← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

بمائة من الإبل، وحَرَم الأنصار، حتى قال منهم أحداثُهم شيئًا في ذلك، لا ذوو الأحلام، وفيها (١) قام ذو الخُوَيصرة فقال ما قال. وأما دُخُوله على الأُمراء؛ فلو لم يكن، كيف كان شمَّ الأمراءُ رائحةَ الدين العتيق الخالص؟ ولو فتَّش المفتِّشُ لوجد هذه الكيفية التي عندهم من رائحة الدين، ومعرفة المنافقين، إنَّما اقتبسوها من صاحبكم. وأمَّا تقريب زيد وعَمْرو؛ فلمصلحة باطنة، لو فُتِّش عنها مع الإنصاف، وُجِد هناك ما يُرِي أنَّ ذلك عين (٢) المصلحة. ونفرضُ أنك مصيبٌ في ذلك، إذ لا نعتقد العصمةَ إلا في الأنبياء، والخطأ جارٍ على غيرهم، أيُذكَر مثل هذا الخطأ في مقابلة ما تقدَّم من الأمور العظام الجِسام؟ ! لا يَذْكُرُ مثلَ هذا في كُرّاسة ويعدِّدها، ثم يدور بها على واحدٍ واحد (٣)، كأنه يقول شيئًا، إلا رجلٌ نسألُ الله (٤) العافيةَ في عقله، وخاتمة الخير على عمله، وأن يردَّه عن انحرافه إلى نَهْج الصواب، بحيث لا يبقى مَعْثرةً يعيبُه بعمَلِه (٥) وتصنيفِه أولو العقول والأحلام! ونستغفر الله العظيم من الخطأ والزلل في القول والعمل، والحمدُ لله

стр. 457

وحدَه، وصلى الله على سيدنا محمد النبيِّ (١) وسلَّم. هذا آخر الرّسالة التي سمَّاها مؤلِّفها: «التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار». وقال: فرحم الله من قام بحَلّ (٢) الإصرار، وتصحيح التوبة النصوح بالاستغفار إلى عالِم الأسرار. نفع الله بها (٣) من وقف عليها، وأصغى إلى ما ينتج (٤) منها ولديها. آمين.

стр. 458

[بعض اختيارات الشيخ ﵀] (١) ثم إنَّ الشيخ ــ ﵀ ــ بعد وصوله من مصر إلى دمشق، واستقراره بها، لم يزل ملازمًا للإشغال والاشتغال (٢)، ونَشْر العلم، وتصنيف الكتب، وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطوَّلة وغيرها، ونَفْع الخلق، والإحسان إليهم، والاجتهاد في الأحكام الشرعية. ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده، من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها قد يفتي بخلافهم، أو بخلاف المشهور من مذاهبهم. ومن اختياراته التي خالفهم فيها، أو خالف المشهورَ من أقوالهم: - القولُ بقَصْر الصلاة في كلِّ ما يُسَمَّى سفرًا، طويلًا كان أو قصيرًا، كما هو مذهبُ الظاهريَّة، وقول بعض الصحابة (٣).

стр. 459

- والقولُ بأنَّ البِكْر لا تُسْتَبْرأ، وإن كانت كبيرة، كما هو قول ابن عمر، واختاره البخاريُّ صاحبُ «الصحيح» (١). - والقولُ بأنَّ سجود التلاوة لا يُشترط له وضوء كما يُشْترط للصلاة (٢). كما هو مذهب ابن عمر، واختيار البخاريِّ أيضًا (٣). - والقولُ بأنَّ من أكل في شهر رمضان، معتقدًا أنَّه ليل فبان نهارًا لا قضاء عليه، كما هو الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁، وإليه ذهب بعض التابعين، وبعض الفقهاء بعدهم (٤). - والقولُ بأنَّ المتمتِّع يكفيه سَعْيٌ واحد بين الصفا والمروة، كما في حقِّ [ق ١١٦] القارن والمُفْرِد. وهو (٥) قولُ ابن عباس ﵄، ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل، رواها عنه ابنه عبد الله، وكثير من أصحابِ الإمام أحمد لا يعرفونها (٦). - والقولُ بجواز المسابقة بلا مُحَلِّل، وإن أُخْرِج (٧) المتسابقان (٨).

стр. 460

- والقولُ باستبراء المختلعة بحيضةٍ. وكذلك الموطوءة بشبهةٍ، والمطلَّقة آخر ثلاث تطليقاتٍ (١). - والقولُ بإباحة وطء الوثنيَّات بملك (٢) اليمين (٣). - والقولُ بجواز عَقْد الرِّداء (٤) في الإحرام، ولا فدية في ذلك (٥). - وجواز طواف الحائض، ولا شيء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرًا (٦). - والقولُ بجواز بيع الأصل بالعصير (٧)، كالزيتون بالزيت. والسمسم بالشَّيرَج (٨). - والقولُ بجوازِ الوضوء بكلِّ ما يسمَّى ماءً (٩)، مطلقًا كان أو مقيَّدًا (١٠).

стр. 461

- والقولُ بجواز بيع (١) ما يُتَّخَذُ من الفضَّة للتحلِّي وغيره ــ كالخاتم ونحوه ــ بالفضة متفاضلًا، وجَعْل الزائد من الثمن في مقابلة الصَّنعة (٢). - والقولُ بأنَّ المائع لا ينجُسُ بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغيَّر، قليلًا كان أو كثيرًا (٣). - والقولُ بجواز التيمُّم لمن خاف فوات (٤) العيد والجمعة باستعمال الماء (٥). - والقولُ بجواز التيمّم في مواضع معروفة (٦). - والجمع بين الصلاتين (٧) في أماكن مشهورة (٨). وغير ذلك من الأحكام المعروفة من أقواله. - وكان يميل أخيرًا إلى القول بتوريث المسلم من الكافر الذِّمِّي، وله في ذلك مصنَّف وبحثٌ طويل (٩).

стр. 462

- ومن أقواله المعروفة المشهورة التي جرى بسبب الإفتاء بها مِحَنٌ وقلاقل: قوله بالتكفير في الحَلِف بالطلاق (١). - وأنَّ الطلاق الثلاث لا يقعُ إلا واحدةً (٢). - وأنَّ الطلاق المحرَّم لا يقع (٣). وله في ذلك مصنَّفات ومؤلَّفات كثيرة، منها: قاعدة كبيرة (٤) سمَّاها: «تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان». نحو أربعين كراسة. وقاعدة سماها: «الفرقُ المبين بين الطلاق واليمين». بقَدْر النصف من ذلك. وقاعدة في أنَّ جميع أيمان المسلمين مُكفَّرة. مجلَّد لطيف. وقاعدة في تقرير أنَّ الحلف بالطلاق من الأيمان حقيقة. وقاعدة سمَّاها: «التفصيل (٥) بين التكفير والتحليل». وقاعدة سماها «اللمعة» (٦).

стр. 463

وغير ذلك من القواعد والأجوبة في ذلك لا تَنْحَصر ولا تَنْضَبط. وله في ذلك جوابُ اعتراضٍ ورَدَ عليه من الديار المصرية، وهو جوابٌ طويل في ثلاث مجلَّدات، بقطع نِصْف البلدي. *** [مسألة الحَلِف بالطلاق، وما جرى للشيخ فيها من فصول] وكان القاضي شمس الدين ابن مُسَلَّم الحنبليّ (١) ﵀، في يوم الخميس منتصف شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان عشرة وسبعمائة، قد اجتمع بالشيخ، وأشار عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق. فقَبِل الشيخُ إشارته، وعرف نصيحته، وأجاب إلى ذلك. وكان قد اجتمع بالقاضي (٢) جماعةٌ من الكبار حتى فعل ذلك. فلمَّا كان يوم السبت، مُسْتَهلّ جُمادى الأولى من هذه السنة، وردَ البريدُ إلى دمشق (٣) ومعه كتابُ السُّلطان بالمنع من الفتوى في مسألة الحلف بالطلاق التي رآها [ق ١١٧] الشيخ تقيُّ الدين ابن تيميَّة، وأفتى بها

стр. 464

وصنَّف فيها، والأمرُ بعَقْد مجلسٍ في ذلك. فعُقِد يوم الاثنين ثالث الشهر المذكور بدار السعادة، وانفصل الأمرُ على ما أمر به السلطان، ونودي بذلك في البلد يوم الثلاثاء رابع الشهر المذكور. ثمّ إنَّ الشيخ عاد إلى الإفتاء بذلك، وقال: لا يَسَعُني كتمان العلم، فلما كان في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رمضان من سنة تسع عشرة، جُمع القضاة والفقهاء عند نائب السلطة بدار السعادة، وقُرئ عليهم كتابُ السلطان. وفيه فصلٌ يتعلَّق بالشيخ بسبب الفتوى في هذه المسألة، وأُحْضِر وعُوتِبَ على فتياه بعد المنع، وأُكِّدَ عليه في المنع من ذلك. *** فلمَّا كان بعد ذلك بمدة، في يوم الخميس الثاني والعشرين من رجب سنة (١) عشرين، عُقِدَ مجلسٌ بدار السعادة، وحضره (٢) النائب، والقضاةُ، وجماعةٌ من المفتين (٣)، وحضر الشيخُ، وعاودوه في الإفتاء في مسألة (٤) الطلاق، وعاتبوه على ذلك، وحُبِسَ (٥) بالقلعة، فبقي فيها خمسةَ أشهر وثمانية عشر يومًا.

стр. 465

ثم وردَ مرسومُ السلطان بإخراجه، فأُخْرِجَ منها يوم الاثنين يوم عاشوراء، من سنة إحدى وعشرين. وتوجَّه إلى داره. *** ثم لم يزل بعد ذلك يُعَلِّم الناس ويلقي الدَّرس بالحنبلية (١) أحيانًا، ويُقْرأ عليه في مدرسته (٢) بالقَصَّاعين (٣) في أنواع العلوم (٤). وكنتُ أتردَّدُ إليه في هذه المدّة أحيانًا (٥)، وقرأتُ عليه قطعةً من «الأربعين» للرازي، وشَرَحَها لي، وكتب لي على بعضها شيئًا، وكان يُقرأ عليه في تلك المدة من كتبه، وهو يُصْلح فيها، ويزيدُ وينقص. ولقد حضرت معه يومًا في بستان الأمير فخر الدين بن الشمس لؤلؤ (٦)، وكان قد عمل وليمةً، وقرأتُ على الشيخ في ذلك اليوم أربعين حديثًا. وكتب بعضُ الجماعة أسماء الحاضرين، وأخذ الشيخُ بعد ذلك في

стр. 466

الكلام في أنواع العلوم؛ فَبُهِتَ الحاضرون لكلامه، واشتغلوا بذلك عن الأكل. ومما حفظتُ من كلامه في (١) المجلس قوله: «يقول الله تعالى في بعض الكتب: أهلُ ذكري أهلُ مشاهدتي، وأهلُ شكري أهلُ زيادتي (٢)، وأهلُ طاعتي أهل كرامتي، وأهلُ معصيتي لا أؤيسهم من رحمتي؛ إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأُطَهِّرهم من المعايب» (٣). وحصل في ذلك المجلس خير كثير، وكان فيه غير واحد من المشايخ. واستمرَّ الشيخُ بعد ذلك على عادته. [الكلام في مسألة شدّ الرّحال وما وقع للشيخ من فصول] فلمّا كان في سنة ستٍّ وعشرين وسبعمائة، وقع الكلام في مسألة شدِّ الرِّحال، وإعمال المطِيِّ إلى قبور الأنبياء والصالحين، وظفروا للشيخ بجواب سؤال في ذلك، كان قد كتبه من سنين كثيرة، يتضمَّن حكايةَ قولين في المسألة، وحجَّة كلِّ قولٍ منهما (٤).

стр. 467

وكان للشيخ في هذه المسألة كلامٌ متقدِّم أقدمُ (١) من الجواب المذكور بكثير (٢)، ذكره في كتاب «اقتضاء الصراط المستقيم» (٣) وغيره، وفيه [ق ١١٨] ما هو أبلغ من هذا الجواب الذي ظفروا به. وكَثُر الكلام، والقيل والقال، بسبب العثور على الجواب المذكور، وعَظُم التشنيعُ على الشيخ، وحُرِّف عليه، ونُقِلَ عنه ما لم يَقُله، وحَصَلت (٤) فتنةٌ طار شرَرُها في الآفاق، واشتدَّ الأمر، وخِيْفَ على الشيخ من كَيْد القائمين في هذه القضية بالديار المصرية والشامية، وكثر الدعاءُ والتضرُّعُ والابتهال إلى الله. وضَعُفَ من أصحاب الشيخ من كان (٥) عنده قوَّة، وجَبُن منهم من كانت له هِمَّة. وأما الشيخ ــ ﵀ ــ فكان ثابتَ الجأْش، قويَّ القلب. وظهر صدقُ توكّله واعتماده على ربِّه. ولقد اجتمع جماعةٌ معروفون بدمشق، وضربوا مشورةً في حقِّ الشيخ؛ فقال أحدهم: يُنفَى، فَنُفِيَ القائل. وقال آخر: يُقطع لسانه، فقُطِعَ لسانُ القائل. وقال آخر: يُعَزَّر، فعُزِّرَ القائل (٦). وقال آخر: يُحْبَس، فحُبِسَ القائل. أخبرني بذلك من حضر هذه المشورة وهو كارهٌ لها.

стр. 468

واجتمع جماعة آخرون بمصر، وقاموا في هذه القضية قيامًا عظيمًا، واجتمعوا بالسلطان، وأجمعوا أمرَهم على قتل الشيخ، فلم يوافقهم السلطان على ذلك. *** [حَبْس الشيخ بقلعة دمشق] ولمَّا كان يوم الاثنين بعد العصر، السادس من شعبان من السنة المذكورة، حضر إلى الشيخ من جهة نائب السلطنة بدمشق مشَدُّ الأوقاف، وابنُ خطير أحد الحُجَّاب (١). وأخبراه أنَّ مرسوم السلطان وردَ بأن يكون في القلعة، وأحضرا معهما مركوبًا، فأظهر الشيخ السرورَ بذلك، وقال: أنا كنتُ منتظرًا ذلك، وهذا فيه خيرٌ عظيم. وركبوا جميعًا من داره إلى باب القلعة، وأُخْلِيَت له قاعة حسنة، وأُجْري إليها الماء، ورُسِمَ له بالإقامة فيها، وأقام معه أخوه زينُ الدين يخدمه بإذن السلطان، ورُسِم له بما يقوم بكفايته. وفي يوم الجمعة عاشر الشهر المذكور قُرئ بجامع دمشق الكتابُ السلطانيُّ الوارد بذلك، وبمنعه من الفُتيا. وفي يوم الأربعاء منتصف شعبان أمر القاضي الشافعيُّ بحبس جماعة

стр. 469

من أصحاب الشيخ بسجن الحكم، وذلك بمرسوم النائب وإذنه له في فِعْل ما يقتضيه الشرع في أمرهم. وأُوذي جماعةٌ من أصحابه، واختفى آخرون، وعُزِّرَ جماعةٌ، ونُودِيَ عليهم، ثم أُطْلِقوا، سوى الإمام (١) شمس الدين محمد بن أبي بكر إمام الجوزيَّة، فإنه حُبِسَ بالقلعة، وسكنت القضية (٢).

стр. 470

وهذا صورة السؤال وجواب الشيخ عنه (١): ما يقول السادة العلماء، أئمة الدين، نفع الله بهم المسلمين، في رجل نوى (٢) زيارةَ قبور الأنبياء والصالحين (٣)، مثل نبينا محمد ﷺ ، وغيره. فهل يجوز له في سفره أن يَقْصُر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟ وقد رُوِيَ عن النبيّ ﷺ أنه قال: «من حجَّ ولم [ق ١١٩] يَزُرْني فقد جفاني»، «ومن زارني بعد موتي (٤) كمن زارني في حياتي». وقد رُوِيَ عنه ﷺ أنَّه قال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». أفتونا مأجورين (٥).

стр. 471

الجواب الحمد لله ربِّ العالمين. أمَّا من سافر لمجرَّد زيارة قبور الأنبياء والصالحين؛ فهل يجوز (١) له قَصْر الصلاة؟ على قولين معروفين: أحدهما ــ وهو قول متقدِّمي العلماء الذين لا يجوِّزون القَصْرَ في سفر المعصية، كأبي عبد الله بن بطَّة، وأبي الوفاء بن عَقيل، وطوائف كثيرين من العلماء المتقدمين ــ: أنه لا يجوز القَصْر في مثل هذا السفر؛ لأنّه سفرٌ منهيٌّ عنه. [ومذهب مالك والشافعي وأحمد: أنَّ السفر المنهيَّ عنه] (٢) في الشريعة لا يُقْصَر فيه. والقول الثاني: أنه يُقْصَر، وهذا يقوله من يُجَوِّز القصرَ في السفر المحرَّم، كأبي حنيفة. ويقوله بعضُ المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، ممن يجوِّز السفرَ لزيارة قبور الأنبياء والصالحين، كأبي حامد الغزالي، وأبي الحسن بن عبدوس الحرَّاني، وأبي محمد بن قُدامة المقدسي. وهؤلاء يقولون: إنَّ هذا السفر ليس بمحرَّم لعموم قوله ﷺ : «زُوروا القبور» (٣). وقد يحتجُّ بعضُ من لا يعرف الحديث بالأحاديث المرويَّة في زيارة

стр. 472

قبر النبيّ ﷺ ، كقوله (١): «من زارني بعد مماتي، فكأنَّما زارني في حياتي» رواه الدارقطني (٢). وأمَّا ما يذكره (٣) بعضُ الناس من قوله: «من حجَّ ولم يزُرْني فقد جفاني» (٤) فهذا لم يروه أحدٌ من العلماء، وهو مثل قوله: «من زارني وزار أبي (٥) في عام واحد ضمنتُ له على الله الجنَّة» (٦). فإنَّ هذا أيضًا باطلٌ (٧) باتفاق العلماء، لم يروه أحد، ولم يحتجّ به أحد، وإنما يحتجُّ بعضُهم بحديث الدارقطني (٨). وقد احتجَّ أبو محمد المقدسي (٩) على جواز السفر لزيارة القبور

стр. 473

بأنه (١) ﷺ كان يزور مسجدَ قُباء. وأجاب عن حديث: «لا تُشَدُّ الرِّحال» بأنَّ ذلك محمولٌ على نفي الاستحباب. وأما الأولون؛ فإنَّهم يحتجُّون بما في «الصحيحين» (٢) عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». وهذا الحديث اتفق (٣) الأئمةُ على صحَّته والعمل به، فلو نذر بشَدِّه الرَّحْلَ (٤) أن يصلي بمسجد، أو مشهد، أو يعتكف فيه ويسافر إليه، غير هذه الثلاثة= لم يَجِب عليه ذلك باتفاق الأئمة. ولو نذر أن يسافر ويأتي المسجد الحرام بحجٍّ (٥) أو عُمرة= وجبَ عليه ذلك باتفاق العلماء. ولو نَذَر أن يأتي مسجد النبيّ ﷺ ، أو المسجد الأقصى، لصلاةٍ أو اعتكاف= وجب عليه الوفاءُ بهذا النذر، عند مالك والشافعيّ ــ في أحد قوليه ــ وأحمد، ولم يجب عليه (٦) عند أبي حنيفة؛ لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان (٧) جنسه واجبًا بالشرع.

стр. 474

وأما الجمهور؛ فيوجبون الوفاء بكلِّ طاعة، كما ثبت في «صحيح البخاري» (١) عن عائشة ﵂، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «من نَذَر أن يطيع (٢) الله فَلْيطعه، ومن نذر أن يعصيَ الله فلا يعصِه». [ق ١٢٠] والسفر إلى المسجدين طاعة، فلهذا وجب الوفاء به. وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة؛ فلم يوجب أحدٌ من العلماء السفرَ إليه إذا نَذَره، حتى نصَّ العلماء على أنّه لا يُسافَر إلى مسجد قُباء؛ لأنه ليس من (٣) الثلاثة، مع أنَّ مسجد قباء تُسْتَحبُّ (٤) زيارتُه لمن كان في المدينة (٥)؛ لأنَّ ذلك ليس بشدِّ رَحْل. كما في الحديث الصحيح: «من تطهَّر في بيته، ثم أتى مسجد قباء، لا يريد إلا الصلاة فيه، كان كعمرة» (٦). قالوا: ولأنَّ السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعةٌ، لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أمر بها رسولُ الله ﷺ ، ولا استحبَّ ذلك أحدٌ من أئمة المسلمين، فمن اعتقد ذلك عبادةً، وفَعَلَه، فهو مخالفٌ

стр. 475

للسنَّة ولإجماع الأئمة. وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطَّة في «الإبانة الصغرى» (١) من البدع المخالفة للسنة والإجماع. وبهذا يظهر ضَعْف (٢) حجة أبي محمد (٣)؛ لأنَّ زيارة النبي ﷺ لمسجد قباء لم تكن بشدِّ رَحْلٍ، ولأن السفر إليه لا يجبُ بالنذر. وقوله (٤): «لا تُشَدُّ الرِّحال .. » محمولٌ على نفي الاستحباب؛ يجابُ عنه بوجهين (٥): أحدهما: أنَّ هذا ــ إن سُلِّم ــ فيه أنَّ هذا السفر ليس بعملٍ صالح، ولا قُرْبة، ولا طاعة، ولا هو من الحسنات. فإذًا من اعتقد أنَّ السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين قُرْبة وعبادةٌ وطاعة، فقد خالف الإجماع. وإذا سافر لاعتقاده أنَّها (٦) طاعة؛ كان ذلك محرَّمًا بإجماع المسلمين، [فصار التحريم من جهة اتخاذه قُربة] (٧)، ومعلومٌ أنَّ أحدًا لا يسافر إليها إلاّ لذلك.

стр. 476

وأما إذا نَذَر الرّجُل أن يسافر إليها لغرضٍ مباح، فهذا جائز، وليس من هذا الباب. والوجه الثاني: أنَّ هذا (١) الحديث يقتضي النهي، والنهيُ يقضي التحريم. وما ذكره (٢) من الأحاديث في زيارة قبر النبيِّ ﷺ فكلُّها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث، بل هي موضوعة، لم يرو أحدٌ من أهل السنن المعتمدة شيئًا منها، ولم يحتجَّ أحدٌ من الأئمة بشيءٍ منها، بل مالكٌ ــ إمام أهل المدينة النبوية وأصحابه (٣) الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة ــ كَرِه أن يقول الرجل: زُرْتُ قبرَ النبيِّ ﷺ . ولو كان هذا اللفظ معروفًا (٤) عندهم، أو مشروعًا، أو مأثورًا عن النبيِّ ﷺ لم يكرهه عالمُ أهل المدينة. والإمام أحمد ــ أعلم الناس في زمانه بالسنة ــ لما سُئِلَ عن ذلك، لم يكن عنده ما يعتمد عليه في ذلك من الأحاديث إلا حديث أبي هريرة أنَّ النبيّ ﷺ قال: «ما مِنْ رجلٍ يُسَلِّم عليَّ إلاّ ردَّ الله عليَّ روحي حتى أردَّ ﵇» (٥). وعلى هذا اعتمد أبوداود في «سننه» (٦).

стр. 477

وكذلك مالك في «الموطأ» (١)، روى عن عبد الله بن عمر: «أنه كان إذا دخل المسجد قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتِ (٢)، ثم ينصرف». وفي «سنن أبي داود» (٣) عن النبيّ ﷺ أنَه قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ، فإنَّ صلاتكم تبلُغني حيثما كنتم». وفي «سنن سعيد بن منصور»: أنَّ عبد الله بن حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب رأى رجلًا يختلفُ إلى قبر النبيّ ﷺ ، فقال له: إن رسول [ق ١٢١] الله ﷺ قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ فإنَّ صلاتكم تبلغني حيثما كنتم» (٤) فما أنتَ ورجلٌ بالأندلس منه إلاّ سواء. وفي «الصحيحين» (٥) عن النبيِّ ﷺ أنه قال في مرض موته: «لعن الله اليهودَ والنصارى، اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» يُحَذِّرُ ما فعلوا (٦). ولولا ذلك لأُبرِز قبره، ولكن كره أن يُتَّخذ مسجدًا. وهم دفنوه في حُجرة عائشة، خلاف ما اعتادوه من الدّفْن في

стр. 478

الصحراء؛ لئلا يصلِّي أحدٌ عند قبره ويُتَّخذ مسجدًا، فيُتَّخَذَ (١) قبرُه وثنًا. وكان الصحابة والتابعون ــ لمّا كانت الحُجْرة النبويّة منفصلةً عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك ــ لا يدخُل أحدٌ إليه، لا لصلاةٍ هناك، ولا تَمَسُّحٍ (٢) بالقبر، ولا دعاء هناك، بل هذا جميعه إنما كانوا يفعلونه في المسجد. وكان السلفُ من الصحابة والتابعين إذا سلَّموا عليه (٣)، وأرادوا الدعاء دَعَوا مستقبلي القبلة، ولم يستقبلوا القبر. وأما الوقوف للسلام (٤) عليه؛ فقال أبو حنيفة: يستقبل القبلة أيضًا، ولا يستقبل القبر. وقال أكثر الأئمة: بل يستقبلُ القبر عند السلام خاصَّةً. ولم يقل أحدٌ من الأئمة: إنَّه (٥) يستقبل القبر عند الدعاء، وليس في ذلك إلا حكاية مكذوبة تُروى عن مالك، ومذهبه بخلافها. واتفق الأئمة على أنه لا يَمسّ قبرَ النبيِّ ﷺ ولا يُقَبِّلُه. وهذا كلُّه محافظةً على التوحيد، فإنَّ من أصول الشرك بالله تعالى اتخاذ القبور مساجد، كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا

стр. 479

تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]. قالوا: هؤلاء كانوا قومًا صالحين في قوم نوح، فلمّا ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوَّروا على صُوَرِهم تماثيل، ثم طال عليهم الأمَدُ فعبدوها». وقد ذكر هذا المعنى البخاريُّ في «صحيحه» (١) عن ابن عباس، وذكره محمد بن جرير الطبري وغيره في «التفسير» (٢) عن غير واحد من السَّلف، وذكره وَثِيمَة (٣) وغيره في «قصص الأنبياء» من عدّة طرق، وقد بسطتُ الكلامَ على أصول هذه المسائل في غير هذا الموضع. وأولُ من وضع هذه الأحاديث في السَّفرَ لزيارة المشاهد التي على القبور: أهلُ (٤) البدع، من الرافضة ونحوهم، الذين يُعَطِّلون المساجد، ويعظّمون المشاهد (٥) التي يُشْرَك فيها ويُكْذَب (٦)، ويُبْتَدَع فيها دينٌ لم

стр. 480

يُنْزِل الله به سلطانًا، فإنَّ الكتاب والسنة إنما فيهما (١) ذِكْر المساجد دون المشاهد، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [الأعراف: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]. وقد ثبت عنه ﷺ في «الصحيح» (٢) أنَّه كان يقول: «إنّ مَنْ كان قبلكم كانوا يتَّخِذون القبورَ مساجد. ألا فلا تتخذوا القبورَ مساجدَ، فإني أنهاكم عن ذلك». هذا آخر ما أجاب به شيخُ الإسلام، والله أعلم. *** وله من الكلام في مثل هذا كثير، كما أشار إليه في الجواب. ولمَّا ظفروا في دمشق بهذا الجواب كتبوه، وبعثوا به إلى الدّيار المصرية، وكتب عليه قاضي الشافعية: قابلتُ الجوابَ عن هذا السؤال المكتوب [ق ١٢٢] على خطِّ ابن تيمية فصحّ. إلى أن قال: وإنما المحرَّرُ (٣) جَعْلُه زيارة قبر

стр. 481

النبيّ ﷺ وقبور الأنبياء صلوات الله عليهم معصيةً بالإجماع مقطوعًا بها. هذا كلامه! فانظر إلى هذا التحريف على شيخ الإسلام! والجواب ليس فيه المنع من زيارة قبور الأنبياء والصالحين. وإنما فيه ذِكْر (١) قولَين في شدِّ الرّحل والسفر إلى مجرَّد زيارة القبور. وزيارةُ القبور من غير شدِّ رَحْلٍ إليها مسألةٌ، وشدُّ الرّحْلِ لمجرَّد الزيارة مسألةٌ أخرى. والشيخُ لا يمنع الزيارة الخالية عن شدِّ رَحْل، بل يستحبّها، ويندُب إليها. وكُتُبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرَّض الشيخ إلى هذه الزيارة في الفتيا، ولا قال: إنَّها معصية، ولا حكى الإجماعَ على المنع منها. والله لا تخفى عليه خافية. ولمَّا وصل خطُّ القاضي المذكور إلى الديار المصرية، كَثُرَ الكلامُ وعَظُمت الفتنة، وطُلِبَ القضاة بها (٢)، فاجتمعوا وتكلّموا، وأشار بعضُهم بحبس الشيخ، فرسم السلطان به، وجرى ما تقدَّم ذكره (٣). ثم جرى بعد ذلك أمورٌ على القائمين في هذه القضية لا يمكن ذِكْرها في هذا الموضع (٤).

стр. 482

[عدّة أجوبة لعلماء بغداد انتصارًا للشيخ] جوابٌ آخر وصورته (١): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربّ يسِّر وأعِن (٢) يقول العبدُ الفقير إلى الله تعالى: بعد حَمْدِ الله السابغة نعمُه، الشائعة مِننُه (٣)، والصلاة على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين. إنه حيثُ قد منَّ الله على عباده، وتفضَّل برحمته على بلاده، بأن وسَّد أمور الأمة المحمديَّة، وأسند أزِمَّة المِلَّة الحنيفية إلى (٤) من خصَّصه الله تعالى بأفضل الكمالات النفسانية، وخصَّصه بأكمل السعادات الروحانية، محيي سنن العدل، ومُبدي سُنن الفضل، المعتصم بحبل الله، المتوكِّل على الله، المكتفي بنعم الله، القائم بأوامر الله، المستظهر بقوة الله، المستضيء بنور الله، أعزَّ الله سلطانه، وأعلى على سائر الملوك شأنه، ولا زالت رقابُ

стр. 483

الأمم خاضعة لأوامره، وأعناقُ العباد طائعةً لمراسمه (١). ولا زال مُوالي دولته بطاعته محبورًا (٢)، ومُعادي صولته بخزيه مذمومًا مدحورًا. فالمرجوُّ من (٣) الحضرة المقدَّسة ــ زادها الله علوًّا وشرفًا ــ أن يكون للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وصفوة الأصفياء، وعماد الدين، ومدارُ أهل اليقين، حظٌّ من العناية السلطانية وافر، ونصيبٌ من الرَّحمة والشفقة ظاهر (٤)، فإنَّها مَنْقَبَةٌ لا تعادلها فضيلة، وحسنةٌ لا تُحْبِطها سيئة؛ لأنها حقيقة التعظيم لأمر الله، وخلاصة الشَّفَقة على خلق الله. ولا ريبَ أنَّ المملوك وقف على ما سُئلَهُ الشيخ الإمام العالم (٥) العلاّمة، وحيد دهره، وفريد عصره، تقيُّ الدين أبوالعباس ابن تيمية، وما أجاب به= فوجدتُه خلاصة ما قاله العلماء في هذا الباب، حسب ما اقتضاه الحال من نَقْلِه الصحيح، وما أدى إليه البحثُ من الإلزام والالتزام، لا يَدْخُلُه (٦) تحامل، ولا يعتريه تجاهل، وليس فيه ــ والعياذ بالله ــ ما يقتضي الإزراء أو التنقيص بمنزلة الرسول ﷺ . وكيف يجوزُ للعلماء أن تحملهم العصبية أن يتفوَّهوا بالإزراء

стр. 484

والتنقيص في حقِّ الرسول ﵇؟ ! وهل يجوز أن يتصوَّر مُتَصَوِّرٌ أنَّ [ق ١٢٥] زيارةَ قبر النبيّ (١) ﷺ تزيدُ في قَدْره! ؟ وهل تَرْكها مما ينقصُ من تعظيمه؟ ! حاشا للرسول من ذلك! نعم لو ذكر ذلك ذاكرٌ ابتداءً، وكان هناك قرائنُ تدلُّ على الإزراء والتنقيص، أمْكن حَمْلُه على ذلك، مع أنه كان يكون كنايةً (٢) لا صريحًا، فكيفَ وقد قاله في معرض السؤال، وطريق البحث والجدال (٣)؟ ! مع أنَّ المفهوم من كلام العلماء وأنظار العقلاء: أنَّ الزيارة ليست عبادةً وطاعةً بمجرّدها (٤)، حتى لو حلف أنَّه يأتي بعبادةٍ أو طاعةٍ، لم يَبَرَّ بها. لكن القاضي ابن كَجٍّ (٥) ــ من متأخري أصحابنا ــ ذكر أن نذر هذه الزيارة عنده قُربة تلزمُ ناذِرَها. وهو منفردٌ به، لا يساعده في ذلك نقلٌ صريح ولا قياسٌ صحيح، والذي يقتضيه مطلقُ الخبر النبويِّ في قوله ﵇: «لا تُشَدُّ الرحال. . .» إلى آخره= أنَّه لا يجوز شدُّ الرحال إلى غير

стр. 485

ما ذُكِر. فمن اعتقد جواز الشدّ إلى غير ما ذُكِرَ (١) أو وجوبه، أو ندبيَّته= كان مخالفًا لصريح النهي، ومخالفة النهي معصية ــ إما كفر أو غيره ــ على قَدْر المنهيّ عنه، ووجوبه، وتحريمه، وصفةِ النهي. والزيارةُ أخصُّ من وجه؛ فالزيارة بغير شدٍّ غير منهيٍّ عنها، ومع الشدِّ منهيٌّ عنها. وبالجملة؛ فما ذكره الشيخُ تقيّ الدين على الوجه المذكور الموقوف عليه، لم يستحقّ عليه عقابًا، ولا يوجب عتابًا. والمراحم السلطانية أحْرَى بالتوسِعَة عليه، والنظر بعين الرأفة والرحمة إليه، وللآراء الملكيّة علوُّ المزيد. حرَّره ابنُ الكُتبي الشافعي (٢)، حامدًا لله على نعمه. جواب آخر الله الموفق. ما أجاب به الشيخُ الأجلُّ الأوحدُ، بقية السلف، وقدوة الخلف، رئيس المحقّقين، وخلاصة المدقّقين، تقيُّ الملَّة والحقّ والدين= مِن الخلاف في هذه المسألة، صحيحٌ منقول في غيرِ ما كتابٍ من كتب أهل العلم، لا اعتراض عليه في ذلك؛ إذ ليس في ذلك ثَلْبٌ لرسول الله ﷺ ، ولا غَضٌّ من قدره ﷺ .

стр. 486

وقد نصَّ الشيخ أبومحمد الجويني في كتبه على تحريم السَّفَر لزيارة القبور، وهو (١) اختيار القاضي الإمام عياض بن موسى بن عياض في «إكماله» (٢). وهو أفضل (٣) المتأخرين من أصحابنا. ومن «المدوَّنة» (٤): «ومن قال: عليَّ بالمشي إلى المدينة، أو بيت المقدس، فلا يأتيهما أصلًا، إلا أن يريد الصلاة في مسجديهما، فليأتهما». فلم يجعل نَذْر زيارة قبره طاعةً يجب الوفاء بها، إذ من أصلنا: أنَّ من نَذَر طاعةً لزمه الوفاءُ بها، كان من جنسها ما هو واجبٌ بالشرع ــ كما هو مذهب أبي حنيفة ــ أو لم يكن. قال القاضي أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق عقيب هذه المسألة: ولولا الصلاة فيهما لما لزمه إتيانهما، ولو كان نَذَر زيارةَ طاعةٍ لما (٥) لزمه ذلك. وقد ذكر ذلك القيرواني في «تقريبه»، والشيخ ابن بشير (٦) في

стр. 487

«تنبيهه». وفي «المبسوط»: قال مالك: ومن نذر المشي إلى مسجدٍ من المساجد ليصلي فيه، قال: فإني أكره ذلك له؛ لقوله ﷺ : «لا تُعْمَلُ المَطِيُّ إلَاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد بيت المقدس، ومسجدي هذا». وروى محمد بن المَوَّاز في «المَوَّازيَّة» عنه (١): إلا أن يكون قريبًا، فيلزمه الوفاءُ؛ لأنَّه ليس بشدِّ رَحْل. وقد قال الشيخ أبوعُمر بن عبد البر في كتاب «التمهيد» (٢): يحرم على المسلمين أن يتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد. وحيث تقرَّر هذا؛ فلا يجوز [ق ١٢٦] أن يُنسب من أجاب في هذه المسألة بأنَّه سَفَرٌ منهيٌّ عنه إلى الكفر، فمن كفَّره بذلك من غير موجب، فإن كان مستبيحًا ذلك، فهو كافر وإلاّ فهو فاسق. قال الإمام أبو عبد الله محمد بن علي المازَرِي في كتاب «المعلم» (٣): «من كفَّر أحدًا من أهل القبلة، فإن كان مستبيحًا لذلك (٤) فقد كفر، وإلَاّ

стр. 488

فهو فاسق، يجب على الحاكم إذا رُفِعَ أمرُه إليه أن يؤدِّبه ويُعزِّره بما يكون رادعًا لأمثاله، فإن ترك ذلك (١) مع القدرة عليه فهو آثم». والله تعالى أعلم. كتبه محمد بن عبد الرحمن البغدادي الخادم للطائفة (٢) المالكية بالمدرسة الشريفة المُسْتنصرية، رحمة الله تعالى على مُنْشِئها. وكتب تحته الإمام صفيُّ الدين [ق ١٢٤] ابن عبد الحقّ الحنبلي (٣): الحمد لله ربِّ العالمين، وصلواته على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين. ما ذكره مولانا الإمام، العالم العامل، جامع الفضائل (٤)، بحر العلوم، ومنشأ الفضل، جمال الدين، الكاتب (٥) خطّه أمام خطّي هذا، جَمَّل الله به الإسلام، وأسبل عليه سوابغ الإنعام، أتى فيه بالحقِّ الجليِّ الواضح، وأعرضَ فيه عن إغْضاء المشايخ؛ إذ السؤال والجواب اللذين (٦) تقدماه، لا يخفى على ذي فطنةٍ وعقل، أنه أتى في الجواب المطابق (٧)

стр. 489

للسؤال، بحكاية أقوال العلماء الذين تقدَّموه، ولم يبق عليه في ذلك إلاّ أن يعترضه معترض في نقله فيبرزه له من كتب العلماء الذين حكى أقوالهم. والمعترض له بالتشنيع، إما جاهل لا يعلم ما يقول، أو مُتجاهل يحمله حسدُه وحميّته (١) الجاهلية على ردِّ ما هو عند العلماء مقبول، أعاذنا الله تعالى من غوائل الحسد، وعَصَمنا من مخايل النكد، بمحمد وآله الطاهرين (٢). كتبه العبد الفقير (٣) إلى عفو ربه ورضوانه: عبد المؤمن بن عبد الحق الخطيب. غفر الله له ولجميع المسلمين آمين، والحمد لله، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله وسلامه (٤). *** وجوابٌ آخر لبعض علماء أهل الشام المالكية (٥) الحمد لله، وهو حسبي. السفر إلى غير المساجد الثلاثة ليس بمشروع. وأما من سافر إلى مسجد النبي ﷺ ليُصلي فيه ويُسَلِّم على النبي ﷺ وعلى صاحِبَيه ــ ﵄ ــ فمشروعٌ كما ذُكر (٦) باتفاق العلماء.

стр. 490

وأمّا لو قَصَد إعمال المطيّ لزيارته ﷺ ولم يقصد الصلاة؛ فهذا السَّفر إذا ذكر رجلٌ فيه خلافًا للعلماء، وأن منهم من قال: إنه منهيٌّ عنه، ومنهم من قال: إنه مباح، وأنه على القولين (١) ليس بطاعة ولا قُرْبة ــ فمن جعلَه طاعةً وقربةً (٢) على مقتضى هذين القولين كان حرامًا بالإجماع ــ وذكَرَ حُجَّةَ كلِّ قول منهما، أو رجَّح أحدَ القولين= لم يلزمه ما يلزم (٣) مَنْ تَنَقَّص؛ إذ لا تنقُّص في ذلك، ولا إزراء بالنبي ﷺ . وقد قال مالك ــ ﵀ ورضي عنه ــ لسائلٍ سأله أنه نذر أن يأتي قبر النبي ﷺ ، فقال: إن كان أراد مسجد النبي ﷺ فليأته وليصلِّ فيه، وإن كان أراد القبر، فلا يفعل؛ للحديث الذي جاء: «لا تُعْمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد»، والله أعلم (٤). كتبه أبو عَمْرو بن أبي (٥) الوليد المالكي (٦). نقلتُ هذه الأجوبة كلّها من خطِّ المفتين بها. ***

стр. 491

وقد وصل ما أجاب به الشيخُ في هذه المسألة إلى علماء بغداد، فقاموا في الانتصار له، وكتبوا بموافقته، ورأيتُ خطوطَهم بذلك، وهذه صورة ما كتبوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) بعد حَمْد الله الذي هو فاتحة كلِّ كلام، والصلاة والسلام على رسوله محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، أعلام الهدى ومصابيح الظلام. يقول أفقر عباد الله (٢)، وأحوجهم إلى عفوه: ما حكاه الشيخُ الإمام، البارع الهُمام، افتخار الأنام، جمال الإسلام، ركن الشريعة، ناصر السنة، قامع البدعة، جامع أشتات الفضائل، قدوة العلماء الأماثل في هذا الجواب، من أقوال العلماء، والأئمة النبلاء ــ رحمة الله عليهم أجمعين ــ بَيِّنٌ لا يُدْفَع، ومكشوفٌ لا يتَقَنَّع، بل أوضح من النيِّرَين، وأظهر من فَرَق الصبح لذي عين (٣). والعُمْدة في هذه المسألة: الحديثُ المتفق على صِحَّته، ومنشأ الخلاف بين العلماء من احتمالي (٤) صيغته.

стр. 492

وذلك أنَّ صيغة قوله ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحالُ ... » (١) ذاتُ وجهين: نفي ونهي، لاحتمالها لهما، فإنْ لُحِظَ معنى النفي، فمعناه (٢) نفي فضيلة واستحباب شدِّ الرَّحل، وإعمال المَطيِّ إلى غير المساجد الثلاثة (٣). إذ لو فُرض وقوعهما لامتنع رفعهما. فتعيَّن توجُّه النفي إلى فضيلتهما واستحبابهما دون ذاتهما، وهذا عامٌّ في كلِّ ما يُعتقد أن إعمال المطي وشدّ الرِّحال إليه قُربة وفضيلة؛ من المساجد، وزيارة قبور الصالحين، وما جرى هذا المجرى، بل أعمّ من ذلك. وإثبات ذلك النفي (٤) لإعمال المطي إلى المساجد الثلاثة وما خرج من ذلك العموم (٥)، بدليل ضرورة إثبات ذلك المنفيّ المقدَّر في صدر الجملة لما بعد «إلاّ»، وإلاّ لما افترق الحكم بين ما قبلها وما بعدها، وهو مفترق. وحينئذٍ (٦) لا يلزم من نفي الفضيلة والاستحباب نفي الإباحة. فهذا وجهُ متمسَّك من قال بإباحة هذا السفر، بالنظر إلى أنَّ هذه الصيغة نفي، وبنى على ذلك جواز القصر. وإن كان النهي ملحوظًا، فالمعنى حينئذٍ نهيه عن إعمال [ق ١٢٣] المَطيّ

стр. 493

وشدّ الرِّحال إلى غير المساجد الثلاثة؛ إذ المقرَّر عند عامة الأصوليين أن النهي عن الشيء قاضٍ بتحريمه أو كراهته، على حسب مقتضى الأدلة. فهذا وجه متمسَّك من قال بعدم جواز القصر في هذا السفر؛ لكونه منهيًّا عنه (١). وممَّن (٢) قال بحرمته: الشيخ الإمام أبومحمد الجُوَيني من الشافعية، والشيخ الإمام أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة، وهو الذي أشار القاضي عياض ــ من المالكية ــ إلى اختياره. وما جاء من الأحاديث في استحباب زيارة القبور؛ فمحمول (٣) على ما لم يكن فيه شدُّ رَحْلٍ وإعمالُ مَطِيٍّ، جمعًا بينهما. ويحتمل أن يقال: لا يصلح أن يكون غير حديث: «لا تُشَدُّ الرِّحال» معارضًا، لعدم مساواته إيّاه في الدَّرَجة؛ لكونه من أعلى أقسام الصحيح. والله تعالى أعلم. وقد بلغ (٤) أنه زُري وضُيِّق على المجيب، وهذا أمر يَحارُ فيه اللبيب، ويتعجَّب منه الأريب، ويقعُ به في شكٍّ مريب! فإنَّ جوابه في هذه المسألة قاضٍ بذكر خلاف العلماء، وليس حاكمًا بالغضِّ من الصالحين والأنبياء. فإنَّ الأخذ بمقتضى كلامه ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ في الحديث المتفق

стр. 494

على رَفْعِه (١) إليه: هو الغايةُ القصوى في تتبع أوامره ونواهيه، والعدول عن ذلك محذور، وذلك مما لا مِرْيَة فيه. وإذا كان كذلك؛ فأيُّ حرجٍ على من سُئل عن مسألة، فذكر فيها خلاف الفقهاء، ومال فيها إلى بعض أقوال (٢) العلماء؟ ! فإنَّ الأمر لم يزل كذلك على مرِّ العصور، وتعاقب الدُّهور. وهل ذلك محمول من القادح إلّا على امتطاء نضو (٣) الهوى، المفضي بصاحبه إلى التَّوى، فإنَّ من يُقْتَبس من فوائده، ويُلْتَقط من فرائده، لحقيق بالتعظيم، وخليقٌ بالتكريم، ممن له الفهم السليم، والذِّهن المستقيم. وهل حكمُ المُظَاهِرِ عليه في الظاهر، إلَاّ كما قيل في المثل السائر، وقول الشاعر: «الشعير يُؤكل ويُذَمّ» (٤). جزى بنوه أبا الغيلان عن كِبَرٍ ... وحُسْن فعلٍ كما يُجْزى سِنمَّار (٥) [وغيره] (٦):

стр. 495

وحديث ألذّه، هو ممّا ... يَنْعَتُ النَّاعِتون يُوزَنُ وزنا منطقٌ رائع (١) وتلحَنُ أحيا ... نًا، وخيرُ الحديث ما كان لحنا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. ولولا خشية الملالة لما نكَبْتُ عن الإطالة. نسأل الله الكريم أن يسلك بنا وبكم سُبُل (٢) الهداية، وأن يجنّبنا وإيّاكم مسلك الغواية، إنه على كلِّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير، حسبنا الله ونعم الوكيل، نِعم المولى (٣) ونعم النصير. والحمد لله ربّ العالمين، وصلوات الله وسلامه على سيّد المرسلين. محمد النبي وآله الطاهرين، وأصحابه الكرام المنتجبين (٤).
следующие страницы →