصه (٤)، وردِّ غيبتِه، والانتصار له في الحقِّ.

стр. 446

واعلموا ــ رحمكم الله ــ أنَّ هنا من سافر إلى الأقاليم، وعرف الناس أذواقهم وأشرف على غالب أحوالهم، فوالله ثم والله ثم والله، لم يُرَ تحت أديم السماء مثل شيخِكم؛ علمًا (١)، وحالًا وخُلُقًا، واتباعًا وكرمًا، وحلمًا في حقِّ نفسه، وقيامًا في حقِّ الله عند انتهاك حُرُماته. أصدق الناس عقدًا، وأصحُّهم علمًا وعزمًا، وأنفذهم وأعلاهم في انتصار الحقّ وقيامه هِمَّةً، وأسخاهم كفًّا، وأكملهم اتباعًا لنبيه محمد ﷺ . ما رأينا في عصرنا هذا من تُسْتجلى النبوّة المحمديّة وسنتها (٢) من أقواله وأفعاله إلا هذا الرجل، بحيثُ يشهد القلب الصحيح أنَّ هذا هو الاتباع حقيقةً. وبعد ذلك كلِّه فقول الحقِّ فريضة، فلا ندَّعي فيه العصمة عن الخطأ (٣)، ولا ندَّعي إكماله لغايات الخصائص المطلوبة، فقد يكون في بعض الناقصين خصوصية مقصودة مطلوبة لا يتم الكمالُ إلا بها [و] تلك الخصوصية في غيره أكمل مما هي فيه، بمعنى أنَّ ذلك متّصِف بحقائقها مثلًا؛ لانفراد همة وقته (٤) بها، وتَفْرِقة شيخنا في فضائل مهمةٍ دينيَّةٍ وغيرها (٥). ولو حقّقنا لوجدنا شيخَنا أفضلَ من ذلك الرجل مع قيامه

стр. 447

بتلك (١) الخصوصية. وهذا القدر لا يجهله منصفٌ عارفٌ. ولولا أنَّ قول الحق فريضة، والتعصُّب للإنسان هوى، لأعرضتُ عن ذكر هذا، لكن يجبُ قول الحقِّ إن ساء أو سرَّ، وبالله المستعان. إذا علمتم ذلك ــ أيدكم الله ــ فاحفظوا قلبه، فإنَّ مثل هذا قد يُدعَى عظيمًا في ملكوت السماء. واعملوا على رضاه بكل ممكن، واستجلبوا وُدَّهُ لكم وحُبَّه إيَّاكم بمهما قدرتم عليه، فإنَّ مثل هذا يكون شهيدًا، والشهداءُ في العصر تبع لمثله، فإن حَصَلت لكم محبَّتُه رجوتُ لكم بذلك خصوصية أكتُمُها ولا أذكرها، وربّما يفطن لها الأذكياء منكم، وربَّما سمحت نفسي بذكرها كيلا (٢) أكتم عنكم نُصحي. وتلك الخصوصية هي: أن تُرزَقوا قسطًا من نصيبه الخاصِّ المحمَّديّ مع الله، فإنَّ ذلك إنَّما يسري بواسطة محبَّة الشيخ للمريد، واستجلاب المريد محبَّة الشيخ بتأتّيه (٣) معه، وحِفْظ قلبه وخاطره، واستجلاب وُدِّه ومحبته، فأرجو بذلك لكم قسطًا ممّا [ق ١١٢] بينه وبين الله تعالى، فضلًا عمّا تكتسبونه (٤) من ظاهر علمه وفوائده وسياسته، إن شاء الله تعالى. وأرجو أنَّكم إذا فتحتم بينكم وبين ربِّكم تصحيحَ (٥) المعاملة، بحفظ تلك الساعة مع الله تعالى بالزهد فيها عما سواه، واستصحاب حكم تلك

стр. 448

الساعة (١) في الصلوات الخمس والتهجُّد= أن ينفتح لكم معرفة حقيقة (٢) هذا الرجل ونبئه إن شاء الله تعالى. وإنّما ذكرتُ حفظ الساعة ــ وإن كان في الصلوات الخمس كفاية إذا قام العبد فيها بحقّ الله تعالى ــ وذلك لأنَّ الصلاة قد تهجُم على العبد وقلبُه مأخوذٌ في جواذب الظاهر، فلا يعرف نصيبَ قلبهِ من ربِّه، فإذا عرف فيها كان (٣) للعبد ساعةٌ بين الليل والنهار عرفَ فيها نصيب قلبِه من ربِّه، فإذا جاءت الصلوات، عرف فيها حالَه وزيادَته ونقصانه باعتبار حالته مع ربّه في تلك الساعة. وبالله المستعان. فصل وإذا عرفتم قدر دين الله تعالى الذي أنزله على رسوله ﷺ ، وعرفتم قدر حقائق الدين الذي يعبَّر عنه بالنفوذ إلى الله تعالى، والحظوة بقربه، ثم عرفتم اجتماع الأمرين في شخصٍ معيَّن، ثم عرفتم انحراف الأمة عن الصِّراط المستقيم، وقيام الرجل المُعيَّن الجامع للظاهر والباطن في وجوه المنحرفين، يَنْصر اللهَ تعالى ودينَه، ويقوِّم معوجَّهم، ويلُمُّ شَعَثهم، ويُصلح فاسدهم. ثم سمعتم بعد ذلك طَعْنَ طاعنٍ عليه من أصحابه أو من غيرهم، فإنه لا يخفى عليكم (٤) مُحِقٌّ هو أو مُبْطِل إن شاء الله.

стр. 449

وبرهانُ ذلك: أنَّ المحقّ طالب (١) الهدى والحقّ يعرض (٢) عند من أنكر عليه ذلك الفعل الذي أنكره، إمّا بصيغة السؤال أو الاستفهام بالتلطُّف عن ذلك النقص الذي رآه فيه، أو بلغه عنه. فإن وجد هناك اجتهادًا أو رأيًا أو حُجَّةً، قنع بذلك وأمسك، ولم يُفشِ ذلك إلى غيره، إلا مع إقامة ما بيَّنه من الاجتهاد أو الرأي أو الحجَّة، ليَسُدَّ الخلل بذلك. فمثل هذا يكون طالبَ هدًى، مُحبًّا ناصحًا (٣)، يطلبُ الحقَّ، ويرومُ تقويم أستاذه عن انحرافه، بتعريفه وتعريضه (٤)، كما يرومُ أستاذُه تقويمَه. كما قال بعضُ الخلفاء الراشدين ــ ولا يحضرني اسمه ــ: إذا اعوججْتُ فقوِّموني (٥). فهذا حقٌّ واجب بين الأستاذ والطالب، فإنَّ الأستاذ يطلبُ إقامة الحجّة (٦) على نفسه ليقوّم به، ويتَّهم نفسَه أحيانًا، ويتعرَّف أحوالَه من غيره، مما عنده من النَّصَفَة وطلب الحقّ، والحذر من الباطل، كما يطلب المريد ذلك من شيخه من التقويم، وإصلاح الفاسد من الأعمال والأقوال.

стр. 450

ومن براهين المحقّ (١): أن يكون عدلًا في مَدْحه، عدلًا في ذمِّه، لا يحمله الهوى ــ عند وجود المراد ــ على الإفراط في المدح، ولا يحمله الهوى ــ عند تعذّر المقصود ــ على نسيان التفاضيل (٢) والمناقب، وتعديد المساوئ والمثالب. فالمحقُّ في حالتي غضبه ورضاه، ثابتٌ على مدح من مدحه وأثنى عليه، ثابتٌ على ذمّ من ثلبه وحطَّ عليه. وأمَّا من عمل كراسةً في عدِّ مثالب (٣) هذا الرجل القائم بهذه الصفات [ق ١١٣] الكاملة بين أصناف هذا العالم المنحرف، في هذا الزمان المظلم، ثم ذكر مع ذلك شيئًا من فضائله، ويُعلم أنه ليس المقصود ذكر الفضائل، بل المقصود تلك المثالب، ثم أخذ الكرّاسة يقرؤها على أصحابه واحدًا واحدًا في خَلْوة، يوقفُ بذلك همَّهم (٤) عن شيخهم، ويُريهم قدحًا فيه (٥) = فإني استخير الله وأجتهد رأيي في مثل هذا الرجل، وأقول انتصارًا لمن ينصر دينَ الله، بين أعداء الله في رأس السبعمائة، فإنَّ نُصرة مثل هذا

стр. 451

الرجل واجبة على كلِّ مؤمن، كما قال ورقة بن نوفل: «لئن أدركني يومُك لأنصُرنَّك نصرًا مُؤزّرًا» (١). ثمّ أسأل الله العصمةَ فيما أقول عن تعدِّي الحدود والإخلاد إلى الهوى (٢). أقول: مثل هذا ــ ولا أُعيِّن الشخص المذكور بعينه ــ لا يخلو من أمور: أحدها: أن يكون ذا سنٍّ تغيَّر رأيه لسِنِّه، لا بمعنى أنه اضطرب، بل بمعنى أنَّ السنَّ إذا كبر يجتهد صاحبه للحقِّ، ثم يضعه في غير مواضعه. مثلًا يجتهد أنَّ إنكار المنكر واجب، وهذا منكرٌ، وصاحبه قد راج على الناس. فيجبُ عليَّ تعريف الناس ما راج عليهم. ويغيبُ عنه (٣) المفاسدُ في ذلك. فمنها: تخذيلُ الطلبة، وهم مضطرّون (٤) إلى محبَّة شيخهم، ليأخذوا عنه، فمتى تغيَّرت قلوبهم عليه، ورأوا فيه نقصًا، حُرِمُوا فوائده الظاهرة والباطنة، وخيف عليهم المَقْت (٥) من الله أوَّلًا ثم من الشيخ ثانيًا. المفسدة الثانية: إذا شعر أهلُ البدع الذين نحن وشيخنا قائمون الليلَ والنهارَ بالجهاد أو التوجُّه في وجوههم لنصرة الحقِّ= أنَّ في أصحابنا من

стр. 452

يثْلب (١) رئيسَ القوم بمثل هذا، فإنَّهم يتطرَّقون بذلك إلى الاشتفاء بأهل الحقِّ ويجعلونه حجَّةً لهم. المفسدة الثالثة: تعديد المثالب في مقابلة ما يستغرقها ويزيدُ عليها بأضعافٍ كثيرة من المناقب، فإنَّ ذلك ظلمٌ وجهل (٢). والأمر الثاني ــ من الأمور الموجبة لذلك ــ: تغيُّر حاله وقلبه، وفساد سلوكه بحسدٍ كان كامنًا (٣) فيه، وكان يكتمه بُرهةً من الزّمان، فظهر ذلك الكمين في قالبٍ، صورتُه حقٌّ ومعناه باطل. فصل وفي الجملة ــ أيَّدكم الله ــ إذا رأيتم طاعنًا (٤) على صاحبكم، فافتقدوه في عقله أوَّلًا، ثم في فهمه، ثم في صِدْقه، ثم في سنِّه. فإذا وجدتم الاضطراب في عقله، دلَّكم على جهله بصاحبكم، وبما (٥) يقول فيه وعنه. ومثله قلَّة الفهم. ومثله عَدَم الصدق أو قصوره؛ لأنَّ نقصان الفهم يؤدِّي إلى نقصان الصدق بحسب ما غاب عقله عنه (٦). ومثلُه العلوّ في السنِّ،

стр. 453

فإنَّه يشيخ فيه الرأي والعقل، كما يشيخُ فيه القُوى الظاهرة الحِسِّيَّة. فاتَّهِموا مثل هذا الشخص واحذروه، وأعْرِضوا عنه إعراضَ (١) مداراةٍ بلا جدل ولا خصومة. وصفة الامتحان بصحة (٢) إدراك الشخص وعقله وفهمه: أن تسألوه عن مسألة سلوكية أو علمية [ق ١١٤] فإذا أجاب عنها، فأَورِدوا (٣) على الجواب إشكالًا متوجِّهًا بتوجيهٍ صحيح، فإن رأيتم الرجل يروحُ (٤) يمينًا وشمالًا، ويخرج عن ذلك المعنى إلى معانٍ خارجة، وحكايات ليست في المعنى حتى يُنْسِي ربَّ المسألةِ سؤالَه، حيث توَّهَه (٥) عنه بكلام لا فائدة فيه. فمثل هذا لا تعتمدوا على طعنه ولا على مدحه، فإنَّه ناقص الفطرة، كثير الخيال، لا يثبت على تحرير (٦) المدارك العلمية، ولا تنكروا مثل إنكار هذا، فإنَّه اشتهر قيام ذي الخُوَيصِرَةِ التميمي إلى رسول الله ﷺ وقوله له: «اعْدِل فإنَّك لم تعدل، إنَّ هذه قسمةٌ لم يُرَد بها وَجْهُ الله تعالى» (٧) ونحو ذلك.

стр. 454

فوقوع ذلك (١) وأمثاله من بعض معجزات الرسول ﷺ ، فإنَّه قال: «لتركَبُنَّ سَنَنَ من كان قبلكم حَذْو القُذَّةِ بالقُذَّة» (٢). وإن كان ذلك في اليهود والنصارى، لكن لَّما كانوا منحرفين عن نهج الصواب، فكذلك يكونُ في هذه الأمة من يحذو حذو كلِّ منحرفٍ وُجِد في العالم، متقدِّمًا كان أو متأخّرًا، حذو القُذَّة بالقُذَّة، حتَّى لو دخلوا جُحْرَ ضَبٍّ لدخلوه. يا سبحان الله العظيم! أين عقولُ هؤلاء؟ أَعَمِيَت أبصارهم وبصائرهم؟ أفلا يرون ما الناس فيه من العَمَى والحيرة في الزمان المظلم المُدْلَهمِّ، الذي قد ملكت فيه الكفَّارُ مُعظم الدنيا؟ وقد بقيت هذه الخطة (٣) الضيّقة يشمّ فيها المؤمنون رائحةَ الإسلام؟ وفي هذه الخطة الضيِّقة من الظلمات من علماء السوء، والدُّعاة إلى الباطل وإقامته، ودَحْض الحقِّ وأهله، ما لا يُحْصَر في كتاب. ثمَّ إنّ الله تعالى قد رَحِمَ هذه الأمة بإقامة رجلٍ قويِّ الهِمَّة، ضعيف التركيب، قد فرَّق نفسَه وهمَّه في مصالح العالم، وإصلاح فسادهم، والقيام بمهمَّاتهم وحوائجهم، ضِمْن ما هو قائم بصدَدِ البدع والضلالات، وتحصيل موادِّ (٤) العلم النبويّ الذي يُصلح به فسادَ العالم، ويردّهم إلى الدين الأول العتيق جُهدَ إمكانه؟ وإلاّ فأين حقيقة الدين العتيق؟

стр. 455

فهو مع هذا كلّه قائمٌ بجملة ذلك وحده، وهو منفردٌ بين أهل زمانه، قليلٌ ناصرُه، كثيرٌ خاذلُه وحاسدُه والشامت فيه! فمثل هذا الرجل في هذا الزمان، وقيامه بهذا الأمر العظيم الخطير فيه= أيُقال له: لِمَ تردُّ على الأحمدية؟ لِمَ لا تعدل في القِسْمَة؟ لِمَ تدخل على الأمراء؟ لم تقرِّب (١) زيدًا وعَمرًا؟ أفلا يستحيي العبدُ من الله يذكر مثل هذه الجُزْئيَّات في مقابلة مثل (٢) هذا العبء الثقيل؟ ولو حُوقِق الرَّجلُ على هذه الجُزْئيَّات وُجدَ عنده نصوصٌ صحيحة، ومقاصدُ صحيحة (٣)، ونيَّات صحيحةٌ، تغيبُ عن الضعفاء العقول، [بل عن الكُمَّل منهم] (٤) حتى يسمعوها. أمَّا ردُّه على الطائفة الفلانية (٥) ــ أيها المُفْرِّط التائه، الذي لا يدري ما يقول ــ أفيقوم دين محمد بن عبد الله الذي أُنزل من السماء إلا بالطعن على هؤلاء؟ وكيف يظهر الحقّ إن لم يُخْذَل الباطل؟ لا يقول مثلَ هذا إلاّ تائه، أو مُسنٌّ، أو حاسدٌ؟ وكذا القسمة [ق ١١٥] للرجل، في ذلك اجتهاد صحيح، ونظرٌ إلى مصالح تترتَّب (٦) على إعطاء قوم دون قوم، كما خصَّ الرسول ﷺ الطُّلقاء

стр. 456

بمائة من الإبل، وحَرَم الأنصار، حتى قال منهم أحداثُهم شيئًا في ذلك، لا ذوو الأحلام، وفيها (١) قام ذو الخُوَيصرة فقال ما قال. وأما دُخُوله على الأُمراء؛ فلو لم يكن، كيف كان شمَّ الأمراءُ رائحةَ الدين العتيق الخالص؟ ولو فتَّش المفتِّشُ لوجد هذه الكيفية التي عندهم من رائحة الدين، ومعرفة المنافقين، إنَّما اقتبسوها من صاحبكم. وأمَّا تقريب زيد وعَمْرو؛ فلمصلحة باطنة، لو فُتِّش عنها مع الإنصاف، وُجِد هناك ما يُرِي أنَّ ذلك عين (٢) المصلحة. ونفرضُ أنك مصيبٌ في ذلك، إذ لا نعتقد العصمةَ إلا في الأنبياء، والخطأ جارٍ على غيرهم، أيُذكَر مثل هذا الخطأ في مقابلة ما تقدَّم من الأمور العظام الجِسام؟ ! لا يَذْكُرُ مثلَ هذا في كُرّاسة ويعدِّدها، ثم يدور بها على واحدٍ واحد (٣)، كأنه يقول شيئًا، إلا رجلٌ نسألُ الله (٤) العافيةَ في عقله، وخاتمة الخير على عمله، وأن يردَّه عن انحرافه إلى نَهْج الصواب، بحيث لا يبقى مَعْثرةً يعيبُه بعمَلِه (٥) وتصنيفِه أولو العقول والأحلام! ونستغفر الله العظيم من الخطأ والزلل في القول والعمل، والحمدُ لله

стр. 457

وحدَه، وصلى الله على سيدنا محمد النبيِّ (١) وسلَّم. هذا آخر الرّسالة التي سمَّاها مؤلِّفها: «التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار». وقال: فرحم الله من قام بحَلّ (٢) الإصرار، وتصحيح التوبة النصوح بالاستغفار إلى عالِم الأسرار. نفع الله بها (٣) من وقف عليها، وأصغى إلى ما ينتج (٤) منها ولديها. آمين.

стр. 458

[بعض اختيارات الشيخ ﵀] (١) ثم إنَّ الشيخ ــ ﵀ ــ بعد وصوله من مصر إلى دمشق، واستقراره بها، لم يزل ملازمًا للإشغال والاشتغال (٢)، ونَشْر العلم، وتصنيف الكتب، وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطوَّلة وغيرها، ونَفْع الخلق، والإحسان إليهم، والاجتهاد في الأحكام الشرعية. ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده، من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها قد يفتي بخلافهم، أو بخلاف المشهور من مذاهبهم. ومن اختياراته التي خالفهم فيها، أو خالف المشهورَ من أقوالهم: - القولُ بقَصْر الصلاة في كلِّ ما يُسَمَّى سفرًا، طويلًا كان أو قصيرًا، كما هو مذهبُ الظاهريَّة، وقول بعض الصحابة (٣).

стр. 459

- والقولُ بأنَّ البِكْر لا تُسْتَبْرأ، وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر، واختاره البخاريُّ صاحبُ «الصحيح» (١). - والقولُ بأنَّ سجود التلاوة لا يُشترط له وضوء كما يُشْترط للصلاة (٢). كما هو مذهب ابن عمر، واختيار البخاريِّ أيضًا (٣). - والقولُ بأنَّ من أكل في شهر رمضان، معتقدًا أنَّه ليل فبان نهارًا لا قضاء عليه، كما هو الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁، وإليه ذهب بعض التابعين، وبعض الفقهاء بعدهم (٤). - والقولُ بأنَّ المتمتِّع يكفيه سَعْيٌ واحد بين الصفا والمروة، كما في حقِّ [ق ١١٦] القارن والمُفْرِد. وهو (٥) قولُ ابن عباس ﵄، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل، رواها عنه ابنه عبد الله، وكثير من أصحابِ الإمام أحمد لا يعرفونها (٦). - والقولُ بجواز المسابقة بلا مُحَلِّل، وإن أُخْرِج (٧) المتسابقان (٨).

стр. 460

- والقولُ باستبراء المختلعة بحيضةٍ. وكذلك الموطوءة بشبهةٍ، والمطلَّقة آخر ثلاث تطليقاتٍ (١). - والقولُ بإباحة وطء الوثنيَّات بملك (٢) اليمين (٣). - والقولُ بجواز عَقْد الرِّداء (٤) في الإحرام، ولا فدية في ذلك (٥). - وجواز طواف الحائض، ولا شيء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرًا (٦). - والقولُ بجواز بيع الأصل بالعصير (٧)، كالزيتون بالزيت. والسمسم بالشَّيرَج (٨). - والقولُ بجوازِ الوضوء بكلِّ ما يسمَّى ماءً (٩)، مطلقًا كان أو مقيَّدًا (١٠).
следующие страницы →