← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 10486

شرح صحيح البخاري - ابن بطال

ابن بطال

Полный текст (5 502 стр.). Показаны 5251–5290 · переход к 5256.

стр. 5251

هذا باب جليل فى الرد على القدرية، وذلك أن معنى لا حول ولا قوة إلا بالله: لا حول للعبد، ولا قوة له إلا بالله أى: بخلق الله له الحول والقوة، التى هى القدرة على فعله للطاعة والمعصية. قال المهلب: فأخبر ﷺ أن البارئ خالق لحول العبد وقدرته على مقدوره، وإذا كان خالقًا للقدرة، فلا شك أنه خالق للشىء المقدور، فيكون المقدور كسبًا للعبد خلقًا لله تعالى بدليل قوله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ) [الأنعام: ١٠٢] ، وقوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: ٤٩] ، وقال محمد بن كعب القرظى: نزلت هذه الآية يعنى الأخيرة تعبيرًا لأهل القدر. والدليل على أن أفعالهم خلق لله أن أيديهم التى هى عندهم خالقة لأعمال الشر من التعدى والظلم وفروجهم التى هى خالقة للزنا قد توجد عاطلة عن الأعمال، عاجزة عنها، ألا ترى أن من الناس من يريد الزنا وهو يشتهيه بعضو لا آفة فيه، فلا يقدر عليه عند إرادته للزنا، ولو كان العبد خالقًا لأعماله لما عجزت أعضاؤه عند إرادته ومستحكم شهوته؛ فثبت أن القدرة ليست لها، وأنها لمقدر يقدرها إذ شاء، ويعطلها إذا شاء، لا إله إلا هو. وإنما أمرهم ﷺ بالربع على أنفسهم على جهة الرفق بهم، وقد بينا هذا المعنى فى باب: ما يكره من رفع الصوت بالتكبير فى كتاب الجهاد، وعرفهم أن ما يعلنون به من التكبير ويجتهدون فيه من الجهاد هو من فضل الله عليهم إذ لا حول لهم ولا قوة في شيء

стр. 5252

منه إلا بالله الذى أقدرهم عليه، وحببه إليهم، وإن كان فيه إتلاف نفوسهم؛ رغبة فى جزيل الأجر وعظيم الثواب. وفيه: أن التكبير يسمى دعاء؛ لقوله ﷺ : (إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا) فجعل قولهم: الله أكبر دعاء لله تعالى من أجل أنهم كانوا يريدون به إسماعه الشهادة له بالحق. ٨ - باب الْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ اللَّهُ عَاصِمٌ: مَانِعٌ . قَالَ مُجَاهِدٌ: (سَدًّا) [الكهف: ٩٤] عَنِ الْحَقِّ، يَتَرَدَّدُونَ فِى الضَّلالَةِ،) دَسَّاهَا) [الشمس: ١٠] أَغْوَاهَا. / ١٦ - فيه: أَبُو سَعِيد، قَالَ ﷺ : (مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمه اللَّهُ) . قال المهلب: عرض البخارى فى هذا الباب إثبات الأمور لله، فهو الذى يعصم من نزعات الشيطان، ومن شر كل وسواس خناس من الجنة والناس، وليس من خليفة ولا أمير إلا والناس حوله رجلان: رجل يريد الدنيا والاستكثار منها، فهو يأمره بالشر ويحضه عليه ليجد به السبيل إلى انطلاق اليد على المحظورات ومخالفة الشرع، ويوهمه أنه إن لم يقتل ويغضب ويخف الناس لم يتم له شىء، ولم يرض بسياسة الله لعباده ببسط العدل وبخمد الأيدى، وأن فى ذلك صلاحًا لعباد والبلاد.

стр. 5253

ولا يخلو سلطان أن يكون فى بطانته رجل يحضه على الخير، ويأمره به لتقوم به الحجة عليه من الله فى القيامة، وهم الأقل، والمعصوم من الأمراء من عصمه لا من عصمته نفسه الأمارة بالسوء بشهادة الله عليها الخالق لها، ومن أصدق من الله حديثًا. ٩ - بَاب) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: ٩٥] وقوله: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ) [هود: ٣٦] ،) وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا) [نوح: ٢٧] . قَالَ ابْن عَبَّاسٍ: (وَحِرْمٌ (بِالْحَبَشِيَّةِ: وَجَبَ. / ١٧ - فيه: ابْن عَبَّاس، قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ، مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ : (إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِى، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، أَوْ يُكَذِّبُهُ) . قال المهلب: معنى قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: ٩٥] ، أى وجب عليهم أنهم لا يتوبون، وحرام وحرم معناها واحد، والتقدير: وحرام على قرية أردنا إهلاكها التوبة من كفرهم، وهذا كقوله تعالى: (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلا مَنْ قَدْ آمَنَ) [هود: ٣٦] ، أى قد نفذ علم الله فى قوم نوح أنه لا يؤمن منهم إلا من قد آمن، ولذلك قال نوح: (رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح: ٢٦] ،

стр. 5254

إذ قد أعلمتني أنه لن يؤمن منهم إلا من قد آمن، فأهلكهم لعلمه أنهم لا يرجعون إلى الإيمان، وموافقة الترجمة للحديث هو قوله ﷺ : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا) فأخبر أن الزنا ودواعيه كل ذلك مقدر على العبد غير خارج من سابق قدره. وقوله: (أدرك ذلك لا محالة) إدراكه له من أجل أن الله كتبه عليه، وإنما سمى النظر والمنطق ومنى النفس وشهوتها زنا لما كانت دواعى إلى الزنا، والسبب قد يسمى باسم المسبب مجازًا واتساعًا لما بينهما من التعلق، غير أن زنا العين وزنا اللسان وتمنى النفس غير مؤاخذ به من اجتنب الزنا بفرجه؛ لأنه كذب زنا جوارحه بترك الزنا بفرجه، فاستخف زنا عينه ولسانه وقلبه؛ لأن ذلك من اللمم الذى يغفر باجتناب الكبائر، وزنا الفرج من أكبر الكبائر، فمن فعله فقد صدق زنا عينه ولسانه وقلبه؛ فيؤاخذ بإثم ذلك كله. وفى قوله: (النفس تمنى وتشتهى) دليل على أن فعل العبد ما نهاه الله عنه، مع تقدم تقديره تعالى وسابق علمه بفعله له باختيار منه أو إيثار، وليس بمجبر عليه ولا مضطر إلى فعله، وعلى هذا علق الثواب والعقاب، فسقط قول جهم بالإجبار بنص قوله ﷺ : (والنفس تمنى وتشتهى) لأن المجبر مكره مضطر، وهو بخلاف المتمنى والمشتهى، واللمم صغار الذنوب وهى مغفورة باجتناب الكبائر، وقد تقدم فى كتاب الأدب.

стр. 5255

- باب قوله تَعَالَى: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) [الإسراء: ٦٠] / ١٨ - فيه: ابْن عَبَّاس، قِى هذه الآية هِىَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا النَّبِىّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ) [الإسراء: ٦٠] ؟ هِىَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. قال المهلب: معنى ذكر هذا الحديث فى كتاب القدر هو ما ختم الله على الناس المكذبين لرؤياه من المشركين حين جعلها فتنة لهم فى تكذيب النبى الصادق فكانت زيادة فى طغيانهم، وكذلك جعل الشجرة الملعونة فى القرآن فتنة فقالوا: كيف يكون فى النار شجرة؟ النار تحرق الشجر اليابس والأخضر، فجعل ذلك فتنة تزيد فى ضلالهم، فلا يؤمنوا على ما سبق فى علمه. قال غيره: وقوله: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) [الإسراء: ٦٠] يقتضى خلق الله للكفر به، ودواعى الكفر هى الفتنة، وذلك عدل منه تعالى. وهذا مثل قوله تعالى: (وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ) [إبراهيم: ٢٧] ، فهذا عام فى فعله كفر الكافرين، وإيمان المؤمنين ودواعى الإيمان والكفر خلافًا لمن زعم أن الله غير خالق أعمال العباد. وقوله: (الشجرة الملعونة يعنى: الملعون آكلها، وهم الكفار، كما قال تعالى: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ) [الدخان: ٤٣، ٤٤] ، وقال تعالى: (إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِى أَصْلِ الْجَحِيمِ) [الصافات: ٦٤] ، فأخبر أنها تنبت فى النار،

стр. 5256

وأما قول الكفار: كيف يكون فى النار شجرة، والنار تأكل الشجر، فإن هذه الشجرة التى أخبر الله أنها فى أصل الجحيم هى مخلوقة من جوهر لا تأكله النار كسلاسل النار وأغلالها وعقاربها وحياتها، وليس شىء من ذلك من جنس ما فى الدنيا مما لا يبقى على النار، وإنما خلقت من جنس لا تأكله النار، وكما خلق الله فى البحار من الحيوان ما لا يهلك فى الماء، وخلق فى الخل دودًا يعيش فيه ولا يهلكه، على أن الخل يفت الحجارة ويهرى الأجسام، ولم يكن ذلك إلا لموافقة ذلك الدود لجنس الخل وموافقة حيوان البحر جنس الماء، فكذلك ما خلق فى النار من الشجر والحيوان موافق لجنس النار، والله تعالى قادر أن يجعل النار بردًا وسلامًا، وأن يجعل الماء نارًا؛ لأنه على كل شىء قدير، فما أنكره الكفار من خلق الشجر فى النار عناد بين، وضلال واضح، أعاذنا الله من الضلال برحمته. - باب محاجة آدَمُ مُوسَى / ١٩ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيّ ﵇: (احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُونَا، خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ لَهُ آدَمُ: يَا مُوسَى، اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلامِهِ، وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ، أَتَلُومُنِى عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَىَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِى بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قاله ثَلاثًا) . قال المؤلف: معنى قوله ﷺ : (احتج آدم وموسى) : أى التقت أرواحهما فى السماء، فوقع هذا الحجاج بينهما، وقد جاءت الرواية بذلك.

стр. 5257

روى الطبرى، عن يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله: (إن موسى قال: يا رب، أبونا آدم الذى أخرجنا ونفسه من الجنة. فأراه الله آدم فقال: أنت آدم؟ قال: نعم. قال: أنت الذى نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر ملائكته أن يسجدوا لك، فما حملك أن أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا موسى. قال: أنت نبى بنى إسرائيل الذى كلمك الله من وراء حجاب، لم يجعل بينك وبينه رسولاً؟ قال: نعم. قال: فما وجدت فى كتاب الله أن ذلك كائن قبل أن أخلق؟ قال: نعم. .) وذكر الحديث. قال المهلب وغيره: (فحج آدم موسى) أى: غلبه بالحجة. قال الليث بن سعد: وإنما صحت الحجة فى هذه القصة لآدم على موسى؛ من أجل أن الله قد غفر لآدم خطيئته، وتاب عليه، فلم يكن لموسى أن يعير بخطيئة قد غفرها الله له، ولذلك قال له آدم: أنت موسى الذى آتاك الله التوراة، وفيها علم كل شىء فوجدت فيها أن الله قد قدّر علىّ المعصية، وقدر علىّ التوبة منها، وأسقط بذلك اللوم عنى، أتلومنى أنت، والله لا يلومنى. وبمثل هذا احتج ابن عمر على الذى قال له: إن عثمان فرّ يوم أحد، فقال ابن عمر: ما على عثمان ذنب؛ لأن الله تعالى قد عفا عنه بقوله: (وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ) [آل عمران: ١٥٥] ، وأما من عمل الخطايا ولم تأته المغفرة، فإن العلماء مجمعون أنه لا يجوز له أن يحتج بمثل حجة آدم

стр. 5258

فيقول: أتلومني على أن قتلت أو زنيت أو سرقت، وقد قدر الله علىّ ذلك. والأمة مجمعة على جواز حمد المحسن على إحسانه، ولوم المسئ على إساءته وتعديد ذنوبه عليه. فإن قال قائل: فإن القدرية احتجت بقول موسى: أنت آدم، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فنسب التخييب والإخراج إليه، قالوا: هذا يدل أن العباد يخلقون أفعالهم طاعتها ومعصيتها، ولو كانت خلقًا لله لم يصح أن يأمرهم ولا ينهاهم، قال: وكذلك احتجت الجهمية على صحة الجبر بقول آدم: أتلومني على أمر قدر عليّ. فالجواب: أنه ليس فى قول موسى دليل قاطع على اعتقاد القول بالقدر، وأن العبد خالق لأفعاله دون ربه كما زعمت القدرية؛ لأنه ليس فى قوله: (أنت آدم، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة) . أكثر من إضافة التخييب والإخراج إليه، وإضافة ذلك إليه لا يقتضى كونه خالقًا لهما؛ إذ يصح فى اللغة إضافة الفعل إلى من يقع منه على سبيل الخلق، وإلى من يقع منه على سبيل الاكتساب، وإذا احتملت إضافة التخييب والإخراج الوجهين جميعًا لم يقبض بظاهره على أحد الاحتمالين دون الآخر إلا بدليل قاطع، وقد قام الدليل الواضح على استحالة اختراع المخلوق أفعاله دون إقدار الله له على ذلك بقوله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ) [الأنعام: ١٠٢] ، وبقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) [الصافات: ٩٦] ، وليس يجوز أن يريد تعالى بهذا الحجارة؛ لأن الحجارة أجسام، والأجسام لا يجوز أن يعملها العباد فدل أنه تعالى خالق أعمالهم وقوله تعالى:

стр. 5259

) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ) [الشورى: ٢٩] ، واجتماعهم فعل لهم، وقد أخبر أنه تعالى خلقهم، وقد ثبت أنه تعالى قادر على جميع أجناس الحركات التى يحدثها العباد بدلالة أنه أقدرهم عليها، وما أقدرهم عليه فهو عليه أقدر، كما أنه ما أعلمهم إياه فهو به أعلم، فثبت أن الله خالق للأفعال، والعبد مكتسب لها، كما تقول: إن الله منفرد بخلق الولد، والوالد منفرد بكون الولد له لا شركة فيه لغيره. فنسبة الأفعال إلى الله تعالى من جهة خلقه لها، ونسبتها إلى العباد من جهة اكتسابهم لها، هذا مذهب أهل السنة والحق، وهو مذهب موسى ﷺ من قوله: (إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء) [الأعراف: ١٥٥] ، فأضاف موسى الهداية والإضلال إلى الله تعالى، ولا تصح هذه الإضافة إلا على سبيل خلقه لها دون من وجدت منه، وأما قول الجهمية: إن الله أجبر العباد على أفعالهم، وهم مكرهون على الطاعة والمعصية. واحتجوا بقول آدم: أتلومنى على أمر قد قدر على قبل أن أخلق. فلا حجة لهم فيه أيضًا؛ لأن الموجود بالاعتبار والمشاهدة خلاف قولهم، وذلك أن العباد لا يأتون الذنوب إلا مشتهين لها، راغبين فيها، والإجبار عند أهل اللغة: هو اضطرار المرء إلى الفعل وإدخاله فيه غير راغب فيه ولا محب له كالمحسوب على وجهه، والمرتعش من الحمى، والفالج. وأهل الجبر معتقدون لوم من وقعت منه معصية الله وتأنيبه عليها أشد التأنيب، ومدح من وقعت منه الطاعة وإثباته عليها،

стр. 5260

وإذا كان هذا اعتقادهم؛ فاحتجاجهم بتأنيب آدم موسى على لومه له على أمر قد قدره عليه، وكرهه عليه فاسد متناقض على مذهبهم، ومحاجة آدم موسى هى أنه ذاكره ما قد عرفه ووقف عليه فى التوراة من توبة الله على آدم من خطيئته وإسقاطه اللوم عليها؛ فوجب على موسى ترك لومه وعتابه على ما كان منه. وقد ثبت أن جعفر بن محمد الصادق قيل له: قد أجبر الله العباد؟ قال: الله أعدل من ذلك. قيل: هل فوض إليهم؟ قال: الله أغير من ذلك، لو أجبرهم ما عذبهم، ولو فرض إليهم ما كان للأمر والنهى معنى. قلت: فكيف تقول إذًا؟ قال: منزلة بين منزلتين هى أبعد مما بين السماء والأرض؛ ولله فى ذلك سرّ لا تعلمونه. واحتجت أيضًا طائفة من القدرية المجبرة غير الجهمية بهذا الحديث، فقالت: إن كان صحيحًا قول آدم لموسى: أتلومنى على أمر قدره الله على قبل أن أخلق؛ فلا لوم على كافر فى كفره، ولا فاسق فى فسقه، ولا يجوز أن يجور عليهم ويعذبهم على ما اضطرهم إليه. قال الطبرى: فالجواب أنه ليس معنى قوله: أتلومنى على أمر كتبه الله علىّ قبل أن أخلق، كما توهمته، وكيف يجوز أن يكون ذلك معناه، وقد عاقبه الله على خطيئته تلك بإخراجه من الجنة، ولو لم يكن ملومًا لكان وكنا فى الجنة كما أسكنه الله؛ ولكنه ﷻ أخرجه منها لخطيئته تلك عقوبةً عليها، ولم يعاقبه على ما قضى

стр. 5261

عليه؛ لأنه لو عاقبه عليه لما كان يسكنه الجنة حين أسكنه إياها، وذلك أن القضاء عليه بذلك قد كان مضى قبل أن يخلقه؛ فإنما استحق العقوبة على فعله، لا على ما قضى عليه؛ وبمثل هذا أقر موسى لآدم بصحة حجته، ولم يقل له كما زعمت القدرية: ليس الأمر كما تزعم؛ لأن الله لو قضى عليك ذلك قبل أن يخلقك لم يعاقبك، ولكن لما كان من دين الله الذى أخذ بالإقرار به عهود أنبيائه ومواثيقهم أنه لا شىء كان فيما مضى ولا فيما يحدث إلا قد مضى به قضاؤه؛ فإنه غير معاقبهم على قضائه، ولكن على طاعتهم ومعاصيهم، وكان ذلك معلومًا عند الأنبياء والرسل، أقر موسى لآدم صلى الله عليهما بأن الذى احتج به عليه له حجة؛ وحقق صحة ذلك نبينا ﷺ بقوله: فحج آدم موسى. قال غير الطبرى: وفى حديث أبى هريرة حجة لما يقوله أهل السنة: أن الجنة التى أهبط منها أبونا آدم ﷺ هى جنة الخلد، ورد قول من زعم أنها لم تكن جنة الخلد، قالوا: وإنما كانت جنة بأرض عدن، واحتجوا على بدعتهم فقالوا: أن الله خلق الجنة لا لغو فيها ولا تأثيم، وقد لغا فيها إبليس حين كذب لآدم، وأثم فى كذبه، وأنه لا يسمع أهلها لغوًا ولا كذبًا، وأنه لا يخرج منها أهلها، وقد أخرج منها آدم وحواء بمعصيتهم، قالوا: وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخلد، وهو فى دار الخلود والملك الذى لا يبلى؟ وأيضًا فإن جنة الخلد دار القدس: قدست عن الخطايا والمعاصى كلها تطهيرًا لها؛ فيقال لهم:

стр. 5262

الدليل على إبطال قولكم قول موسى لآدم: أنت الذى أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة، فأدخل الألف واللام ليدل على أنها الجنة المعروفة؛ جنة الخلد التى وعد الله المؤمنين بها، التى لا عوض لها فى الدنيا فلم ينكر ذلك آدم عليه من قوله، ولو كانت غير جنة الخلد لرد آدم على موسى، وقال: إنى أخرجتهم من دار فناء وشقاء وزوال وعرى إلى مثلها، فلما سكت آدم على ما قرره موسى؛ صح أن الدار التى أخرجهم الله منها بخلاف الدار التى أخرجوا إليها فى جميع الأحوال، ويقال لهم فيما احتجوا به: إن الله خلق الجنة لا لغو فيها ولا تأثيم، ولا كذب، ولا يخرج منها أهلها هذا كله بما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة، وقد أخبر: أن آدم إن عصاه فيما نهاه عنه أخرجه عنها، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد فى وقت لمن أراد تخليده فيها، وقد يخرج منها من قضى عليه الفناء. وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، وأنها كانت بيد إبليس مفاتيحها ثم انتزعت منه بعد المعصية، وقد دخلها النبى ﷺ ليلة الإسراء، ثم خرج منها وأخبر بما رأى فيها، وأنها هى جنة الخلد حقًا، وقولهم كيف يجوز على آدم فى كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد وهو فى دار الخلد؛ فيرد عليهم،، ويقال لهم: كيف يجوز على آدم فى كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد فى دار الفناء؛ هذا لا يجوز على من له أدنى مسكة من عقل، وأما عقولهم: إن الجنة دار القدس وقد طهرها الله من الخطايا؛ فهو جهل منهم، وذلك أن الله سبحانه أمر بنى إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهى بالشام، وأجمع أهل

стр. 5263

الشرائع على أن الله قدسها، وقد شاهدوا فيها المعاصى، والكفر، والكذب، ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصى فكذلك دار الخلد، وأهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هى التى أهبط منها آدم، فلا معنى لقول من خالفهم، قاله بعض شيوخنا. - باب لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ / ٢٠ - فيه: الْمُغِيرَة، كَانَ النَّبِىّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلاةِ: (لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلا مُعْطِىَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) . قال المؤلف: المراد بهذا الحديث إثبات خلق الله تعالى جميع أعمال العباد؛ لأن قوله: (لا مانع لما أعطيت) يقتضى نفى جميع المانعين سواه، وكذلك قوله: (ولا معطى لما منعت) يقتضى نفى جميع المعطين سواه، وأنه لا معطى ولا مانع على الحقيقة بفعل المنع والعطاء سواه، وإذا كان كذلك ثبت أن من أعطى أو منع من المخلوقين فإعطاؤه ومنعه خلق لله وكسب للعبد، والله تعالى هو المعطى وهو المانع لذلك، حقيقة من حيث كان مخترعًا خالقًا للإعطاء والمنع، والعبد مكتسب لهما بقدرة محدثة، فبان أنه إنما نفى مانعًا ومعطيًا مخترعًا للمنع والإعطاء ويخلقهما. قال الطبرى: وقوله: (لا ينفع ذا الجد منك الجدَ) ، بفتح الجيم فى الحرفين جميعًا يقول: لا ينفع ذا الحظ فى الدنيا من المال والولد منك حظه فى الآخرة؛ لأنه إنما ينفع فى الآخرة عند الله العمل

стр. 5264

الصالح لا المال والبنون، كما قال تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الكهف: ٤٦] الآية. وحكى عن أبى عمرو الشيبانى أنه كان يقول: إنما هو الجِد، بكسر الجيم فى الحرفين جميعًا، بمعنى: ولا ينفع ذا الاجتهاد فى العمل منك اجتهاده. قال الطبرى: وهذا خلاف ما يعرفه أهل النقل والرواة لهذا الحديث، ولا نعلم أحدًا قال ذلك غيره مع بُعد تأويله من الصحة. - باب نَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ دَرَكِ الشَّقَاءِ وَسُوءِ الْقَضَاءِ وَقَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) [الفلق: ١] . / ٢١ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأعْدَاءِ) . قال المؤلف: المستفاد من قوله تعالى: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) [الفلق: ١] إلى آخر السورة، خلق الله تعالى لشر ما خلق، ولشر غاسق، ولشر النفاثات، ولشر حاسد؛ لأنه لو كان هذا الشر كله خلقًا لمن أضافه إليه من الغاسق والنفاثات والحاسد، مخترعًا لا كسبًا؛ لم يكن لأمر الله تعالى لنبيه ولعباده بالتعوذ به من شر ذلك كله معنى، وإنما يصح التعوذ به مما هو قادر عليه دون من أضافه

стр. 5265

إليه، فتعبدنا تعالى بسؤاله دفع شر خلقه عنا؛ لأنه إذا كان قادرًا على فعل ما أضافه إلى من ذكر فى السورة كان قادرًا على فعل ضده وتعبدنا بسؤاله تعالى فعل ضد ما أمرنا بالاستعاذة منه، فبان أن الخير والشر بهذا النص خلق الله تعالى. وأما قوله ﷺ : (تعوذوا بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء) ، فإنما أمرنا بالتعوذ به تعالى من أن ينزل بنا فعلاً من أفعاله سبق علينا نزوله بنا لما يقتضيه من الشدة والمشقة، وذلك بلاء وشقاء وسوء قضاء وشماتة أعداء، فالشقاء يكون فى دين ودنيا، وإذا كان فى الدنيا كان تضييقًا فى العيش، وتقتيرًا فى الرزق، وذلك فعل الله وإن كان فى الدين فذلك كفر أو معاصٍ، وذلك فعل الله أيضًا، وكذلك سوء القضاء عام فى جميع ما قضاه تعالى من أمر الدين والدنيا، وشماتة الأعداء، وإن كانت مضافة إليهم إضافة الفعل إلى فاعله فى الظاهر، فإنما ذلك على سبيل إضافة الكسب إلى مكتسبه، لا على سبيل الاختراع، إذ لا يصح فى المخلوق اختراع عين، فبان أن جميع ما أمرنا بالتعوذ منه به خلق الله بدليل قوله: (خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ) [الأنعام: ١٠٢] . - باب يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ / ٢٢ - فيه: ابْن عُمَرَ، كَثِيرًا مَا كَانَ النَّبِىّ ﷺ يَحْلِفُ: (لا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ) . / ٢٣ - وفيه: ابْن عُمَرَ، قَالَ النَّبيىُّ ﷺ لابْنِ صَيَّادٍ: (اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ) ، قَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ: (دَعْهُ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، فَلا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ) .

стр. 5266

وقوله تعالى: (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) [الأنفال: ٢٤] ، يقتضى النص منه تعالى على خلقه الكفر والإيمان بأن يحول بين قلب الكافر والإيمان الذى أمره به، فلا يكتسبه إذ لم يقدره عليه؛ بل أقدره على ضده وهو الكفر، ويحول بين المؤمن وبين الكفر الذى نهاه عنه بأن لم يقدر عليه؛ أقدره على الإيمان الذى هو به ملتبس وإذا خلق تعالى لهما القدرة على ما هما مكتسبان له مختاران لاكتسابه، فلا شك أنه خالق لكفرهما وإيمانهما؛ لأن خلقه لكفر أحدهما، وإيمان الآخر من جنس خلق قدرتيهما عليهما، ومحال كونه قادرًا على شىء غير قادر على خلافه أو ضده أو مثله، فبان أنه خالق بهذا النص لجميع كسب العباد، خيرها وشرها، وهذا معنى قوله ﷺ : (لا ومقلب القلوب) لأن معنى ذلك تقليبه قلب عبده عن إيثار الإيمان إلى إيثار الكفر، وعن إيثار الكفر إلى إيثار الإيمان، وكان فعل الله ذلك عدلاً فيمن أضله وخذله؛ لأنه لم يمنعهم حقًا وجب عليه فتزول صفة العدل، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم وأضلهم؛ لأنهم ملك من ملكه خلقهم على إرادته، لا على إرادتهم، فكان ما خلق فيهم من قوة الهداية والتوفيق على وجه الفضل، وقد بين هذا المعنى إياس بن معاوية؛ ذكر الآجرى بإسناده عن حبيب بن الشهيد قال: (جاءوا برجل يتكلم فى القدر إلى إياس بن معاوية فقال له إياس: ما تقول؟ قال: أقول إن الله أمر العباد ونهاهم فإن الله لا يظلمهم شيئًا. فقال له إياس: أخبرنى عن الظلم، تعرفه أو لا تعرفه. قال: بل

стр. 5267

أعرفه. قال: ما الظلم؟ قال: أن يأخذ الرجل ما ليس له. قال: فمن أخذ ما له ظلم؟ قال: لا. قال إياس: فإن لله تعالى كل شىء. وقال عمران بن حصين لأبى الأسود الدؤلى: لو عذب الله أهل السموات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته أوسع لهم، ولو أنفقت مثل أُحد ذهبًا ما تقبل منك حتى تؤمن بالقدر خيره وشره. وروى مثل ذلك عن ابن مسعود، وأبى بن كعب، وسعد بن أبى وقاص، وزيد بن ثابت، وقال زيد: سمعته من رسول الله إلا أنه قال: (ولو رحمهم كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم) . وموافقة الحديث للترجمة قول النبى ﷺ لعمر: (إن يكن هو فلا تطيقه، وإن لم يكن هو فلا خير لك فى قتله) يعنى إنه إن كان الدجال قد سبق فى علم الله خروجه وإضلاله للناس، فلن يقدرك خالقك على قتل من سبق فى عمله أنه يخرج ويضل الناس؛ إذ لو أقدرك على ذلك لكان فيه انقلاب علمه، والله تعالى منزه عن ذلك. - باب) قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا) [التوبة: ٥١] قَالَ مُجَاهِدٌ: (بِفَاتِنِينَ (: بِمُضِلِّينَ إِلا مَنْ كَتَبَ اللَّهُ أَنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ،) قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: ٣] : قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادَةَ، وَهَدَى الأنْعَامَ لِمَرَاتِعِهَا. / ٢٤ - فيه: عَائِشَةَ، أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيّ ﷺ عَنِ الطَّاعُونِ، فَقَالَ: (كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، مَا مِنْ عَبْدٍ يَكُونُ فِي بَلَدٍة

стр. 5268

يَكُونُ فِيهِ، وَيَمْكُثُ فِيهِ لا يَخْرُجُ مِنَ الْبَلَدِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يُصِيبُهُ إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ) . معنى هذا الباب أن الله أعلم عباده أن ما يصيبهم فى الدنيا من الشدائد والمحن والضيق والخصب والجدب، أن ذلك كله فعل الله يفعل من ذلك ما يشاء بعباده ويبتليهم بالخير والشر، وذلك كله مكتوب فى اللوح المحفوظ، ولا خلاف فى هذا بين جماعة الأمة من قدرى وسُنى، وإنما اختلفوا فى أفعال العباد الواقعة منهم على ما تقدم وهذه الآية إنما جاءت فيما أصاب العباد من أفعال الله التى اختص باختراعها دون خلقة، ولم يقدرهم على كسبها دون ما أصابوه مكتسبين له مختارين. - باب) وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) [الأعراف: ٤٣] و) لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِى لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [الزمر: ٥٧] / ٢٥ - فيه: الْبَرَاء، رَأَيْتُ النَّبِىَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ يَقُولُ: (وَاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلا صُمْنَا وَلا صَلَّيْنَا) . فى هاتين الآيتين وفى الحديث نص أن الله تعالى انفرد بخلق الهدى والضلال، وإنما قدر العباد على اكتساب ما أراد منهم اكتسابهم له من إيمان أو كفر، وأن ذلك ليس بخلق للعباد كما زعمت القدرية. وروى أن على بن أبى طالب لقى رجلاً من القدرية فقال له: خالفتم الله وخالفتم الملائكة، وخالفتم أهل الجنة وخالفتم أهل النار، وخالفتم الأنبياء وخالفتم الشيطان، فأما خلافكم الله فقوله: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاء) [القصص: ٥٦] ، وأما خلافكم

стр. 5269

الملائكة فقولهم: (لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا) [البقرة: ٣٢] ، وأما خلافكم الأنبياء، فقول نوح: (وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ) [هود: ٣٤] ، وأما خلافكم أهل الجنة، فقولهم: (الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ) [الأعراب: ٤٣] ، وأما خلافكم لأهل النار، فقولهم: (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ) [المؤمنون: ١٠٦] ، وأما خلافكم الشيطان، فقول إبليس: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِى) [الحجر: ٣٩] . وذكر الآجرى بإسناده عن على بن أبى طالب أن رجلاً أتاه فقال: أخبرنى عن القدر، فقال: طريق مظلم فلا تسلكه. قال: أخبرنى عن القدر. قال: بحر عميق فلا تلجه، قال: أخبرنى عن القدر، قال: سر الله فلا تكلفه، ثم ولى الرجل غير بعيد، ثم رجع فقال لعلى: فى المشيئة الأولى أقوم وأقعد، وأقبض وأبسط فقال له على: إنى سائلك عن ثلاث خصال ولن يجعل الله لك مخرجًا، قال: أخبرنى أخلقك الله لما شاء أم لما شئت؟ قال: بل لما شاء، قال: أخبرنى أتجئ يوم القيامة كما يشاء أو كما شئت؟ قال: بل كما يشاء. قال: أخبرنى أجعلك الله كما شاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء. قال: فليس لك من المشيئة شىء. وقال محمد بن كعب القرظى: لقد سمى الله المكذبين بالقدر باسم نسبهم إليه فى القرآن فقال: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِى ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: ٤٧ - ٤٩] فهم المجرمون.

стр. 5270

كِتَاب الاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ / ١ - فيه: طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ لِعُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَوْ أَنَّ عَلَيْنَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) [المائدة: ٣] لاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّى لأعْلَمُ أَىَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ: يَوْمَ عَرَفَةَ، فِى يَوْمِ جُمُعَةٍ. / ٢ - وفيه: أَنَس، سَمِعَ عُمَرَ الْغَدَ حِينَ بَايَعَ الْمُسْلِمُونَ أَبَا بَكْرٍ، وَاسْتَوَى عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، تَشَهَّدَ قَبْلَ أَبِى بَكْرٍ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَاخْتَارَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ الَّذِى عِنْدَهُ عَلَى الَّذِى عِنْدَكُمْ، وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِى هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَكُمْ، ن فَخُذُوا بِهِ تَهْتَدُوا، وَإِنَّمَا هَدَى اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ. / ٣ - وفيه: ابْن عَبَّاس، ضَمَّنِى النَّبِىُّ ﷺ إِلَيْهِ وَقَالَ: (اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْكِتَابَ) . / ٤ - وفيه: أَبُو بَرْزَةَ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُغْنِيكُمْ بِالإسْلامِ وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ . / ٥ - وفيه: ابْن عُمَرَ، أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَبْدِالْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُبَايِعُهُ، وَأُقِرُّ لَكَ: بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَعْتُ. لا عصمة لأحد إلا فى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أو فى إجماع العلماء على معنى فى أحدهما. والسنة تنقسم قسمين: منها واجبة، ومنها غير واجبة، فأما الواجبة فما كان تفسيرًا من النبى ﷺ لفرض الله، وكل ما أمر به النبى أو نهى عنه أو فعله فهو سنة، ما

стр. 5271

لم يكن خاصًا له، وأما غير الواجب من سنته ﷺ فما كان من فعله تطوعًا ولا يحرج أحد فى تركه كقوله ﷺ : (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول) . وكقوله: (لا تتخذوا الضيعة فترغبوا فى الدنيا) . وأكثر أصحابه كان لهم ضياع، فدل أنه أدب منه نستعين به على دفع الرغبة فى الدنيا، ومثل ذلك مما أمر به تأديبًا لأمته بأكرم الأخلاق من غير أن يوجب ذلك عليهم، ومثل ذلك ما فعله فى خاصة نفسه من أمر الدنيا كاتخاذه لنعله قبالين، ولبسه النعال السبتية، وصبغه إزاره بالورس، وحبه القرع، وإعجابه الطيب، وحبه من الشاة الذراع، ونومه على الشق الأيمن، وسرعته فى المشى، وخروجه فى السفر يوم الخميس، وقدومه فى الضحى وشبه ذلك، فلم يسنه لأمته، ولا دعاهم إليه ومن تشبه به ﷺ حبًا له كان أقرب إلى ربه كفعل ابن عمر فى ذلك. - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ / ٦ - فيه: أَبو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيّ ﷺ : (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُنِى أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الأرْضِ، فَوُضِعَتْ فِلا يَدِى) . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَدْ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنْتُمْ تَلْغَثُونَهَا، أَوْ تَرْغَثُونَهَا، أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا. / ٧ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (مَا مِنَ الأنْبِيَاءِ نَبِىٌّ إِلا أُعْطِىَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ أُومِنَ، أَوْ آمَنَ، عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِى أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَىَّ، فَأَرْجُو أَنِّى أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ

стр. 5272

الْقِيَامَةِ) . أى: صدق بتلك الآيات لإعجازها لمن شهدها، كقلب العصا حية، وفلق البحر لموسى وكإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى لعيسى، وكان الذى أعطيت أنا وحيًا أوحاه الله إلىّ فكان آية باقية دعى إلى الإتيان بمثله أهل التعاطى له، ومن نزل بلسانهم، فعجزوا عنه ثم بقى آية ماثلة للعقول إلى من يأتى إلى يوم القيامة، يرون إعجاز الناس عنه رأى العين، والآيات التى أوتيها غيره من الأنبياء قبله رئى إعجازها فى زمانهم، ثم لم تصحبهم إلا مدة حياتهم، وانقطعت بوفاتهم، وكان القرآن باقيًا بعد النبى ﷺ يتحدى الناس إلى الإتيان بمثله، ويعجزهم على مرور الأعصار فكان آية باقية لكل من أتى، فلذلك رجا أن يكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة، مع أن الله تعالى قد ضمن هذه الآية ألا يدخلها الباطل إلى أن تقوم الساعة بقوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: ٩] ، وضمن نبينا ﷺ بقاء شريعته وإن ضيع بعضها قوم بقوله: (لا تزال طائفة من أمتى على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك) . وقوله: وأنتم تلغثونها أو ترغثونها. شك فى أى الكلمتين قال النبى ﷺ فأما لغث باللام فلم أجده فيما تصفحت من اللغة، وأما رغث بالراء فهو معروف عندهم يقال: رغثت كل أنثى ولدها وأرغثته أرضعته فهى رغوث.

стр. 5273

٣ - باب الاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: ٧٤] وَقَالَ: أَيِمَّةً نَقْتَدِى بِمَنْ قَبْلَنَا، وَيَقْتَدِى بِنَا مَنْ بَعْدَنَا. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: ثَلاثٌ أُحِبُّهُنَّ لِنَفْسِى وَلإخْوَانِى: هَذِهِ السُّنَّةُ، أَنْ يَتَعَلَّمُوهَا، وَيَسْأَلُوا عَنْهَا، وَالْقُرْآنُ أَنْ يَتَفَهَّمُوهُ وَيَسْأَلُوا عَنْهُ، وَيَدَعُوا النَّاسَ إِلا مِنْ خَيْرٍ. / ٨ - فيه: أَبُو وَائِل، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى شَيْبَةَ فِى هَذَا الْمَسْجِدِ، قَالَ: جَلَسَ إِلَىَّ عُمَرُ فِى مَجْلِسِكَ هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلا بَيْضَاءَ إِلا قَسَمْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ، قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ، قَالَ: هُمَا الْمَرْءَانِ يُقْتَدَى بِهِمَا. / ٩ - وفيه: حُذَيْفَةَ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (أَنَّ الأمَانَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ فِى جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ، فَقَرَءُوا الْقُرْآنَ، وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ) . / ١٠ - وفيه: عَبْدُاللَّهِ: إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَ) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) [الأنعام: ١٣٤] . / ١١ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ) . / ١٢ - وفيه: جَابِر، قَالَ: جَاءَتْ مَلائِكَةٌ إِلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ،

стр. 5274

فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلا، فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلا، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً، وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِىَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِىَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ: يَفْقَهْهَا، َقَالُوا: فَالدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِى مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا ﷺ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ. / ١٣ - وفيه: حُذَيْفَةَ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ، اسْتَقِيمُوا، فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلالا بَعِيدًا. / ١٤ - وفيه: أَبُو مُوسَى، قَالَ النَّبِىِّ ﷺ : (إِنَّمَا مَثَلِى وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِى اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا، فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّى رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَىَّ، وَإِنِّى أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِى فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِى وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ) . / ١٥ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، لَمَّا النَّبِىّ ﷺ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِى عِقَالا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. / ١٦ - وفيه: ابْن عَبَّاس، أن عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ قَالَ لعُمر: وَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا

стр. 5275

الْجَزْلَ، وَمَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يَقَعَ بِهِ، فَقَالَ الْحُرُّ بن قيس: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) [الأعراف: ١٩٩] وَهَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ، فَوَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ. / ١٧ - وفيه: أسماء فى حديث الخسوف: قَالَ النَّبِي ﵇: (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ، فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ فَأَجَبْنَاهُ فَآمَنَّا، واتبعنا) الحديث. / ١٨ - وفيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِيّ ﷺ : (فدَعُونِى مَا تَرَكْتُكُمْ، إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَىْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) . قال المؤلف: أمر الله عباده باتباع نبيه والاقتداء بسنته فقال: (فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِىِّ الأُمِّىِّ الَّذِى يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [الأعراف: ١٥٨] ، وقال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِىَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: ١٥٧] ، وتوعد من خالف سبيله ورغب عن سنته فقال: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: ٦٣] ، وهذه الآيات مصدقة لأحاديث هذا الباب. وأما قول عمر: (لقد هممت ألا أدع فيها صفراء ولا بيضاء) يعنى: ذهبًا ولا فضة، أراد أن يقسم المال الذى يجمع بمكة،

стр. 5276

وفضل عن نفقتها ومؤنتها ويضعه فى مصالح المسلمين، فلما ذكره شيبة أن النبى ﷺ وأبا بكر بعده لم يعرضا له؛ لم يسعه خلافهما، ورأى أن الاقتداء بهما واجب، فربما تهدم البيت أو خلق بعض آلاته فصرف ذلك المال فيه، ولو صرف ذلك المال فى منافع المسلمين لكان كأنه قد خرج من وجهه الذى سبل فيه. قال المهلب: وأما الأمانة التى فى حديث حذيفة، فإنها الإيمان وجميع شرائعه، والتنزه عن الخيانة وشبهها. والجذر: أصل الشىء، فدل ذلك أن الإيمان مفروض على القلب ولابد من النية فى كل عمل ما يذهب إليه الجمهور. وقوله: (نزلت فى جذر قلوب الرجال) يعنى: بعض الرجال الذين ختم الله لهم بالإيمان، وأما من لم يقدر له به فليس بداخل فى معنى ذلك، ألا ترى قوله: (ونزل القرآن ثم قرءوا من القرآن وعلموا من السنة) يعنى المؤمنين خاصة المذكورين فى أول الحديث. وقوله: (جاءت الملائكة، فقال بعضهم: العين نائمة والقلب يقظان) يدل أن رؤيا الأنبياء وحى لثبات القلب، ولذلك قال ﷺ : (إن عينى تنامان ولا ينام القلب) وفيه دليل أن الفهم والمعرفة فى القلب. وقول الملك: (أولوها له) . يدل أن الرؤيا على ما عبرت فى النوم. ومعنى قول الحر (فما جاوزها عمر وكان وقافًا عند كتاب الله) . فهو معنى الترجمة، والإعراض عن الجهل إن صح أنه جهل مرغب فيه مندوب إليه، وأما إذا كان الجفاء على السلطان تعمدًا أو استخفافًا بحقه فله تغييره والتشديد فيه.

стр. 5277

واستعمال عمر لهذه الآية يدل على أنها غير منسوخة، وهو قول مجاهد وقتادة، وروى هشام بن عروة عن أبيه، وعن عبد الله ابن الزبير قالا: نزلت هذه الآية فى أخذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم وما لا يجهدهم. فعلى هذا القول هى محكمة وهذا لفظه لفظ الأمر، وهو تأديب من الله لنبيه، وفيه تأديب لأمته، فهو تعليم للمعاشرة الجميلة والأخذ بالفضل، وقد روى عن ابن عباس فى قوله: (خُذِ الْعَفْوَ) [الأعراف: ١٩٩] ، يعنى الفضل من أموال الناس، ثم نسخ ذلك وهو قول الضحاك والسدى. وفيها قول ثالث عن ابن زيد قال: أمر الله نبيه بالعفو عن المشركين وترك الغلظة عليهم، قبل أن يفرض عليه قتالهم ثم نسخت بالقتال. فأما قوله ﷺ : (فإذا نهيتكم عن شىء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشىء فائتوا منه ما استطعتم) فقد احتج به من قال: إن الأمر موضوع على الندب دون الإيجاب، قالوا: ألا تراه ﷺ علق الأمر بمشيئتنا واستطاعتنا، وألزمنا الاتنهاء عما نهى عنه، فوجب حمل النهى على الوجوب دون الأمر. قال أبو بكر بن الطيب: والتعلق بهذا غير صحيح ومعنى قوله: (فائتوا منه ما استطعتم) إذا كنتم مستطيعين، وقد يأمر بالفعل الذى يستطيعه على طريق الوجوب كما يأمر به على وجه الندب، ولا يدل على أنه ليس بواجب قال الله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) [التغابن: ١٦] ، ولم يرد به ندبنا إلى التقوى دون إيجابه، ومعنى الآية والخبر: أن اتقوه إذا كنتم سالمين

стр. 5278

غير عجزة قادرين، ولم يرد أنه لا يؤمر إلا من قد وجدت قدرته على الفعل كما تقول القدرية. وقال المهلب: من احتج بهذا الحديث أن النواهى أوجب من الأوامر فهو خطأ؛ لأنه ﷺ لم ينه بهذا الحديث عن المحرمات التى نهى الله عنها فى كتابه بأن حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وإنما أراد فإذا نهيتكم عما هو مباح لكم أن تأتوه، فإنما نهيتكم رفقًا بكم، كنهيه عن الوصال إبقاءً عليهم، وكنهيه عبد الله بن عمرو عن صيام الدهر وقيام الليل كله، وكنهيه عن إضاعة المال؛ لئلا يكون سببًا لهلاكهم، وكنهيه عن كسب الحجام وعسب الفحل تنزهًا واعتلاءً عن الأعمال الوضيعة. وأما الأمر الذى أمرهم أن يأتوا منه ما استطاعوا، فهو الأمر من التواصى بالخير، والصدقات وصلة الرحم، وغير ذلك مما سنه، وليس بفرض ولذلك قال لهم: فائتوا ما استطعتم أى: لم آمركم بذلك أمر إلزام ولا أمر حتم أن تبلغوا غاياته لكن ما استطعتم من ذلك؛ لأن الله تعالى عفا عما لا يستطاع. وعلى هذا المعنى خرج معنى الحديث منه ﷺ ؛ لأن أصحابه كانوا يكثرون سؤاله عن أعماله من الطاعات يحرصون على فعلها فكان ينهاهم عن التشديد ويأمرهم بالرفق؛ خشية الانقطاع وسأتقصى مذاهب العلماء فى الأمر والنهى فى باب النهى على التحريم إلا ما يعرف إباحته بعد هذا إن شاء الله تعالى.

стр. 5279

٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ مَا لا يَعْنِي وَقوله اللَّه: (لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: ١٠١] / ١٩ - فيه: سَعْد، قَالَ النَّبِيّ ﷺ : (إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ) . / ٢٠ - وفيه: زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِى الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِىَ حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ، ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً، فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ؛ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: (مَا زَالَ بِكُمِ الَّذِى رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِى بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلاةِ الْمَرْءِ فِى بَيْتِهِ إِلا الصَّلاةَ الْمَكْتُوبَةَ) . / ٢١ - وفيه: أَبُو مُوسَى، سُئِلَ النَّبِىّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ غَضِبَ، وَقَالَ: (سَلُونِى) ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِى؟ قَالَ: (أَبُوكَ حُذَافَةُ) ، ثُمَّ قَامَ آخَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَبِى؟ فَقَالَ: (أَبُوكَ، سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ) ، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِوَجْهِ النَّبِىّ ﷺ مِنَ الْغَضَبِ، قَالَ: إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ. / ٢٢ - وذكر قصة حذافة من رواية أَنَس وفيه: فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَيْنَ مَدْخَلِى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (النَّارُ) ، فَقَامَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ، فَقَالَ: مَنْ أَبِى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (أَبُوكَ حُذَافَةُ) ، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولا، فَسَكَتَ النَّبِىّ ﷺ عند ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَقَدْ عُرِضَتْ عَلَىَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِلا عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ. . .) الحديث. وَقَالَ أَنَس، لما قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (أَبُوكَ فُلانٌ) ، نَزَلَتْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: ١٠١] الآيَةَ.

стр. 5280

/ ٢٣ - وفيه: الْمُغِيرَةِ، أنّ النَّبيّ ﷺ كَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ. . . الحديث. / ٢٤ - وفيه: أَنَس، قَالَ النَّبِىّ ﷺ : (لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَأَلون حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟) . / ٢٥ - وفيه: ابْن مَسْعُود، أن النَّبِىّ ﷺ مَرَّ عليه نَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَلُوهُ، عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْأَلُوهُ لا يُسْمِعُكُمْ فيه مَا تَكْرَهُونَ. . . الحديث. قال ابن عون: سألت نافعًا عن قوله تعالى: (لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: ١٠١] ، فقال: لم تزل كثرة السؤال منذ قط تكره. وقال الحسن البصرى: فى هذه الآية سألوا النبى ﷺ عن أمور الجاهلية التى عفا الله عنها، ولا وجه للسؤال عما عفا الله عنه، وقيل: كان الرجل الذى سأل النبى ﷺ عن أبيه يتنازعه رجلان فأخبره النبى ﷺ بأبيه منهما، وأعلم ﷺ أن السؤال عن مثل هذا لا ينبغى، وأنه إذا ظهر فيه الجواب ساء ذلك السائل، وأدّى ذلك إلى فضيحته لا سيما وقت سؤال النبى ونزول الآيات فى ذلك. وقد تقدم فى كتاب الفتن كراهية أم حذافة لسؤاله النبى ﷺ عن أبيه وما قالت له فى ذلك. فلسؤالهم له ﷺ عما لا ينبغى وتعنيته ﷺ للذى قال له: أين مدخلى يا رسول الله؟ قال: النار؛ لأن تعنيته ﷺ يوجب النار، وقد أمر الله المسلمين بتعزيزه وتوقيره وألا يرفع الصوت فوق صوته، وتوعد على ذلك بحبوط العمل بقوله تعالى: (أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ

стр. 5281

تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] ، ألا ترى فهم عمر لهذا الأمر وتلافيه له؛ بأن برك على ركبتيه، وقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيا وقال مرة: إنا نتوب إلى الله. فسكت ﷺ وسكن غضبه، ورضى قول عمر حين ذب عن نبيه ونبّه على التوبة مما فيه إغضابه أن يؤدى إلى غضب الله، وقد ذكرنا شيئًا من هذا المعنى فى كتاب الفتن فى باب التعوذ من الفتن الدليل على صواب فعل عمر قول النبى ﷺ بعد ذلك: (أولى والذى نفسى بيده) يعنى: أولى لمن عنَّت نبيه فى المسألة وأغضبه، ومعنى أولى عند العرب التهدد والوعيد. وقال المهلب: يقال للرجل: إذا أفلت من عظيمة: أولى لك. أى: كدت تهلك ثم أَفْلَتَّ، ويروى عن ابن الحنفية أنه كان يقول: إذا مات ميت فى جواره: أولى لى، كدت والله أن أكون السواد المخترم. قال المهلب: وأصل النهى عن كثرة السؤال والتنطع فى المسائل مبين فى كتاب الله تعالى فى بقرة بنى إسرائيل أمرهم الله بذبح بقرة فلو ذبحوا أى بقرة كانت لكانوا مؤتمرين غير عاصين، فلما سألوا ما هى وما لونها؟ قيل لهم: لا فارض ولا بكر. ضيق عليهم وقد كان ذلك مباحٌ، وكذلك ضيق عليهم فى لونها فقيل لهم: صفراء. فمنعوا من سائر الألوان، وقد كان ذلك مباحًا لهم، ثم لما قالوا: إن البقر تشابه علينا، قيل لهم: لا ذلول حرّاثه ولا ساقية للحرث أى معلمة لاستحراج الماء وقد كان ذلك مباحًا لهم، فعز عليهم وجود هذه الصفة المضيق عليهم فيها حتى أمرهم أن يشتروها بأضعاف ثمنها عقوبة بسؤالهم عما لو يكن لهم به حاجة.

стр. 5282

وقوله تعالى: (لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [المائدة: ١٠١] يحذر مما نزل بهؤلاء القوم ثم وعد أنه إن سألوا عنها حين نزول القرآن ضيق عليهم، وقد قال بعض أصحابنا: إنه بقيت منه بقية مكروهة وهو أن التنطع فى المسألة والبحث عن حقيقتها يلزم منها أن يأتى بذلك الشرع على الحقيقة التى انكشفت له فى البحث وذلك مثل أن يسأل عن سلع الأسواق الممكن فيها الغصب والنهب هل له شراء ذلك فى سوق المسلمين، وهو يمكن فيه ذلك المكروه أم لا؟ فيفتى بأن له أن يبتاع ذلك، ثم إن تنطع، فقال: إن قام الدليل على السلعة أنها من نهب أو غصب هل لى أن أشتريها؟ فيفتى بأن لا يشتريها فهذا الذى بقى من كراهة السؤال والتنطع حتى الآن فى النسخ الذى كان يمكن حين نزول القرآن والتضيق المشروع. وقد سئل مالك عن قيل وقال وكثرة السؤال؟ فقال: لا أدرى أهو ما أنهاكم عنه من كثرة المسائل، فقد كره رسول الله المسائل وعابها، أو هو مسألة الناس أموالهم. وكان زيد ابن ثابت وأبى بن كعب وجماعة من السلف يكرهون السؤال فى العلم عما لم ينزل، ويقولون: إذا نزلت النازلة وفق المسئول عنها، ويرون الكلام فيما لم ينزل من التكلف. وقال مالك: أدركت أهل هذا البلد وما عند أحدهم علم غير الكتاب والسنة، فإدا نزلت النازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء، فما اتفقوا عليه أنفذه، وأنتم تكثرون المسائل وقد كرها رسول الله. فإن قيل: فإذا ثبت النهى عن كثرة السؤال والبحث فى هذه الأحاديث، فقد جاء فى كتاب الله ما يعارض ذلك، وهو

стр. 5283

الأمر بسؤال العلماء والبحث عن العلم؛ بقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [النحل: ٤٣] . فالجواب عنه: أن الذى أمر الله عباده بالسؤال عنه هو ما ثبت وتقرر وجوبه مما يجب عليهم العمل به، والذى جاء فيه النهى هو ما لم يتعبد الله عباده به، ولم يذكره فى كتابه، وقد سئل ابن عباس عن قوله تعالى: (لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ) [المائدة: ١٠١] الآية قال: ما لم يذكر فى القرآن فهو مما عفا الله عنه، ألا ترى أن الله لم يجب اليهود عن سؤالهم عن الروح لما لم يكن مما لهم به الحاجة إلى علمه، وكان من علم الله الذى لم يطلع عليه أحدًا فقال لنبيه ﷺ : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) [الإسراء: ٨٥] ، فنسبهم تعالى فى سؤالهم عما لم ينبغى لهم السؤال عنه إلى قلة العلم، وقال مالك: قيل وقال هو هذه الأخبار والأراجيف فى رأيى، أعطى فلان كذا ومنع كذا بقوله: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) [التوبة: ٦٥] ، فهؤلاء يخوضون، رواه عنه أشهب فى جامع المستخرجة. وأما قول بعض اليهود حين سألوه عن الروح: لا تسألوه يسمعكم ما تكرهون. فإنما قال ذلك لعلمه أنهم كانوا معنتين والمعنت من عقوبته أن يخاطب بما يكره. وأما قول ﷺ فى حديث أنس: (لن يبرح الناس يسألون:

стр. 5284

هذا الله خالق كل شىء فمن خلق الله؟) هذا من السؤال الذى لا يحل وقد جاء هذا الحديث بزيادة فيه من حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال: (لا يزال الشيطان يأتى أحدكم فيقول: من خلق كذا من خلق كذا، حتى يقول: من خلق الله، فإذا وجد ذلك أحدكم فليقل: آمنت بالله) . وفى حديث آخر: فذلك (صريح الإيمان) . رواه أبو داود حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا سهيل، عن أبيه، عن أبى هريرة (أن النبى ﷺ جاءه ناس من أصحابه فقالوا: يا رسول الله، نجد فى أنفسنا الشىء يعظم أن نتكلم به ما نحب أن لنا الدنيا وأنا تكلمنا به، فقال النبى ﷺ : (أو قد وجدتموه، ذلك صريح الإيمان) . وقد ذكر ابن أبى شيبة من حديث الأعمش، عن ذر، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إنى أحدث نفسى بالأمر لأن أكون حممة أحب إلى من أن أتكلم به. فقال له رسول الله: الحمد لله الذى رده إلى الوسواس) . فإن قيل: كيف سمّى هذه الخطرة الفاسدة من خطرات الشيطان على القلب صريح الإيمان؟ قال الخطابى: يريد أن صريح الإيمان هو الذى يعظم ما تجدونه فى صدوركم ويمنعكم من قول ما يلقيه الشيطان فى قلوبكم ولولاه لم يتعاظموه، ولم ينكروه ولم يرد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، وكيف تكون إيمانًا وهى من قبل الشيطان وكيده، ألا تراه ﷺ حين سئل عن هذا قال: (الحمد لله الذى رد كيده إلى الوسوسة) . وفيه وجه آخر، قال المهلب: قوله: (صريح الإيمان) يعنى: الانقطاع فى إخراج الأمر إلى ما لا نهاية له فلابد عند ذلك من إيجاب

стр. 5285

خالق لا خالق له، لأن المفكر يجد المخلوقات كلها لها خالق بأثر الصنعة فيها والحدث الجارى عليها والله تعالى بخلاف هذه الصفة لمباينته صفات المخلوقين، فوجب أن يكون خالق الكل، فهذا هو صريح الإيمان، لا البحث الذى هو من كيد الشيطان المؤدى إلى هذا الانقطاع ليحير العقول، فنبه ﷺ على موضع كيده وتحييره. قال غيره: فإن وسوس الشيطان فقال: ما المانع أن يخلق الخالق نفسه. قيل له: هذه وسوسة ينقض بعضها بعضا؛ لأن بقولك يخلق قد أوجبت وجوده تعالى، وبقولك نفسه قد أوجبت عدمه، والجمع بين كونه موجودًا ومعدومًا معًا تناقض فاسد؛ لأن من شرط الفاعل تقدم وجوده على وجود فعله فيستحيل كون نفسه فعلاً له؛ لاستحالة أن يقال إن النفس تخلق النفس التى هى هو وهذا بين فى حل هذه الشُبه وهو صريح الإيمان. وقال غيره: إن سأل سائل عن حديث سعد وزيد بن ثابت، فقال: فى هذين الحديثين دلالة على أن الله تعالى يفعل شيئًا من أجل شىء وسببه، وهذا يؤدى إلى قول القدرية. فالجواب: أنه قد ثبت أن الله على كل شىء قدير، وأنه بكل شىء عليم، وأنه لا يكون من أفعاله التى انفرد بالقدرة عليها ولا تدخل تحت قدرة العباد، ولا تكون من مقدورات العباد التى هى كسب لهم وخلق لله إلا والله مريد لجميع ذلك، فسواء كان أمرًا بذلك عباده أو ناهيًا لهم عنه، فغير جائز أن يقال أنه فعل فعلاً من أفعاله بسبب من الأسباب أو من أجل داع يدعوه إلى فعله؛

стр. 5286

لأن السبب والداعى فعل من أفعاله، والقول أنه فاعل بسبب يقضى إلى تعجيزه لحاجته إلى ما لا يصح وقوعه من فعله إلا بوقوع غيره تعالى الله عن ذلك، فإذا فسد ذلك وجب حمل قوله ﷺ : (إن أعظم المسلمين جُرمًا من سأل عن شىء لم يحرم فحرم من أجله) . على غير ظاهره وصرفه إلى أن الله تعالى فاعل بسؤال السائل الذى نهاه عنه، ومقدر أن يحرم الشىء المسئول عنه إذا وقع السؤال فيه، كل ذلك قد سبق به القضاء والقدر لا أن السؤال موجه للتحريم وعلة له. وكذلك قوله ﷺ : (ما زال بكم الذى رأيت من صنيعكم) يعنى: من كثرة مطالبتكم بالخروج إلى الصلاة حتى خشيت أن تكتب عليكم عقابًا لكم على كثرة ملازمتكم لى فى مداومة الصلاة بكم، لا أن ملازمتهم له موجبة لكتاب الله عليهم الصلاة؛ لما ذكرناه من أن الملازمة والكتب فعلان لله تعالى غير جائز وقوع أحدهما شرطًا فى وقوع الآخر، ولو وقعت الملازمة ووقع كتاب الصلاة عليهم لكان ذلك مما قد سبق به القضاء والقدر فى علم الله. وإنما نهاهم، ﵇، عن مثل هذا وشبهه تنبيهًا لهم على ترك الغلو فى العبادة وركوب القصد فيها؛ خشية الانقطاع والعجز عن الإتيان بما طلبوه من الشدة فى ذلك، ألا ترى قوله تعالى فيمن فعل مثل ذلك: (قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ) [المائدة: ١٠٢] ، ففرضت عليهم، فعجزوا عنها فأصبحوا بها كافرين وكان ﷺ رءوفًا بالمؤمنين

стр. 5287

رفيقًا بهم، وقد تقدم مثل حديث زيد من رواية عائشة فى أبواب قيام الليل فى كتاب الصلاة، وذكرنا فى توجيهه ما لم يذكر فى هذا الباب فتأمله هناك. فإن قيل: فإذا حمل قوله ﷺ : (إن أعظم المسلمين جرمًا من سأل عن شىء لم يحرم فحرم من أجله) على غير ظاهره ما وجه ذلك وإثم الجرم به؟ . قيل: هو على ما تقرر علمه من نسبة اللوم والمكروه إلى من تعلق بسبب من فعل ما يلام عليه، وإن قل تحذيرًا من موافقته له فعظم جرم فاعل ذلك لكثرة الكارهين لفعله. وعرض الحائط: وسطه، وكذلك عرض البحر وعرض النهر وسطهما، واعترضت عرضه نحوت نحوه عن صاحب العين. ٥ - باب الاقْتِدَاءِ بِأَفْعَالِ النَّبِىِّ ﷺ / ٢٦ - فيه: ابْن عُمَر، اتَّخَذَ النَّبِىُّ ﷺ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، فَاتَّخَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (إِنِّى اتَّخَذْتُ خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فَنَبَذَهُ) ، وَقَالَ: (إِنِّى لَنْ أَلْبَسَهُ أَبَدًا) ، فَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ. قال أبو تمام المالكى، وأبو بكر بن الطيب: ما كان من أفعال الرسول بيانًا لمجمل كالصلاة، والصيام، والحج، وما دعا إلى فعله كقوله: (خذوا عنى مناسككم، وصلوا كما رأيتمونى أصلى) . فلا خلاف بين العلماء أنها على الوجوب، واختلفوا فيما كان منها واقعًا موقع القرب لا على وجه البيان والامتثال لتمثيل أمر لزمه، فقال مالك وأكثر أهل العراق: إنها على الوجوب،

стр. 5288

إلا أن يمنع من ذلك دليل، وهو قول ابن سريج وابن خيران من أصحاب الشافعى، وقال بعض أصحاب الشافعى: إنها على الندب وإن المتأسى به فيها مندوب إليه أن يقوم دليل على وجوبها، وقال كثير من أهل الحجاز والعراق وأصحاب الشافعى: إنها على الوقف إلا أن يقوم دليل على كونها ندبًا أو إباحة أو محظورة. قال أبو بكر بن الطيب: وبهذا نقول. واحتج لذلك بأنه لما كانت القربة الواقعة محتملة لكونها فرضًا ونفلاً لم يجز أن يكون الفعل منه دليلاً على أننا متعبدون مثله، ولا على كونه واجبًا علينا دون كونه نفلاً؛ لأن فعله مقصور عليه دون متعدٍ إلى غيره، وأمره لنا ونهيه متعديان إلى الغير والغرض فيهما امتثالهما فافترقا. وحجة من قال: إنها على الوجوب. أن النبى ﷺ خلع خاتمه، فخلعوا خواتيمهم وأنه خلع نعليه فى الصلاة، فخلعوا نعالهم، وأنه أمرهم عام الحديبية بالتحلل فوقفوا، فشكا ذلك إلى أم سلمة فقالت له: اخرج إليهم واذبح واحلق. ففعل ذلك، فذبحوا وحلقوا اتباعًا لفعله، فعلم أن الفعل أكد عندهم من القول، وقال لأم سلمة حين سألتها المرأة عن القبلة للصائم: (ألا أخبرتيها أنى أقبّل وأنا صائم) . وقال للرجل مثل ذلك، فقال: إنك لست مثلنا. فقال: (إنى لأرجو أن أكون أتقاكم لله) . فدل هذا على أن الأسوة واقعة إلا ما منع منه الدليل، ويدل على ذلك أنه لما نهاهم عن الوصال قالوا: إنك تواصل. قال: (إنى لست مثلكم، إنى أطعم وأسقى) . فلولا أن لهم الاقتداء به لقال لهم: وما فى مواصلتى ما يبيح لكم فعل ذلك،

стр. 5289

وأفعالي مخصوصة بي، فلم يقل لهم ذلك، ولكن بين لهم المعنى فى اختصاصه بالمواصلة، وهو أن الله يطعمه ويسقيه، وأنهم بخلافه فى ذلك، وكذلك خص الله الموهوبة أنها خالصة له من دون أمته، ولولا ذلك لكانت مباحًا لهم. ٦ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ وَالْغُلُوِّ فِى الدِّينِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ (الآية [النساء: ١٧١] / ٢٧ - فيه: أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ النَّبِىُّ ﷺ : (لا تُوَاصِلُوا، قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: إِنِّى لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِى. . .) الحديث، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلالَ، فَقَالَ: (لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلالُ لَزِدْتُكُمْ، كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ) . / ٢٨ - وفيه: عَلِىّ، أنه خطب وَعَلَيْهِ سَيْفٌ وفِيهِ صَحِيفَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا مِنْ كِتَابٍ يُقْرَأُ إِلا كِتَابُ اللَّهِ وَمَا فِى هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. . . وذكر الحديث. / ٢٩ - وفيه: عَائِشَة، صَنَعَ النَّبِىُّ ﷺ شَيْئًا تَرَخَّصَ فِيهِ، وَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِىَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّىْءِ، أَصْنَعُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّى أَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً) . / ٣٠ - وفيه: ابْنِ أَبِى مُلَيْكَةَ، كَادَ الْخَيِّرَانِ أَنْ يَهْلِكَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، لَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَفْدُ بَنِى تَمِيمٍ أَشَارَ أَحَدُهُمَا بِالأقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِىِّ الْحَنْظَلِىِّ أَخِى بَنِى مُجَاشِعٍ، وَأَشَارَ الآخَرُ

стр. 5290

بِغَيْرِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: إِنَّمَا أَرَدْتَ خِلافِى، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلافَكَ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا عِنْدَ النَّبِىِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ (الآية [الحجرات: ٢] ، فَكَانَ عُمَرُ إِذَا حَدَّثَ النَّبِىَّ ﷺ بِحَدِيثٍ حَدَّثَهُ كَأَخِى السِّرَارِ لاَ يُسْمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ. / ٣١ - وفيه: عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِىّ ﷺ قَالَ فِى مَرَضِهِ: (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فليُصَلّ بِالنَّاسِ) ، إلى قوله: (إِنَّكُنَّ لأنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ. . .) الحديث. / ٣٢ - وفيه: حديث مالك بن أوس، أن العباس وعليًا جاءا إلى عمر يطلبان ميراثهما من النَّبِىّ، ﵇، وتنازعهما فِى ذلك مَعَ عُمر. . . الحديث بطوله. قال المهلب فى قوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ) [النساء: ١٧١] : الغلو مجاوزة الحد. فهذا يدل أن البحث عن أسباب الربوبية من نزغات الشيطان، ومما يؤدى إلى الخروج عن الحق؛ لأن هؤلاء غلوا فى الفكرة حتى آل بهم الأمر أن جعلوا الآلهة ثلاثة، وأما الذين غلوا فى صيام فهو اتباعهم للوصال بعد أن نهاهم النبى ﷺ فعاقبهم بأن زادهم مما تعمقوا به. وقول على: (ما عندنا إلا كتاب الله، وما فى هذه الصحيفة) فإنه أراد به تبكيت من تنطع وجاء بغير ما فى كتاب الله وغير ما فى سنة رسول الله فهو مذموم. وحديث القبلة للصائم الذى تنزه قوم عنها ورخص فيها النبى ﷺ فذمهم بتعمقهم ومخالفته ﵇.
следующие страницы →