← Тараджим

Тараджим · id 10485

العقود الدرية في مناقب ابن تيمية - ط عطاءات العلم

ابن عبد الهادي

Полный текст (658 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ربيبُ المعالي يافعُ الجُودِ والنَّدَى ... فتى العِلْم، كَهْلُ الحِلْم شيْخُ التأدُّب مُفَصِّل ما قد جاء من جُمَل النُّهى ... وإيضَاحُه لِلفَهم غير مقرَّبِ (١) بسيطُ معانٍ في وجيزِ عبارةٍ ... بِتهْذيبِهِ تعْجيزُ كُلِّ مُهذَّب وليس له في الزهد والعلم مُشْبِهٌ ... سوى الحسن البصري وابن المسيبِ (٢) ومن رام حَبْرًا غيرَه (٣) اليوم في الورى ... فذاك الذي قدْ رامَ عنقاءَ مُغْرِب أليس هو النَّدْبَ الذي بانتصارِهِ ... حبا الدين حتَّى بالإمامة قد حُبي (٤) وجاهد في ذاتِ الإلهِ بنفْسِهِ ... وبالمالِ والأهْلِينَ والأمِّ والأب ووازَرَهُ في حالتيه ابْنُ أُمّهِ ... فذَلِكَ عَبْدُالله، نِعْمَ الفَتَى الأَبِي عُقابُ المعالي ضَيغمُ الغابة، الذي ... فَرى كلَّ ذي غيٍّ بنابٍ ومِخْلب هُما ناصرا دين الإله وحاميا ... حِمَى خير خلق الله منْ نَسْل يَعْرُب مُقيمان كالإسلام في دارِ غُرْبَةٍ ... فيا حبَّذا في الله حُسْن التغرُّب خدَمْتُهُمَا مِنِّي بعقْدٍ مُنَضَّد ... بفِكْر سَوائي دُرُّهُ لمْ يُنَقَّب (٥) يشنِّفُ سمعَ الدَّهْرِ حسنًا إذا اغْتدى ... به الناظم (٦) التركيّ أفصحَ مُعْرِب

стр. 527

وما جئْتُ في مَدْحَيهما مُتطلِّبًا ... به عَرَضًا يفْنى (١)، ولا نيل منْصِب [ق ١٣٧] ولكنني أبغي رضا الله خالقي ... وأرجو به غُفران زلَّة مذنِب وأجْعَلُه لي في المعَاد ذخيرةً ... أفوزُ به في الحشْر مِنْ خَطْبه الوبي (٢) نجزت، وهي سبعة وستون بيتًا (٣). * * * * ومن القصائد التي رُثِيَ بها ــ ﵀ ــ: قصيدة (٤) الشيخ قاسم بن عبد الرحمن بن نصير المقرئ (٥)، وهي: عَظُمَ المُصَابُ وزَادَتِ الأفْكَارُ ... وجَرَتْ بحُكْم فراقِكَ الأقْدَارُ يا واحدًا في حِلْمِهِ وعُلُومِهِ ... خَلَتِ البِقَاعُ، وقلَّتِ النُّظَّارُ (٦) أَعَلى تقيّ الدِّين يَحْسُنُ صَبْرُنا ... ولِمِثْلِهِ تتهتّكُ الأسْتَارُ تجْري لِعُظْمِ فِرَاقِهِ عَبَراتُنَا ... أَسَفًا عَلَيْهِ، كأنَّها أمْطَارُ لَهْفي على بَحْر العُلُومِ وغَوصِهِ ... يَحْوي الجَوَاهِرَ باهرٌ زخَّارُ

стр. 528

يَنْثَالُ مِنْهُ إلى القُلُوبِ جَوَاهِرٌ ... والدُّرُّ مِنْ فِيْهِ السَّنيِّ نِثَارُ ولهُ بتَفْسِيرِ الكِتَابِ غَرائِبٌ (١) ... جُلِيَتْ لَهُ، وَكَذلِكَ الأخْبَارُ حَبْرٌ، لَبِيْبٌ أوْحدٌ في عَصْرِنَا ... سلْ ما تَشَاء، لهُ بِهِ إخْبَارُ غَلَبَ المُلُوكَ مَهَابةً وَشَجَاعَةً ... لَيْثٌ يهَابُ لِقَاءَه الكُفَّارُ (٢) ما كانَ إلَّا شامةً في شَامِنَا ... وعليه مِنْ تَقْوَى الإلهِ شِعارُ وَلَهُ مِنَ الله الكَرِيمِ عِنَايَةٌ ... وَلَهُ مِنَ الصَّبْرِ الجَمِيلِ دِثَارُ ما كانَ إلَّا دُرَّةً مَكْنُونَةً ... لا يَعْتَرِيهِ تَدَنُّسٌ وَغُبَارُ لا يَلْويَنَّ إلى الحُطَامِ تعفُّفًا ... وعَلَيْهِ مِنْ تَقْوَى الإلهِ وقَارُ ما كانَ إلَّا خيرَ أُمَّةِ أحْمدٍ ... شَخَصَتْ لِعُظْمِ مُصَابِهِ الأَبْصَارُ (٣) وَمُجَاهِدًا في الله حقَّ جِهَادِهِ ... بَحْرُ النَّدى وَنَوالُه مِدْرَارُ وَلَهُ الزَّهَادَةُ وَالعِبَادَةُ مَنْهَجٌ ... وَبسُنَّةِ الهادي لهُ اسْتِبْصَارُ حاز العُلُوْمَ، أصُولَها وفُرُوعَها ... وَبِكُلِّ ما يُرْوى لَهُ آثَارُ يَلْوِي عَنِ الدُّنيا، وما يَعْنَى (٤) بها ... وَزَواه عَنْهَا الوَاحِدُ القَهَّارُ لما افتناه هَدَاهُ مِنْهَاجَ الهُدَى ... وعَطَاءُ رَبِّك وَافِرٌ مِكْثَارُ

стр. 529

نَزَلَ القَضاءُ بهِ فآنَس رَحْمَةً ... مِنْ ربِّه، لا تُدْفَعُ الأقدارُ بَكَتِ السَّماءُ عَلَيْهِ يَوْمَ فِرَاقِهِ ... أسَفًا وجاء الغَيْثُ والأمطارُ وبكى الشَّآمُ ومُدْنُهُ وبِقَاعُه ... لمَّا مضى، وكذلك الأمصارُ أوَمَا نَظَرْت إِلَيه فَوْقَ سَرِيرِهِ ... حَفَّتْ بهِ منْ رَبِّه الأنْوارُ والنَّاسُ مِنْ باكٍ عَلَيْهِ بحسرةٍ (١) ... وَدُمُوعُهُمْ فَوْقَ الخُدُودِ غِزَارُ وهُمُ أُلوفٌ، لَيس يُحْصي جَمْعَهم ... إإلَّا إلهٌ غَافِرٌ سَتَّارُ نَزَلُوا بِهِ، كَالبَدْرِ في إشْرَاقِهِ ... فَتَبَاشَرتْ بِقُدُومِهِ الأقْطَارُ عَبْدُ الحَلِيْمِ، وَجَدُّهُ سَعِدُوا به ... وأخوه عَبْدُالله والأبْرَارُ وَلِمثْلِ هذا سَارَعُوا أَهْلُ التقى ... فازوا بما فازتْ بهِ الأخْيَارُ الله يُكْرِمُهُ بأفْضَلِ رَحْمَةٍ ... في جنَّةٍ مِنْ تَحْتِها الأنْهَارُ أكْوابُها مَوْضُوعَةٌ، وقِبَابُها ... مَرْفُوعَةٌ حَفَّتْ بِهَا الأنْوارُ وكؤُوسُها قدْ أُدْهِقت، وقُصُورُها ... قدْ أشْرَقتْ مِنْ فَوْقِهَا الأسْتَارُ وصِحَافُها منْ فِضَّةٍ، ولِبَاسُهُم ... مِنْ سُنْدُسٍ، وطعامهم أطيارُ [ق ١٣٨] والحُورُ في تِلْك الخِيَام بِبَهْجَةٍ ... لَكنَّهُنَّ علَى المدَى أبْكَارُ عُرُبًا لأصحاب اليَمِينِ، فلَيتَنا ... مِنْهُم إذا صِرْنَا إلى ما صَارُوا وعَلَى الأرائِك يَنْظُرُونَ نَعِيمَهُمْ ... وعَلَيْهِمُ كأْسُ الرَّحِيْق تُدَارُ (٢)

стр. 530

ووجُوهُهُم مِثْلُ الصَّبَاحِ إذا بدا ... لِلنَّاظِرينَ، كأنَّهُمْ أقْمَارُ ويُمتَّعُونَ بِنَظْرَةٍ قُدْسِيَّةٍ ... مِنْ ربِّهِمْ، سُبْحَانَهُ الجَبَّارُ في عُمْرِ عِيسَى، والجَمَالُ كَيُوسُفٍ ... وَبِطُولِ آدَمَ، كُلُّهُم أبْرارُ ثُمَّ الصَّلاةُ على النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... فَهُوَ الرَّسُولُ المُصْطَفَى المُخْتَارُ هَادِي الوَرَى وإمَامُهم وشفِيعُهُم ... أنْصَارُهُ الأمْلاكُ والأنْصَارُ صلَّى عليه اللهُ ما اهتزَّ الثَّرى ... فرحًا، إذا ما جاءتِ الأمطارُ آخرها (١)، وهي أحدٌ وأربعون بيتًا (٢). * * * * وله ــ أيضًا ــ عفا الله عنهما وأسكنهما جنَّته (٣): عزَّ التَصَبُّرُ، والفِرَاقُ (٤) رَمَاني ... بِسِهَامِهِ وترادفَت أحزْانِي أصْبَحْتُ مُكْتَئِبًا لِفَقْدِ أَحِبَّةٍ ... جُبِلَت جِبِلَّتُهُمْ على الإِحْسَان لا صَبْرَ لِي عَنْهُم، وكَيْفَ تَصَبُّرِي ... عَنْ سَادِةٍ رَحَلُوا مِنَ (٥) الأوطان خَلَتِ الدِّيَارُ، فأصْبَحُوا في بَلْقَعٍ ... يَا وَحْشَتَاهُ لِفُرقَةِ الإِخْوَانِ (٦)

стр. 531

إنْ أوْحَشُوا نَظَرِي، فقَلْبِي مَوْطِنٌ ... وَعِمارَةُ الأوْطَانِ بالسُّكَّان لَمَّا سَمِعْتُ بأنَّ أحْمَدَ قَدْ قَضَى ... نَحْبًا على التوحيدِ والإيْمَان وَلِقَاءِ رَبٍّ، لا مَرَدَّ لِحُكْمِهِ ... سُبْحَانَهُ مِنْ قَادِرٍ مَنَّان عَظُمَتْ مُصِيبَتُنا لِسَيِّدِ عَصْرِنَا ... في شَرْحِ سُنَّةِ (١) أحمدٍ بِبَيَان وَالعِلْمُ حازَ أُصُولَه وَفُرُوعَهُ ... وغرائِبَ التفسيرِ لِلْقُرْآن وَيُنَاظِرُ الفُقَهاءَ في أقوالِهمْ ... وَيُجِيبُهُم بالثَّبْتِ والتِّبْيَان غَلَبَ المُلُوكَ بثَبْتِهِ وَجَنَانِهِ ... وَشَجَاعَةٍ بَلَغَتْ إلى غازَان أفْدِيهِ مِنْ بَطَلٍ يُلاقي عُصْبةً ... منْهُمْ، بِلا عَوْنٍ، ولا أعْوَان مَنْ ذا يقُومُ مقَامَهُ في عصْرِنَا ... أوْ ما مضَى من (٢) سَالِفِ الأزْمَان وَلَهُ الزَّهَادَةُ والعِبَادَةُ مَنْهَجٌ ... وَكَذَا يَكُونُ العَالِمُ الرَّبَّانِي سَارَتْ رَكَائِبُه إلَى دَارِ الجَزَا ... مُتَمَسِّكًا بموَاعِدِ الرَّحْمَن أوَمَا نَظَرْتَ إليه فَوْقَ سَرِيْرِهِ ... حَفَّتْ به الأنوارُ بالإمْكَان والنَّاسُ مِنْ حَولِ الجَنازَةِ أحْدَقُوا ... كُلٌّ يَجُودُ بِعَبْرَةِ الثَّكْلان وهمُ أُلُوفٌ لَيْسَ يُحْصِي جَمْعَهُم ... إلَّا إلهٌ عَمَّ بِالغُفْرَان نَزَلُوا بهِ كالبَدْرِ في إشْرَاقِهِ ... فَتَبَاشَرَتْ بقُدُومِهِ القَمَرَانِ (٣) عبدُ الحَلِيْمِ أَبُوهُ سَيِّدُ عَصْرِهِ ... وَأَخُوهُ عَبْدُالله حَبْرٌ ثَانِ (٤)

стр. 532

والمَجْدُ حَاز المَجْدَ في عَصْرٍ مَضَى ... في الجَرْحِ والتَّعدِيلِ والبُرْهَان ولِمثْلِ هذا سارَعُوا أَهْلُ التُّقَى ... فَازُوا بِأَرْفَعِ رُتْبَةٍ وَأَمَان في جَنَّةٍ أنْوارُهَا قدْ أشْرقت ... وَقُطُوفُها لِلقاطِفِيْن (١) دَوَاني أكْوابُها مَوْضُوعَةٌ وَقِبَابُهَا ... مِن لؤلؤٍ مَرْفُوعةُ البُنْيَان والنُّورُ يَغْشَى أَهْلَهَا وَهُمُ عَلَى ... تِلْكَ الأسِرَّةِ في رضًى وَأَمَان وَلِبَاسُهُم مِنْ سُنْدُسٍ وخِيَامُهُم ... قَدْ أُلْبِسُوا مِنْ أَحْسَنِ التِّيْجَان [ق ١٣٩] ولأهلها مَا يَشْتَهُونَ وشُغْلُهُم ... باللهِ لا بالحُورِ والغِلْمَانِ (٢) منهم تقيُّ الدين فازَ بزهده ... وبصبره في طاعة الرحمن ثم الصلاةُ على النبيِّ محمدٍ ... خيرِ الأنامِ ومَعْدَنِ (٣) الإحسان هادٍ وأول شافعٍ ومشفَّعٍ ... وله الوسيلةُ مُظهر الإيمان ما حنَّ مشتاقٌ إلى وادي منى ... وتطوَّفوا بالبيت والأركان آخرها (٤)، وهي أحدٌ وثلاثون بيتًا. * * * *

стр. 533

ومنها للشيخ علاء الدين ابن غانم (١): أيُّ حَبْرٍ قضى وأيُّ إمَامٍ ... فُجِعَتْ فيه مِلَّةُ الإسلام ابنُ تيمية التقيّ إمام الْـ ... ـعَصْر (٢) من كان شامةً في الشآم بحْرُ عِلْمٍ (٣) قَدْ غَاضَ مِنْ بَعدِ ما فَا ... ضَ نَداهُ، وعَمَّ بالإِنْعَام زَاهِدٌ، عابدٌ، تنزَّه في دُنـ ... ـيَاهُ عَنْ [كُلِّ ما بِهَا] (٤) من حُطَام كانَ كنْزًا لكُلِّ طَالبِ عِلمٍ ... وَلِمَنْ خَافَ أن يُرى في حَرَام ولِعَافٍ، قد جاء يشكُو مِنَ الفَقْـ ... ـرِ لَدَيْهِ يَنَالُ كلَّ مَرام حازَ علمًا فما له من مُساوٍ ... فِيْهِ، من عَالمٍ، ولا مِنْ مُسامي (٥) لَمْ يَكُنْ في الدُّنا لَهُ مِنْ نَظِيرٍ ... في جميع العُلُومِ والأحكام (٦)

стр. 534

كانَ في عِلْمِهِ وَحِيْدًا فَريدًا ... لم يَنَالُوا ما نَالَ في الأحْلام عَالِمٌ في زَمَانِهِ، فَاق بالعِلْـ ... ـم جَمِيعَ الأئمةِ الأعْلام كلُّ مَنْ في دمشق نَاحَ عليه ... بِبُكاءٍ، مِنْ شِدَّةِ الآلام فُجِعَ الناسُ فيه في الغَرْبِ والشَّرْ ... قِ، وَأَضْحَوا بالحُزْنِ (١) كالأَيْتَام لو يفيد الفِداءُ فادوه بالأر ... واحِ منهم من الرَّدَى والحِمَامِ (٢) أوحدٌ، فيه قد أُصيبَ البرايا ... فيُعَزَّى فيهِ جَمِيعُ الأنَامِ (٣) وعزيزٌ عليهم أن يروه ... غابَ بالرّغم في الثرى والرَّغام لا يُرى مثلُ (٤) يومِه عندما سا ... رَ على النَّعْش نحو دار السَّلام حَمَلُوهُ على الرِّقَاب إلى القَبْـ ... ـرِ وَكَادُوا أنْ يَهْلِكُوا بالزِّحَام صَارَ جارَ الإلهِ، رَبّ السَمَوا ... تِ، الرحِيم، المُهَيْمِن، العَلَّامِ (٥)

стр. 535

قدَّس الله رُوحَهُ وسَقَى قَبْـ ... ـرًا حَوَاهُ بهاطِلاتُ الغَمَامِ (١) فَلَقَدْ كَانَ نَادِرًا في بَنِي الدَّهْـ ... ـرِ، وَحُسْنًا في أوْجه الأيَّامِ (٢) * * * * ومنها للقاضي الإمام زين الدين أبي حفص عُمَر بن المظفر بن عمر بن محمد بن أبي الفوارس بن علي بن الوردي المغربي الشافعي النحوي ــ ﵀ ــ (٣). قلوبُ الناس قاسيةٌ سِلاطُ ... وليس لها إلى العليا نشاطُ (٤)

стр. 536

أينشطُ قطّ بعد وفاة حَبْرٍ ... لنا من نَثْر جوهره التقاطُ (١) تقيُّ الدين ذو وَرَعٍ وعِلمٍ (٢) ... خُروق المُعْضِلات به تُخاطُ توفي وهو محبوسٌ فريد (٣) ... وليس له إلى الدُّنيا انبساطُ ولو حضروه حينَ قَضى لألْفَوا ... ملائكةَ النَّعيم به أحاطوا قضى نَحْبًا وليس له قرينٌ ... وليسَ يَلُفّ مُشبِهَهُ القِمَاطُ (٤) [ق ١٤٠] فتًى في علمه أضحى فريدًا ... وحلُّ المُشْكلاتِ به يُناطُ (٥) وكان يخاف إبليسٌ سَطَاه ... لوعظٍ (٦) للقلوبِ هو السِّياطُ فيا لله ما قد ضَمَّ لَحْدٌ ... ويا لله ما غَطَّى البلاطُ (٧) وحَبْس الدرِّ في الأصدافِ فَخْرٌ (٨) ... وعندَ الشّيخ بالسَّجْن اغْتِباطُ (٩)

стр. 537

بنو تيميَّةٍ كانوا فبانوا ... نجومُ العلمِ أدْرَكها انْهِبَاطُ ولكنْ يا ندامتنا عليه ... فشكُّ المُلْحِدين به يُماطُ (١) إمامٌ لا وِلايةَ قطُّ عانى (٢) ... ولا وقفٌ عليه ولا رِباطُ ولا جارى الوَرَى في كَسْبِ مالٍ ... ولم يَشْغَلْه بالناسِ اخْتِلاطُ (٣) ولولا أنهم سجنوه شرعًا ... لكانَ به لِقَدْرهمُ انْحِطاطُ (٤) لقد خَفِيَت عليَّ هنا أمور ... فليس يليقُ لي فيها انْخِراطُ وعِنْدَ الله تجتمعُ البَرَايا ... جميعًا وانطوى هذا البِساطُ * * * *

стр. 538

ومنها للشيخ الأديب مُجير الدين أبي العباس أحمد بن الحسن بن محمد البغدادي ثم الدمشقي الخيَّاط ﵀ (١): خَشَعتْ لهيبةِ نَعْشكَ الأبصارُ ... لمَّا عليهِ تبدَّت الأنوارُ (٢) وبه الملائكةُ الكرامُ تطوَّفتْ (٣) ... زُمَرًا، وحَفَّت حَولَهُ الأبرارُ فكساهُ رَبُّ العرشِ نورًا ساطِعًا ... فكأنَّما غَشِيَ النَّهارَ نهارُ ولأمّةِ الإسلام حَولَ سَريرهِ ... سامٍ إلى ربِّ السماء جُؤارُ (٤) ولهم دُموعٌ من خُشوعِ نفوسِهم ... وخُضوعِها (٥) فوقَ الخُدودِ غِزارُ وسَرَوا به فوق الإران (٦)، وتحتَه ... منهمْ يمينُ أنامل ويسارُ ولرحمةِ الرحمن ظِلٌّ سَجْسَجٌ (٧) ... يغشاهُمُ، وسكينةٌ ووقارُ فَلَكَمْ عيونٍ مِنْ تَموُّج مائها ... حُزْنًا تأجَّجَ في الجوانِح نارُ

стр. 539

كان (١) المماتُ زفافَ عُرسِ حياتِه ... وبه النفوسُ مع الدُّموع نِثَارُ إن كان عن (٢) أهلٍ وجيرانٍ نأى ... فلهُ دنا من ذي الجلالِ جِوارُ أو كان عن دار الفناء رحِيلُهُ ... فلديه من (٣) دارِ البقاء دِيارُ أو كان أُزْعِجَ عن ذُرَى (٤) أوطانِهِ ... فله بِخُلدٍ في الجنان قرارُ ما كان إلا مُزْنَ عِلمٍ رُوِّضتْ ... منهُ بِصَيِّبِ قطرِهِ الأقطارُ كالغيثِ أقلعَ بعدَ سحٍّ غيمُه ... وتخلَّفت مِنْ بعده الآثارُ ما كان إلا طَودَ عِلْمٍ باذخٍ ... من دون وَزْن حصاته القنْطارُ (٥) ما كان إلا بحرَ جُودٍ، كَفُّه ... تيَّارُهُ بنواله زخَّارُ ما كان إلا دِيمةً معروفُها (٦) ... بِهباته لعفاته مِدْرارُ ما كان إلا البدرَ عندَ كمالِهِ ... وافاه مِنْ نقصِ التّمامِ سِرارُ ما كان إلا خيرَ أُمة أحمدٍ ... في العصرِ، لم تسمح به الأعصارُ حَبْرٌ، وبحرٌ، للمكارم والتُّقى ... والجودِ، والإحْسَانِ فيه بحارُ وَلَكَمْ لأحمدَ في المحامدِ رتبةً ... عن (٧) طولِها تتقاصرُ الأفكارُ

стр. 540

وله الشعورُ بكلِّ علمٍ نافعٍ ... عقلًا ونقلًا، في الأنام شعارُ وله التزهّد، والتعبُّد، والتقى ... ما بين أرباب الدُّثور دِثارُ [ق ١٤١] وله إذا فَخَر الفَخَور بزينة الد ... نيا بتشعيث (١) الحياة فَخارُ ولأشرف الأشياء علمٌ نافعٌ ... لا دِرْهَمٌ يُقْنى (٢)، ولا دِينارُ إن أظْلَمت سُبلُ النُّهى لِسُكونه ... فلِذِكْره في الخافِقَين منارُ ولقد علا الإسلامَ جَلُّ مُصابِه ... لكنها لا تُدْفَعُ الأقدارُ لو كانَ في الدنيا يدومُ مُخلَّدًا ... بَشَرٌ، لخُلِّد أحمدُ المُخْتارُ ولكُلِّ حيٍّ خَلْع ثوبِ حياتِهِ ... علمًا بأنْ ثوبُ الحياةِ مُعارُ فيمَ (٣) النَّجاةُ؟ وكلُّ حَيٍّ ميِّتٌ ... إلّا الإلهُ الواحِدُ القهَّارُ ولقد أَسِفْتُ على فراقي أحمدا ... إذْ ليس لي قُضِيَت به الأوطارُ لو كان يُفْدَى هان عند فدائه الـ ... أموالُ، والأولاد، والأعمارُ قد كان مغناطيسَ أفئدةِ الوَرَى ... أُنْسًا، ولكنْ في القليلِ نِفارُ (٤) ما كنتُ أحْسِبُ أنَّ يومَ وفاتِه ... يَبْدو المَصونُ وتُهْتَك الأستارُ بَكَرَ النِّساءُ (٥) من السُّتور ثواكلًا ... ومن الخدور النُّهَّدُ الأبكارُ والناسُ أمثالُ الجرادِ، لهم على الـ ... ـتَّابُوتِ منهُ تهافتٌ ودُوارُ

стр. 541

فكأنّه يعسوبُ نَحْلٍ نحوه ... حيًّا وميتًا للنُّفوس نظارُ (١) مَلأتْ مَحاسنُه البلادَ، ونوَّهت ... بحديثِ مُعْجزِ فَضْلِه الأمصارُ وجرى بأفواه الأنام ثناؤه ... فالأرضُ روضةُ ذِكْره المِعْطارُ يَفنَى الزَّمانُ ويَنْقضي وبأحمدٍ ... وحديثِه تتحدَّثُ السُّمَّار فأحلَّه الرحمنُ دارَ أمانِهِ ... ليزولَ من خوفٍ عليه حِذَارُ وحباه ظلًّا ضافيًا (٢) في جَنةٍ ... فيحاءَ، تَجْري تحتَها الأنهارُ * * * * وله أيضًا عفا الله عنهما برحمته (٣): لِمُصابِ البرِّ التَّقيِّ الإمام ... كُلُّ دَمْعٍ من الورى في انْسِجام والبَواكي لهم عليه نُواحٌ ... كفقيداتِ صادِحاتِ الحَمام مات يوم الاثنين، والسِّرُّ فيه ... غيرُ خافٍ على ذوي الأفهام مَوتةً عَظَّم المُهيمِنُ فيها ... قَدْرَهُ في عُموم جمعِ الأنام حفَّه الناسُ أجمعون رجالًا ... ونساءً، سَعْيًا على الأقدام ومشوا تحت نَعْشِه، وهو مِنْ فَوْ ... قِ رُؤوسِ الأعيان والحُكَّامِ (٤)

стр. 542

يُسْبِلون الدُّموع من خشية اللـ ... ـه، وحُزنًا كمُسْبلات الغمام وضجيجُ العباد سرًّا وجَهْرًا ... كدَويٍّ في سامقِ الجوِّ سام يَا لَهُ مكْفهِرَّ يومٍ عبوسٍ ... عاث في غارِبِ السُّهى (١) والسَّنام كم بِهِ عاينَ الهلاكَ قَويٌّ ... ذُو نشاطٍ لِفَرْطِ كَظِّ الزِّحام يا لها مِن رَزِيَّةٍ كان فيها ... يومُ بؤسٍ في طُولِه فوق عام جلَّ فيه المُصابُ، حتَّى لقد ... دَقَّ تعبيرُه (٢) على الأوهام كان شيخَ الإسلام في العلمِ والزُّهـ ... ـد وحلَّال (٣) مُشْكلاتِ الكلام فقد الناسُ منهُ حبرًا (٤) عليمًا ... هدْيُهُ كالأئمةِ الأعلام مِنهُ حُبُّ الكتاب والسنة المُثْـ ... ـلَى، جرى في عُرُوقِهِ والعِظام بلغَ الأوجَ من سماءِ المعالي ... وتسامَى عِلمًا على كُلِّ سامي وطَوى ذِكْرُه البلادَ انتشارًا ... فهو حتَّى المعادِ في الناس نامي [ق ١٤٢] كان جبرَ الكسير (٥) إن هاضه الدَّهـ ـرُ، وعونَ العاني، وحَطْمَ الحُطَام كان حُبُّ الدنيا إليه بغيضًا ... فوق [بُغْضِ] الصَّحيحِ ثوبَ السَّقام

стр. 543

كان لا يَرْهَب الملوكَ ولا يرْ ... غَبُ فيما لهم من الإنعام كان وِترًا في الفضل فذًّا (١)، وكلُّ النـ ... ـاس جاءوا بشَفْعِهم والتُّؤام كان سَمْحًا، بمثله الدَّهرُ كزٌّ (٢) ... في ليالي الزّمان والأيّام كان سطرًا في جَبْهة الدَّهْرِ يُقرا ... في البرايا، وشامةً في الشآم كان نَفْعًا لكلِّ من خاف ضُرًّا ... في سبيلي حلاله والحرام لم يَكُن ذا تأنُّقٍ في متاعٍ ... ولِباسٍ، ومَشْرب، وطعام كان يَخشْى داءً، ويرجُو (٣) دواءً ... وشفاءً لكُلِّ داءٍ عُقامٍ كان في الله ذا انتقامٍ ولا يُو ... جدُ يومًا لنفسه ذا انتقام كان نُورًا (٤) يُهْدَى به ذو ضلالٍ ... كان بحرًا، يُرْوى به كُلُّ ظام كان كاللّيثِ بالنوائب (٥) فتكًا ... كان كالغيثِ بالمواهبِ هام في يديه وصدرِهِ كلُّ بحرٍ ... زاخِرٍ بالنَّوالِ والعلمِ طام أيُّ نَدْبٍ، شَهْمٍ، شُجاعٍ، جوادٍ ... أروعٍ (٦)، ماجدٍ، سريٍّ، هُمام قام لمّا تَذْبذبَ النَّاسُ بالذّبْـ ... ـبِ عليهم لما نبا كلُّ حامِ (٧)

стр. 544

كم له في حَنادس الخَطْبِ والنا ... سُ نِيَامٌ حتى الضُّحى مِنْ قيامِ (١) وجميعُ الأنامِ من شدَّة الخو ... فِ نِيَامٌ من الرَّدَى في منام وبنو فارسٍ قد افترسوا النا ... سَ افتراسَ الأسودِ سَرْح السَّوام ودمشقُ الشآمِ بَعدَ انبساطٍ ... من ضواحي رُسْتاقها في انْضِمام إذ غزانا عِلْجُ العلوج غَزَانٌ ... وغَزانا من فارسٍ بالطَّغَام فأعادَ العزيزَ مِنَّا ذليلًا ... ذا صَغَار، ينقادُ كالأنعام فنضاهُ الجبَّارُ، جلَّ ثناهُ ... في وُجوه العِدى كحدِّ الحُسام فحمانا (٢) بالله من كلِّ طاغٍ ... لا برمحٍ، وصارمٍ، وسِهام يا لهُ حينَ فرَّ كلُّ كَمِيٍّ ... مِنْ حُماة الإسلام عنَّا: مُحامي يا ابن تيميَّةٍ، عليك خصوصًا ... وعمومًا تحيَّتي وسلامي يا سليلَ العُلا، عليك القوافي ... قد بكت في الطُّروسِ بالأقلام يا فقيدَ المثال علمًا وحلمًا ... وقريبَ المَرْمَى، بعيدَ المَرام يا بطيء الإحْجامِ إن عزَّ خَطْبٌ ... وسريعَ القيام والإقدام يا محلًّى وكاسيًا (٣) كلَّ فضلٍ ... ومُعَرًّى من كلِّ عارٍ وذام يا سَريعَ الإقْدامِ إن عنَّ خَطْبٌ ... وكثيرَ القيام جُنْحَ الظَّلامِ (٤)

стр. 545

كُفَّ طَرْفي إن لذَّ مِنْ بعد مَرْآ ... ك لأجفانه لذيذُ المنام وبودِّي ــ بفقد (١) شخصك ــ لو حا ... م على أيْكتي حَمامُ حِمامي ولعمري، يا من له في فؤادي ... لحْدُ ذكرٍ، دوامُه بدوامي إن حللتَ الثَّرى فروحُك حلَّتْ ... يا ابنَ عبدِالسَّلام، دارَ السّلام فسقى تربةً حَواك ثراهَا ... كُلُّ مُزْنٍ بوابِلِ وَرِهام وإذا شحّت (٢) السّواري بسحٍّ ... والغوادي جُدْناكَ بالدمعِ دامي * * * * وله عفا الله عنهما (٣): بمصرعك الناعي أصمَّ وأسْمعا ... وصُمَّ الصَّفا مِنْ صَدْمةِ الحُزْن صدَّعا [ق ١٤٣] فكم مُقلةٍ جفَّت جمودًا من الأسى وكم مُهجةٍ سالت من الدمع أدْمُعا وكم ثاكلٍ بالنَّوح والنَّدْب رجَّعتْ ... وكم فاضلٍ بالنَّظم والنَّثْر سَجَّعا ولم يبقَ ذُو علمٍ وزهدٍ من الورى ... لفقدِك إلّا كاسفَ البال موجَعا تنكَّرت الدُّنيا على كلِّ عارفٍ ... رأى منك مأهولَ المنازِل بَلْقعا

стр. 546

جعلتُ لمن أخلى مَصيفًا ومَرْبعًا ... فُؤادي وأجفاني مَصيفًا (١) ومربعا فيا أحمدَ المحمودُ، قد كُنْتَ للهدى ... منارًا، وللشَّرْع الحنيفيِّ مَشْرعا وللدِّين والدُّنيا ضياءً وبَهْجةً ... إذا لاحَ وجهُ الخطْبِ أسْودَ أسْفَعا (٢) رُمِينا بِرُزْءٍ منك، لم تَسْتَطِع له ... برأيٍ شديد الأيْد والكيْدِ مَدْفعا رحَلْتَ عن الأوطان رِحْلةَ نازحٍ ... إليهنَّ لم تُزْمِع مَدى الدَّهر مَرْجِعا لقد كنتَ عن شرٍّ بطيئًا ووانيًا ... وفي طلب الخيراتِ عجلانَ مُسْرِعا وللحِلْم طَودًا راسخًا باذِخَ الذُّرَى ... وللجُود والإحسان والعلم مَنْبعا (٣) ورُكنًا لدين الله حين تهدَّمتْ ... قواعِدُه منه وهًى وتَضَعْضُعا ورَوضَ عُلوم ناضرًا عاد مُمْعِرًا ... وصوَّح منه كلُّ ما كان مُمْرِعا (٤) ومَجْمَع (٥) شَمْلٍ شتَّت الشملَ فقدُهُ ... وأنواعُ أشتات النوائب جَمَّعا وحبرًا حوى حَيزُومُه (٦) وبنانُه ... بِحارَ النَّدى والجود والعلمِ أجْمعا سرى ذكرُه في الأرض شَرْقًا ومغربًا ... سُرى نَشْر عَرْفِ المَنْدَل الرَّطْبِ ضوَّعا

стр. 547

وجازتْ مَساعِيه الكواكبَ عِدّةً ... مع القَطْر إذْ فاتت رمالًا ويرمَعا (١) فيا حُكمه (٢) ما كان في القلب أوجعا ... ويا يومَه، ما كان في العين أفْظعا ويا لك من خَطْبٍ جليلٍ وحادِثٍ ... عَدِمْنَا به الشَّهْمَ الجوادَ السّمَيدْعا ومن يوم بؤسٍ عابسِ الوجهِ كالحٍ ... سبانا إمامًا (٣)، يؤمن الرَّوْعَ أرْوَعا مُطيعًا لربِّ العَرْش لم يَعْصِ أمرَه ... ومنه له في العَصْر لم نر أطْوعا مُنيبًا إليه قائمًا بِحُدوده ... إلى حين ولّى، مُذْ نَشا وتَرَعْرعا هِزَبرٌ ومِقْدامٌ على الهول لم يَهَبْ ... مليكًا بِمَنْع المُنكرات ممنَّعا (٤) شجاعُ جِلادٍ (٥) في جدال بُحُوثه ... يعيدُ جَبانًا كلَّ من كان أشْجَعا يصولُ بسيفِ العلم في مَعْرك النُّهى ... وأرْماحُ شَرْع الجهل أقْبَلنَ شُرَّعا وفي عَصْره كم من إزالة بدعةٍ ... ومُنْكرِ (٦) فِعْلٍ قد أجاد وأبْدعا وما كان إلا الشمسَ في ليل باطلٍ ... يُرينا بنورٍ منه للحقِّ مَطْلعا فكم من ظلام الظُّلم زَحْزَح غَيهبًا ... بساطع نور العَدْل من حين شَعْشَعا وكم من كراماتٍ له ومناقبٍ ... يضيقُ بها وُسْعُ الزَّمان توسُّعًا

стр. 548

وكم من طريقٍ في المباحث مُبهمٍ ... بإيضاحه أضحى لساريه (١) مَهْيعا وكم سامه النُّقصانَ والخَفْضَ حاسدٌ ... وخُصَّ كمالًا زائدًا وترفُّعا تولَّى عن الدنيا حميدًا ولم يكُنْ ... لزخرفها المَذْمومِ يُبدي تطلُّعا وعاش إلى أن مات لم يُعْطِ نفسَه ... بتأميل ما في دار دُنياه مَطْمَعا إمامٌ عليمٌ خاشعٌ متواضعٌ ... لِهَيْبَتِهِ تُغضي النواظرُ خُشَّعا سحابُ علوم روَّض الأرضَ فضلُه ... وألبَسَها بُرْدَ البيان الموسَّعا ونضَّر منها بالفضائل أوجُهًا ... وتَوَّجها تاجَ المعالي المُرَصَّعا وخلَّفها من بعد صيِّب صوبه ... عليها رياضًا للعقول وأقلعا كذا المُزْن، أنَّى جاد (٢) بالوابل الثرى ... وروَّى صداها حُقَّ أن يتقَشَّعا [ق ١٤٤] فلله مفقودٌ فقدناه نافعٌ ... لنا منه ــ غير الله ــ لم نَرَ أنفعا شُغِفْنَا به في الله حُبًّا، فلم نَدَعْ ... هواه لغير الله في القلب مَوْضعا عليك أبا العباس أحمدَ لم يزل ... فؤادي بتَذْكارِ الفِراق (٣) مُرَوَّعا إلى أن يُريني الله وَجْهك سافرًا ... بنَضرته يومَ المعادِ مُبْرقعا (٤) * * * *

стр. 549

(١) ومنها للشيخ الإمام صفيّ الدين عبد المؤمن بن عبد الحق، مُدرِّس البشيرية ببغداد ﵀ (٢): طِبْتَ مثوًى يا خاتم العلماء ... في مقام الزُّلفى مع الأتقياء أولياء الرحمن والسَّادة الغُرْ ... رِ الهُداة الأئمة الصُلحاء ويح للموت كم طوى بك من عِلْـ ... مٍ غزيرٍ وفِطْنةٍ وذكاء وبيان يشفي القلوبَ من الغَيْـ ... ـيِ ويجلو عنها صدى الغمّاء (٣) أين تلك العلوم والمنطق الصا ... ئب عند السؤال والإفتاء أين ذاك الخُلُق الجميل وحُسْن الـ ... ـبِشْر للزائرين عند اللِّقاء رَمِدَت مُقلةُ الفضائل مُذْمِتْـ ... ـتَ وقرَّت عيونُ أهلِ الشَّقاء حينَ لا عالمٌ يردُّ الذي قا ... لوا وما نمَّقوه للإغواءِ (٤) من ضلالات أهل فلسفة اليو ... نان والإِعتزال والإرجاء (٥)

стр. 550

وذوي الرَّفض من يدينون بالطّعْـ ... ـن على الصالحين والإزراء مَنْ يحلّ الشكوكَ بعدك والمَرْ ... دود مِنْ شبهةٍ وقولٍ هُراءِ (١) مَنْ لتبيين مُشكلٍ (٢) قَصُرت عنـ ... ـه عقولٌ لِمَا به مِنْ خفاء مَنْ لقَمْع (٣) الخصم المجادل في الدّيـ ... ـن عنادًا مِنْ ملَّةٍ عَوجاء مَنْ ترى للغريب بعدك يلقا ... هُ بوجهٍ طَلْقٍ وفضلِ حِباء (٤) ضاع من بعدِك الغريبُ فما يلْـ ... ـقى مُعينًا له على اللأواءِ (٥) أيما عالمٍ نعاه لنا النا ... عي وحبرٍ قد صِين في الغَبْراء أيُّ حبرٍ قد غيَّضته المنايا ... في رَجَا حُفرةٍ من الأَرْجاءِ (٦) أعلمُ الناسِ كُلِّهم بكتاب اللْـ ... لَهِ جلّ اسمُه بغير مِراء بمعانيه والعلومِ التي فيـ ... ـه وأدرى بالسُّنة الغرَّاء مِنْ أحاديث سيد الرُّسل يرويـ ... ـه كِبَارُ الأئمَةِ النُّبلاء مِنْ صحيحٍ ومِنْ سقيم وأخْبا ... رِ الرواةِ الثِّقَاتِ والضُّعفاء وبآثارِ صَحْبِه وفتاوي ... مَنْ أتى بعْدَهم مِن العلماء

стр. 551

وبإجماعهم وما اختلفوا فيـ ... ـه من الحُكمِ سادةُ الفقهاء حاله إن نظرْتَ فيها تجِدْها (١) ... مثلَ أحوالِ سادةِ الأولياء قانعُ النفس بالدَّنيِّ من العيـ ... ـش غنيًّا يُعَدّ في الفقراء مُؤثرًا بالذي لديه لِعافيـ ... ـهِ (٢) على نفسه بغير رياء وَرَعٌ ظاهرٌ (٣) ونُسكٌ وإخْبا ... تٌ وشكرٌ في شدَّةٍ ورخاء والتُّقى والعفافُ والزُّهد في الدنْـ ... يا حُلاهُ والصَّبرُ عند البلاء لم يزل جاهدًا يُجاهدُ للـ ... ـه قَبِيلَ الضلال والأهواءِ (٤) بجَنانٍ ثَبْتٍ وجأشٍ قويٍّ ... وفؤادٍ رأسٍ لدى الهيجاءِ (٥) يَزَعُ الخصمَ بالجواب عن الشكْـ ... ـكِ ويُدلي بالحجَّة البيضاء [ق ١٤٥] صابرًا نفسَه إلى أن قضى اللـ ... ـه بما قد قضى على الأنبياء ولقد أضمروا له السوءَ قومٌ ... للذي حُمِّلوا من البغضاء حسدًا منهم لما خصَّه اللـ ... ـه به من ملابس الفضلاء فاستحلّوا منه الذي حرّمَ اللـ ... ـه لِمَا أضْمروا من الشَّحْناء حرَّفوا قولَه كما حرَّف القو ... مُ نصوصَ القرآن للإغواء

стр. 552

ورموه (١) بكلِّ قولٍ شنيعٍ ... بيّن الكِذْب ظاهر الافتراء عَجَزوا عنه مرَّة بعد أُخرى ... فاستعانوا عليه بالإغراءِ (٢) هل يُباري العَضْبَ الصقيلَ كَهَامٌ ... صَدِئٌ في صرامة (٣) ومضاء أم يجاري (٤) الحميرُ في حَلْبة السّبْـ ... ـق جوادًا مُضمَّر الأحشاء لم ينالوا منه الذي أمَّلُوهُ ... بل رمى الله جَمْعَهم بالفناء يا تقيَّ الدين الذي صدقت فيـ ... ـه وحَقَّت مخايل الآباءِ (٥) عند تَلْقيبه كذلك قد كُنْـ ... ـتَ وسُمِّيت أحسنَ الأسماء يا ابن تيميَّة لقد (٦) فزت في الدُّنـ ... ـيا بذكرٍ باقٍ وحُسنِ ثناء وكذا أنتَ ــ يعلم (٧) الله ــ في الأُخْـ ... ـرى مع الصالحين والشُّهداء بُوّئتْ رُوحُك الشريفةُ في الجَنْـ ... ـنَة أعلى منازل السُّعداءِ (٨) وسَقَى قَبْرَك الرِّضى وأتاك الرْ ... رَوْحُ في كل (٩) بُكرةٍ وعشاء

стр. 553

وتوالَت عليك من نِعَم اللـ ... ـه ورضوانه صُنوفُ العطاء آخرها، وهي (١) ثمانيةٌ وأربعون بيتًا. * * * * (٢) ومنها للشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن عبدالكريم بن عبدالصمد بن أنوشروان التبريزي الأصل، الحنفي، المعروف بابن الكرشب (٣) رحمه الله تعالى: عمَّ المصابُ فلا تبكوا بغير دمِ ... على ابن تيميَّةٍ ذي العِلْم والحِكَم حبر البريَّة ولّى وهو في دَعَةٍ ... فكلُّ جَفْنٍ عليه لا يفيضُ (٤) عَمِي عارٌ على جَفْن عينٍ عاينته وقد ... أبانه البَيْنُ تلفى غَيرَ منسجم لو أن كلَّ تقيٍّ في الإنام فدى ... نفسَ الإمام تقيّ الدين لم يُلَم إذا تذكَّره من كان يألَفُه ... يهزّه الشوقُ من فَرْق إلى قَدَم ويستغيث لسَهْمٍ قد أُصيب به ... وأيُّ سهم به هذا المصابُ رُمي يا ثُلمةً ثُلِمَت في الدّين واتسعت ... ولست حتى اللقا والحشر تلتئمي

стр. 554

هيهات هل تسمح الدّنيا بمثل فتى ... تيميّةٍ أو يُرى في عالَمِ الحُلُم فقل لنفسٍ لبان اللُّطْف أرضعها: ... يا نفسُ قد مات ظِئرُ اللُّطْف فانفطمي قد كان عند ذوي التقوى الإمام تقيـ ... ـي الدين أحمد معدودًا من النّعم لكنَّ مَصْرَعه والله يرحمه ... على محبِّيه محسوبٌ من النِّقم كانت به تَفْخَر الدنيا وقد بقيت ... به تُفاخِر أجداثٌ ذوو رِمَم كانت مواعِظُه للزائغين عن الْـ ... ـحَقِّ السقيمين يشفيهم من السَّقَم والعلم والحلم والتقوى بهنَّ غدا ... في الناس أَشْهَر من نارٍ على علم والزهد في زخرفِ الدنيا وزينتها ... من وصفه كان مضمومًا إلى الكرم إلى فضائله العميانُ قد نَظَرت ... حقًّا وأصغى إليها كلُّ ذي صَمَم مولًى على حُبِّه الأرواحُ قد جُبِلَت ... ولستُ في هذه (١) الدعوى بمتَّهم [ق ١٤٦] ما ذاك إلا لما قد كان خَصَّصه ... به الإله من الأخلاق والشِّيَم ونورُ ربِّك لا يُطْفَى ولو حَرَص الـ ... ـحريص [يومًا] ومالا كلّ مؤتَثِم مَنْ للمسائل قد أعْيَت فيوضحها ... وضُوحَ بَرْقٍ لَموعٍ لاحَ في الظُّلَمِ (٢) ما إن رأى الناس أبهى من جنازته ... لما استقلَّت على الأعناق والقِمَم وحولَه وهو يُجْلَى كالعروس على ... سريره أممٌ ناهيك من أُمَم يضَّرَّعون إلى ربّ العباد به ... لِمَا به اختصَّه مولاه في القِدَم

стр. 555

بكى عليه مصلَّاه ومنبره ... وفي الخدور بكته أعْين الحُرُم والأرضُ تبكي عليه والسماءُ كذا ... قد جاء عن سيِّد الأعَرابِ والعَجَم لأنَّه العالم الحبر الذي أبدًا ... تُتلى مناقبه جهرًا بكلِّ فم هذا هو المجد حُقَّ الافتخارُ به ... لا بالتكاثر بالأموال والحَشَم يا جنّةَ الخُلْدِ وافيهِ مُزَخرفةً ... وأنتِ يا نار أشواق الورى اضطرمي ويا شموس العُلى غيبي لغيبته ... ويا مباني المعالي بَعْدَه انهدمي قد صار دَرْسيَ ذكراه أكرِّره ... وصِرْتُ فيه مُعيدَ الدَّرس للفهم ولي على ذاك معلومٌ أعيشُ به ... أنْ قد جُعِلت له من جملةِ الخَدَم فأعظمَ الله أجرَ الفاقدين له ... الواجدين ذوي الإخلاص كلّهم وأكرم الله مثواه وموضعه ... بوابلٍ من سحاب الجود والكرم والله يجمع في دار النعيم به ... قومًا يحبونه في الله ربِّهم تمت، وهي أربعة وثلاثون بيتًا. * * * * وله أيضًا (١): صبرًا جميلًا فالمصابُ كبير ... كادت جبال الأرض منه تمورُ وجسيمُ خَطْبٍ قد عَرى كلَّ الورى ... فُقِد الضياء وأظلمَ الدّيجورُ وانهدَّ ركنُ فضائل وفواضلٍ ... فعليهما ركنُ الأسى معمورُ وعلى تقيِّ الدين أحزانُ الورى ... لسحائب الدمع الغزير تُثيرُ

стр. 556

لولا ابتغاء الأجر لم يُحْمَد على ... صبرٍ على هذا المصاب صبورُ أفَلَت شموسُ المَكْرُمات وأظلم الشْـ ... ـشَام المنير وزال عنه النور نور الفتى التيميّ والقُطبِ الذي ... فلكُ العلوم عليه كان يدور حبرٌ به كان الزمانُ ومَنْ به ... يزهو ويُشرق في الدُّجى وينيرُ عَلَم التعبُّد والتزهُّد والتقى ... في سائر الدنيا له منشور ورسوخه في كلِّ علمٍ نافعٍ ... فحديثه بين الورى مشهور قد كان صدرًا في الصدور فمُذ نأى ... ضاقت على صَدْر الصدور صدور لا غَرْو أن فاضت عليه مدَامعٌ ... حرَّى وأن قُصِمت عليه ظهور تبكي السماءُ عليه والأرضُ التي ... لصفائها بفراقه تكدير وبكى مصلَّاه ومنبرُه ومو ... ضعُ دَرْسه والجامعُ المعمورُ وبكى الغمامُ لفقده وتفطَّرت ... عن أعْيُنٍ تجري عليه صُخور وكذاك ربَّاتُ الخُدور بكينَه ... وتهتَّكَت منها عليه سُتور نَشَرت له العَذَباتِ بانات اللوى ... عِوضَ الشعور وما لهنَّ شعور وعليه نُحْنَ على الأراك حمائمٌ ... يندُبْنَه أسَفًا وهنَّ طيور [ق ١٤٧] فالصَّبُّ إن صبَّ المدامع بعد من ... يهوى ومات فإنه معذورُ والناسُ في حزنٍ عليه وإنه ... عبدٌ بلقاءِ (١) ربِّه مسرور غار الإله عليه من أغياره ... فزواه عنهم والمحبُّ غيور فخلا به يتلو عليه كلامَه ... وله الحبيبُ مؤانسٌ وسمير حتَّى إذا اشتدَّ التشوُّق زَفَّه ... زفَّ العروسِ وذيلُها مجرور

стр. 557

وشعارُ كلِّ مُشَيِّعٍ لسريره: ... التسبيحُ والتهليلُ والتكبيرُ (١) ولقد سَرَت لسريره (٢) لما سرى ... سِيَرٌ لها حتى النشورِ نشورُ تفنى الليالي والزمانُ وذِكْرُهُ ... مُتجدِّدٌ بين الورى مذكورُ قد كان في الدنيا هلالًا لائحًا ... كلٌّ إليه بالبنان يُشيرُ وكذا جنازته تعالى الله لم ... يُنْظَر لها في العالمين نظيرُ ومن العجائب أنها نطقت على ... صمتٍ بما هو كامنٌ مستورُ إنَّ المشيِّع للجنازة لم يعد ... إلا وسائرُ ذَنْبه مغفورُ هذا هو الفضل المبين وهذه ... نِعَمٌ عليها ربُّنا مشكورُ لا أوحشَ الله الوجودَ من الذي ... أنِسَتْ به في الموحِشَاتِ قبورُ وإلى جِنانِ الله راحت روحُه ... يلقاه منها بَهْجةٌ وسرورُ طوبَى لميْتٍ جاور القبرَ الذي ... فيه فتى تيميَّةٍ مقبور بل فاز نُزَّالٌ ثووا بجنابِه ... إنَّ الكريمَ نزيلُه مَخْفورُ فينال حتى الحشرِ من بركاته ... وعليه ينزلُ رحمةٌ وحُبورُ يا ربِّ فاجمع بيننا في جنة الـ ... ـمأوى فأنتَ لِمَا تشاءُ قديرُ تمّت، وهي ستةٌ وثلاثون بيتًا (٣).

стр. 558

وله أيضًا (١): لِفَقْد الفتى التَّيميِّ تَجْري المَدامعُ ... وتصدعُ بالنَّوح الحمامُ الصَّوادِعُ فتُغرِق أجفانًا يُقرِّحها البُكا ... وتَضْرِمُ نيرانًا حَوَتْها الأضالعُ (٢) وبالماء يُطْفَى كلّ نارٍ، ونارُنا ... يُؤجِّجها بين الضلوعِ المَدَامع (٣) وأمَّا الحَمام الصادِحاتُ فإنَّها ... حَمامُ حِمام للقلوب صوادعُ وحقُّ فتًى كانت جوامِعُهم له ... جوامعَ تبكي فقدَه والجوامعُ (٤) على ماجدٍ جلَّت مآثره الّتي ... لها في قلوب العارفين مواقعُ علومٌ وأخلاقٌ كرامٌ وسُؤدَدٌ ... وجودٌ ومجدٌ باذخٌ وتواضعُ وزهدٌ، وإيثارٌ، وتقوى، وعِفّةٌ ... وتلك سجايا حازها وهو يافعُ هو الحَبْرُ، أمَّا المشكلاتُ فحلُّها ... يسيرٌ لديه، وهو في الحلِّ بارعُ وأمَّا عُقودُ الدِّين فهي وثيقةٌ ... لديه، وعنها بالعوالي يُقارِعُ (٥) إمامٌ، بَكَتْه أرضُه وسماؤه ... بُكاء حزينٍ، حُزْنهُ مُتتابع

стр. 559

وما لهما لا يَبْكيان لفقدِ مَنْ ... عن الله لم يشغَلْه في الكون قاطع (١) ولو بكت الدنيا، وما كان حقَّها ... فواحِدَها قد كان، والشملُ جامع وقد أصبحت ثَكْلى تُعَزَّى بفقده ... ومِنْ بعده هانت عليها الفجائع (٢) ولولا ابتغاءُ الأجر كان اصْطبارُنا الـ ... ـجميل قبيحًا، إنما الصبرُ نافع (٣) * * * * ومنها لصاحبنا برهان الدين إبراهيم ولد شهاب الدين المتقدِّم ذكره. رحمهما الله تعالى (٤):

стр. 560

[ق ١٤٨] خُذِي في انسجام (١) الدمع يا مقلة العاني إلى أن تروِّي الأرض من فيضِ أجفاني وذُق يا فؤادي كلَّ يومٍ وليلةٍ ... مرارةَ أشواقٍ ولوعة أشجاني إلى أن أرى وجهَ ابن تيميَةَ الذي ... به الله من أهلِ الضلالة نجَّاني ومَنْ لي بأن ألقاه والموت قد أتى ... فغيَّبه في التُّرب (٢) عن كلِّ إنسان فيا وَحْشة الدنيا لأنوارِ وجهه ... ويا لهفَ إخوانٍ عليه وجيران فحُقَّ (٣) لعينٍ لا ترجِّي لقاءه ... إلى الحشر أن ينهلَّ مدمعُها القاني لقد عمَّ أهلَ الأرض رُزء مُصابه ... ولم يَنْجُ فيهم منه قاصٍ ولا داني لقد كانت الدنيا به ذاتَ بَهْجةٍ ... ونورٍ وإشراقٍ ورَوْحٍ وريحان وما كان إلّا آيةً في زمانه ... وفي كلِّ فنٍّ (٤) حاز ليس له ثاني إمامُ هدًى يدعو إلى دين ربِّه ... دعاء نصوحٍ مشفقٍ غير خوَّان فمذهبه ما جاء عن خير مُرسَلٍ ... وأصحابه والتابعين بإحسان أتى بعلومٍ حيَّرتْ كلَّ واصِفٍ ... على أنه يُهْدَى بها كلُّ حيران فكم مُبطلٍ وافاه يبغي جدالَه ... فأنصَفَه في البحث من غير عدوان ويكشف عنه شُبهةً بعد شُبهةٍ ... إلى أن يَبِينَ الحقُّ أحسن تبيان

стр. 561

فيصبح عن تلك المقالةِ مُعرضًا ... ولو كان من أحبارِ (١) سوءٍ ورهبان يغار على الإسلام من كلِّ بدعةٍ ... وما زالَ منها هادمًا كلَّ بُنيان وفي الله لم تأخُذه لومةُ لائمٍ ... ولم يخشَ مخلوقًا من الإنس والجان ولم ينتقم (٢) في الدهر يومًا لنفسه ... ولكنه يُؤذَى فيعفو عن الجاني وأما سخاءُ الكفِّ فالبحرُ دونَه ... ولم يكُ في بذلِ العطاءِ (٣) بمنَّان ولو وزنوا أهلَ الشجاعة كلّهم ... به رجحَ الشجعانَ في كلِّ ميزان فمن جاهدَ الأعداءَ في الدين مثلَه ... ومن سلَّ سيفَ العزمِ في وجه غازان؟ ومن قال للناس: اثبتوا يومَ شَقْحبٍ ... فإنَّ الأعادي في انهزامٍ وخِذلانِ؟ فمن خشيَ الرحمنَ بالغيب واتَّقى ... إله البرايا خافَه كلُّ سلطان وما ضرَّه أن طالَ في السّجنِ مُكْثُه ... إذا كان في نُسْكٍ وطاعةِ رحمن منيبًا إلى مولاه يقطعُ وقتَه ... بنقلِ أحاديثٍ وتفسير قرآن ولم يك مشغوفًا بحبِّ رياسةٍ ... ولا شدِّ بغلاتٍ ولا حُسْن غلمان ولا (٤) كان مشغولًا بجاهٍ ومنصبٍ ... ولا رَفْع بُنيانٍ و [لا] غَرْس بستان ولكن بعلمٍ نافعٍ وعبادةٍ ... وزهدٍ وإخلاصٍ وصبرٍ وإيمان وفي موته قد كان للناس عبرةٌ ... لما شاهدوا من غير زورٍ وبُهتان

стр. 562

إذ انتشروا مثلَ الجراد وكاد أن ... تزيغ عقولٌ من رجالٍ ونِسْوان وسار على أعناقهم نحو قبره ... يُجاور مولى ذا امتنانٍ وغُفران إلى الذهب الباقي دعاه إلهه ... وذاك (١) له خيرٌ من الخَزَف الفاني دعاه إلى جنّات عَدْنٍ وطِيبها ... ومتَّعه (٢) فيها بحورٍ وولدان فنسألُ ربَّ العرش يجْمَعُ شملَنا ... به في جِنان الخُلْدِ من بعد حرمان ويجبرنا بعد انكسارِ قُلوبنا ... ويُروي برؤيا وجهه كلَّ ظمآن * * * * ومنها للشيخ زين الدين عمر بن [ق ١٤٩] الحُسام الشِّبْلي رحمه الله تعالى (٣): لو كان يُقْنعني عليكَ بكائي ... لجرت سوابقُ عبرتي بدماء أو كنتُ في يوم انتقالك للبِلَى ... صخرًا لزدتُ على (٤) بكا الخنساء لكن أصبِّرُ عنكَ نفسي كاتمًا ... للحزن (٥) خوفَ شماتةِ الأعداء

стр. 563

أترى علمتَ وأنتَ أفضلُ عالمٍ ... ما عندنا من لوعةٍ وبلاء أسفي على تلك الديانة والتُّقى ... والجود آذَنَ شملُه (١) بثناء أسفي عليك وما التأسُّفُ نافعٌ ... صبًّا عليك مُقَلْقل الأحشاء أسفي عليك نفى الكرى عن ناظري ... من فَرْط أحزاني وفرط عنائي (٢) غاضت بحارُ العلم بعدك والوَرَى ... في غفلةٍ يا سيِّد العلماء بأبي وحيدًا مات منفردًا عن الـ ... أحباب كان بقيَّة الصلحاء بحر العلوم حوى الفضائلَ كلَّها ... وسما سموَّ كواكب الجوزاء متفرِّدًا في كلِّ علمٍ دونَه ... لعلوِّ رتبته ذُرَى العَلْياء بالفضل قد شَهِدَتْ له أعداؤه ... وبه سما فضلًا على النُّظَراء شيخُ العلوم وتابع السلف الذي ... تَبِعوا الرسول بشدّةٍ ورخاء وإمامُ أهل الأرض والمبدي لهم ... سَنَن (٣) الهدى عن صِحَّة الأنباء ذو الصالحات وذو الشجاعة والتُّقى ... والجود والبركات والآلاء من كان لا يثني لطالبِ جودِه ... حتى يبلّغه لكلِّ رجاء يجفو المَضاجِعَ راكعًا أو ساجدًا ... أو ذاكرًا لله في الظَّلْماء كالصَّبْر في حَنَك العدوِّ مذاقُه ... وألذُّ من شَهْدٍ إلى الجُلَساء

стр. 564

المانح البحر [الهمام] العالم الـ ... ـحبر الإمام وحُجَّة الفُقهاءِ (١) الواهبُ المال الجزيل وغامرُ الضْـ ... ـضَيف النزيل بوافر النَّعْماء المُحْسنُ الكافي السؤال وحاسمُ الدْ ... دَاءِ العُضال وكاشفُ الغمَّاء صَدْر المدارس والمجالس أحمد الـ ... محمود في عَودٍ وفي إبداء وإذا المسائل في الفتاوى أفْحَمَت ... أهلَ العلوم وحُجِّبت بخفاءِ (٢) وأتت تقيَّ الدين أظهر ما اختفى ... منها (٣) وأبداهُ لعينِ الرَّائي فيرى سُهاها في الخفاء بكشفه ... كالشمس مشرقة بصحوِ سماء ويرى البصيرُ الحقَّ فيما قاله ... والحقُّ لا يَخْفَى على البُصرَاء سجنوه خَشْيةَ أن يُرى متبذّلًا ... صونًا فنالَ منازلَ الشُّهداء للمؤمنين له وعند غُدُوّهم ... ذلُّ الكسير وعزةُ الخلفاءِ (٤) في المُحْدَثين أتى بفضل باهرٍ ... ومناقبٍ أرْبَتْ على القُدَماء أيْ خاشعٍ أيْ شاكرٍ أيْ ذاكرٍ ... لله في الإصباح والإِمساء أيْ زاهدٍ أيْ حامدٍ أيْ باذلٍ ... للمسلمين نصائح النُّصحاء خيرُ الصِّفات صفاتُه وثناؤه ... بالجود بين الناس خيرُ ثناء ويظلّ يسألُ جودُه عن سائلٍ ... ذي فاقةٍ ليبرّه بعطاء

стр. 565

وتراه يُشْرق وجهُه مُتهلِّلًا ... للسائلين له شروق ذكاء بادي التبسّم عند بَذْل نواله ... لطفًا إلى الفقراءِ والضعفاء أرْبى على فَضْل البرامكةِ الأُلى ... وطوت مكارمه حديثَ الطائي من جاء يَسأله يُشاهدْ عندَه ... بذلَ الملوكِ وعِيشة الفقراء [ق ١٥٠] يُرْبي على سحِّ السحائب جُودُه ... وكذا تكون مواهبُ الكرماء والجودُ يرفعُ أهلَه بين الوَرَى ... أبدًا ويهوي البخلُ بالبخلاء وله إذا اضطرم (١) القتالُ شجاعةٌ ... قامت بنصر الدين في الهيجاء سَلْ عنه غازانًا وسل أُمَراءَه ... لما أتوا بطلائع الأُسَراء والمغل (٢) قد ملكوا البلاد وأهلَها ... كم فكَّ من عانٍ بغير عناء وكذا بشقحب والتتار قدَ اقْبلوا ... بالطمِّ (٣) في أممٍ بغير مراء والمسلمون على النزول قدَ اجْمعوا ... والمغل عنهم نظرةً للرَّائي من حرَّض السلطانَ والأُمرا على ... ترك النزول سواه (٤) عند مساء قال اثبتوا فلكم دليلُ النصرِ قد ... وافى (٥) فكان النصرُ عند لقاء وأتى جبال الكسروان فآذَنَتْ ... بدمارِها من بعد طول بقاء
следующие страницы →