Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.
стр. 4446
بِشَأْنِهِمُ النَّبِى ﷺ ، فَقَالَ: (إِنَّ هَذِهِ النَّارَ إِنَّمَا هِىَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ، فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ) . / ٥٩ - وفيه: جَابِر، قَالَ النّبِىّ، ﵇: (خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا جَرَّتِ الْفَتِيلَةَ، فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ) . قال الطبرى: فى هذا الحديث الإنابة عن أن من الحق على من أراد المبيت فى بيت ليس فيه غيره، وفيه نار أو مصباح ألا يبيت حتى يطفئه أو يحرزه بما يأمن به احراقه وضره، وكذلك إن كان فى البيت جماعة، فالحق عليهم إذا أرادوا النوم ألا ينام آخرهم حتى يفعل ماذكرت، لأمر النبى بذلك، فإن فرط فى ذلك مفرط فلحقه ضرر فى نفس أو مال كان لوصية النبى لأمته، مخالفًا ولأدبه تاركًا. وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: جاءت فأرة فجرت الفتيلة فألقتها بين يدى النبى ﷺ على الخمرة التى كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، وإنما سمى الفأرة: فويسقة، لأذاها وفسادها كما يفسد الفاسق، قال ﵇: (خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم. . . .) الحديث، فذكر منهن الفأرة يريد انهن يعملن عمل الفاسق.
٤٦ - باب: إغلاق الأبواب (بالليل
/ ٦٠ - فيه: جَابِر، قَالَ: قَالَ النّبِىّ) : (أَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ بِاللَّيْلِ، إِذَا
стр. 4447
رَقَدْتُمْ، وَغَلِّقُوا الأبْوَابَ، وَأَوْكُوا الأسْقِيَةَ، وَخَمِّرُوا الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ) . قَالَ هَمَّامٌ: وَلَوْ بِعُودٍ. قال المؤلف: أمره ﵇ بإلاق الأبواب بالليل خشية انتشار الشياطين وتسليطهم على ترويع المؤمنين وأذاهم، وقد جاء فى حديث آخر أنه ﵇ قال: (إذا جنح الليل فاحبسوا أولادكم، فإن الله يبث من خلفه بالليل ما لا يبث بالنهار، وإن للشياطين انتشارًا وخطفه) وقد قال عقيل: يتوقى على المرأة أن تتوضًا عند ذلك. فعلم أمته ﵇ مافيه المصلحة لهم فى نومهم ويقظتهم. وأمر بتخمير الأناء، وقد تقدم فى كتاب الشربة فى باب تغطية الإناء معنى أمره ﵇ بتغطية من حديث القعقاع بن حكيم وروى مالك فى حديث جابر (فإن الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحل وكاء، ولا يكشف إناء) وان كان كان قد أعطى ماهو أكثر منها من اللوج حيث لا يلج الإنسان، والوكاء: الخيط الذى يربط به فم السقاء. وقوله: خمروا الإناء: أى غطوه، أى غطوه، والتخمير: التغطية، وكذلك قبل للخمر: خمر، لأنها تغطى العقل، وأصل ذلك من الخمر وهو كل ما وراك من شجر أو حجر.
٤٧ - باب: الختان بعد الكبر ونتف الأبط
/ ٦١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ، ﵇: (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإبْطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ) .
стр. 4448
وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ، ﵇، بَعْدَ ثَمَانِينَ سَنَةً، وَاخْتَتَنَ بِالْقَدُومِ) . مُخَفَّفَةً. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ: عَنْ أَبِى الزِّنَادِ، وَقَالَ: (بِالْقَدُّومِ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مُشَدَّدٌ. وروى الحديث الأول بالتخفيف شعيب، عن أبى الزناد. / ٦٢ - وفيه: ابْن عَبَّاس، سُئل مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ النَّبِى ﵇؟ قَالَ: أَنَا يَوْمَئِذٍ مَخْتُونٌ، وَكَانُوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ. قال ابن القصار: الختان سنة عند مالك والكوفيين، وقال الشافعى: هى فرضة، والدليل لقول مالك والكوفيين قوله ﵇: (الفطرة خمس) فذكر الختان فى ذلك، والفطرة السنة، لأنه جعلها من جملة السنن فأضافها إليها، ولما أسلم سلمان لم يأمره النبى ﵇ بالإختان، ولو كان فرضًا لم يترك أمره بذلك. واحتج الشافعى بقوله تعالى: (ثم أوحينا إليك أن أتبع ملة إبراهيم حنيفًا (وكان فى ملته الإختان، لأنه ختن نفسه بالقدوم. قيل له: أصل المله الشريعة والتوحيد، وقد ثبت أن فى ملة إبراهيم فرائض وسننًا فأمر أن يتبع ماكان فرضًا ففرضًا، وما كان سنة فسنة، وهذا هو الاتباع، فيجوز أن يكون اختتان إبراهيم من السنن. وقد روى عن النبى ﵇ أنه قال: (الإختتان سنة للرجال، ومكرمة للنساء) والختان علامة لمن دخل فى الإسلام، فهى من شعائر المسلمين. واختلفوا فى وقت الختان، فقال الليث: الختان للغلام مابين السبع سنين إلى العشر.
стр. 4449
وقال مالك: عامة ما رأيت الختان ببلدنا إذا أثغر وقال مكحول: ان إبراهيم خليل الرحمن ختن ابنه إسحاق لسبعة أيام وختن ابنه إسماعيل لثلاث عشرة سنة. وروى عن أبى جعفر أن فاطمة كانت تختن ولدها يوم السابع، وكره ذلك الحسن البصرى ومالك بن أنس خلافًا لليهود، وقال مالك: الصواب فى خلافهم، وقال الحسن: هو خطر. قال المهلب: وليس لختتان إبراهيم ﵇ بعد ثمانين سنة مما يوجب علينا مثل فعله، إذ عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين، وإنما اختتن ﵇ وقت أوحى إليه بذلك، وأمر بالإختتان فاختتن. والنظر يدل أنه ما كان ينبغى الإختتان إلا قرب وقت الحاجة لاستعمال ذلك العضو بالجماع، كما اختتن ابن عباس عند مناهزة الاحتلام. وقال: كانوا لا يختتنون الرجل حتى يدرك، لأن الختان تنظيف لما يجتمع من الوضر تحت الغرلة، ولذلك - والله أعلم - أمر بقطعها، واختتان الناس فى الصغر لتسهيل الألم على الصغير، لضعف عضوه وقلة فهمه. ومن روى (القدوم) مخففة الدال، فإنما أراد الحديدة التى اختتن بها إبراهيم، قال الشاعر: يا بنت عجلان ما أصبرنى على خطوب مثل نحت بالقدوم
стр. 4450
ومن شدد الدال فهو اسم الموضع الذى اختتن فيه إبراهيم. وقد يجوز أن يجتمع له الأمران، والله أعلم. والفطرة: فطرة الإسلام، وهى سنته وهى الفعلة من قوله تعالى: (فاطر السموات والأرض (يعنى خالقها. والاستحداد: حلق شعر العانة، والارفاع بالحديد وهو استفعال من الحديد، وحكى أبو نصير عن الأصمعى يقال: استحد الرجل إذا ماتحت ازاره، وتقليم الأظافر: قصها.
٤٨ - باب: كل لهو باطل إذا (شغله) عن طاعة الله وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، وَقَوْلُهُ: (مَنْ يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ (الآية [لقمان: ٦]
. / ٦٣ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ، فَقَالَ فِى حَلِفِهِ: بِاللاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيَتَصَدَّقْ) . قال المؤلف: روى عن ابن مسعود، وابن عباس وجماعة من أهل التأويل فى قوله: (ومن الناس من يشترى لهو الحديث) الآية، أنه الغناء، وحلف على ذلك ابن مسعود بالله الذى لا إله إلا هو ثلاث مرات، وقال: الغناء ينبت النفاق فى القلب. وقاله مجاهد وزاد: ان لهو الحديث فى الآية الاستماع إلى الغناء وإلى مثله
стр. 4451
من الباطل. قال القاسم بن محمد: الغناء باطل، والباطل فى النار. ولذلك ترجم البخارى باب كل لهو باطل. وأما قوله: (إذا شغل عن طاعة الله) فهو مأخوذ من قوله تعالى: (ليضل عن سبيل الله (فدلت الآية على أن الغناء وجميع اللهو إذا شغل عن طاعة الله وعن ذكره فهو محرم، وكذلك قال ابن عباس: (ليضل عن سبيل الله) أى: عن قراءة القرآن وذكر الله ودلت أيضًا على أن اللهو إذا كان يسيرًا لا يشغل عن طاعة الله، ولا يصد للجاريتين يوم العيد الغناء فى بيت عائشة من أجل العيد، كما أباح لعائشة النظر إلى لعب الحبشة بالحراب فى المسجد ويسترها وهى تنظر إليهم حتى شبعت قال لها: حسبك. وقال ﵇ لعائشة - وحضرت زفاف أمرأة إلى رجل من الأنصار -: (يا عائشة، ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو) . وقد تقدم فى باب سنة العيدين لأهل الإسلام فى كتاب الصلاة ما يرخص فيه من الغناء وما يكره، فدلت هذه الآثار على ما دلت عليه هذه الآية من أن يسير الغناء واللهو الذى لا يصد عن ذكر الله وطاعته مباح. وما روى عن مالك من كراهة يسير الغناء، فإن ذلك من باب قطع الذرائع، وخشية التطرق إلى كثرة الشغل عن طاعة الله الصاد عن ذكره على مذهبه فى قطع الذرائع، وأجاز سماعه أهل الحجاز.
стр. 4452
وقيل لمالك: إن أهل المدينة يسمعون الغناء قال: إنما يسمعه عندنا الفساق. وقال الأوزاعى: يترك من قول أهل الحجاز استماع الملاهى، وروى ابن وهب عن مالك أنه سئل عن ضرب الكبر والمزمار وغير ذلك من اللهو الذى يهنأ لك سماعه وتجد لذته وأنت فى طريق أو مجلس، أيؤمر من ابتلى بذلك أن يرجع من الطريق أو يقوم من المجلس؟ فقال: أرى أن يقوم إلا أن يكون جالسًا لحاجة أو يكون على حال لا يستطيع القيام، وكذلك يرجع صاحب الطريق أو يتقدم أو يتأخر. وقد جاء فيمن نزه سمعه عن قليل اللهو وكثيره ما روى أسد بن موسى، عن عبد العزيز بن أبى سلمه، عن محمد بن المنكدر قال: بلغنا أن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين عبادى الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان، أحلوهم رياض المسك، وأخبروهم انى قد أحللت عليهم رضوانى. وسأذكر اختلاف العلماء فى القراءة بالألحان فى فضائل القرآن عند قوله ﵇ (ما أذن الله لشىء ما أذن لنبى يتغنى بالقرآن) وقوله (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) . وأما حديث أبى هريرة المذكور فى هذا الباب، فإنما أدخله البخاري
стр. 4453
على قوله فى الترجمة: ومن قال: تعالى أقامرك فليتصدق، ولم يختلف العلماء أن القمار محرم، لقوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب (الآية، واتفق أهل التأويل أن الميسر هاهنا القمار كله. وكره مالك اللعب بالنرد وغيرها من الباطل وتلا: (فماذا بعد الحق إلا الضلال (وقال: من أدمن اللعب بها فلا تقبل له شهادة وكذلك قال الشافعى: إذا شغله اللعب بها عن الصالة حتى يفوته وقتها. وقال أبو ثور: من تلهى ببعض الملاهى حتى تشغله عن الصلاة لم تقبل شهادتة. وأما قوله ﵇: (ومن قال: تعال أقامرك، فليتصدق) فهو على معنى الندب عند العلماء، لا على الوجوب، لأن الله لا يؤاخذ العباد بالقول فى غير الشرك حتى يصدقه الفعل أو يكذبه، ولو أن رجلا قال لامرأة: تعالى أزنى بك، أو قال لآخر: تعال اشرب معك الخمر أو أسرق، ثم لم يفعل شيئًا من ذلك، لم يلزمه حد فى الدنيا ولا عقوبة فى الآخرة، إذا كان مجتنبًا للكبائر. لكن ندب من جرى مثل هذا القول على لسانه، ونواه قلبه وقت قوله أن يتصدق، خشية أن تكتب عليه صغيرة أو يكون ذلك من اللمم وكذلك ندب من حلف باللات والعزى أن يشهد شهادة التوحيد والاخلاص، لينسج بذلك ماجرى على لسانه من كلمة الاشراك والتعظيم لها، وإن كان غير معتقد لذلك. والدليل أن ذلك على الندب أن الله لا يؤاخذ العباد من الإيمان إلا
стр. 4454
بما انطوت الضمائر على اعتقاده وكانت به شريعة لها، وكل محلوف به باطل فلا كفارة فيه، وإنما الكفارات فى الإيمان المشروعة. فإن قيل: فما معنى أمر الرسول الداعى إلى المقامرة بالصدقة من بين سائر أعمال البر؟ قيل له: معنى ذلك - والله أعلم - أن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جعلا فى المقامرة ويستحقونه بينهم، فنسخ الله أفعال الجاهلية وحرم القمار وعوضهم بالصدقة عوضًا مما أرادوا استباحة من الميسر المحرم، وكانت الكفارات من جنس الذنب، لأن المقامر لا يخلوا أن يكون غالبا أو مغلوبًا، فإن كان غالبا فالصدقة كفارة لما كان يدخل فى يده من الميسر، وإن كان مغلوبًا فإخراجه الصدقة لوجه الله أولى من اخراجه عن يده شيئًا لا يحل له إخراجه.
٤٩ - باب ما جاء فى البناء
وقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِى ﷺ : (مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ إِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبَهْمِ فِى الْبُنْيَانِ) . / ٦٤ - فيه: ابْن عُمَر، رَأَيْتُنِى مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، بَنَيْتُ بِيَدِى. / ٦٥ - وفيه: ابْن عُمَر قَالَ: وَاللَّه مَا وضعت لبنة على لبنة، ولا غرست نخلة مذ قبض النّبِىّ، ﵇، قَالَ سُفيان: فذكرته لبعض أهله. قَالَ: وَاللَّه لقد بنى. قَالَ سفيان: فلعله قَالَ: قبل أن يبنى. قال المؤلف: التطاول فى البنيان من أشراط الساعة، وذلك أن يبنى
стр. 4455
مايفضل عما يكنه من الحر والبرد ويستره عن الناس، وقد ذم الله تعالى - من فعل ذلك فقال: (اتبنوا بكل ريع آيه تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (يعنى: قصورًا، وقد جاء عن النبى ﵇ أنه قال: (ماأنفق ابن آدم فى التراب فلن يخلف له، ولا يؤجر عليه) وأما من بنى مايحتاج إليه ليكنه من الحر والمطر فمباح له ذلك، وكذلك فعل السلف، ألا ترى قول ابن عمر: بنيت بيدى بيتا يكننى من حرة المطر ويظلنى من الشمس. وقد روى ذلك عن النبى ﵇ ذكر الطبرى عن حسن، عن حمران بن أبان، عن عثمان بن عفان، أن رسول الله قال: (كل شىء سوى خلف هذا الطعام - يعنى: كسر الطعام - وهذا الماء، وبيت يظله، وثوب يستره لابن آدم فيه حق) . فأباح ﵇ من البناء مايقيه أذى الشمس والمطر، الذين لا طاقة لأحد باحتمال مكروههما، كما أباح من الغذاء مما به قوام بدنه من مطعم أو مشرب، ومن الملبس مايستر عورته، ومازاد على ذلك فلا حق له فيه، يعنى إذا لم يصرفه فى الوجه المقربة له إلى الله فإذا فعل ذلك فله الحق فى أخذه وصرفه فى حقه. وروى ابن وهب وابن نافع، عن مالك قال: كان سلمان يعمل الخوص بيده وهو أمير ولم يكن له بيت، وإنما كان يستظل بالجدر والشجر، وإن رجلا قال له: ألا أبنى لك بيتًا تسكن فيه؟ فقال: مالى به حاجة. فما زال به الرجل قال: أعرف البيت الذى يوافقك. فقال: فصفه لى. قال: أبنى لك بيتًا إذا قمت فيه
стр. 4456
أصاب سقفه راسك، وان مددت فيه رجليك أصابها الجدار. قال: نعم، كأنك كنت نفسى. وفى قول ابن عمر: (والله ما وضعت لبنه على لبنة مذ قبض النبى ﵇. .) إلى آخره. فيه: أن العالم إذا روى عنه قولان مختلفان أنه ينبغى حملهما من التأويل على ماينفى عنه التناقض، وينزهه عن الكذب، ألا ترى قول سفيان: فلعله قال قبل أن يبتنى، فلم يكذبه قريب ابن عمر فى قوله هذا، فعلمنا سفيان كيف يتأول للسلف أحسن المخارج لانتفاء الباطل عنهم، وأنهم القدورة فى الخير، والأسوة - رضى الله عنهم.
стр. 4457
٦٦ - كتاب اللباس
- باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ) [الأعراف ٣٢]
وَقَالَ النَّبِى ﷺ : (كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَالْبَسُوا، وَتَصَدَّقُوا فِى غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَلا مَخِيلَةٍ) . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا شِئْتَ، وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ. / ١ - وفيه: ابْن عُمَر، قَالَ النَّبِى ﷺ : (لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ) . قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَ شِقَّىْ إِزَارِى يَسْتَرْخِى، إِلا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ ﵇: (لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلاءَ) . / ٢ - وفيه: أَبُو بَكْرَة، خَسَفَتِ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدَ النَّبِىِّ، ﵇، فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجِلا حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. . . الحديث. قال المؤلف: اختلف أهل التأويل فى معنى هذه الآية، فقال بعضهم: والطيبات من الرزق يعنى: المستلذ من الطعام وقيل: الحلال، وقيل: هو عام فى كل مباح، وقيل: هو فى لبس الثياب فى الطواف، وقال الفراء: كانت قبائل العرب لا يأكلون اللحم أياهم حجهم، ويطوفون عرة فنزلت: (قل من حرم زينة الله
стр. 4458
التى أخرج لعبادة والطيبات من الرزق) وفى قول النبى ﷺ : (كلوا وأشربوا من غير أسراف ولا مخيلة) وقول ابن عباس بيان شاف للآية. والسرف والخيلاء محرمان، وقد قال تعالى: (إنه لا يحب المسرفين (و) لا يحب كل مختال فخور (وقال ﵇: (لا ينظر الله إلى من جر إزاره خيلاء) وهذا وعيد شديد. وقال أهل العلم فى معناه: لا ينظر الله اليهم نظر رحمة إن أنفذ عليهم الوعيد، فاتقى أمرؤ ربه، وتأدب بأدبه وأدب رسوله وأدب الصالحين، وذلل بالتواضع لله قلبه، وأودع سمعه وبصره وجوارحه بالاستكانة بالطاعة، وتحبب إلى خلقه بحسن المعاشرة، وخالقهم بجميل المخالقة، ليخرج من صفة من لا ينظر لله إليه ولايحبه. والخيلاء والمخيلة: التكبر فى لسان العرب، وفى حديث أبى بكر بيان أن سقط ثوبه بغير قصده وفعله ولم يقصد بذلك الخيلاء فإنه لا حرج عليه فى ذلك، لقوله ﵇ لأبى بكر: (لست ممن يصنعه خيلاء) ألا ترى أن النبى ﵇ جر ثوبه حين استعجل المسير إلى صلاة الخسوف، وهو مبين لأمته بقوله وفعله. وقد كان ابن عمر يكره أن يجر الرجل ثوبه على كل حال وهذه من شدائد ابن عمر، لأنه لم تخف عليه قصة أبى بكر وهو الراوى لها، والحجة فى السنة لا فى ما خلفها، وفى قول النبي
стр. 4459
عليه السلام وفى قول ابن عباس أنه مباح للرجل اللباس من الحسن، والجمال فى جميع أموره إذا سلم قلبه من التكبر به على من ليس له مثل ذلك من اللباس، وقد وردت الآثار بذلك، روى المعافى ابن عمران، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن سواد بن عمرو الانصارى أنه قال: (يا رسول الله، انى رجل حبب إلى الجمال وأعطيت منه ماترى حتى ماأحب أن يفوقنى أحد فى شراك نعلى، أفمن الكبر ذاك؟ قال: لا، ولكن الكبر من بطر الحق وغمص - أو غمنص الناس) . ومن حديث عبد الله بن عمر أن النبى ﵇ قال للذى ساله عن حبه لجمال ثيابه وشراك نعله: هل ذلك من الكبر؟ فقال ﵇ (لا، ولكن الله جميل يحب الجمال) . فإن قيل: فقد روى وكيع، عن أشعث السمان، عن أبى سلام الأعرج، عن على بن أبى طالب قال: إن الرجل ليعجبه شراك نعله أن يكون أجود من شراك صاحبه فيدخل فى قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علو فى الأرض ولا فسادا (الآية. قال الطبرى: فالجواب أن من أحب ذلك ليتعظم به من سواه من الناس ممن ليس له مثله، فاختال به عليهم واستكبر، فهو داخل فى عدة المستكبرين فى الأرض بغير الحق، ولحقته صفة أهله وأن أحب ذلك سرورًا لجودته وحسنه، غير مريد به الاختيال والتكبر، فإنه بعيد المعنى ممن عناه الله تعالى بقوله: (لا يريدون علو فى الأرض ولا فسادا (بل هو ممن قد اخبر الله تعالى أنه يحب ذلك من فعله، على ماورد فى حديث عبد الله بن عمر.
стр. 4460
وذكر النائى عن محمد بن العلاء قال: حدثنى أبو بكر بن عياش عن أبى إسحاق، عن أبى الأحوص، عن أبيه قال: (كنت جالسًا عند رسول الله رث الثياب، فقال: ألك مال؟ قلت: يا رسول الله من كل المال. قال: إذا أتاك الله مالا فليرى أثره عليك) .
- باب: التشمر فى الثياب
/ ٣ - فيه: أَبُو جُحَيْفَةَ، خَرَجَ النَّبِىّ ﷺ فِى حُلَّةٍ مُشَمِّرًا، فَصَلَّى. . . الحديث. قال المؤلف: التشمر مباح فى الصلاة وعند المهنة والحاجة إلى ذلك بهذا الحديث، وهو من التواضع ونفى التكبر والخيلاء والحله عند العرب ثوبان ظاهر وباطن. وقال صاحب العين: الحله: إزار ورداء، ولا يقال حلة لثوب واحد. قال أبو عبيد: ومما يدل على ذلك حديث عمر، أنه رأى رجلا عليه حلة قد ائتزر بإحدهما وارتدى بالأخرى.
٣ - باب: ما أسفل من الكعبين فهو فى النار
/ ٤ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسول اللَّه ﷺ : (مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، مِنَ الإزَارِ فَفِى النَّارِ) . قال المؤلف: روى عبد الرزاق، عن عبد العزيز بن أبى رواد عن نافعه: أنه سئل عن قوله فى هذا الحديث (ما أسفل من
стр. 4461
الكعبين ففى النار من الثياب ذلك؟ قال: ما ذنب الثياب، بل هو من القدمين) . قال غيره: ولو كان الزار فى النار ما ضر الذى جر ثوبه شىء. ومعنى هذا الحديث عند أهل السنة: إن أنفذ الله عليه الوعيد كان القدمان فى النار.
٤ - باب: من جر ثوبه من الخيلاء
/ ٥ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ النّبِىّ ﵇: (لا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا) . / ٦ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِى ﷺ : (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى فِى حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ؛ إِذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الأرض، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . / ٧ - وفيه: ابْن عُمَر، عَن النّبِىّ ﷺ مثله، وقَالَ مرةً: (مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مَخِيلَةً لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) . قَالَ شُعْبَةُ: فَقُلْتُ لِمُحَارِبٍ: أَذَكَرَ إِزَارَهُ؟ قَالَ: مَا خَصَّ إِزَارًا، وَلا قَمِيصًا. قال الطبرى: إنما خص الإزار بالذكر فى حديث أبى هريرة - والله أعلم - لأن أكثر الناس فى عهده ﵇ كانوا يلبسون الإزار والأردية، فلما لبس الناس المقطعات وصار عامة لباسهم القمص والدراريع كان حكمها حكم الإزار، وأن النهى عما جاوز الكعبين منها داخل فى معنى نهيه ﵇ عن جر الإزار، إذ هما سواء فى المماثلة، وهذا هو القياس الصحيح. قال المؤلف: هذا طريق القياس لو لم يأت نص فى التسوية بينهما، وقد تقدم حديث ابن عمر فى هذا الباب أن النبي عليه
стр. 4462
السلام قال: (من جر ثوبه من مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فعم جميع الثياب. وروى أبو داود، عن ابن عمر: (أنه سئل عن حديث الأزار فقال: ماقال رسول الله فى الإزار فهو فى القميص) وقد جاء هذا أيضًا عن النبى ﵇ روى أبو داود قال: حدثنا هناد بن السرى قال: حدثنا حسين الجعفى، عن عبد العزيز بن أبى رواد، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه -، عن النبى ﵇ قال: (الإسبال فى الإزار والعمامة، من جر منها شيئًا لم ينظر الله إليه يوم القيامة) . وقوله: (يتجلجل) يعنى: يسوخ ويضطرب، قال صاحب العين: جلجلت الشىء إذا حركته، وكل شىء خلطت بعضه ببعض فقد جلجلته.
٥ - باب: الإزار المهدب
وَيُذْكَرُ عَنِ الزُّهْرِىِّ، وَأَبِى بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَحَمْزَةَ بْنِ أَبِى أُسَيْدٍ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أَنَّهُمْ لَبِسُوا ثِيَابًا مُهَدَّبَةً. / ٨ - فيه: عَائِشَة، جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِىِّ وَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالت: وَاللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ، وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ جِلْبَابِهَا. قال المؤلف: ليس فيه أكثر من أن الثياب المهدبة من لباس السلف، وأنه لا بأس به.
стр. 4463
٦ - باب: الأردية
وَقَالَ أَنَسٌ: جَبَذَ أَعْرَابِى رِدَاءَ النَّبِىِّ ﷺ . / ٩ - فيه: عَلِىّ، قَالَ: دَعَا النَّبِىُّ، ﵇، بِرِدَائِهِ فارتدِى، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِى، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِى فِيهِ حَمْزَةُ. . . الحديث. فيه: أن الرداء من لباس النبى ﵇ غير أنه لم يذكر فى الحديث صفة لباسه له إن كان مشتملا به أو متطيلسا أو على هيئة لباسنا اليوم، وقد روى عن طاوس أنه قال: الشملة من الزينة التى أمر الله بأخذها عند كل مسجد.
٧ - باب: لبس القميص
وَقَالَ يُوسُفَ: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِى هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا) [يوسف: ٩٣] . / ١٠ - فيه: ابْن عُمَر، أَنَّ رَجُلا سأل النَّبِىّ، ﵇، مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: (لا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ، وَلا السَّرَاوِيلَ، وَلا الْبُرْنُسَ. . .) الحديث. / ١١ - وفيه: جَابِر، أن النَّبِىُّ ﷺ أَتَى عَبْدَاللَّهِ بْنَ أُبَىٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ، فَأَمَرَ بِهِ، فَأُخْرِجَ، وَوُضِعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قال المؤلف: فيه أن لباس القميص من الأمر القديم وكل ما ذكر فى حديث ابن عمر من الراويل والبرانس وغيرها.
стр. 4464
وذكر أبو داود قال: حدثنا زياد بن أيوب، عن أبى تميله، حدثنا عبد المؤمن بن خالد، عن عبد الله بن بريدة، عن أمه، عن أم سلمه قالت: (كانت أحب الثياب إلى رسول القميص) وقد رواه الفضل بن موسى، عن عبد المؤمن بن خالد، هن ابن بريدة عن أم سلمة، ولم يذكر أمه، قال الترمذى: سمعت البخارى يقول: حديث عبد الله بن بريدة، عن أمه أصح.
٨ - باب: جيب القميص من عند الصدر وغيره
/ ١٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ: (رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا، وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، انْبَسَطَتْ عَنْهُ، حَتَّى تَغْشَى أَنَامِلَهُ، وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ، وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا فِى جَيْبِهِ، فَلَوْ رَأَيْتَهُ يُوَسِّعُهَا، وَلا تَتَوَسَّعُ. تَابَعَهُ ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأعْرَجِ فِى الْجُبَّتَيْنِ. وَقَالَ حَنْظَلَةُ: سَمِعْتُ طَاوُسًا سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: جُبَّتَانِ، وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ حَيَّانَ، عَنِ الأعْرَجِ: جُبَّتَانِ. قال المؤلف: فى هذا الحديث دليل أن الجيب فى ثياب السلف كان عند الصدر على ماتصنعه النساء اليوم عندنا فى الأندلس، ووجه الدلالة على ذلك أن النبى شبه البخيل والمتصدق برجلين
стр. 4465
عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما، فتبسط على جسد المتصدق، وتشد على يدى البخيل إذا هم بالصدقة، وتمسكها فى الموضوع الذى اضطراتها إليه، وهو الثدى والتراقى وذلك فى صدره وفيه، يروم أن يوسع حلقها ولاتتسع، يبين ذلك حديث أبى هريرة: (أنا رأيت رسول الله يقول بإصبعه هكذا فى جبته يوسعها ولا تتسع) فبان أن جيبه ﵇ كان فى صدره، لأنه لوكان فى منكبه لم تكن يداه مضطرة إلى ثديه وتراقيه، وهذا استدلال حسن، وقال ثابت الترقوتان: العظمان المشرفان فى أعلى الصدر إلى طرف ثغره النحر، وهى الهزمة التى بينهما.
٩ - باب: من لبس جبه ضيقة الكمين فى السفر
/ ١٣ - فيه: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِىُّ، ﵇، لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَتَلَقَّيْتُهُ بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ، فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ، فَكَانَا ضَيِّقَيْنِ، فَأَخْرَجَ يَدَيْهِ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ فَغَسَلَهُمَا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ. وترجم له باب جبه الصوف فى الغزو وقال فيه: (وعليه جبه شامية من صوف) . فى هذا الحديث دليل أن ثياب السلف فى الحضر لم تكن أكمامها
стр. 4466
بضيق أكمام هذه الجبة التى لبسها ﵇ فى سفرة، لأنه لم يذكر عنه ﵇ أنه أخرج يديه من تحت ثيابه لضيق كميه إلا فى هذه المرة، ولو فعله فى الحضر دائما لنقل ذلك. وذلك دليل أن ثياب السفر أكمش وأخصر من ثياب الخصر، فلباس الأكمام الضيقة والواسعة جائز إذا لم يكن مثل سعه أكمام النساء، لأن زى النساء لا يجوز للرجال استعماله على مايأتى فى كتاب الزينة. وقد كره مالك للرجل سعه الثوب وطوله، وأما لباس الصوف فجائز فى الغزو وغيره إذا لم يرد لابسه به الشهرة، وقد سئل مالك عن لباس الصوف الغليظ، فقال: لا خير فيه فى الشهرة ولو كان يلبسه تارة وينزعه أخرى لرجوت، فأما المواظبة حتى يعرف به ويشتهر فلا أحبه، ومن غليظ القطن ماهو فى ثمنه وأبعد من الشهرة منه، وقد قال ﵇ للرجل (ليرى عليك مالك) . وقال مالك أيضا: لا أكره لباس الصوف لمن لم يجد غيره، وأكرهه لمن يجد غيره، ولأن يخفى عمله أحب إلى، وكذلك كان شأن من مضى، قيل: إنما يريد التواضع يلبسه، قيل: يجد من القطن بثمن الصوف.
- باب: البرانس
/ ١٤ - فيه: أَنَس، أنّه كَان يَلبَسُ بُرْنُسًا أَصْفَرَ مِنْ خَزٍّ. / ١٥ - فيه: ابْن عُمَر، أَنَّ النَّبِىّ قَالَ للْمُحْرِمُ: (لا تَلْبَس الْبَرَانِسَ. . . .) الحديث.
стр. 4467
قال المؤلف: سئل مالك عن لباس البرانس أتكرهها، فإنها لباس النصارى؟ قال: لا بأس بها، وقد كانت تلبس هاهنا. وقال عبد الله بن أبى بكر: ماكان أحد من القراء إلا له برنس يغدو فيه وخميصة يروح فيها، وأما لباس الخز فقد لبسه جماعة من السلف وكرهه آخرون، فممن لبسه: أبو بكر الصديق، وابن عباس، وأبو قتادة، وابن أبى أوفى، وسعد بن أبى وقاص، وجابر وأنس، وابو سعيد الخذرى، وأبو هريرة، وابن الزبير، وعائشة، ومن التابعين: ابن أبى ليلى، والأحنف، وشريح، والشعبى، وعروة، وأبو بكر عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز أيام إمارته، وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يعجبنى لبس الخز ولا أحرمه. قال البهرى: إنما كرهه من أجل السرف، ولم يحرمه من أجل من لبسه من الصحابة، وكرهه ابن عمر وسالم والحسن وابن سيرين وسعيد بن جبير، وكان ابن المسيب لا يلبسه ولاينهى عنه. قال على بن زيد: جلست إلى سعيد بن المسيب وعلى جبه خز، فأخذ بكم جبتى وقال: م: ماأجود جبتك. قلت: ومامعنى قد أفسدوها على، قال: ومن أفسدها؟ قلت: سالم. قال: إذا صلح قلبك فالبس ماشئت، فذكرت قوله للحسن، فقال: إن من صلاح القلب ترك الخز.
стр. 4468
- باب: فروج الحرير وَهُوَ الْقَبَاءُ وَيُقَالُ: هُوَ الَّذِى لَهُ شَقٌّ مِنْ خَلْفِهِ
. / ١٦ - فيه: الْمِسْوَر، قَالَ: قَسَمَ النّبِىّ ﷺ أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَىِّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِى، قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: خَبَأْتُ هَذَا لَكَ، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِى مَخْرَمَةُ) . / ١٧ - وفيه: عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: (أُهْدِى إلى النّبِىّ، ﵇، فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ، ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: (لا يَنْبَغِى هَذَا لِلْمُتَّقِينَ) . قال المؤلف: القباء من لباس الأعاجم، ويمكن أن يكون النبى نزعه من أجل ذلك، فقد روى أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبى شبيبة، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، حدثنا حسان بن عطية، عن أبى منيب الجرشى، عن ابن عمر قال: قال رسول الله: (من تشبه بقوم فهو منهم) ويمكن أن يكون نزعه من أجل أنه من حرير وقد نهى ﵇ عن لباس الحرير لذكور أمته وسيأتى بعد هذا.
- باب: السراويل
/ ١٨ - فيه: ذكر فيه حديث ابن عباس، وابن عمر أن النبى، ﵇، قال: (لاَ يَلبسُ المحرم السراويل) . فقد تقدم أن لباس السراويل من الأمر القديم.
стр. 4469
- باب العمائم
/ ١٩ - فيه: ابْن عُمَر: قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ الْعِمَائَم. . .) الحديث. قال المؤلف: والعامائم تيجان العرب وهى زيهم، وقد روى أن الملائكة الذى نصروا النبى ﷺ يوم بدر كانوا بعمائم صفر. قال مالك: العمة والاحتباء والانتعال من عمر العرب، وليس ذلك فى العجم وكانت العمة فى أول الإسلام، ثم لم تزل حتى كان هؤلاء القوم. قال ابن وهب: وحدثنى مالك أنه لم يدرك أحدًا من أهل الفضل: يحى بن سعيد، وربيعة، وابن هرمز إلا وهم يعتمون، ولقد كنت فى مجلس ربيعة، وفيه أحد وثلاثون رجلاً مامنهم رجل إلا وهو معتم وأنا منهم، ولقد كنت أراهم يعتمون فى العشاء والصبح، وكان ربيع لا يدع العمامة حتى يطلع الثريا، وكان يقول: أنى لأجد العمة تزيد فى العقل. قال: وسئل مالك عن الذى يعتم بالعمامة ولا يجعلها من تحت حلقة، فأنكرها، وقال: ذلك من عمل النبط، وليست من عمة الناس إلا أن تكون قصيرة لا تبلغ، أو يفعل ذلك فى بيته أو فى مرضه فلا بأس به، قيل له: فترخى بين الكتفين؟ قال لم أر أحدًا ممن أردكت يرخى بين كتفيه إلا عامر بن عبد الله بن الزبير، وليس ذلك بحرام، ولكن يرسلها بين يديه وهخو أجمل. وقال عامر بن عبد الله:
стр. 4470
رؤي جبريل فى صورة _ دحية الكلبى، وقد سدل عمامته بين كتفيه. وروى أبو داود حدثنا الحسن بن على، ثنا أبو أسامة عن مساور الوراق، عن جعفر بن عمرو فى حديث عن أبيه قال: (رأيت النبى ﵇ على المنبر وعليه عمامة سوداء قد ارخى طرفها بين كتفيه) . وروى الترمذى عن هارون بن اسحاق قال: حدثنا يحيى بن محمد المننى، عن عبد العزيز بن محمد، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: (كان النبى ﵇ إذا اعتم سدل عمامته بين كتفيه) . قال نافع: وكان ابن عمر يفعله. قال عبيد الله: ورأيت القاسم، وسالمًا يفعلان ذلك. قال الترمذى: وهذا حديث حسن غريب.
- باب التقنع
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: خَرَجَ النَّبِى ﷺ وَعَلَيْهِ عِصَابَةٌ دَسْمَاءُ. وَقَالَ أَنَسٌ عَصَبَ النَّبِى ﷺ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ. / ٢٠ - فيه: عَائِشَةَ، هَاجَرَ نَاسٌ إِلَى الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّى أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي،
стр. 4471
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَوَ تَرْجُوهُ بِأَبِى أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى النَّبِى ﷺ لِصُحْبَتِهِ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ، وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِى بَيْتِنَا فِى نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَقَالَ قَائِلٌ لأبِى بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلا مُتَقَنِّعًا فِى سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدًا لَكَ أَبِى وَأُمِّى، وَاللَّهِ إِنْ جَاءَ بِهِ فِى هَذِهِ السَّاعَةِ إِلا لأمْرٍ، فَجَاءَ النَّبِى ﷺ فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ حِينَ دَخَلَ لأبِى بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ، قَالَ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِى أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّى قَدْ أُذِنَ لِى فِى الْخُرُوجِ، قَالَ: فَالصُّحْبَةُ بِأَبِى أَنْتَ وَأُمِّى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَخُذْ بِأَبِى أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَى هَاتَيْنِ: قَالَ النَّبِى ﷺ : بِالثَّمَنِ، قَالَتْ: فَجَهَّزْنَاهُمَا، أَحَثَّ الْجِهَازِ وَضَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِى جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِى بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَأَوْكَأَتْ بِهِ الْجِرَابَ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقِ، ثُمَّ لَحِقَ النَّبِى ﵇ وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِى جَبَلٍ، يُقَالُ لَهُ: ثَوْرٌ، فَمَكُثَ فِيهِ ثَلاثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ أَبِى بَكْرٍ - وَهُوَ غُلامٌ شَابٌّ لَقِنٌ ثَقِفٌ - فَيَرْحَلُ مِنْ عِنْدِهِمَا سَحَرًا، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكَادَانِ بِهِ إِلا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلامُ، وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِى بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِى رِسْلِهِمَا، حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ، يَفْعَلُ ذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِى الثَّلاثِ) .
стр. 4472
قال المؤلف: التقنع للرجل عند الحاجة مباح، وقال ابن وهب: سألت مالكا عن التقنع بالثوب. فقال: أما الرجل يجد الحر والبرد أو الأمر الذى له فيه عذر فلا بأس به، ولقد كان أبو النضر يلزم ذلك، لبرد يجده ومابذلك بأس، وذكر ابن أبى زيد عن مالك قال: رأت سكينة بنت الحسين بعض ولدها مقنعًا راسه قالت: اكشف عن رأسك فإن القناع ريبة بالليل، ومذلة بالنهار. وماأعلمه حرامًا ولكن ليس من لباس خيار الناس. وقال البهزى: إذا تقنع لدفع مضرة فذلك مباح، وأما لغير ذلك فإنه يكره، لأنه من فعل أهل الريب ويكره أن يفعل شيئًا يظن به الريبة، وليس ذلك من فعل من مضى. قال المؤلف: وقد مر كثير من معانى هذا الحديث فى غير موضع من هذا الكتاب، منها فى كتاب البيوع، فى باب من أشترى متاعًا أو دابة فوضعه عند البائع فضاع أو مات قبل أن يقبض، وفى كتاب الاجارة فى باب استئجار المشركين عند الضرورة، وذكره فى كتاب الأدب، فى باب هل يزور صاحبه كل يوم أو بكرة وعشية؟ . وذكر البخارى هذا الحديث فى أبواب الهجرة مما لم أشرحه فى هذا الكتاب بزيادة الفاظ لم تأت فى هذا الحديث ونذكر هنا جملة من معانية، فأول ذلك ماذكره الطبرى قال: فيه الدليل الواضح على ما خص الله به صديق نبيه ﵇ من الفضيلة والكرامة، ورفع المنزلة عنده، وذلك اختياره إياه دون سائر وعشيرته، لموضع سره وخفى أموره التى كان يخفيها عن سائر أصحابه، ولصحبته فى سفره، إذ لم يعلم
стр. 4473
أحد بكونه ﵇ فى الغار أيام مكثه فيه غير أبى بكر وحاشيته من ولد له ومولى وأجير. ولاصحبه فى طريقه غير خصص، خصص له لذلك دون قرابة رسول الله، فتبين بذلك منزلته عنده، ودل على اختياره أياه، لأمانته على رسول الله ﵇. قال المؤلف: وفيه المعنى الذى استحق به أبو بكر أن سمى صديقًا، وذلك أنه حبس نفسه على رسول الله، لقوله: (أرجو أن يؤذن لى فى الهجرة) فصدقه ولم يرتب بقوله، وأيقن أن مارجاه لا يخيب ظنه فيه لما كان جربه عليه من الصدق فى جميع أموره، وتكلف النفقة على الراحلتين، فأعد إحداهما لرسول الله وبذل ماله كما بذل نفسه فى الهجرة معه، ولذلك قال ﵇: (ليس أحد أمن على فى نفسه وماله من أبى بكر) . وفيه: أن المرء ينبغى له التحفظ بسره ولايطلع عليه إلا من تطيب نفسه عليه، لقوله لأبى بكر: (أخرج من عندك) ليخبره بخروجه مخليا به، فلما قال له الصديق رضى الله عنه: إنما هم أهلك. وعلم أن شفقتهم عليه كشفقة اهله أطلعه حينئذ على سره، وأنه قد أذن له فى الخروج، فبدر أبو بكر وقال لرسول الله: الصحبة؟ قبل أن يساله ذلك رسول الله وهذا من أبلغ المشاركة وأعظم الواء لرسول الله. وفيه اتخاذ الفضاء والصالحين الزاد فى أسفارهم، ورد قول من
стр. 4474
أنكر ذلك من الصوفية، وزعم أن من صح توكله ينزل عليه طعام من السماء إذا احتاج إليه، ولا أحد أفضل من رسول الله ولا من صاحبه وصديقه وهما كانا أولى بهذه المنزلة، ولو كان كما زعموا مااحتاجا إلى سفرة فيها طعام. قال الطبرى: وفى استخفاء نبى الله وأبى بكر فى الغار عندما أراد المشركون المكر بنبيه وقتله كما وصفه الله تعالى فى كتابه بقوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك (الآيه فدخل ﵇ مع صاحبه فى الغار حتى سكن عند الطلب ويئسوا منه ثم ارتحل متوجهًا إلى المدينة، وكان فعله ذلك حذرًا على نفسه من المشركين، فبان بذك، إذ صح فعله أنه عن أمر ربه إياه أن الحق على كل مسلم الهرب مما لا قوام له به، وترك التعرض لما لا طاقة له به،) ولو شاء الله (أن يعمى جميع المشركين يومئذ حتى لا يقدروا على رؤيته، أو يخسف بهم أجمعين حتى ينفرد رسول الله وأصحابه بالمكث فى بلدهم لكان ذلك هينًا عليه. فلم يفعل ذلك تعالى مع قدرته عليه، ليبلغ الكتاب أجله بل أمر نبيه وصاحبه بالدخول فيه، ليكون ذلك سنة لخلقه إذا رأوا منكرًا يجب تغييره فعجزوا عن القيام بتغييره وكانوا فى فسحة من ترك التعرض لما لا قبل لهم من الخوف على مهجهم ودينهم والزوال عنه، وبان ذلك فساد قول قول من قال: إن على كل من رأى منكرًا تغييره وإن فى ذلك هلاك نفسه وماله، وإن لم يفعل ذلك كان مضيعًا فرضًا لله.
стр. 4475
ووضح خطأ من حمل وحده على عسكر من المشركين وله إلى ترك ذلك سبيل مع خوفه على نفسه، وبان فساد قول من زعم أنه من استجن بجنة فى حرب أو لجأ إلى حصن من عدو غالب أو أتخذ غلقًا لباب من لص أو أعد زادًا لسفر أنه قد برىء من التوكل، لأن الضر والنفع بيد الله وقد أمر الله نبيه بالدخول فى الغار ولاختفاء فيه من شرار خلقه، وكان من التوكل على ربه فى الغاية العليا. وفيه الدليل الواضح على فساد قول من زعم أن من خاف شيئًا سوى الله فلم يوقن بالقدر، وذلك أن الصديق قال لرسول الله: (لو أن أحدكم رفع قدمه لأبصرنا) . حذرًا أن يكون ذلك من بعضهم فيلحقه ورسول الله من مكروه، ذلك ماحذره وبذلك أخبر الله تعالى - عنه فى كتابه بقوله: (إلا تنصروه فقد نصره الله (فلم يصفه الله ولا رسوله بذلك من قوله بضعف اليقين، بل كان من اليقين لقضاء الله وقدرة فى أعلى المنازل، ولكن قال ذلك إشفاقا على رسول الله، وكان حزنه بذلك مع علمه أن الله بالغ أمره فيه وفى رسوله وفى نصر دينه، فجمع الله له بذلك صدق اليقين، وأجر الجزع على الدين، وثواب الشفقة على الرسول، ليضعف له بذلك الأجر، وكان ذلك منه مثل ماكان من موسى نبى الله إذ أوجس فى نفسه خيفة مما أتت به السحرة، حين خيل إليه أن حبالهم وعصيهم تسعى، فقال الله له: (لا تخف إنك أنت الأعلى) ولا شك أن موسى كان من العلم بالله وصدق اليقين بنفوذ قضائه فيه ما لا يلتبس أمره على ذى عقل يؤمن بالله ورسوله، وكذلك الذى كان من أمر أبى بكر.
стр. 4476
وقوله ﵇ لأبى بكر ماظنك بأثنين الله ثالثهما. يعنى: أن الله ثالثهما بالحفظ لهما والكلأ، ولم يرد أنه يعلم مكانهما فقط كما قال تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثه إلا هو رابعهم (الآيه، ويدل أنه أراد أن الله ثالثهما بالحفظ، قوله تعالى: (لا تحزن إن الله معنا (أى: يحفظنا ويكلؤنا ويحفظنا، ولو أراد يعلمنا لم يكن فيه له ﵇ ولا لصاحبه فضيلة على أحد من الناس، لأن الله تعالى شاهد كل نجوى وعالم بها، وإنما كان فضيلة له ولصاحبه حين كان الله ثالثهما بأن صرف عنهما طلب المشركين وأعمى ابصارهم وسيأتى فى كتاب التمنى معنى قوله: لو أن أحدهم رفع قدمه لبصرنا، فى باب مايجوز من اللو ان شاء الله تعالى. وقد تقدم شرح العصابة الدسماء فى أبواب صلاة الجمعة فى باب من قال فى الخطبة بعد الثناء: أما بعد، فأغنى عن إعادته. وقوله: (إن جاء به هذه الساعة لأمر) إن هاهنا مؤكدة، و (اللام) فى قوله: (لأمر) لام التأكيد، كقوله تعالى: (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (فى قراءة من فتح اللام وهو الكسائى وقوله: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك (وقوله: (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (، هذا قول سيبويه والبصريين، وأما الكوفيون فيجعلون إن هاهنا نافيه بمعنى ما، والمعنى إلا، والتقدير عندهم ماجاء به إلا أمر، وماوجدنا أكثرهم إلا فاسقين،
стр. 4477
وما يكاد لذين كفروا إلا ليزلقونك. وهذه دعوى يحتاج فيها إلى حجة قاطعة، واخراج الكلام عن موضوعه لا يصح إلا إذا بطل معنى نسفه وموضوعه، وقد صح المعنى فى نسقه وقال صاحب الافعال: يقال علفت الدابه، وأعلفتها، واللغة الأولى أفصح. وقوله: لقن ثقف. فالقن: الفهم يقال: لقن الشىء لقنًا ولقانه عقل وذكا، والثقف مثله، يقال: ثقف الحديث: أسرعت فهمه، وثقفت الشىء: أجدته، ومنه قوله تعالى: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم (وأكثر كلام العرب ثقف لفف، وثقف لفف أى: راو شاعر رام، وهذا إتباع، عن الخليل والرسل بكسر الراء: اللبن ونعق ينعق بالغنم إذا صاح بها، عن الخليل وقد تقدم فى فضل المدينة فى آخر كتاب الحج.
- باب: المغفر
/ ٢١ - فيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ. المغفر من حديد، وهو من آلات الحرب ودخوله به ﵇ يوم الفتح كان فى حال القتال، ولم يكن محرما كما قال ابن شهاب. وقال بعض المتعسفين على مالك: إن هذا الحديث لم يتابع عليه مالك عن ابن شهاب، وإنما الصحيح فيه أنه دخل يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، ولم يكن عليه مغفر، واجتجوا بما رواه الترمذي عن
стр. 4478
محمد بن _ بشار قال: حدثنا عن الرحمن بن مهدى، عن حماد بن سلمه، عن أبى الزبير، عن جابر (أن النبى ﵇ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء) . قال الترمذى: وهذا حديث حسن. قال المؤلف: وهذا تعسف على مالك، وقد وجدت فى حديث الزهرى تصنيف النسائى أن الأوزاعى روى هذا الحديث عن الزهرى، كما رواه مالك وذكر فيه المغفر، وقد يمكن أن يكون ﵇ عليه مغفر وتحتة عمامة سوداء، لتتفق الروايات، وسواء دخل ﵇ مكة بمغفر أو بعمامة سوداء فحكمهما سواء ولا حرج عليه فى ذلك، لأنه دخلها كذلك فى الساعة التى أحلت له ولم تحل لأحد قبله ولابعده، ثم هى حرام إلى يوم القيامة. وإنما اتخذ ﵇ مغفرًا وتسلح به فى حال الحرب، وقد أخبر الله تعالى أن الله يعصمه من الناس، ليس ذلك لأمته ويقتدى به الأئمة والصالحون.
- باب: البرود والحبرة والشملة
وَقَالَ خَبَّابٌ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِى ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ. / ٢٢ - فيه: أَنَس، قَالَ: كُنْتُ أَمْشِى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِىٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِىٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ
стр. 4479
قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مُرْ لِى مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِى عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. / ٢٣ - وفيه: سَهْل، جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ - قَالَ سَهْلٌ: هَلْ تَدْرِى مَا الْبُرْدَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، هِى الشَّمْلَةُ مَنْسُوجٌ فِى حَاشِيَتِهَا - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِى أَكْسُوكَهَا فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا، وَإِنَّهَا لإزَارُهُ، فَجَسَّهَا رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اكْسُنِيهَا، قَالَ: (نَعَمْ) ، فَجَلَسَ مَا شَاءَ اللَّهُ فِى الْمَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ الْقَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لا يَرُدُّ سَائِلا، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهَا إِلا لِتَكُونَ كَفَنِى يَوْمَ أَمُوتُ. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. / ٢٤ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النّبِىّ ﷺ : (يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِى زُمْرَةٌ هِىَ سَبْعُونَ أَلْفًا، تُضِىءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ) ، فَقَامَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأسَدِىُّ، يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ، قَالَ: ادْعُ اللَّهَ لِى يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَجْعَلَنِى مِنْهُمْ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ. . .) الحديث. / ٢٥ - وفيه: أَنَس، كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِىِّ، ﵇، يَلْبَسَهَا الْحِبَرَةُ. / ٢٦ - وفيه: عَائِشَةَ، أن النَّبِى ﷺ حِينَ تُوُفِّىَ سُجِّىَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ. البرود هى: برود اليمن تصنع من قطن وهى الحبرات يشتمل بها وهى كانت أشرف الثياب عندهم، إلا ترى انه ﵇ سجى بها حين توفى، ولو كان عندهم أفضل من البرود شىء لسجي به.
стр. 4480
وفيه: جواز لباس الثياب للصالحين رفيع الثياب للصالحين وذلك داخل فى معنى قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده (الآية. وفى حديث أنس ما جبل ﵇ عليه من شريف الأخلاق وعظيم الصبر على جفاء الجهال والصفح عنهم والدفع بالتى هى احسن، إلا ترى أنه ضحك حين جبذه الاعرابى، ثم امر له بعطاء ولم يؤاخذه. وفيه حديث سهل كرم النبى ﵇ وإثاره على نفسه ولو كان فى حال حاجة أخذًا بقوله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (. وفيه أنه ينبغى التبرك بثياب الصالحين ويتوسل بها إلى الله فى الحياة والممات. وفيه جواز أخذ الهدية للرجل الكبير مما هو دونه إذا علم طيب ما عنده. وفيه جواز من سال الإمام والخليفة ماعليه من ثيابه وسيأتى معنى قوله: (سبقك بها عكاشة) . فى كتاب الطب، فى باب من اكتوى وفضل من لم يكتو إن شاء الله - تعالى والنمرة والبرد سواء.
- باب الأكسية والخمائص
/ ٢٧ - فيه: ابْن عَبَّاس، وَعَائِشَةَ، لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً
стр. 4481
لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا. / ٢٨ - وفيه: عَائِشَةَ، أنها أَخْرَجَتْ وَإِزَارًا غَلِيظًا، وَكِسَاءً، وَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ النَّبِىِّ، ﵇، فِى هَذَيْنِ. / ٢٩ - وفيه: عَائِشَةَ، صَلَّى النّبِىّ، ﵇، فِى خَمِيصَةٍ لَهُ لَهَا أَعْلامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلامِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا سَلَّمَ، قَالَ: (اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِى هَذِهِ إِلَى أَبِى جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِى عَنْ صَلاتِى آنِفًا، وَأْتُونِى بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِى جَهْمِ) . الخمائص: أكسية من صوف سود مربعة بها أعلام، كانت من لباس السلف. وقال الأصمعى: الخمائص ثياب من خز أو صوف معلمه وهى سود، وقد تقدم فى كتاب الصلاة.
- باب: اشتمال الصماء
/ ٣٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، نَهَى النَّبِىُّ، ﵇، عَن اشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ. / ٣١ - وفيه: أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ، نَهَى النّبِىّ، ﵇، عَنْ لِبْسَتَيْنِ، اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ - وَالصَّمَّاءُ أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ - وَاللِّبْسَةُ الأخْرَى احْتِبَاؤُهُ بِثَوْبِهِ، وَهُوَ جَالِسٌ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَىْءٌ. وقد تقدم فى كتاب الصلاة.
стр. 4482
- باب: الثياب الخضر
/ ٣٢ - فيه: عِكْرِمَةَ: أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَعَلَيْهَا خِمَارٌ أَخْضَرُ، فَشَكَتْ إِلَيْهَا، وَأَرَتْهَا خُضْرَةً بِجِلْدِهَا، فَلَمَّا جَاءَ النّبِىّ، ﵇، قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ مَا تَلْقَى الْمُؤْمِنَاتُ لَجِلْدُهَا أَشَدُّ خُضْرَةً مِنْ ثَوْبِهَا، قَالَ: وَسَمِعَ أَنَّهَا قَدْ أَتَته، فَجَاءَ وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِى إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ، إِلا أَنَّ مَا مَعَهُ لَيْسَ بِأَغْنَى عَنِّى مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ ثَوْبِهَا، فَقَالَ: كَذَبَتْ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّى لأنْفُضُهَا نَفْضَ الأدِيمِ، وَلَكِنَّهَا نَاشِزٌ تُرِيدُ رِفَاعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (فَإِنْ كَانَ ذَلِكِ لَمْ تَحِلِّى لَهُ - أَوْ لَمْ تَصْلُحِى لَهُ - حَتَّى يَذُوقَ مِنْ عُسَيْلَتِكِ) ، قَالَ: وَأَبْصَرَ مَعَهُ ابْنَيْنِ لَهُ، فَقَالَ: (بَنُوكَ هَؤُلاءِ) ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: (هَذَا الَّذِى تَزْعُمِينَ مَا تَزْعُمِينَ، فَوَاللَّهِ لَهُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ) . قال المؤلف: الثياب الخضر من لباس أهل الجنة قال تعالى: (ويلبسون ثيابا خضرًا من سندس وإستبرق (. كفى بهذا شرفًا للخضرة وترغيبًا فيها. وقال هشام بن عروة قال: رايت على عبد الله بن الزبير مطرقا من خز أخضر كسته أياه عائشة، وروى أبو داود حديثًا عن أبى رمثة
стр. 4483
قال: (انطلقت مع أبى إلى النبي ﵇ فرأيت عليه بردان أخضران) . فيه أن للرجل ضرب زوجته عند نشوزها عليه، وإن اثر ضربه فى جلدها ولا حرج عليه فى ذلك، إلا ترى أن عائشة قالت للنبى ﵇: (لجلدها أشد خضرة من ثوبها) ولم ينكر ذلك النبى. وفيه أن للنساء أن يطالبن أزواجهن عند الامام بقله الوطء وأن يعرضن بذلك تعريضًا بينًا كالتصريح ولا عار عليهن فى ذلك. وفيه أن للزوج إذا ادعى عليه ذلك أن يخبر بخلاف ويعرب عن نفسه ألا ترى قوله: (يا رسول الله، إنى لانفضها نفض الأديم) وهذه الكناية من الفصاحة العجيبة، وهى أبلغ فى المعنى من الحقيقة. وفيه الحكم بالدليل، لقوله ﵇ فى أبنيه: (لهم أشبه به من الغراب بالغراب) فاستدل ﵇ بشبهها على كذبها، ودعواها وقد تقدم هذا الحديث فى كتاب الطلاق فى باب إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت بعد العدة زوجًا فلم يمسها.
- باب الثياب البيض
/ ٣٣ - فيه: سَعْدٍ، قَالَ: رَأَيْتُ بِشِمَالِ النَّبِىِّ، ﵇، وَيَمِينِهِ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ يَوْمَ أُحُدٍ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلا بَعْدُ.
стр. 4484
/ ٣٤ - وفيه: أَبُو ذَرٍّ، رأيْتُ النَّبِى ﷺ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ، وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقَالَ: (مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ، إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ) ، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قُلْتُ ذَلِكَ ثلاثًا، قَالَ لى: كذلِك، عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِى ذَرٍّ. وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا، قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِى ذَرٍّ. قال المؤلف: الثياب البيض من أفضل الثياب وهو لباس الملائكة الذين نصروا النبى ﵇ يوم أحد وغيره، والرجلان اللذان كانا يوم أحد عن يمين النبى وعو شماله كانا ملكين، والله أعلم. وكان ﵇ يلبس البياض ويفضله، ويحض على لباسه الأحياء، ويأمر بتكفين الأموات فيه. روى أبو داود قال: حدثنا أحمد بن يونس قال: ثنا زهير، حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله: (ألبسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم) . وأما قوله فى حديث أبى ذر: (من قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك دخل الجنة وإن زنا وإن سرق) . وقول البخارى: فقال هذا عند الموت إذا تاب وندم وقال: لا إله إلا الله، غفر له. هذا تفسير يحتاج إلى تفسير آخر، وذلك أن التوبة والندم إنما تنفع فى الذنوب التى بين العبد وبين ربه، فأما مظالم العباد فلا تسقطها عنه التوبة.
стр. 4485
ومعنى الحديث أن من مات على التوحيد أنه يدخل الجنة وإن ارتكب الذنوب، ولا يخلد فى النار بذنوبه كما يقوله الخوارج وأهل البدع، وقد تقدم - فى حديث معاذ أن النبى ﵇ قال له: (ما من أحد يشهد أن لا إله ألا الله وأن محمدًا رسول الله صادقا من قلبه إلا حرمه الله على النار) هذا المعنى مبينًا فى كتاب العلم فى باب من خص بالعلم قومًا دون قوم. فإن قال قائل: فى ظاهر قول البخارى هذا أنه لم يوجب المغفرة إلا لمن تاب، فظاهر هذا يوهم إنقاذ الوعيد لمن لم يتب. قيل له: إنما البخارى ماأراده وهب بن منبه بقوله فى مفتاح الجنة فى كتاب الجنائز: أن تحقيق ضمان وعد النبى ﵇ لمن مات لا يشرك بالله أو لمنم قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك، أنه إنما يتحصل لهم دون مدافعه عن دخول الجنة، ولاعذاب ولاعقاب إذا لقوا الله تائبين أو عاملين بما أمر به، فأولئك يكونون أول الناس دخولا الجنة أو قبلهم تباعات للعباد، فلا بدا أيضًا لهم من دخول الجنة بعد إنقاذ الله مشيئته فيهم من عذاب أو مغفرة.
- باب: لبس الحرير للرجال وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه
/ ٣٥ - فيه: أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِىَّ، أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ، وَنَحْنُ مَعَ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ بِأَذْرَبِيجَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْحَرِيرِ إِلا هَكَذَا - وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ اللَّتَيْنِ تَلِيَانِ الإبْهَامَ - قَالَ: فِيمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ يَعْنِى الأعْلامَ.
следующие страницы →