← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وقد وصل ما أجاب به الشيخُ في هذه المسألة إلى علماء بغداد، فقاموا في الانتصار له، وكتبوا بموافقته، ورأيتُ خطوطَهم بذلك، وهذه صورة ما كتبوا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) بعد حَمْد الله الذي هو فاتحة كلِّ كلام، والصلاة والسلام على رسوله محمد خير الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، أعلام الهدى ومصابيح الظلام. يقول أفقر عباد الله (٢)، وأحوجهم إلى عفوه: ما حكاه الشيخُ الإمام، البارع الهُمام، افتخار الأنام، جمال الإسلام، ركن الشريعة، ناصر السنة، قامع البدعة، جامع أشتات الفضائل، قدوة العلماء الأماثل في هذا الجواب، من أقوال العلماء، والأئمة النبلاء ــ رحمة الله عليهم أجمعين ــ بَيِّنٌ لا يُدْفَع، ومكشوفٌ لا يتَقَنَّع، بل أوضح من النيِّرَين، وأظهر من فَرَق الصبح لذي عين (٣). والعُمْدة في هذه المسألة: الحديثُ المتفق على صِحَّته، ومنشأ الخلاف بين العلماء من احتمالي (٤) صيغته.

стр. 492

وذلك أنَّ صيغة قوله ﷺ : «لا تُشَدُّ الرِّحالُ ... » (١) ذاتُ وجهين: نفي ونهي، لاحتمالها لهما، فإنْ لُحِظَ معنى النفي، فمعناه (٢) نفي فضيلة واستحباب شدِّ الرَّحل، وإعمال المَطيِّ إلى غير المساجد الثلاثة (٣). إذ لو فُرض وقوعهما لامتنع رفعهما. فتعيَّن توجُّه النفي إلى فضيلتهما واستحبابهما دون ذاتهما، وهذا عامٌّ في كلِّ ما يُعتقد أن إعمال المطي وشدّ الرِّحال إليه قُربة وفضيلة؛ من المساجد، وزيارة قبور الصالحين، وما جرى هذا المجرى، بل أعمّ من ذلك. وإثبات ذلك النفي (٤) لإعمال المطي إلى المساجد الثلاثة وما خرج من ذلك العموم (٥)، بدليل ضرورة إثبات ذلك المنفيّ المقدَّر في صدر الجملة لما بعد «إلاّ»، وإلاّ لما افترق الحكم بين ما قبلها وما بعدها، وهو مفترق. وحينئذٍ (٦) لا يلزم من نفي الفضيلة والاستحباب نفي الإباحة. فهذا وجهُ متمسَّك من قال بإباحة هذا السفر، بالنظر إلى أنَّ هذه الصيغة نفي، وبنى على ذلك جواز القصر. وإن كان النهي ملحوظًا، فالمعنى حينئذٍ نهيه عن إعمال [ق ١٢٣] المَطيّ

стр. 493

وشدّ الرِّحال إلى غير المساجد الثلاثة؛ إذ المقرَّر عند عامة الأصوليين أن النهي عن الشيء قاضٍ بتحريمه أو كراهته، على حسب مقتضى الأدلة. فهذا وجه متمسَّك من قال بعدم جواز القصر في هذا السفر؛ لكونه منهيًّا عنه (١). وممَّن (٢) قال بحرمته: الشيخ الإمام أبومحمد الجُوَيني من الشافعية، والشيخ الإمام أبو الوفاء بن عقيل من الحنابلة، وهو الذي أشار القاضي عياض ــ من المالكية ــ إلى اختياره. وما جاء من الأحاديث في استحباب زيارة القبور؛ فمحمول (٣) على ما لم يكن فيه شدُّ رَحْلٍ وإعمالُ مَطِيٍّ، جمعًا بينهما. ويحتمل أن يقال: لا يصلح أن يكون غير حديث: «لا تُشَدُّ الرِّحال» معارضًا، لعدم مساواته إيّاه في الدَّرَجة؛ لكونه من أعلى أقسام الصحيح. والله تعالى أعلم. وقد بلغ (٤) أنه زُري وضُيِّق على المجيب، وهذا أمر يَحارُ فيه اللبيب، ويتعجَّب منه الأريب، ويقعُ به في شكٍّ مريب! فإنَّ جوابه في هذه المسألة قاضٍ بذكر خلاف العلماء، وليس حاكمًا بالغضِّ من الصالحين والأنبياء. فإنَّ الأخذ بمقتضى كلامه ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ في الحديث المتفق

стр. 494

على رَفْعِه (١) إليه: هو الغايةُ القصوى في تتبع أوامره ونواهيه، والعدول عن ذلك محذور، وذلك مما لا مِرْيَة فيه. وإذا كان كذلك؛ فأيُّ حرجٍ على من سُئل عن مسألة، فذكر فيها خلاف الفقهاء، ومال فيها إلى بعض أقوال (٢) العلماء؟ ! فإنَّ الأمر لم يزل كذلك على مرِّ العصور، وتعاقب الدُّهور. وهل ذلك محمول من القادح إلّا على امتطاء نضو (٣) الهوى، المفضي بصاحبه إلى التَّوى، فإنَّ من يُقْتَبس من فوائده، ويُلْتَقط من فرائده، لحقيق بالتعظيم، وخليقٌ بالتكريم، ممن له الفهم السليم، والذِّهن المستقيم. وهل حكمُ المُظَاهِرِ عليه في الظاهر، إلَاّ كما قيل في المثل السائر، وقول الشاعر: «الشعير يُؤكل ويُذَمّ» (٤). جزى بنوه أبا الغيلان عن كِبَرٍ ... وحُسْن فعلٍ كما يُجْزى سِنمَّار (٥) [وغيره] (٦):

стр. 495

وحديث ألذّه، هو ممّا ... يَنْعَتُ النَّاعِتون يُوزَنُ وزنا منطقٌ رائع (١) وتلحَنُ أحيا ... نًا، وخيرُ الحديث ما كان لحنا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]. ولولا خشية الملالة لما نكَبْتُ عن الإطالة. نسأل الله الكريم أن يسلك بنا وبكم سُبُل (٢) الهداية، وأن يجنّبنا وإيّاكم مسلك الغواية، إنه على كلِّ شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير، حسبنا الله ونعم الوكيل، نِعم المولى (٣) ونعم النصير. والحمد لله ربّ العالمين، وصلوات الله وسلامه على سيّد المرسلين. محمد النبي وآله الطاهرين، وأصحابه الكرام المنتجبين (٤).

стр. 496

هذا جواب الشيخ الإمام العلامة جمال الدين يوسف بن عبد المحمود بن عبد السلام ابن البتّي الحنبلي (١) ﵀ (٢). ومن خطه نقلتُ (٣).

стр. 497

ووقفتُ على كتاب وَرَدَ مع أجوبة أهل بغداد، وصورته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ناصر الملة الإسلامية، ومُعِزِّ الشريعة المحمدية، بدوام أيام الدولة المباركة السلطانية، المالكية (١) الناصرية، ألبسها الله تعالى لباس العزّ المقرون بالدوام، وحلَّاها بحِلْية النَّصْر المستمرِّ بمرور الليالي والأيّام. والصلاة والسلام على النبيّ المبعوث إلى جميع الأنام، وعلى آله البَرَرة الكرام. اللهم إنَّ بابك لم يزل مفتوحًا للسائلين، ورِفْدكَ ما بَرِحَ مبذولًا للوافدين، مَنْ عوَّدته مسألتك وحدَك، لم يسأل أحدًا سواك. ومن منَحْتَه منائح رِفْدك، لم يَفِدْ على غيرك، ولم يَحْتَمِ إلَّا بِحِماك. أنت الربُّ العظيم الكريم الأكرم. قَصْدُ بابِ غيرك على عبادك محرَّم، أنت الذي لا إله غيرك، ولا معبود سِواك، عزَّ جارك، وجلَّ ثناؤك، وتقدَّست أسماؤك، وعَظُم بلاؤك، ولا إله غيرك. لم (٢) تزل سُنَّتُك في خَلْقِك جاريةً [ق ١٢٧] بامتحان أوليائك وأحبابك (٣)، تفضُّلًا منك عليهم، وإحسانًا من لدنك إليهم، ليزدادوا لك في جميع الحالات ذِكرًا، ولأنْعُمِك في جميع التقلُّبات شكرًا. ولكنَّ أكثر الناس

стр. 498

لا يعلمون. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣]. اللهم وأنت العالم الذي لا يُعَلَّم، وأنت الكريم الذي لا يُبَخَّل (١)، قد علمت يا عالم السِّرِّ والعلانية، أنَّ قلوبنا لم تزل ترفع إخلاص الدعاء صادقة، وألسنتنا في حالتي السرِّ والعلانية ناطقة= أن تسعفنا بإمداد هذه الدولة المباركة الميمونة السلطانية الناصرية بمزيد العلاء والرفعة والتمكين، وأن تحَقِّق آمالنا فيها بإعلاء الكلمة، ففي (٢) ذلك رفع قواعد دعائم الدين، وقمع (٣) مكايد الملحدين؛ لأنَّها الدولة التي بَرِئت من غشيان الجَنَفِ والحيْفِ، وسَلِمت من طغيان القلم والسَّيفِ. والذي تنطوي عليه ضمائر المسلمين، وتشتمل عليه سرائر المؤمنين: أنَّ السلطان الملك الناصر للدين، ممن قال فيه ربُّ العالمين، وإله السماوات والأرضين ــ الذي بتمكينه في أرضه (٤) حصل التمكينُ لملوك الأرض، وعظماء السلاطين ــ في كتابه العزيز الذي يُتْلَى، فمن شاء فليتدبَّر: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]. وهو ممن مكَّنه الله في الأرض تمكينًا، يقينًا لا ظنًّا.

стр. 499

وهو ممَّن يُعْنَى بقوله (١) تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]. والذي عَهِدَه (٢) المسلمون، وتعوَّده المؤمنون، من المراحم الكريمة، والعواطف الرحيمة: إكرام أهل الدين، وإعظام علماء المسلمين. والذي حَمَل على رفع هذه الأدعية الصريحة إلى الحضرة الشريفة ــ وإن كانت لم تزل مرفوعةً إلى الله سبحانه بالنية الصحيحة ــ قولُه ﷺ : «الدينُ النَّصيحة»، قيل: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم» (٣). وقوله ﷺ : «الأعمال بالنيات» (٤). وهذان الحديثان مشهوران بالصحة، مُستفاضان (٥) في الأمة. ثم إن هذا الشيخ المعظَّم الجليل، والإمام المكرَّم النبيل، أوحد الدهر، وفريد العصر، طراز المملكة الملكية، وعَلَم الدولة السلطانية، لو أقْسَم مُقْسم بالله القدير: إنَّ هذا الإمام الكبير ليس له في عصره مماثل ولا

стр. 500

نظير= لكانت يمينُه بَرَّةً غنيةً (١) عن التكفير. وقد خلت من وجود مثله السبعُ الأقاليم، إلا هذا الإقليم، يوافق على ذلك كلُّ منصف جُبِلَ على الطبع السليم. ولست بالثناء عليه أُطريه، بل لو أطنب مُطْنِبٌ في مدحه والثناء عليه، لما أتى على بعض الفضائل التي هي فيه. أحمد ابن تيمية، دُرَّة يتيمة (٢) يُتنافس فيها، تُشْتَرى ولا تباع، ليس في خزائن الملوك دُرَّة تماثلها وتؤاخيها، انقطعت عن وجود مثله الأطماع. لقد أصَمَّ الأسماع، وأوهى المتبوعين والأتباع= سماعُ رفع أبي العباس ــ أحمد ابن تيمية ــ إلى القلاع، وليس يقع من مثله أمرٌ [ق ١٢٨] يُنْقَم منه عليه، إلَاّ أن يكون أمرًا قد لُبِّسَ (٣) عليه، ونُسِبَ إلى ما لا يُنْسَب مثلُه إليه. والتطويل على الحضرة العالية لا يليق، إن يكن في الدنيا قطبٌ فهو القطبُ على التحقيق. قد نَصَبَ الله السلطان ــ أعلى الله شأنه ــ في هذا الزمان منصب يوسف الصديق صلى الله على نبينا وعليه، لما صرف الله وجوه أهل البلاد إليه، حين أَمحَلَتِ البلاد (٤)، واحتاجَ أهلُها إلى القوت (٥) المُدَّخَر لديه. والحاجةُ بالناس الآن إلى قوت الأرواح الرُّوحانية أعظم من حاجتهم في

стр. 501

ذلك الزمان إلى طعم الجثث الجثمانية. وأقوات الأرواح (١) المشار إليها (٢)، لا خفاء أنها العلوم (٣) الشريفة، والمعاني اللطيفة. وقد كانت في بلاد المملكة السلطانية ــ حرسها الله تعالى ــ تُكال إلينا جُزافًا بغير أثمان، مِنْحَةً عظيمة من الله للسلطان، ونعمةً جسيمةً، إذ خصَّ بلاد مملكته، وإقليم دولته بما لا يوجد في غيرها من الأقاليم والبلدان، وقد كان وفد الوافدون من سائر الأمصار (٤)؛ فوجدوا صاحبَ صُواع الملك قد رُفع إلى القلاع، ومثل هذه المِيرة لا توجد في غير تلك البلاد لتُشتَرى أو تُباع، فصادف ذلك جَدْب الأرض ونواحيها، جَدْبًا أعطب أهاليها، حتَّى صاروا من شدَّة حاجتهم إلى الأقوات كالأموات. والذي عرَّض للملك بالتضييق على صاحب صُواعه مع شدَّة الحاجة إلى غذاء الأرواح، لعله لم يتحقّق عنده أنَّ هذا الإمام من أكابر الأولياء، وأعيان أهل الصلاح، وهذه نزغةٌ من نزغات الشيطان، قال الله سبحانه: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء: ٥٣]. وأمّا إزراء بعض العلماء عليه في فتواه، وجوابه عن مسألة شدِّ الرِّحال

стр. 502

إلى القبور (١)؛ فقد حُمِلَ جوابُ علماء هذه البلاد إلى نظرائهم من العلماء، وقُرَنائهم من الفضلاء، وكلُّهم أفتى أنَّ الصواب في الذي به أجاب. والظاهر بين الأنام أنَّ إكرام هذا الإمام، ومعاملته بالتبجيل والاحترام؛ فيه من (٢) قوام الملك، ونظام الدولة، وإعزاز الملَّة (٣)، واسْتِجْلاب الدعاء، وكَبْتِ الأعداء، وإذلال أهل البدع والأهواء، وإحياء الأمة، وكشف الغُمَّة، ووفور الأجر، وعُلُوِّ الذِّكْر، ورفع البأس، ونفع الناس (٤). ولسانُ حال المسلمين تالي قول الكبير المتعال: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨]. والبضاعة المزجاةُ: هي هذه الأوراق المرقومة بالأقلام، والمِيرة المطلوبة: هي الإفراج عن شيخ الإسلام. والذي حَمَل على هذا الإقدام قولُه ﵇ (٥): «الدينُ النصيحة» والسلام. وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله الطيبين الطاهرين (٦)، وسلَّم تسليمًا. هذا آخر هذا الكتاب. ***

стр. 503

(١) ووقفتُ على كتابٍ آخر، صورته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلامُ على سيّد المرسلين، محمّد النبيّ وآله وصحبه أجمعين. اللهم فكما أيَّدت ملوكَ الإسلام، وولاة الأمور بالقوَّة والأيْدِ، وشَيَّدْت [ق ١٢٩] لهم ذِكْرًا، وجعلتَهم للمقهور اللائذ بجنابهم ذُخْرًا، وللمكسور العائذ بأكناف بابهم جَبْرا، فاشْدُد الّلهم منهم بحسن معونتك لهم أزرًا، وأعْلِ لهم مجدًا وارفع قدرًا، وزدهم عزًّا، وزوِّدهم على أعدائهم (٢) نصرًا، وامْنحهم توفيقًا مسدَّدًا، وتمكينًا مستمرًّا. وبعد؛ فإنه لما قرع أسماعَ أهلِ البلاد المشرقيَّة، والنواحي العراقية التضييقُ على شيخ الإسلام، أبي العباس تقيِّ الدين أحمد ابن تيمية ــ سلمه الله ــ عَظُمَ ذلك على المسلمين، وشقَّ على ذوي الدين (٣)، وارتفعت رؤوس الملحدين، وطابت نفوس أهلِ الأهواء والمبتدعين. ولما رأى علماءُ أهلِ هذه الناحية عُظْمَ هذه النازلة؛ من شماتة أصحاب أهل البدع (٤) وأهل الأهواء، بأكابر الأفاضل وأئمة العلماء= أنْهَوا

стр. 504

حالَ هذا الأمر الفظيع والقول (١) الشنيع، إلى الحضرة الشريفة السلطانية ــ زادها الله شرفًا ــ وكتبوا أجوبتهم في تصويب ما أجاب به الشيخ ــ سلَّمه الله ــ في فتاويه (٢)، وذكروا من علمه وفضائله بعض ما هو فيه، وحملوا ذلك إلى بين يدي مولانا ملك الأمراء ــ أعزَّ الله أنصاره وضاعف اقتداره ــ غيرةً منهم على هذا الدين، ونصيحةً للإسلام وأمراء المسلمين (٣). والآراء المولوية العالية أولى بالتقديم؛ لأنَّها ممنوحة بالهداية إلى الصراط المستقيم. وأفضل الصلاة وأشرف (٤) التسليم على النبي الأمي، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وسلَّم تسليمًا (٥). ***

стр. 505

ثم إن الشيخ ﵀ بقي مقيمًا بالقلعة سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا (١)، ثم توفي إلى رحمة الله ورضوانه. وما برح في هذه المدة مُكِبًّا على العبادة والتلاوة، وتصنيف الكتب، والردِّ على المخالفين. وكَتَب على تفسير القرآن العظيم جملةً كثيرة، تشتمل على نفائس (٢) جليلة، ونكتٍ دقيقة، ومعانٍ لطيفة، وبيَّن في ذلك مواضع كثيرة أشكلت على خلقٍ من علماء أهل التفسير (٣). وكتب في المسألة التي حُبِسَ بسببها عِدَّة مجلَّدات. منها: كتاب في الردِّ على (٤) الإخنائي، قاضي المالكية بمصر، تُعرف بـ «الإخنائية» (٥). ومنها: كتابٌ كبير حافل في الردِّ على بعض قضاة الشافعية (٦). وأشياء كثيرة في هذا المعنى أيضًا. ***

стр. 506

[وفاة الشيخ عبد الله ابن تيمية (١) أخي الشيخ] وفي هذه المدة التي كان الشيخ فيها بالقلعة توفي أخوه الشيخ الإمام (٢) العلامة البارع، الحافظ الزاهد (٣) الورع، جمال الإسلام، شرف الدين أبومحمد عبد الله. توفي يوم الأربعاء الرابع عشر من جمادى الأولى من سنة سبعٍ وعشرين وسبعمائة. وصُلِّيَ عليه ظهر اليوم المذكور بجامع دمشق، وحُمِلَ إلى باب القلعة، فصُلِّيَ عليه مرَّة أخرى، وصلَّى عليه أخوه (٤)، وخَلْق من داخل القلعة، وكان الصوتُ بالتكبير يبلغهم (٥)، وكثر البكاء في تلك الساعة، وكان وقتًا مشهودًا. ثم صُلِّي عليه مرَّةً ثالثة ورابعةً، وحُمِلَ على الرؤوس والأصابع إلى مقبرة الصوفية، فدُفِنَ بها. وحضر جنازتَه جمعٌ كثير، وعالم عظيم، وكثر الثناءُ والتأسُّف [ق ١٣٠] عليه. وكان ــ ﵀ ــ صاحب صدق وإخلاص، قانعًا باليسير، شريف النفس، شجاعًا مِقْدامًا مجاهدًا، بارعًا في الفقه، إمامًا في النحو، مستحضرًا لتراجم السلف ووفياتهم، له في ذلك يدٌ طولى، عالمًا بالتواريخ المتقدمة والمتأخرة. وكان ــ ﵀ ــ شديد الخوف والشَّفقة على أخيه شيخ الإسلام.

стр. 507

وكان يخرجُ من بيته ليلًا، ويرجع إليه ليلًا، ولا يجلس في مكان معيَّن، بحيث يُقْصد فيه، ولكنه (١) يأوي إلى المساجد المهجورة، والأماكن التي ليست بمشهورة. وكان كثير العبادة والتألُّه، والمراقبة والخوف من الله. ولم يزل على ذلك إلى حين مرضه ووفاته. ومولده في اليوم الحادي عشر من المحرم سنة ستٍّ وستين وستمائة بحرَّان. وسمع من [ابن] أبي (٢) اليُسر، والجمال عبد الرحمن البغدادي، وابن الصيرفي، والشيخ شمس الدين، وابن البخاري، وخلق كثير. وحدَّث وسمع الكتب الكبار. وقد سُئل عنه الشيخ كمال الدين ابن الزّملكاني، فقال: هو بارعٌ في فنون عديدة؛ من الفقه، والنحو، والأصول، ملازمٌ لأنواع الخير وتعليم العلم، حسن العبادة (٣)، قويٌّ في دينه، جيِّد التفقُّه، مُسْتحضرٌ (٤) لمذهبه استحضارًا جيِّدًا، مليحُ البحث (٥)، صحيحُ الذِّهن، قويُّ الفهم. ***

стр. 508

قلتُ: وما زال الشيخُ تقيُّ الدين ــ ﵀ ــ في هذه المدَّة معظَّمًا مكرَّمًا، يُكرمه نقيبُ القلعة ونائبها إكرامًا كثيرًا، ويستعرضان (١) حوائجه ويُبالغان في قضائها. وكان ما صنَّفه في هذه المدة قد خرج بعضُه من عنده، وكتبه بعض أصحابه، وظهر واشتهر (٢)، فلما كان قبل وفاته بأشهُر وَرَد مرسومٌ (٣) بإخراج ما عنده كلِّه، ولم يبق عنده كتابٌ ولا ورقة، ولا دَوَاةٌ ولا قلم. وكان بعد ذلك إذا كتب ورقةً إلى بعض أصحابه، كتبها (٤) بفحم. وقد رأيتُ أوراقًا عِدَّة بعثها إلى أصحابه، وبعضُها مكتوبٌ بفحم. منها ورقةٌ يقول فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته (٥). نحن ولله الحمد والشكر في نعم متزايدة متوفِّرة، وجميعُ ما يفعله الله فيه نصر الإسلام، وهو من نعم الله العظام. و ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. فإنَّ الشيطان استعمل حزبه في إفساد دين الله، الذي بعث به رُسُلَه، وأنزل به (٦) كُتُبَه.

стр. 509

ومن سنة الله: أنَّه إذا أراد إظهار دينه، أقام من يُعارضه (١)، فيُحِقُّ الحقَّ بكلماته، ويقذِفُ بالحقِّ على الباطل فيدمَغُه فإذا هو زاهق. والذي سعى فيه حزبُ الشيطان لم يكن مخالفةً لشرع محمد ﷺ وحدَه، بل مخالفة لدين جميع المرسلين، إبراهيم وموسى والمسيح، ومحمد خاتم النبيين صلى الله عليهم أجمعين. وكانوا قد سعوا في أن لا يظهر من جهة حزب الله ورسوله خطابٌ ولا كتاب، وجزعوا من إظهار (٢) «الإخنائية»، فاستعملهم الله تعالى حتى أظهروا أضعافَ ذلك وأعظم، وألزمهم بتفتيشه [ق ١٣١] ومطالعته، ومقصودُهم إظهار عيوبه وما يحتجون به، فلم يجدوا فيه إلا ما هو حُجَّةٌ عليهم، وظهر لهم جهلُهم وكذبُهم وعجزُهم، وشاع (٣) هذا في الأرض، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله، ولم يمكنهم أن يُظهروا علينا فيه عيبًا في الشرع والدين، غايةُ (٤) ما عندهم: أنه خُوْلِف مرسومُ بعضِ المخلوقين، والمخلوقُ ــ كائنًا من كان ــ إذا خالفَ أمرَ الله ورسوله، لم يُجَب، بل (٥) ولا يجوز طاعته في مخالفة أمر الله ورسوله باتفاق المسلمين. وقول القائل: «إنه يُظْهِر البدع»، كلامٌ يَظهرُ فسادُه لكلِّ مستبصر، ويعلم أنَّ الأمر بالعكس، فإنَّ الذي يُظهر البدعة، إما أن يكون لعدم علمه

стр. 510

بسنة الرسول، أو لكونه له غرضٌ وهوًى يخالف ذلك، وهو أولى بالجهل بسنة الرسول، واتباع هواهم بغير هدًى من الله ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠]، ممَّن هو (١) أعلمُ بسنَّة الرسول منهم، وأبعدُ عن الهوى والغرض في مخالفتها ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ ــ ١٩]. وهذه قضيَّة كبيرة لها شأن عظيم، وليعلمنَّ نبأه بعد حين. ثم ذكر الشيخُ في الورقة كلامًا، لا يمكن قراءة جميعه، لانطماسه. وقال بعده: وكانوا يطلبون تمام «الإخنائية»، فعندهم ما يُطِمُّهم أضعافها، وأقوى فقهًا منها، وأشدَّ مخالفة لأغراضهم. فإنَّ «الزملكانية» (٢) قد بُيِّنَ فيها من نحو خمسين وجهًا أنّ ما حُكِمَ به ورُسِم به مخالفٌ لإجماع المسلمين، وما فعلوه ــ لو كان ممن يعرف ما جاء به الرسول، يتعمَّد (٣) مخالفته ــ لكان كُفْرًا وردَّةً عن الإسلام؛ لكنهم جُهَّال دخلوا في شيءٍ ما كانوا يعرفونه، ولا ظنوا أنه يظهر منه أنَّ السلطنة تخالف مرادهم، والأمرُ أعظم

стр. 511

مما ظهر لكم، ونحن ولله الحمد على عظيم الجهاد في سبيله. ثم ذكر كلامًا وقال: بل جهادُنا في هذا مثل (١) جهادنا يوم قزان والجبلية، والجهمية والاتحادية (٢)، وأمثال ذلك. وذلك من أعظم نعم الله علينا وعلى الناس ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون. *** ومنها ورقة قال فيها: ونحن ولله الحمد والشكر في نِعَم عظيمة تتزايدُ كلَّ يوم، ويُجَدِّد الله تعالى من نعمه نعمًا أخرى، وخروج الكتب كان من أعظم النِّعم، فإنِّي كنت حريصًا على خروج شيءٍ منها، ليقفوا (٣) عليه، وهم كرهوا خروج «الإخنائية»، فاستعملهم الله في إخراج الجميع، وإلزام المنازعين بالوقوف عليه، وبهذا يظهر ما أرسل الله به رُسلَه (٤) من الهدى ودين الحق. فإنَّ هذه المسائل كانت (٥) خفيَّة على أكثر الناس، فإذا ظهرت لمن كان قصده الحقّ هداه الله، ومن كان قصده الباطل قامت عليه حُجّةُ الله، واستحقَّ (٦) أن يُذِلَّه الله ويُخزِيه.

стр. 512

وما كتبتُ شيئًا من هذا ليُكْتَم عن أحد (١) ولو كان مُبْغِضًا. والأوراق التي فيها جواباتكم غُسِلت. وأنا طيِّبٌ، وعيناي طيبتان أطيب مما كانت (٢)، ونحنُ في نعمة عظيمة لا تُحْصَى ولا تُعَدُّ، والحمد لله (٣) حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. ثم ذكر كلامًا. . . وقال: وكلُّ ما يقضيه الله فيه الخير والرحمة (٤) ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: ١٠٠]. ولا يدخلُ على أحدٍ ضررٌ إلا من ذنوبه ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]. فالعبد عليه أن يحمد الله تعالى ويشكره (٥) دائمًا على كلِّ حال، ويستغفر من ذنوبه، فالشكر يوجبُ المزيدَ من النِّعم، والاستغفار يَدْفَعُ النِّقم، ولا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له «إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاء صَبرَ، فكان خيرًا له» (٦). ***

стр. 513

وهذه الورقة كتبها الشيخ وأرسلها (١) بعد خروج الكُتُب من عنده بأكثر من ثلاثة أشهر، في شهر شوال، قبل وفاته بنحو شهرٍ ونصف. ولمَّا أُخرِج ما عندَه من الكتب والأوراق، حُمِلَ إلى القاضي علاء الدين القونوي، وجُعل تحت يده في المدرسة العادلية (٢). وأقبل الشيخُ بعد إخراجها على العبادة والتلاوة والذِّكْر والتهجُّد حتى أتاه اليقين. وختم القرآن مدَّة إقامته بالقلعة ثمانين أو إحدى وثمانين ختمة. انتهى في آخر ختمةٍ إلى آخر (اقتربت) (٣): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ ــ ٥٥]. ثم كُملت عليه بعد وفاته وهو مُسجًّى (٤). كان كلَّ يوم يقرأ ثلاثةَ أجزاء، يختم (٥) في عشرة أيام. هكذا أخبرني أخوه زينُ الدين. وكانت مُدَّة مرضه بضعةً وعشرين يومًا، وأكثرُ الناس ما علموا بمرضه، فلم يفجأ الخلقَ إلا نعيُه (٦)، فاشتدَّ التأسُّفُ عليه، وكَثُر البكاءُ والحزن،

стр. 514

ودخل إليه أقاربه وأصحابه، وازدحم الخلقُ على باب القلعة والطرقات، وامتلأ جامعُ دمشق، وصلَّوا عليه، وحُمِلَ على الرؤوس ــ ﵀ ورضي عنه ــ. قال الشيخ عَلَم الدين (١): وفي ليلة الاثنين العشرين (٢) من ذي القَعْدة من سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، توفّي الشيخ الإمامُ، العلاّمة الفقيه، الحافظ الزاهد، القدوة، شيخ الإسلام، تقيُّ الدين أبو (٣) العباس أحمد ابن شيخنا الإمام المفتي، شهاب الدين، أبي المحاسن عبد الحليم، ابن الشيخ الإمام شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات، عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحرَّاني، ثم الدمشقي، بقلعة دمشق، في القاعة (٤) التي كان محبوسًا فيها. وحضرَ جمعٌ كثير (٥) إلى القلعة، فأُذِنَ لهم في الدخول، وجلس جماعةٌ عنده (٦) قبل الغَسْل، وقرأوا القرآن، وتبرَّكوا برؤيته وتقبيله، ثم انصرفوا (٧).

стр. 515

واقْتُصِر على من يُغَسِّله ويُعِيْن في غسله، فلما فرغ من ذلك أُخرج وقد اجتمع الناسُ بالقلعة والطريق إلى جامع دمشق، وامتلأ الجامع وصحنه، والكلاسة، وبابُ البريد، وبابُ الساعات إلى اللبادين والفوَّارة (١). وحضرت الجنازةُ في الساعة الرابعة من النهار أو نحو [ق ١٣٣] ذلك، ووُضِعَت في الجامع، والجُنْد يحفظونها من الناس من شدَّة الزحام، وصُلِّيَ عليه ــ أولًا ــ بالقلعة. تقدَّم في الصلاة عليه الشيخُ محمد بن تمّام (٢). ثم صُلِّي عليه بجامع دمشق، عقيب صلاة الظهر، وحُمِلَ من باب البريد، واشتدَّ الزحام، وألقى الناسُ على نعشه مناديلهم وعمائمهم للتبرُّك (٣). وصارَ النعشُ على الرؤوس، تارةً يتقدَّم وتارةً يتأخَّر. وخرج الناسُ من الجامع من أبوابه كلِّها من شدَّة الزحام. وكلُّ بابٍ أعظم زحمةً من الآخر! ثم خرج الناسُ من أبواب البلد جميعها من شدَّة الزحام، لكن كان المُعْظَم من الأبواب الأربعة: باب الفَرَج ــ الذي خَرَجت (٤) منه الجنازة ــ ومن باب الفراديس، ومن باب النصر، وباب الجابية. وعَظُمَ الأمر بسوق الخيل (٥)، وتقدَّم في الصلاة عليه هناك أخوه زينُ الدين عبد الرحمن،

стр. 516

وحُمِلَ إلى مقبرة الصوفية، فدُفِنَ إلى جانب أخيه شرف الدين عبد الله (١) ــ رحمهما الله ــ. وكان دفنه وقت العصر أو قبلها بيسير. وغلّق الناسُ حوانيتهم، ولم يتخلَّف عن الحضور إلا القليل من الناس، أو مَنْ عَجَز للزّحام (٢). وحضرها نساءٌ كثير (٣) بحيث حُزِرُوا بخمسة عشر ألفًا. وأمّا الرجال فحُزِروا بستين ألفًا وأكثر إلى مائتي ألف. وشَرِبَ جماعةٌ الماء (٤) الذي فضل من غسله. واقتسم جماعةٌ بقيَّة السِّدْر الذي غُسِّل به. وقيل: إنَّ الطاقية التي كانت على رأسه دُفِعَ فيها خمسمائة درهم. وقيل: إنَّ الخيط الذي فيه الزئبق، الذي كان في عنقه بسبب القمل، دُفِعَ فيه مائة وخمسون درهمًا. وحصل في الجنازة ضجيجٌ وبكاء وتضرُّع. وخُتِمَت له ختمٌ كثيرة بالصالحية والبلد، وتردَّد الناس إلى قبره أيامًا كثيرة (٥) ليلًا ونهارًا، ورُئيت له مناماتٌ كثيرة صالحة، ورثاه جماعةٌ بقصائد جمَّة. وكان مولده يوم الاثنين عاشر ربيع الأول، بحرَّان، سنة إحدى وستين وستمائة.

стр. 517

وقدم مع والده وأهله إلى دمشق وهو صغير، فسمع الحديثَ من ابن عبد الدائم، وابن أبي اليُسْر، وابنِ عَبْدٍ، والشيخ شمس الدين الحنبلي، والقاضي شمس الدين بن عطاءٍ الحنفي، والشيخ جمال الدين ابن الصيرفي، ومجد الدين ابن عساكر، والشيخ جمال الدين البغدادي، والنَّجِيب المِقْداد، [و] ابن أبي الخير، وابن علَاّن، وأبي بكر الهروي (١)، والكمال عبد الرحيم، والفخر عليّ، وابن شيبان، والشرف ابن القوَّاس، وزينب بنت مكِّيّ، وخلقٍ كثير. وقرأ بنفسه الكثير، وطلبَ الحديث، وكتب الطِّباق والأثبات، ولازمَ السماعَ بنفسه مُدَّة سنين، واشتغل بالعلوم. وكان ذكيًّا، كثير المحفوظ. فصار إمامًا في التفسير وما يتعلَّق به، عارفًا بالفقه، واختلاف العلماء، والأصلين (٢)، والنحو واللغة، وغير ذلك من العلوم النقلية والعقلية. وما تكلّم معه فاضل في فنٍّ (٣) إلا وظنَّ ذلك (٤) الفنَّ فنَّه، ورآه عارفًا به متقنًا له. وأمّا الحديث؛ فكان حافظًا له (٥)، مميزًا بين صحيحه وسقيمه، عارفًا برجاله، [متضلِّعًا من ذلك] (٦).

стр. 518

وله تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة في الفروع والأصول. كَمَّل (١) منها جملةً، وبُيِّضت وكُتِبَت عنه، وجُملة كبيرة (٢) لم يكملها، وجملة [ق ١٣٤] كمَّلها ولكن لم تُبَيَّض. وأثنى عليه وعلى فضائله جماعةٌ من علماء عصره، مثل القاضي الخُوييّ (٣)، وابن دقيق العيد، وابن النحَّاس، وابن الزَّمْلكاني، وغيرهم. ووجدتُ بخطِّ الشيخ كمال (٤) الدين ابن الزَّمْلكاني أنه اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها. وأنّ له اليد الطُّولى في حُسْن التصنيف (٥)، وجَودة العبارة، والترتيب والتقسيم والتبيين. وكَتَب على تصنيفٍ له هذه الأبيات الثلاثة من نظمه، وهي: ماذا يقول الواصفون له ... وصفاتُه جلَّت عن الحَصْر هو حُجَّةٌ لله قاهرةٌ ... هو بيننا أعجوبةُ الدّهر هو آيةٌ في الخلق (٦) ظاهرة ... أنوارُها أرْبَتْ على الفَجْر وهذا الثناء عليه وكان عمره نحو الثلاثين سنة.

стр. 519

وكان بيني وبينه صُحْبة ومودَّة (١) من الصِّغَر، وسماع الحديث والطَّلب من نحو خمسين سنة. وله فضائل كثيرة. وأسماء مصنفاته، وسيرته، وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة، وحبسُه مرات، وأحوالُه= لا يحتمل ذكر جميعها هذا الكتاب. ولما مات كنت غائبًا عن دمشق بطريق الحجاز الشريف، وبلغنا خبره بعد موته بأكثر من خمسين يومًا لما وصلنا إلى تبوك، وحصل التأسُّف لفقده ــ رحمه الله تعالى ــ. *** قلتُ: وقد قيل: إنَّ الخلق الذين حضروا جنازَة الشيخ كانوا أزْيد مما ذُكِر (٢). و من الجنائز العظيمة في الإسلام: جنازة الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فإنَّ الذين حضروه، وصلوا عليه، كانوا أكثر من ألف ألف إنسان (٣).

стр. 520

وقد قال الإمام أبو عثمان الصابوني: سمعتُ أبا عبد الرحمن السُّلَمي يقول: حضرتُ جنازة أبي الفتح القوَّاس الزاهد مع الشيخ أبي الحسن الدارقطني، فلما بلغ إلى ذلك الجمع الكبير أقبل علينا وقال: سمعتُ أبا سهل بن زياد القطان يقول: سمعتُ عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم الجنائز (١). قال أبو عبد الرحمن على إثر هذه الحكاية: إنَّه حَزَر (٢) الحزَّارون المصلين على جنازة أحمد، فبلغ العددُ بحَزْرهم ألف ألفٍ وسبعمائة ألف، سوى الذين كانوا في السّفن. وقد وُجِدَ بخَطِّ الشيخ أبياتٌ، قالها بالقلعة، وهي (٣): أنا الفقيرُ إلى ربِّ السموات ... أنا المسيكين (٤) في مجموع حالاتي أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن جاءنا من عنده ياتي لا أستطيع لنفسي جلبَ منفعةٍ ... ولا عن النفس في دفع (٥) المضرَّات وليس لي دونه مولىً يُدَبِّرني ... ولا شفيعٌ إلى ربِّ البريَّات (٦)

стр. 521

إلاّ بإذنٍ من الرحمن خالقنا ... ربِّ السَّماء (١)، كما قد جا في الآيات ولستُ أملك شيئًا دونه أبدًا ... ولا شريكٌ أنا في بعض ذرَّاتي ولا ظهيرٌ له كَيْما أُعاونه (٢) ... كما يكون لأرباب الولايات والفقر لي وصفُ ذاتٍ (٣)، لازمٌ أبدًا ... كما الغِنى أبدًا وصفٌ له ذاتي [ق ١٣٥] وهذه الحال حالُ الخلق أجمعهم وكلُّهم عندَه عبدٌ له آتي فمن بغى مطلبًا من دون خالقه ... فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي والحمدُ لله مِلء الكون أجمعه ... ما كان فيه (٤)، وما من بعده ياتي ثمَّ الصلاةُ على المختار من مُضَرٍ ... خيرِ البريَّة من ماضٍ ومن آتي (٥) وله أيضًا عفا الله عنه: إن لله علينا أنْعُمًا ... يعجز الحصْرُ عن العدِّ لها فله الحمدُ على أنعُمِه ... وله الحمدُ على الشكر لها ***

стр. 522

[قصائد في مَدْح الشيخ ورثائه] وقد مُدِح الشيخ ــ ﵀ ــ بقصائد كثيرة في حياته، ورُثي بأكثر منها بعد مماته (١). فمن القصائد التي مُدِح بها: قصيدة نجم الدين إسحاق بن أبي بكر ابن أَلمَى التركي (٢)، وهي: ذَرَانيَ مِنْ ذِكْرى سُعادٍ وزينب ... وَمِنْ ندبِ أطْلال اللِّوى والمُحصَّب وَمِنْ مدح آرامٍ سنَحْنَ برامةٍ ... وَمِنْ غَزَلٍ في وَصْفِ سِربٍ ورَبرَب ولا تُنْشداني غير شعرٍ إلى العُلا ... يظلُّ ارْتياحًا يَزْدَهيني ويُطْنِب (٣) وإن أنْتُما طارَحْتُمانيَ، فلْيَكُنْ ... حَدِيثُكُما في ذِكْر مَجْدٍ ومَنْصب بِحُبِّ المعالي (٤)، لا بحُبِّ امّ جُنْدُب ... أُقَضِّي لُبانات الفؤادِ المعذَّب خُلِقت امرءًا جَلْدًا على حَمْليَ الهوى ... فلستُ أُبالي بالقِلى والتجنُّب سواءٌ أرى للوصلِ (٥) تعريضَ جُؤذر ... وإعراضَ ظبيٍ ألْعَسِ الثَّغْرِ أشْنَب ولم أصْبُ في عصر الشبيبة والصِّبا ... فهل أصْبُوَن كهلًا بِلمّة أشْيَب يُعنِّفني في بُغيتي رُتَبَ العُلَى ... جهولٌ أراه راكبًا غيرَ مَرْكبي

стр. 523

له همَّةٌ دون الحضيضِ محلُّها ... ولي همَّةٌ تسمو على كلِّ كوكَب فلو كان ذا جهلٍ بسيطٍ عَذَرْتُه ... ولكنَّه يُدلي بجهلٍ مركَّب يقول: علامَ اخترتَ مذهبَ أحمدٍ ... فقلتُ له: إذْ كان أحْمَدَ مَذْهَب وهل في ابنِ شَيْبَانٍ مقالٌ لقائل ... وهل فيه من طعن لِصَاحِبِ مَضْرَبِ؟ أليْس الَّذي قد طار في الأرض ذِكْرُهُ ... فطبَّقها ما بين شَرْقٍ ومغربِ؟ إمامُ الهدى، الدَّاعي إلى سُنَنِ الهُدَى ... وقد فاضت الأهواءُ من كُلِّ مُشْعَبِ (١) أتوا بِعَظيمِ الإفْكِ، وانْتَصَرُوا له ... بكلِّ مقالٍ بالدَّليلِ مُكَذَّب وقالوا: كلامُ الله خلقٌ، وكذَّبوا ... بما صحَّ نقلًا عن أُبَيّ ومُصْعَبِ (٢) وأصْبَحَ أهْلُ الحقِّ بينَ مُعَاقَبٍ ... وبَيْنَ مُعَدٍّ لِلأذَى مُترقِّب فقام بما يُوهي ثَبيرًا ويَذْبُلًا ... قِيَامَ هِزَبْرٍ للفريسة (٣) مُغْضَب ولمْ يَثنه عنْهُم، ولمَّا يصُدَّهُ ... عقُوبةُ ذي ظلمٍ وجَورُ مُعذِّب إلى أنْ بدا الإسلامُ أبْلَجَ ساطِعًا ... وكَشَّفَ عنْ ظَلْمائهم كُلَّ غَيْهَب وهَدَّم منْ أركانهم كلَّ شامخٍ ... ودَوَّخ منْ شُجعانِهم كُلَّ قرهب (٤) ومزَّقهم أيدي سبا، فتفرَّقت ... كتائِبُهم ما بَيْنَ شَرْقٍ ومَغْرِب وأصْحابُهُ أهْلُ الهُدَى لا يَضُرّهم ... على دينهم طَعْنُ امْرئ جاهلٍ غَبِي

стр. 524

هُمُ الظاهِرون القائمُون بدينهم ... إلى الحَشْرِ، لم يَغلِبْهمُ ذو تَغَلُّب لنا منهمُ في كلّ عصْرٍ أئمةٌ ... هُداةٌ إلى العَلْيا، مَصَابِيْحُ مَرقَب فأيَّدهُم رَبُّ العُلا مِنْ عِصَابةٍ ... لإظْهَارِ دِيْن الله أهْلِ تَعَصُّب [ق ١٣٦] وقد عَلِمَ الرحمن أنَّ زماننا ... تَشَعَّبَ فيه الرأيُ أيَّ تشَعُّب فجاء بِحَبْرٍ عالمٍ منْ سَرَاتِهمْ (١) ... لِسَبعِ مئينٍ بَعْدَ هِجْرةٍ يَثْرب يُقيمُ قناة الدينِ بَعْدَ اعْوِجاجِها (٢) ... ويُنقِذُها مِنْ قَبْضَةِ المُتغَصِّب فذاك فتى تيميَّةٍ، خيرُ (٣) سَيِّدٍ ... نجيبٌ أتانا مِنْ سُلالةِ مُنْجِب عليمٌ (٤) بأدواء النفوس يَسُوسُها ... بحكمته، فِعْلَ الطبيبِ المُجَرّب بعيدٌ عن (٥) الفحشاء والبَغي والأذى ... قريبٌ إلى أهْل التُّقى، ذُو تَحَبُّب يغِيبُ، ولكن عن مَساوٍ وغِيبةٍ ... وعَنْ مَشْهَدِ الإحسْانِ لمْ يتغيَّب حليم كريم مشفِقٌ، بَيْدَ أنَّهُ ... إذا لم يُطَعْ في الله، لله يَغْضَبِ (٦) يَرى نُصْرةَ الإسلامِ أكْرَمَ مَغْنَمِ ... وإظهارَ دينِ الله أرْبحَ مَكْسَب وكم قدْ غدا بالقَوْل والفِعْل مُبْطلًا ... ضلالةَ كذَّابٍ ورأيَ مُكَذِّبِ (٧)

стр. 525

ولمْ يَلْقَ مَنْ عاداهُ غيرَ منافقٍ ... وآخرَ عن نَهْجِ السَّبيلِ مُنكِّب (١) لقدْ حاولوا مِنْهُ الذي كان رامَه ... من المُصطفى قِدْمًا حُييُّ بن أخْطَب ولكنْ رأوا مِنْ بأسِهِ مِثْلما رأى ... من المُرْتَضَى في حَرْبِه رأسُ مَرْحَبِ (٢) تمسَّكْ أبا العبّاس بالدين واعْتَصِم ... بِحَبْل الهُدَى، تقهر عِداك وتغْلِب ولا تخْشَ من كيْدِ الأعادي، فما هُمُ ... سِوى حائرٍ في أمرِهِ ومُذَبْذَب جُنُودُهمُ من طامعٍ ومُذَلَّلٍ (٣) ... مُسَيْلمةٌ مِنْهُمْ يلُوذُ بأشْعَب وجندُك من أهل السَّماءِ ملائِكٌ ... يُمِدُّك منهُم مَوْكِبٌ بَعْدَ مَوْكِبٍ وكُلُّ امْرئٍ قدْ باعَ لله نفْسَه ... فلَيسَ إذًا يُصغي لِقَولِ مؤنِّب لَيُوثٌ، إذا أهلُ الضلالِ تجمَّعوا ... فَكُلُّ فتًى مَنْهُم يُعَدُّ بمِقْنَب (٤) لئن جَحَدتْ علياءَ فضلك حُسَّدٌ ... لعَمْرُ أبي قدْ زاد منهم تَعَجُّبي وهلْ مُمكنٌ في العقل أنْ يُجْحَد السّنا ... ضُحًى وَضِيَاءُ الشَّمس لم يتحجَّبِ؟ أيا مطْلبًا حُزْناهُ من غير مَهْلَكٍ ... وكم مَهْلكٍ صدَّ الورَى دُوْنَ مطلب بعَزْم تقيِّ الدِّين أحْمَدَ تُتَّقى ... صُرُوفُ زمانٍ بالفوادح (٥) مُرْعِب وفي الجدْبِ نسْتَسْقي الغَمامَ بوجْهه ... فنُصْبِحُ في رَوضٍ كناديه مُخصِب

стр. 526

ربيبُ المعالي يافعُ الجُودِ والنَّدَى ... فتى العِلْم، كَهْلُ الحِلْم شيْخُ التأدُّب مُفَصِّل ما قد جاء من جُمَل النُّهى ... وإيضَاحُه لِلفَهم غير مقرَّبِ (١) بسيطُ معانٍ في وجيزِ عبارةٍ ... بِتهْذيبِهِ تعْجيزُ كُلِّ مُهذَّب وليس له في الزهد والعلم مُشْبِهٌ ... سوى الحسن البصري وابن المسيبِ (٢) ومن رام حَبْرًا غيرَه (٣) اليوم في الورى ... فذاك الذي قدْ رامَ عنقاءَ مُغْرِب أليس هو النَّدْبَ الذي بانتصارِهِ ... حبا الدين حتَّى بالإمامة قد حُبي (٤) وجاهد في ذاتِ الإلهِ بنفْسِهِ ... وبالمالِ والأهْلِينَ والأمِّ والأب ووازَرَهُ في حالتيه ابْنُ أُمّهِ ... فذَلِكَ عَبْدُالله، نِعْمَ الفَتَى الأَبِي عُقابُ المعالي ضَيغمُ الغابة، الذي ... فَرى كلَّ ذي غيٍّ بنابٍ ومِخْلب هُما ناصرا دين الإله وحاميا ... حِمَى خير خلق الله منْ نَسْل يَعْرُب مُقيمان كالإسلام في دارِ غُرْبَةٍ ... فيا حبَّذا في الله حُسْن التغرُّب خدَمْتُهُمَا مِنِّي بعقْدٍ مُنَضَّد ... بفِكْر سَوائي دُرُّهُ لمْ يُنَقَّب (٥) يشنِّفُ سمعَ الدَّهْرِ حسنًا إذا اغْتدى ... به الناظم (٦) التركيّ أفصحَ مُعْرِب

стр. 527

وما جئْتُ في مَدْحَيهما مُتطلِّبًا ... به عَرَضًا يفْنى (١)، ولا نيل منْصِب [ق ١٣٧] ولكنني أبغي رضا الله خالقي ... وأرجو به غُفران زلَّة مذنِب وأجْعَلُه لي في المعَاد ذخيرةً ... أفوزُ به في الحشْر مِنْ خَطْبه الوبي (٢) نجزت، وهي سبعة وستون بيتًا (٣). * * * * ومن القصائد التي رُثِيَ بها ــ ﵀ ــ: قصيدة (٤) الشيخ قاسم بن عبد الرحمن بن نصير المقرئ (٥)، وهي: عَظُمَ المُصَابُ وزَادَتِ الأفْكَارُ ... وجَرَتْ بحُكْم فراقِكَ الأقْدَارُ يا واحدًا في حِلْمِهِ وعُلُومِهِ ... خَلَتِ البِقَاعُ، وقلَّتِ النُّظَّارُ (٦) أَعَلى تقيّ الدِّين يَحْسُنُ صَبْرُنا ... ولِمِثْلِهِ تتهتّكُ الأسْتَارُ تجْري لِعُظْمِ فِرَاقِهِ عَبَراتُنَا ... أَسَفًا عَلَيْهِ، كأنَّها أمْطَارُ لَهْفي على بَحْر العُلُومِ وغَوصِهِ ... يَحْوي الجَوَاهِرَ باهرٌ زخَّارُ

стр. 528

يَنْثَالُ مِنْهُ إلى القُلُوبِ جَوَاهِرٌ ... والدُّرُّ مِنْ فِيْهِ السَّنيِّ نِثَارُ ولهُ بتَفْسِيرِ الكِتَابِ غَرائِبٌ (١) ... جُلِيَتْ لَهُ، وَكَذلِكَ الأخْبَارُ حَبْرٌ، لَبِيْبٌ أوْحدٌ في عَصْرِنَا ... سلْ ما تَشَاء، لهُ بِهِ إخْبَارُ غَلَبَ المُلُوكَ مَهَابةً وَشَجَاعَةً ... لَيْثٌ يهَابُ لِقَاءَه الكُفَّارُ (٢) ما كانَ إلَّا شامةً في شَامِنَا ... وعليه مِنْ تَقْوَى الإلهِ شِعارُ وَلَهُ مِنَ الله الكَرِيمِ عِنَايَةٌ ... وَلَهُ مِنَ الصَّبْرِ الجَمِيلِ دِثَارُ ما كانَ إلَّا دُرَّةً مَكْنُونَةً ... لا يَعْتَرِيهِ تَدَنُّسٌ وَغُبَارُ لا يَلْويَنَّ إلى الحُطَامِ تعفُّفًا ... وعَلَيْهِ مِنْ تَقْوَى الإلهِ وقَارُ ما كانَ إلَّا خيرَ أُمَّةِ أحْمدٍ ... شَخَصَتْ لِعُظْمِ مُصَابِهِ الأَبْصَارُ (٣) وَمُجَاهِدًا في الله حقَّ جِهَادِهِ ... بَحْرُ النَّدى وَنَوالُه مِدْرَارُ وَلَهُ الزَّهَادَةُ وَالعِبَادَةُ مَنْهَجٌ ... وَبسُنَّةِ الهادي لهُ اسْتِبْصَارُ حاز العُلُوْمَ، أصُولَها وفُرُوعَها ... وَبِكُلِّ ما يُرْوى لَهُ آثَارُ يَلْوِي عَنِ الدُّنيا، وما يَعْنَى (٤) بها ... وَزَواه عَنْهَا الوَاحِدُ القَهَّارُ لما افتناه هَدَاهُ مِنْهَاجَ الهُدَى ... وعَطَاءُ رَبِّك وَافِرٌ مِكْثَارُ

стр. 529

نَزَلَ القَضاءُ بهِ فآنَس رَحْمَةً ... مِنْ ربِّه، لا تُدْفَعُ الأقدارُ بَكَتِ السَّماءُ عَلَيْهِ يَوْمَ فِرَاقِهِ ... أسَفًا وجاء الغَيْثُ والأمطارُ وبكى الشَّآمُ ومُدْنُهُ وبِقَاعُه ... لمَّا مضى، وكذلك الأمصارُ أوَمَا نَظَرْت إِلَيه فَوْقَ سَرِيرِهِ ... حَفَّتْ بهِ منْ رَبِّه الأنْوارُ والنَّاسُ مِنْ باكٍ عَلَيْهِ بحسرةٍ (١) ... وَدُمُوعُهُمْ فَوْقَ الخُدُودِ غِزَارُ وهُمُ أُلوفٌ، لَيس يُحْصي جَمْعَهم ... إإلَّا إلهٌ غَافِرٌ سَتَّارُ نَزَلُوا بِهِ، كَالبَدْرِ في إشْرَاقِهِ ... فَتَبَاشَرتْ بِقُدُومِهِ الأقْطَارُ عَبْدُ الحَلِيْمِ، وَجَدُّهُ سَعِدُوا به ... وأخوه عَبْدُالله والأبْرَارُ وَلِمثْلِ هذا سَارَعُوا أَهْلُ التقى ... فازوا بما فازتْ بهِ الأخْيَارُ الله يُكْرِمُهُ بأفْضَلِ رَحْمَةٍ ... في جنَّةٍ مِنْ تَحْتِها الأنْهَارُ أكْوابُها مَوْضُوعَةٌ، وقِبَابُها ... مَرْفُوعَةٌ حَفَّتْ بِهَا الأنْوارُ وكؤُوسُها قدْ أُدْهِقت، وقُصُورُها ... قدْ أشْرَقتْ مِنْ فَوْقِهَا الأسْتَارُ وصِحَافُها منْ فِضَّةٍ، ولِبَاسُهُم ... مِنْ سُنْدُسٍ، وطعامهم أطيارُ [ق ١٣٨] والحُورُ في تِلْك الخِيَام بِبَهْجَةٍ ... لَكنَّهُنَّ علَى المدَى أبْكَارُ عُرُبًا لأصحاب اليَمِينِ، فلَيتَنا ... مِنْهُم إذا صِرْنَا إلى ما صَارُوا وعَلَى الأرائِك يَنْظُرُونَ نَعِيمَهُمْ ... وعَلَيْهِمُ كأْسُ الرَّحِيْق تُدَارُ (٢)

стр. 530

ووجُوهُهُم مِثْلُ الصَّبَاحِ إذا بدا ... لِلنَّاظِرينَ، كأنَّهُمْ أقْمَارُ ويُمتَّعُونَ بِنَظْرَةٍ قُدْسِيَّةٍ ... مِنْ ربِّهِمْ، سُبْحَانَهُ الجَبَّارُ في عُمْرِ عِيسَى، والجَمَالُ كَيُوسُفٍ ... وَبِطُولِ آدَمَ، كُلُّهُم أبْرارُ ثُمَّ الصَّلاةُ على النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... فَهُوَ الرَّسُولُ المُصْطَفَى المُخْتَارُ هَادِي الوَرَى وإمَامُهم وشفِيعُهُم ... أنْصَارُهُ الأمْلاكُ والأنْصَارُ صلَّى عليه اللهُ ما اهتزَّ الثَّرى ... فرحًا، إذا ما جاءتِ الأمطارُ آخرها (١)، وهي أحدٌ وأربعون بيتًا (٢). * * * * وله ــ أيضًا ــ عفا الله عنهما وأسكنهما جنَّته (٣): عزَّ التَصَبُّرُ، والفِرَاقُ (٤) رَمَاني ... بِسِهَامِهِ وترادفَت أحزْانِي أصْبَحْتُ مُكْتَئِبًا لِفَقْدِ أَحِبَّةٍ ... جُبِلَت جِبِلَّتُهُمْ على الإِحْسَان لا صَبْرَ لِي عَنْهُم، وكَيْفَ تَصَبُّرِي ... عَنْ سَادِةٍ رَحَلُوا مِنَ (٥) الأوطان خَلَتِ الدِّيَارُ، فأصْبَحُوا في بَلْقَعٍ ... يَا وَحْشَتَاهُ لِفُرقَةِ الإِخْوَانِ (٦)
следующие страницы →