← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

٤٧ - باب: من جعل فص الخاتم فى بطن كفه / ٧٥ - فيه: ابْن عُمَر، أَنَّ النَّبِى ﷺ اصْطَنَعَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ فَصَّهُ فِى بَطْنِ كَفِّهِ، إِذَا لَبِسَهُ، ثُم نَبَذَهُ، فَنَبَذَهُ النَّاسُ. قَالَ جُوَيْرِيَةُ: وَلا أَحْسِبُهُ إِلا قَالَ: فِى يَدِهِ الْيُمْنَى. قال المؤلف: ليس فى كون فص الخاتم فى بطن الكف ولا فى ظهرها نهى ولا أمر، وكل ذلك مباح، وقد روى أبو داود عن ابن إسحاق قال: رأيت على الصلت بن عبد الله بن نوفل بن عبد المطلب خاتمًا فى خنصره هكذا وجعل فصه على ظهرها؟ قال: ولا إخال إلا قال: (إنى رأيت رسول الله كان يلبس خاتمه كذلك) وقال الترمذى: قال البخارى: حديث ابن إسحاق عن الصلت بن عبد الله حديث حسن. وقيل لمالك: يجعل الفص إلى الكف؟ قال: لا. وأظن مالكًا إنما قال ذلك، لأنه وجد الناس يتختمون على ظهر الكف كما كان يفعل ابن عباس، ولم يقل مالك: إن الفص فى باطن الكف لا يجوز. ٤٨ - باب: هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر / ٧٦ - فيه: أَنَس، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا اسْتُخْلِفَ كَتَبَ لَهُ، وَكَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلاثَةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولُ سَطْرٌ، وَاللَّهِ سَطْرٌ. وفيه: أَنَس، كَانَ خَاتَمُ النَّبِي ﷺ فِى يَدِهِ، وَفِي يَدِ أَبِى بَكْرٍ بَعْدَ،

стр. 4517

وَفِى يَدِ عُمَرَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ جَلَسَ عَلَى بِئْرِ أَرِيسَ، قَالَ: فَأَخْرَجَ الْخَاتَمَ، فَجَعَلَ يَعْبَثُ بِهِ، فَسَقَطَ، قَالَ: فَاخْتَلَفْنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مَعَ عُثْمَانَ، فَنَزَحَ الْبِئْرَ فَلَمْ يَجِدْهُ. هذه كله مباح وليس كون الخاتم أسطر أو سطرين افضل من كونه سطرًا واحدًا. وفيه: استعمال آثار الصالحين ولباس ملابسهم على وجهه التبرك بها والتيمن. وفيه: أن من فعل الصالحين العبث بخواتمهم وبما يكون بأيديهم وليس ذلك بعائب لهم. وفيه: أن يسير المال إذا ضاع أنه يجب البحث فى طلبه ولاجتهاد فى تفتيشه كما فعل النبى ﵇ حين ضاع عقد عائشة وحبس الجيش على طلبه حتى وجد. وفيه: أن من طلب شيئًا ولم ينجح فيه بعد ثلاثة أيام أن له ترك ذلك ولايكون مضيعًا، وأن الثلاث حد يقع بها العذر فى العذر المطلوبات. ٤٩ - باب: الخاتم للنساء وَكَانَ عَلَى عَائِشَةَ خَوَاتِيمُ ذَهَبٍ. / ٧٧ - فيه: ابْن عَبَّاس، شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ النَّبِىِّ، ﵇، فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَأَتَى النِّسَاءَ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِى ثَوْبِ بِلالٍ. قال المؤلف: الخاتم للنساء من جملة الحلى الذى أبيح

стр. 4518

لهن، والذهب حلال للنساء، والفتخ: خواتيم النساء التى يلبسنها فى أصابع اليد، واحدتها فتخه، وكذلك إن كانت فى الرجل. عن ابن السكيت. وقال غيره: الفتوخ: خواتيم بلا فصوص كأنها حلق، وكل خلخل لا يجرس فهو فتخ. ٥٠ - باب: القلائد والسخاب للنساء / يعني القلادة: من طيب وسك ٧٨ - فيه: ابْن عَبَّاس، خَرَجَ النَّبِى ﷺ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ، فَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تَصَدَّقُ بِخُرْصِهَا وَسِخَابِهَا. قال المؤلف: القلائد: من حلى النساء أيضًا وقال ابن دريد: السخاب: قلائد من قرنفل أو غيره، والجمع سخب. والخرص: الحلقة الصغيرة من الذهب والفضة كحلقة القرط ونحوها يقال: مافى أذنها خرص، وتسمى هذه الحلقة أيضًا الحوف. ٥١ - باب: استعارة القلائد / ٧٩ - فيه: عَائِشَةَ، هَلَكَتْ لها قِلادَةٌ استعارتها من أسْمَاءَ، فَبَعَثَ النَّبِى ﷺ فِى طَلَبِهَا رِجَالا. . . الحديث. وفيه: اسعارة الحلى وكل ماهو زينة النساء، وأن ذلك من الأمر القديم المعمول به.

стр. 4519

٥٢ - باب: القرط للنساء وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَرَهُنَّ النَّبِى ﷺ بِالصَّدَقَةِ فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأَةُ تُلْقِى قُرْطَهَا. القرط أيضا من حلى النساء. ٥٣ - باب: السخاب للصبيان / ٨٠ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، كُنْتُ مَعَ النَّبِىّ ﷺ فِى سُوقٍ مِنْ أَسْوَاقِ الْمَدِينَةِ، فَانْصَرَفَ وَانْصَرَفْتُ، فَقَالَ: (أَيْنَ لُكَعُ) ؟ ثَلاثًا، ادْعُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِىٍّ، فَقَامَ الْحَسَنُ يَمْشِى وَفِى عُنُقِهِ السِّخَابُ، فَقَالَ النَّبِىُّ، ﵇، بِيَدِهِ هَكَذَا، فَقَالَ الْحَسَنُ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَالْتَزَمَهُ، فَقَالَ: (اللَّهُمَّ إِنِّى أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَى مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِى بَعْدَ مَا قَالَ النَّبِىّ، ﵇، مَا قَالَ. فيه: أنه يجوز أن يجعل فى أعناق الصبيان سخاب القرنفل والسك والطيب، وشبه مما يحل للرجال، وأما الذهب فكرهه مالك للصبيان الصغار، وكره لهم لبس الحرير أيضًا. وقوله ﵇ لبى هريرة: (أين لكح) قال أبو عبيد: هو عند العرب العبد أو اللئيم، وقد تقدم فى كتاب البيوع فى باب ما يكره فى الأسواق، وفيه أن النبى ﵇ عانق والحسن وقبله، وقوله فى هذا الحديث: (فالتزمه) يعنى: المعتنقة والتقبيل المذكورين هناك. قد تقدم الاستئذان.

стр. 4520

٥٤ - باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال / ٨١ - فيه: ابْن عَبَّاس، لَعَنَ النَّبِىّ، ﵇، الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ. قال الطبرى: فيه من الفقه أنه لا يجوز للرجال التشبه بالنساء فى اللباس والزينة التى هى للنساء خاصة، ولا يجوز للنساء التشبه بالرجال فيما كان ذلك للرجال خاصة. فمما يحرم على الرجال لبسه مما هو من لباس النساء: البراقع والقالائد والمخانق والأسورة والاخلاخل، ومما لا يحل له التشبه بهن من الأفعال التى هن بها مخصوصات فانخناث فى الأجسام، والتأنيث فى الكلام. مما يحرم على المرأة لبسه مما هو من لباس الرجال: النعال والرقاق التى هى نعال الحد والمشى بها فى محافل الرجال، والأردية والطيالسة على نحو لبس الرجال لها فى محافل الرجال وشبه ذلك من لباس الرجال، ولايحل لها التشبه بالرجال من الأفعال فى اعطائها نفسها مما أمرت بلبسه من القلائد والقرط والخلاخل والسورة، ونحو ذلك مما ليس للرجل لبسه، وترك تغيير اليدى والأرجل من الخصاب الذى أمرن بتغييرها به.

стр. 4521

روى القعنبى، عن حسين بن عبد الله قال: (رأيت فاطمة بنت رسول الله وفى عنقها قلادة، وفى يدها مسكة فى كل يد، وقالت: كان رسول الله يكره تعطيل النساء وتشبههن بالرجال) . ٥٥ - باب: الأمر بإخراجهم / ٨٢ - فيه: ابْن عَبَّاس، لَعَنَ النَّبِىُّ، ﵇، الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ: (أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ) . قَالَ: فَأَخْرَجَ النَّبِى ﷺ فُلانًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلانًا. / ٨٣ - وفيه: أُمَّ سَلَمَةَ، أَنَّ النَّبِىَّ، ﵇، كَانَ عِنْدَهَا، وَفِى الْبَيْتِ مُخَنَّثٌ، فَقَالَ لِعَبْدِاللَّهِ - أَخِى أُمِّ سَلَمَةَ: يَا عَبْدَاللَّهِ، إِنْ فَتَحَ اللَّهُ لَكُمْ غَدًا الطَّائِفَ، فَإِنِّى أَدُلُّكَ عَلَى بِنْتِ غَيْلانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ، وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِى ﷺ : (لا يَدْخُلَنَّ هَؤُلاءِ عَلَيْكُنَّ) . قال الطبرى: إن قال قائل: ماوجه لعن النبى ﵇ المخنثين من الرجال، والخنث خلق الله لم يكتسبه العبد ولا له فيه صنع، وإنما يذم العبد على مايكسبه مما له السبيل إلى فعله وتركه، ولو جاز ذمه على غير فعله لجاز ذمه على لونه وعرقه وسائر أجزاء جسمه؟ قيل: وجه لعن النبى إياه إنما هو لغير صورته التى لا يقدر على تغييرها، وإنما لعنه لتأنيثه وتشبهه فى ذلك بخلق النساء، وقد

стр. 4522

خلقه الله بخلاف ذلك، ومحاولته تغيير الهيئة التى خلقه الله عليها من خلق الرجال إلى خلق النساء، وله سبيل إلى اكتساب خلق الرجال واجتلاب منه إلى نفسه. ولفعله من الأفعال مايكره الله ونهى عنه رسول الله من التشبه بالنساء فى اللباس والزينة، وذلك أن رسول الله إذ رأى المخنث لم ينكر الخنث منه، وقد رأى خضاب يديه ورجليه بالحناء، حتى سمعه يصف من أمر النساء ماكره سماعه، وذلك وصفه للرجال نساء من يدخل منزله، وذلك مما كان النبى ﵇ ينهى عنه النساء فكيف الرجال؟ فأمر بنفيه وتقدم إليها بمنعه من دخوله عليها، ولو كان ما عليه المخنث من الهيئة والصورة التى هى له خلقة موجبة اللعن والنفى لكان ﵇ إذ رآه قد أمر بطرحه من بيت زوجه ونفيه، قال ما سمعه أو لم يقله، وإنما وجب ذمه، إذ أتى من محارم الله ما يستحق عليه الذم. فإن قيل: فإن حكمه حكم الرجال، فكيف جاز أن يدخل على أزواج النبى ﵇ بعد أن أنزل الحجاب؟ قيل: هو من جملة من استثناه الله من جملة الرجال غير أولى الأربة من الرجال، وقد اول ذلك عكرمة أنه المخنث الذى لا حاجة له فى النساء، وبذلك ورد الخبر عن النبى ﵇. روى معمر، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشة قالت: كان مخنث يدخل على أزواج النبى ﵇ يعدونه من غير أولي

стр. 4523

الإربة، فدخل عليه النبى وهو يصف أمرأة. . . وذكر الحديث (فأمر، ﵇، ألا يدخل عليهم) . روى ابن وهب، عن يحى بن أيوب، عن ابن جريح، عن عطاء، عن ابن عباس قال: المؤنثون أولاد الجن. قيل له: وكيف؟ قال: نهى الله ورسوله أن يأتى الرجل امرأته وهى حائض فإذا أتاها سبقه الشيطان إليها فحملت منه فأتت بالمؤنث. قال المؤلف: وفى حديث ابن عباس وأم سلمه إخراج كل من يتأذى به الناس بإظهار المعاصى والمنكر، ونفيهم عن مواضع التأذى بهم، وقد تقدم فى باب إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت فى كتاب الأحكام أنه يخرج كل من تأذى به جيرانه، وتكرى عليه داره، ويمنع من السكنى فيها حتى يتوب. ٥٦ - باب (قص) الشارب وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُحْفِى شَارِبَهُ حَتَّى يُنْظَرَ إِلَى بَيَاضِ الْجِلْدِ وَيَأْخُذُ هَذَيْنِ، يَعْنِى بَيْنَ الشَّارِبِ وَاللِّحْيَةِ. / ٨٤ - وفيه: ابْن عُمَر، قَالَ النَّبِى ﷺ : (مِنَ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ) . / ٨٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: (الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ) . وترجم له باب: قص الأظفار، وزاد فيه عن ابن عمر

стр. 4524

قال النبي ﷺ : (خالفوا المشركين عفوا اللحى، واحفوا الشوارب) . قال الطبرى: اختلف السلف فى صفة إحفاء الشارب، فقال بعضهم الإحفاء: الأخذ من الإطار. وروى مالك، عن زيد بن اسلم، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: رايت عمر ابن الخطاب إذا غضب فتل شاربه. وقال أبو عاصم: سمعت عبد الله بن أبى عثمان يقول: رايت ابن عمر يأخذ من شاربه من أعلاه واسفله. وكان عروة وعمر بن عبد العزيز وابو سلمه وسالم والقاسم لا يحلق أحد منهم شاربه، وهذا قول مالك والليث، وقال مالك: حلق الشارب مثله ويؤدب فاعله. وكان يكره أن يأخذ من أعلاه. وقال آخرون: الإحفاء حلقه كله. روى يحى بن سعيد، عن ابن عجلان قال: رآني عثمان بن عبيد الله بن نافع أخذت من شاربى أكثر مما أخذت منه إلى أن يشبه الحلق، فنظر إلى فقلت: ماتنكر؟ قال: ماأنكر شيئًا، رايت اصحاب رسول الله يأخذون شواربهم شبه الحلق. فقلت: من هم؟ قال: جابر بن عبد الله، وابو سعيد الخدرى، وابو اسيد الساعدى، وابن عمر، وسلمه بن الأكوع، وأنس. وهو قول الكوفيين وقالوا: اإحفاء هو الحلق، والحلق أفضل من التقصير فى الراس والشارب. قال المؤلف: وحجة هذه المقالة فى اللغة ماقال الخليل قال:

стр. 4525

أحفى شاربه: استأصلة. واستقصاه. وكذلك قال ابن دريد، إلا أنه قال: حفوت شاربى أحفوه حفوًا استأصله أخذت شعره. وحجة المقالة الأولى قوله ﵇: (من الفطرة قص الشارب) . ومعلوم أن القص لا يقتضى الحلق والاستئصال. قال صاحب الأفعال: يقال قص الشعر والأظفار قطع منها بالمقص، ولما جاء عنه ﵇: (أحفوا الشوارب) وجاء عنه (من الفطرة قص الشارب) واحتمل قوله: (أحفوا الشوارب) أخذه كله واستئصالة علم أن المراد أخذ بعضه، ووجب ترجيح هذه المقالة على من قال باستئصال حلقه. وقال الآخرون: لما جاء الحديث عنه ﵇ بلفظين، يحتمل أحدهما استئصال حلقة وهو قوله: (أحفوا الشوارب) واللفظ الآخر يحتمل أخذ بعضه وهو قوله: (من الفطرة قص الشارب) ولم يكن أحدهما ناسخًا للآخر ولا دافعًا له، دل أخذ بقص شاربه فهو مصيب، ومن استأصل حلقه فهو مصيب لموافقة ذلك السنة، ولذلك اختلف السلف فى صفة حلقة لاختلاف الآثار، والله أعلم.

стр. 4526

٥٧ - باب: إعفاء اللحى ) عَفَوْا (: كَثُرُوا وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ. / ٨٦ - فيه: ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : (خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ) . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا حَجَّ أَوِ اعْتَمَرَ قَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَمَا فَضَلَ أَخَذَهُ. / ٨٧ - فيه: ابْن عُمَر، قال: قال النَّبِىّ، ﵇: (انْهَكُوا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى) . وقال الطبرى: إن قال قائل: ماوجه قوله ﵇: (أعفوا اللحى) وقد علمت أن الإعفاء الإكثار، وأن من الناس من إن ترك شعر لحيته اتباعًا منه لظاهر هذا الخبر تفاحش طولا وعرضًا، وسمج حتى صار للناس حديثًا ومثلا؟ قيل: قد ثبت الحجة عن النبى ﵇ على خصوص هذا الخبر وأن من اللحية ماهو محظور إحفاؤه وواجب قصة على اختلاف من السلف فى قدر ذلك وحده، فقال بعضهم: حد ذلك أن يزداد على قدر القبضة طولا، وأن ينتشر عرضًا فيقبح ذلك، فإذا زادت على قدر القبضة كان الأولى، جزّ مازاد على ذلك، من غير تحريم منهم ترك الزيادة على ذلك. وروى عن عمر أنه راى رجال قد ترك لحيته حتى كثرت فأخذ بحديها ثم قال: ائتونى بجلمين ثم امر رجلا فجز ما تحت يده ثم قال: اذهب فأصلح شعرك أو أفسده، يترك أحدكم نفسه حتى كأنه سبع من السباع.

стр. 4527

وكان أبو هريرة يقبض على لحيته فيأخذ مافضل، وعن ابن عمر مثله. وقال آخرون: يأخذ من طولها وعرضها مالم يفحش أخذه، ولم يحدوا فى ذلك حدًا غير أن معنى ذلك عندى - والله أعلم - مالم يخرج من عرف الناس. وروى عن الحسن أنه كان لا يرى بأسا أن يأخذ من طول لحيته وعرضها ما لم يفحش الأخذ منها، وكان إذا ذبح أضحيته يوم النحر أخذ منها شيئًا. وقال عطاء: لا بأس أن يأخذ من لحيته الشىء القليل من طولها وعرضها إذا كثرت، وعلة قائلى هذه المقالة: كراهية الشهرة فى اللبس وغيره فكذلك الشهرة فى شعر اللحية. وكان آخرون يكرهون الأخذ من اللحية إلا فى حج أو عمرة، وروى ذلك عن ابن عمر وعطاء وقتادة. والصواب أن يقال: إن قوله ﵇: (أعفوا اللحى) على عمومه إلا ماخص من ذلك، وقد روى عنه حديث فى إسناده نظر أن ذلك على الخصوص، وأن من اللحى ماالحق فيه ترك إعفائه، وذلك ماتجاوز طوله أو عرضه عن المعروف من خلق الناس وخرج عن الغالب فيهم، روى مروان بن معاوية، عن سعيد بن أبى راشد المكى، عن أبى جعفر محمد بن على قال: (كان رسول الله يأخذ اللحية، فما طلع على الكف جزه) ، وهذا الحديث وإن كان فى إسناده نظر فهو جميل من الأمر وحسن من الفعال.

стр. 4528

قال غيره: وقوله ﵇: (انهكوا الشوارب) أى: جزوا منها مايؤثر فيها، ولايستأصلها. قال صاحب الأفعال: يقال نهكته الحمى - بالكسر - نهكًا أثرت فيه، وكذلك العبادة، والتأثير غير الاستئصال. ٥٨ - باب: ما يذكر فى الشيب / ٨٨ - فيه: ابْن سِيرِينَ، سَأَلْتُ أَنَس بْن مالك أَخَضَبَ النَّبِى ﷺ ؟ قَالَ: لَمْ يَبْلُغِ الشَّيْبَ إِلا قَلِيلا. وقال مرة: لَمْ يَبْلُغْ مَا يَخْضِبُ، لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِى لِحْيَتِهِ. / ٨٩ - فيه: إِسْرَائِيلُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِى أَهْلِى إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، وَقَبَضَ إِسْرَائِيلُ ثَلاثَ أَصَابِعَ مِنْ قُصَّةٍ فِيهِ شَعَرٌ مِنْ شَعَرِ النَّبِى ﷺ ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإنْسَانَ عَيْنٌ، أَوْ شَىْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ، فَاطَّلَعْتُ فِى الْجُلْجُلِ، فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حُمْرًا. / ٩٠ - وَقَالَ عُثْمَان مرة: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعَرًا مِنْ شَعَرِ النَّبِى ﷺ مَخْضُوبًا. اختلف الاثار هلى خضب النبى أم لا؟ فقال أنس: لم يبلغ النبى ﵇ من الشيب مايخضب وهو قول مالك، وأكثر العلماء أنه ﵇ لم يخضب.

стр. 4529

وقال عثمان بن موهب: إن أم سلمه أخرجت إلينا شعرًا من شعر النبى ﵇ مخضوبًا. وروى الطبرى، عن العباس بن أبى طالب، عن المعلى بن أسد حدثنا سلام بن أبى مطيع، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: (أخرجت إلى أم سلمه زوج النبي ﷺ شعرًا مخضوبًا بالحناء والكتم، فقالت: هذا شعر رسول الله) فزعمت طائفة من أهل الحديث أن النبى ﵇ خضب، واحتجوا بهذا الحديث، وبما رواه ابن إسحاق، عن سعيد المقبرى، عن عبيد بن جريح أنه قال لابن عمر: (رأيتك تصفر لحيتك. فقال: إن رسول الله ﵇ كان يصفر بالورس، فأنا أحب أن أصفر به كما كان رسول الله يصنع) . وروى القطان وحماد بن سلمه، عن عبيد الله بن عمر، عن سعيد المقبرى، عن عبيد بن جريح أنه قال لابن عمر: (رأيتك تصفر لحيتك. فقال: رايت رسول الله ﵇ يصفر لحيته) . وروى الطبرى، عن هلال بن العلاء، عن الحسين بن عياش قال حدثنا جعفر بن برقان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: (قدم أنس بن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز وإلى عليها، فأرسلنى عمر إلى أنس وقال: سله هل خضب النبى ﵇؟ فإنا نجد هاهنا شعرًا من شعره فيه بياض كأنه قد لون. فقال أنس: إن رسول الله كان قد متع بسواد الشعر لو عددت خمس ما أقبل من راسه ولحيته، وماكنت أدرى عل أعد خمس عشرة شيبه فما أدرى ما هذا الذى تجدون إلا من الطيب الذى يطيب به شهره وهو غير لونه) .

стр. 4530

وأما قوله: (فاطلعت فى الجلجل) فروى النضر بن شميل، عن إسرائيل، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال: (كان عند أم سلمه أم المؤمنين جلجل من فضة فيه شعرات من شعر رسول الله، وكان إذا أصاب إنسانًا عين أو أشتكى، بعث بإناء فخضخض فيه، ثم شربه وتوضأ منه فبعثى أهلى فأطلعت فيه فإذا شعرات حمر) . وقوله: (فخضخض فيه) يعنى: خضخض الشعر فى الإناء لتبقى بركته فى ذلك الماء فيشربه المعين أو الوصب، فيدفع الله عنه ببركة ذلك الشعر ما به من شكوى. ٥٩ - باب: الخضاب / ٩١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىُّ، ﵇: (إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ) . قال الطبرى: إن قال قائل: مامعنى هذا الحديث؟ وقد روى شعبة، عن الركين بن الربيع قال: سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود (أن رسول الله كان يكره تغيير الشيب) . وروى ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبى ﵇ قال: (من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة إلا أن ينتفها أو يخضبها) .

стр. 4531

قيل: قد اختلف السلف قبلنا فى تغيير الشيب، فرأى بعضهم أن أمر النبى ﵇ بصبغه ندب، وأن تغييره أولى من تركه أبيض. ذكر من رأى ذلك: روى عن قيس بن أبى حازم قال: كان أبو بكر الصديق يخرج إلينا وكأن لحيته صرام العرفج من الحناء والكتم. وعن أنس أن أبا بكر وعمر كان يخضبان بالحنان والكتم، وكان الشعبى وابن أبى مليكة يخضبان بالسواد ويقول: هو اسكن للزوجة وأهيب للعدو، وعن أبن مليكة أن عثمان كان يخضب بالسواد، وعن عقبة بن عامر والحسن والحسين أنهم كانوا يخضبون بالسواد، ومن التابعين: على بن عبد الله بن عباس وعروة بن الزبير وابن سيرين وأبو برده. وروى ابن وهب، عن مالك قال: لم أسمع فى صبغ الشعر بالسواد بنهى معلوم، وغيره أحب إلى. وممن كان يخضب بالصفرة على بن أبى طالب، وابن عمر، والمغيرة بن شعبة، وجرير البجلى، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، ومن التابعين عطاء، وأبو وائل، والحسن، وطاوس، وسعيد بن المسيب. واعتل مغيرو الشيب من حديث أبى هريرة وغيره، بما رواه مطر الوراق، عن أبى رجاء، عن جابر قال: جيء بأبى قحافة إلى النبي ورأسه ولحيته كأنهما ثغامة بيضاء، فأمر رسول الله أن يغيروه، فحمروه.

стр. 4532

ورأى آخرون ترك الشعر أبيض من تغييره وأن الصحيح عنه ﵇ نهيه عن تغييره الشيب، وقالوا: توفى النبى ﵇ وقد بدا فى عنفقه ورأسه الشيب، ولم يغيره بشىء ولو كان تغييره الاختيار لكان هو قد آثر الأفضل. ذكر من راى ذلك: قال أبو إسحاق الهمدانى: رايت على بن أبى طالب ابيض الرأس واللحية. وقاله الشعبى، وكان أبى بن كعب ابيض اللحية، وعن أنس، ومالك بن أوس وسلمه بن الأكوع أنهم كانوا لا يغيرون الشيب، وعن أبى الطفيل، وأبى برزة السلمى مثله، وكان أبو مجلز وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير وعطاء بن السائب لا يخضبون. واعتلوا بما روى أبو إسحاق عن أبى جحيفة قال: (رايت النبى ﵇ عنفقه بيضاء) . والصواب عندنا الآثار التى رويت عن النبى ﵇ بتغيير الشيب وبالنهى عن تغييره كلها صحاح، وليس فيها شىء يبطل معنى غيره، ولكن بعضها عام وبعضها خاص، فقوله ﵇: (خالفوا اليهود وغيروا الشيب) المراد منه الخصوص، ومعناه: غيروا الشيب الذى هو نظير شيب أبى قحافة، وأما من كان اشمط فهو الذى أمره النبى ﵇ ألا يغيره وقال: (من شاب شيبة فى الإسلام كانت له نورًا) . فإن قيل: مالدليل على ذلك؟

стр. 4533

قيل: لا يجوز أن يكون من النبى ﵇ قولان متضادان فى شىء واحد فى حالة واحدة إلا وأحدهما ناسخ للآخر، فإذا كان ذلك كذلك فغير جائز أن يكون الناسخ منهما إلا معلومًا عند الأمة. ولما وردت الأخبار بنقل العدول أنه أمر بتغيير الشيب، وأنه نهى عن تغييره، ولم يعلم الناسخ منهما فينتهوا إليه كان القول فى ذلك أن الذين غيروا شيبهم كشيب من أصحاب النبى إنما غيروا فى الحالة التى كان فيها شيبهم كشيب أبى قحافة أو قريبا منه، وأما الذين أجازوا ترك تغييره كن شيبهم مخالفًا لشيبابى قحافة إما بالمشط أو بغلبة السواد عليه، كالذى روى عن النبى أنه لم يغير شيبه لقلته، مع أن تغيير الشيب ندب لا فرط، ولا ارى مغير ذلك وإن كان قليلاً حرجًا بتغييره، إذ كان النهى عن ذلك نهى كراهه لا تحريمًا لإجماع سلف الأمة وخلفها على ذلك، وكذلك الأمر فيما أمر به على وجه الندب، ولو يكن كذلك كان تاركو التغيير قد انكروا على المغيرين، أو أنكر المغيرون على تاركى التغيير، وبنحو معناه قال الثورى. ٦٠ - باب: الجعد / ٩٢ - فيه: أَنَس، أَنّ النَّبِىّ ﷺ كَانَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالأبْيَضِ الأمْهَقِ، وَلا بِالآدَمِ، وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ

стр. 4534

الْقَطَطِ، وَلا بِالسَّبْطِ، بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ. / ٩٣ - وفيه: الْبَرَاء، إِنَّ جُمَّةَ النَّبِىّ ﷺ لَتَضْرِبُ قَرِيبًا مِنْ مَنْكِبَيْهِ. وَقَالَ شُعْبَةُ: شَعَرُهُ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ. / ٩٤ - وفيه: ابْن عُمَر، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ: (أُرَانِى اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ، قَدْ رَجَّلَهَا فَهِىَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ - أوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ - يطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقِيلَ: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ) . / ٩٥ - وفيه: أَنَس، أَنَّ النَّبِى ﷺ كَانَ يَضْرِبُ شَعَرُهُ مَنْكِبَيْهِ. / ٩٦ - فيه: وَقَالَ مرة: كَانَ شَعَرِ النَّبِىّ ﷺ رَجِلا، لَيْسَ بِالسَّبِطِ وَلا الْجَعْدِ، بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ. وَكَانَ ضَخْمَ الْيَدَيْنِ. / ٩٧ - وَقَالَ مرة: كَانَ ضَخْمَ الرأس وَالْقَدَمَيْنِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، لَمْ أَرَ بَعْدَهُ وَلا قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَكَانَ بَسِطَ الْكَفَّيْنِ. / ٩٨ - وَقَالَ مرة: كَانَ شَثْنَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ. / ٩٩ - وفيه: جَابِر، كَانَ النَّبِى ﷺ ضَخْمَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ، وَلَمْ أَرَ بَعْدَهُ شَبَهًا لَهُ. / ١٠٠ - وفيه: ابْن عَبَّاس، ذَكَرُوا عنده الدَّجَّالَ، فَقَالَ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَمْ أَسْمَعْهُ قَالَ ذَاكَ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: (أَمَّا إِبْرَاهِيمُ،

стр. 4535

فَانْظُرُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ وَأَمَّا مُوسَى، فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ، عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ؛ إِذِ انْحَدَرَ فِى الْوَادِى يُلَبِّى) . قال المؤلف: فى أحاديث هذا الباب أن النبى ﵇ كانت له جمة تبلغ قريبًا من منكبيه، وقيل: تبلغ شحمة أذنيه، وقيل: يضرب شعره منكبيه، وليس ذلك بإخبار عن وقت واحد فتتضاد الآثار، وإنما ذلك إخبار عن أوقات مختلفة، يمكن فيها زيادة الشعر بغفلتيه ﵇ عن قصه، فكان إذا غفل عنه بلغ منكبيه، وإذا تعاهده وقصه بلغ شحمة أذنيه أو قريبًا من منكبيه، فأخبر كل واحد عما شاهد وعاين. وذكر ﵇ أن عيس ابن مريم له لمه حسنة قد رجلها وأن موسى كان جعدًا، فدل أنه كانت له لمة وأن الجعودة لاتبين إلا فى طول الشعر، وهذه الآثار كلها تدل أن اتخاذ اللمم وترجليها من سنن النبيين والمرسلين. وقوله فى وصفه النبى: (ليس بالبض الأمهق) يعنى: أن لونه ليس بالشديد البياض الفاحش الخارج عن حد الحسن، وذلك أن المهق من البياض هو الذى لا يخالطه شىء من الحمرة كلون الفضة. والقطط: الشعر الشديد التجعد. والبسط: ضد الجعد. والآدم: السمر. وقوله: (عنبه طافية) يريد بارزة قد برزت وطفت كما يطفو الشىء فوق الماء، وترجيل الشعر: مشطة وتقويمه، يقال: شعر رجل ورجلّ: مسرح، عن صاحب العين.

стр. 4536

واختلف فى معنى المسيح ابن مريم ﵇ على خمسة أقوال: فقال ابن عباس: سمى عيسى مسيحًا، لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاه إلا برا، وقال إبراهيم النخعى: المسيح: الصديق. وقال ثعلب: سمى مسيحًا، لأنه كان يمسح الأرض أى: يقطعها. وروى عطاء، عن ابن عباس أنه قال: سمى مسيحًا، لأنه كان أمسح الرجل، فلم يكن لرجله أخمص وهو مايتجافى عن الأرض من وسطها فلا يقع عليها. وقال آخرون: سمى مسيحًا، لأنه خرج من بطن أمه مسموحًا بالدهن، ذكر هذا كله ابن الأنبارى، وقال: إنما سمى الدجال مسحًا لأن إحدى عينيه مسوحة، والأصل فيه مفعول فصرف إلى فعيل قال ثعلب: والدجال مأخوذ من قولهم: دجل فى الرض ومعناة: ضرب فيها وطافها، وقال مرة أخرى: نقول: قد دجل إذا لبسّ وموهّ. وقال ابن دريد: اشتقاقه من قولهم: دجلت الشىء إذا سترته، كأن يستر الحق ويغطيه ويلبس بتمويهه، ومنه سميت: دجلة كأنها جين فاضت على الأرض سترت مكانها. وقوله: (شثن الكفين والقدمين) قال الخليل: الثن: الذى فى أنامله غلظ وقد شثن شثنًا. وقال أبو عبيد: هما إلى الغلظ فكانت كف النبى ﵇ ممتلئة لحمًا، ويبين ذلك قول أنس: (وكان ضخم اليدين والقدمين) غير أن كفه مع ضخامتها كانت لينة

стр. 4537

كما روي أنس أنه قال: (ما مسسنت حريرة ألين من كف النبى ﵇ . فإن قال قائل: قد قال أبو حاتم عن الأصمعى: الشثونة: غلظ الكف وخشونتها وأنشد قول امرى القيس: وتعطوا برخص غير شثن كأنه أساريع ظبى أو مساويك إسحل فعلى تأويل الأصمعى البيت يعارض قول أنس فى صفة النبى أنه كان خشن اليدين مع قوله: (ما مسست حريرة ألين من كفه ﷺ ) . فالجواب: أن مافسره الأصمعى أن الشثن خشونة مع غلظ، لم يقله أحد من أهل اللغة غيره، ولا فسر أحد بيت امرىء القيس عليه، فلا يوجه قول أنس إليه لئلا يتنافى قوله ويتضاد، وقد شرح الطوسى هذا البيت بما يوافق قول الخليل وأبى عبيد فقال: قوله: بكف غير شثن أى غير غليظ جاف، وهذا هو الصواب لأن الشاعر إنما وصف كف جارية، والمستحب فيها الرقة واللطافة، ألا ترى أنه شبهها فى الدقة بالدود البيض الدقاق اللينة التى تكون فى الرمل، أو بمساويك رقاق ولم يصفها بالغلظ والامتلاء، وذلك لا يستحب فى النساء وهو مستحب فى الرجال، ولايمنع أحد أن تكون كفا ممتلئة لحمًا شديدة الرطوبة غير خشنة، فلا تعارض بين الحدثين. ولو صح تأويل من جعل الشثن الخشن لأمكن الجمع بين الحدثين،

стр. 4538

فيكون إخبار أنس لين كف النبى ﵇ أنه كان فى غير الحال التى تكون فيها خشنة، وذلك إذا أمهن فى أهله، قالت عائشة: (كان النبى ﵇ فى مهنة أهله يرقع الثوب ويخصف النعل) . وفى حديث آخر (ويحلب الشاة) فإذا كان النبى ﵇ يعتمل بيديه حدثت له الخشونة، وإذا ترك ذلك عاد إلى أصل جبلته سريعًا وهى لين الكف، فأخبر أنس عن كلتا الحالتين فلا تعارض فى ذلك لو كان التأويل كما قال الأصمعى، على أن قول الخليل وأبى عبيد والطوسى فى تفسير الشثن مغن عن هذا التخريج. وقوله: (مخطوم بخلبه) قال صاحب العين: هى حبل من ليف. وذكر أنس فى هذا الحديث أن النبى ﵇ مات ابن ستين سته، وهو قول عروة بن الزبير، وروى عن ابن عباس خلاف هذا قال: (أقام رسول الله بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه وبالمدينة عشرًا ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة) . ٦١ - باب: التلبيد / ١٠١ - فيه: عُمَر، قَالَ: مَنْ ضَفَّرَ فَلْيَحْلِقْ، وَلا تَشَبَّهُوا بِالتَّلْبِيدِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُلَبِّدًا. / ١٠٢ - فيه: والتلبيد: أن يجعل الصمغ فى الغسول ثم يلطخ بها راسه عند الإحرام ليمنعه ذلك من الشعث. قال المؤلف وقد تقدم التلبيد فى كتاب الحج ولم

стр. 4539

يمض هناك معنى قول عمر لا تشبهوا بالتلبيد ويروى (تشبهوا) أو (تشبهوا) بضم التاء وفتحها والصحيح فتحها والمعنى لا تشبهوا، ومن روى بضم التاء أراد لا تشبهوا علينا. والضفر: أن يضفر شعره ذو الشعر الطويل ليمنعه ذلك من الشعث، ومن فعل هذا لم يجز له أن يقص، لأنه فعل مايشبه التلبيد الذى أوجب رسول الله فيه الحلاق فلذلك رأى عمر الحلاق على من فعل ذلك. ومعنى قوله: لا تشبهوا بالتلبيد. أى تفعلوا الفعالا تشبه التلبيد فى الانتفاع بها، وهى العقص والضفر، ثم تقصرون ولاتحلقون، وتقولون: لم نلبد، فمن فعل ذلك فهو مبلد وعليه الحلاق. ٦٢ - باب الفرق / ١٠٣ - فيه: ابْن عَبَّاس، كَانَ النَّبِى ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدِلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، فَسَدَلَ النَّبِى ﵇ نَاصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ. / ١٠٤ - وفيه: عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِى مَفَارِقِ النَّبِى ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وقَالَ عَبْدُاللَّهِ: فِى مَفْرِقِ النَّبِىِّ، ﵇. قال المؤلف: فرق شعر الرأس سنة، وروى ابن وهب عن

стр. 4540

أسامة بن زيد عمر عبد العزيز كان إذا انصرف من الجمعة أقام على باب المسجد حرسًا يجزون كل من لم يفرق شعره. قال مالك: رأيت عامر بن عبد الله بن الزبير وربيعة بن أبى عبد الرحمن وهشام بن عروة يفرقون شعورهم، وكانت لهشام جمةّ إلى كتفيه. فإن قال قائل: قول ابن عباس (كان النبى ﵇ يحب موافقة أهل الكتاب) يعارض قول النبى ﷺ : (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) . فالجواب: أن حديث ابن عباس يحتمل أن يكون فى أول الإسالم فى وقت قوى فيه طمع النبى ﵇ برجوع أهل الكتاب وإنابهم إلى الإسلام، وأحب موافقتهم على وجه التالف لهم والتأنيس، مع أن أهل الكتاب كانوا أهل شريعة، وكان المشركون لا شريعة لهم، فسدل ﵇ ناصية، إذ كان ذلك مباحًا لأنه لم يأته نهى عن ذلك، ثم أراد الله تعالى نسخ السدل بالفرق فأمر نبيه بفرق شعره وترك موافقة أهل الكتاب والحديث يدل على صحة هذا، وهو قول ابن عباس (كان رسول الله يحب موافقة أهل الكتاب) (وكان) إخبار عن فعل متقدم، وقوله: ثم فرق بعد إخبار عن فعل متأخر وقع منه ﵇ بمخالفة أهل الكتاب، وهذا هو النسخ بعينه، لقوله ﵇ (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم) فأمر بمخالفتهم عامًا. ٦٣ - باب الذوائب / ١٠٥ - فيه: ابْن عَبَّاس، بِتُّ لَيْلَةً عِنْدَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ خَالَتِي، وَكَانَ

стр. 4541

النبي ﷺ عِنْدَهَا فِى لَيْلَتِهَا، فَقَامَ النَّبِيّ، ﵇، يُصَلِّى مِنَ اللَّيْلِ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِذُؤَابَتِى، فَجَعَلَنِى عَنْ يَمِينِهِ. قال المؤلف: الذوائب إنما يجوز اتخاذها للغلام إذا كان فى رأسه شعر غيرها، وأما إذا حلق شعره كله وترك ذؤابه فهو القزع الذى نهى عنه ﵇، وقد جاء هذا بينًا فى الباب بعد هذا. وروى أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، جدثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر (أن النبى ﵇ نهى عن القزع) وهو أن يحلق رأس الصبى ويترك له ذؤابه. ٦٤ - باب: القزع / ١٠٦ - فيه: ابْنَ عُمَر، أَنّ النَّبِىّ، ﵇، نهَى عَنِ الْقَزَعِ. قُلْتُ: مَا الْقَزَعُ؟ فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْدُاللَّهِ قَالَ: إِذَا حَلَقَ الصَّبِى وَتَرَكَ هَاهُنَا شَعَرَةً وَهَاهُنَا وَهَاهُنَا، فَأَشَارَ لَنَا عُبَيْدُاللَّهِ إِلَى نَاصِيَتِهِ، وَجَانِبَىْ رَأْسِهِ، قِيلَ لِعُبَيْدِ اللَّهِ: وَالْجَارِيَةُ وَالْغُلامُ؟ قَالَ: لا أَدْرِى، هَكَذَا قَالَ الصَّبِىُّ. قَالَ عُبَيْدُاللَّهِ: وَعَاوَدْتُهُ، فَقَالَ: أَمَّا الْقُصَّةُ وَالْقَفَا لِلْغُلامِ، فَلا بَأْسَ بِهِمَا، وَلَكِنَّ الْقَزَعَ أَنْ يُتْرَكَ بِنَاصِيَتِهِ شَعَرٌ، وَلَيْسَ فِى رَأْسِهِ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ شَقُّ رَأْسِهِ هَذَا أَوْ هَذَا. قال ابن السكيت: القزع أن تتقوب من الراس مواضع فلا يكون فيها شعر؟ قال ثابت: لم يبق من شعره إلا قزع. الواحدة: قزعه، ومثله فى السماء قزعة.

стр. 4542

وقد ذكر أبو داود فى حديث المعنى الذى من أجله نهى النبى ﵇ عن القزع، فقال: حدثنا الحلوانى، حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا الحجاج بن حسان قال: (دخلنا على أنس بن مالك فقال: حدثتنى أختى قالت: دخل علينا النبى ﵇ وأنت يومئذ غلام ولك قرنان، فمسح راسك وبرك عليك وقال: احلقوا هذين أو قصوهما، فإن هذا زى اليهود) . ٦٥ - باب: تطييب المرأة زوجها بيديها / ١٠٧ - فيه: عَائِشَةَ: طَيَّبْتُ النَّبِىَّ ﷺ بِيَدِى لِحُرْمِهِ وَطَيَّبْتُهُ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ. قد تقدم فى الحج. ٦٦ - باب: الطيب فى الرأس واللحية / ١٠٨ - فيه: عَائِشَةَ، كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِى ﷺ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدَ حَتَّى أرى وَبِيصَ الطِّيبِ فِى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ. قال المؤلف: هذا يدل أن مواضع الطيب من الرجال مخالفة لمواضعة من النساء، وذلك أن عائشة ذكرت أنها كانت تجد وبيض الطيب فى رأس النبى ﵇ ولحيته فدل ذلك أنها إنما كانت تجعل الطيب فى شعر راسه ولحيته لا من وجهه كما تفعل النساء فيخططن وجوههن بالطيب يتزين بذلك، وهذا لا يجوز للرجال

стр. 4543

دليل هذا الحديث، وهو مباح للنساء، لأن جميع أنواع الزينة بالحلى والطيب ونحوه جائز لهم ما لم يغيرن شيئًا من خلقهن. ٦٧ - باب: الامتشاط / ١٠٩ - فيه: سَهْل، أَنَّ رَجُلا اطَّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِى دَارِ النَّبِىِّ، ﵇، وَأن النَّبِىُّ ﷺ يَحُكُّ رَأْسَهُ بِالْمِدْرَى، فَقَالَ: (لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهَا فِى عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الإذْنُ مِنْ قِبَلِ الأبْصَارِ) . المدرى عند العرب اسم للمشط، قال أمرؤ القيس: تظل المدارى فى مثنى ومرسل يريد فى ماأنثى من شعرها وانعطف، ومااسترسل، يصف امرأة بكثرة الشعر. وذكره أبو حاتم عن الأصعمى، وأبى عبيد، وقال: المدارى: الأمشاط، وفى شرح ابن كسيان المدرى: الود الذى تدخله المرأة فى شعرها لتضم بعضه إلى بعضه. ٦٨ - باب: ترجيل الحائض زوجها / ١١٠ - فيه: عَائِشَةَ، كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ النَّبِىّ ﷺ وَأَنَا حَائِضٌ. فيه: أن ترجيل الشعر منزى أهل الإيمان والصلاح، وذلك من النظافة، وقد روى مالك عن يحى بن سعيد أن قتادة الأنصارى قال لرسول الله: (إنى لى جمة فارجلها؟ قال رسول الله: نعم وأكرمها. وكان أبو قتادة ربما دهنها فى يوم مرتين لما قال رسول الله: وأكرمها) .

стр. 4544

وهذا الحديث قد أسنده الرازى عن يحى بن سعيد، عن محمد بن المنكدر، عن أبى قتادة. . فذكره. وقد روى عن النبى ﵇ خلاف تأويل أبى قتادة، روى على بن المدينى، عن يحى بن سعيد، عن هشام، عن الحسن عن عبد الله بن مغفل قال: (نهى رسول الله عن الترجيل إلا غبًّا) . وروى ابن المبارك، عن كهمس عن الحسن، عن ابن بريدة عن رجل اصاحاب النبى ﵇ قال: (نهانا رسول الله عن الإرفاء. قلت لأبن بريدة: مالإرفاه؟ قال: الترجيل كل يوم) . روى ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبى أمامه، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبى أمامه قال: (ذكر أصحاب رسول الله يومًا عنده الدنيا البذاذة من الإيمان) . والمراد بهذا الحديث - والله أعلم - بعض الأوقات ولم يأمر بلزوم البذاذة فى جميع الأحوال لتتفق الأحاديث، وقد أمر الله تعالى بأخذ الزينة عند كل مسجد، وأمر النبي ﷺ باتخاذ الطيب، وحسن الهيئة واللباس فى الجمع وماشكل ذلك من المحافل.

стр. 4545

٦٩ - باب: الترجل / ١١١ - فيه: عَائِشَةَ، أَن النَّبِىِّ، ﵇، كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ مَا اسْتَطَاعَ فِى تَرَجُّلِهِ وَوُضُوئِهِ. الترجلّ من باب النظافة والزينة المباحة للرجال، وقد تقدم فى الباب قبل هذا أن ذلك فى بعض الأوقات ومعناه الخصوص وروى مالك، عن زيد بن أسلم أن عطاء بن يسار أخبره قال: (كان رسول الله فى المسجد فدخل رجل ثائر الراس واللحية فاشار إليه رسول الله بيده أن أخرج، كأنه يعنى إصلاح شعر رأسه ولحيته ففعل الرجل ثم رجع، فقال رسول الله: اليس هذا خيرًا من أن أحدكم ثائر الراس كأنه شيطان) . ٧٠ - باب: المسك / ١١٢ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيّ، ﵇، (لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) . قال المؤلف المسك أطيب الطيب، وقد روى ذلك عن النبى ﵇ من حديث أبى سعيد الخدرى، وقد ذكرته فى كتاب الذبائح، وهذا الحديث يشهد لحديث أبى سعيد، لأنه لو كان فى الطيب فوق المسك لضرب به المثل عند الله كما ضرب بالمسك.

стр. 4546

٧١ - باب: من لم يرد الطيب / ١١٣ - فيه: أَنَس، أَنَّهُ لا يَرُدُّ الطِّيبَ، وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِى ﷺ كَانَ لا يَرُدُّ الطِّيبَ. وترجم له فى كتاب الهبة باب ما لا يرد من الهدية. ذكره أبو داود من حديث عبد الله بن أبى جعفر، عن الأعرج، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله: (من عرض عليه طيب فلا يرده، فإنه طيب الريح خفيف المحمل) . ومن حديث كثير بن عبد الله قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال رسول الله: (حبب إلى من الشياء النساء والطيب وجعل قرة عينى فى الصلاة) أنه كان يرى فيها الجنة وماوعد الله فيها لأوليائه المؤمنين. ٧٢ - باب: الذريرة / ١١٤ - فيه: عَائِشَةَ، طَيَّبْتُ النَّبِىّ، ﵇، بِيَدَىَّ بِذَرِيرَةٍ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالإحْرَامِ. يقول المؤلف: الذريرة نوع من أنواع الطيب، وكل ما يطلق عليه اسم طيب فيجوز استعماله، لعموم قول أنس: كان النبى ﵇ لا يرد الطيب. فعم أنواعه كلها.

стр. 4547

٧٣ - باب: المتفلجات للحسن / ١١٥ - فيه: عَبْدُ اللَّهِ: لَعَنَ النَّبِىّ، ﵇، الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، مَالِى لا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ النَّبِىُّ، ﵇، وَهُوَ فِى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) [الحشر: ٧] . وترجم له: باب المتنمصات. الواشمة: هى التى تشم يديها وذلك أن تغرر ظهر كفها أو غيره من جسدها بإبرة حتى تؤثر فيها ثم تحشوه كحلا وتجعله كالنقش فى جسدها تتزين بذلك. والنامصة: هى الناقة، والنمص: والنتف، قال أبو جنيفة ولذلك قيل للمنقاش الذى ينتف به: منماص، ويقال: قد أنمص البقل فهو نميص إذا ارتفع قليلاً حتى يمكن أن ينتف بالأظفار. والمتفلجة: هى المفرقة بين اسنانها المتلاصقة بالنحت لتبعد بعضها من بعض، والفلج: تباعد مابين الشيئين يقال: منه رجل أفلج، وامرأة فلجاء. قال الطبرى: فى هذا الحديث البيان عن رسول الله أنه لا يجوز لامرأة تغيير شىء من خلقها الذى خلقها الله عليه بزيادة فيه أو نقص منه التماس التحسن به لزوج أو غيره، لأن ذلك نقض منها خلقها إلى غير هيئته، وسواء فلجت اسنانها المستوية البنية ووشرتها أو كانت لها أسنان طوال فقطعت طلبًا للحسن، أو أسنان زائدة على المعروف من أسنان بنب آدم فقلعت الزوائد من ذلك بغير عله إلا طلب التحسن والتجمل، فإنها فى كل ذلك مقدمة على مانهى الله

стр. 4548

تعالى عنه على لسان نبيه إذا كانت عالمة بالنهى عنه، وكذلك غير جائز لامرأة خلقت لها لحية أو شارب أو عنفقه أن تحلق ذلك منها أو تقصه طلبًا للتجمل، لأن كل ذلك تغيير لخلق الله، ومعنى النص الذى لعن رسول الله فاعلته. فإن قال قائل: فإنك لتجيز للرجل أن يأخذ من أطراف لحيته وعوارضه إذا كثرت ومن الشارب وإطاره إذا وفى، فالمرأة أحق أن يجوز لها إماطة ذلك من الرجل، إذ الأغلب من النساء أن ذلك بهن قليل، وإنما ذلك من خلق الرجال، فجعلت أخذ ذلك من النساء تغييرًا لخلق الله، وجعلتها من الرجال غير تغيير، فما الفرق بين ذلك؟ قيل: إنما لم نحظر على المرأة إذا كانت ذات شارب فوفى شاربها أن تأخذ من إطاره وأطرافه أو كانت ذات لحية طويلة أن تأخذ منها، وإنما نهيناها عن نمص ذلك وحلقة للعنة النبى النامصة والمتنمصة، ولاشك أن نمصها لحية أو شاربًا إن كان لها نظير نمصها شعرًا بزجهها أو جبينها، وفى فرق الله على لسان رسوله بين حكمها فيما لها من أخذ شعر راسها وماليس لها منه، وبين حكم الرجل فى ذلك أبين الدليل على افتراق حكمها فى ذلك، وذلك أن النبى ﵇ أذن للرجال فى قص شعر رؤوسهم كلما شاءوا وندبهم إلى حلقة إذا حلوا من إحرامهم، وحظر ذلك على المرأة فى الحالتين كلتيهما، إلا أن تأخذ من أطرافه ففى ذلك أبين البيان أن حكم الرجل والمرأة فى ذلك مفترق، فالواجب أن يكون مفترقًا فيما لهما من إحفاء الشوارب وقص النواصى وحلقها، وإنما أبحنا لها أن تأخذ

стр. 4549

من أطراف لحيتها وإطار شاربها، كما ابحنا لها أن تأخذ من أطراف شعر رأسها إذا طال، لما روى شعبه، عن أبى بكر بن حفص، عن أبى سلمه قال: (كان أزواج النبى يأخذن من شعورهن حتى يدعنه كهيئة الوفرة) . وروى ابن جريح، عن صفيه بنت شيبة، عن أم عثمان بنت سفيان، عن ابن عباس قال: (نهى النبى ﵇ أن تحلق المرأة رأسها، وقال: الحلق مثله) . وقال مجاهد: لعن رسول الله الحالقة. فإن قال: فما وجه من أطلق النمص والوشم، وأحله وقد علمت ما روى شعبه، عن أبى إسحاق، عن امرأته (أنها دخلت على عائشة فسالتها، وكانت امرأة شابة يعجبها الجمال، فقالت: المرأة تحف جبينها لزوجها. فقالت: أميطى عنك الأذى ما استطعت) . قال الطبرى: هكذا قال ابن المثنى تحف، وهو غلط، لأن الحف بالشىء هو الإطافة به، وإنما هو تحفى بمعنى تستأصله حلقًا أو نتفًا. وما حدثك تميم بن المنتصر قال: حدثنا يزيد قال: حدثنا إسماعيل بن قيس قال: دخلت وأنا وأبى على أبى بكر، فرأيت يد أسماء موشومة. قيل: أما عائشة فإن فى الرواية عنها اختلافًا وذلك أن عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال: حدثتنى أم الحسن، عن معاذة (أنها سالت عائشة عن المرأة تقشر وجهها؟ فقالت:

стр. 4550

إن كنت تشتهين أن تتزيني فلا يحل، وإن كانت امرأة بوجهها كلف شديد فما - كأنها كرهته ولم تصرح) فهذه الرواية بالنهى عن قشر المرأة وجهها للزينة وذلك نظير إحفائها جبينها للزينة، وإذا اتخلفت الرواية عنها كأن أولى الأمور أن يضاف إليها اشبهها بالحق. وأما اسماء فإنها كانت امرأة أدركت الجاهلية، وكان نساء الجاهلية يفعلن ذلك ويتزين به، ولعل ذلك منها كان فى الجاهلية، ولم يخبر قيس عنها أنها وشمت يدها فى الإسلام، وقد يجوز أن تكون وشمتها فى الجاهلية أو الإسلام قبل أن ينهى عن ذلك رسول الله، فمن أنها وشمتها فى الإسلام بعد نهى النبى ﵇ فليأت ببرهان على ماادعى من ذلك، ولاسبيل إليه. قال المؤلف: يقال للطبرى: أما ما ذكرته من أن المرأة منهية عن حلق رأسها فى الإحرام وغيره بحديث ابن عباس، وقوله ﵇: إن الحلق مثله، فإن حديث ابن عباس ليس معناه التحريم بدليل أن المرأة لو حلقت راسها فى الحج مكان التقصير اللازم لها لم تأت فى ذلك حراما، ودل قوله: إن الحلق مثله، أن معنى النهى عن ذلك إنما هو خيفة أن تمثل المرأة بنفسها وتنقض جمالها فيكره ذلك بعلها، والمثلة ليست بحرام وإنما هى مكروهة، وقد قال مالك: حلق الشارب مثله، وقد ثبت حلقه عن كثير من السلف، واحتجوا بأمره ﵇ بإحفاء الشوارب، وأما قول مجاهد: لعن رسول الله الحالقة فليس من هذا الباب فى شىء، وإنما لعن الحالقة لشعرها عند المصيبة اتباعًا لسنن الجاهلية، وبهذا جاء الحديث، ذكره

стр. 4551

البخاري فى كتاب الجنائز من حديث أبى موسى: (أن رسول الله برىء من الحالقة والصالقة والشاقة) وترجم له باب ماينهى عنه من الحلق عند المصيبة، فبان بهذا معنى النهى عن الحلق أنه عند المصيبة كفعل الجاهلية، وأما إن احتاجت امرأة إلى حلق راسها فذلك غير حرام عليها كالرجل سواء. ٧٤ - باب: الوصل فى الشعر / ١١٦ - فيه: مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمِنْبَرِ - وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ كَانَتْ بِيَدِ حَرَسِى -: أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ. / ١٢٧ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِى ﷺ قَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. / ١١٨ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ جَارِيَةً مِنَ الأنْصَارِ تَزَوَّجَتْ، وَأَنَّهَا مَرِضَتْ، فَتَمَعَّطَ شَعَرُهَا، فَأَرَادُوا أَنْ يَصِلُوهَا، فَسَأَلُوا النَّبِىَّ ﷺ ، فَقَالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ) . / ١١٩ - وفيه: أَسْمَاءَ، أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِىّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّى أَنْكَحْتُ ابْنَتِى، ثُمَّ أَصَابَهَا شَكْوَى، فَتَمَرَّقَ رَأْسُهَا، وَزَوْجُهَا يَسْتَحِثُّنِى بِهَا، أَفَأَصِلُ رَأْسَهَا؟ فَسَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ. / ١٢٠ - وفيه: ابْن عُمَر، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ. قَالَ نَافِعٌ: الْوَشْمُ فِى اللِّثَةِ.

стр. 4552

قال الطبرى وغيره: فى هذه الأحاديث من الفقه أنه لا يجوز لامرأة أن تصل شعرها بشىء يتجمل به ويظن من يراه أنه شعرها، كما لا يجوز أن تشم خلقها تتزين بذلك، وهو قول مالك وجماعة، وفاعله ذلك لم ترض بما أعطاها الله فغيرت خلقها. قال الطبرى: وقد اختلف العلماء فى معنى نهيه ﵇ عن الوصل فى الشعر، فقال بعضهم: لا بأس عليها فى وصلها شهرها ماوصلت به من صوف وخرق وشبه ذلك، روى ذلك عن ابن عباس وأم سلمه زوج النبى، وعلة هذه المقالة قول معاية حين أخرج القصة من الشعر وقال: (نهى رسول الله عن مثل هذه) . قالوا: وأما الخرق والصوف فليس ذلك مما دخل فى نهيه ﵇. وقال آخرون: كل ذلك داخل فى مهيه لعموم الخبر عنه أنه لعن الواصلة والمستوصلة، قالوا: فبأى شىء وصلت شعرها فهى واصلة، روى ذلك عن أم عطية. وقال آخرون: لا بأس عليها فى وصلها شعرها بما وصلت به من شىء، شعرًا كان الذى وصلت به أو غيره. روى ذلك عن عائشة وسالها ابن اشوع: (لعن رسول الله الواصلة؟ قالت: أيا سبحان الله وماباس بالمرأة الزعراء أن تأخذ شيئًا من صوف فتصل به شعرها تتزين به عند زوجها إنما لعن رسول الله المرأة الشابة تبغى فى شبيبتها حتى إذا أسنت هى وصلتها بالقيادة) . وسئل عطاء عن شعور الناس أينتفع بها قال: لا بأس بذلك. وقال آخرون: لا يجوز الوصل بشىء شعر ولاغيره، ولاباس أن تضع الشعر وغيره على راسها وضعًا مالم تصله، روي ذلك عن

стр. 4553

إبراهيم، وعلة هذا القول ان الخبر إنما ورد عن النبى ﵇ بالنهى عن الوصل، فأما مالم يكن وصلا فلا باس به. قال الطبرى: والصواب عندنا فى ذلك أن يقال: غير جائز أن تصل بشعرها شيئًا من الشياء لتتجمل به، وشعرًا كان أو غيره لعموم النهى عن النبى ﵇ أن تصل بشعرها شيئًا. وأما خبر اشوع عن عائشة فهو باطل، لأن رواته لا يعرفون، وابن اشوع لم يدرك عائشة. قال غيره: وإنما قال معاوية: (يا أهل المدينة أين علماؤكم؟) وإن كانت المدينة دار العلم ومعدن الشريعة وإليها يفزع الناس فى أمر دينهم ألا ترى أن معاوية قد بعث إلى عائشة يسألها عن مسائل نزلت به، فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم الذين يلزمهم تغيير المنكر، والتشدد على استباح مانهى عنه النبى ﵇ ولايجوز أن يقال: إن المنكر كان بالمدينة ولم يغيره أهلها، لأنه لا يخلو زمان عن ارتكاب المعاصى، وقد كان فى وقت النبى ﵇ من شرب الخمر وسرق وزنى إلا أنه كان شاذا نادرًا، ولايحل لمسلم أن يقول: إن النبى ﵇ لم يغير المنكر، فكذلك أمر القصة كان شاذًا بالمدينة ولا يجوز أن يقال: أن أهل المدينة جهلوا نهى النبى ﵇ عن القصة، لأن حديثه فى لعن الواصلة والمستوصلة حديث مدنى، رواه نافع عن ابن عمر، ورواه هشام بن عروه، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء، عن النبى ﵇ وهو معروف عندهم مستفيض.

стр. 4554

ولعن رسول الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة لأنهما تعاونا على تغيير خلق الله، وفيه دليل أن من أعان على معصية، فهو شريك فى الأثم. وقوله: (تمرق شعرها) قال صاحب الأفعال: مرق الشعر والصوف نتفه، وأمرق الشعر جاز أن ينتف، و (القصة) قال الأصمعى: القصة ماأقبل على الجبهة من شعر الرأس. ٧٥ - باب: التصاوير / ١٢١ - فيه: أَبُو طَلْحَةَ، قال ﵇: (لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا تَصَاوِيرُ) . وسيأتى الكلام فى هذا الحديث فى باب لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة، إن شاء الله. ٧٦ - باب: عذاب المصورين يوم القيامة / ١٢٢ - فيه: مَسْرُوقٍ، أَنَّه رَأَى صُفَّتِهِ فيها تَمَاثِيلَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَاللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِى ﷺ يَقُولُ: (إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ) . / ١٢٣ - وفيه: ابْن عُمَر، قَالَ، ﵇: (إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ) . قال الطبرى: إن قال قائل: ماانت قائل فيمن صور صورة وهو

стр. 4555

لله موحد ولنبيه ﵇ مصدق أهو اشد عذابًا أم فرعون وآله؟ فإن قلت: من صور صورة، قيل: قد قال الله خلاف ذلك: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (. قيل: ليس فى خبر ابن مسعود خلاف للتنزيل بل هو له مصدق، وذلك أن المصور الذى أخبر النبى ﵇ أنه له أشد العذاب هو الذى وصفه النبى ﵇ فى حديث عائشة بقوله: (الذين يضاهون خلق الله) . قال المؤلف: المتكلف من ذلك مضاهاة ماصوره ربه فى خلقه أعظم جرمًا من فرعون وآله، لأن فرعون كان كفره بقوله: (أنا ربكم الأعلى) من غير إدعاء منه أنه يخلق ولا محالة منه أن ينشىء خلقا يكون كخلقه تعالى شبيهًا ونظيرًا، والمصور المضاهى بتصويره ذلك منطو على تمثيله نفسه بخالقه، فلا خلق أعظم كفرًا منه فهو بذلك اشادهم عذابا وأعظم عقابًا، وأما من صور صورة غير مضاه ماخلق ربه، وإن كان بفعله مخطئًا، فغير داخل فى معنى من شاهى ربه بتصويره. فإن قيل: ومالوجه الذى تجعله به مخطئًا إذا لم يكن فى تصويرة لربه مضاهيًا؟ قيل: لاتهامه نفسه عند من عاين تصويره أنه ممن قصد بذلك المضاهاة لربه، إذ كان الفعل الذى هو دليل على المضاهاة منه ظاهرًا، والاعتقاد الذى هو خلاف اعتقاد المضاهى باطن لا يصل إلى علمه راءوه.
следующие страницы →