Полный текст (602 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
أُمَّهُ، مَلْعُونٌ مَنْ صَدَّ عَنِ السَّبِيلِ، أَوْ أَضَلَّ الْأَعْمَى عَنِ الطَّرِيقِ، مَلْعُوٌن مَنْ ذَبَحَ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ تُخُومَ الْأَرْضِ، يَعْنِي الْحَدَّ الَّذِي بَيْنَ أَرْضِهِ وَأَرْضِ غَيْرِهِ.
وَيُقَالُ: يَعْنِي عَلَامَاتِ الْحَرَمِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَعَنَ أَبَاهُ وَلَعَنَ أُمَّهُ.
يَعْنِي عَمِلَ عَمَلًا يُلْعَنُ بِهِ أَبَوَاهُ فَيَصِيرُ هُوَ الَّذِي لَعَنَهُمَا.
١٤٧ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الذَّنْبِ أَنْ يَسُبَّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ: وَكَيْفَ يَسُبُّ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلَ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ»
١٤٨ - وَرَوَى أَبَانٌ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: كَانَ شَابٌّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمَّى عَلْقَمَةُ، وَكَانَ شَدِيدَ الِاجْتِهَادِ، عَظِيمَ الصَّدَقَةِ، فَمَرِضَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ، فَبَعَثَتِ امْرَأَتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ زَوْجِي فِي النَّزْعِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أُعْلِمَكَ بِحَالِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ لِبِلَالٍ وَعَلِيٍّ وَسَلْمَانَ وَعَمَّارٍ: اذْهَبُوا إِلَى عَلْقَمَةَ فَانْظُرُوا مَا حَالُهُ.
فَانْطَلَقُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَلَمْ يَنْطِقْ لِسَانُهُ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا أَنَّهُ هَالِكٌ، بَعَثُوا بِلَالًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِحَالِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
«هَلْ لَهُ أَبَوَانِ» فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا أَبُوهُ فَقَدْ مَاتَ، وَلَهُ أُمٌّ كَبِيرَةُ السِّنِّ، فَقَالَ: «يَا بِلَالُ انْطَلِقْ إِلَى أُمِّ عَلْقَمَةَ فَأَقْرِئْهَا مِنِّي السَّلَامَ وَقُلْ لَهَا إِنْ قَدَرْتِ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِلَّا فَقَرِّي حَتَّى يَأْتِيَكِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ » .
فَأَخْبَرَهَا، فَقَالَتْ نَفْسِي لِنَفْسِهِ الْفِدَاءُ، أَنَا أَحَقُّ بِإِتْيَانِهِ، فَأَخَذَتِ الْعَصَا فَمَشَتْ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا أَنْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ رَدَّ ﵍ فَجَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «اصْدُقِينِي، فَإِنْ كَذَّبْتِنِي جَاءَنِي الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَيْفَ كَانَ حَالُ عَلْقَمَةَ» ؟ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ يُصَلِّي كَذَا، وَيَصُومُ كَذَا، وَكَانَ يَتَصَدَّقُ بِجُمْلَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ مَا يَدْرِي كَمْ وَزْنُهَا، وَمَا عَدَدُهَا، قَالَ: «فَمَا حَالُكِ وَحَالُهُ» قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي عَلَيْهِ سَاخِطَةٌ وَاجِدَةٌ، قَالَ لَهَا: «وَلِمَ ذَلِكَ» ؟ قَالَتْ: كَانَ يُؤْثِرُ امْرَأَتَهُ عَلَيَّ، وَيُطِيعُهَا فِي الْأَشْيَاءِ وَيَعْصِينِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سُخْطُ أُمِّهِ حَجَبَ لِسَانَهُ عَنْ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .
ثُمَّ قَالَ لِبِلَالٍ: «انْطَلِقْ وَاجْمَعْ حَطَبًا كَثِيرًا حَتَّى أُحْرِقَهُ بِالنَّارِ» .
فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنِي وَثَمَرَةُ فُؤَادِي تَحْرِقُهُ بِالنَّارِ بَيْنَ يَدَيَّ؟ فَكَيْفَ يَحْتَمِلُ قَلْبِي؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أُمَّ عَلْقَمَةَ فَعَذَابُ اللَّهِ أَشَدُّ وَأَبْقَى، فَإِنْ سَرَّكِ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ، فَارْضَيْ عَنْهُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَنْفَعُهُ الصَّلَاةُ وَلَا الصَّدَقَةُ مَا دُمْتِ عَلَيْهِ سَاخِطَةً» .
فَرَفَعَتْ يَدَيْهَا وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أُشْهِدُ اللَّهَ فِي سَمَائِهِ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ حَضَرَنِي، أَنِّي قَدْ رَضِيتُ عَنْ عَلْقَمَةَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «انْطَلِقْ يَا بِلَالُ فَانْظُرْ هَلْ يَسْتَطِيعُ عَلْقَمَةُ أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَلَعَلَّ أُمَّ عَلْقَمَةَ تَكَلَّمَتْ بِمَا لَيْسَ فِي قَلْبِهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ، فَانْطَلَقَ بِلَالٌ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الْبَابِ سَمِعَ عَلْقَمَةَ يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ إِنَّ سَخَطَ أُمِّ عَلْقَمَةَ حَجَبَ لِسَانَهُ
стр. 107
عَنِ الشَّهَادَةِ، وَإِنَّ رِضَاهَا أَطْلَقَ لِسَانَهُ، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ.
فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَامَ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ وَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مَنْ فَضَّلَ زَوْجَتَهُ عَلَى أُمِّهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ يَعْنِي الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ» .
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ، يَعْنِي أَمَرَ رَبُّكَ أَنْ لَا تُوَحِّدُوا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُقَالُ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، يَعْنِي لَا تُطِيعُوا أَحَدًا فِي الْمَعْصِيَةِ.
لَكِنْ أَطِيعُوا اللَّهَ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ.
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا يَعْنِي بِرًّا بِهِمَا وَعَطْفًا عَلَيْهِمَا.
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، يَعْنِي الْهِرَمَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا، يَعْنِي أَحَدَ الْأَبَوَيْنِ أَوْ كِلَا الْأَبَوَيْنِ.
فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ يَعْنِي لَا تُقْذِرْهُمَا، وَلَا تَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا رَدِيئًا.
وَيُقَالُ مَعْنَاهُ إِذَا كَبِرَ الْأَبَوَانِ وَاحْتَاجَا إِلَى رَفْعِ بَوْلِهِمَا وَغَائِطِهِمَا، فَلَا تَأْخُذْ بِأَنْفِكَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَلَا تَعْبَسْ بِوَجْهِكَ فَإِنَّهُمَا قَدْ رَفَعَا ذَلِكَ مِنْكَ فِي حَالَةِ صِغَرِكَ، وَرَأَيَا ذَلِكَ مِنْكَ كَثِيرًا.
ثُمَّ قَالَ وَلَا تَنْهَرْهُمَا يَعْنِي لَا تُغْلِظْ لَهُمَا بِالْقَوْلِ.
﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] .
يَعْنِي لَيِّنًا حَسَنًا.
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤] يَعْنِي كُنْ ذَلِيلًا رَحِيمًا عَلَيْهِمَا.
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٤] يَعْنِي إِذَا مَاتَا فَادْعُ
стр. 108
لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ.
يَعْنِي يَجِبُ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ يَعْرِفَ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ فِي حَيَاتِهِمَا، وَيَعْرِفَ حَقَّهُمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا، فَيَدْعُوَ لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ عَلَى أَثَرِ كُلِّ صَلَاةٍ.
وَيُقَالُ ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٤] يَعْنِي يَدْعُو لَهُمَا بِالْمَغْفِرَةِ فِي حَالِ حَيَاتِهِمَا وَبَعْدَ مَوْتِهِمَا.
كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا.
كَمَا قَامَا عَلَيَّ فِي حَالِ صِغَرِي حَتَّى كَبِرْتُ.
فَاجْزِهِمَا عَنِّي بِالْمَغْفِرَةِ لَهُمَا.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ ﵃ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ دَعَا لِأَبَوَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ أَدَّى حَقَّهُمَا.
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] ، فَشُكْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُصَلِّيَ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ.
وَكَذَلِكَ شُكْرُ الْوَالِدَيْنِ، أَنْ يَدْعُوَ لَهُمَا فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٢٥] .
يَعْنِي عَالِمٌ بِمَا فِي قُلُوبِكُمْ مِنَ اللِّينِ وَالْبِرِّ لِلْأَبَوَيْنِ.
﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ [الإسراء: ٢٥] .
يَعْنِي إِنْ تَكُونُوا بَارِّينَ بِالْوَالِدَيْنِ فَتَسْتَوْجِبُوا عَلَى اللَّهِ بذَلِكَ الْأَجْرَ، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] .
يَعْنِي إِنْ تَرَكْتُمْ حَقَّ الْوَالِدَيْنِ فَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ يَعْنِي الرَّاجِعِينَ عَنِ الذُّنُوبِ غَفُورًا.
وَيُقَالُ لِلْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ، عَشَرَةُ حُقُوقٍ: أَحَدُهُمْ أَنَّهُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الطَّعَامِ أَطْعَمَهُ.
وَالثَّانِي إِذَا احْتَاجَ إِلَى الكُسْوَةِ كَسَاهُ إِنْ قَدِرَ عَلَيْهِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥] ، فَقَالَ: «الْمُصَاحَبَةُ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُطِيعَهُمَا إِذَا جَاعَا وَيَكْسُوهُمَا إِذَا عَرِيَا» .
وَالثَّالِثُ إِذَا احْتَاجَ أَحَدُهُمَا إِلَى خِدْمَتِهِ خَدَمَهُ.
وَالرَّابِعُ إِذَا دَعَاهُ أَجَابَهُ وَحَضَرَهُ.
وَالْخَامِسُ إِذَا أَمَرَهُ بِأَمْرٍ أَطَاعَهُ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَعْصِيَةِ وَالْغَيْبَةِ.
وَالسَّادِسُ أَنْ يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِاللِّينِ وَلَا يَتَكَلَّمَ مَعَهُ بِالْكَلَامِ الْغَلِيظِ.
وَالسَّابِعُ أَنْ لَا يَدْعُوهُ بِاسْمِهِ، وَالثَّامِنُ أَنْ يَمْشِي خَلْفَهُ.
وَالتَّاسِعُ أَنْ يَرْضَى لَهُ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهَ لَهُ مَا يَكْرَهُ لِنَفْسِهِ.
وَالْعَاشِرُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ كُلَّمَا يَدْعُو لِنَفْسِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نُوحٍ ﵊: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي
стр. 109
وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: ٢٨] ، وَهَكَذَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ ﵊: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴿٤٠﴾ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤٠-٤١] ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: " تَرْكُ الدُّعَاءِ لِلْوَالِدَيْنِ يُضَيِّقُ الْعَيْشَ عَلَى الْوَلَدِ، وَهَلْ يُمْكِنُهُ أَنْ يُرْضِيَهُمَا بَعْدَ وَفَاتِهِمَا؟ قِيلَ لَهُ: بَلَى يُرْضِيهُمَا بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ يَكُونَ الْوَلَدُ صَالِحًا فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمَا مِنْ صَلَاحِهِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَصِلَ قَرَابَتَهُمَا وَأَصْدِقَاءَهُمَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُمَا وَيَدْعُوَ لَهُمَا وَيَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا "
١٤٩ - وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ ".
١٥٠ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَقْطَعْ مَنْ كَانَ يَصِلُ أَبَاكَ فَتُطْفِئُ بِذَلِكَ نُورَكَ، فَإِنَّ وُدَّكَ وُدُّ أَبِيكَ» .
١٥١ - وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَلَمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أَبَوَيَّ قَدْ مَاتَا فَهَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّهِمَا عَلَيَّ شَيْءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 110
بَابُ: حَقِّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ
١٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ حَسَنِ بْنِ عِمَارَةَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَنْ يُحْسِنَ اسْمَهُ إِذَا وُلِدَ، وَيُعَلِّمَهُ الْكِتَابَ إِذَا عَقَلَ، وَيُزَوِّجَهُ إِذَا أَدْرَكَ "
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَيْهِ بِابْنِهِ فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي هَذَا يَعُقُّنِي.
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لِلِابْنِ: أَمَا تَخَافُ اللَّهَ فِي عُقُوقِ وَالِدِكَ، فَإِنَّ مِنْ حَقِّ الْوَالِدِ كَذَا، وَمِنْ حَقِّ الْوَالِدِ كَذَا، فَقَالَ الابْنُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَمَا لِلابْنِ عَلَى وَالِدِهِ حَقٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ حَقُّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَنْجِبَ أُمَّهُ.
يَعْنِي لَا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً دَنِيئَةً لِكَيْلَا يَكُونَ لِلْابْنِ تَعْيِيرٌ بِهَا.
قَالَ: وَحُسْنِ اسْمِهِ وَيُعَلِّمَهُ الْكِتَابَ.
فَقَالَ الابْنُ، فَوَاللَّهِ مَا يَكُونُ لِلْابْنِ تَعْيِيرٌ بِهَا.
فَقَالَ الابْنُ، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَنْجَبَ أُمِّي، وَمَا هِيَ إِلَّا سِنْدِيَّةٌ اشْتَرَاهَا بِأَرْبَعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ، وَلَا حَسَّنَ اسْمِي.
سَمَّانِي جَعْلًا ذَكَرَ الْخُفَّاشِ.
وَلَا عَلَّمَنِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ آيَةً وَاحِدَةً.
فَالْتَفَتَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى الْأَبِ وَقَالَ: تَقُولُ ابْنِي يَعُقُّنِي! فَقَدْ عَقَقْتَهُ قَبْلَ أَنْ يَعُقَّكَ.
قُمْ عَنِّي سَمِعْتُ أَبِي , يَحْكِي عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْيَسْكَنْدِيِّ، وَكَانَ مِنْ عُلَمَاءِ سَمَرْقَنْدَ، أَنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي ضَرَبَنِي وَأَوْجَعَنِي.
قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الابْنُ يَضْرِبُ أَبَاهُ؟ ! قَالَ: نَعَمْ ضَرَبَنِي وَأَوْجَعَنِي.
فَقَالَ: هَلْ عَلَّمْتَهُ الْأَدَبَ وَالْعِلْمَ؟ قَالَ: لَا: فَهَلْ عَلَّمْتَهُ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ فَأَيَّ
стр. 111
عَمَلٍ يَعْمَلُ؟ قَالَ الزِّرَاعَةَ.
قَالَ: هَلْ عَلِمْتَ لِأَيِّ شَيْءٍ ضَرَبَكَ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَلَعَلَّهُ حِينَ أَصْبَحَ وَتَوَجَّهَ إِلَى الزَّرْعِ وَهُوَ رَاكِبٌ الْحِمَارَ، وَالثِّيرَانُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَالْكَلْبُ مِنْ خَلْفِهِ، وَهُوَ لَا يُحْسِنُ الْقُرْآنَ فَتَغَنَّى وَتَعَرَّضْتَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، فَظَنَّ أَنَّكَ بَقَرَةٌ، فَاحْمَدِ اللَّهَ حَيْثُ لَمْ يَكْسِرْ رَأْسَكَ وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَضْرِبُ أَبَاهُ فِي مَوْضِعٍ، فَقِيلَ لَهُ مَا هَذَا؟ فَقَالَ الْأَبُ خَلُّوا عَنْهُ، فَإِنِّي كُنْتُ أَضْرِبُ أَبِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَابْتُلِيتُ بِابْنِي يَضْرِبُنِي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، هَذَا بِذَاكَ وَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ عَصَى وَالِدَيْهِ لَمْ يَرَ السُّرُورَ مِنْ وَلَدِهِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ فِي الْأُمُورِ لَمْ يَصِلْ إِلَى حَاجَتِهِ، وَمَنْ لَمْ يُدَارِ أَهْلَهُ ذَهَبَتْ لَذَّةُ عَيْشِهِ
١٥٣ - وَرَوَى الشَّعْبِيُّ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ وَالِدًا أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ» يَعْنِي لَا يَأْمُرُهُ بِأَمْرٍ يَخَافُ مِنْهُ أَنْ يَعْصِيَهُ فِيهِ.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْمُرُ ابْنَهُ بِأَمْرٍ، وَكَانَ إِذَا احْتَاجَ إِلَى شَيْءٍ يَأْمُرُ غَيْرَهُ.
فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنِّي لَوْ أَمَرْتُ ابْنِي بِذَلِكَ يَعْصِينِي فِي ذَلِكَ، فِيَسْتَوْجِبَ النَّارَ، وَأَنَا لَا أُحْرِقُ ابْنِي بِالنَّارِ.
وَرُوِيَ عَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ نَحْوَ هَذَا.
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
تَمَامُ الْمُرُوءَةِ مِنْ بَرَّ وَالِدَيْهِ وَوَصَلَ رَحِمَهُ وَأَكْرَمَ إِخْوَانَهُ وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ وَخَدَمِهِ، وَأَحْرَزَ دِينَهُ وَأَصْلَحَ مَالَهُ وَأَنْفَقَ مِنْ فَضْلِهِ وَحَفِظَ لِسَانَهُ وَلَزِمَ بَيْتَهُ.
يَعْنِي يَكُونُ مُقْبِلًا عَلَى عَمَلِهِ وَلَا يَجْلِسُ مَعَ أَهْلِ الْفُضُولِ.
١٥٤ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " أَرْبَعٌ مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ: أَنْ تَكُونَ زَوْجَتُهُ صَالِحَةً، وَأَوْلَادُهُ أَبْرَارًا، وَخُلَطَاؤُهُ صَالِحِينَ، وَأَنْ يَكُونَ رِزْقُهُ فِي بَلَدِهِ "
стр. 112
١٥٥ - وَرَوَى يَزِيدُ الرُّقَاشِيُّ , عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: سَبْعٌ يُؤْجَرُ فِيهِنَّ مِنْ بَعْدِهِ: مَنْ بَنَي مَسْجِدًا فلَهُ أَجْرُهُ مَا دَامَ أَحَدٌ يُصَلِّي فِيهِ، وَمَنْ أَجْرَى نَهْرًا فَمَا دَامَ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ وَيَشْرَبُ مِنْهُ النَّاسُ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ، وَمَنْ كَتَبَ مُصْحَفًا وَأَحْسَنَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَا دَامَ يَقْرَأُ فِيهِ أَحَدٌ، وَمَنِ اسْتَخْرَجَ عَيْنًا يُنْتَفَعُ بِمَائِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا مَا بَقِيَتْ، وَمَنْ غَرَسَ غَرْسًا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ فِيمَا أَكَلَ النَّاسُ مِنْهُ وَالطَّيْرُ، وَمَنْ عَلِمَ عِلْمًا كَذَلِكَ، وَمَنْ تَرَك وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ وَيَدْعُونَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ، يَعْنِي إِذَا كَانَ الْوَلَدُ صَالِحًا وَقَدْ عَلَّمَهُ الْأَبُ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ، فَيَكُونُ أَجْرُهُ لِوَالِدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ وَلَدِهِ شَيْءٌ، فَإِذَا كَانَ الْوَالِدُ لَا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُهُ طَرِيقَ الْفِسْقِ، يَكُونُ وِزْرُهُ عَلَى أَبِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ وِزْرِ وَلَدِهِ شَيْءٌ.
١٥٦ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ بِخَيْرٍ "
стр. 113
بَابُ: صِلَةِ الرَّحِمِ
١٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسٌ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ عُثْمَانَ , عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ , عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: عَرَضَ أَعْرَابِيٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ أَوْ خِطَامَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ»
١٥٨ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيٌّ السَّرْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَحْوَصِ , حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ عَفَّانَ، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ سَعِيدٍ النَّخَعِيُّ , عَنْ سَلْمَانَ بْنِ يَزِيدَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: كَنَّا جُلُوسًا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يُجَالِسْنِي مَنْ أَمْسَى قَاطِعَ الرَّحِمِ لِيَقُمْ عَنَّا» .
فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ إِلَّا رَجُلٌ كَانَ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقَةِ، فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ.
ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا لَكَ لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنَ الْحَلْقَةِ غَيْرُكَ؟» قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ سَمِعْتُ الَّذِي قُلْتَ، فَأَتَيْتُ خَالَةً لِي كَانَتْ تُصَارِمُنِي، أَيْ تُقَاطِعُنِي، فَقَالَتْ: مَا جَاءَ بِكَ؟ مَا هَذَا مِنْ دَأْبِكَ! فَأَخْبَرْتُهَا بِالَّذِي قُلْتَ، فَاسْتَغْفَرَتْ لِي وَاسْتَغْفَرْتُ لَهَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَحْسَنْتَ اجْلِسْ إِلَّا إِنَّ الرَّحْمَةَ لا تَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ رَحِمٍ»
стр. 114
فِي الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قَطْعَ الرَّحِمِ ذَنْبٌ عَظِيمٌ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الرَّحْمَةَ عَنْهُ وَعَمَّنْ كَانَ جَلِيسَهُ.
فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتُوبَ مِنْ قَطْعِ الرَّحِمِ وَيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَصِلَ رَحِمَهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَيَّنَ فِي هَذَا الْخَبَرِ الَأوَّلِ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَتُبَاعِدُهُ مِنَ النَّارِ.
١٥٩ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ حَسَنَةٍ أَعْجَلُ ثَوَابًا مِنْ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَمَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، مَعَ مَا يُدَّخَرُ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ»
١٦٠ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسٌ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَأَةَ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ شُعَيْبٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ لِي أَرْحَامًا، أَصِلُ وَيَقْطَعُونِي، وَأَعْفُو وَيَظْلِمُونِي، وَأُحْسِنُ وَيُسِيئُونِي، أَفَأُكَافِئُهُمْ؟ قَالَ: «لَا إِذْنَ تَشْتَرِكُونَ جَمِيعًا، وَلَكِنْ خُذْ بِالْفَضْلِ وَصِلْهُمْ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ مَعَكَ ظَهِيرٌ مِنَ اللَّهِ مَا كُنْتَ عَلَى ذَلِكَ»
وَيُقَالُ: ثَلَاثَةٌ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الْكَرِيمِ: الْإِحْسَانُ إِلَى الْمُسِيءِ، وَالْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَالْبَذْلُ لِمَنْ حَرَمَهُ
قَالَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا فَارِسٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا أَصْرَمُ بْنُ حَوْشَبَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] ، قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَصِلُ رَحِمَهُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَيَزِيدُ اللَّهُ فِي عُمْرِهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَقْطَعُ رَحِمَهُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلَاثُونَ سَنَةً فَيَحُطُّهُ اللَّهُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ»
١٦١ - وَرَوَى ثَوْبَانُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ،
стр. 115
وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: مَنِ اتَّقَى رَبَّهُ وَوَصَلَ رَحِمَهُ أُنْسِئَ لَهُ فِي عُمْرِهِ، يَعْنِي يُزَادُ فِي عُمْرِهِ، وَثُرَّى لَهُ مَالُهُ، يَعْنِي كَثُرَ، وَأَحَبَّهُ أَهْلُهُ.
قَدِ اخْتَلَفُوا فِي زِيَادَةِ الْعُمْرِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْخَبَرُ عَلَى ظَاهِرِهِ أَنَّ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ يُزَادُ فِي عُمْرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُزَادُ فِي الْأَجَلِ الَّذِي أُجِّلَ لَهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] ، وَلَكِنْ مَعْنَى زِيَادَةُ الْعُمْرِ أَنْ يُكْتَبَ ثَوَابُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَإِذَا كُتِبَ لَهُ ثَوَابُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَأَنَّهُ يَزِيدُ فِي عُمْرِهِ
١٦٢ - وَرَوَى سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اتَّقُوا اللَّهَ وَصِلُوا الرَّحِمَ فَإِنَّهُ أَبْقَى لَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَخَيْرٌ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» .
وَكَانَ يُقَالُ: إِذَا كَانَ لَكَ قَرِيبٌ فَلَمْ تَمْشِ إِلَيْهِ بِرِجْلِكَ، وَلَمْ تُعْطِهِ مِنْ مَالِكَ، فَقَدْ قَطَعْتَهُ.
وَفِي بَعْضِ الصُّحُفِ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ صِلْ رَحِمَكَ بِمَالِكَ، فَإِنْ بَخِلْتَ بِمَالِكَ أَوْ قَلَّ مَالُكَ: فَامْشِ إِلَيْهِ بِرِجْلِكَ.
١٦٣ - وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلَامِ» وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ الْكَافِرُ وَالْمُسْلِمُ فِيهِنَّ سَوَاءٌ، مَنْ عَاهَدْتَهُ ثِقْ لَهُ بِعَهْدِكَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، فَإِنَّمَا الْعَهْدُ لِلَّهِ.
وَمَنْ كَانَتْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ فَصِلْهُ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
وَمَنِ ائْتَمَنَكَ عَلَى أَمَانَةٍ فَأَدِّهَا، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَالَّذِي فَلَقَ الْبَحْرَ لِمُوسَى ﵊، وَبَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ، اتَّقِ رَبَّكَ، وَصِلْ رَحِمَكَ، أُمِدَّ لَكَ فِي عُمْرِكَ وَأُيَسِّرْكَ فِي يُسْرِكَ، وَأَصْرِفْ عَنْكَ عُسْرَكَ.
стр. 116
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِصِلَةِ الرَّحِمِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] ، يَعْنِي اخْشَوُا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ الْحَاجَاتِ.
وَالْأَرْحَامَ، يَعْنِي اتَّقُوا الْأَرْحَامَ فَصِلُوهَا وَلَا تَقْطَعُوهَا.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٦] ، يَعْنِي أَعْطِهِ حَقَّهُ مِنَ الصِّلَةِ وَالْبِرِّ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] ، يَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ، وَهُوَ شِهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَيَأْمُرُ بِالْإِحْسَانِ يَعْنِي إِلَى النَّاسِ.
وَالْعَفْوِ عَنْهُمْ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى.
يَعْنِي يَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ.
فَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، ثُمَّ نَهَى عَنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ.
فَقَالَ : ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠] ، الْفَحْشَاءُ: الْمَعَاصِي.
وَالْمُنْكَرُ مَا لَا يُعْرَفُ فِي شَرِيعَةٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَالْبَغْيُ الِاسْتِطَالَةُ عَلَى النَّاسِ.
يَعِظُكُمْ يَعْنِي يَأْمُرُكُمْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءَ الثَّلَاثَةِ وَيَنْهَاكُمْ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ، يَعْنِي لِكَيْ تَتَّعِظُوا.
١٦٤ - وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدِيقًا لِي، وَمَا أَسْلَمْتُ إِلَّا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأَنَّهُ كَانَ يَدْعُونِي إِلَى اللَّهِ فَأَسْلَمْتُ، وَلَمْ يَكُنْ يَسْتَقِرُّ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي، فَجَلَسْتُ عِنْدَهُ يَوْمًا يُحَدِّثُنِي، إِذْ أَعْرَضَ عَنِّي فَكَأَنَّهُ يُحَدِّثُ أَحَدًا بِجَنْبِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: " نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ ﵊ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] ، فَسُرِرْتُ بِذَلِكَ وَاسْتَقَرَّ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي.
فَقُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ وَأَتَيْتُ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: كُنْتُ عِنْدَ بْنِ أَخِيكَ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ.
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: تَابِعُوا مُحَمَّدًا تُفْلِحُوا وَتَرْشُدُوا، وَاللَّهِ إِنَّ ابْنَ أَخِي يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، لَئِنْ كَانَ صَادِقًا أَوْ كَاذِبًا لَا يَدْعُوكُمْ إِلَّا إِلَى الْخَيْرِ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَطَمِعَ فِي إِسْلَامِهِ.
فَأَتَى إِلَيْهِ وَدَعَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَى أَنْ يُسْلِمَ.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] ، فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ صِلَةَ الرَّحِمِ.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴿٢٢﴾ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٢-٢٣] ، يَعْنِي الَّذِينَ يَقْطَعُونَ الرَّحِمَ
стр. 117
١٦٥ - وَيُقَالُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الرَّحِمَ قَالَ: أَنَا الرَّحْمَنُ وَأَنْتِ الرَّحِمُ، أَقْطَعُ مَنْ قَطَعَكِ، وَأَصِلُ مَنْ وَصَلَكِ.
١٦٦ - وَذُكِرَ أَنَّ الرَّحِمَ مُعَلَّقٌ بِالْعَرْشِ يُنَادِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ يَا رَبِّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي فِيكَ، وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي فِيكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا أَظْهَرَ النَّاسُ الْعِلْمَ، وَضَيَّعُوا الْعَمَلَ، وَتَحَابُّوا بِالْأَلْسُنِ، وَتَبَاغَضُوا بِالْقُلُوبِ، وَتَقَاطَعُوا بِالْأَرْحَامِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ.
حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ حَمْزَةَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا حَامِدٌ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ , قَالَ: " كَانَ عِنْدَنَا بِمَكَّةَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَكَانَ النَّاسُ يُودِعُونَهُ وَدَائِعَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَأَوْدَعَهُ عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارٍ، وَخَرَجَ الرَّجُلُ فِي حَاجَتِهِ فَقَدِمَ الرَّجُلُ مَكَّةَ.
وَقَدْ مَاتَ الْخُرَاسَانِيُّ، وَسَأَلَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ عَنْ مَالِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُم بِهِ عِلْمٌ، فَقَالَ الرَّجُلُ لِفُقَهَاءِ مَكَّةَ وَكَانُوا يَوْمَئِذٍ مُجْتَمِعِينَ مُتَوَافِرِينَ: أَوْدَعْتُ فُلَانًا عَشْرَةَ آلَافِ دِينَارَ وَقَدْ مَاتَ، وَسَأَلْتُ وَلَدَهُ وَأَهْلَهُ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِهَا عِلْمٌ فَمَا تَأْمُرُونَنِي، فَقَالُوا: نَحْنُ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْخُرَاسَانِيُّ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ ثُلُثَهُ أَوْ نِصْفَهُ، فَأْتِ زَمْزَمَ فَاطْلُعْ فِيهَا وَنَادِ يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ، أَنَا صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ، فَأَتَاهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، نَحْنُ نَخْشَى أَنْ يَكُونَ صَاحِبُكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأْتِ الْيَمَنَ فَإِنَّ فِيهَا وَادِيًا يُقَالُ لَهُ: بُرْهُوتٌ، وَبِهِ بِئْرٌ فَاطْلُعْ فِيهَا إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُهُ، فَنَادِ يَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَنَا صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ فَأَجَابَهُ فِي أَوَّلِ صَوْتٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا أَنْزَلَكَ هَهُنَا وَقَدْ كُنْتَ صَاحِبَ خَيْرٍ؟ قَالَ: كَانَ لِي أَهْلُ بَيْتٍ بِخُرَاسَانَ فَقَطَعْتُهُمْ حَتَّى مُتُّ، فَآخَذَنِي اللَّهُ بِذَلِكَ فَأَنْزَلَنِي هَذَا الْمَنْزِلَ، فَأَمَّا مَالُكَ فَهُوَ عَلَى حَالِهِ، وَإِنِّي لَمْ أَئْتَمِنْ
стр. 118
وَلَدِي عَلَى مَالِكَ، فَدَفَنْتُهُ فِي بَيْتِ كَذَا، فَقُلْ لِوَلَدِي يُدْخِلُكَ فِي دَارِي، ثُمَّ سِرْ إِلَى الْبَيْتِ فَاحْفُرْ فَإِنَّكَ سَتَجِدُ مَالَكَ.
فَرَجَعَ فَوَجَدَ مَالَهُ عَلَى حَالِهِ "
إِذَا كَانَ الرَّجُلُ عِنْدَ قَرَابَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ غَائِبًا عَنْهُمْ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصِلَهُمْ بِالْهَدِيَّةِ وَبِالزِّيَارَةِ، فإن لم يقدر على الصلة بالمال فليصلهم بالزيارة والإعانة في أعمالهم إن احتاجوا، وإن كان غائبا يصلهم بالكتاب إليهم، فإن قدر على المسير إليهم كان المسير أفضل.
واعلم بِأَنَّ فِي صِلَةِ الرَّحِمِ عَشْرَ خِصَالٍ مَحْمُودَةٍ، أَوَّلُهَا أَنَّ فِيهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ أَمَرَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ.
وَالثَّانِي: إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ إِدْخَالُ السُّرورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ.
وَالثَّالِثُ أَنَّ فِيهَا فَرَحَ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُمْ يَفْرَحُونَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ.
وَالرَّابِعُ أَنَّ فِيهَا حُسْنَ الثَّنَاءِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ.
وَالْخَامِسُ أَنَّ فِيهَا إِدْخَالَ الْغَمِّ عَلَى إِبْلِيسَ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ، وَالسَّادِسُ: زِيَادَةٌ فِي الْعُمْرِ.
وَالسَّابِعُ: بَرَكَةٌ فِي الرِّزْقِ.
وَالثَّامِنُ: سُرورُ الْأَمْوَاتِ.
لِأَنَّ الْآبَاءَ وَالْأَجْدَادَ يُسَرُّونَ بِصِلَةِ الرَّحِمِ وَالْقَرَابَةِ.
وَالتَّاسِعُ: زِيَادَةٌ فِي الْمَوَدَّةِ، لِأَنَّهُ إِذَا وَقَعَ لَهُ سَبَبٌ مِنَ السُّرورِ وَالْحُزْنِ يَجْتَمِعُونَ إِلَيْهِ وَيُعِينُونَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَكُونُ لَهُ زِيَادَةً فِي الْمَوَدَّةِ.
وَالْعَاشِرُ: زِيَادَةُ الْأَجْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّهُمْ يَدْعُونَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ كُلَّمَا ذَكَرُوا إِحْسَانَهُ.
قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فِي ظِلِّ عَرْشِ الرَّحْمَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: وَاصِلُ الرَّحِمِ يُمَدُّ لَهُ فِي عُمْرِهِ وَيُوَسَّعُ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَرِزْقِهِ.
وَامْرَأَةٌ مَاتَ زَوْجُهَا وَتَرَكَ يَتَامَى فَتَقُومُ هِيَ عَلَى الْأَيْتَامِ حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ أَوْ يَمُوتُوا.
وَالرَّجُلُ اتَّخَذَ طَعَامًا فَدَعَا إِلَيْهِ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ
стр. 119
١٦٨ -
وَرَوَى الْحَسَنُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا خَطَا عَبْدٌ خُطْوَتَيْنِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْخُطْوَةِ إِلَى صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَخُطْوَةٍ إِلَى ذِي الَّرِحِم الْمَحْرَمِ» .
وَيُقَالُ: خَمْسَةُ أَشْيَاءَ، مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهَا زِيدَ فِي حَسَنَاتِهِ مِثْلَ الْجِبَالَ الرَّاسِيَاتِ، وَيُوَسِّعُ اللَّهُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ.
أَوَّلُهَا مَنْ دَاوَمَ عَلَى الصَّدَقَةِ، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، وَمَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ دَاوَمَ عَلَى الْوُضُوءِ وَلَمْ يُسْرِفْ فِي صَبِّ الْمَاءِ، وَمَنْ أَطَاعَ وَالِدَيْهِ وَدَاوَمَ عَلَى طَاعَتِهِمَا.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 120
بَابُ: حَقِّ الْجَارِ
١٦٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا أَنْعَمُ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحَبْلِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «سَبْعَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَيَقُولُ لَهُمُ ادْخُلُوا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ، الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، يَعْنِي اللُّوَاطَةَ، وَالنَّاكِحَ يَدَهُ، وَنَاكِحَ الْبَهِيمَةِ، وَنَاكِحَ الْمَرْأَةَ فِي دُبُرِهَا، وَجَامِعَ الْمَرْأَةِ وَابْنَتَهَا، وَالزَّانِي بِحَلِيلَةِ جَارِهِ، وَالسَّابِعُ الْمُؤْذِي جَارَهُ، حَتَّى يَلْعَنَهُ النَّاسُ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ بِشُرُوطِهَا»
١٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّابَاذِيُّ، حَدَّثَنَا فَارِسٌ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ بِشْرٍ بْنِ سَلْمَانَ , عَنْ عُبَيْدٍ , عَنْ أَبَانَ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَجَلِيُّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَلَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» .
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا بَوَائِقُهُ؟ قَالَ: «غِشُّهُ وَظُلْمُهُ»
١٧١ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ دَاوُدَ بْنُ ظُهَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ،
стр. 121
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْقَاسِمِ , عَنْ مُوسَى , عَنْ عُبَيْدٍ الْيَزِيدِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «حُرْمَةُ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ أُمِّهِ»
١٧٢ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ بِشْرٍ بْنِ سَلْمَانَ، عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بْنُ الْعَاصِ لِغُلَامِهِ: «اذْبَحِ الشَّاةَ وَأَطْعِمْ جَارَنَا الْيَهُودِيَّ» .
ثُمَّ تَحَدَّثَ سَاعَةً، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ إِذَا ذَبَحْتَ الشَّاةَ فَأَطْعِمْ جَارَنَا الْيَهُودِيَّ» .
فَقَالَ الْغُلَامُ: قَدْ آذَيْتَنَا بِجَارِكَ هَذَا الْيَهُودِيِّ.
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: «وَيْحَكَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ يُوصِينَا بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»
١٧٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنُ رَوْزَيْهِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ خشنان الثَّوْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، عَنْ مَالِكٍ , عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ»
١٧٤ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ , بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ؟ قَالَ: «إِنِ اسْتَقْرَضَكَ أَقْرَضْتَهُ، وَإِنْ دَعَاكَ أَجَبْتَهُ، وَإِنْ مَرِضَ عُدْتَهُ، وَإِنِ اسْتَعَانَ بِكَ أَعَنْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ عَزَّيْتَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ هَنَّيْتَهُ , وَإِنْ مَاتَ شَهِدْتَهُ، وَإِنْ غَابَ حَفِظْتَهُ، يَعْنِي مَنْزِلَهُ وَعِيَالَهُ، وَلَا تُؤْذِهِ بِقِتَارِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تُهْدِيَ إِلَيْهِ»
стр. 122
وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ زِيَادَةٌ عَلَى هَذِهِ التِّسْعَةِ، وَالْعَاشِرُ أَنْ لَا تُطِيلَ بِنَاءَكَ عَلَيْهِ إِلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ
١٧٥ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَزَالُ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»
١٧٦ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ يُمِيتُ الْقَلْبَ» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: ٣٦] ، يَعْنِي وَحِّدُوا اللَّهَ وَاعْبُدُوهُ وَلَا تَتَّخِذُوا لَهُ شَرِيكًا.
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا يَعْنِي أَحْسِنُوا إِلَى الْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا.
﴿وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [النساء: ٣٦] ، يَعْنِي أَحْسِنُوا ذَوِي الْقُرْبَى بِالصِّلَةِ وَالْهَدِيَّةِ، وَإِلَى الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ بِالصَّدَقَةِ وَبِالْقَوْلِ الْجَمِيلِ.
﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: ٣٦] ، يَعْنِي الضَّيْفَ النَّازِلَ وَهُوَ مَارٌّ بِالطَّرِيقِ.
﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النساء: ٣٦] ، يَعْنِي أَحْسِنُوا إِلَى الْجَارِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ.
﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] ، يَعْنِي الْجَارِ الَّذِي هُوَ أَجْنَبِيٌّ لَا قَرَابَةَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ.
١٧٧ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ: فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ حَقَّانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ، فَأَمَّا الْجَارُ الَّذِي لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ فَجَارُكَ الْقَرِيبُ الْمُسْلِمُ، وَأَمَّا الْجَارُ الَّذِي لَهُ حَقَّانِ فَجَارُكَ الْمُسْلِمُ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَجَارُكَ الذِّمِّيُّ ".
يَعْنِي إِذَا كَانَ الْجَارُ قَرِيبَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ فَلَهُ حَقُّ الْقَرَابَةِ، وَحَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقَّانِ فَالْجَارُ الْمُسْلِمُ فَلَهُ حَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الْجِوَارِ، وَأَمَّا
стр. 123
الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَجَارُكَ الذِّمِّيُّ فَلَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ حَقُّ الْجَارِ وَإِنْ كَانَ ذِمِّيًّا
١٧٨ - قَالَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَوْصَانِي خَلِيلِي مُحَمَّدٌ ﷺ بِثَلَاثٍ قَالَ: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِعَبْدٍ مَجْدُوعِ الْأَنْفِ، فَإِذَا صَنَعْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، ثُمَّ انْظُرْ إِلَى أَهْلِ بَيْتِ جِيرَانِكَ فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَرَقَتِكَ، وَصَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا» .
وَيُقَالُ: مَنْ مَاتَ وَلَهُ جِيرَانٌ ثَلَاثَةٌ، كُلُّهُمْ رَاضُونَ عَنْهُ، غُفِرَ لَهُ.
١٧٩ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَيْهِ يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُفَّ أَذَاكَ عَنْهُ وَاصْبِرْ عَلَى أَذَاهُ، وَكَفَى بِالْمَوْتِ فَرَّاقًا» .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لَيْسَ حُسْنُ الْجِوَارِ كَفُّ الْأَذَى عَنِ الْجَارِ، وَلَكِنْ حُسْنُ الْجِوَارِ الصَّبْرُ عَلَى الْأَذَى مِنَ الْجَارِ.
وَقَالَ عَمْروٌ بْنُ الْعَاصِ: لَيْسَ الْوَاصِلُ الَّذِي يَصِلُ مَنْ وَصَلَهُ وَيَقْطَعُ مَنْ قَطَعَهُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ الْمُنْصِفُ، وَإِنَّمَا الْوَاصِلُ الَّذِي يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ وَيَعْطِفُ عَلَى مَنْ جَفَاهُ، وَلَيْسَ الْحَلِيمُ الَّذِي يَحْلُمُ عَنْ قَوْمِهِ مَا حَلِمُوا عَنْهُ، فَإِذَا جَهِلُوا عَلَيْهِ جَاهَلَهُمْ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ الْمُنْصِفُ إِنَّمَا الْحَلِيمُ الَّذِي يَحْلُمُ إِذَا حَلِمُوا فَإِذَا جَهِلُوا عَلَيْهِ حَلُمَ عَنْهُمْ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى أَذَى الْجَارِ وَلَا يُؤْذِي جَارَهُ، وَيَكُونُ بِحَالٍ يَكُونُ جَارُهُ آمِنًا مِنْهُ، وَأَمَانُهُ لِجَارِهِ يَكُونُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بِالْيَدِ وَبِاللِّسَانِ وَبِالْعَوْرَةِ.
فَأَمَّا أَمَانُهُ بِلِسَانِهِ فَهُوَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ جَارُهُ لَسَكَتَ، أَوْ لَوْ بَلَغَ إِلَى جَارِهِ لَاسْتَحَى مِنْهُ، وَأَمَّا أَمَانُهُ بِيَدِهِ، فَهُوَ أَنَّ جَارَهُ لَوْ كَانَ بِالسُّوقِ وَتَذَكَّرَ أَنَّ كِيسَهُ نَسِيَهُ فِي مَنْزِلِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ وَيَقُولُ مَنْزِلُهُ وَمَنْزِلِي سَوَاءٌ، وَأَمَّا أَمَانُهُ بِالْعَوْرَةِ فَهُوَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي السَّفَرِ فَبَلَغَهُ أَنَّ جَارَهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، لَسَكَنَ قَلْبُهُ وَفَرِحَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ " ثَلَاثَةُ أَخْلَاقٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُسْتَحَبَّةً وَالْمُسْلِمُونَ أَوْلَى بِهَا،
стр. 124
أَوَّلُهَا لَوْ نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ لَاجْتَهَدُوا فِي بِرِّهِ.
وَالثَّانِي لَوْ كَانَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمُ امْرَأَةٌ كَبَرَتْ عِنْدَهُ لَا يُطَلِّقُهَا، وَيُمْسِكُهَا مَخَافَةَ أَنْ تَضِيعَ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا لَحِقَ بِجَارِهِمْ دَيْنٌ، أَوْ أَصَابَهُ شِدَّةٌ أَوِ جَهْدٌ، اجْتَهَدُوا حَتَّى يَقْضُوا دَيْنَهُ وَأَخْرَجُوه مِنْ تِلْكَ الشِّدَّةِ "
١٨٠ - وَرَوَى أَنَسٌ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْجَارَ يَتَعَلَّقُ بِجَارِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ وَسَّعْتَ عَلَى أَخِي هَذَا، وَقَتَّرْتَ عَلَيَّ، أُمْسِي جَائِعًا وَيُمْسِي هَذَا شَبْعَانًا، فَسَلْهُ لِمَ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونِي وَحَرَمَنِي مَا قَدْ وَسَّعْتَ عَلَيْهِ» ؟ .
وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ , أَنَّهُ قَالَ: عَشْرَةُ أَشْيَاءَ مِنَ الْجَفَاءِ: أَوَّلُهَا رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ يَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلَا يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ وَالْمُؤْمِنِينَ.
وَالثَّانِي رَجُلٌ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَلَا يَقْرَأُ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ آيَةً.
وَالثَّالِثُ: رَجُلٌ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ.
وَالرَّابِعُ: رَجُلٌ يَمُرُّ عَلَى الْمَقَابِرِ وَلَمْ يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ.
وَالْخَامِسُ رَجُلٌ دَخَلَ مَدِينَةً فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ، ثُمَّ خَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ الْجُمْعَةَ.
وَالسَّادِسُ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ نَزَلَ فِي مَحِلَّتِهِمَا عَالَمٌ، وَلَمْ يَذْهَبْ إِلَيْهِ أَحَدٌ لِيَتَعَلَّمَ مِنْهُ شَيْئًا مِنَ الْعِلْمِ.
وَالسَّابِعُ رَجُلَانِ تَرَافَقَا وَلَمْ يَسْأَلْ أَحَدُهُمَا عَنِ اسْمِ صَاحِبِهِ.
وَالثَّامِنُ رَجُلٌ دَعَاهُ رَجُلٌ إِلَى ضِيَافَةٍ فَلَمْ يَذْهَبْ إِلَى الضِّيَافَةِ.
وَالتَّاسِعُ شَابٌّ يَضِيعُ شَبَابُهُ وَهُوَ فَارِغٌ وَلَمْ يَطْلُبِ الْعِلْمَ وَالْأَدَبَ.
وَالْعَاشِرُ رَجُلٌ شَبْعَانُ وَجَارُهُ جَائِعٌ وَلَا يُعْطِيهِ شَيْئًا مِنْ طَعَامِهِ.
تَمَامُ حُسْنِ الْجِوَارِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ يُوَاسِيهِ بِمَا عِنْدَهُ.
وَالثَّانِي أَنْ لَا يَطْمَعَ فِيمَا عِنْدَهُ.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَمْنَعَ أَذَاهُ عَنْهُ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى أَذَاهُ
стр. 125
بَابُ: الزَّجْرِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: «يُجَاءُ بِشَارِبِ الْخَمْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُسْوَدًّا وَجْهُهُ، مُزْرَقَّةً عَيْنَاهُ، مُدْلَعًا لِسَانُهُ عَلَى صَدْرِهِ يَسِيلُ لُعَابُهُ، يَسْتَقْذِرُهُ كُلُّ مَنْ يَرَاهُ مِنْ نَتَنِ رَائِحَتِهِ.
لَا تُسَلِّمُوا عَلَى شَرَبَةِ الْخَمْرِ، وَلَا تَعُودُوهُمْ إِذَا مَرِضُوا، وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ إِذَا مَاتُوا» .
وَقَالَ مَسْرُوقٌ: شَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ الْوَثَنِ، وَشَارِبُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، يَعْنِي إِنِ اسْتَحَلَّ شُرْبَهَا وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: لَأَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ نَارٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَشْرَبَ قَدَحًا مِنْ خَمْرٍ
١٨١ - قَالَ حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَحْمُودٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا وَلَمْ
стр. 126
يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ»
قَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» يَعْنِي مَا كَانَ مَطْبُوخًا أَوْ غَيْرَ مَطْبُوخٍ.
١٨٢ - هَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرْقُ فَالْجُرْعَةُ مِنْهُ حَرَامٌ» .
وَالْفَرْقُ سِتَّةُ عَشَرَ رَطْلًا فِي اللُّغَةِ.
شَارِبُ الْخَمْرِ الْمَطْبُوخِ أَعْظَمُ ذَنْبًا وَإِثْمًا مِنْ شَارِبِ الْخَمْرِ، لِأَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ يَكُونُ عَاصِيًا فَاسِقًا.
وَمَنْ شَرِبَ الْمَطْبُوخَ يُخَافُ أَنْ يَصِيرَ كَافِرًا لِأَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَهُوَ حَرَامٌ، وَشَارِبُ الْمَطْبُوخِ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ وَيَرَاهُ حلَالًا.
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ شُرْبَ الْمُسْكِرِ حَرَامٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ، فَإِذَا اسْتَحَلَّ مَا هُوَ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ صَارَ كَافِرًا
١٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ جَعْفَرَ بْنِ بَرْقَانَ , عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا الْخَمْرَ فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثَ، وَإِنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْعِبَادِ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةُ سُوءٍ، فَأَمَرَتْ جَارِيَتَهَا فَأَدْخَلَتْهُ الْمَنْزِلَ فَأَغْلَقَتِ الْبَابَ وَعِنْدَهَا بَاطِيَةٌ مِنْ خَمْرٍ، وَعِنْدَهَا صَبِيٌّ، فَقَالَتْ لَهُ: لَا تُفَارِقْنِي حَتَّى تَشْرَبَ كَأْسًا مِنْ هَذَا الْخَمْرِ أَوْ تُوَاقِعَنِي أَوْ تَقْتُلَ هَذَا الصَّبِيَّ، وَإِلَّا صِحْتُ يَعْنِي صَرَخَتْ، وَقُلْتُ: دَخَلَ عَلَيَّ فِي بَيْتِي فَمَنِ الَّذِي يُصَدِّقُكَ؟ فَضَعُفَ الرَّجُلُ عِنْدَ ذَلِكَ.
وَقَالَ: أَمَّا الْفَاحِشَةُ فَلَا آتِيهَا، وَأَمَّا النَّفْسُ فَلَا أَقْتُلُهَا، فَشَرِبَ كَأْسًا مِنَ الْخَمْرِ، فَقَالَ زِيدِينِي
стр. 127
فَزَادَتْهُ.
فَوَاللَّهِ مَا بَرِحَ حَتَّى وَاقَعَ الْمَرْأَةَ وَقَتَلَ الصَّبِيَّ "
قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَاجْتَنِبُوهَا فَإِنَّهَا أُمُّ الْخَبَائِثِ.
وَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَا وَالْخَمْرُ فِي قَلْبِ رَجُلٍ إِلَّا يُوشِكُ أَحَدُهُمَا يَجْتَمِعُ الْإِيمَانُ أَنْ يُذْهِبَ الْآخَرَ.
يَعْنِي أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ إِذَا سَكِرَ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ وَيَتَعَوَّدُ لِسَانُهُ بِذَلِكَ، وَيُخَافُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ يَجْرِيَ عَلَى لِسَانِهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ، فَيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى الْكُفْرِ، فَيَبْقَى فِي النَّارِ أَبَدًا، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُنْزَعُ الْإِيمَانُ مِنَ الْعَبْدِ إِنَّمَا يُنْزَعُ عِنْدَ مَوْتِهِ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ الَّتِي فَعَلَهَا فِي حَيَاتِهِ، فَيَبْقَى فِي حَسْرَةٍ وَنَدَامَةٍ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُ خَمْرٍ بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ سَكْرَانُ
١٨٥ - وَرَوَى سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " أَرْبَعَةٌ لَا يَجِدُونَ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ: الْبَخِيلُ وَالْمَنَّانُ وَمُدْمِنُ الْخَمْرِ وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ".
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لُعِنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةٌ: الْعَاصِرُ لَهَا وَالْمَعْصُورَةُ لَهُ، وَشَارِبُهَا وَسَاقِيهَا وَحَامِلُهَا وَالْمَحْمُولَةُ إِلَيْهِ، وَتَاجِرُهَا وَمُتْجِرُهَا، وَبَائِعُهَا وَمُشْتَرِيهَا، وَشَاتِلُهَا يَعْنِي غَارِسُهَا.
١٨٦ - وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «يَخْرُجُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَارِبُ الْخَمْرِ مِنْ قَبْرِهِ أَنْتَنَ مِنَ الْجِيفَةِ، وَالْكُوزُ مُعَلَّقٌ فِي عُنُقِهِ وَالْقَدَحُ بِيَدِهِ، وَيَمْلَأُ مَا بَيْنَ جِلْدِهِ وَلَحْمِهِ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ، وَيَلْبَسُ نَعْلًا مِنْ نَارٍ، فَيَغْلِي دِمَاغُ رَأْسِهِ وَيَجِدُ قَبْرَهُ حُفْرَةً مِنْ حُفَرِ النَّارِ، وَيَكُونُ فِي النَّارِ قَرِينَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ»
١٨٧ - وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَطْعَمَ شَارِبَ الْخَمْرِ لُقْمَةً، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَى جَسَدِهِ حَيَّةً وَعَقْرَبًا، وَمَنْ قَضَى حَاجَتَهُ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ أَقْرَضَهُ قَرْضًا فَقَدْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ، وَمَنْ جَالَسَهُ حَشَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى لَا حَاجَةَ لَهُ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَلَا تُزَوِّجُوهُ، فَإِنْ مَرِضَ فَلَا تَعُودُوهُ، وَإِنْ شَهِدَ فَلَا تَقْبَلُوا شَهَادَتَهُ.
فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيًّا إِنَّهُ مَا
стр. 128
يَشْرَبُ الْخَمْرَ إِلَّا مَلْعُونٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْفُرْقَانِ وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَقَدْ كَفَرَ بِجَمِيعِ مَا أُنْزِلَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ.
وَلَا يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ إِلَّا كَافِرٌ وَمَنِ اسْتَحَلَّ الْخَمْرَ فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» .
وَعَنْ عَطَاءٍ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ كَعْبَ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هَلْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ فِي التَّوْرَاةِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] ، مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ.
إِنَّا أَنْزَلْنَا الْحَقَّ لِيَذْهَبَ بِالْبَاطِلِ، وَيُبْطِلَ بِهِ اللَّعِبَ وَالدُّفَّ وَالْمَزَامِيرَ.
وَالْخَمْرُ وَيْلٌ لِشَارِبِهَا.
أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِزَّتِهِ وَجَلَالِهِ لِمَنِ انْتَهَكَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا عَطَّشْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِمَنْ تَرَكَهَا بَعْدَمَا حَرَّمْتُهَا إِلَّا سَقَّيْتُهُ إِيَّاهَا مِنْ حَظِيرَةِ الْقُدْسِ.
قِيلَ: وَمَا حَظِيرَةُ الْقُدْسِ؟ قَالَ: اللَّهُ هُوَ الْقُدْسُ وَحَظِيرَتُهُ الْجَنَّةُ.
إِيَّاكَ وَشُرْبَ الْخَمْرِ، فَإِنَّ فِيهِ عَشْرَ خِصَالٍ مَذْمُومَةٍ.
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونِ، وَيَصِيرُ ضَحِكَةً لِلصِّبْيَانِ وَمَذَمَّةً عِنْدَ الْعُقَلَاءِ.
كَمَا ذُكِرَ عَن ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ سَكْرَانًا فِي بَعْضِ سِكَكِ بَغْدَادَ يَبُولُ وَهُوَ يَتَمَسَّحُ بِبَوْلِهِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ.
وَذُكِرَ أَنَّ سَكْرَانًا قَاءَ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، وَجَاء كَلْبٌ يَمْسَحُ فَمَهُ وَلِحْيَتَهُ وَهُوَ يَقُولُ لِلْكَلْبِ يَا سَيِّدِي لَا تُفْسِدِ الْمِنْدِيلَ.
الثَّانِي: إِنَّهَا مُتْلِفَةٌ لِلْمَالِ مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ.
كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرِنَا رَأْيَكَ فِي الْخَمْرِ فَإِنَّهَا مُتْلِفَةٌ لِلْمَالِ مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ.
الثَّالِثُ: أَنَّ شُرْبَهَا سَبَبٌ لِلْعَدَاوَةِ بَيْنَ الْإِخْوَانِ وَالْأَصْدِقَاءِ.
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] ، وَهُوَ الْقِمَارُ الرَّابِعُ: أَنَّ شُرْبَهَا يَمْنَعُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] ، يَعْنِي انْتَهُوا عَنْهَا.
стр. 129
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَدِ انْتَهَيْنَا يَا رَبُّ.
الْخَامِسُ: أَنَّ شُرْبَهَا يَحْمِلُهُ عَلَى الزِّنَى؛ لِأَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
السَّادِسُ: أَنَّهُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ سَهُلَ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَعَاصِي.
السَّابِعُ: أَنَّهُ يُؤْذِي حَفَظَتَهُ بِإِدْخَالِهِمْ فِي مَجْلِسِ الْفِسْقِ وَبِوُجُودِ الرَّائِحَةِ الْمُنْتِنَةِ مِنْهُ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْذِيَ مَنْ لَا يُؤْذِيه.
الثَّامِنُ: أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى نَفْسِهِ ثَمَانِينَ جَلْدَةٍ فَإِنْ لَمْ يُضْرَبْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يُضْرَبُ فِي الْآخِرَةِ بِسِيَاطٍ مِنَ النَّارِ عَلَى رُءُوسِ النَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ الْآبَاءُ وَالْأَصْدِقَاءُ.
التَّاسِعُ: أَنَّهُ رَدَّ بَابَ السَّمَاءِ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَا تُرْفَعُ لَهُ حَسَنَاتُهُ وَلَا دُعَاؤُهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُ مُخَاطِرٌ بِنَفْسِهِ لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يُنْزَعَ مِنْهُ الْإِيمَانُ عِنْدَ مَوْتِهِ.
فَهَذِهِ الْعُقُوبَاتُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْعُقُوبَاتِ الْآخِرَةِ، فَأَمَّا عُقُوبَاتُ الْآخِرَةِ فَإِنَّهَا لَا تُحْصَى مِنْ شُرْبِ الْحَمِيمِ وَالزَّقُّومِ وَفَوْتِ الثَّوَابِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَخْتَارَ لَذَّةً قَلِيلَةً وَيَتْرُكَ لَذَّةً طَوِيلَةً.
وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِلٍ بْنِ سُلَيْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴿٨٥﴾ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٥-٨٦] ، أَيْ عِطَاشًا.
قَالَ: يُحْشَرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ.
إِذَا هُمْ بِشَجَرَةٍ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِهَا عَيْنَانِ فَيَشْرَبُونَ مِنْ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ فَلَا يَبْقَى فِي بُطُونِهِمْ قَذَرٌ إِلَّا خَرَجَ مِنَ الْجَوْفِ، ثُمَّ يَأْتُونَ الْعَيْنَ الْأُخْرَى فَيَغْتَسِلُونَ فِيهَا فَلَا يَبْقَى فِي أَجْسَادِهِمْ شَيْءٌ مِمَّا يَكُونُ عَلَى الْجَسَدِ مِنْ وَسَخٍ وَغَيْرِهِ إِلَّا ذَهَبَ.
فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ، ثُمَّ يُؤْتَوْنَ بِنَجَائِبَ مِنَ الْإِبِلِ مِنْ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ، رِجْلَاهَا مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّلَةٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، أَزِمَّتُهَا مِنَ اللُّؤْلُؤِ.
فَيُكْسَى كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ حُلَّتَيْنِ.
لَوْ أَنَّ الْحُلَّةَ مِنْهُمَا أَشْرَقَتْ
стр. 130
لِأَهْلِ الدُّنْيَا لَأَضَاءَتْ لَهُمْ.
وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَفَظَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُدِلُّونَهُ عَلَى مَسَاكِنِهِ فِي الْجَنَّةِ.
فَإِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ رُفِعَ لَهُ قَصْرٌ مِنْ فِضَّةٍ شُرُفُهُ مِنَ الذَّهَبِ.
فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ اسْتَقْبَلَهُ وَصَائِفُ كَثِيرَةٌ كَاللُّؤْلُؤِ الْمَنْثُورِ، مَعَهُمُ الْحُلِيُّ وَالْحُلَلُ وَآنِيَةُ الْفِضَّةِ وَأَكْوَابُ الذَّهَبِ، وَالْمَلَائِكَةُ يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَدْخُلُ، فَإِذَا رَأَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْمَنَازِلِ وَالْكَرَامَةِ، تَهَيَّأَ لِلنُّزُولِ، فَتَقُولُ لَهُ حَفَظَتُهُ مَا تُرِيدُ؟ فَيَقُولُ أُرِيدُ النُّزُولَ إِلَى كَرَامَةِ اللَّهِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: سِرْ فَإِنَّ لَكَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا.
فَإِذَا سَارَ رُفِعَ لَهُ قَصْرٌ مِنْ ذَهَبٍ شُرُفُهُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، فَإِذَا دَنَا مِنْهُ اسْتَقْبَلَتْهُ الْوَصَائِفُ كَاللُّؤْلُؤِ الْمَنْثُورِ، مَعَهُنَّ آنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِنَّ السَّلَامَ، فَيُرِيدُ النُّزُولَ فِيهَا، فَتَقُولُ لَهُ حَفَظَتُهُ سِرْ فَإِنَّ لَكَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، فَإِذَا سَارَ رُفِعَ لَهُ قَصْرٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يُرَى بَاطِنُهُ مِنْ ظَاهِرِهِ، مِنْ صَفَائِهِ فَإِذَا دَنَا اسْتَقْبَلَتْهُ الْوَصَائِفُ، كَمَا اسْتَقْبَلَتْهُ مِنَ الْقَصْرَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، يُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ فَيَرُدُّ عَلَيْهِنَّ السَّلَامَ، فَإِذَا دَخَلَ اسْتَقْبَلَتْهُ حَوْرَاءُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ عَلَيْهَا سَبْعُونَ حُلَّةً، لَا تُشْبِهُ الْحُلَّةُ الْأُخْرَى، لَيْسَ عَلَيْهِ مَفْصِلٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، يُوجَدُ رِيحُهَا مِنْ مَسِيرَةِ مِائَةِ عَامٍ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى وَجْهِهَا أَبْصَرَ وَجْهُهُ فِيهِ مِنْ صَفَاءِ وَجْهِهَا.
فَإِذَا نَظَرَ إِلَى صَدْرِهَا أَبْصَرَ كَبِدَهَا مِنْ رِقَّةِ ثِيَابِهَا، وَيُبْصِرُ مُخَّ سَاقِهَا مِنْ رِقَّةِ عَظْمِهَا وَجِلْدِهَا، وَهِيَ فِي بَيْتٍ فَرْسَخٍ فِي فَرْسَخٍ، وَسُمْكُهُ، أَيْ طُولُهُ، مِثْلُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ آلَافِ مِصْرَاعٍ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهِ بِسَاطٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٌ بِاللُّؤْلُؤِ قَدْ طَبَّقَ الْبَيْتَ، وَفِيهِ سَرِيرٌ عَلَيْهِ مِنَ الْفُرُشِ بِمَنْزِلَةِ سَبْعِينَ غُرْفَةٍ مِنْ غُرَفِ الدُّنْيَا.
فَإِذَا جَلَسَ وَاشْتَهَى الثَّمَرَةَ سَارَتْ إِلَيْهِ الثَّمَرَةُ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهَا أَوْ يَذْهَبَ بِهِ سَرِيرُهُ حَتَّى يَأْكُلَ مِنْهَا.
وَهَذَا كُلُّهُ ثَوَابُ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ شُرْبَ الْخَمْرِ وَالْفَوَاحِشِ.
قَالَ: وَيُسَاقُ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا دَنَوْا مِنْهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ بِمَقَامِعِ الْحَدِيدِ، فَإِذَا دَخَلُوا النَّارَ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ عُضْوٌ إِلَّا لَزِمَهُ عَذَابٌ، إِمَّا حَيَّةٌ تَنْهَشُهُ، أَوْ نَارٌ تَسْفَعُهُ، أَوْ مَلَكٌ يَضْرِبُهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ الْمَلَكُ هَوَى فِي النَّارِ مِقْدَارَ أَرْبَعِينَ عَامًا، لَا يَبْلُغُ قَرَارَهَا، ثُمَّ يَرْفَعُهُ اللَّهَبُ وَيَضْرِبُهُ الْمَلَكُ، فَيَهْوِي فِي النَّارِ فَإِذَا بَدَا بِرَأْسِهِ ضَرَبَهُ الْأُخْرَى وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] .
стр. 131
قَالَ: وَبَلَغَنَا أَنَّهُمْ يُبَدَّلُونَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً، فَإِذَا عَطِشَ نَادَى بِالشَّرَابِ فَيُؤْتَى بِالْحَمِيمِ، فَإِذَا دَنَا مِنْ وَجْهِهِ سَقَطَ لَحْمُ وَجْهِهِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فِي فِيهِ فَيَسْقُطُ أَضْرَاسُهُ وَلِثَاتُهُ ثُمَّ يَدْخُلُ بَطْنَهُ فَيُقَطِّعُ أَمْعَاءَهُ وَيَنْضُجُ جِلْدُهُ.
لِقَوْلِهِ : ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠] ، يَعْنِي يُذَابُ مَا فِي بُطُونِهِمْ، وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، فَيُعَذَّبُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ ثُمَّ يَدْعُونَ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٩] ، فَلَا يُجِيبُونَهُمْ، ثُمَّ يَدْعُونَ مَالِكًا أَرْبَعِينَ عَامًا فَلَا يُجِيبُهُمْ، فَيَقُولُونَ: قَدْ دَعَوْنَا الْخَزَنَةَ وَدَعَوْنَا مَالِكًا فَلَمْ يُجِبْ، هَلُمُّوا فَلْنَجْزَعْ، فَيَجْزَعُونَ، فَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ، ثُمَّ يَقُولُونَ هَلُمُّوا فَلْنَصْبِرْ، فَيَصْبِرُونَ فلَا يُغْنِي عَنْهُمْ.
فَيَقُولُونَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] ، فَهَذَا الْعَذَابُ لِلْكُفَّارِ.
لَكِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ وَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ يُخَافُ أَنْ يَزُولَ عَنْهُ الْإِيمَانُ عِنْدَ مَوْتِهِ فَيَصِيرُ مِنْ جُمْلَةِ الْكَافِرِينَ.
فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَيَنْقَطِعَ عَمَّنْ يَشْرَبُهَا، فَإِنَّهُ إِذَا خَالَطَ شَارِبَ الْخَمْرِ يُخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يصِيبَهُ مِنْ غُبَارِهِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي هَوْلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ مَنْ تَفَكَّرَ فِي هَوْلِ يَوْمٍ الْقِيَامَةِ لَا يَمِيلُ قَلْبُهُ إِلَى شُرْبِ الْخَمْرِ.
وَلَا إِلَى صُحْبَةِ شَارِبِ الْخَمْرِ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الْعَبْدِ إِذَا شَرِبَ شَرْبَةً مِنَ الْخَمْرِ اسْوَدَّ قَلْبُهُ.
فَإِذَا شَرِبَ الثَّانِيَةَ تَبَرَّأَتْ مِنْهُ الْحَفَظَةُ، فَإِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ تَبَرَّأَ مِنْهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَإِذَا شَرِبَ الرَّابِعَةَ تَبَرَّأَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا شَرِبَ الْخَامِسَةَ تَبَرَّأَ مِنْهُ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ .
وَفِي السَّادِسَةِ تَبَرَّأَ مِنْهُ جِبْرِيلُ ﵇، وَفِي السَّابِعَة تَبَرَّأَ مِنْهُ إِسْرَافِيلُ ﵇، وَفِي الثَّامِنَةِ تَبَرَّأَ مِنْهُ مِيكَائِيلُ ﵇ , وَفِي التَّاسِعَةِ تَبَرَّأَتْ مِنْهُ السَّمَوَاتُ، وَفِي الْعَاشِرَةِ تَبَرَّأَتْ مِنْهُ الْأَرْضُ، وَفِي الْحَادِيَةَ عشَرَ تَبَرَّأَتْ مِنْهُ حِيتَانُ الْبَحْرِ، وَفِي الثَّانِيَةِ عَشْرَةَ تَبَرَّأَ مِنْهُ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَفِي الثَّالِثَةِ عَشْرَةَ تَبَرَّأَ مِنْهُ كَوَاكِبُ السَّمَاءِ، وَفِي الرَّابِعَةِ عَشْرَةَ تَبَرَّأَت مِنْهُ الْخَلائِقُ، وَفِي الْخَامِسَةِ عَشْرَةَ أُغْلِقَ عَلَيْه أَبْوَابُ الْجِنَانِ، وَفِي السَّادِسَةِ عَشْرَةَ فُتِّحَتْ عَلَيْهِ أَبْوَابُ النِّيرَانِ، وَفِي السَّابِعَةِ عَشْرَةَ تَبَرَّأَتْ مِنْهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَفِي الثَّامِنَةِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
стр. 132
الْكُرْسِيُّ، وَفِي التَّاسِعَةِ عَشْرَةَ تَبَرَّأَ مِنْهُ الْعَرْشُ، فَإِذَا شَرِبَ الْعِشْرِينَ تَبَرَّأَ مِنْهُ الْجَبَّارُ ﵎
١٨٨ - حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ جَعْفَرٍ وَهُوَ أَبُو نَصْرٍ الدَّبُّوسِيُّ , بِسَمَرْقَنْدَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيٌّ بْنُ عَاصِمٍ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ , عَنْ شَهْرٍ بْنِ حَوْشَبَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَجَعَلَهَا فِي بَطْنِهِ، لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ صَلَاتُهُ سَبْعًا، فَإِنْ هِيَ أَذْهَبَتْ عَقْلَهُ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَإِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا وَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَادَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ» يَعْنِي مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ،
١٨٩ - وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «أَنَّهُ إِذَا شَرِبَ الثَّانِيَةَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاتَهُ وَلَا صَوْمَهُ وَلَا سَائِرَ عَمَلِهِ، أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَإِذَا شَرِبَ الثَّانِيَةَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاتَهُ وَلَا صَوْمَهُ وَلَا سَائِرَ عَمَلِهِ ثَمَانِينَ يَوْمًا، وَإِذَا شَرِبَ الثَّالِثَةَ فَإِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَإِذَا شَرِبَ الرَّابِعَةَ، فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ» .
قِيلَ: وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: «صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ»
١٩٠ - وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا جُعِلَتْ كُلُّهَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ شُرْبَ الْخَمْرِ» .
يَعْنِي إِذَا شَرِبَ الْخَمْرَ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ أَبْوَابَ الْخَطَايَا كُلَّهَا.
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُ , قَالَ: «مَنْ زَوَّجَ كَرِيمَتَهُ مِنْ شَارِبِ الْخَمْرِ فَكَأنَّمَا سَاقَهَا إِلَى الزِّنَى» وَمعْنَاهُ أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ إِذَا سَكِرَ كَثُرَ كَلَامُهُ فِي الطَّلَاقِ، فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
وَيُقَالُ: إِنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ شَبِيهٌ بِعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْخَمْرَ
стр. 133
رِجْسًا وَأَمَرَ بَالِاجْتِنَابِ عَنْهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ : ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠] ، كَمَا قَالَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] وَرَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُطَرِّفٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ مَنْ شَرِبَهَا نَهَارًا أَشْرَكَ بِاللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُمْسِي، وَإِنَّ مَنْ شَرِبَهَا لَيْلًا أَشْرَكَ بِاللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُصْبِحَ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا مَاتَ شَارِبُ الْخَمْرِ فَادْفِنُوهُ وَاحْبِسُونِي، ثُمَّ انْبِشُوا قَبْرَهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ مَصْرُوفًا عَنِ الْقِبْلَةِ فَاقْتُلُونِي.
١٩١ - وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «بَعَثَنِي اللَّهُ تَعَالَى هُدًى وَرَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَبَعَثَنِي لِأَمْحُوَ الْمَعَازِفَ وَالْمَزَامِيرَ وَأَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَوْثَانَ، وَحَلَفَ رَبِّي بِعِزَّتِهِ لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا حَرَّمْتُهَا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَتْرُكُهَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي إِلَّا سَقَيْتُهُ مِنْ حَظِيرَةِ الْقُدْسِ» .
قَالَ أَوْسُ بْنُ سَمْعَانَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَأَجِدُهَا فِي التَّوْرَاةِ مُحَرَّمَةً خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً، وَيْلٌ لِشَارِبِ الْخَمْرِ، وَحَقٌّ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَشْرَبَهَا عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِهِ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ
١٩٢ - وَرَوَى مَالِكٌ , عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْمُنْكَدِرِ , أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الَّذِينَ يُنَزِّهُونَ أَنْفُسَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَنِ اللَّهوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، اجْعَلُوهُمْ فِي رِيَاضِ الْمِسْكِ.
ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَسْمِعُوهُمْ صَوْتَ حَمْدِي وَثَنَائِي، وَأَخْبِرُوهُمْ أَنْ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
١٩٣ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي وَائِلٍ , عَنْ شَقِيقٍ بْنِ سَلَمَةَ , أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى وَلِيمَةٍ فَرَأَى
стр. 134
فِيهَا لَعَّابَيْنِ، فَرَجَعَ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ إِنَّ الْغِنَاءَ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ
١٩٤ - وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ , قَالَ: شَرِبَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْخَمْرَ وَعَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَالُوا هِيَ لَنَا حَلَالٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ بِذَلِكَ وَكَتَبَ عُمَرُ أَنِ ابْعَثْهُمْ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَفْسُدُوا مِنْ قِبَلِكَ.
فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ جَمَعَ لَهُمْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَاوَرَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُمُ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ وَشَرَّعُوا فِي دِينِهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سَاكِتٌ فِي الْقَوْمِ، فَقَالَ لِعَلِيٍّ مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ، وَإِنْ تَابُوا فَاضْرِبْهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، فَاسْتَتَابَهُمْ فَتَابُوا فَضَرَبَهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً
١٩٥ - وَرَوَى عِكْرِمَةُ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، قَالُوا: فَكَيْفَ إِخْوَانُنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣] الْآيَةُ.
يَعْنِي لَا إِثْمَ عَلَى الَّذِينَ شَرِبُوا قَبْلَ التَّحْرِيمِ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 135
بَابُ: الزَّجْرِ عَنِ الْكَذِبِ
١٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ شَقِيقٍ بْنِ سَلَمَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا»
١٩٧ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عِمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: " اعْتَبِرُوا الْمُنَافِقَ بِثَلاثٍ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ، قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]
١٩٨ - قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عِيسَى عَنْ خُشْنَامَ الثَّوْرِيِّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ , عَنْ مَالِكٍ , " أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ الْحَكِيمِ: مَا بَلَغَ بِكَ مَا
стр. 136
نَرَى؟ قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي "
١٩٩ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عِيسَى، حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ , أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: «نَعَمْ» .
فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قَالَ: «نَعَمْ» .
قِيلَ لَهُ أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: «لَا»
٢٠٠ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ , عَنْ عُمَرَ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " اضْمَنُوا سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنُ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ "
قَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ جَمِيعَ الْخَيْرَاتِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءَ وَهِيَ سِتَّةٌ: قَالَ اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ.
فَقَدْ دَخَلَ فِيهِ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ وَغَيْرُهَا.
يَعْنِي إِذَا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَكُونُ قَوْلُهُ صَادِقًا مِنْ نَفْسِهِ وَيَكُونُ صَادِقًا فِي حَدِيثِهِ مَعَ النَّاسِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ.
يَعْنِي الْوَعْدَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَعْدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَأَمَّا الْوَعْدُ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَنْ يَثْبُتَ عَلَى إِيمَانِهِ إِلَى الْمَوْتِ، وَأَمَّا الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَهُوَ أَنْ يَفِيَ بِجَمِيعِ مَا وَعَدَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، فَالْأَمَانَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْآخَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَأَمَّا الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهِيَ الْفَرَائِضُ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَهِيَ أَمَانَةُ اللَّهِ عِنْدَهُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا فِي وَقْتِهَا، وَأَمَّا الْأَمَانَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَهُوَ أَنْ يَأْتَمِنَهُ رَجُلٌ عَلَى مَالِهِ أَوْ عَلَى قَوْلٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفِيَ بِأَمَانَتِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، فَالْحِفْظُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَحْفَظَ فَرْجَهُ عَنِ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ.
стр. 137
وَالثَّانِي أَنْ يَحْفَظَ فَرْجَهُ حَتَّى لَا يَقَعَ بَصَرُ أَحَدٍ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
٢٠١ - «لَعَنَ اللَّهُ النَّاظِرَ وَالْمَنْظُورَ إِلَيْهِ» .
فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَاهَدَ نَفْسَهُ فِي وَقْتِ الِاسْتِنْجَاءِ لِكَيْلَا يَنْظُرَ إِلَيْهِ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَقَوْلُهُ: وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ يَعْنِي غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ، وَعَنِ النَّظَرِ إِلَى مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَعَنِ النَّظَرِ إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الرَّغْبَةِ.
كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [طه: ١٣١] ، وَقَوْلُهُ: وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيْ عَنِ الْحَرَامِ مِنَ الْأَمْوَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَيَصِيرَ بِهَا مُنَافِقًا وَإِنِّي لأَسْمَعُهَا مِنْ أَحَدِكُمْ فِي الْيَوْمِ عَشْرَ مَرَّاتٍ.
يَعْنِي الرَّجُلَ إِذَا كَانَ يَكْذِبُ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نِفَاقِهِ.
فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِينَ، فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَعَوَّدَ الْكَذِبَ يُكْتَبُ عِنْدَ اللَّهِ مُنَافِقًا، وَيَكُونُ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَوِزْرُ مَنِ اقْتَدَى بِهِ
٢٠٢ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَنْصُورٍ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَائِضِيُّ , بِسَمَرْقَنْدَ بِإِسْنَادٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبَ , قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟» فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ رُؤْيَاهُ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا» ؛ فَقُلْنَا: لَا.
قَالَ: " لَكِنِّي أَنَا رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ أَنَّهُ أَتَانِي اثْنَانِ وَأَنَّهُمَا أَخَذَا بِيَدِي فَقَالَا لِيَ: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُسْتَوِيَةً، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ وَآخَرَ قَائِمٍ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، فَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ عَلَى رَأْسِهِ فَيَثْلَغُ بِهَا رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الْحَجَرُ فَيَتْبَعُهُ وَيَأْخُذُهُ فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسَهُ كَمَا كَانَ، فَيَعُودُ عَلَيْهِ رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ عَلَى قَفَاهُ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَإِذَا هُوَ يَأْتِي أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهَهُ فَيَشُقُّ شِدْقَهُ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى قَفَاهُ، وَمِنْخَرِهِ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَا يَفْرُغُ مِنْهُ حَتَّى يَصِحَّ الْجَانِبُ الْأَوَّلُ كَمَا كَانَ، فَيَعُودُ إِلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ.
стр. 138
قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَا لِيَ: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْنَا عَلَى بِنَاءِ رَأْسِهِ مِثْلَ التَّنُّورِ، وَأَسْفَلُهُ وَاسِعٌ.
قَالَ: فَاطَّلَعْتُ فَإِذَا فِيهِ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَإِذَا هُمْ يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِنْ أَسْفَلِ مِنْهُمْ، فَإِذَا أُوقِدَ ارْتَفَعُوا حَتَّى يَكَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا، فَإِذَا خَمَدَتَ رَجَعُوا فِيهَا، فَلَمَّا جَاءَهُمْ ذَلِكَ اللَّهَبُ صَوَّتُوا.
يَعْنِي صَاحُوا فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَؤُلَاءِ؛ قَالَا لِيَ: انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مُعْتَرِضٍ، فِيهِ مَاءٌ أَحْمَرَ لا مِثْلَ الدَّمِ، فَإِذَا فِيهِ، رَجُلٌ يَسْبَحُ وَإِذَا عَلَى شَاطِئِ النَّهْرِ رَجُلٌ قَدْ جَمَعَ حِجَارَةً كَثِيرَةً، قَالَ: فَيَأْتِيهِ السَّابِحُ فَيَفْغُرُ أَيْ يَفْتَحُ لَهُ فَاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، قَالَ: قُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَا لِيَ: انْطَلِقْ فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ، فَإِذَا هُوَ حَوْلَهُ نَارٌ عَظِيمَةٌ يَهُشُّهَا، وَيَسْعَى حَوْلَهَا، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ فَقَالَا لِيَ: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نُورِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، وَإِذَا حَوْلَ ذَلِكَ الرَّجُلِ وِلْدَانٌ كَثِيرٌ، مِنْ أَكْثَرِ مَا رَأَيْتُمْ قَطُّ، فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَا؟ قَالَا لِيَ: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى دَوْحَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أَرَ دَوْحَةً أَعْظَمَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْهَا، فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبَنٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَلَبَنٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَاسْتَفْتَحْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ فَفُتِحَ لَنَا، فَدَخَلْنَا فِيهَا فَأَخْرَجَانِي مِنْهَا فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ مِنْهَا وَأَفْضَلُ، فَبَيْنَمَا أُصَعِّدُ بَصَرِي فَإِذَا قَصْرٌ أَبْيَضُ كَأَنَّهُ رَبَابَةٌ بَيْضَاءُ، قَالَا: ذَلِكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: أَلَا أَدْخُلُهُ؟ قَالَا: أَمَّا الْآنَ فَلَا، وَأَنْتَ دَاخِلُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَجَبًا، فَمَا الَّذِي رَأَيْتُهُ؟ " قَالَا: أَمَّا الْأَوَّلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْلِغُ رَأْسَهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَرْفُضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَشُقُّ شِدْقَهُ إِلَى قَفَاهُ فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الْكِذْبَةَ
стр. 139
فَتَبْلُغُ الْآفَاقَ.
وَأَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ مِثْلَ التَّنُّورِ فَإِنَّهُمُ الزُّنَاةُ وَالزَّوَانِي.
وَأَمَّا الَّذِي يَسْعَى فِي الْبَحْرِ فَهُوَ آكِلُ الرِّبَا.
وَأَمَّا الَّذِي يَسْعَى حَوْلَ النَّارِ فَإِنَّهُ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ أَيْ جَهَنَّمَ.
وَأَمَّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇.
وَأَمَّا الْوِلْدَانِ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ.
وَأَمَّا الدَّارُ الَّتِي دَخَلْتَ أَوَّلًا فَدَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا الدَّارُ الْأُخْرَى فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ وَهَذَا مِيكَائِيلُ ".
فَقَالَ رَجُلٌ: وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ.
قَالَ: «وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ أَيْضًا يَكُونُونَ عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ ﵊»
وَقَدْ جَاءَ فِي أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ أَخْبَارٌ مُخْتَلِفَةٌ قَالَ بَعْضُهُمْ يَكُونُونَ خَدَمًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ، وَبَعْضُهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ بِالْبَصْرَةِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبَّاسٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: «أَصْدَقُ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَشْرَفُ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَشَرُّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ، وَمَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَشَرُّ النَّدَامَةِ نَدَامَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَخَيْرُ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ، وَخَيْرُ الزَّادِ التَّقْوَى، وَالْخَمْرُ جِمَاعُ الْإِثْمِ، وَالنِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ، وَالشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُونِ، وَشَرُّ الْمَكَاسِبِ الرِّبَا، وَأَعْظَمُ الْخَطَايَا اللِّسَانُ الْكَذُوبُ»
٢٠٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ أَبِي حُصَيْنٍ , يَبْلُغُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «الْكَذِبُ لَا يَصْلُحُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ.
فِي الْحَرْبِ، لِأَنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ، وَالرَّجُلُ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَالرَّجُلُ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ» .
стр. 140
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ قَالَ: اعْلَمْ أَنَّ الصِّدْقَ زَيْنُ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّ الْكَذِبَ عَلَامَةُ الْأَشْقِيَاءِ، كَمَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] ، ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿٣٣﴾ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: ٣٣-٣٤] ، وَقَدْ ذَمَّ الْكَاذِبِينَ وَلَعَنَهُمْ فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ [الذاريات: ١٠] ، يَعْنِي لُعِنَ الْكَذَّابُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ، وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
стр. 141
بَابُ: الْغِيبَةِ
٢٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «إِذَا ذَكَرْتَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ» .
قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» .
يَعْنِي قُلْتَ فِيهِ بُهْتَانًا
ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ قُلْتُ إِنَّ فُلَانًا ثَوْبُهُ قَصِيرٌ أَوْ ثَوْبُهُ طَوِيلٌ يَكُونُ غِيبَةً، فَكَيْفَ إِذَا ذَكَرْتُ عَنْ نَفْسِهِ
٢٠٥ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْقَاضِي، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْفُضَيْلِ الْعَابِدِ , عَنْ ابْنِ أَبِي نُجَيْحٍ , قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ امْرَأَةً قَصِيرَةً دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا خَرَجَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا أَقْصَرَهَا! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْتَبْتِهَا» .
قَالَتْ عَائِشَةُ مَا قُلْتُ إِلَّا مَا فِيهَا.
قَالَ: «ذَكَرْتِ أَقْبَحَ مَا فِيهَا» .
٢٠٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ , عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الجُمَّانِيِّ , عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ , عَنْ أَبِي
стр. 142
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ مَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُقْطَعُ اللَّحْمُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، ثُمَّ يُلْقَمُونَهُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: كُلُوا مَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمِ أَخِيكُمْ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ الْهَمَّازُونَ اللَّمَّازُونَ يَعْنِي الْمُغْتَابِينَ "
٢٠٧ - سَمِعْتُ أَبِي يَحْكِي قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَنْزِلِ وَأَصْحَابُهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَزَيْدٌ بْنُ ثَابِتٍ يُحَدِّثُهُمْ بِمَا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقَالُوا لِزَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ: ادْخُلْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقُلْ إِنَّا لَمْ نَأْكُلِ اللَّحْمَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا لِكَيْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اللَّحْمِ، فَلَمَّا قَامَ زَيْد بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِهِمْ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: إِنَّ زَيْدًا قَدْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَ مَا لَقِينَا فَكَيْفَ يَجْلِسُ وَيُحَدِّثُنَا؟ ! فَلَمَّا دَخَلَ زَيْدٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَدَّى الرِّسَالَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «قُلْ لَهُمْ قَدْ أَكَلْتُمُ اللَّحْمَ الْآنَ» فَرَجِعَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ بِهِ.
قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَكَلْنَا اللَّحْمَ مُنْذُ كَذَا، فَرَجِعَ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ قَدْ أَكَلُوا الْآنَ» ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَقَامُوا فَدَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: «الْآنَ قَدْ أَكَلْتُمْ لَحْمَ أَخِيكُمْ، وَأَثَرُ اللَّحْمِ فِي أَسْنَانِكُمْ فَابْزُقُوا حَتَّى تَرَوْا حُمْرَةَ اللَّحْمِ» فَبَزَقُوا الدَّمَ فَتَابُوا وَرَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ
٢٠٨ - وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدِ اغْتَابُوا أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلِذَلِكَ هَاجَتْ هَذِهِ الرِّيحُ الْمُنْتِنَةُ.
» وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ رِيحَ الْغِيبَةِ وَنَتَنَهَا كَانَتْ تَتَبَيَّنُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَتَبَيَّنُ فِي يَوْمِنَا هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّ الْغِيبَةَ قَدْ كَثُرَتْ فِي يَوْمِنَا فَامْتَلَأَتِ الْأُنُوفُ مِنْهَا فَلَمْ تَتَبَيَّنِ الرَّائِحَةُ، وَهِيَ النَّتَنُ وَيَكُونُ مَثَلُ هَذَا مَثَلَ رَجُلٍ
стр. 143
دَخَلَ دَارَ الدَّبَّاغِينَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَرَارِ فِيهَا مِنْ شِدَّةِ الرَّائِحَةِ، وَأَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ يَأْكُلُونَ فِيهَا الطَّعَامَ وَيَشْرَبُونَ الشَّرَابَ، وَلَا تَتَبَيَّنُ لَهُمُ الرَّائِحَةُ لِأَنَّهُ قَدِ امْتَلأَتْ أُنُوفُهُمْ مِنْهَا، كذَلِكَ أَمْرُ الْغِيبَةِ فِي يَوْمِنَا هَذَا
٢٠٩ - وَرَوَى أَسْبَاطٌ , عِنْدِ السُّدِّيِّ , قَالَ.
كَانَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فِي سَفَرٍ مَعَ أُنَاسٍ وَفِيهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَنَزَلُوا مَنْزِلًا فَضَرَبُوا خِيَامَهُمْ وَصَنَعُوا طَعَامَهُمْ، وَنَامَ سَلْمَانُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: مَا يُرِيدُ هَذَا الْعَبْدُ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ إِلَى خِيَامٍ مَضْرُوبَةٍ وَطَعَامٍ مَصْنُوعٍ، ثُمَّ قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ لِسَلْمَانَ انْطَلِقْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَالْتَمِسْ لَنَا إِدَامًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأْخَبَرُه فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ قَدِ ائْتَدَمُوا» ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَقَالُوا مَا طَعِمْنَا بَعْدُ، وَمَا كَذِبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْكُمْ فَأَتَوْهُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدِ ائْتَدَمْتُمْ مِنْ صَاحِبِكُمْ، حِينَ قُلْتُمْ وَهُوَ نَائِمٌ» ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، يَعْنِي مَعْصِيَةً.
قَالَ سُفْيَانُ: الظَّنُّ ظَنَّانُ: ظَنٌّ فِيهِ إِثْمٌ وَظَنٌّ لَيْسَ فِيهِ إِثٌّم.
فَأَمَّا الظَّنُّ الَّذِي فِيهِ إِثْمٌ فَالَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ.
وَأَمَّا الظَّنُّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِثْمٌ، فَمَا يُضْمِرُهُ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِهِ ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وَيَقُولُ وَلَا تَطْلُبُوا عَيْبَ أَخِيكُمْ ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] ، يَعْنِي كَمَا تَكْرَهُوَن أَكْلَ لَحْمَ أَخِيكُمْ مَيْتًا، فَكَذَلِكَ اجْتَنِبُوا ذِكْرَهُ بِالسُّوءِ غَائِبًا.
٢١٠ - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] قَالَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَمَّ مَعَ كُلِّ رَجُلَيْنِ غَنِيَّيْنِ فِي السَّفَرِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قَلِيلَ الشَّيْءِ لِيُصِيبَ مَعَهُمَا مِنْ طَعَامِهِمَا، وَيَتَقَدَّمَهُمَا فِي الْمَنَازِلِ وَيُهَيِّئَ لَهُمَا الْمَنْزِلَ وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا.
وَقَدْ كَانَ ضَمَّ سَلْمَانَ إِلَى رَجُلَيْنِ، فَنَزَلَا مِنَ الْمَنَازِلِ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ يُهَيِّئْ لَهُمَا شيئًا، فَقَالَا لَهُ اذْهَبْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلْ لَنَا فَضْلَ إِدَامٍ.
فَانْطَلَقَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ حِينَ غَابَ عَنْهُمَا، أَنَّهُ لَوِ انْتَهَى إِلَى بِئْرِ كَذَا لَقَلَّ الْمَاءُ.
فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَلَّغَهُ الرِّسَالَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُلْ لَهُمَا قَدْ أَكَلْتُمَا الْإِدَامَ»
стр. 144
فَأَتَاهُمَا فَأَخْبَرَهُمَا فَأَتَيَاهُ فَقَالَا: مَا أَكَلْنَا مِنْ إِدَامٍ! فَقَالَ: «إِنِّي لَأَرَى حُمْرَةَ اللَّحْمِ فِي أَفْوَاهِكُمْ» فَقَالَا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا شَيْءٌ، وَمَا أَكَلْنَا لَحْمًا الْيَوْمَ، فَقَالَ لَهُمَا: «إِنَّكُمَا اغْتَبْتُمَا أَخَاكُمَا» ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: «أَتُحِبَّانِ أَنْ تَأْكُلَا لَحْمًا مَيِّتًا» فَقَالَا لَا.
فَقَالَ لَهُمْ: «فَكَمَا كَرِهْتُمَا أَنْ تَأْكُلَا لَحْمًا مَيِّتًا فَلَا تَغْتَابَا فَإِنَّهُ مَنِ اغْتَابَ أَخَاهُ فَقَدْ أَكَلَ لَحْمَهُ» .
فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] .
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَدِ اغْتَابَكَ.
فَبَعَثَ إِلَيْهِ طَبَقًا مِنَ الرُّطَبِ، وَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ أَهْدَيْتَ لِي حَسَنَاتِكَ فَأَرَدْتُ أَنْ أُكَافِئَكَ عَلَيْهَا، فَاعْذُرْنِي فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُكَافِئَكَ بِهَا عَلَى التَّمَامِ.
وَذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَضَافَ أُنَاسًا، فَلَمَّا قَعَدُوا عَلَى الطَّعَامِ جَعَلُوا يَتَنَاوَلُونَ رَجُلًا.
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَنَا كَانُوا يَأْكُلُونَ الْخُبْزَ قَبْلَ اللَّحْمِ، وَأَنْتُمْ بَدَأْتُمْ قَبْلَ الْخُبْزِ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيُعْطَى كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَرَى فِيهِ حَسَنَاتٍ لَمْ يَكُنْ عَمِلَهَا، فَيَقُولُ يَا رَبُّ مِنْ أَيْنَ لِي هَذَا؟ فَيَقُولُ هَذَا بِمَا اغْتَابَكَ النَّاسُ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ وَذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ , أَنَّهُ قَالَ: يَا مُكَذِّبُ بَخِلْتَ بِدُنْيَاكَ عَلَى أَصْدِقَائِكَ وَسَخَوْتَ بِآخِرَتِكَ عَلَى أَعْدَائِكَ، فَلَا أَنْتَ فِيمَا بَخِلْتَ بِهِ مَعْذُورٌ، وَلَا أَنْتَ فِيمَا سَخَوْتَ بِهِ مَحْمُودٌ وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: الْغِيبَةُ فَاكِهَةُ الْقُرَّاءِ، وَضِيَافَةُ الْفُسَّاقِ، وَمَرَاتِعُ النِّسَاءِ، وَأُدَامُ كِلَابِ النَّاسِ، وَمَزَابِلُ الْأَتْقِيَاءِ.
٢١١ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعٌ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ وَيَنْقُضْنَ الْوُضُوءَ وَيَهْدِمْنَ الْعَمَلَ.
الْغِيبَةُ، وَالْكَذِبُ، وَالنَّمِيمَةُ وَالنَّظَرُ إِلَى مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَهُنَّ يَسْقِينَ أُصُولَ الشَّرِّ كَمَا يَسْقِي الْمَاءُ أُصُولَ الشَّجَرِ.
وَشُرْبُ الْخَمْرِ يَعْلُو الْخَطَايَا»
стр. 145
قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: قَرَأْتُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ مَنْ مَاتَ تَائِبًا مِنَ الْغِيبَةِ، كَانَ آخِرَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ.
وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵊ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ قَدْ كَشَفَتِ الرِّيحُ عَنْ بَعْضِ عَوْرَتِهِ كُنْتُمْ تَسْتُرُونَ عَلَيْهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: بَلْ كُنْتُمْ تَكْشِفُونَ الْبَقِيَّةَ؟ قَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ نَكْشِفُ الْبَقِيَّةَ؟ قَالَ: أَلَيْسَ يُذْكَرُ عِنْدَكُمُ الرَّجُلُ فَتَذْكُرُونَهُ بِأَسْوَإِ مَا فِيهِ؟ فَأَنْتُمْ تَكْشِفُونَ بَقِيَّةَ الثَّوْبِ عَنْ عَوْرَتِهِ وَرَوَى خَالِدٌ الرَّبَعِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَتَنَاوَلُوا رَجُلًا فَنَهَيْتُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَكَفُّوا وَأَخَذُوا فِي غَيْرِهِ ثُمَّ عَادُوا إِلَيْهِ، فَدَخَلْتُ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ.
فَرَأَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي أَتَانِي رَجُلٌ أَسْوَدُ طَوِيلٌ وَمَعَهُ طَبَقٌ عَلَيْهِ قِطْعَةٌ مِنْ لَحْمِ خِنْزِيرٍ، فَقَالَ لِي كُلْ، فَقُلْتُ: آكُلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ؟ ! وَاللَّهِ لَا آكُلُهُ.
فَانْتَهَرَنِي انْتِهَارًا شَدِيدًا وَقَالَ: قَدْ أَكَلْتُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ.
فَجَعَلَ يَدُسُّهُ فِي فَمِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ مِنْ مَنَامِي.
فَوَاللَّهِ لَقَدْ مَكَثْتُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَا أَكَلْتُ طَعَامًا إِلَّا وَجَدْتُ طَعْمَ ذَلِكَ اللَّحْمِ وَنَتَنَهُ فِي فَمِي.
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَمَرَّ رَجُلٌ فَنِلْتُ مِنْهُ.
فَقَالَ: اسْكُتْ.
ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: هَلْ غَزَوْتَ الرُّومَ؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: هَلْ غَزَوْتَ التُّرْكَ؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: سَلِمَ مِنْكَ الرُّومُ، وَسَلِمَ مِنْكَ التُّرْكُ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْكَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ.
قَالَ فَمَا عُدْتُ إِلَى ذَلِكَ بَعْدُ.
وَرُوِيَ عَنْ حَاتِمٍ الزَّاهِدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ثَلَاثَةٌ إِذَا كُنَّ فِي مَجْلِسٍ فَالرَّحْمَةُ عَنْهُمْ مَصْرُوفَةٌ: ذِكْرُ الدُّنْيَا وَالضَّحِكُ وَالْوَقِيعَةُ فِي النَّاسِ.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ قَالَ: لِيَكُنْ حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنْكَ ثَلَاثُ خِصَالٍ لِتَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: أَحَدُهَا أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَنْفَعْهُ فَلَا تَضُرُّهُ.
وَالثَّانِي إِنْ لَمْ تَسُرُّهُ فَلَا تَغُمُّهُ.
وَالثَّالِثُ إِنْ لَمْ تَمْدَحْهُ فَلَا تَذُمَّهُ.
следующие страницы →