Полный текст (5 502 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
ولو صلى ورآه فرد ﵇، فقال ابن القاسم: لا يحنث؛ لأن رده السلام من سنة الصلاة، وليس من معنى، المكالمة. وقال ابن وهب: يحنث؛ لأنه كان قادرًا على أن يجتزئ بتسليمه عن يمينه وأخرى عن يساره ولا يرد على الإمام، وقالوا: لو تعايا ففتح عليه الحالف حنث، ولو كتب إليه المحلوف عليه، فروى عيسى وأبو زيد عن ابن القاسم أنه إذا قرأ كتابه حنث. وقال ابن حبيب: لا يحنث، وكذلك روى أصبغ عن ابن القاسم.
- باب مَنْ حَلَفَ أَنْ لا يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ شَهْرًا فَكَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ
/ ٥٧ - فيه: أَنَسٍ، آلَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِى مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلَيْتَ شَهْرًا؟ فَقَالَ: (إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ) . قال الطحاوى: ذهب قوم إلى أن الرجل إذا حلف ألا يكلم رجلا شهرًا، فكلمه بعد مضى تسعة وعشرين يومًا أنه لا يحنث، واحتجوا بهذا الحديث، وخالفهم فى ذلك آخرون فقالوا: إن حلف مع رؤية الهلال فهو على ذلك الشهر كان ثلاثين يومًا أو تسعة وعشرين، وإن كان حلف فى بعض شهر فيمينه على ثلاثين يومًا. وهو قول مالك والكوفيين والشافعى، واحتجوا بقوله ﵇: (الشهر تسعة وعشرون يومًا، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين) ، أفلا تراه
стр. 2767
أوجب عليهم ثلاثين يومًا وجعله على الكمال حتى يروا الهلال قبل ذلك؟ وأخبر أنه إنما يكون تسعة وعشرين برؤية الهلال قبل الثلاثين، وقد روى هذا عن الحسن البصرى، ودل نزوله من المشربة لتسع وعشرين أنه كان حلف مع غرة الهلال، هذا وجه الحديث، ومن هذا الحديث قال مالك وأبو حنيفة والشافعى: إنه من نذر صوم شهور بغير عينها فله أن يصومها للأهلة أو لغير الأهلة، فإن صامها للأهلة فكان الشهر تسعة وعشرين يومًا أجزأه، وما صام لغير الأهلة أكملها ثلاثين يومًا. وروى ابن وهب عن مالك: من أفطر رمضان كله فى سفر أو مرض فكان تسعة وعشرين يومًا، فأخذ فى قضائه شهرًا فكان ثلاثين يومًا؛ أنه يصومه كله، وإن كان شهر القضاء تسعة وعشرين يومًا ورمضان ثلاثين يومًا أجزأه. وقال محمد بن عبد الحكم: إنما يصوم عدد الأيام التى أفطر. وفى رواية ابن وهب مراعاة شهر القضاء، وعلى قول ابن عبد الحكم مراعاة الشهر الفائت، وهو أصح فى القياس؛ لأن الله افترض عليه عدد الأيام التى أفطر.
- باب من حَلَفَ أَنْ لا يَشْرَبَ النَبِيذ فَشَرِبَ الطِلاء، أَوْ سَكَرًا، أَوْ عَصِيرًا، لَمْ يَحْنَثْ فِى قَوْلِ بَعْضِ النَّاسِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ بِأَنْبِذَةٍ عِنْدَهُ
/ ٥٨ - فيه: سَهْل، أَنَّ أَبَا أُسَيْدٍ صَاحِبَ النَّبِىِّ، ﵇، عرَسَ، فَدَعَا النَّبِىَّ ﷺ لِعُرْسِهِ، فَكَانَتِ الْعَرُوسُ خَادِمَهُمْ، فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: هَلْ تَدْرُونَ
стр. 2768
مَا سَقَتْهُ؟ قَالَ: أَنْقَعَتْ لَهُ تَمْرًا فِى تَوْرٍ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَيْهِ، فَسَقَتْهُ إِيَّاهُ. / ٥٩ - وفيه: ابْن عَبَّاس، عَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِىِّ ﷺ ، قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ، فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا، ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا. قال المؤلف: زعم أبو حنيفة أن الطلاء والعصير ليسا بنبيذ فى الحقيقية، وإنما النبيذ ما نبذ فى الماء ونقع فيه، ومنه سمى المنبوذ منبوذًا، لأنه نبذ أى: طرح. ومعنى قوله: من شرب سكرًا يعنى ما يسكر مما يعصر ولا ينبذ، ويعنى قوله: ما كان عصيرًا: ما كان حديث العصر من العنب ولم يبلغ حد السكر، وبالطلاء ما طبخ من عصير العنب حتى بلغ إلى ما لا يسكر، فلا يحنث عند أبى حنيفة فى شرب شىء من هذه الثلاثة، لأنها لم تنبذ، وإنما يحنث عنده بشرب ما نبذ فى الماء من غير العنب، سواء أسكر أو لم يسكر. قال المهلب: والذى عند جمهور الفقهاء أنه إذا حلف ألا يشرب النبيذ بعينه دون سائر المشروبات أنه لا يحنث بشرب العصير والطبيخ وشبهه، وإن كان إنما حلف على النبيذ خشية منه لما يكون من السكر وفساد العقل كان حانثًا فى كل ما شرب مما يكون فيه المعنى الذى حلف عليه، ويجوز أن تسمى سائر الأشربة من الطبيخ والعصير نبيذًا لمشابهتها له فى المعنى، ومن حلف عندهم ألا يشرب شرابًا ولا نية له، فأى شراب شربه مما يقع عليه اسم شراب فهو حانث.
стр. 2769
قال المؤلف: ووجه تعلق البخارى من حديث سهل فى الرد على أبى حنيفة هو أن سهلا إنما عرف أصحابه بأنه لم يسق النبى إلا نبيذًا قريب العهد بالانتباذ مما يحل شربه، ألا ترى قوله: (أنقعت له تمرًا فى تور من الليل حتى أصبح عليه فسقته إياه) وكان ينتبذ له ﵇ ليلا ويشربه غدوة، وينتبذ له غدوة ويشربه عشية، ولو كان بعيد العهد بالانتباذ مما بلغ حد السكر لم يجز أن يسقيه النبى ﵇ ففهم من هذا أن ما بلغ حد السكر من الأنبذة حرام كالمسكر من عصير العنب، وأن من شرب مسكرًا من أى نوع سواء كان معتصرًا أو منتبذًا فإنه يحنث لاجتماعهما فى حدوث السكر، وكونها كلها خمرًا. ووجه استدلاله من حديث سودة: أنهم حبسوا مسك الشاة للانتباذ فيه الذى يجوز لهم شربه غير المسكر، ووقع عليه اسم نبيذ، ولو ذكر حديث أنس حين كسر الجرار من نبيذ التمر كان أقرب للتعلق وأوضح للمعنى، لأنهم لم يكسروا جرار نبيذ التمر المسكر، وهم القدوة فى اللغة والحجة فيها، إلا أن معنى نبيذ التمر المسكر فى معنى عصير العنب المسكر فى التحريم، لأنهم كانوا أتقى لله من أن يتلفوا نعم الله ويهريقوها استخفافًا بها، وقد نهى النبى عن إضاعة المال، ولو كان المسكر غير خمر لجاز ملكه وبيعه وشربه وهبته وكانت إراقته من الفساد فى الأرض.
стр. 2770
- باب إِذَا حَلَفَ أَلاَّ يَأْتَدِمَ فَأَكَلَ تَمْرًا بِخُبْزٍ وَمَا يَكُونُ مِنْهُ الأدْمِ ؟
/ ٦٠ - فيه: عَائِشَةَ، مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ مَأْدُومٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ. / ٦١ - وفيه: أَنَس، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَىْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخرجت خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، وَأَرْسَلَتْنِى إِلَى النَّبِىّ ﷺ ، فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ النَّبِىّ ﷺ فِى الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ. . . . الحديث. . فَأَتَتْ بالْخُبْزِ، وأَمَرَ بِهَ النَّبِىّ ﷺ ، فَفُتَّ وَعَصَرَتْ عُكَّةً لَهَا، فَأَدَمَت، ثُمَّ قَالَ فِيهِ النَّبِىّ، ﵇، مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. . . . . الحديث. اختلف العلماء فيمن حلف ألا يأكل إدامًا فأكل لحمًا مشويًا، فقال مالك والشافعى، قد حنث كما لو أكل زيتًا وخلا. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الإدام ما يصطبغ به مثل الزيت والعسل والخل، فأما ما لا يصطبغ به مثل اللحم المشوى والجبن والبيض فليس بإدام. وقال محمد: ما كان الغالب فيه أنه يؤكل بالخبز فهو إدام. واحتج الكوفيون أن حقيقة الإدام هو اسم للجمع بين شيئين، قال ﵇: (إذا أراد أحدكم أن يتزوج المرأة فلينظر إليها قبل أن يتزوجها، فإنه أحرى أن يؤدم بينهما) معناه يجمع بينهما، وليس كل اسم يتناوله إطلاق الاسم، بدليل أن من جمع بين لقمتين لا يسمى بهذا الاسم، وإنما المراد أن يستهلك فيه الخبز ويكون تابعًا له بأن
стр. 2771
تتداخل أجزاؤه بأجزاء غيره، وهذا لا يحصل إلا فيما يصطبغ به وهذا الوجه مجمع عليه، وما سواه مختلف فيه؛ فلا يصح إثباته إلا بلغة أو عادة، وقد قال تعالى: (وصبغ للآكلين (. قال ابن القصار: فيقال لهم: لا خلاف بين أهل اللغة أن من أكل خبزًا بلحم مشوى انه قد ائتدم به، ولو قال: أكلت خبزى بلا أدم لكان كاذبًا. ولو قال: أكلت خبزى بإدام كان صادقا. فيقال لهم: أما قولكم: إن الأدم اسم للجمع بين شيئين، فكذلك نقول، وليس الجمع بين الشيئين هو امتزاجهما واختلاطهما، بل هو صفة زائدة على الجمع؛ لأننا نعلم أن الخبز بالعسل ليس يستهلك أحدهما صاحبه، ولا الخبز مع الزيت أيضًا، فلم يراع فى الشريعة فى الجمع الاستهلاك، وأما الخل والزيت فهو وإن يشربه فليس يستهلك فيه ولو كان كذلك لم يبن لونه ولا طعمه، وإنما المراعى فى الجمع بين الشيئين فى الأكل هو أن يؤكل هذا بهذا على طريق الائتدام به، سواء كان مائعًا أو غير مائع كالسمن الذائب والعسل. قال غيره: والدليل على أن كل ما يؤتدم به يسمى إدامًا ما روى عن النبى ﵇ أنه قال: (تكون الأرض خبزة يوم القيامة، إدامها زائدة كبد نون وثور) ، فجعل الكبد إدامًا، فكذلك التمر، وكل شىء غير مائع فهو إدام كالكبد. وروى حفص بن غياث عن محمد بن أبى يحيى الأسلمى، عن يزيد الأعور، عن ابن أبى أمية، عن يوسف، عن عبد الله بن سلام قال: (رأيت النبى
стр. 2772
- ﵇ أخذ كسرة من خبز شعير، فوضع عليها تمرة وقال: هذه إدام هذه، فأكلها) . وروى القاسم بن محمد عن عائشة قالت: (دخل على رسول الله والبرمة تفور بلحم، فقربت إليه أدمًا من أدم البيت، فقال: ألم أر برمة فيها لحم. . .) الحديث، فدل هذا الحديث أن كل ما فى البيت مما جرت العادة بالائتدام به فهو إدام، مائعًا كان أو جامدًا.
- باب النِّيَّةِ فِى الأيْمَانِ
/ ٦٢ - فيه: عُمَرَ، قَالَ ﵇: (إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) . قال المهلب وغيره: إذا كانت اليمين بين العبد وربه وأتى مستفتيًا، فلا خلاف بين العلماء أنه ينوى ويحمل على نيته، وأما إذا كانت اليمين بينه وبين آدمى وادعى فى نية اليمين غير الظاهر لم يقبل قوله، وحمل على ظاهر كلامه إذا كانت عليه بينة بإجماع. وإنما اختلفوا فى النية إذا كانت نية الحالف أو نية المحلوف له، فقالت طائفة: النية فى حقوق الآدميين نية المحلوف له على كل حال، وهو قول مالك. وقال آخرون: النية نية الحالف أبدًا، وله أن يورى ويورك، واحتجوا بقوله: (الأعمال بالنيات) .
стр. 2773
وحجة مالك أن الحالف إنما ينبغى أن تكون يمينه على ما يدعى عليه صاحبه؛ لأنه عليه يحلفه. وقد أجمعوا على أنه لا ينتفع بالتورية إذا اقتطع مال امرئ مسلم بيمينه، فكذلك لا ينتفع بالتورية فى سائر الأيمان، وسيأتى اختلافهم فى يمين المكره، وحيث تجوز التورية فى آخر كتاب الإكراه وأول كتاب ترك الحيل - إن شاء الله - وشىء منه مذكور فى باب المعاريض مندوحة عن الكذب فى آخر كتاب الأدب أيضًا.
- باب إِذَا أَهْدَى مَالَهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ أوَ التَّوْبَةِ
/ ٦٣ - فيه: كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فِى حَدِيثِهِ: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) [التوبة: ١١٨] ، فَقَالَ فِى آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِى أَنِّى أَنْخَلِعُ مِنْ مَالِى. اختلفوا فى الرجل يقول: مالى فى سبيل الله. فقالت طائفة: لا شىء عليه. هذا قول الشعبى، وابن أبى ليلى، والحكم، وطاوس. وفيها قول ثان: أن عليه كفارة يمين. روى عن عمر، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وهو قول عطاء، وإليه ذهب الثورى، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وفيها قول ثالث: وهو أن يتصدق من ماله بقدر الزكاة. روى هذا القول أيضًا عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال ربيعة. وفيها قول رابع: وهو أن يخرج ثلث ماله فيتصدق به، وهو قول مالك.
стр. 2774
وفيها قول خامس: وهو أن يخرج ماله كله، روى هذا عن النخعى، وهو قول أبى حنيفة وزفر، إلا أن أبا حنيفة قال: يتصدق بالأموال التى تجب فيها الزكاة خاصة، وقال زفر: يحبس لنفسه من ماله قوت شهرين ثم يتصدق بمثله إذا أفاد. وحجة من قال: لا يلزمه شىء أنه لو قال: مالى حرام، لم يحرم عليه بإجماع، فكذلك فى هذه المسألة. واحتج الشافعى بما رواه أبو الخير عن عقبة بن عامر أن النبى ﵇ قال: (كفارة النذر كفارة يمين) فظاهره يقتضى أن كل نذر كفارته كفارة يمين إلا ما قام دليله. وذهب ربيعة إلى أن الزكاة جعلها الله طهرًا للأموال، فكذلك هذا الحالف بصدقة ماله يطهره ما تطهر الزكاة. واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: (ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن (الآية، فبين تعالى أنه لما لم يفوا بما عاهدوا الله عليه استحقوا الوعيد والذم، فلزمهم الوفاء به. واحتج ابن شهاب لمن قال: يجزئه الثلث بأن النبى ﵇ قال لكعب بن مالك حين قال: إن من توبتى أن أنخلع من مالى صدقة لله قال: (أمسك عليك بعض مالك) وقال ﵇ لأبى لبابة فى مثل ذلك: (يكفيك الثلث) . فكان حديث أبى لبابة مبينًا لما أجمل فى حديث كعب من مقدار الجزء المتصدق به، فثبت التقدير بحديث أبى لبابة، وسقطت سائر الأقاويل.
стр. 2775
قال ابن القصار: ومن الحجة لمالك قوله: (ولا تنس نصيبك من الدنيا (فأمر الله - تعالى - نبيه بأن لا ينسى نصيبه من الدنيا لما بالخلق ضرورة إليه من القوت وما لا بد منه، ووجب الاقتصار على إخراج الثلث، لحديث أبى لبابة، ويدل على صحة هذا القول أن المريض لما منع من إخراج ماله إلا الثلث، نظرًا لورثته وإبقاء عليهم، وجب أن يبقى المرء على نفسه قصد إخراج ماله كله. وأما من قال: يخرج زكاة ماله. فلا وجه له، لأن الزكاة تجب على الإنسان سواء نذرها أم لا. وأما قول أبى حنيفة أنه لا يخرج إلا الأموال التى تجب فيها الزكاة فقط، فإننا نقول: إن الأموال تشتمل على ما فيه الزكاة وعلى ما لا زكاة فيه، قال تعالى: (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم (ولم يفرق بين عبيدهم وعروضهم، وبين العين والورق، والحرث والماشية.
- باب إِذَا حَرَّمَ طَعَامًا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ) [التحريم: ١] ، وَقَوْلُهُ: (لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ) [المائدة: ٨٧]
. / ٦٤ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِىُّ ﷺ ، فَلْتَقُلْ له: إِنِّى أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ، فَدَخَلَ
стр. 2776
عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: لا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَتْ: (يَا أَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ (، إلى) إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ (لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ،) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِىُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا) [التحريم: ٣] لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلا. وقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامٍ: وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ فَلا تُخْبِرِى بِذَلِكِ أَحَدًا. اختلف العلماء فيمن حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا أحله الله له، فقالت طائفة: لا يحرم عليه ذلك وعليه كفارة يمين. هذا قول أبى حنيفة وأصحابه والأوزاعى. وقال مالك: لا يكون الحرام يمينًا فى طعام ولا شراب إلا فى المرأة فإنه يكون طلاقًا يحرمها عليه. وروى الربيع عن الشافعى: إن حرم على نفسه طعامًا أو شرابًا فهو حلال له ولا كفارة عليه، كقول مالك. وروى عن بعض التابعين أن التحريم ليس بشىء، وسواء حرم على نفسه زوجته أو شيئًا من ماله لا تلزمه كفارة فى شىء من ذلك، وهو قول أبى سلمة ومسروق والشعبى. وحجة من لم يوجب الكفارة حديث عائشة أن الآية نزلت فى شرب العسل الذى حرمه النبى ﷺ على نفسه لم تذكر فى ذلك كفارة. وحجة من أوجب الكفارة فى ذلك أنه زعم أن سبب نزل الآية أن رسول الله ﷺ حرم جاريته القبطية على نفسه؛ لأنه أصابها فى بيت
стр. 2777
حفصة وفى يومها، وقيل: كان فى بيت عائشة، ذكره الزجاج فوجدت حفصة من ذلك وقالت: يا رسول الله، لقد جئت إلى شيئًا ما جئته إلى أحد من أزواجك فى يومى، وفى بيتى وعلى فراشى، فقال: ألا ترضين أن أحرمها فلا أقربها، فحرمها وقال لها: لا تذكرى ذلك لأحد، فذكرت ذلك لعائشة، فأظهره الله عليه، فنزلت الآيات، وكفر النبى يمينه وأصاب جاريته، هذا قول قتادة وغيره. قال إسماعيل بن إسحاق: والحكم فى ذلك واحد؛ لأن الأمة لا يكون فيها طلاق فتطلق بالتحريم، فكان تحريمها كتحريم ما يؤكل ويشرب، ولعل القصتين كانتا جميعًا فى وقتين مختلفين، غير أن أمر الجارية فى هذا الموضع أشبه، لقوله تعالى: (تبتغى مرضات أزواجك (ولقوله تعالى: (وإذ أسر النبى إلى بعض أزواجه حديثا (فكان ذلك فى الأمة أشبه؛ لأن الرجل يغشى أمته فى ستر، ولا يشرب العسل فى ستر، وتحريم الأمة فيه مرضاة لهن، وتحريم الشراب إنما حرمه للرائحة، وقد يمكن أن يكون حرمها وحلف كما روى، ويمكن أن يكون حرمها بيمينه بالله؛ لأن الرجل إذا قال لأمته: والله لا أقربك. فقد حرمها على نفسه باليمين فإذا غشيها وجبت عليه اليمين، وإذا قال لأمته: أنت على حرام، فلم يحلف وإنما أوجب على نفسه شيئًا لا يجب فلم تحرم عليه، ولم تكن كفارة؛ لأنه لم يحلف، وقوله لامرأته: أنت على حرام مثل قوله: أنت طالق، فلا تحرم به، وكذلك أنت خلية وبرية
стр. 2778
وبائن، ليس فى شىء منه يمين، وإنما هو فراق أوجبه الإنسان على نفسه، فإن كان شيئًا يجب وجب، وإن كان شيئًا لا يجب لم يجب، وقد قال ﵇: (من نذرك أن يعصى الله فلا يعصه) ، فلم يوجب عليه كفارة كما أوجبها فى قوله: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه) . قال المهلب: والتحريم إنما هو لله - تعالى - ولرسوله، فلا يحل لأحد أن يحرم شيئًا، وقد وبخ الله من فعل ذلك فقال تعالى: (لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم (الآية فجعل ذلك من الاعتداء، وقال: (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب (فهذا كله حجة فى أن تحريم الناس ليس بشىء. وقال الكسائى وأبو عمرو المغافير: شىء شبيه بالصمغ يكون فى الرمث، وفيه حلاوة. وقال غيره: وهو شىء ينضحه العُرفط، حلو كالناطف، وله ريح منكرة. وقال أبو عمرو: يقال منه: أغفر الرمث: إذا ظهر ذلك فيه. وفال الكسائى: يقال: قد خرج الناس يتمغفرون: إذا خرجوا يجنونه من ثمره، وواحد المغافير مغفور. وقال غيره: ويقال: مغثور - بالثاء - أيضًا كما يقال: فوم وثوم، وجدف وجدث.
стр. 2779
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وما توفيقى إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب
- باب الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: (يُوفُونَ بِالنَّذْر) [الإنسان: ٧]
/ ٦٥ - فيه: ابْن عُمَرَ، رَضِى اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ ﵊: (إِنَّ النَّذْرَ لا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ) . وَقَالَ مرة: لاَ يرد شيئًا. / ٦٦ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، رضى الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (لا يَأْتِى بنِى آدَمَ النَّذْرُ بِشَىْءٍ لَمْ أَكُنْ قَدَّرَتَهُ، وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ قَدْ قَدَّرَتَهُ، فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ، فَيُؤْتِى عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِى عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ) . العلماء متفقون أن الوفاء بالنذر إذا كان طاعة واجب لازم لمن قدر عليه؛ لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود (وقوله: (يوفون بالنذر (فمدحهم بذلك، وقوله ﵊: (من نذر أن يطع الله فليطعه) وإنما اختلفوا فى اليمين بالطاعة، كالصدقة بالمال أو المشى إلى مكة، فذهب مالك - رحمة الله - إلى أن اليمين بذلك كالنذر، وان كفارتها الوفاء بها، ورأى بعض العلماء أنها أيمان يكفرها ما يكفر اليمين، وليست فى
стр. 2780
معنى النذر فيلزم الوفاء بها، لأن النذر قصد به التبرر والطاعة لله وهذه الأيمان إنما قصد بها إلى أشياء من أمور الدنيا، كقولهم: مالى صدقة إن فعلت كذا. فافترقا لهذه العلة - والله أعلم. قال المهلب: وقوله: (لا يقدم شيئًا ولا يؤخره) يعنى من قدر الله ومشيئته. وقوله: (يستخرج به من البخيل) يعنى: من الناس من لا يسمح بالصدقة والصوم إلا إذا نذر شيئًا لخوف أو طمع، فكأنه لولا ذلك الشىء الذى طمع فيه أو خافه لم يسمح بإخراج ما نذره لله تعالى ولا يفعله، فهو بخيل، وسيأتى تفسير هذا الحديث مستوعبًا فى كتاب القدر، إن شاء الله تعالى. وقوله: (فيؤتينى عليه) يعنى فيؤتى ما يجعله الناذر على نفسه لله - تعالى - مما لم يكن يفعله بغير نذر.
- باب إِثْمِ مَنْ لا يَفِى بِالنَّذْرِ
/ ٦٧ - فيه: عِمْرَانَ، رضى الله عنه، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (خَيْرُ الْقٌرُونِ قَرْنِى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِىءُ قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلا يَفُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ) .
стр. 2781
هذا الحديث يوجب الذم والنقص لمن لم يف بالنذر، وهذا من أشراط الساعة، وقرن النبى ﷺ ذم من لم يف بالنذر بخيانة الأمانة شهد به كتاب الله العزيز وجاء به على لسان الرسول، وذلك أن من لم يف لله بما عاهده فقد خان أمانته فى نقضه ما جعل لربه على نفسه فأشبه ذلك من خان غيره فيما ائتمنه عليه، والأول أعظم خيانة وأشد إثمًا، وأثنى الله - تعالى - على أهل الوفاء فقال: (يوفون بالنذر ويخافون (الآية. فدل هذا أن الوفاء بالنذر مما يدفع به شر ذلك اليوم، وقوله: (ويظهر فيهم السمن) هو كناية عن رغبتهم فى الدنيا، وإيثارهم شهواتها على الآخرة وما أعد الله فيها لأوليائه من الشهوات التى تنفد، والنعيم الذى لا يبيد، فهم يأكلون فى الدنيا كما تأكل الأنعام، ولا يقتدون بمن كان قبلهم من السلف الذين كانت همتهم من الدنيا فى أخذ القوت والبلغة، وتوفير الشهوات إلى الآخرة.
- باب النَّذْرِ فِى الطَّاعَةِ
/ ٦٨ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ) . النذر فى الطاعة واجب الوفاء به عند جماعة الفقهاء لمن قدر عليه، وإن كانت تلك الطاعة قبل النذر غير لازمة له فنذره لها قد أوجبها عليه؛ لأنه ألزمها نفسه لله - تعالى - فكل من ألزم نفسه شيئًا
стр. 2782
لله فقد تعين عليه فرض الأداء فيه، وقد ذم الله من أوجب على نفسه شيئًا ولم يف به، قال تعالى: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم (الآية، وسيأتى اختلاف العلماء فى النذر فى المعصية فى بابه، إن شاء الله.
- باب إِذَا نَذَرَ أَوْ حَلَفَ أَنْ لا يُكَلِّمَ إِنْسَانًا فِى الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَسْلَمَ
/ ٦٩ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى نَذَرْتُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: (أَوْفِ بِنَذْرِكَ) . اختلف العلماء فيمن نذر فى الجاهلية نذرًا مما يوجبه المسلمون لله ثم أسلم، فقال الشافعى وأبو ثور: واجب عليه الوفاء بنذره، وإن حنث بعد إسلامه فعليه الكفارة. وهو قول الطبرى. واحتجوا بقوله ﵇ لعمر: (أوف بنذرك) قالوا: وأوامر الرسول على الوجوب، وهو قول المغيرة المخزومى، والى هذا ذهب البخارى، وحمل قوله: (أوف بنذرك) على الوجوب، فقاس اليمين على النذر، فإن كان النذر مما الوفاء به طاعة فى الإسلام لزمه الوفاء به، وإن كان النذر واليمين مما لا ينبغى الوفاء به، كيمينه ألا يكلم إنسانًا، فعليه الكفارة فى الإسلام، وكذلك يقول الشافعى وأبو ثور فيمن نذر معصية أن عليه كفارة يمين. وقال آخرون: لا يجب عليه شىء من ذلك، وكل من حلف فى كفره فحنث بعد إسلامه فلا شىء عليه فى كل الأيمان. هذا قول مالك والثورى والكوفيين.
стр. 2783
قال الطحاوى: والحجة فى ذلك قوله ﵇: (ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه) وقالوا: لما كانت النذور إنما تجب إذا كانت مما يتقرب بها إلى الله - تعالى - ولا تجب إذا كانت معاصى، وكان الكافر إذا قال: لله على اعتكاف أو صيام، ثم فعل ذلك، لم يكن بذلك متقربًا إلى الله، فأشبه ذلك قوله ﵇: (لا نذر فى معصية) لأن ما لم يصح أن يكون طاعة لا يلزم الوفاء به، وقد يجوز أن يكون قول رسول الله لعمر: (أوف بنذرك) ليس على طريق الوجوب، ولكن لما كان عمر قد سمح فى حال نذره أن يفعله، استحب له ﵇ أن يفى به؛ لأن فعله الآن طاعة لله، فكان ما أمره به خلاف ما أوجبه هو على نفسه؛ لأن الإسلام يهدم أمر الجاهلية وقد تقدم فى كتاب الاعتكاف شىء من معنى هذا الباب فى باب الاعتكاف ليلا.
٣٠ - باب مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرٌ
وَأَمَرَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَةً جَعَلَتْ أُمُّهَا عَلَى نَفْسِهَا صَلاةً بِقُبَاءٍ، فَقَالَ: صَلِّى عَنْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ. / ٧٠ - وفيه: ابْن عَبَّاس، أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى النَّبِىَّ، ﵇، فِى نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ، فَتُوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً بَعْدُه.
стр. 2784
/ ٧١ - وفيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِىَّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِى قَدْ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ،؟ فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ) ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (فَاقْضِ اللَّهَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ) . اختلف العلماء فى وجوب قضاء النذر عن الميت على ورثته، فقال أهل الظاهر: يقضيه عنه وليه، وهو واجب عليه صومًا كان أو مالا. وقال جمهور العلماء: ليس ذلك فى الوارث بواجب، وإن فعل أحسن إن كان صدقة أو عتقًا، واختلفوا فى الصوم. واختلفوا أيضًا إذا أوصى به، فقالت طائفة: هو فى ثلثه. وهو قول مالك، وقال آخرون: كل واجب إذا أوصى به فهو من رأس ماله. وأما أمر ابن عمر وابن عباس بالصلاة بقباء، فهو على وجه الرأى لا على وجه الإلزام، وقد روى عن ابن عمر وابن عباس خلاف ما حكى البخارى عنهما، ذكر مالك فى الموطأ أنه بلغه أن عبد الله بن عمر كان يقول: لا يصلى أحد عن أحدٍ ولا يصوم أحد عن أحد. وروى أيوب بن موسى عن عطاء بن أبى رباح، عن ابن عباس قال: لا يصلى أحد عن أحدٍ ولا يصوم أحد عن أحد. وأجمع الفقهاء أنه لا يصلى أحد عن أحد فرضًا وجب عليه من الصلاة ولا سنة، لا عن حى ولا عن ميت. قال المهلب: لو جاز أن يصلى أحد عن أحد؛ لجاز ذلك فى جميع ما يلزم الأبدان من الشرائع، ولجاز أن يؤمن إنسان عن آخر، وما كان أحد أحق بذلك من النبى ﵇ أن يؤمن عن أبويه وعمه أبى طالب ولما نهى عن الاستغفار لمن استغفر له، ولبطل
стр. 2785
معنى قوله تعالى: (ولا تكسب كل نفس إلا عليها (وإنما أراد - والله أعلم - كسب الفرائض، وأما النوافل فقد أمر ﵇ الأعقاب بقضائها عن الأموات وغيرهم تبرعًا بذلك. وقوله: (كانت سنة) أى سنة فى الحض على التبرر عن الميت. قال ابن القابسى: وهذا يدل أن الموتى ينفعهم العمل الصالح، وإن كان من غير أموالهم، وقد قال تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (لكن فعل هذا سنة لمن فعله. واختلف العلماء فى النذر الذى كان على أم سعد بن عبادة، فقال: قوم كان صيامًا. واستدلوا بحديث الأعمش عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: (جاء رجل إلى النبى فقال: إن أمى ماتت وعليها صوم، أفأصوم عنها؟ قال: نعم) . قال بعض العلماء: لا يصح أن يجعل حديث الأعمش مفسرًا لحديث الزهرى؛ لأنه قد اختلف فيه على الأعمش، فقال فيه قوم عنه: (إن امرأة جاءت إلى النبى فقالت: يا رسول الله، إن أمى ماتت وعليها صيام) . وهذا يدل أنه ليس السائل عن ذلك سعد بن عبادة، وأنها كانت امرأة، وقد ذكرنا أن ابن عباس كان يفتى بألا يصوم أحد عن أحد. وقال آخرون: إن النذر الذى كان على أم سعد كان عتقا، واستدلوا على ذلك بحديث القاسم بن محمد أن سعد بن عبادة قال:
стр. 2786
(يا رسول الله، إن أمى هلكت، فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال: نعم) ، قالوا: وهذا يفسر النذر المجمل فى حديث ابن عباس. وقال آخرون: كان النذر صدقة، واستدلوا بحديث مالك عن سعيد بن عمرو بن شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جده (أن سعد بن عبادة خرج فى بعض المغازى فحضرت أمه الوفاة، فقيل لها: أوصى، فقالت: فيم أوصى، وإنما المال مال سعد؟ فتوفيت قبل أن يقدم سعد، فلما قدم سعد ذُكر ذلك له، فقال سعد: يا رسول الله، هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ فقال: نعم) ، وليس فى هذا بيان النذر المذكور بل الظاهر فى الحديث أنه وصية، والوصية غير النذر، ولا خلاف بين العلماء فى جواز صدقة الحى عن الميت نذرًا كان أو غيره. وقال آخرون: كان نذر أم سعد نذرًا مطلقًا، لا ذكر فيه لصيام ولا عتق ولا صدقة. قالوا: ومن جعل على نفسه نذرًا مبهما فكفارته كفارة يمين. روى هذا عن ابن عباس وعائشة وجابر، وهو قول جمهور الفقهاء. وروى عن سعيد بن جبير وقتادة أن النذر المبهم أغلظ الأيمان، وله أغلظ الكفارات: عتق أو كسوة أو إطعام. والصحيح قول من جعل فيه كفارة يمين، لما رواه ابن أبى شيبة عن وكيع، عن إسماعيل ابن رافع عن خالد بن يزيد، عن
стр. 2787
عقبة بن عامر قال: قال رسول الله: (من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين) . وأما الحج عن الميت فهو مذكور فى كتاب الحج. قال المهلب: وقوله: (أرأيت لو كان عليها دين) هو تمثيل من النبى ﷺ وتعليم لأمته القياس والاستدلال، ويبين ذلك أن الديون لازمة للأموات فى ذمته، فإن لم تكن لهم ذمة من المال لم يلزمهم الدين إلا فى الآخرة، فحذر النبى ﵇ من أن يبقى على الميت تباعة من دين كان لخلقه أو من طاعة كان نذرها، وعرف أن ما لزمه لله أحق أن يقضى مما لزمه لأحدٍ من عباده حضا وندبًا - والله الموفق.
٣١ - باب النَّذْرِ فِيمَا لا يَمْلِكُ وَلاَ نَذْرٍ فِى مَعْصِيَةٍ
/ ٧٢ - فيه: عَائِشَةَ، قَالَ ﵇: (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ) . / ٧٣ - وفيه: أَنَس، قَالَ ﵇: (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، وَرَآهُ يَمْشِى بَيْنَ ابْنَيْهِ) . / ٧٤ - وفيه: ابْن عَبَّاس: أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ رَأَى رَجُلا يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِزِمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَطَعَهُ. وَقَالَ مرة: يَقُودُ إِنْسَانًا بِخِزَامَةٍ فِى أَنْفِهِ، فَقَطَعَهَا النَّبِىُّ، ﵇، بِيَدِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقُودَهُ بِيَدِهِ.
стр. 2788
/ ٧٥ - وَقَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ مرة: بَيْنَا النَّبِىُّ، ﵇، يَخْطُبُ، إِذ هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلا يَقْعُدَ، وَلا يَسْتَظِلَّ، وَلا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فَقَالَ ﵇: (مُرْهُ، فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ) . ليس فى هذه الأحاديث شىء من معنى النذر فيما لا يملك، وقد تقدم قبل هذا شىء منه، وإنما فى هذه الأحاديث من نذر معصية أو ما ليس بطاعة. وقد اختلف العلماء فى ذلك، فقال مالك: من نذر معصية كقوله: لله على أن أشرب الخمر أو أزنى أو أسفك دمًا، فلا شىء عليه وليستغفر الله، استدلالا بقوله ﵇: (ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه) ولم يذكر كفارة. قال مالك: وكذلك إذا نذر ما ليس لله بطاعة ولا معصية كقوله: لله على أن أدخل الدار أو آكل أو أشرب، فلا شىء عليه أيضًا؛ لأنه ليس فى شىء من ذلك لله طاعة، استدلالا بحديث أبى إسرائيل. قال مالك: ولم أسمع رسول الله أمره بكفارة. وقد أمره أن يتم ما كان لله طاعة، ويترك ما خالف ذلك. وقول الشافعى كقول مالك. وقال أبو حنيفة والثورى: من نذر معصية كان عليه مع تركها كفارة يمين، واحتجوا بحديث عمران بن حصين وأبى هريرة أن الرسول قال: (لا نذر فى معصية الله، وكفارته كفارة يمين) ، وهذا حديث لا أصل له؛ لأن حديث أبى هريرة إنما يدور على سليمان بن أرقم، وهو متروك الحديث، وحديث عمران بن حصين يدور على زهير بن
стр. 2789
محمد عن أبيه، وأبوه مجهول، لم يرو عنه غير ابنه زهير، وزهير أيضًا عنده مناكير. وفى قوله ﵇: (من نذر أن يعصى الله فلا يعصه) حجة لمن قال: إن من نذر ينحر ابنه فلا كفارة عليه؛ لأنه لا معصية أعظم من إراقة دم مسلم بغير حق، ولا معنى للاعتبار فى ذلك بكفارة الظهار فى قول المنكر والزور، كما اعتبر ذلك ابن عباس؛ لأن الظهار ليس بنذر، والنذر فى المعصية قد جاء فيه نص عن النبى ﵇. قال مالك: من نذرك أن ينحر ابنه ولم ولم يقل عند مقام إبراهيم، فلا شىء عليه، وكذلك إن لم يرد أن يحجه، وإن نوى وجه ما ينحر فعليه الهدى. وقال أبو حنيفة: علية شاة إذا حلف أن ينحر ولده. وقال أبو يوسف: لا شىء عليه. وبه يأخذ الطحاوى. وفى حديث أبى إسرائيل دليل على السكوت عن المباح أو عن ذكر الله ليس من طاعة الله، وكذلك الجلوس فى الشمس، وفى معناه كل ما يتأذى به الإنسان مما لا طاعة لله فيه ولا قربة بنص كتاب أو
стр. 2790
سنة كالجهاد وغيره، وإنما الطاعة ما أمر الله ورسوله مما يُتقرب بعمله لله، ألا ترى أنه ﵇ أمره بإتمام الصيام لما كان لله طاعة.
٣٢ - باب مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ أَيَّامًا فَوَافَقَ يَوْم الْفِطْرَ أَو النَّحْرَ
/ ٧٦ - فيه: ابْن عُمَرَ، أن رَجلا سَأله عَنْ رَجُل نَذَرَ أَنْ لا يَأْتِىَ عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلا صَامه، فَوَافَقَ يَوْمَ الأَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَقَالَ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: ٢١] لَمْ يَكُنْ يَصُومُ يَوْمَ الأضْحَى وَالْفِطْرِ، وَلا يَرَى صِيَامَهُمَا. / ٧٧ - وَقَالَ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ: سَأَل ابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ، فَقَالَ: نَذَرْتُ أَنْ أَصُومَ كُلَّ يَوْمِ ثَلاثَاءَ - أَوْ أَرْبِعَاءَ - مَا عِشْتُ، فَوَافَقْتُ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ فَقَالَ: (أَمَرَ اللَّهُ بِوَفَاءِ النَّذْرِ، وَنُهِينَا أَنْ نَصُومَ يَوْمَ النَّحْرِ) ، فَأَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ مِثْلَهُ، لا يَزِيدُ عَلَيْهِ. العلماء مجمعون أنه لا يجوز لأحد صوم يوم الفطر والنحر، وأن صومهما محرم على قاضٍ فرضًا أو ناذر، ومن نذر صومهما فقد نذر معصية، وهو داخل تحت قوله ﵇: (من نذر أن يعصى الله فلا يعصه) . واختلفوا فى قضائهما لمن نذر صيام يوم بعينه فوافقهما، وقد تقدم فى كتاب الصيام، فأغنى عن إعادته.
стр. 2791
٣٣ - باب هَلْ يَدْخُلُ فِى الأيْمَانِ وَالنُّذُورِ الأرْضُ وَالْغَنَمُ وَالزُّرُوعُ وَالأمْتِعَةُ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ عُمَرُ لِلنَّبِىِّ ﵇: أَصَبْتُ أَرْضًا لَمْ أُصِبْ مَالا قَطُّ أَنْفَسَ مِنْهُ، قَالَ: (إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْتَ بِهَا) . وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ لِلنَّبِىِّ ﷺ : أَحَبُّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بَيْرُحَاءَ لِحَائِطٍ لَهُ مُسْتَقْبِلَةِ الْمَسْجِدِ. / ٧٨ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، خَرَجْنَا مَعَ الرسول ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلا فِضَّةً، إِلا الأمْوَالَ وَالثِّيَابَ وَالْمَتَاعَ، فَأَهْدَى رَجُلٌ مِنْ بَنِى الضُّبَيْبِ، يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ إلى النَّبِىّ ﷺ غُلامًا، يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ. . . الحديث. قال المهلب: إنما أراد البخارى أن يبين أن المال يقع على كل متملك، ألا ترى قول عمر للنبى: (إنى أصبت أرضًا لم أصب مالا قط أنفس منه) وقول أبى طلحة: (أحب أموالى إلى بيرحاء) . وهم القدوة فى الفصاحة ومعرفة لسان العرب. وأما قوله فى حديث أبى هريرة: (فلم نغنم ذهبًا ولا فضة إلا الأموال والثياب والمتاع) . فقد اختلفت الرواية فى ذلك عن مالك، فروى ابن القاسم عنه مثل رواية البخارى، وروى يحيى بن يحيى وجماعة عن مالك: (إلا الأموال والمتاع والثياب) وإنما تخرج هذه الرواية على لغة دوس قبيل أبى هريرة، فإنها لا تسمى العين مالا، وإنما الأموال عندهم العروض والثياب، وعند غيرهم المال
стр. 2792
الصامت من الذهب والفضة خاصة، والمعروف من كلام العرب أن كل ما تمول وتملك فهو مال، وإنما أراد البخارى - والله أعلم - الرد على أبى حنيفة فإنه يقول إن من حلف أو نذر أن يتصدق بمال كله، فإنه لا يقع يمينه ولا نذره من الأموال إلا على ما فيه الزكاة خاصة، وعند مالك ومن تبعه تقع يمينه على جميع ما يقع عليه اسم مال، وأحاديث هذا الباب تشهد لقول مالك، وهو الصحيح.
стр. 2793
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
- كِتَاب كَفَّارَة الأيْمَانِ
وقَوْلِ اللَّهِ: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) [المائدة: ٨٩] ، وَمَا أَمَرَ النَّبِىُّ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) [البقرة: ١٩٦] . وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ: مَا كَانَ فِى الْقُرْآنِ (أَوْ) ، فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ، وَقَدْ خَيَّرَ الرسول ﷺ كَعْبًا فِى الْفِدْيَةِ. / ١ - فيه: كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: أَتَيْتُهُ - يَعْنِى النَّبِىَّ، ﵇ فَقَالَ: (ادْنُ) ، فَدَنَوْتُ، فَقَالَ: (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ) ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ، أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ نُسُكٍ) . وَقَالَ أَيُّوبَ: صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ، وَالْمَسَاكِينُ سِتَّةٌ. والعلماء متفقون أن (أو) تقتضى التخيير، وأن الحانث فى يمينه بالخيار إن شاء كسا، وإن شاء أطعم، وإن شاء أعتق. واختلفوا فى مقدار الإطعام فى كفارة الأيمان، فقالت طائفة: يجزئه لكل إنسان مد من طعام بمد النبى ﵇ وروى ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وزيد بن ثابت، وأبى هريرة، وهو قول عطاء، والقاسم، وسالم، والفقهاء السبعة، وبه قال مالك، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد وإسحاق، غير أن مالكًا قال: إن أطعم بالمدينة فمدًا لكل مسكين؛ لأنه وسط عيشهم وسائر الأمصار وسطًا من عيشتهم.
стр. 2794
وقال ابن القاسم: يجزئه مد بمد النبى حيث ما أخرجه. وقالت طائفة: يطعم لكل مسكين نصف صاع حنطة، وإن أعطى تمرًا أو شعيرًا فصاعًا صاعًا، روى هذا عن عمر بن الخطاب، وعلى، ورواية عن زيد بن ثابت، وهو قول النخعى، والشعبى، والثورى، وسائر الكوفيين. واحتجوا بحديث كعب بن عجرة أن النبى أمره أن يطعم لكل مسكين نصف صاع حنطة فى فدية الأذى على ما ثبت فى كتاب الحج فى حديث كعب. والحجة للقول الأول أن النبى ﵇ أمر فى كفارة الواقع على أهله فى رمضان بإطعام مد لكل مسكين، وإنما ذكر البخارى حديث كعب بن عجرة فى فدية الأذى فى باب كفارة اليمين من أجل التخيير فى كفارة الأذى كما هى فى كفارة اليمين. قال ابن القصار: ومن الحجة لهذه المقالة قوله تعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم (وأوسط ما نطعم أهلينا ما غلب فى العرف، وهو ما يغدى ويعشى ويشبع، وليس فى العرف أن يأكل الواحد صاعًا من شعير أو تمر، الذى هو عندهم ثمانية أرطال، ولا نصف صاع من بر، وهو أربعة أرطال، والحكم معلق على الغالب لا على النادر، ويجوز أن يغدى المساكين ويعشيهم عند مالك والكوفيين، وقال الشافعى: لا يعطيهم المد إلا دفعة واحدة. قال ابن القصار: والجميع عندنا يجوز لقوله: (فكفارته إطعام (
стр. 2795
ولم يخص، فإن أطعم بالغداة والعشى فقد أطعم، وعلى أصل مالك يجوز أن يغديهم ويعشيهم دون إدام؛ لأن الأصل عنده مد دون إدام. وذهب مالك فى الأدم إلى الزيت، قال إسماعيل: وأحسبه ذهب إلى الزيت؛ لأنه الوسط من أدم أهل المدينة، وقال غيره: من ذهب إلى مد بمد النبى تأول قوله: (من أوسط ما تطعمون (أنه أراد الوسط من الشبع، ومن ذهب إلى مدين من بر أو صاع من شعير ذهب إلى الشبع، وتأول فى أوسط ما تطعمون الخبز واللبن، والخبز والسمن، والخبز والزيت، قالوا: والأعلى الخبز واللحم، والأدون خبز دون إدام، ولا يجوز عندهم الأدون لقوله: (من أوسط (. واختلف فيما يجزئ من الكسوة فى الكفارة، فقال مالك: ما يستر عورة المصلى، فالرجل يستره القميص، والمرأة قميص ومقنعة؛ لأنها عورة لا يجوز أن يظهر فى الصلاة إلا وجهها وكفاها. وقال أبو حنيفة والشافعى يجزئه ما يقع عليه اسم كسوة. وحجة مالك قوله تعالى) من أوسط (فعطف بالكسوة على الأوسط، فكما يطعم الأوسط، فكذلك يكسو الأوسط. وذهب مالك إلى أنه إذا عدم فى الكفارة العتق والإطعام والكسوة
стр. 2796
حتى وجب عليه صيام ثلاثة أيام أنه يجوز له تفريق صومها، وأحب إليه متابعتها، وعند أبى حنيفة لا يجزئه إذا فرقها، وهو أحد قولى الشافعى، وحجة مالك أن الله ذكر صيامًا ولم يشترط فيه التتابع، كما لم يشترط فى فدية الأذى، وحجة الكوفيين أن ابن مسعود قرأ: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات (.
- باب قَوْلِهِ تَعَالَى: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) [التحريم: ٢] ومَتَى تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْغَنِىِّ وَالْفَقِيرِ
/ ٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ، قَالَ: (وَمَا شَأْنُكَ) ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِى فِى رَمَضَانَ، قَالَ: (تَسْتَطِيعُ تُعْتِقُ رَقَبَةً) ؟ قَالَ: لا، قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) ؟ قَالَ: لا، قَالَ: (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ؟ قَالَ: لا، قَالَ: (اجْلِسْ) ، فَجَلَسَ، فَأُتِىَ النَّبِىُّ ﷺ بِعَذَقٍ فِيهِ تَمْرٌ - وَالْعَذَقُ الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ - قَالَ: (خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ. . .) الحديث. أراد البخارى أن يعرفك أن الكفارة تجب بعد الحنث وانتهاك الذنب، وستأتى مذاهب العلماء فى الكفارة قبل الحنث أو بعده، بعد هذا - إن شاء الله - وقد تقدم ما للعلماء فى الفقير تجب عليه الكفارة ولا يجد ما يكفر، هل تسقط عنه أو تبقى فى ذمته إلى حال يسره فى كتاب الصيام. واستدل مالك والشافعى بهذا الحديث أن الإطعام فى كفارة الأيمان مُد لكل مسكين؛ لأن المكتل الذى أتى به ﵇ وقال للواطئ:
стр. 2797
خذه فتصدق به. كان فيه خمسة عشر صاعًا، وذلك ستون مدا، فالذى يصيب كل مسكين منهم مُد. وزعم الكوفيون أنه قد يجوز أن يكون النبى لما علم حاجة الرجل أعطاه المكتل من التمر بالخمسة عشر صاعًا ليستعين به فيما وجب عليه لا على أنه جميع ما وجب عليه، كالرجل يشكو إلى الرجل ضعف حاله وما عليه من الدين، فيقول له خذ هذه العشرة دراهم فاقض بها دينك، ليس على أنها تكون قضاء عن جميع دينه، ولكن على أن تكون قضاء لمقدارها من دينه. وهذه دعوى لا دليل عليها إلا الظن، والظن لا يغنى من الحق شيئًا، وقول مالك أولى بالصواب، وهو ظاهر الحديث؛ لأن النبى ﵇ لم يذكر مقدار ما تبقى عليه من الكفارة بعد الخمسة عشر صاعًا ولم يكن يسعه السكوت عن ذلك حتى يبينه؛ لأنه بُعث معلمًا.
- باب يُعْطِى فِى الْكَفَّارَةِ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا
/ ٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أن النَّبِىّ، ﵇، قَالَ لَهُ: (أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ) . قال المهلب: قال تعالى: (فكفارته إطعام عشرة مساكين (فجاء هذا اللفظ مبهمًا بغير شرط قريب ولا بعيد، وبين النبى ﵇ فى كفارة المفطر فى رمضان أنه جائز فى الأقارب لقوله: (أطعمه أهلك) فقاس البخارى بذلك المبهم من كفارة الأيمان بالله؛ لأنه مفسر، والمفسر يقضى على المجمل، إلا أن أكثر العلماء
стр. 2798
على أن الفقير تبقى الكفارة فى ذمته، فمن قال هذا لا يجيز أن يعطى الكفارة أحدًا من أهله ممن تلزمه نفقته إلا وتكون باقية فى ذمته، وإن كان ممن لا تلزمه نفقتهم فيجوز أن يعطيهم، ويجزئه فى الكفارة، وقد تقدم بيان هذا فى كتاب الصيام.
٣ - باب صَاعِ الْمَدِينَةِ وَمُدِّ النَّبِىِّ، ﵇، وَبَرَكَتِهِ وَمَا تَوَارَثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ
/ ٤ - فيه: السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ ﷺ مُدًّا وَثُلُثًا بِمُدِّكُمُ الْيَوْمَ، فَزِيدَ فِيهِ فِى زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِالْعَزِيزِ. / ٥ - وفيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُعْطِى زَكَاةَ رَمَضَانَ بِمُدِّ النَّبِىِّ ﷺ الْمُدِّ الأوَّلِ، وَفِى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِمُدِّ النَّبِىِّ ﷺ . وَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ جَاءَكُمْ أَمِيرٌ، فَضَرَبَ لكم مُدًّا أَصْغَرَ مِنْ مُدِّ النَّبِىِّ ﷺ ، بِأَىِّ شَىْءٍ كُنْتُمْ تُعْطُونَ؟ قُلْتُ: كُنَّا نُعْطِى بِمُدِّ النَّبِىِّ، ﵇، قَالَ: أَفَلا تَرَى أَنَّ الأمْرَ إِنَّمَا يَعُودُ إِلَى مُدِّ النَّبِىِّ، ﵇. / ٦ - وفيه: أَنَس، قَالَ ﵇: (اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِى مِكْيَالِهِمْ وَمُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ) . وقوله: (كان الصاع على عهد النبى مدا وثلثًا) يدل أن مدهم ذلك الوقت حين حدث به السائب وزنه أربعة أرطال، وإذا زيد
стр. 2799
عليه ثلثه، وذلك رطل وثلث قام منه خمسة أرطال وثلث، وهو الصاع بدليل أن مد النبى ﵇ فيه رطل وثلث، وصاعه أربعة أمداد بمده ﵇، وأما مقدار ما زيد فيه فى زمن عمر بن عبد العزيز فلا يعلم ذلك إلا بخبر. وقوله: إن ابن عمر كان يعطى زكاة رمضان وفى كفارة اليمين بمد النبى ﵇ الأول، فإنما وصف مد النبى ﵇ بالأول ليفرق بينه وبين مد هشام الحادث الذى أحدثه أهل المدينة فى كفارة الظهار، ليغلظها على المتظاهرين الذين شهد الله عليهم أنهم يقولون منكرًا من القول وزورًا، فجعلوها بمد هشام، وهو أكبر من مد النبى بثلثى مد، ولم يكن للنبى ﵇ إلا مد واحد، وهو الذى نقله أهل المدينة، وعمل به الناس إلى اليوم. والفقهاء على قولين فى كفارة الأيمان، فطائفة تقول: إن الكفارات كلها بمد النبى ﵇ مد مد لكل مسكين، وكذلك الإطعام عمن فرط فى صيام رمضان حتى يأتى رمضان آخر، وهو قول مالك والشافعى على ما ثبت فى هذه الأحاديث وحديث الواقع على أهله فى رمضان. وقال أهل العراق: الكفارات كلها مدان مدان لكل مسكين قياسًا على ما أجمعوا عليه من فدية الأذى فى حديث كعب بن عجرة أن النبى أمره أن يطعم كل مسكين نصف صاع. قال المهلب: وإنما دعا النبى ﵇ لهم بالبركة فى مكيالهم وصاعهم ومدهم، فإنه خصهم من بركة دعوته بما أضطر أهل الأرض كلها أن يشخصوا إلى المدينة ليأخذوا هذا المعيار المدعو له
стр. 2800
بالبركة، وينقلوه إلى بلدانهم، ويكون ذلك سنة فى معايشهم وما افترض الله عليهم لعيالهم، وقد تقدم فى كتاب الوضوء والغسل الحجة لمقدار مده وصاعه ﵇ بما فيه مقنع.
٤ - باب قَوْلِ اللَّهِ: (فتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنة (وَأَىُّ الرِّقَابِ أَزْكَى ؟
/ ٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﵇: (مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ) . اختلف العلماء فى عتق غير المؤمنة فى كفارة اليمين، فقال مالك والأوزاعى والشافعى: لا تجزئ إلا برقبة مؤمنة، وأجاز عطاء بن أبى رباح عتق غير المؤمنة، وهو قول الكوفيين وأبى ثور، واحتج الكوفيون أن الله إنما شرط الرقبة المؤمنة فى كفارة قتل الخطأ خاصة، ولم يشترط المؤمنة فى كفارة اليمين بالله، ولا فى كفارة الظهار، فلا يجب أن يتعدى بالمؤمنة غير الموضع الذى ذكرها الله فيه. قال الطحاوى: فلا تقاس الرقبة على الرقبة، كما لم يقس الصوم المطلق على المتتابع، وكما لم يجعل الإطعام فى القتل بدلا من الصوم قياسًا على الظهار. وحجة القول الأول أن الله - تعالى - لما شرط فى كفارة قتل الخطأ الرقبة المؤمنة، وكانت كفارة ثم ذكر فى كفارة اليمين وكفارة الظهار
стр. 2801
رقبة، ولم يذكر مؤمنة ولا غير مؤمنة، وكانت كفارات كلها، وجب اعتبار المؤمنة فى كل موضع، ألا ترى أن الله شرط العدالة فى الشهادة بقوله: (ممن ترضون من الشهداء (ثم قال فى موضع آخر: (وأشهدوا إذا تبايعتم (ولم يختلف العلماء أن العدالة من شرط الإشهاد فى التبايع، وجب أن يكون مثل ذلك فى الرقبة، وهذا عندهم من باب المجمل الذى يقضى عليه المفسر، فلما فسر أمر الرقبة فى الموضع الواحد استغنى عن إعادتها فى كل موضع، ألا ترى أن النبى إنما حض على عتق المؤمن، لأنه أزكى وأطهر، ولم يختلف العلماء فى جواز عتق الكافر فى التطوع، واحتج مالك فى ذلك بقول الله تعالى: (فإما منا بعد وإما فداء (فالمن: العتق للمشركين، وقد من رسول الله على جماعة منهم.
٥ - باب عِتْقِ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبِ فِى الْكَفَّارَةِ وَعِتْقِ وَلَدِ الزِّنَا
وَقَالَ طَاوُسٌ: يُجْزِئُ الْمُدَبَّرُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ. / ٨ - فيه: جَابِر، أَنَّ رَجُلا مِنَ الأنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ النَّبِىَّ ﵇، فَقَالَ: (مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّى) ؟ فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِ مِائَةِ دِرْهَمٍ. اختلف العلماء فى هذا الباب فقال مالك: لا يجوز أن يعتق فى الرقاب الواجبة مكاتب ولا مدبر ولا أم ولد ولا معتق إلى سنين.
стр. 2802
وهو قول الكوفيين والأوزاعى والشافعى، إلا أن الشافعى أجاز عتق المدبر. وأن الكوفيين والأوزاعى قالوا: إن كان المكاتب قد أدى شيئًا من كتابته فلا يجوز عتقه فى الكفارة، وإن لم يؤد شيئًا جاز عتقه وبه قال الليث وأحمد وإسحاق. وفيه قول ثالث: أن عتقه يجزئ وإن أدى بعض كتابته، قال: لأن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم فهو يباع، وقد اشترت عائشة بريرة بأمر النبى ﵇. وهذا قول أبى ثور. وحجة مالك ومن وافقه أن المكاتب والمدبر وأم الولد قد ثبت لهم عقد حرية لا سبيل إلى دفعها، والله - تعالى - إنما ألزم من عليه عتق رقبة واجبة أن يبتدئ عتقها من غير عقد حرية تقدمت فيها قبل عتقه فقال تعالى: (فتحرير رقبة (ولم يقل بعض رقبة. واحتج الشافعى فى المدبر يجزئ عتقه فى الكفارة بحديث جابر أن النبى ﵇ باع المدبر على الذى لم يكن له مال غيره من نعيم النحام، وقال: لما جاز بيعه جاز عتقه فى الكفارة وغيرها؛ لأنه لو كانت فيه شعبة من الحرية لم يبعه النبى ﵇. وقال المالكيون: من جعل جواز البيع حجة على جواز عتقه فقوله غير صحيح؛ لأن كثيرًا ممن يجوز بيعه لا يجوز عتقه مثل الأعمى والمقعد وشبهه. وقال مالك والكوفيون: إنما بيع المدبر فى حديث جابر؛ لأن تدبيره
стр. 2803
كان سفهًا، وكان من الإعلان بسوء النظر لنفسه، فلذلك رده النبى ﵇ لأن تدبيره كلا تدبير، وبهذا الحديث احتج بعض العلماء فى جواز نقض أفعال السفيه قبل أن يولى عليه، وأما التدبير الصحيح بخلاف هذا، لا يجوز أن يباع من ثبت له ذلك؛ لأنه قد ثبت له شرط الحرية بعد الموت. وأما عتق أم الولد فى الرقاب الواجبة، فإن فقهاء الأمصار على أنه لا يجوز عتقها فى ذلك من أجل أنه قد ثبت لها شرط الحرية بعد موت سيدها، على ما حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة، وما ذكره البخارى عن طاوس أنه أجاز عتقها فى الرقاب الواجبة، فهو قول النخعى والحسن البصرى، وحجتهم الإجماع على أن أحكامها فى جراحها وحدودها أحكام أمة، لا أحكام حرة. وأما عتق ولد الزنا فى الرقاب الواجبة، فأجاز عتقه جمهور الفقهاء روى ذلك عن عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب، وعائشة، وجماعة من الصحابة - رضى الله عنهم - وقال عطاء والشعبى والنخعى: لا يجوز عتقه، وهو قول الأوزاعى وما روى عن أبى هريرة أن النبى ﵇ قال فيه: (إنه شر الثلاثة) . فقد روى عن ابن عباس وعائشة إنكار ذلك، قال ابن عباس: لو كان شر الثلاثة ما استوى بأمه حتى تضعه، وقالت عائشة: ما عليه من ذنب أبويه شىء، ثم قرأت: (ولا تز وازرة وزر أخرى (.
стр. 2804
٦ - باب إِذَا أَعْتَقَ عبدًا بينه وبين آخر فِى الْكَفَّارَةِ، لِمَنْ يَكُونُ وَلاؤُهُ ؟
/ ٩ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِىَ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهَا الْوَلاءَ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ، ﵇، فَقَالَ: (اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ) . اختلف العلماء فى هذه المسألة، فقال مالك والأوزاعى: إذا أعتق أحد الشريكين عبدًا بينه وبين غيره عن الكفارة، إن كان موسرًا أجزأه ويضمن لشريكه حصته، وإن كان معسرًا لم يجزئه، وهو قول محمد وأبى يوسف والشافعى وأبى ثور. وقال أبو حنيفة وبعض أصحابه: لا يجزئه عن الكفارة موسرًا كان أو معسرًا. وحجة مالك أن للمعتق الموسر إذا لم يكن شريكه يعتق نصيبه، فالعبد كله على الموسر حر، فلذلك أجزأ عنده، وحجة من لم يجز العتق أنه أعتق نصف عبد لا عبدًا كاملا؛ لأن أصل أبى حنيفة أن الشريك مخير، إن شاء قوم على شريكه، وإن شاء استسعى العبد فى نصف قيمته، وإن شاء أعتق فيكون الولاء بينهما نصفين. وأما الولاء فهو للمكفر المعتق عند جمهور العلماء؛ لأنه لما أعتق نصيبه وكان موسرًا أوجب عليه عتقه كله، وقد قال عليه
стр. 2805
السلام: (الولاء لمن أعتق) فلذلك أدخل البخارى حديث بريرة فى هذا الباب.
٧ - باب الاسْتِثْنَاءِ فِى الأيْمَانِ
/ ١٠ - فيه: أَبُو مُوسَى، أَتَيْتُ النَّبِىّ، ﵇، فِى رَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ، فَقَالَ: (وَاللَّهِ لا أَحْمِلُكُمْ، مَا عِنْدِى مَا أَحْمِلُكُمْ) ، ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأُتِىَ بِإِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلاثَةِ ذَوْدٍ، فقلنا: لا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا، فَأَتَيْنَا النَّبِىّ ﷺ فأخبرناه، فَقَالَ: (مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ إِنِّى وَاللَّهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرِهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى، وَأَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ، أَوْ أَتَيْتُ الَّذِى هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِى. / ١١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ سُلَيْمَانُ: لأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً، كُلٌّهن تَلِدُ غُلامًا، يُقَاتِلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ - يَعْنِى الْمَلَكَ -: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَنَسِىَ، فَطَافَ بِهِنَّ، فَلَمْ تَأْتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ بِوَلَدٍ إِلا وَاحِدَةٌ بِشِقِّ غُلامٍ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تَرَوْنَهُ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لَهُ فِى حَاجَتِهِ. وَقَالَ مَرَّةً: قَالَ ﵇: (لَوِ اسْتَثْنَى) . اختلف العلماء فى الوقت الذى إذا استثنى فيه الحالف سقطت عنه الكفارة، فقال مالك والكوفيون والأوزاعى والليث
следующие страницы →