فيصبح عن تلك المقالةِ مُعرضًا ... ولو كان من أحبارِ (١) سوءٍ ورهبان
يغار على الإسلام من كلِّ بدعةٍ ... وما زالَ منها هادمًا كلَّ بُنيان
وفي الله لم تأخُذه لومةُ لائمٍ ... ولم يخشَ مخلوقًا من الإنس والجان
ولم ينتقم (٢) في الدهر يومًا لنفسه ... ولكنه يُؤذَى فيعفو عن الجاني
وأما سخاءُ الكفِّ فالبحرُ دونَه ... ولم يكُ في بذلِ العطاءِ (٣) بمنَّان
ولو وزنوا أهلَ الشجاعة كلّهم ... به رجحَ الشجعانَ في كلِّ ميزان
فمن جاهدَ الأعداءَ في الدين مثلَه ... ومن سلَّ سيفَ العزمِ في وجه غازان؟
ومن قال للناس: اثبتوا يومَ شَقْحبٍ ... فإنَّ الأعادي في انهزامٍ وخِذلانِ؟
فمن خشيَ الرحمنَ بالغيب واتَّقى ... إله البرايا خافَه كلُّ سلطان
وما ضرَّه أن طالَ في السّجنِ مُكْثُه ... إذا كان في نُسْكٍ وطاعةِ رحمن
منيبًا إلى مولاه يقطعُ وقتَه ... بنقلِ أحاديثٍ وتفسير قرآن
ولم يك مشغوفًا بحبِّ رياسةٍ ... ولا شدِّ بغلاتٍ ولا حُسْن غلمان
ولا (٤) كان مشغولًا بجاهٍ ومنصبٍ ... ولا رَفْع بُنيانٍ و [لا] غَرْس بستان
ولكن بعلمٍ نافعٍ وعبادةٍ ... وزهدٍ وإخلاصٍ وصبرٍ وإيمان
وفي موته قد كان للناس عبرةٌ ... لما شاهدوا من غير زورٍ وبُهتان
стр. 562
إذ انتشروا مثلَ الجراد وكاد أن ... تزيغ عقولٌ من رجالٍ ونِسْوان
وسار على أعناقهم نحو قبره ... يُجاور مولى ذا امتنانٍ وغُفران
إلى الذهب الباقي دعاه إلهه ... وذاك (١) له خيرٌ من الخَزَف الفاني
دعاه إلى جنّات عَدْنٍ وطِيبها ... ومتَّعه (٢) فيها بحورٍ وولدان
فنسألُ ربَّ العرش يجْمَعُ شملَنا ... به في جِنان الخُلْدِ من بعد حرمان
ويجبرنا بعد انكسارِ قُلوبنا ... ويُروي برؤيا وجهه كلَّ ظمآن
* * * *
ومنها للشيخ زين الدين عمر بن [ق ١٤٩] الحُسام الشِّبْلي رحمه الله تعالى (٣):
لو كان يُقْنعني عليكَ بكائي ... لجرت سوابقُ عبرتي بدماء
أو كنتُ في يوم انتقالك للبِلَى ... صخرًا لزدتُ على (٤) بكا الخنساء
لكن أصبِّرُ عنكَ نفسي كاتمًا ... للحزن (٥) خوفَ شماتةِ الأعداء
стр. 563
أترى علمتَ وأنتَ أفضلُ عالمٍ ... ما عندنا من لوعةٍ وبلاء
أسفي على تلك الديانة والتُّقى ... والجود آذَنَ شملُه (١) بثناء
أسفي عليك وما التأسُّفُ نافعٌ ... صبًّا عليك مُقَلْقل الأحشاء
أسفي عليك نفى الكرى عن ناظري ... من فَرْط أحزاني وفرط عنائي (٢)
غاضت بحارُ العلم بعدك والوَرَى ... في غفلةٍ يا سيِّد العلماء
بأبي وحيدًا مات منفردًا عن الـ ... أحباب كان بقيَّة الصلحاء
بحر العلوم حوى الفضائلَ كلَّها ... وسما سموَّ كواكب الجوزاء
متفرِّدًا في كلِّ علمٍ دونَه ... لعلوِّ رتبته ذُرَى العَلْياء
بالفضل قد شَهِدَتْ له أعداؤه ... وبه سما فضلًا على النُّظَراء
شيخُ العلوم وتابع السلف الذي ... تَبِعوا الرسول بشدّةٍ ورخاء
وإمامُ أهل الأرض والمبدي لهم ... سَنَن (٣) الهدى عن صِحَّة الأنباء
ذو الصالحات وذو الشجاعة والتُّقى ... والجود والبركات والآلاء
من كان لا يثني لطالبِ جودِه ... حتى يبلّغه لكلِّ رجاء
يجفو المَضاجِعَ راكعًا أو ساجدًا ... أو ذاكرًا لله في الظَّلْماء
كالصَّبْر في حَنَك العدوِّ مذاقُه ... وألذُّ من شَهْدٍ إلى الجُلَساء
стр. 564
المانح البحر [الهمام] العالم الـ ... ـحبر الإمام وحُجَّة الفُقهاءِ (١)
الواهبُ المال الجزيل وغامرُ الضْـ ... ـضَيف النزيل بوافر النَّعْماء
المُحْسنُ الكافي السؤال وحاسمُ الدْ ... دَاءِ العُضال وكاشفُ الغمَّاء
صَدْر المدارس والمجالس أحمد الـ ... محمود في عَودٍ وفي إبداء
وإذا المسائل في الفتاوى أفْحَمَت ... أهلَ العلوم وحُجِّبت بخفاءِ (٢)
وأتت تقيَّ الدين أظهر ما اختفى ... منها (٣) وأبداهُ لعينِ الرَّائي
فيرى سُهاها في الخفاء بكشفه ... كالشمس مشرقة بصحوِ سماء
ويرى البصيرُ الحقَّ فيما قاله ... والحقُّ لا يَخْفَى على البُصرَاء
سجنوه خَشْيةَ أن يُرى متبذّلًا ... صونًا فنالَ منازلَ الشُّهداء
للمؤمنين له وعند غُدُوّهم ... ذلُّ الكسير وعزةُ الخلفاءِ (٤)
في المُحْدَثين أتى بفضل باهرٍ ... ومناقبٍ أرْبَتْ على القُدَماء
أيْ خاشعٍ أيْ شاكرٍ أيْ ذاكرٍ ... لله في الإصباح والإِمساء
أيْ زاهدٍ أيْ حامدٍ أيْ باذلٍ ... للمسلمين نصائح النُّصحاء
خيرُ الصِّفات صفاتُه وثناؤه ... بالجود بين الناس خيرُ ثناء
ويظلّ يسألُ جودُه عن سائلٍ ... ذي فاقةٍ ليبرّه بعطاء
стр. 565
وتراه يُشْرق وجهُه مُتهلِّلًا ... للسائلين له شروق ذكاء
بادي التبسّم عند بَذْل نواله ... لطفًا إلى الفقراءِ والضعفاء
أرْبى على فَضْل البرامكةِ الأُلى ... وطوت مكارمه حديثَ الطائي
من جاء يَسأله يُشاهدْ عندَه ... بذلَ الملوكِ وعِيشة الفقراء
[ق ١٥٠] يُرْبي على سحِّ السحائب جُودُه ... وكذا تكون مواهبُ الكرماء
والجودُ يرفعُ أهلَه بين الوَرَى ... أبدًا ويهوي البخلُ بالبخلاء
وله إذا اضطرم (١) القتالُ شجاعةٌ ... قامت بنصر الدين في الهيجاء
سَلْ عنه غازانًا وسل أُمَراءَه ... لما أتوا بطلائع الأُسَراء
والمغل (٢) قد ملكوا البلاد وأهلَها ... كم فكَّ من عانٍ بغير عناء
وكذا بشقحب والتتار قدَ اقْبلوا ... بالطمِّ (٣) في أممٍ بغير مراء
والمسلمون على النزول قدَ اجْمعوا ... والمغل عنهم نظرةً للرَّائي
من حرَّض السلطانَ والأُمرا على ... ترك النزول سواه (٤) عند مساء
قال اثبتوا فلكم دليلُ النصرِ قد ... وافى (٥) فكان النصرُ عند لقاء
وأتى جبال الكسروان فآذَنَتْ ... بدمارِها من بعد طول بقاء
стр. 566
وله بكلِّ مدينةٍ ذكرٌ أتى ... كالمِسْك فهو مُعطَّر الأرجاء
سِيَرٌ إذا (١) نظَّمْتها سارَتْ بها الرْ ... ـرُكبانُ دون قصائد الشُّعراء
وإذا إمامُ المسلمين وشيخُهم ... ولى وعزَّ على عزاه عزائي
ادعوا إله العرش يجمع بيننا ... في جَنَّة الفِرْدوس فهو رجائي
وعليه من ربِّ (٢) السماءِ تحيَّةٌ ... تبقى (٣) له أبدًا بغير فناء
تمت. وهي اثنان وخمسون بيتًا (٤).
* * * *
وله ــ أيضًا ــ عفا الله عنهما برحمته (٥):
هل بعد بُعْدِك طَرْفٌ دمعهُ راقي ... أم هل لداء أخي الأحزان من راقي
بَعُدْتَ عنّا وللأحشاء (٦) نارُ جوًى ... تشبّ فيها بإزعاج وإحراق
стр. 567
إنَّا إلى الله من خطبٍ غدا مثلًا ... عمَّ الأنامَ بأوجالٍ وإشفاق
كِدنا من الحزن أن نقضي عليك أسًى ... لما برَزْتَ لنا من فوقِ أعناق
لما خرجت بيومِ الدفن في أُمَمٍ ... كأنه كان يومَ الكَشْفِ عن ساق
وقلتُ: مات إمام المسلمين، فيا ... عينُ اذْرفي إن رَعَيتي حفظَ ميثاق
لَهْفي على ناصرٍ للدين وهو إلى الـ ... ـغايات من كلِّ فضل خيرُ سبَّاق
حوى فنون النُّهى، صدقًا بلا كذبٍ ... وحازَ عِلْم الورى في طِيب أخلاق
لهفي على حُجَّةِ الإسلام، كان له ... مناقبٌ حازها في حُسْن أعراق
بحارَ علمٍ حوى في صدره وغدا ... ببحرِ جُودٍ لِوافي المال نفَّاق
يَزْدادُ حُزْني عليه كلَّ آونةٍ ... وليسَ يُطفي لهيبي فيضُ آماق
غاضت بحارُ علوم الدِّين يومَ ثَوى ... ذاك الإمامُ بلحدٍ تحت أطباق
نسعى إلى الدَّفن مشيًا فوق أرجُلنا ... وقلَّ لو كان مشيًا فوق أحداق
يا جامع الفضل قد جفَّ الكتابُ بما ... قد كان من بَسْط آجالٍ وأرزاق
والموتُ بعدك لا يُبْقي على أحدٍ ... لم يبقَ إلا الإله الدائمُ الباقي
تمت (١)، والحمد لله.
* * * *
ومنها لمحمود بن الأثير الحلبي ــ ﵀ ــ (٢):
стр. 568
يا دُموعي سُحِّي كسُحْب الغمامِ ... هاطلاتٍ على الخدود سِجام
لفراقِ الشيخ الإمام المفَدَّى ... ابن تيميَّةٍ ونَجْلِ الكِرام
زاهدٌ عابدٌ تقيٌّ نَقِيٌّ ... فهْمُه لا يقاسُ بالأفهام
[ق ١٥١] ابن تيميّةٍ يتيمةُ دَهْرٍ ... ماله من مُساومٍ ومُسامي
فُجِعتْ فيه كلُّ أهل البرايا ... جَمْعها للعلوم والأحكام
أوحدٌ في العلوم والفضل والزُّهـ ... ـد، لا يرائي في ملة الإسلام
بحرُ علمٍ يغوصُ كلُّ لبيبٍ ... في معانيه حارَ كلُّ الأنام
فاق بالعلمِ والفضائل للخَلْـ ... ـق، فأضحى إمامَ كلِّ إمَام
إن يكنْ غاب شخصُه وتوارى ... ومضَتْ روحُه لدارِ السلام
فمناقِبْه والفضائلُ تَبْقى ... في ممرِّ الدُّهُورِ والأعوام
سيِّدٌ قد علا بعلمٍ وحلْمٍ ... فعِداهُ لَدَيْه كالأنعام
كم رموه الحُسَّاد بالكَيْدِ والبغْيْ، ... وهْو لا ينثني عنِ الإقدام
طالِبُ الحقِّ لا يخافُ لحيفٍ ... وهو يَحْمي عن ذُرْوةِ الإسلام
لا يخافُ الملوكَ أيضًا، ولا الخَلْـ ... ـقَ، ولا للعِداةِ (١) واللُّوَّام
كم مُلوكٍ أتى بحزْمٍ (٢) وعَزْمٍ ... وهو في الله مُسْرِعُ الإقدام
إلى أن قال (٣):
стр. 569
صَدْرُه للعلومِ والقلبُ للربِّ ... ويداه للبَذْل والإنعام
لا تَلُمْني على المدِيْح ودَعْني ... فهو شيخي وبُغيتي وغرامي
كلُّ من مات في هواه بِوَجْدٍ ... ما عليه في حَتْفِهِ من مَلام
وذكر تمامها، وهي واحدٌ وخمسون بيتًا.
* * * *
ومنها قصيدة لرجل جُنديّ من أهل مصر (١) أرسلها، وذكر أنه عرضها على الإمام أبي حيَّان ــ ﵀ ــ وهي (٢):
стр. 570
خَطْبٌ دها، فبكى له الإسلامُ ... وبكَتْ لعُظْمِ بكائه الأيَّامُ (١)
وبكتْ بعبرتها السَّماءُ، فأمطرتْ ... في غير فصلٍ تسمحُ الأعوامُ
وبكت له الأرضُ الجليدةُ بعدما ... أضْحى عليها وَحْشةٌ وقَتامُ
وتزلزلت كلُّ القلوبِ لِفَقْده ... وتواترتْ مِنْ بعده الآلام
ولمؤمنين الجنِّ حُزنٌ شاملٌ ... ونياحةٌ نطقتْ بها الأحلام
وتفجَّعَ الدّينُ القويمُ لفقدِه ... وبَقَى غريبًا يُبْتلى ويُضامُ
مُذ مات ناصِرُه الذي أوصَافُه ... أبدًا تكونُ على سواهُ حرامُ
لِتقيِّ دينِ الله وصفٌ باهرٌ ... وخَصائصٌ خَضَعت لها الأفهامُ
ومواهبٌ من ذي الجلال تُمِدُّه ... فيتمّ فخرٌ شامخٌ ومقامُ (٢)
وغدا تقيُّ الدين أحمدُ مالَهُ ... حدٌّ فتحمِلُ فَقْدَه الأجسام
стр. 571
العالِمُ الحَبْرُ الإمامُ، ومَنْ غَدا ... في راحتيه من العلوم زِمامُ
ذُو المَنْصِب الأعلى الذي نُصِبَتْ لَهُ ... في الأرض في أقطارها الأعلامُ
بحرُ العلوم، وكنزُ كلِّ فضيلةٍ ... في الدّهر فردٌ في الزَّمان إمامُ
حَبْرٌ تخيَّره الإله لدينه ... ختمٌ لأعلامِ الهُدى وخِتامُ
فوفَى بأحكام الكِتاب وكم له (١) ... في نَصْرِ توحيدِ الإله قيامُ
والسُّنَّةُ البيضاءُ أحْيا مَيْتَها ... فغَدَتْ عليها حُرْمةٌ وذِمامُ (٢)
وأمات مِنْ بدعِ الضلالِ عوائدًا ... لا يستطيعُ لِدَفْعها الصَّمْصَامُ
ابن (٣) الفضائل والمعارف والذي ... لا تهتدي لفنونه الأوهام
وأناله ربُّ السموات العُلا ... في العلم سَبْقًا ما إليه مَرامُ
[ق ١٥٢] ونفوذُه في العِلْم قولُ محمدٍ ... صلى عليه الخالقُ العَلّامُ
إنَّ المُنَزَّه ربّنا سُبْحانه ... يَقْضي بما تأتي به الأحكامُ
يُبدي لكم في كلِّ قرنٍ قادمٍ ... للدِّين من يُهْدَى (٤) به الأقوامُ
فلئن تأخَّر في القرون لثامنٍ ... فلقد (٥) تقدَّم في العلوم إمامُ
стр. 572
فاق القُرون سوى الثلاث فإنها ... خيرُ القرون يَزينُهنَّ تمامُ
وسوى ابنِ حَنْبلَ إنه عَلَم الهُدى ... حبرٌ إمامٌ صابرٌ قوَّامُ
لكنَّ أحمدَ مثل أحمد قدْ حوى ... عِلْمًا وزُهدًا في العلوم تُؤامُ
حدِّث بلا حَرَج وقُل عن زهْدِه ... ما شئتَ لا ردٌّ ولا آثامُ (١)
هَجَر المطاعمَ والملابسَ والدُّنى ... ولِعَزْمِه في تَرْكها إحْزامُ (٢)
نزْرُ المآكلِ والمنامِ ولا يُرى ... لِبني الدُّنى في قلبه إعظامُ (٣)
وتراه يَصْمُت ـ لا لِعيّ ـ دائمًا ... إلّا لِعلمٍ يُقتنى ويُرامُ
وإذا تكلَّم لا يُراجَعُ هيبةً ... وسَكِينةً وكلامُه إبرامُ
أُلقي عليه مهابةٌ من ربِّه ... فخِطابُهُ الإجلالُ والإكرامُ
وإذا رنا فترى الرِّجال ذليلةً ... فكأنها في نفسِها إحْجامُ (٤)
بَشَرٌ يُعَظَّمُ بالقلوب، وقُدْوةٌ (٥) ... أبدًا يُعظَّمُ، وهو بعدُ غُلامُ
مِنَنٌ يخُصُّ بها المهيمنُ من يشا ... مِن خَلْقِه، والجاهلون نيامُ
وجفا العبادَ لشُغْلِه بحبيبه ... فوِدادُه للأقربين سلامُ
стр. 573
وله مَقامٌ في الوصول لربِّه ... ومكانَة نطقت بها الأغْتامُ (١)
وله فتوحٌ من غيوب إلهه ... وتحزُّنٌ وتمكُّنٌ وكلامُ (٢)
وتصوُّفٌ وتقشّفٌ وتعفُّفٌ ... وقراءةٌ وعبادةٌ وصيامُ
وعنايةٌ وحمايةٌ ووقايةٌ ... وصيانةٌ وأمانةٌ ومقامُ
وله كراماتٌ سَمَتْ وتعدَّدت ... ولها على مرِّ الدّهور دوامُ
مَن ردَّ عن أرض الشآم بعَزْمِهِ ... مَن صدَّ وجهَ الكُفْر وهو حسامُ
مَن ردَّ غازان الهُمام بحَسْرةٍ ... مَنْ خلَّص الأسرى، وهم أيتامُ
مَن قام بالفتح المبين مؤيَّدًا ... في كِسْروان، وهم طُغاةُ عِظامُ
مَن جدَّ في بِدع الضّلال وحِزْبه ... فأذلَّهم (٣) بعد الرَّضاع فِطامُ
مَن سار في سُنن الرَّسول ونَصْرها ... حتَّى استقرَّ لأمْرِهنَّ نظامُ
مَن قام في خَذْل الصَّليب ودينِه ... لمَّا تداعوا لِلِّباس وقاموا (٤)
فوهوا ورُدُّوا خائبين بذِلّةٍ ... وعليهمُ فوقَ الوجوه ظلامُ
فالأمرُ بالمعروف يُفْقَدُ بعدَه ... والفاعلون النُّكرَ ليسَ يُلاموا
стр. 574
فكأنَّ أشراط القيامة قد دَنَتْ ... وانْحَلَّ مِنْ سَرْجِ الزَّمَان حِزامُ
فالعلم فينا ليس يُقْبَضُ سرعةً ... كلّا ولا يأتي حِماهُ حِمامُ
لكنْ بقبض الرَّاسخينَ ذَهابُه ... وزوالُه، وبَقَى رعاعُ طغامُ (١)
لله ما لا قَى تقيُّ الدين مِن ... مِحَنٍ تُتايعُه (٢)، وهُنَّ ضِخَامُ
ومكارهٌ حُفَّتْ بكلِّ شديدةٍ ... ومواقفٍ زلَّتْ بها الأقدامُ
ومكايدٌ نُصِبَت له، وحبائلٌ ... قصدًا إليه فزادها الإقدام (٣)
فحكى ابن حنبل في فنون بلائه ... بجنانِ ثَبْتٍ، ليس فيهِ ذام (٤)
وبسَجْنه وبِحَصْره ونَكَاله ... حتَّى رثى (٥) العُذَّالُ واللُّوَّامُ
[ق ١٥٣] فأراد ربُّ العرش ﷻ ... للقائه مُذْ حانهُ (٦) الإعدامُ
وأتاه آتي الموتِ، يخطُبُ نفسَه ... فأجابَه طوعًا له القمقامُ (٧)
فخلَتْ منابرُه وأوحش رَبْعُهُ ... وتقوّضتْ عند الرحيل خيامُ
وتفجَّعتْ كُلُّ القلوبِ بفَقْدِه ... وغدا عليها ذِلَّةٌ وسَقامُ
ومَضَتْ جنازتُه الشريفةُ بعدما ... سَدَّ المسالكَ صارِخٌ وزِحامُ
стр. 575
وأتت رواياتُ الشآم بجَمْعها ... خبرًا صحيحًا ليس فيه أثامُ
إنَّ الذي شهدوا الصلاةَ وشيَّعوا ... واللَّهِ لا تُحصيهمُ الأقلامُ
فعليه أفضلُ رحمةٍ تُهْدَى له ... ومن الإله تحيَّةٌ وسلامُ
ما دامتِ الأفلاكُ في دَوَرانها ... أو ناحَ مِنْ فوقِ الغصون حَمامُ
تمت، وهي (١) ستةٌ وستون بيتًا.
* * * *
ومنها قصيدةٌ للشيخ جمال الدين عبد الصمد بن إبراهيم بن الخليل ابن إبراهيم بن الخليل البغدادي الحنبلي، المعروف بابن الخُضَري رحمه الله تعالى (٢):
عِش ما تشاءُ فإنَّ آخِرَهُ الفنا ... الموتُ مالا بدَّ منه ولا غِنى (٣)
والدَّهرُ إن يومًا أعانَ فطالما ... بالسُّوء عانَ فعونُه عينُ العنا
لا بدَّ من يومٍ يؤمُّك حَتْفُه ... حتمًا نأى الأجلُ المقدَّر أو دنا
للنَّفس سَهْمٌ من سهام نوائبٍ ... يرمي فيُصْمي مِن هناك ومِنْ هنا (٤)
стр. 576
من غرَّه الأمدُ (١) المديد فإنَّه ... غِرٌّ لأنَّ طعامَه لن يُسْمِنا
شمسُ الحياةِ تضيَّفت ومَشيبُه ... ضيفٌ يجرُّ من المنيَّة ضَيفنا
مِن حين أُوجِد (٢) كان نفسُ وجودِه ... في الكون بالعَدَم المحقّق مُؤذِنا
يا من يَعُدُّ الدَّهر صاحبَ دَهْره ... ويُعدُّ فيه للإقامة (٣) موطنا
أوَ ما رأيتَ الموتَ كيفَ سطا بِمَن ... في الخلق عن مَحْضِ العلوم تكوَّنا
ندبٌ مباحُ الصبر حظر (٤) بعده ... فَلِمَ استحال، وكان شيئًا مُمْكنا
بذَّ الأنامَ، مع البذاذةِ (٥) فضلُه ... إذْ لم يكن بسوى التُّقَى مُتزيِّنا
ترك الجميعَ على الجُموع فلم يَهَب ... تلك الجُموعَ ولا استراث (٦) ولا ونى
ولَكم مقاماتٍ له في الحقِّ لا ... بِيضَ الظُّبا يخشى ولا سُمْرَ القنا
بالعُرْفِ يأمر ناهيًا عن مُنْكر ... متقرِّبًا وهو البعيدُ عن الخنا
فبخيرِ ما سَننٍ، وبالسُّنن اقتدى ... والشُّكر والذِّكر الجميلين اقتنى
ما حادَ عن نَهْج الصواب وما اعتدى ... وبغير تحصيل الفضائل ما اعْتَنى (٧)
إمّا تُبارِزْهُ تجدْهُ مُبَرِّزا ... في أيِّ عِلْم شئتَ حبرًا مُتْقِنا
стр. 577
وإذا تُجاريه فما السَّيلُ انبرى ... إما جرى في بحثه مُتفنِّنا
متزهِّدًا متعبِّدًا مُتهجِّدًا ... متخشِّعًا متورِّعًا مُتَديِّنا
في كلِّ عصرٍ سيّد هو حجةُ الـ ... ـباري على كلِّ الخلائق في الدُّنا
ونرى أحقَّ من استحقَّ، فحاز ذا ... من للإمامة لم يزل مُتعيِّنا
شيخُ الأنام وحُجَّةُ الإسلامِ مَنْ ... أغْناه نشرُ الذِّكْرِ عن ذِكْر الكُنى
أعْني أبا العباس أحمدَ بل تقيـ ... ـيَ الدّين حقًّا والعليمَ المُمْعِنا (١)
[ق ١٥٤] في الله ليس يخافُ لومةَ لائمٍ ... ويرى التّوى فيه نهايات المُنى (٢)
لّما تحقَّق أنَّ كلَّ مُخَلَّفٍ ... يفنَى وإن كان النفيسَ المُثْمَنا
لم يدَّخِر قوتًا لأجل غدٍ ولا ... أبْقى له إرثًا سوى حُسْنِ الثَّنا
صدْرٌ حوى في صَدْرِه لكماله ... من كلِّ عِلم معنويٍّ (٣) مَعْدَنا
ظَهَرت أماراتُ (٤) الولاية بعدَه ... واسأل لتُصْبِحَ بالحقائق موقنَا
واسمع مقالةَ أحمدٍ متوعِّدًا ... أعداءه: «يومُ الجنائز بيننا»
فأحقُّ ما يُبْكَى عليه فَقْدُه ... ما موتُ هذا الحَبْرِ رُزْءًا هَيِّنا
فيض النفوس يقلُّ فيه فلا تَلُم ... وأعِن عيونًا فِضْن فيه أعْينا (٥)
стр. 578
يا من أعاد أُولي التَّشدُّق عِلْمُه ... خُرْسًا وأنْطَقَ بالثناء الألسُنا
يا دَوحةَ الفضل التي (١) في أصلها ... طيبٌ وزاكي فَرْعها حُلو الجنا
يا حَبْرُ بل يا بحرُ كم حيَّرت مِن ... حَبْر تُصَيّر ذا الفصاحةِ ألْكَنا
يا خاتمَ الفضلاء علمك معجزٌ ... بهر الورى فصدرت عنه مؤمنا
إن كان ذا حفظًا فوقتُك ضيِّقٌ ... عنه، ولو كان الزمان له إنا
لكنَّه من فضل ما هو (٢) قاذفٌ ... بالحقِّ من نور الوِلاية والسَّنا
أسستَ بُنيانًا على تقوى ورِضْـ ... ـوان، فلا سِيَما قد ارتفع البِنا
غبَّرتَ يا من لا يُشَقُّ غُبارُه ... في أوجه الفضلاءِ (٣) قِدْمًا قبلنا
جَاهَدْتَ في ذاتِ المُهَيمن صابرًا ... عِنْدَ الأذى فأتتْ بشارات الهنا
إن الذين يُجاهدون عدُوَّنا ... فينا سَنَهْديهم إلينا سُبْلنَا
الله قد أثنى على العلماء في ... نصِّ الكتاب وأنتَ أولى من عَنى
لا غَرْو إن كنتَ ابتُلِيْتَ بحاسدٍ ... فالحرُّ مُمْتَحنٌ بأولاد الزِّنا
أشكو إليكَ وأنتَ أصلُ شكايتي ... مِن فَرْط ضُرٍّ في افتقادِك مسّنا
قد (٤) عبَّرت عبراتُنا مِن حُزْننا ... وبما نُجِنُّ مِن الجوى نَطق الضنى
سَقيًا لتلك الروح مِن سُحْب الرّضا ... وتبوّأت جنّات عدنٍ مَسْكنَا
стр. 579
لو كان فيها الموتُ يقبلُ فِدْيةً ... كان الأنامُ فِدًى وأوَّلهم أنا (١)
تمت.
* * * *
ومنها قصيدة للشيخ محمود بن علي بن محمود بن مقبل الدَّقوقي البغدادي المحدِّث، ﵀ ــ ولم ير الشيخ ــ وهي (٢):
مضى عالمُ الدُّنيا الذي عزَّ فقدُه ... وأضرمَ نارًا في الجوانح (٣) بُعْدُه
فدمعي طليقٌ فوق خدِّي مُسلسلٌ ... أُكَفْكِفه حينًا وجَفْني يرُدُّه
ويرجو التلاقي، والفراقُ يصُدُّه ... وما حيلةُ الرَّاجي إذا خاب قصدُهُ
مضى الطَّاهِرُ الأثوابِ ذو العلم والحِجى ... ولم يتدنَّس قطُّ بالإثم بُرْدُهُ (٤)
مضى الزَّاهدُ النَّدْبُ ابنُ تيميَّة الذي ... أقرَّ له بالعلم والفضل ضِدُّهُ
بكَتْه بلادُ الشام طُرًّا وأهلُها ... وجامعها وانماع للحزن صَلْدهُ
стр. 580
يحنُّ إليه في النهار صيامُه ... ويشتاقُهُ في ظُلْمة الليل وِرْدُهُ
ويبكي له نوعُ الكلام وجنسُهُ ... ويندبه فصلُ الخطاب وحدُّه (١)
حمى نفسَه الدنيا وعفَّ تكرُّمًا ... ولمّا يُصعَّر للدَّنيَّات خَدُّه
ولم يجتمع زوجان من شهواتها ... لديه، وبينَ الناسِ قد صحَّ زُهْدُهُ
[ق ١٥٥] ويؤثر عن فقرٍ وفيه قناعةٌ ... ويُعْجِبُه من كلِّ شيءٍ أشدُّه
عليمٌ بمنسوخ الحديث وحُكْمِه ... وناسِخِه فخرُ الزَّمان ومجدُهُ
قوُولٌ فعولٌ طيِّبُ الخِيْم طاهرٌ ... إمامٌ، له من كلِّ حُكمٍ أسَدُّه (٢)
فما قال في دنياه هُجْرًا ولا هوًى ... ولا زاغ عن حقٍّ تبيَّن رُشدُهُ
عُلومٌ كنشرِ (٣) المِسْك من كلِّ سيرةٍ ... يُشيِّد دينَ المصطفى ويُجِدُّه
فلله ما ضمَّ التُّرابُ وما حوى من ... الفضل فليفْخَر على الأرض لَحْدُهُ
فيا نعْشَه ماذا حَمَلْتَ من امرئٍ ... جميعُ الورى فيه وفوقكَ فردُه
وما مات من يُبْقي التصانيف (٤) بعدَه ... مخلَّدةً والعِلمُ والفضلُ وُلْدُه
وخلَّف آثارًا حِسانًا حَميدةً ... إذا عُدِّدَتْ (٥) زادت على ما نعدُّهُ
ولستُ مُطيقًا شَرْح ذاك مفصَّلا ... ولكن على الإجمال يُعْكَس طَرْدهُ
стр. 581
لقد فارق الأصحابُ منه مُصاحبًا ... يُراعِي وداد الخِلّ إن خان وُدُّه (١)
قضى نَحْبَه والله راضٍ بفعلِه ... ولله فيما قد قَضَى فيه حمدُهُ
يدلُّ تُرابُ القَبْر من جاء زائرًا ... إليه بطيبٍ فيه يَعْبَقُ ندُّه
ولا تَحْسِبوا ما فاح عطرُ حَنوطِهِ ... ولكنَّه حُسْن الثناءِ ومجدُهُ
وكان لأهلِ العِلْم تاجًا مُكلَّلًا ... يحوطُهُمُ مِن مُبطلٍ خِيفَ حِقْدُهُ
وما كان إلا التِّبْر عند امتحانه ... يبينُ لعينِ الحاذِق النَّقدِ نقدُه
وكان يقولُ الحقَّ والحقُّ حُلوه ... مريرٌ لهذا كان يُكْرَه رَدُّه (٢)
وفي الحقِّ لم تأخُذْه لومةُ لائمٍ ... ولا خافَ من غِمْر تشدَّد (٣) حَرْدُه
وما كان إلّا السيفَ غارت يدُ العُلا ... عليه فردَّتهُ كما غار غِمدُهُ
ولم تُلْهه الدُّنيا وزُخْرفها الذي ... يروق لِمَن لم يؤنِسِ الدَّهرَ رُشدُهُ
لقد فقدَتْ منه المَحافلُ زَينها ... ولمَّا يُفارق علمَه الجمَّ وَجْدُهُ
وخُضِّبت الأقلامُ بعد مِدادها ... عليه دمًا قد فاض في الطِّرْس مَدُّه
فللدَّهر ما ضمَّ الثَّرى من مُحَقّقٍ ... ويالك مِن عَضْبٍ تثلَّم حدُّه (٤)
وكان إمامًا يُستضاءُ بنوره ... وبحرًا من الإفضال قد غِيضَ عِدُّه
وكنتُ أُرَجِّي أن أراه، ونلتقي ... ولكنْ قضاءُ الله مَنْ ذا يردُّه
стр. 582
نرى الموتَ مألوفَ الطِّباع وربَّما ... يُعَلَّل بالمألوف مَنْ لا يَوَدُّه
فآهٍ على تفريق شملٍ مُجمَّعٍ ... وحَرِّ فؤادٍ بان مُذ بان بَرْدُهُ
ألا إنَّها نفسٌ وللنَّفسِ حَسْرةٌ ... وقلبٌ وقد يشجَى ويُضنِيه وجدُهُ (١)
ولستُ بناسٍ عَهْد خِلٍّ تغيّبتْ ... محاسِنُه (٢)، والخِلُّ يُحْفظُ عهدُهُ
وما عُذْرُ جفنٍ (٣) لا يجيشُ بدمعه ... غداةَ نأى عنهُ الصَّديقُ ورِفْدُهُ
يرومُ الأماني والمنايا تصُدُّه ... وما حيلةُ الرَّاجي إذا خاب (٤) قصدُهُ
عليك أبا العبَّاس فاضتْ مَدامعي ... وقلبي لبُعْدِي عنك أُجِّجَ وَقْدُه
على مِثْلك الآن المراثي مُباحةٌ ... وإن غاضَ دَمْعي فالدِّماءُ تمدُّه
شدَدْتَ عُرى الإسلام شدَّةَ عارفٍ ... قويٍّ على الأعداءِ لم يألُ جُهْدُهُ
تركتَ لهم دُنياهُمُ تَرْك عالمٍ ... علا قدرُه عِنْد الإله ومجدُهُ
وكنتَ لمجموعِ الطوائف مُقْتَدًى ... وعَقْدًا لهذا الدينِ أُبْرِمَ عَقْدُهُ
وكنتَ ربيعًا للمريد وعِصْمةً ... فمُذ صِرْت تحتَ الأرض صوَّح وردُهُ
[ق ١٥٦] جمعتَ علومَ الأولين مع التُّقَى ... إلى الورع الشَّافي (٥) الذي شاع حمدُهُ
стр. 583
وكنتَ تقيَّ الدين معنًى وصُورةً ... قوولًا، وخيرُ (١) القولِ عندك جِدُّهُ
رحلتَ وخلَّفتَ القلوبَ جريحةً ... تذوبُ وجيشُ الصَّبر قد قلَّ جُنْدُهُ
عليكَ سلامُ الله حيًّا وميتًا ... مدى ما بدا نجمٌ وأشرقَ سعْدُهُ
تمت، وعدتها خمسون بيتًا (٢).
* * * *
وله ــ أيضًا ــ عفا الله عنهما بكرمه (٣):
قِفْ بالرُّبُوعِ الهامداتِ وعدِّدِ ... واذْرِ الدُّموعَ الجامداتِ وبدِّد
واحْبِس مَطيّك في المنازل ساعةً ... واسْألْ ولا تكُ في سؤالك معتَد
واقْطعْ علائقك التي هي فتنةٌ ... واتْبَع سبيلَ أُولي الهداية تَهْتدي
ودِّعْ صِباكَ ودَعْ أباطيل المُنى ... واهْجُرْ دَنِيَّات الأمور وسدِّد
стр. 584
واقْنع من الدُّنيا القليلَ، ولازمِ الْـ ... ـفعلَ الجميلَ وسرْ مَسير مُجَرَّدِ (١)
وتوخَّ فعلَ الخيرِ واصْحَبْ أهلَهُ ... مُتحبِّبًا مُتَجنِّبًا أهلَ الدَّدِ (٢)
لا تَعْتِبنَّ مفارقًا يبكي على ... أحبابه وارْحَمْهُ إن لم تُسْعِد
ودَعِ المروَّع بالبِعاد وعَذْلَهُ ... فالعَذْلُ أمضى مِنْ فِعال مُهنَّد
ماذا الوقوفُ عن السُّرى وصِحابُنا ... ساروا وصاروا بالعراءِ الفدْفد
لا اخضرَّ بعدهمُ العقيقُ ولا شَدَتْ ... وُرْقُ الحمائم فوق بُرْقة ثَهمْدِ (٣)
أما أنا فلأبْكِيَنَّ فإن وَنى ... دَمْعي سفكتُ حُشاشةَ القلبِ الصَّدي
أين المُعينُ على الخطوبِ إذا عَرَت ... أينَ المُساعِدُ عند فَقْد المُسْعِدِ ... ج
أوما دَرَى من كنتَ تعرفُ قد مضى ... لسبيله في ضَنْك لحْدٍ مُؤصَد
أين المحامي عن شريعةِ أحمدٍ ... أين المحقِّق نهجَ مذهبِ أحمد
مات الإمامُ العالمُ الحبرُ الذي ... بُهداه عالِمُ كلِّ قومٍ يهتدي
من لليهود وللنصارى بعدَه ... يرميهمُ بمقالهِ المُتسدِّد
سلْ عنه دَيَّان اليهودِ أما غدا ... مُتلفِّعًا بصَغارِه المتهوِّد
نشأَتْ على فِعْل التُّقى أطوارُه ... فعَنَت له التَّقوى وأعْطَتْ عن يد
ورثَ الزهادةَ كابرًا عن كابرٍ ... والعلم إرثًا سيِّدًا عن سيِّد
قِفْ إن مررت بقاسيون على ثَرًى ... فيه ضريحُ العالِمِ المتفرِّد
стр. 585
واعْجب لقبرٍ ضمَّ بحرًا زاخرًا ... بالفضل يَقْذفُ بالعُلا والسُّؤدد
بَشَرٌ يبشّر بالغنى من جاءَه ... يسرٌ يَسُرُّ فؤاد عانٍ مُزهِد
كانتْ به أرضُ الشآم أمينةً ... مِنْ مُبطل مُتهوِّلٍ متلدِّد
لو تستطيعُ بناتُ نعشٍ أن ترى ... يومًا يسيرُ بنعش ميتٍ مُلْحَد
كانت تَسيرُ بنعشِه وتحطُّهُ ... فوقَ السِّماكِ وفوقَ فَرْقِ (١) الفَرْقد
مات الذي جمع العلومَ إلى التُّقى ... والفضلِ والوَرَعِ الصحيح الجيِّد
شيخُ الأنام تقيُّ دين مُحمدٍ ... وجمالُ مَذْهب ذي الفضائل أحمد
ودَّعتُ قلبي يوم جاءَ نعيُّه (٢) ... فتقاعَدي يا عينُ بي أو أنْجِدي
سقتِ العِهادُ عراصَ قبرٍ حلَّه ... جَسَدٌ حوى خُلُقًا وحسنَ تودُّد
يا (٣) مُبْلغَ العُذَّال فرطَ صبابتي ... وتَقَلْقُلي يومَ النَّوى وتسهُّدِي
ما بعدَ رُزْئك في الزَّمانِ رزيَّةٌ ... تُصْمي المَقَاتل بالفراق ولا تدي
[ق ١٥٧] بدَّدْت شَمْل المُلحدين جميعهم ... وجمعتَ شَمْل ذوي التُّقى المُتبدِّد
يا من تُرَى أقوالُه مُبْيضَّةً ... في كلِّ ذي قولٍ ووجهٍ أسْود
يا كالئ الإسلام مِن أعدائه ... وسِمامَ كلِّ أخي نفاقٍ ملحِد
يا واحدَ الدُّنيا الذي بعُلُومِهِ ... يمتازُ في الإسلام كُلُّ مُوَحِّد
стр. 586
يا حامل الأعْباءِ عن مُسْتَبْصِرٍ ... يا كاشفَ الغَمَّاء عن مُستنجدِ (١)
يا طارد الشُّبُهات عن مُتَرَدِّدِ ... يا دافع الفاقاتِ عنْ مُسترفد
قرَّتْ عُيُونُ مُجاوريك وقد غَنُوا ... بجوار قَبْرك عن وثير المَرْقدِ (٢)
فكأنَّما تلك اللُّحودُ حدائقٌ ... تزهُو بنرجسِ زهرها الغضِّ النَّدِي (٣)
يا خاتَم العلماءِ صحَّ بموتِك الـ ... ـخَبَرُ الذي يرويه كُلُّ مُجَوِّد
اليومَ قبضُ العلم قولًا واحدًا ... من غيرِ ما مَنْعٍ وغير تردُّد
لو لم يكن خَتْمَ الأئمةَ أحمدٌ ... بَشّرْتُ أهلَ الخافقين بأحمد
خوضُ الكرائه لم يَزَل من دأبهِ ... فبه الفوارسُ في المضايق تهتدي (٤)
شيخٌ إذا أبصرتَهُ في محْفِلٍ ... تَقْذِيْ برؤيته عيونُ الحُسَّد
ذو المَنْقبات الغُرِّ والشِّيَمِ التي ... يفنى الزّمانُ وذكرُها (٥) لم ينفد
يا من يروم له عديلًا في الورى ... قد رُمتَ كالعنقاء ما لم (٦) يوجد
стр. 587
كم بين رئبال الفلاة وثعلبٍ ... كم بين شَغْواءِ (١) البُزاةِ وجُدْجُد
أرِح المَطيَّ، ولا تكن كمحاولٍ ... صيدَ النُّجوم من المياه الرُّكَّد
قد كان شمسًا للصِّحاب مُنيرةً ... بضيائها في كلِّ قُطرٍ نهتدي
واليوم أدْرَكها الكُسُوفُ فأظلمتْ ... طُرُقُ الهدى للسالك المتردِّد
لَهْفي على تلك الشمائل والنَّدَى ... والجودِ والهَدْي القويم الأرشد
هجم الحِمامُ فلا مفرَّ لهاربٍ ... والموتُ في الدُّنيا لنا بالمرصد
ماتَ الصَّديق وماتَ من عاديتَهُ ... وتموتُ أنتَ كمثله وكأنْ قد
وإذا مضى أقرانُ عمرِكَ فانتظِرْ ... في يومِك النَّاعي، وإلّا في غد
لكِنْ لنا عنْ كُلِّ خِلٍّ سَلْوَةٌ ... بِمُصابِ سَيِّدنا النَّبيِّ محمّد
صلى عليه الله ما هَجَرَ الكرى ... جَفْنُ التَّقيِّ القانت المُتهجِّد
تمت (٢)، وعدَّتها ستَّةٌ وخمسون بيتًا.
* * * *
وله ــ أيضًا ــ عفا الله عنهما برحمته (٣):
ما كُفء هذا الرُّزء جَفْنٌ تَسْجُمُ ... أبدًا ولا قلبٌ يذوبُ ويَألمُ
стр. 588
رُزءٌ أصمَّ جميعَ أسماعِ الورى ... سَبَق الحدوثَ به القضاءُ المُبرمُ
رُزء يجلُّ عن البُكاء لأنَّه ... لا رُزْء منهُ في البَرِيَّةِ أعْظَمُ
يتضاءلُ الَّلسِنُ الفصيحُ لذكره ... خوفًا ويَكْبُر (١) في النفوس ويعظُمُ
رُزْءٌ له هوتِ النجومُ وكُوِّرَتْ ... شمسُ الهدى (٢) والصُّبحُ ليلٌ مُعْتمُ
من عُظْمِ موقِعه وفادح خَطْبه ... لم يَدْر قُسٌّ ما يقولُ وأكثَمُ (٣)
لكنَّما يجري القضاءُ بكلِّ ما ... يقضي به ربُّ السماءِ ويحكُمُ (٤)
والأمرُ أعظمُ أن يقومَ بحقِّه ... صبٌّ حُشاشَتُه تذوْبُ وتُكْلَمُ (٥)
ذا الخطْبُ أعظُم أنْ يُدَاوَى بالأسى ... هذا المُصَابُ أجلُّ ممَّا يُعْلَمُ (٦)
كلٌّ يُدافعُ حَتْفه عن نفسه (٧) ... حتَّى يُفاجئهُ الحِمامُ المُؤلمُ
[ق ١٥٨] أعيا الأنام فما له (٨) من ملجأٍ ... يُؤويهم عند الخطوب ويَعْصِمُ
стр. 589
والموتُ وِرْدٌ للأنام (١) وكلُّهم ... في ماء ذاك الوِرْدِ حتمًا يُقدِمُ
من أخطأتْهُ يدُ الحوادِثِ في الصِّبَا ... حينًا ستذكُرُه إذا هُوَ يَهْرَمُ (٢)
سيَّان في حُكمِ القضاء مؤجَّلٌ ... في نفسه ومُعجَّلٌ يتقدَّمُ
أأُخَيَّ لا تُبعد فليس بخالدٍ ... أحدٌ ولا حيٌّ عليها يسْلَمُ
لا تعذِل الباكي على أحبابِهِ ... واعْذُرْهُ وارْحَمْهُ لعلَّك تُرْحَمُ
للخطبِ يُدَّخَرُ الصديقُ، ولا أرى ... في الناس يومَ البينِ خلّاً يَرْحَمُ
لا تَحْسِبُوا وُرْقَ الحمامِ سَواجعًا ... يومَ الرَّحِيْلِ ولا المطايا تُرْزِمُ (٣)
هذا يحنُّ فيشتكي طولَ السُّرَى ... والوُرْقُ تَذْكُرُ إلْفها فترنَّمُ (٤)
ما حاربت أيدي الرَّدى من مارقٍ (٥) ... إلّا غَدَتْ أقرانُهُ تتخرَّمُ
من ذا يُطيقُ مع الفِراقِ تجلّدًا ... قلْ لي وقد مات الإمامُ الأعظمُ
أودى فريدُ الدَّهْر أوْحَد عصره ... ومضى التقيُّ العارف المتوسِّم
شيخٌ يسودُ بجِدِّه وبحَدِّه ... وسواه مِن (٦) هذين صِفْرٌ مُعْدِمُ
شيخٌ كأنَّ الله أودعَ سِرَّهُ ... فيه فما تلقاهُ إلا يَعْلمُ
стр. 590
اليوم أكشِفُ عن غوامضِ سِرّهِ ... اليوم منه يفسَّرُ المُسْتعجِمُ
قد كان يُؤثرُ من أتاه بقوتِهِ ... ويظلُّ طُولَ نهاره لا يَطْعَمُ
ويجودُ بالموجود منه، ويُرشدُ الـ ... ـجَنِفَ العصيَّ بهديه ويقوِّم
ظهرت له شِيَمُ التُّقى فكأنه ... يومَ القِراع (١) العالمُ المتقدِّمُ
من ذا يُرى للمشِكلاتِ يحلُّها ... والواقعاتِ ومَنْ به يُستَعْصَمُ
وعلى النصارى الملحدين إذا أتوا ... من ذا يردّ ومن يجيبُ ويفهمُ
يشتاقُهُ الإرسالُ في إسناده ... والنسخُ والمنسوخُ ثم المُحْكم
وبكَتْه عنعنةُ الحديثِ وطُرْقُهُ ... وبيانُ ما يَحْوي عليه المُعْجَم
هذا الذي للدِّين منه مُعلِّلٌ ... ومنوِّعٌ ومجنِّسٌ ومعلِّم
هذا الإمامُ الحُجَّةُ الحَبْرُ الذي ... تُنْفى به شُبَهُ الشُّكوكِ وتُحْسَمُ
فَضْلٌ وزُهدٌ لا يُحَدُّ (٢) وعفَّةٌ ... وديانةٌ ورَزانةُ وتحلُّمُ
لك يا ابنَ مجدِ الدِّين طَودٌ باذِخٌ ... في الفَضْل ممنوعُ الجوانب أيهَمُ (٣)
أقسمتُ ما وُصِفَ امرؤ في نفسه ... بصيانةٍ إلا ورأيُكَ أحْزَمُ (٤)
أبْدَى مصلّاك البكاءَ وحَسْبُهُ ... يَبْكي عليكَ وحقُّهُ يتندَّمُ
стр. 591
أسفًا على ما فاته من وِرْدِه ... والليل ساجٍ (١) والخلائق نُوَّمُ
حَسَدوه إذْ وجَدوه أعْلَمَ منهمُ ... ورأوهُ أفْضَلهم وإن كانوا عَموا
عَقَلوه إذ عقلوه ليثَ كِباشِهم ... والليثُ يَعقِلُ مَن سَطاه ويُلْجِم
تَبْكي عليه جوامعٌ ومجامعٌ ... ومناقبٌ ومراتبٌ تتهدَّمُ
وزكتْ خلائقُهُ الشِّرافُ وكُرِّمتْ ... منه المغارسُ (٢) وهو منها أكرمُ
جُمِعتْ له أشتاتُ كُلِّ فَضيلةٍ ... تُرْوَى مدائحُ شارِدَاتٌ حُوَّمُ
مَلأتْ فضائلُهُ البلادَ فَفَضْلُه ... كالشَّمْس نورُ ضيائها لا يُكْتَمُ
ولقد دعوتُ الشِّعْرَ يومَ (٣) نعِيَّه ... فأبى عليَّ، فلم أُطِقْ أتكلَّمُ ... أ
أنَّى يُجيبُ ومِنْ لوازمِ حقِّه ... أن لايجيبَ وفِكْرُه مُتقسِّم
وأخذتُ أكتُبُ ما أقولُ وأدْمُعي (٤) ... بين السُّطُورِ كعِقْدِ دُرٍّ يُنْظَمُ
[ق ١٥٩] نَفِدَ المدادُ فساعدتْهُ مدامعي ... فعَصى عليَّ فساعدَ الدَّمعَ الدَّمُ
حالَ المدادُ عن السَّوادِ كأنَّهُ ... دمْعُ المَحاجم صُبَّ فيه العَنْدمُ (٥)
جادَتْ (٦) ضريحًا بالشآم غمامةٌ ... تسْقي ثراهُ على المدى وتُدَوِّمُ
стр. 592
وسقى قبورًا جاوَرْته من الرِّضا ... تحتَ التّرابِ سَحابُ عَفْو (١) مُثْجَمُ
طُوبى لمن أمسى مُجاوِر تُرْبه ... من أجلها الجارُ المصاقِبُ (٢) يُكرمُ
أمسى وتحتَ الأرضِ عُرْسٌ إذ ثوى ... فيها وفوق الأرض فيها (٣) مأتمُ
هذا وأملاكُ السماءِ تَحُفُّه ... في كُلِّ يومٍ لا تملُّ وتَسْأمُ
يا أرضُ صِرْتِ به كروضة جنَّةٍ ... لنزيلها في كلِّ يومٍ موسِمُ
لسواهُ تَشْقيقُ الجيوبِ وإنما ... شقُّ الجيوب (٤) عليه مما يَلْزمُ
سَعِدتْ به أرضٌ أقام برَمْسِها ... ميتًا وهذا الميتُ حيٌّ مُكْرَمُ
نُقِلَتْ إلى جنّاتِ عَدْنٍ رُوحُه ... والحورُ والولدانُ فيها تَخْدِمُ
جُثمانه تحت العراء وروحُه ... في مَقْعد الصِّدق الرِّضا تتنعَّمُ
لو كان للجَدَث المحيط بجِسْمه ... يومًا لسانٌ ناطقٌ يتكلمُ (٥)
لسَمِعتَ بُشراهُ (٦) بمن وافى إلى ... عَرَصاته من خيرِ ضيفٍ يَقْدَم
هو في جوار الله أشرفِ منزلٍ ... والله أرأفُ بالعباد وأرْحَمُ
يَبْكي له سبعُ الطَّوافِ وسَعْيهُ ... والحِجْرُ والبيتُ العتيقُ وزمزم (٧)
стр. 593
وتعطَّل المِحْرابُ مِنْ متهجِّدٍ ... بالذِّكْر في أسْحارِهِ يترنَّمُ
والخَلْقُ إن نُسبوا إليه كواحدٍ ... في أمّةٍ وهو الفريدُ المُعْلَمُ (١)
أضحتْ سُطوْرُ الفَضْلِ يَصْعُبُ فَهْمُها ... كالخطِّ أصعبه الغريبُ المبهمُ
فأبان مُشْكلَها وأوضحَ رمزَها ... فغدت بتنقيط الفضائل تُعْجَم (٢)
إن كان قد أمسى رَهين مُوَدّأ ... زَلِخ الجوانب حَدُّه متهدّم (٣)
فلرُبَّ عانٍ قد أعان وأكْمَهٍ ... هدَّى فأرْشَدَهُ ولا يتبرَّمُ
وضريحُهُ كالمسك يَنْشَقُ عَرْفَه ... من كان مِن حَنَقٍ عليه يُسَلِّمُ
إنْ كان هذا الرُّزْءُ يَعْظمُ ذكرهُ ... شرفًا ويُنْجِدُ في البلاد ويُتْهِمُ
فالصبرُ أحسنُ مَلْبسٍ يختارُه ... حُرٌّ لبيبٌ ذو عفافٍ مسلمُ (٤)
وعلى النبيِّ من الإله صلاتُهُ ... ما أَمَّ طيبةَ مُنْجِدٌ أو مُتْهِمُ (٥)
تمت والحمد لله (٦).
стр. 594
ومنها للشيخ عبد الله بن خضر بن عبد الرحمن الروميّ الأصل، الدِّمشقي الحريري، المعروف بالمتيّم، ﵀ (١):
لقد عذَّبوا قلبي بنار المَحبَّة ... وذابَ فؤادي من فِراق الأحِبّة
وزاد غرامي واشْتياقي إلى الحِمَى ... وهيَّجَ بَلْبالي حنيني ولوعتي
فيا عُظْم أحْزاني ووَجْدي عليهمُ ... ويا طولَ أشواقي إليهم ووَحْشَتي
ملأتُ النَّواحي مِنْ نُواحي وكيف لا ... أنوحُ على قومٍ هُمُ خير جيرتي (٢)
فلم أنسَ أيامًا تقضَّت بقربهم ... ومِنْ عيشتي لمّا تولَّوا تولَّت
стр. 595
ومِنْ عَجَبي أنّي أحِنُّ إليهمُ ... وهم ساكنو قلبي ورُوحي ومُهْجتي (١)
ذكرتُ فلم أنسَى زمانَ وِصالهم ... أأنْسى ليالٍ بالعقيق (٢) تقضَّت
[ق ١٦٠] منازلُ أحبابي مواطنُ سادتي ... مطالعُ أقماري شروقُ أهِلَّتي
معاهدُ أفراحي ديارُ سعادتي ... مواسمُ أرباحي أُوَيقاتُ لَذَّتي
مَضَت وانقضت عنّي كأنْ لم أكن بها ... وما ذاك إلّا من ترادُفِ غَفْلتي (٣)
إذا لم يَلُح لي بارقٌ من حِماهمُ ... فيا خيبةَ المسعى ويا طولَ شِقْوتي
وإن لم أُقَضِّ العُمْرَ بين خيامهم ... فلا عِشْتُ في الدنيا ولا نلتُ مُنْيتي
وإن لم أشاهد حُسْنهم في مَشاهدي ... فقدْ فاتني سُؤلي ومُتُّ بحسْرتي
وحقِّ أياديهم وعِزِّ جمالهم ... وفَرْطِ خُضوعي في هواهم وذِلَّتي (٤)
لغيرِ رضاهم ما تمنَّت مَطامعي ... ولا لسِواهم ما حلالي تَلَفُّتي
стр. 596
وحاشاي أن أسلو هواهم وحُبُّهُم ... يُذكِّرني حفظ العهود القديمة
فهم سرُّ أسراري، ونور نواظري (١) ... ورُوحي وريحاني وأُنسي وبَهْجَتي ... أتى
وهم عينُ أعياني وقَلْبي وقالبي ... وهم منتهى قصدي ومشهدُ رؤيتي
وهم في مغانيهم حياتي حقيقةً ... وهم في معانيهم (٢) أُهيلُ مودَّتي
وهم في تجلّيهم شموسي إذا بدوا ... وهم في تجنِّيهم رِياضي وجنَّتي (٣)
وهم أينما كانوا نِهايةُ مَقْصدي ... وهم أينما حلُّوا مُرادي وبُغْيتي
وهم نورُ أنواري وسِرُّ حقائقي ... وهم أُنْسُ تأنيسي ومأمَنُ خِيفتي
تُرى يشتفي قَلْبي برؤيتهم على ... رياض الهنا يومًا وتبردُ غُلَّتي
وتَحْيا بهم رُوحي حياةً هنيَّةً ... مُسَرْمدةَ التَّنعِيم في غير محنةٍ (٤)
إذا سمحوا لي نظرةً من جمالهم ... فقد نلتُ من رضوانهم كلَّ وصلة
عليهم سلامُ الله ما هبَّتِ الصَّبا ... وما ناحت الأطيارُ شوقًا وحنَّت
وقد آن أن أُبدي خفايا صبابتي ... وأُظْهِرُ للعُذَّال أصلَ رَزيَّتي
وأبكي على من كان يجمعُ شَمْلَنا ... على طاعة الرحمن في كل لمحة
وأندُبُ أحزاني بما قد أصابني ... وأنثُرُ أشجاني بنظمِ قصيدتي
فقَدْتُ إمامًا لم يزل متوكِّلًا ... على الله لا يُصْغي إلى غيرِ سنة
стр. 597
فقدتُ إمامًا كان بالعلم عاملًا ... وكان حقيقًا قامعًا كل بدعة
أتى بكتاب الله والسُّنَّة التي ... عَلَت وارتقت حقًّا على كلِّ ملة
أتى بأحاديثِ الرسولِ وشرْحِها ... وعمن رواها بالمتون الصحيحة
أتى بعلوم العالمين جميعها ... بزُهدٍ وتأييْدٍ ودينٍ وقوَّة
أتى بأصُول الدين والفقه مجملًا ... وفصَّلها تفصيل مِنْ غيرِ شُبهة
أتانا بأحوال الرسول حقيقةً ... وسيرتُه (١) تسمو على كلِّ سيرة
أتانا بأحوال الصحابة كلّهم ... وللتابعين (٢) الملّةِ المستقيمة
أتانا بأوصاف الأئمة كلِّها ... وصنَّفَ (٣) كُتْبًا في صفات الأئمة
أتانا بوصف الصالحين وحالِهم ... وما هم عليه من جميل العقيدة
وعلَّمنا شرعَ الرسول ودينَه ... بأفصح ألفاظٍ وأصْدَق لهجة
وأعْلَمَنا أنّ النجاةَ من الهوى ... تَمَسُّكُنا بالسنة النبوية
وحذَّرنا مِن كلِّ زيغٍ وبدعةٍ ... وعن كلِّ طاغٍ خارجٍ عن محجَّة
وناظرَ أربابَ العقائد كلَّهم ... وبيَّن من قد ضلَّ من كلِّ فرقة
وردَّ على أهل الضلالِ جميعِهم ... بأوضح برهانٍ وأبلغ حُجَّة
[ق ١٦١] وبيَّن تكذيبَ اليهود وخُبثَهم ... وما بدَّلوا في الملّة الموسوية
وأخبرهم عن سرِّ أسباب كفرهم ... فتعسًا لهم مِن أمّةٍ غَضَبيَّة
стр. 598
وأظهر أيضًا للنصارى ضلالَهم ... وما أحْدَثوا في المِلة العيسويَّة
وباحثهم حتى تبيَّن أنهم ... سُكارى حَيارى بالطباع الخبيثة
وردَّ على كُتْبِ الفلاسفة الأولى ... بمنقولِ أحكامٍ ومعقولِ حكمة
وقرَّر إثباتَ النُّبواتِ عندهم ... وجال عليهم كَرَّةً بعد كرَّة
وردَّ على جهمٍ وجَعْدِ بن دِرهمِ ... وبشرِ المَرِيسي عُمْدةِ الجهميَّة
زنادقةٌ كم أهلكوا من عوالمٍ ... بسوءِ اعتقاداتِ النفوسِ السقيمة
وجادل أهلَ الإعتزال جميعَهم ... وسلَّ عليهم سيفه بالأدلة
يقولون: قولُ الله من بعض خَلْقه ... لقد كُبْكِبوا في قعرِ نارٍ حميَّة
وبَاحَثَ أشياخَ الروافضِ وانْثَنَى ... يُقاتلهم بِالدِّرَّةِ العُمريَّة
لأنَّهمُ عادَوا خواصَ محمَّدٍ ... وسبّوا فَهُم في الأصل شرُّ الخليقة
بغوا وافتروا جَهْلًا فهم أنحسُ (١) الورى ... وأكذَبُ خَلْقِ الله من كلِّ فِرْقة
فكمْ أحدثوا في ديننا من ضلالةٍ ... فلا مرحبًا بالفِرْقة القدريَّة (٢)
وهم خصماءُ الله تبًّا لدينهم ... وبُعدًا لهم من عُصْبةٍ ثنويَّة
وردَّ على قومٍ تربَّت (٣) نفوسُهم ... على النفي والتعطيل من غير حُجَّة
وردَّ على أهل التناسخ عندما ... تجرَّوا وخاضوا في أمورٍ عظيمة
ومزَّقهم في كلِّ وادٍ لأنهم ... يقولون لا شيء سوى البرزخيَّة
стр. 599
وقد أنكروا أمرَ المعاد بقولهم ... نفوسٌ نأت عنَّا وفي الغير حَلّت
وجادَل (١) أهلَ الاتحاد وردَّهم ... إلى أشرف المسرى وأهدى طريقة
وأنقذهم من ظُلْمة الجَهْل والعمى ... بنورٍ وبرهان ودين النصيحة
وردَّ على أهل الحلول فإنهم ... يرون تجلِّي الحقّ في كلِّ صورة
وقد زعموا أنَّ التجلِّي مَظاهرٌ ... ولا سيّما في صورةٍ أمْرَديَّة
فمن أجْلِ هذا يرقصون ديانةً ... وفي رَقْصهم جاءوا بكلِّ قبيحة
يرون شهودَ المُرْد والرقصِ قُربةً ... فيا ويلَهم من خِزْي يوم الفضيحة
وردَّ على تُبّاع (٢) إبليسَ عندما ... رآهم وقد مالوا إلى الجبرية
وكم قد طوى في علمه من طوائفٍ ... حرورية منهم على حَشَوية
مطايا بُنيَّاتِ الطريق سَرَتْ بهم ... إلى أن أناخوا في عِراص القطيعة
وفي بحر آراء العقائد أُغرقوا ... رَمَتهم خيالات العقولِ السخيفة
وكم قد أراهم كلَّهم سُبل الهُدى ... وكم قد نهاهم مرةً بعد مرَّة
فمن كان قُطْبَ الكون في حال عصره ... سواه ومن قد فاز بالبدليَّة
شجاعٌ هُمامٌ بارعٌ في صفاته ... يروم مَرامًا في المراقي العليَّة
تزهَّد في كلّ الوجود وغيره ... يدور على الدنيا بنفسٍ دنيَّة
يجود على المِسْكين في حال عُسْره ... بأطماره (٣) في حبّ باري البريَّة
стр. 600
ويَلْقى لمن يلقاه بالبِشْر والرضا ... بأوصافه الحُسْنى ونفسٍ زكيّة
ويدعو لمن قد نال مِنْ ثَلْم عِرْضه ... ولم ينتقم ممن أتى بالأذيَّة
يُسارع في الخيرات سرًّا وجَهْرةً ... ويلهو عن اللَّذات في كلِّ طَرْفة
[ق ١٦٢] يجاهد في الله الكريم بجُهده ... بصِدْقٍ وإخلاصٍ وعَزْم ونيّة
ويأمر بالمعروف حبًّا لربهِ ... وينهى عن الفحشاء نهيًا بهمَّة
تقيٌّ نقيٌّ طاهرُ الذيل مُذْ نشا ... كريمُ السجايا ذو صفاتٍ حميدة
أليس الذي قد شاع في الكون ذكرُه ... وعمَّ البرايا بالفتاوى العظيمة
فمن كان تاجَ العارفين لِوقْتنا ... وشيخَ الهدى قل لي بغير حميَّة
هو الحبرُّ والقطبُ الذي شاعَ ذِكْره ... وفاح شَذاهُ كالعبير المفتَّت
إذا ما ذكرنا حالَه وصفاتِه ... كأنَّا حللْنا في نعيمٍ وروضة
تَهَنّأ أبا العباس بالقُرْبِ والرِّضا ... لقد نلتَ ما ترجو بكلِّ مسرَّة
ألا يا تقيَّ الدين يا فرْدَ عصرِهِ ... بُرُوقُك قد لا حتْ كشمسٍ مضيئة
وبانت لكلّ الناس أوصافُك التي ... برَزْتَ بها مثل العيون الغزيرة
ظهرتَ بأنواع العلوم وجِنْسها ... وسارتْ بها الرُّكبانُ في كلِّ بلدة
وأظهرتَ (١) ما قد كان للناس خافيًا ... بكلِّ معانٍ والفُنونِ الغريبة
وأوضحتَ إشكالًا وبيَّنتْ مُبْهمًا ... وأبديتَ أسرارًا بنفسٍ عليمة
وكم غُصْتَ في بحر المعارف غوصةً ... ولجَّجتَ فاستخرجتَ كلّ يتيمة
ظهرتَ بإحسانٍ وحُسْنِ سماحةٍ ... ودينٍ وتوحيدٍ وكلِّ فضيلة