← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10488

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي

أبو الليث السمرقندي

Полный текст (602 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بَابُ: الْغِيبَةِ ٢٠٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ» ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «إِذَا ذَكَرْتَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ» . قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ» . يَعْنِي قُلْتَ فِيهِ بُهْتَانًا ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ قُلْتُ إِنَّ فُلَانًا ثَوْبُهُ قَصِيرٌ أَوْ ثَوْبُهُ طَوِيلٌ يَكُونُ غِيبَةً، فَكَيْفَ إِذَا ذَكَرْتُ عَنْ نَفْسِهِ ٢٠٥ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ سَلْمَانَ الْقَاضِي، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ الْفُضَيْلِ الْعَابِدِ , عَنْ ابْنِ أَبِي نُجَيْحٍ , قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ امْرَأَةً قَصِيرَةً دَخَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا خَرَجَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: مَا أَقْصَرَهَا! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اغْتَبْتِهَا» . قَالَتْ عَائِشَةُ مَا قُلْتُ إِلَّا مَا فِيهَا. قَالَ: «ذَكَرْتِ أَقْبَحَ مَا فِيهَا» . ٢٠٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ , عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الجُمَّانِيِّ , عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ , عَنْ أَبِي

стр. 142

سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ مَرَرْتُ بِقَوْمٍ يُقْطَعُ اللَّحْمُ مِنْ جُنُوبِهِمْ، ثُمَّ يُلْقَمُونَهُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ: كُلُوا مَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ مِنْ لَحْمِ أَخِيكُمْ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ مِنْ أُمَّتِكَ الْهَمَّازُونَ اللَّمَّازُونَ يَعْنِي الْمُغْتَابِينَ " ٢٠٧ - سَمِعْتُ أَبِي يَحْكِي قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَنْزِلِ وَأَصْحَابُهُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَزَيْدٌ بْنُ ثَابِتٍ يُحَدِّثُهُمْ بِمَا سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الْأَحَادِيثِ، فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقَالُوا لِزَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ: ادْخُلْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقُلْ إِنَّا لَمْ نَأْكُلِ اللَّحْمَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا لِكَيْ يَبْعَثَ إِلَيْنَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ اللَّحْمِ، فَلَمَّا قَامَ زَيْد بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِهِمْ قَالُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ: إِنَّ زَيْدًا قَدْ لَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَ مَا لَقِينَا فَكَيْفَ يَجْلِسُ وَيُحَدِّثُنَا؟ ! فَلَمَّا دَخَلَ زَيْدٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَدَّى الرِّسَالَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «قُلْ لَهُمْ قَدْ أَكَلْتُمُ اللَّحْمَ الْآنَ» فَرَجِعَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ بِهِ. قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَكَلْنَا اللَّحْمَ مُنْذُ كَذَا، فَرَجِعَ إِلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: «إِنَّهُمْ قَدْ أَكَلُوا الْآنَ» ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَقَامُوا فَدَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: «الْآنَ قَدْ أَكَلْتُمْ لَحْمَ أَخِيكُمْ، وَأَثَرُ اللَّحْمِ فِي أَسْنَانِكُمْ فَابْزُقُوا حَتَّى تَرَوْا حُمْرَةَ اللَّحْمِ» فَبَزَقُوا الدَّمَ فَتَابُوا وَرَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ ٢٠٨ - وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ قَدِ اغْتَابُوا أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَلِذَلِكَ هَاجَتْ هَذِهِ الرِّيحُ الْمُنْتِنَةُ. » وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ رِيحَ الْغِيبَةِ وَنَتَنَهَا كَانَتْ تَتَبَيَّنُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا تَتَبَيَّنُ فِي يَوْمِنَا هَذَا؟ قَالَ: لِأَنَّ الْغِيبَةَ قَدْ كَثُرَتْ فِي يَوْمِنَا فَامْتَلَأَتِ الْأُنُوفُ مِنْهَا فَلَمْ تَتَبَيَّنِ الرَّائِحَةُ، وَهِيَ النَّتَنُ وَيَكُونُ مَثَلُ هَذَا مَثَلَ رَجُلٍ

стр. 143

دَخَلَ دَارَ الدَّبَّاغِينَ، لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقَرَارِ فِيهَا مِنْ شِدَّةِ الرَّائِحَةِ، وَأَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ يَأْكُلُونَ فِيهَا الطَّعَامَ وَيَشْرَبُونَ الشَّرَابَ، وَلَا تَتَبَيَّنُ لَهُمُ الرَّائِحَةُ لِأَنَّهُ قَدِ امْتَلأَتْ أُنُوفُهُمْ مِنْهَا، كذَلِكَ أَمْرُ الْغِيبَةِ فِي يَوْمِنَا هَذَا ٢٠٩ - وَرَوَى أَسْبَاطٌ , عِنْدِ السُّدِّيِّ , قَالَ. كَانَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ فِي سَفَرٍ مَعَ أُنَاسٍ وَفِيهِمْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَنَزَلُوا مَنْزِلًا فَضَرَبُوا خِيَامَهُمْ وَصَنَعُوا طَعَامَهُمْ، وَنَامَ سَلْمَانُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: مَا يُرِيدُ هَذَا الْعَبْدُ إِلَّا أَنْ يَجِيءَ إِلَى خِيَامٍ مَضْرُوبَةٍ وَطَعَامٍ مَصْنُوعٍ، ثُمَّ قَالُوا بَعْدَ ذَلِكَ لِسَلْمَانَ انْطَلِقْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَالْتَمِسْ لَنَا إِدَامًا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأْخَبَرُه فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ قَدِ ائْتَدَمُوا» ، فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ فَقَالُوا مَا طَعِمْنَا بَعْدُ، وَمَا كَذِبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْكُمْ فَأَتَوْهُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : «قَدِ ائْتَدَمْتُمْ مِنْ صَاحِبِكُمْ، حِينَ قُلْتُمْ وَهُوَ نَائِمٌ» ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمْ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، يَعْنِي مَعْصِيَةً. قَالَ سُفْيَانُ: الظَّنُّ ظَنَّانُ: ظَنٌّ فِيهِ إِثْمٌ وَظَنٌّ لَيْسَ فِيهِ إِثٌّم. فَأَمَّا الظَّنُّ الَّذِي فِيهِ إِثْمٌ فَالَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ. وَأَمَّا الظَّنُّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِثْمٌ، فَمَا يُضْمِرُهُ وَلَا يَتَكَلَّمُ بِهِ ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] وَيَقُولُ وَلَا تَطْلُبُوا عَيْبَ أَخِيكُمْ ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢] ، يَعْنِي كَمَا تَكْرَهُوَن أَكْلَ لَحْمَ أَخِيكُمْ مَيْتًا، فَكَذَلِكَ اجْتَنِبُوا ذِكْرَهُ بِالسُّوءِ غَائِبًا. ٢١٠ - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] قَالَ: نَزَلَتْ فِي رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَمَّ مَعَ كُلِّ رَجُلَيْنِ غَنِيَّيْنِ فِي السَّفَرِ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قَلِيلَ الشَّيْءِ لِيُصِيبَ مَعَهُمَا مِنْ طَعَامِهِمَا، وَيَتَقَدَّمَهُمَا فِي الْمَنَازِلِ وَيُهَيِّئَ لَهُمَا الْمَنْزِلَ وَمَا يَصْلُحُ لَهُمَا. وَقَدْ كَانَ ضَمَّ سَلْمَانَ إِلَى رَجُلَيْنِ، فَنَزَلَا مِنَ الْمَنَازِلِ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ يُهَيِّئْ لَهُمَا شيئًا، فَقَالَا لَهُ اذْهَبْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلْ لَنَا فَضْلَ إِدَامٍ. فَانْطَلَقَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ حِينَ غَابَ عَنْهُمَا، أَنَّهُ لَوِ انْتَهَى إِلَى بِئْرِ كَذَا لَقَلَّ الْمَاءُ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَلَّغَهُ الرِّسَالَةَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُلْ لَهُمَا قَدْ أَكَلْتُمَا الْإِدَامَ»

стр. 144

فَأَتَاهُمَا فَأَخْبَرَهُمَا فَأَتَيَاهُ فَقَالَا: مَا أَكَلْنَا مِنْ إِدَامٍ! فَقَالَ: «إِنِّي لَأَرَى حُمْرَةَ اللَّحْمِ فِي أَفْوَاهِكُمْ» فَقَالَا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا شَيْءٌ، وَمَا أَكَلْنَا لَحْمًا الْيَوْمَ، فَقَالَ لَهُمَا: «إِنَّكُمَا اغْتَبْتُمَا أَخَاكُمَا» ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: «أَتُحِبَّانِ أَنْ تَأْكُلَا لَحْمًا مَيِّتًا» فَقَالَا لَا. فَقَالَ لَهُمْ: «فَكَمَا كَرِهْتُمَا أَنْ تَأْكُلَا لَحْمًا مَيِّتًا فَلَا تَغْتَابَا فَإِنَّهُ مَنِ اغْتَابَ أَخَاهُ فَقَدْ أَكَلَ لَحْمَهُ» . فَنَزَلَتْ: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: إِنَّ فُلَانًا قَدِ اغْتَابَكَ. فَبَعَثَ إِلَيْهِ طَبَقًا مِنَ الرُّطَبِ، وَقَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ أَهْدَيْتَ لِي حَسَنَاتِكَ فَأَرَدْتُ أَنْ أُكَافِئَكَ عَلَيْهَا، فَاعْذُرْنِي فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُكَافِئَكَ بِهَا عَلَى التَّمَامِ. وَذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ أَضَافَ أُنَاسًا، فَلَمَّا قَعَدُوا عَلَى الطَّعَامِ جَعَلُوا يَتَنَاوَلُونَ رَجُلًا. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَنَا كَانُوا يَأْكُلُونَ الْخُبْزَ قَبْلَ اللَّحْمِ، وَأَنْتُمْ بَدَأْتُمْ قَبْلَ الْخُبْزِ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ لَيُعْطَى كِتَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَرَى فِيهِ حَسَنَاتٍ لَمْ يَكُنْ عَمِلَهَا، فَيَقُولُ يَا رَبُّ مِنْ أَيْنَ لِي هَذَا؟ فَيَقُولُ هَذَا بِمَا اغْتَابَكَ النَّاسُ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ وَذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ , أَنَّهُ قَالَ: يَا مُكَذِّبُ بَخِلْتَ بِدُنْيَاكَ عَلَى أَصْدِقَائِكَ وَسَخَوْتَ بِآخِرَتِكَ عَلَى أَعْدَائِكَ، فَلَا أَنْتَ فِيمَا بَخِلْتَ بِهِ مَعْذُورٌ، وَلَا أَنْتَ فِيمَا سَخَوْتَ بِهِ مَحْمُودٌ وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: الْغِيبَةُ فَاكِهَةُ الْقُرَّاءِ، وَضِيَافَةُ الْفُسَّاقِ، وَمَرَاتِعُ النِّسَاءِ، وَأُدَامُ كِلَابِ النَّاسِ، وَمَزَابِلُ الْأَتْقِيَاءِ. ٢١١ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعٌ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ وَيَنْقُضْنَ الْوُضُوءَ وَيَهْدِمْنَ الْعَمَلَ. الْغِيبَةُ، وَالْكَذِبُ، وَالنَّمِيمَةُ وَالنَّظَرُ إِلَى مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا يَحِلُّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهَا، وَهُنَّ يَسْقِينَ أُصُولَ الشَّرِّ كَمَا يَسْقِي الْمَاءُ أُصُولَ الشَّجَرِ. وَشُرْبُ الْخَمْرِ يَعْلُو الْخَطَايَا»

стр. 145

قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: قَرَأْتُ فِي كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنَّ مَنْ مَاتَ تَائِبًا مِنَ الْغِيبَةِ، كَانَ آخِرَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَيْهَا كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ. وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ﵊ أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ قَدْ كَشَفَتِ الرِّيحُ عَنْ بَعْضِ عَوْرَتِهِ كُنْتُمْ تَسْتُرُونَ عَلَيْهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: بَلْ كُنْتُمْ تَكْشِفُونَ الْبَقِيَّةَ؟ قَالُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ، كَيْفَ نَكْشِفُ الْبَقِيَّةَ؟ قَالَ: أَلَيْسَ يُذْكَرُ عِنْدَكُمُ الرَّجُلُ فَتَذْكُرُونَهُ بِأَسْوَإِ مَا فِيهِ؟ فَأَنْتُمْ تَكْشِفُونَ بَقِيَّةَ الثَّوْبِ عَنْ عَوْرَتِهِ وَرَوَى خَالِدٌ الرَّبَعِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ، فَتَنَاوَلُوا رَجُلًا فَنَهَيْتُهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَكَفُّوا وَأَخَذُوا فِي غَيْرِهِ ثُمَّ عَادُوا إِلَيْهِ، فَدَخَلْتُ مَعَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ. فَرَأَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي أَتَانِي رَجُلٌ أَسْوَدُ طَوِيلٌ وَمَعَهُ طَبَقٌ عَلَيْهِ قِطْعَةٌ مِنْ لَحْمِ خِنْزِيرٍ، فَقَالَ لِي كُلْ، فَقُلْتُ: آكُلُ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ؟ ! وَاللَّهِ لَا آكُلُهُ. فَانْتَهَرَنِي انْتِهَارًا شَدِيدًا وَقَالَ: قَدْ أَكَلْتُ مَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ. فَجَعَلَ يَدُسُّهُ فِي فَمِي حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ مِنْ مَنَامِي. فَوَاللَّهِ لَقَدْ مَكَثْتُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا مَا أَكَلْتُ طَعَامًا إِلَّا وَجَدْتُ طَعْمَ ذَلِكَ اللَّحْمِ وَنَتَنَهُ فِي فَمِي. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَمَرَّ رَجُلٌ فَنِلْتُ مِنْهُ. فَقَالَ: اسْكُتْ. ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: هَلْ غَزَوْتَ الرُّومَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هَلْ غَزَوْتَ التُّرْكَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: سَلِمَ مِنْكَ الرُّومُ، وَسَلِمَ مِنْكَ التُّرْكُ، وَلَمْ يَسْلَمْ مِنْكَ أَخُوكَ الْمُسْلِمُ. قَالَ فَمَا عُدْتُ إِلَى ذَلِكَ بَعْدُ. وَرُوِيَ عَنْ حَاتِمٍ الزَّاهِدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: ثَلَاثَةٌ إِذَا كُنَّ فِي مَجْلِسٍ فَالرَّحْمَةُ عَنْهُمْ مَصْرُوفَةٌ: ذِكْرُ الدُّنْيَا وَالضَّحِكُ وَالْوَقِيعَةُ فِي النَّاسِ. وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ قَالَ: لِيَكُنْ حَظُّ الْمُؤْمِنِ مِنْكَ ثَلَاثُ خِصَالٍ لِتَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ: أَحَدُهَا أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَنْفَعْهُ فَلَا تَضُرُّهُ. وَالثَّانِي إِنْ لَمْ تَسُرُّهُ فَلَا تَغُمُّهُ. وَالثَّالِثُ إِنْ لَمْ تَمْدَحْهُ فَلَا تَذُمَّهُ.

стр. 146

وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِابْنِ آدَمَ جُلَسَاءَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَإِذَا ذَكَرَ أَحَدُهُمْ أَخَاهُ بِخَيْرٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: لَهُ وَلَكَ مِثْلَهُ. وَإِذَا ذَكَرَ أَحَدُهُمْ أَخَاهُ بِسُوءٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا ابْنَ آدَمَ كَشَفْتَ الْمَسْتُورَ عَلَيْهِ عَوْرَتَهُ , ارْجِعْ إِلَى نَفْسِكَ وَاحْمَدِ اللَّهَ الَّذِي سَتَرَ عَلَيْكَ عَوْرَتَكَ. وَذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ، فَلَمَّا جَلَسَ قَالُوا إِنَّ فُلَانًا لَمْ يَجِئْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ إِنَّ فُلَانًا رَجُلٌ ثَقِيلٌ. فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: إِنَّمَا فَعَلَ هَذَا بِي بَطْنِي حِينَ شَهِدْتُ طَعَامًا اغْتَبْتُ فِيهِ مُسْلِمًا. فَخَرَجَ وَلَمْ يَأْكُلْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِنْ ضَعُفْتَ عَنْ ثَلَاثَةٍ فَعَلَيْكَ بِثَلَاثٍ: إِنْ ضَعُفْتَ عَنِ الْخَيْرِ فَامْسِكْ عَنِ الشَّرِّ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْفَعَ النَّاسَ فَامْسِكْ عَنْهُمْ ضُرَّكَ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ فَلَا تَأْكُلْ لُحُومَ النَّاسِ. وَذُكِرَ عَنْ وَهْبٍ الْمَكِّيُّ أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَدَعُ الْغِيبَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، مُنْذُ خُلِقَتْ إِلَى أَنْ تَفْنَى، فَأَجْعَلُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. لَأَنْ أَغُضَّ بَصَرِي عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِيَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا فَأَجْعَلُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] . قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي تَوْبَةِ الْمُغْتَابِ، هَلْ تَجُوزُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْ صَاحِبِهِ؟ قَالَ بَعْضُهُمْ يَجُوزُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يَجُوزُ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّ مِنْ صَاحِبِه. وَهُوَ عِنْدَنَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ قَدْ بَلَغَ إِلَى الَّذِي اغْتَابَهُ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَسْتَحِلَّ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعَالَى وَيُضْمِرَ أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى مِثْلِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ سِيرِينَ فَقَالَ: إِنِّي اغْتَبْتُكَ فَاجْعَلْنِي فِي حِلٍّ. فَقَالَ وَكَيْفَ أُحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ؟ ! فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَيْهِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مَعَ اسْتِحْلَالِهِ مِنْهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ إِلَى صَاحِبِهِ تِلْكَ الْغِيبَةُ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَتُوبَ إِلَيْهِ وَلَا يُخْبِرَ صَاحِبَهُ، فَهُوَ أَحْسَنُ، لِكَيْلَا يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ بِهِ. وَلَوْ أَنَّهُ قَالَ بُهْتَانًا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّوْبَةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ تَكَلَّمَ بِالْبُهْتَانِ عِنْدَهُمْ، وَيَقُولُ إِنِّي قَدْ

стр. 147

ذَكَرْتُ عِنْدَكُمْ فُلَانًا بِكَذَا وَكَذَا، فَاعْلَمُوا أَنِّي كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ. وَالثَّانِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى الَّذِي قَالَ عَلَيْهِ الْبُهْتَانَ، وَيَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي حِلٍّ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَتُوبَ إِلَيْهِ. فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الذُّنُوبِ أَعْظَمَ مِنَ الْبُهْتَانِ. فَإِنَّ سَائِرَ الذُّنُوبِ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي الْبُهْتَانِ يَحْتَاجُ إِلَى التَّوْبَةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ. وَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى الْبُهْتَانَ بِالْكُفْرِ. فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠] ، وَيُقَالُ: لَا تَكُونُ الْغِيبَةُ إِلَّا فِي قَوْمٍ مَعْلُومِينَ، حَتَّى لَوْ ذَكَرَ أَهْلَ مِصْرٍ مِنَ الْأَمْصَارِ فَقَالَ هُمْ بُخَلَاءُ، أَوْ قَوْمُ سُوءٍ، لَا يَكُونُ غِيبَةً، لِأَنَّ فِيهِمُ الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْجَمِيعَ، وَالْكَفُّ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ. وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الزُّهَّادِ أَنَّهُ اشْتَرَى قُطْنًا لِامْرَأَتِهِ، فَقَالَتْ: إِنَّ بَاعَةَ الْقُطْنِ قَوْمُ سُوءٍ قَدْ خَانُوَك فِي هَذَا الْقُطْنِ. فَطَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ. فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي رَجُلٌ غَيُورٌ فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ الْقَطَّانُونَ كُلَّهُمْ خُصَمَاءَهَا يَوْم الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ إِنَّ امْرَأَةَ فُلَانٍ تَعَلَّقَ بِهَا الْقَطَّانُونَ؛ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ طَلَّقْتُهَا. وَقَالَ: ثَلَاثَةٌ لَا تَكُونُ غَيْبَتُهُمْ غَيْبَةً: سُلْطَانٌ جَائِرٌ، وَفَاسِقٌ مُعْلِنٌ، وَصَاحِبُ بِدْعَةٍ. يَعْنِي إِذَا ذَكَرَ فِعْلَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ. وَلَوْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ أَبْدَانِهِمْ بِعَيْبٍ فِيهِمْ لَكَانَ ذَلِكَ غِيبَةً، وَلَكِنْ إِذَا ذَكَرَ فِعْلَهُمْ وَمَذْهَبَهُمْ فَلَا بَأْسَ لِكَيْ يَحْذَرَهُمُ النَّاسُ. ٢١٢ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ لِكَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ» قَالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْغِيبَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: فِي وَجْهٍ هِيَ كُفْرٌ، وَفِي وَجْهٍ هِيَ نِفَاقٌ، وَفِي وَجْهٍ هِيَ مَعْصِيَةٌ، وَالرَّابِعُ مُبَاحٌ وَهُوَ مَأْجُورٌ، فَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ فَهُوَ أَنْ يَغْتَابَ الْمُسْلِمَ، فَيُقَالُ لَهُ لَا تَغْتَبْ فَيَقُولُ لَيْسَ هَذَا غَيْبَةٌ وَأَنَا صَادِقٌ فِي ذَلِكَ. فَقَدِ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنِ اسْتَحَلَّ مَا

стр. 148

حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى صَارَ كَافِرًا نَعُوذُ بِاللَّهِ. وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي هُوَ نِفَاقٌ، فَهُوَ أَنْ يَغْتَابَ إِنْسَانًا فَلَا يُسَمِّيهِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ يُرِيدُ مِنْهُ فُلَانًا، فَهُوَ يَغْتَابُهُ وَيَرَى مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مُتَورِّعٌ، فَهَذَا هُوَ لِلنِّفَاقِ. وَأَمَّا الَّذِي هُوَ مَعْصِيَةٌ، فَهُوَ أَنْ يَغْتَابَ إِنْسَانًا وَيُسَمِّيَهُ وَيَعْلَمَ أَنَّهَا مَعْصِيَةٌ فَهُوَ عَاصٍ، وَعَلَيْهِ التَّوْبَةُ. وَالرَّابِعُ أَنْ يَغْتَابَ فَاسِقًا مُعْلِنًا بِفِسْقِهِ أَوْ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَهُوَ مَأْجُورٌ، لِأَنَّهُمْ يَحْذَرُونَ مِنْهُ إِذَا عَرَفُوا حَالَهُ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «اذْكُرُوا الْفَاجِرَ بِمَا فِيهِ لِكَيْ يَحْذَرَهُ النَّاسُ» سَمِعْتُ أَبِي يَحْكِي أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مُرْسَلِينَ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، بَعْضَهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ فِي الْمَنَامِ وَبَعْضَهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ وَلَا يَرَوْنَ شَيْئًا، وَكَانَ نَبِيُّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّنْ يَرَى فِي الْمَنَامِ، رَأَى ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي الْمَنَامِ، قِيلَ لَهُ: إِذَا أَصْبَحْتَ فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَسْتَقْبِلُكَ فَكُلَهُ، وَالثَّانِي اكْتُمْهُ، وَالثَّالِثُ اقْبَلْهُ، وَالرَّابِعُ لَا تُؤَيِّسْهُ، وَالْخَامِسُ اهْرِبْ مِنْهُ. فَلَمَّا أَصْبَحَ أَوَّلُ شَيْءٍ اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ أَسْوَدُ عَظِيمٌ، فَوَقَفَ وَتَحَيَّرَ وَقَالَ: أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ آكُلَهُ! أَآكُلُ هَذَا؟ ! ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: إِنَّ رَبِّي لَا يَأْمُرُنِي بِمَا لَا أُطِيقُ. فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى أَكْلِهِ وَمَشَى إِلَيْهِ لِيَأْكُلَهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ صَغُرَ ذَلِكَ الْجَبَلُ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ وَجَدَهُ لُقْمَةً أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فَأَكَلَهُ وَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى. وَمَضَى فَاسْتَقْبَلَهُ طَسْتٌ مِنْ ذَهَبٍ. وَقَالَ: أُمِرْتُ بِأَنْ أَكْتُمَهُ فَحَفَرَ بِئْرًا فِي الْأَرْضِ وَدَفَنَهُ فِيهَا وَمَضَى. وَالْتَفَتَ فَإِذَا الطَّسْتُ فَوْقَ الْأَرْضِ، فَرَجَعَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَهُوَ يَدْفِنُهُ فِيهَا. وَمَضَى فَالْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ. قَالَ: إِنِّي فَعَلْتُ مَا أُمِرْتُ بِهِ. فَذَهَبَ. فَاسْتَقْبَلَهُ طَائِرٌ خَلْفَهُ بَازِيٌّ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ. فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَغِثْنِي. فَقَبِلَهُ وَجَعَلَهُ فِي كُمِّهِ، فَجَاءَ الْبَازِيُّ، فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ جَائعًا. وَإِنِّي كُنْتُ فِي طَلَبِ هَذَا الصَّيْدِ مُنْذُ الْغَدَاةِ، حَتَّى أَرَدْتُ أَخْذَهُ فَلَا يُؤَيِّسْنِي مِنْ رِزْقِي. فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: إِنِّي قَدُ أُمِرْتُ أَنْ أَقْبَلَ الثَّالِثَ وَقَدْ قَبِلْتُهُ. وَقَدْ أُمِرْتُ أَنْ لَا أُؤَيِّسَ الرَّابِعَ، وَالرَّابِعُ هَذَا الْبَازِيُّ فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَلَمَّا تَحَيَّرَ فِي ذَلِكَ أَخَذَ السِّكِّينَ وَقَطَعَ مِنْ فَخْذِ

стр. 149

نَفْسِهِ قِطْعَةً مِنْ لَحْمٍ، فَرَمَى بِهَا إِلَى الْبَازِيِّ حَتَّى أَخَذَهَا وَمَضَى ثُمَّ أَرْسَلَ الطَّائِرَ وَمَضَى. فَرَأَى الْخَامِسَ جِيفَةً مُنْتِنَةً، فَهَرَبَ فَلَمَّا أَمْسَى قَالَ: يَا رَبُّ إِنِّي قَدْ فَعَلْتُ مَا أَمَرْتَنِي فَبَيِّنْ لِي مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ. فَرَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَمَّا الْأَوَّلُ الَّذِي أَكَلْتَهُ فَهُوَ الْغَضَبُ، يَكُونُ فِي الْأَوَّلِ كَالْجَبَلِ، وَهُوَ فِي آخِرِهِ إِذَا صَبَرَ وَكَظَمَ غَيْظَهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ. وَالثَّانِي: فَهُوَ مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً فَإِنْ كَتَمَهُ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ. وَالثَّالِثُ: مَنِ ائْتَمَنَكَ بِأَمَانَةٍ فَلَا تَخُنْهُ. وَأَمَّا الرَّابِعُ فَإِذَا سَأَلَكَ إِنْسَانٌ حَاجَةً فَاجْتَهِدْ فِي قَضَائِهَا وَإِنْ كُنْتَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا. وَالْخَامِسُ الْغِيبَةُ فَاهْرَبْ مِنَ الَّذِينَ يَغْتَابُونَ النَّاسَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 150

بَابُ: النَّمِيمَةِ ٢١٣ - حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدُّبَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ حُذَيْفَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ» يَعْنِي النَّمَّامَ ٢١٤ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدُّبَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ , حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ، عَنْ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ تَدْرُونَ مَنْ شِرَارُكُمْ» ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «أَوَّلُ شِرَارُكُمْ ذُو الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ» ٢١٥ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ مَجْعَدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ جَدِيدَيْنِ فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ. وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» . ثُمَّ أَخَذَ جِرِيدَةً رَطِبَةً فَشَقَّهَا نِصْفَيْنِ وَغَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: «لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» .

стр. 151

مَعْنَى قَوْلِهِ: مَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ يَعْنِي لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ عِنْدَكُمْ وَلَكِنَّهُ كَبِيرَةٌ عِنْدَ اللَّهِ. وَقَدْ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ. يَعْنِي النَّمَّامَ. فَإِذَا لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ لَمْ يَكُنْ مَأْوَاهُ إِلَّا النَّارُ. فَالْوَاجِبُ عَلَى النَّمَّامِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنَّ النَّمَّامَ ذَلِيلٌ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَهُوَ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى. فَإِنْ تَابَ قَبْلَ مَوْتِهِ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَرَوَى الْحَسَنُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ، يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَمَنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَجْعَلُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَيْنِ مِنَ النَّارِ» . ٢١٦ - وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ , أَنَّهُ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: مِنْ شَرِّ عِبَادِ اللَّهِ كُلُّ طَعَّانٍ، لَعَّانٍ، نَمَّامٍ. وَكَانَ يَقُولُ: عَذَابُ الْقَبْرِ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ: ثُلُثٌ مِنَ الْغِيبَةِ، وَثُلُثٌ مِنَ الْبَوْلِ، وَثُلُثٌ مِنَ النَّمِيمَةِ. وَرُوِيَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ , أَنَّهُ قَالَ: بَاعَ رَجُلٌ غُلَامًا، فَقَالَ لِلْمُشْتَرِي لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا أَنَّهُ نَمَّامٌ، فَاسْتَخَفَّهُ الْمُشْتَرِي فَاشْتَرَاهُ عَلَى ذَلِكَ الْعَيْبِ. فَمَكَثَ الْغُلَامُ عِنْدَهُ أَيَّامًا ثُمَّ قَالَ لِزَوْجَةِ مَوْلَاهُ: إِنَّ زَوْجَكِ لَا يُحِبُّكِ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَسَرَّى عَلَيْكِ، أَفَتُرِيدِينَ أَنْ يَعْطِفَ عَلَيْكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ لَهَا: خُذِي الْمُوسَى وَاحْلِقِي شَعَرَاتٍ مِنْ بَاطِنِ لِحْيَتِهِ إِذَا نَامَ. ثُمَّ جَاءَ إِلَى الزَّوْجِ وَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتَكَ تَخَادَنَتْ يَعْنِي اتَّخَذَتْ خَلِيلًا. وَهِيَ قَاتِلَتُكَ. أَتُرِيدُ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَكَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَنَاوَمْ لَهَا. فَتَنَاوَمَ الرَّجُلُ، فَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ بِمُوسَى لِتَحْلِقَ الشَّعَرَاتِ فَظَنَّ الزَّوْجُ أَنَّهَا تُرِيدُ قَتْلَهُ، فَأَخَذَ مِنْهَا الْمُوسَى فَقَتَلَهَا فَجَاءَ أَوْلِيَاؤُهَا فَقَتَلُوه. فَجَاءَ أَوْلِيَاءُ الرَّجُلِ وَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: النَّمَّامُ شَرٌّ مِنَ السَّاحِرِ، وَيَعْمَلُ النَّمَّامُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا

стр. 152

يَعْمَلُ السَّاحِرُ فِي شَهْرٍ. وَيُقَالُ: عَمَلُ النَّمَّامِ أَضَرُّ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، لِأَنَّ عَمَلَ الشَّيْطَانِ بِالْخَيَالِ وَالْوَسْوَسَةِ. وَعَمَلَ النَّمَّامِ بِالْمُوَاجَهَةِ وَالْمُعَايَنَةِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ [المسد: ٤] ، قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ إِنَّ الْحَطَبَ أَرَادَ بِهِ النَّمِيمَةَ. وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ النَّمِيمَةُ حَطَبًا لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلْعَدَاوَةِ وَالْقِتَالِ. فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ إِيقَادِ النَّارِ. وَقَالَ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيِّ: الْأَذِلَّاءُ أَرْبَعَةُ: النَّمَّامُ وَالْكَذَّابُ وَالْمَدْيُونُ وَالْيَتِيمُ وَرَوَى عُتْبَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ , عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيِّ , قَالَ: اتَّبَعَ رَجُلًا سَبْعُ مِائَةَ فَرْسَخٍ فِي سَبْعِ كَلِمَاتٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: إِنِّي جِئْتُكَ لِلَّذِي آتَاكَ اللَّهُ مِنَ الْعِلْمِ. أَخْبِرْنِي عَنِ السَّمَاءِ وَمَا أَثْقَلُ مِنْهَا، وَعَنِ الْأَرْضِ وَمَا أَوْسَعُ مِنْهَا، وَعَنِ الْحِجَارَةِ وَمَا أَقْسَى مِنْهَا، وَعَنِ النَّارِ وَمَا أَحَرُّ مِنْهَا، وَعَنِ الزَّمْهَرِيرِ وَمَا أَبْرَدُ مِنْهُ، وَعَنِ الْبَحْرِ وَمَا أَعْمَقُ مِنْهُ، وَعَنِ الْيَتِيمِ وَمَا أَضْعَفُ مِنْهُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، وَعَنِ السُّمِّ وَمَا أَذْعَفُ مِنْهُ. فَقَالَ: أَمَّا الْبُهْتَانُ عَلَى الْبَرِيءِ فَأَثْقَلُ مِنَ السَّمَوَاتِ، وَالْحَقُّ أَوْسَعُ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْقَلْبُ الْقَانِعُ أَعْمَقُ مِنَ الْبَحْرِ، وَالْحِرْصُ وَالْحَسَدُ أَحَرُّ مِنَ النَّارِ، وَالْحَاجَةُ إِلَى الْقَرِيبِ إِذْ لَمْ تَنْجَحْ أَبْرَدُ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ، وَقَلْبُ الْكَافِرِ أَقْسَى مِنَ الْحَجَرَ، وَالنَّمِيمَةُ إِذَا اسْتَبَانَتْ عَلَى صَاحِبِهَا أَضْعَفُ مِنْ كُلِّ يَتِيمٍ يَعْنِي النَّمَّامَ يَصِيرُ ذَلِيلًا إِذَا ظَهَرَ أَمْرُهُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَذْعَفُ مِنْ كُلِّ سُمٍّ. يَعْنِي أَهْلَكَ. يُقَالُ سُمٌّ ذُعَافٌ إِذَا كَانَ مُهْلِكًا. ٢١٧ - وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْجَنَّةَ. قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي. قَالَتْ: سَعِدَ مَنْ دَخَلَنِي. فَقَالَ الْجَبَّارُ جَلَّ وَعَلَا , وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يَسْكُنُ فِيكِ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنَ النَّاسِ مُدْمِنُ خَمْرٍ وَلَا مُصِرٌّ عَلَى الزِّنَى وَلَا نَمَّامٌ، وَلَا دَيُّوثٌ وَهُوَ القُرْطُبَانُ، وَلَا الشُّرَطِيُّ، وَلَا

стр. 153

الْمُخَنَّثُ، وَلَا قَاطِعُ الرَّحِمِ، وَلَا الَّذِي يَقُولُ عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا أَوْ كَذَا، ثُمَّ لَمْ يَفِ بِهِ ". وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: مَنْ نَقَلَ إِلَيْكَ حَدِيثًا فَاعْلَمْ أَنَّهُ يَنْقُلُ إِلَى غَيْرِكَ حَدِيثَكَ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَذَكَرَ عِنْدَهُ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنْ شِئْتَ نَظَرْنَا فِي أَمْرِكَ. إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١١] ، وَإِنْ شِئْتَ عَفَوْنَا عَنْكَ. فَقَالَ: الْعَفْوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ , أَنَّهُ قَالَ: وَلَدُ الزِّنَى لَا يَكْتُمُ الْحَدِيثَ، وَذُو الْحَسَبِ فِي قَوْمِهِ لَا يُؤْذِي جَارَهُ. يَعْنِي الَّذِي لَا يَكْتُمُ النَّاسَ وَيَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، فَهُوَ وَلَدُ الزِّنَى وَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَلَدَ الزِّنَى لَكَتَمَ الْحَدِيثَ. وَهَذَا مُسْتَخْرَجٌ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴿١١﴾ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١١-١٣] . يَعْنِي الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةَ فَإِنَّهُ كَانَ طَعَّانًا، يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ. يَعْنِي يَمْنَعُ الْخَيْرَ مِنَ النَّاسِ. مُعْتَدٍ أَثِيمٍ يَعْنِي عَاصٍ. عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ. يَعْنِي مَنْ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ فَهُوَ دَعِيٌّ وَالدَّعِيُّ هُوَ وَلَدُ الزِّنَى. هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ. وَذُكِرَ أَنَّ حَكِيمًا مِنَ الْحُكَمَاءِ زَارَهُ بَعْضُ أَصْدِقَائِهِ وَذَكَرَ عِنْدَهُ بَعْضَ إِخْوَانِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَكِيمُ: قَدْ أَبْطَأْتَ فِي الزِّيَارَةِ وَأَتَيْتَنِي بِثَلَاثِ جِنَايَاتٍ: بَغَّضْتَ إِلَيَّ أَخِي، وَشَغَلْتَ قَلْبِيَ الْفَارِغَ، وَاتَّهَمْتَ نَفْسَكَ بِالْمَيْنِ. وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: أَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيلَ

стр. 154

قَحْطٌ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسَى ﵊ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَسْتَسْقُونَ فَلَمْ يُسْقَوْا، فَقَالَ مُوسَى ﵊: إِلَهِي، عِبَادُكَ قَدْ خَرَجُوا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يُسْتَجَبْ دُعَاؤُهُمْ. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى بِأَنِّي لَا أَسْتَجِيبُ لَكَ لِمَنْ مَعَكَ لِأَنَّ فِيكُمْ رَجُلًا نَمَّامًا قَدْ أَصَرَّ عَلَى النَّمِيمَةِ. فَقَالَ مُوسَى ﵊: مَنْ هُوَ حَتَّى نُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِنَا؟ فَقَالَ يَا مُوسَى أَنْهَاكُمْ عَنِ النَّمِيمَةِ وَأَكُونُ نَمَّامًا فَتُوبُوا بِأَجْمَعِكُمْ فَتَابُوا بِأَجْمَعِهِمْ، فَسُقُوا وَذُكِرَ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ جَالِسًا وَعِنْدَهُ الزُّهْرِيُّ فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ وَقَعْتَ فِيَّ وَقُلْتَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ الرَّجُلُ مَا فَعَلْتُ وَمَا قُلْتُ شَيْئًا فِيكَ، فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: إِنَّ الَّذِي أَخْبَرَنِي كَانَ صَادِقًا. فَقَالَ الزُّهْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَا يَكُونُ النَّمَّامُ صَدُوقًا، قَالَ سُلَيْمَانُ: صَدَقْتَ اذْهَبْ بِسَلَامَةٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَخْبَرَكَ بِشَتْمٍ عَنْ أَخٍ فَهُوَ الشَّاتِمُ لَا مَنْ شَتَمَكَ. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ مَدَحَكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ فَلَا تَأْمَنْ أَنْ يَذُمَّكَ بِمَا لَيْسَ فِيكَ. إِذَا أَتَاكَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَكَ أَنَّ فُلَانًا قَدْ فَعَلَ بِكَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ فِيكَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ لَا تُصَدِّقَهُ لِأَنَّ النَّمَّامَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ عِنْدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦] ، يَعْنِي إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِخَبَرٍ فَانْظُرُوا فِي الْأَمْرِ وَلَا تَعْجَلُوا لِكَيْ لَا تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ. وَالثَّانِي: أَنْ تَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]

стр. 155

وَالثَّالِثُ: أَنْ تَبْغُضَهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ عَاصٍ وَبُغْضُ الْعَاصِي وَاجِبٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْغُضُهُ. وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا تَظُنَّ بِأَخِيكَ الْغَائِبِ الظَّنَّ السُّوءَ فَإِنَّ إِسَاءَةَ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ حَرَامٌ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ، وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا تَجَسُّسَ عَنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عَنِ التَّجَسُّسِ. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢] . وَالسَّادِسُ: مَا لَا تَرْضَى مِنْ هَذَا النَّمَّامِ فَلَا تَفْعَلْهُ أَنْتَ. وَهُوَ أَنْ لَا تُخْبِرَ أَحَدًا بِمَ أَتَاكَ بِهِ هَذَا النَّمَّامُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 156

بَابُ: الْحَسَدِ ٢١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ الْغِلَّ وَالْحَسَدَ يَأْكُلَانِ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ» . ٢١٩ - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيَّةَ: عَنْ عَبَّادَ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " ثَلَاثَةٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ أَحَدٌ: الظَّنُّ وَالْحَسَدُ وَالطِّيَرَةُ " قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُنْجِي مِنْهُنَّ؟ قَالَ: «إِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ، وَإِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ وَإِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ» . أَوْ قَالَ: «لَا تَرْجِعْ» , وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ إِذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ: يَعْنِي إِذَا كَانَ الْحَسَدُ فِي قَلْبِكَ فَلَا تُظْهِرْهُ وَلَا تَذْكُرْ عَنْهُ بِسُوءٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُكَ بِمَا فِي قَلْبِكَ مَا لَمْ تَقُلْ بِاللِّسَانِ أَوْ تَعْمَلْ عَمَلًا فِي ذَلِكَ وَقَوْلُهُ ﵊: إِذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّقْ يَعْنِي إِذَا ظَنَنْتَ بِالْمُسْلِمِ ظَنَّ السَّوْءِ، فَلَا تَجْعَلْ ذَلِكَ حَقِيقَةً مَا لَمْ تَرَ بِالْمُعَايَنَةِ. وَقَوْلُهُ ﵊ إِذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ. يَعْنِي إِذَا أَرَدْتَ الْخُرُوجَ إِلَى مَوْضِعٍ

стр. 157

فَسَمِعْتَ صَوْتَ هَامَّةٍ أَوْ صَوْتَ عَقْعَقٍ أَوِ اخْتَلَجَ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَائِكَ فَامْضِ وَلَا تَرْجِعْ،. ٢٢٠ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يُحِبُّ الْفَأْلَ الْحَسَنَ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ. وَقَالَ: «الطِّيَرَةُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ» . وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ. كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] . وَفِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨] . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا سَمِعْتَ صَوْتَ طَيْرٍ فَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ امْضِ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّكَ شَيْءٌ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى ٢٢١ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا» وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّهُ يَتَبَيَّنُ فِيكَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنُ فِي عَدُوِّكَ. لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الشَّرِّ أَضَرُّ مِنَ الْحَسَدِ، لِأَنَّهُ يَصِلُ إِلَى الْحَاسِدِ خَمْسَ عُقُوبَاتٍ، قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَحْسُودِ مَكْرُوهٌ. أَوَّلُهَا: غَمٌّ لَا يَنْقَطِعُ. وَالثَّانِي: مُصِيبَةٌ لَا يُؤْجَرُ عَلَيْهَا.

стр. 158

وَالثَّالِثُ: مَذَمَّةٌ لَا يُحْمَدُ بِهَا. وَالرَّابِعُ: يَسْخَطُ عَلَيْهِ الرَّبُّ. وَالْخَامِسُ: تُغْلَقُ عَلَيْهِ أَبْوَابُ التَّوْفِيقِ. ٢٢٢ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا إِنَّ لِنِعَمِ اللَّهِ أَعْدَاءٌ» قِيلَ: مَنْ أَعْدَاءُ نِعَمِ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الَّذِينَ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ» . وَرُوِيَ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنِّي أُجِيزُ شَهَادَةَ الْقُرَّاءِ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ وَلَا أُجِيزُ شَهَادَةَ الْقُرَّاءِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ. لِأَنِّي وَجَدْتُهُمْ حُسَّادًا. يَعْنِي أَنَّ أَكْثَرَ الْحَسَدِ فِي الْقُرَّاءِ» ٢٢٣ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «سِتَّةٌ بِسِتَّةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَبْلَ الْحِسَابِ يَعْنِي سِتَّةُ أَصْنَافٍ، بِسَبَبِ سِتَّةِ أَشْيَاءَ يَدْخُلُونَ النَّارَ قَبْلَ الْحِسَابِ» ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: " الْأُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي بِالْجَوْرِ، وَالْعَرَبُ بِالْعَصَبِيَّةِ، وَالدَّهَّاقِينَ بِالْكِبْرِ، وَالتُّجَّارُ بِالْخِيَانَةِ، وَأَهْلُ الرُّسْتَاقِ بِالْجَهَالَةِ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَسَدِ،. يَعْنِي الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا، يَحْسُدُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَيَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيَطْلُبَ بِهِ الْآخِرَةَ. فَإِذَا كَانَ الْعَالِمُ يَطْلُبُ بِعِلْمِهِ الْآخِرَةَ فَإِنَّهُ لَا يَحْسُدُ أَحَدًا وَلَا يَحْسُدُهُ أَحَدٌ. وَإِذَا تَعَلَّمَ لِطَلَبِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ يَحْسُدُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] ، يَعْنِي أَنَّ يَهُودًا كَانُوا يَحْسُدُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ. فَكَانُوا يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ هُوَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَشَغَلَهُ ذَلِكَ عَنْ كَثْرَةِ النِّسَاءِ قَالَ : ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤] ، يَعْنِي النُّبُوَّةَ وَكَثْرَةَ النِّسَاءِ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي السَّمَاءِ، وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْأَرْضِ. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي السَّمَاءِ يَعْنِي إِبْلِيسَ حِينَ أَبَى أَنْ يَسْجُدَ لِآدَمَ، وَقَالَ: ﴿خَلَقْتَنِي

стр. 159

مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢] فَحَسَدَهُ فَلَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ. وَأَمَّا الَّذِي عُصِيَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ قَابِيلُ بْنُ آدَمَ حِينَ قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ حَسَدًا. وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] . وَرُوِيَ عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا رَاحَةَ لِحَسُودٍ، لَا وَفَاءَ لِبَخِيلٍ، وَلَا صَدِيقَ لِمَلُولٍ، وَلَا مُرُوَءَةَ لِكَذُوبٍ، وَلَا رَأْيَ لِخَائِنٍ، وَلَا سُؤْدُدَ لِسَيِّئِ الْخُلُقِ» وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مَا رَأَيْتُ ظَالِمًا أَشْبَهَ بِالْمَظْلُومِ مِنَ الْحَاسِدِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: مَا حَسَدْتُ أَحَدًا عَلَى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَكَيْفَ أَحْسُدُهُ وَهُوَ صَائِرٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَكَيْفَ أَحْسُدُهُ وَهُوَ صَائِرٌ إِلَى النَّارِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: يَا ابْنَ آدَمَ لِمَ تَحْسُدُ أَخَاكَ، فَإِنَّ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ. فَلِمَ تَحْسُدُ مَنْ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَحْسُدَ مَنْ مَصِيرُهُ إِلَى النَّارِ. ثَلَاثَةٌ لَا تُسْتَجَابُ دَعْوَتُهُمْ. آكِلُ الْحَرَامِ، وَمِكْثَارُ الْغِيبَةِ، وَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ غِلٌّ أَوْ حَسَدٌ لِلْمُسْلِمِينَ. ٢٢٤ - وَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ , عَنْ سَالِمٍ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْقُرْآنَ وَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَالًا وَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ " يَعْنِي أَنْ يَجْتَهِدَ حَتَّى يَفْعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَفِي

стр. 160

الصَّدَقَةِ. فَهَذَا الْحَسَدُ مَحْمُودٌ. فَأَمَّا إِذَا حَسَدَهُ فِي ذَلِكَ يُرِيدُ زَوَالَهُ عَنْهُ، فَهُوَ مَذْمُومٌ. وَهَكَذَا فِي كُلِّ شَيْءٍ إِذَا رَأَى الْإِنْسَانُ مَالًا أَوْ شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَيَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَهُ فَهُوَ مَذْمُومٌ. وَإِنْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُهُ، فَهُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ. وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢] ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَتَمَنَّى فَضْلَ غَيْرِه لِنَفْسِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُعْطِيَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْحَسَدِ، لِأَنَّ الْحَاسِدَ يُضَادُّ حُكْمَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنَّاصِحَ هُوَ رَاضٍ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى. ٢٢٥ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُون رَاضِيًا نَاصِحًا لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَكُونَ حَاسِدًا» ٢٢٦ - وَرَوَى الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ فَقَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ» قِيلَ: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ عُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ» ٢٢٧ - حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا هَمَّامُ النَّسَفِيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ , قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , يَقُولُ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَا عَلَّمَنِي قَالَ: «يَا أَنَسُ، أَحْكِمْ وُضُوءَكَ لِصَلَاتِكَ تُحِبُّكَ حَفَظَتُكَ، وَيَزِدْ فِي عُمْرِكَ. يَا أَنَسُ، اغْتَسِلْ مِنَ الْجَنَابَةِ وَبَالِغْ فِيهَا، فَإِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةً» . قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ أُبَالِغُ فِيهَا؟ قَالَ: «رَوِّ أُصُولَ شَعْرِكَ، وَأَنْقِ بَشْرَتَكَ، تَخْرُجْ مِنْ مُغْتَسَلِكَ وَقَدْ غُفِرَ ذَنْبُكَ. يَا أَنَسُ لَا يَفُوتَنَّكَ رَكْعَتَا الضُّحَى فَإِنَّهَا صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ، وَأَكْثِرِ الصَّلَاةَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِنَّكَ مَا دُمْتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُصَلُّونَ عَلَيْكَ.

стр. 161

يَا أَنَسُ، وَإِذَا قُمْتَ لِلصَّلَاةِ فَانْصِبْ نَفْسَكَ للَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، وَفَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ، وَارْفَعْ عَضُدَيْكَ عَنْ جَنْبَيْكَ، وَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ فَقُمْ حَتَّى يَعُودَ كُلُّ عُضْوٍ إِلَى مَكَانِهِ، وَإِذَا سَجَدْتَ فَأَلْقِ وَجْهَكَ بِالْأَرْضِ وَلَا تَنْقُرْ نَقْرَ الْغُرَابِ، وَلَا تَبْسُطْ ذِرَاعَيْكَ بَسْطَ الثَّعْلَبِ، وَإِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ، وَضَعْ إِلْيَتَكَ بَيْنَ قَدَمَيْكَ، وَالْزَقْ ظَاهِرَ قَدَمَيْكَ بِالْأَرْضِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى صَلَاةٍ لَا يَتِمُّ رُكُوعُهَا وَلَا سُجُودُهَا، وَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ عَلَى الْوُضُوءِ فِي يَوْمِكَ وَلَيْلَتِكَ فَافْعَلْ، فَإِنَّهُ إِنْ يَأْتِكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَفُتْكَ الشَّهَادَةُ. يَا أَنَسُ، إِذَا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ يَعْنِي عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ تَكْثُرْ بَرَكَتُكَ وَبَرَكَةُ بَيْتِكَ. وَإِذَا خَرَجْتَ لِحَاجَةٍ فَلَا يَقَعَنَّ بَصَرُكَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ قِبْلَتِكَ إِلَّا سَلَّمْتَ عَلَيْهِ تَدْخُلْ حَلَاوَةُ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِكَ. وَإِنْ أَصَبْتَ ذَنْبًا فِي مَخْرَجِكَ رَجَعْتَ وَقَدْ غُفِرَ لَكَ. يَا أَنَسُ لَا تَبِيتَنَّ لَيْلَةً وَلَا تُصْبِحَنَّ يَوْمًا وَفِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَخَذَ بِسُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَهُوَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ. يَا أَنَسُ، إِذَا عَمِلْتَ بِهَذَا وَحَفِظْتَ وَصِيَّتِي فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنَ الْمَوْتِ فَإِنَّ فِيهِ رَاحَتَكَ» فَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ إِخْرَاجَ الْغِشِّ مِنَ الْقَلْبِ مِنْ سُنَّتِهِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُخْرِجَ الْغِلَّ وَالْحَسَدَ مِنْ قَلْبِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ ٢٢٨ - سَمِعْتُ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَحْكِي بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ قَالَ: «يَطْلَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مُعَلِّقٌ نَعْلَيْهِ بِشِمَالِهِ» . فَطَلَعَ رَجُلٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَسَلَّمَ وَجَلَسَ مَعَ الْقَوْمِ. فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ هَيْئَتِهِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَارَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَالَ: قَدْ وَقَعَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي كَلَامٌ، وَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنْ تَأْوِينِي إِلَيْكَ لِأَجْلِ يَمِينِي فَعَلْتَ. قَالَ: نَعَمْ.

стр. 162

قَالَ أَنَسُ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَهُ لَيْلَةً فَلَمْ يَقُمْ مِنْهَا سَاعَةً، إِلَّا إِنَّهُ إِذَا نَامَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَكَبَّرَهُ حَتَّى يَقُومَ مَعَ الْفَجْرِ. فَإِذَا تَوَضَّأَ أَسْبَغَ الْوُضُوءَ وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَصْبَحَ وَهُوَ مُفْطِرٌ، قَالَ: فَرَمَقْتُهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ، لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَسْمَعُهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا. فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ وَكِدْتُ أَنْ أُحَقِّرَ عَمَلَهُ قُلْتُ لَهُ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هِجْرَةٌ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي ثَلَاثِ مَجَالِسَ: «يَطْلَعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . فَطَلَعْتَ أَنْتَ فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ حَتَّى أَنْظُرَ مَا تَعْمَلُهُ فَأَقْتَدِيَ بِكَ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرًا، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ فَانْصَرَفْتُ عَنْهُ. فَدَعَانِي حِينَ وَلَّيْتُ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي شَرًّا لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَحْسُدُهُ عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. قَالَ: فَقُلْتُ هَذَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الَّذِي لَا أُطِيقُ عَلَيْهِ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: بَارَزَ الْحَاسِدُ رَبَّهُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: أَوَّلُهَا: قَدْ أَبْغَضَ كُلَّ نَعْمَةٍ قَدْ ظَهَرَتْ عَلَى غَيْرِهِ. وَالثَّانِي: سَخِطَ لِقِسْمَتِهِ. يَعْنِي يَقُولُ لِرَبِّهِ لِمَ قَسَمْتَ هَكَذَا؟ وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ ضَنَّ بِفَضْلِهِ يَعْنِي أَنَّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. وَهُوَ يَبْخَلُ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالرَّابِعُ: خَذَلَ وَلِيَّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ يُرِيدُ خُذْلَانَهُ وَزَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْهُ. وَالْخَامِسُ: أَعَانَ عَدُوَّهُ. يَعْنِي إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ. وَيُقَالُ: الْحَاسِدُ لَا يَنَالُ فِي الْمَجَالِسِ إِلَّا مَذَمَّةً مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا لَعْنَةً وَبُغْضًا. وَلَا يَنَالُ فِي الْخَلْوَةِ إِلَّا جَزَعًا وَغَمًّا، وَلَا يَنَالُ عِنْدَ النِّزَاعِ إِلَّا شِدَّةً وَهَوْلًا، وَلَا يَنَالُ فِي الْمَوْقِفِ إِلَّا فَضِيحَةً وَنَكَالًا، وَلَا يَنَالُ فِي النَّارِ إِلَّا حَرًّا وَاحْتِرَاقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 163

بَابُ: الْكِبْرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ مِسْعَرَ بْنِ كِدَامٍ، عَنْ أَبِي مُصْعَبَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: «يَأْتِي الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذُرًا فِي صُوَرِ الرِّجَالِ يَغْشَاهُمْ أَوْ يَأْتِيهِمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يُسْلَكُونَ فِي نَارٍ مِنَ النِّيرَانِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ، وَهِيَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سِعْرٍ , أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ مَرَّ بِمَسَاكِينَ وَهُمْ يَأْكُلُونَ كِسَرًا لَهُمْ عَلَى كِسَاءٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْغَدَاءَ. قَالَ: فَنَزَلَ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ» ، فَأَكَلَ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «قَدْ أَجَبْتُكُمْ فَأَجِيبُونِي» ، فَانْطَلَقُوا مَعَهُ. فَلَمَّا أَتَوُا الْمَنْزِلَ قَالَ لِجَارِيَتِهِ: «أَخْرِجِي مَا كُنْتِ تَدَّخِرِينَ» . ٢٢٩ - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ " ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: أَوَّلُهُمْ شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ ". يَعْنِي الْفَقِيرَ ٢٣٠ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْفَقِيهُ الرَّازِي أَبُو

стр. 164

عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبَاحٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَامِرِ الْعُقَيْلِيِّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: فَالشَّهِيدُ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ لَمْ يَشْغَلْهُ رِقُّ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ، وَفَقِيرٌ ضَعِيفٌ ذُو عِيَالٍ. وَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ: فَأَمِيرٌ مُتَسَلِّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنَ الْمَالِ لَا يُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ ". ٢٣١ - وَقَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُبْغِضُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ وَبُغْضُهُ لِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ أَشَدُّ. أَوَّلُهَا: يُبْغِضُ الْفُسَّاقَ، وَبُغْضُهُ لِلشَّيْخِ الْفَاسِقِ أَشَدُّ. وَالثَّانِي: يُبْغِضُ الْبُخَلَاءَ، وَبُغْضُهُ لِلْغَنِيِّ الْبَخِيلِ أَشَدُّ. وَالثَّالِثُ: يُبْغِضُ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَبُغْضُهُ لِلْفَقِيرِ الْمُتَكَبِّرِ أَشَدُّ. وَيُحِبُّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ وَحُبُّهُ لِثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ أَشَدُّ: يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وَحُبُّهُ لِلشَّابِّ التَّقِيِّ أَشَدُّ. وَالثَّانِي: يُحِبُّ الْأَسْخِيَاءَ، وَحُبُّهُ لِلْفَقِيرِ السَّخِيِّ أَشَدُّ. وَالثَّالِثُ: يُحِبُّ الْمُتَوَاضِعِينَ، وَحُبُّهُ لِلْمُتَوَاضِعِ الْغَنِيِّ أَشَدُّ " ٢٣٢ - وَرُوِيَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ , عَنْ يَحْيَى بْنِ جِعْلَةَ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ» . قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي لَيُعْجِبُنِي نَقَاءُ ثَوْبِي، وَشِرَاكُ نَعْلِي، وَعِلَاقَةُ سَوْطِي أَفَهَذَا مِنَ الْكِبْرِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وَيُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً أَنْ يَرَى أَثَرَهَا عَلَيْهِ، وَيُبْغِضُ الْبُؤْسَ وَالتَّبَاؤُسَ، وَلَكِنَّ الْكِبْرَ أَنْ يَسْفَهَ الْحَقَّ وَيَغْمِصَ الْخَلْقَ» ٢٣٣ - وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَصَفَ نَعْلَهُ، وَرَقَّعَ

стр. 165

ثَوْبَهُ، وَعَفَّرَ وَجْهَهُ لِلَّهِ فِي السُّجُودِ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْكِبْرِ» . ٢٣٤ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَبِسَ الصُّوفَ، وَانْتَعَلَ الْمَخْصُوفَ، وَرَكِبَ حِمَارَهُ، وَحَلَبَ شَاتَهُ، وَأَكَلَ مَعَ عِيَالِهِ، وَجَالَسَ الْمَسَاكِينَ، فَقَدْ مَحَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ الْكِبْرَ» . وَذُكِرَ أَنَّ مُوسَى، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، نَاجَى اللَّهَ تَعَالَى فَقَالَ: يَا رَبُّ مَنْ أَبْغَضُ خَلْقِكَ إِلَيْكَ؟ قَالَ: يَا مُوسَى مَنْ تَكَبَّرَ قَلْبُهُ، وَغَلُظَ لِسَانُهُ، وَضَعُفَ يَقِينُهُ، وَبَخِلَتْ يَدُهُ. وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: التَّوَاضُعُ أَحَدُ مَصَائِدِ الشَّرَفِ. وَكُلُّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ عَلَيْهَا إِلَّا التَّوَاضُعَ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: ثَمَرَةُ الْقَنَاعَةِ الرَّاحَةُ، وَثَمَرَةُ التَّوَاضُعُ الْمَحَبَّةُ. وَذُكِرَ أَنَّ الْمُهَلَّبَ بْنَ أَبِي صُفْرَةَ كَانَ صَاحِبَ جَيْشِ الْحَجَّاجِ، فَمَرَّ عَلَى مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَهُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّةِ خَزٍّ، فَقَالَ لَهُ مُطَرِّفٌ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذِهِ مِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ الْمُهَلَّبُ: أَمَا تَعْرِفُنِي؟ فَقَالَ: بَلْ أَعْرِفُكَ. أَوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيفَةٌ قَذِرَةٌ، وَأَنْتَ تَحْمِلُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ الْعُذْرَةَ. فَتَرَكَ الْمُهَلَّب مِشْيَتَهُ تِلْكَ.

стр. 166

وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: افْتِخَارُ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِرَبِّهِ، وَعِزُّهُ بِدِينِهِ. وَافْتِخَارُ الْمُنَافِقِ بِحَسَبِهِ، وَعِزُّهُ بِمَالِهِ. ٢٣٥ - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْمُتَوَاضِعِينَ فَتَوَاضَعُوا لَهُمْ. وَإِذَا رَأَيْتُمُ الْمُتَكَبِّرِينَ فَتَكَبَّرُوا عَلَيْهِمْ. فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُمْ صَغَارٌ وَمَذَلَّةٌ وَلَكُمْ بِذَلِكَ صَدَقَةٌ» ٢٣٦ - وَروَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا تَوَاضَعَ رَجُلٌ للَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَرَوَى عَنْ عُمَرَ ﵁ , أَنَّهُ قَالَ: «رَأْسُ التَّوَاضُعِ أَنْ تَبْدَأَ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ لَقِيتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ تَرْضَى بِالدُّونِ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَأَنْ تَكْرَهَ أَنْ تُذَكِّرَ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى» اعْلَمْ أَنَّ الْكِبْرَ مِنْ أَخْلَاقِ الْكُفَّارِ وَالْفَرَاعِنَةِ، وَالتَّوَاضُعُ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْكُفَّارَ بِالْكِبْرِ فَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] ، وَقَالَ: ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٩] ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] ، وَقَالَ: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٧٢]

стр. 167

، وَقَالَ: ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣] ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالتَّوَاضُعِ فَقَالَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ، يَعْنِي مُتَوَاضِعِينَ وَمَدَحَهُمْ بِتَوَاضُعِهِمْ، وَأَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالتَّوَاضُعِ فَقَالَ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] ، ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] ، وَمَدَحَ النَّبِيَّ ﷺ بِخُلُقِهِ فقَالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وَكَانَ خُلُقُهُ التَّوَاضُعُ، لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ كَانَ يَرْكَبُ الْحِمَارَ وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ. فَثَبَتَ أَنَّ التَّوَاضُعَ مِنْ أَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ. وَكَانَ الصَّالِحُونَ مِنْ قَبْلُ، أَخْلَاقُهُمُ التَّوَاضُعُ، فَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَقْتَدِيَ بِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ أَتَاهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ ضَيْفٌ، فَلَمَّا صَلَّى الْعِشَاءَ، وَكَانَ يَكْتُبُ شَيْئًا وَالضَّيْفُ عِنْدَهُ، كَادَ السِّرَاجُ أَنْ يَنْطَفِئَ فَقَالَ الضَّيْفُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَقُومُ إِلَى الْمِصْبَاحِ فَأُصْلِحُهُ؟ قَالَ: لَيْسَ مِنْ مُرُوءَةِ الرَّجُلِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ ضَيْفَهُ. قَالَ: أَفَأُنَبِّهُ الْغُلَامَ؟ قَالَ: لَا. هِيَ أَوَّلُ نَوْمَةٍ نَامَهَا. فَقَامَ عُمَرُ وَأَخَذَ الْبَطَّةَ فَمَلَأَ الْمِصْبَاحَ. فَقَالَ الضَّيْفُ: قُمْتَ بِنَفْسِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: ذَهَبْتُ وَأَنَا عُمَرُ وَرَجَعْتُ وَأَنَا عُمَرُ، وَخَيْرُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَانَ مُتَوَاضِعًا. وَرُوِيَ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ حَازِمٍ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ تَلَقَّاهُ عُلَمَاؤُهَا وَكُبَرَاؤُهَا فَقِيلَ: ارْكَبْ هَذَا الْبِرْذَوْنَ يَرَكَ النَّاسُ. فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَرَوْنَ الْأَمْرَ مِنْ هَهُنَا، إِنَّمَا الْأَمْرُ مِنْ هَهُنَا، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ، خَلُّوا سَبِيلِي. وَرُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غُلَامِهِ مُنَاوَبَةً، فَكَانَ يَرْكَبُ النَّاقَةَ وَيَأْخُذُ الْغُلَامَ بِزِمَامِ النَّاقَةِ وَيَسِيرُ مِقْدَارَ فَرْسَخٍ، ثُمَّ يَنْزِلُ نَوْبَةَ رُكُوبِ الْغُلامِ، فَرَكِبَ الْغُلامُ وَأَخَذَ عُمَرُ بِزِمَامِ النَّاقَةِ، فَاسْتَقْبَلَهُ الْمَاءُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَخُوضُ فِي الْمَاءِ وَنَعْلُهُ تَحْتَ إِبِطِهِ الْيُسْرَى، وَهُوَ آخِذٌ بِزِمَامِ

стр. 168

النَّاقَةِ، فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الشَّامِ وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ عُظَمَاءَ الشَّامِ يَخْرُجُونَ إِلَيْكَ، فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَرَوْكَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّمَا أَعَزَّنَا اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ، فَلَا نُبَالِي مِنْ مَقَالَةِ النَّاسِ وَذُكِرَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ كَانَ أَمِيرًا بِالْمَدِينَةِ. فَاشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ عُظَمَائِهَا شَيْئًا، فَمَرَّ بِهِ سَلْمَانُ فَحَسِبَهُ عِلْجًا فَقَالَ: تَعَالَ فَاحْمِلْ هَذَا فَحَمَلَهُ سَلْمَانُ، فَجَعَلَ يَتَلَقَّاهُ النَّاسُ وَيَقُولُونَ: أَصْلَحَ اللَّهُ الْأَمِيرَ، نَحْنُ نَحْمِلُ عَنْكَ. فَأَبَى أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِمْ. فَقَالَ الرَّجُلُ فِي نَفْسِهِ وَيْحَكَ إِنِّي لَمْ أُسَخِّرْ إِلَّا الْأَمِيرَ. فَجَعَلَ يَعْتَذِرُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: لَمْ أَعْرِفْكَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ. فَقَالَ: انْطَلِقْ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا أُسَخِّرُ أَحَدًا أَبَدًا. وَرُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ أَمِيرًا بِالْكُوفَةِ، فَخَرَجَ إِلَى حَانُوتِ الْعَلَّافِ فَاشْتَرَى مِنْهُ الْقَتَّ، فَرَبَطَهُ الْبَائِعُ. وَأَخَذَ الْبَائِعُ جَانِبَ الْحِزْمَةِ، فَجَعَلَ يَمُدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَهُ، حَتَّى صَارَ نِصْفُ الْقَتِّ فِي يَدِ هَذَا، وَنِصْفُهُ فِي يَدِ هَذَا، ثُمَّ جَعَلَهُ عَلَى عَاتِقِ عَمَّارٍ فَذَهَبَ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ بَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمِيرًا عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَدَخَلَ الْبَحْرَيْنِ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ، وَجَعَلَ يَقُولُ: طَرِّقُوا لِلْأَمِيرِ، طَرِّقُوا لِلْأَمِيرِ، فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ خُلُقُهُمُ التَّوَاضُعَ، وَكَانُوا أَعِزَّاءَ عِنْدَ الْخَلْقِ، وَعِنْدَ الْمَلَائِكَةِ وَعِنْدَ اللَّهِ ٢٣٧ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وأَنَّهُ قَالَ: «مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ، وَمَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِزًّا» . ٢٣٨ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَبَيْنَ يَدَيْهِ طَبَقٌ فِيهِ قَدِيدٌ، وَهُوَ جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَأْكُلُ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ بَذِيَّةٌ،

стр. 169

مَا تُبَالِي لَقِيَتِ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فَنَظَرَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَنَا عَبْدٌ أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ، وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ» . وَقَالَ لَهَا: «كُلِي» فَقَالَتْ: لَا. إِلَّا أَنْ تُطْعِمَنِي بِيَدِكَ، فَأَطْعَمَهَا. فَقَالَتْ: لَا. حَتَّى تُطْعِمَنِي مِنْ فِيكَ، وَكَانَ فِي فَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِيدَةٌ فِيهَا عَصَبٌ قَدْ مَضَغَهَا، فَأَخْرَجَهَا فَأَعْطَاهَا إِيَّاهَا، قَالَ: فَأَخَذَتْهَا وَمَضَغَتْهَا. فَمَا هِيَ أَنْ وَقَعَتْ فِي بَطْنِهَا فَغَشِيَهَا مِنَ الْحَيَاءِ حَتَّى مَا كَانَتْ تَسْتَطِيعُ النَّظَرَ إِلَى أَحَدٍ. قَالَ: فَمَا سُمِعَ مِنْهَا بَعْدَ يَوْمِهَا ذَلِكَ بِبَاطِلٍ حَتَّى لَحِقَتْ بِاللَّهِ تَعَالَى ٢٣٩ - وَرَوَى الْحَسَنُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ، فَخُيِّرْتُ بَيْنَ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا أَوْ نَبِيًّا مَلَكًا، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ أَنْ تَوَاضَعْ وَكُنْ عَبْدًا، فَاخْتَرْتُ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا، فَأُوتِيتُ ذَلِكَ وَإِنِّي أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ» . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ تَوَاضَعَ تَخَشُّعًا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ تَطَاوَلَ تَعَظُّمًا، وَضَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ ٢٤٠ - وَذُكِرَ عَنْ قَتَادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «مَنْ فَارَقَتْ رُوحُهُ جَسَدَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ فَارَقَ الدُّنْيَا " وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: مِنَ الْكِبْرِ وَالْخِيَانَةِ وَالدَّيْنِ " قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرَ , قَالَ: دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ السُّوقَ فَاشْتَرَى قَمِيصَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْكَرَابِيسِ بِسِتَّةِ دَرَاهِمَ , ثُمَّ قَالَ لِغُلَامِهِ: «يَا أَسْوَدُ، اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْتَ» ، فَاخْتَارَ الْغُلَامُ خَيْرَهُمَا، وَلَبِسَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ الْآخَرَ فَفَضَلَ كُمَّاهُ عَلَى أَطْرَافِهِ، فَدَعَا بِالشَّفْرَةِ فَقَطَعَ كُمَّيْهِ. وَخَطَبَ بِالنَّاسِ يَوْمَ الْجُمْعَةِ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى تِلْكَ الْهُدَبِ عَلَى ظَهْرِ كَفَّيْهِ. وَرَأَى رَجُلًا قَدْ أَسْبَلَ ثَوْبَهُ فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، ارْفَعْ ثَوْبَكَ.

стр. 170

فَإِنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِكَ وَأَتْقَى لِقَلْبِكَ، وَأَبْقَى عَلَيْكَ» ٢٤١ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: " قَالَ تَعَالَى: الْعَظَمَةُ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْقَيْتُهُ فِي النَّارِ «. » الْعَظَمَةُ إِزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ". يَعْنِي إِنَّهُمَا مِنْ صِفَاتِي. كَمَا فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ فَهُمَا صِفَتَانِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ الضَّعِيفِ أَنْ يَتَكَبَّرَ

стр. 171

بَابُ: الِاحْتِكَارِ ٢٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْحَاكِمُ السَّرْدِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ مَعْمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيِّ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ» ٢٤٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ» ٢٤٤ - وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ» . وَإِنَّمَا أَرَادَ بِالْجَالِبِ الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ لِلْبَيْعِ فَيَجْلِبُهُ إِلَى بَلَدِهِ فَيَبِيعُهُ، فَهُوَ مَرْزُوقٌ لِأَنَّ النَّاسَ يَنْتَفِعُونَ بِهِ فَيَنَالُهُ بَرَكَةُ دُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْمُحْتَكِرُ الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ لِلْمَنْعِ وَيَضُرُّ بِالنَّاسِ

стр. 172

٢٤٥ - وَرَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يُسْلِمَ ابْنَهُ إِلَى عَمَلٍ، فَاسْتَشَارَ النَّبِيَّ ﷺ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تُسْلِمْهُ إِلَى حَنَّاطٍ يَبِيعُ الْحِنْطَةَ، وَلَا إِلَى جَزَّارٍ وَلَا إِلَى مَنْ يَبِيعُ الْأَكْفَانَ» . أَمَّا الْحَنَّاطُ فَلَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى زَانِيًا، أَوْ شَارِبَ خَمْرٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَهُوَ قَدْ حَبَسَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَأَمَّا الْجَزَّارُ فَإِنَّهُ يَذْبَحُ حَتَّى تَذْهَبَ الرَّحْمَةُ مِنْ قَلْبِهِ، وَأَمَّا بَائِعُ الْأَكْفَانِ فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى لِأُمَّتِي الْمَوْتَ، وَالْمَوْلُودُ مِنْ أُمَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. الْحِكْرَةُ أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ فِي مِصْرِهِ وَيَحْبِسَهُ عَنِ الْبَيْعِ، وَلِلنَّاسِ حَاجَةٌ إِلَيْهِ، فَهَذَا هُوَ الِاحْتِكَارُ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ، وَأَمَّا إِذَا دَخَلَ لَهُ الطَّعَامُ مِنْ ضِيَعِهِ، أَوْ جُلِبَ مِنْ مِصْرٍ آخَرَ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ احْتِكَارًا؛ وَلَكِنْ لَوْ كَانَ لِلنَّاسِ إِلَيْهِ حَاجَةٌ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبِيعَهُ. وَفِي امْتِنَاعِهِ عَنْ ذَلِكَ يَكُونُ مُسِيئًا لِسُوءِ نِيَّتِهِ، وَقِلَّةِ شَفَقَتِهِ لِلْمُسْلِمِينَ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُجْبَرَ الْمُحْتَكِرُ عَلَى بَيْعِ الطَّعَامِ. فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ وَيُؤَدَّبُ وَلَا يُسَعَّرُ عَلَيْهِ. وَيُقَالُ لَهُ بِعْهُ كَمَا يَبِيعُ النَّاسُ. ٢٤٦ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَنَا لَا أُسعِّرُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْمُسَعِّرُ» . ٢٤٧ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْغَلَاءُ وَالرُّخْصُ جُنْدَانِ مِنْ جُنُودِ اللَّهِ تَعَالَى، اسْمُ أَحَدِهِمَا الرَّغْبَةُ وَاسْمُ الْآخَرِ الرَّهْبَةُ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُرَخِّصَهُ، قَذَفَ الرَّهْبَةَ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ فَرَخُصَ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُغَلِّيهِ، قَذَفَ الرَّغْبَةَ فِي قُلُوبِ الرِّجَالِ فَحَبَسُوهُ فِي أَيْدِيهِمْ» . وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ عَابِدًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرَّ عَلَى كَثِيبٍ مِنَ الرَّمْلِ،

стр. 173

فَتَمَنَّى فِي نَفْسِهِ لَوْ كَانَ دَقِيقًا فَأَشْبَعَ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَجَاعَةٍ أَصَابَتْهُمْ. فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى، إِلَى نَبِيٍّ فِيهِمْ أَنْ قُلْ لِفُلَانٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، قَدْ أَوْجَبَ لَكَ مِنَ الْأَجْرِ مَا لَوْ كَانَ دَقِيقًا فَتَصَدَّقْتَ بِهِ. يَعْنِي أَنَّهُ لَمَّا نَوَى نِيَّةً حَسَنَةً أَعْطَاهُ الْأَجْرَ بِحُسْنِ نِيَّتِهِ وَشَفَقَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَرَحْمَتِهِ لَهُمْ. فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ مُشْفِقًا رَحِيمًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَ لَهُ: أَوْصِنِي، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ أُوصِيكَ بِسِتَّةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا يَقِينُ الْقَلْبِ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي تَكَفَّلَ اللَّهُ لَكَ بِهَا. وَالثَّانِي بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ لِوَقْتِهَا. وَالثَّالِثُ بِلِسَانٍ رَطْبٍ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالرَّابِعُ لَا تُوَافِقِ الشَّيْطَانَ، فَإِنَّهُ حَاسِدٌ لِلْخَلْقِ. وَالْخَامِسُ لَا تُعَمِّرِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تُخَرِّبُ آخِرَتَكَ. وَالسَّادِسُ أَنْ تَكُونَ نَاصِحًا لِلْمُسْلِمِينَ دَائِمًا. يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ نَاصِحًا لِلْمُسْلِمِينَ، رَحِيمًا بِهِمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ. وَقِيلَ: إِنَّ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ إِحْدَى عَشْرَةَ خَصْلَةً: أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ هِمَّتُهُ الْعِبَادَةَ وَتِلَاوَةَ الْقُرْآنِ. وَالثَّالِثُ: قِلَّةُ الْقَوْلِ فِيمَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُحَافِظًا عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ وَرِعًا فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنَ الْحَرَامِ. وَالسَّادِسُ: أَنْ تَكُونَ صُحْبَتُهُ مَعَ الصَّالِحِينَ. وَالسَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُتَوَاضِعًا غَيْرَ مُتَكَبِّرٍ. وَالثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ سَخِيًّا كَرِيمًا. وَالتَّاسِعُ أَنْ يَكُونَ رَحِيمًا بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ نَافِعًا لِلْخَلْقِ. وَالْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ ذَاكِرًا لِلْمَوْتِ كَثِيرًا. وَعَلَامَةُ الشَّقَاءِ أَيْضًا، إِحْدَى عَشْرَةَ خَصْلَةً: أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ حَرِيصًا عَلَى جَمْعِ الْمَالِ , وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ نَهْمَتُهُ فِي الشَّهَوَاتِ وَاللَّذَّاتِ فِي الدُّنْيَا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فَحَّاشًا فِي الْقَوْلِ مِكْثَارًا. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُتَهَاوِنًا فِي الصَّلَوَاتِ. وَالْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ أَكْلُهُ مِنَ الْحَرَامِ وَالشُّبُهَاتِ، وَصُحْبَتُهُ مَعَ الْفُجَّارِ. وَالسَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ سَيِّئَ الْخُلُقِ. وَالسَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مُخْتَالًا مُتَكَبِّرًا فَخُورًا. وَالثَّامِنُ: أَنْ يَمْنَعَ مَنْفَعَتَهُ مِنَ النَّاسِ. وَالتَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ قَلِيلَ الرَّحْمَةِ لِلْمُسْلِمِينَ. وَالْعَاشِرُ: أَنْ يَكُونَ بَخِيلًا.

стр. 174

وَالْحَادِي عَشَرَ: أَنْ يَكُونَ نَاسِيًا لِلْمَوْتِ. يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ طَعَامَهُ مِنَ الْبَيْعِ وَيَرْحَمُ الْمُسْلِمِينَ. وَذَكَرَ بَعْضُ الزُّهَّادِ أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِهِ وِقْرٌ مِنَ الْحِنْطَةِ فَقَحَطَ النَّاسُ، فَبَاعَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْحِنْطَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَشْتَرِي لِحَاجَتِهِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَمْسَكْتَ مَا عِنْدَكَ؟ فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُشَارِكَ النَّاسَ فِي غَمِّهِمْ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ

стр. 175

بَابُ: الزَّجْرِ عَنِ الضَّحِكِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ لِلْحَوَارِيِّينَ: يَا مِلْحَ الْأَرْضِ لَا تُفْسِدُوا، فَإِنَّ الْأَشْيَاءَ إِذَا فَسَدَتْ إِنَّمَا تُدَاوَى بِالْمِلْحِ، إِنَّ الْمِلْحَ إِذَا فَسَدَ لَمْ يُدَاوَ بِشَيْءٍ، يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، لَا تَأْخُذُوا مِمَّنْ تَعْلَمُونَ أَجْرًا إِلَّا كَمَا أَعْطَيْتُمُونِي، وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ خَصْلَتَيْنِ مِنَ الْجَهْلِ، الضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَالتَّصَبُّحُ مِنْ غَيْرِ سَهَرٍ. مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ مِلْحَ الْأَرْضِ: يَعْنِي بِهِ الْعُلَمَاءَ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ الْخَلْقَ، وَيُدِلُّونَهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْآخِرَةِ، فَإِذَا تَرَكَ الْعُلَمَاءُ طَرِيقَ الْآخِرَةِ، فَمَنِ الَّذِي يَدُلُّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ؟ ! وَبِمَنْ يَقْتَدِي الْجُهَّالُ. وَقَوْلُهُ لَا تَأْخُذُوا مِمَّنْ تَعْلَمُونَ أَجْرًا إِلَّا كَمَا أَعْطَيْتُمُونِي. يَعْنِي أَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فكما أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يُعَلِّمُونَ الْخَلْقَ بِغَيْرِ أَجْرٍ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس: ٧٢] ، فَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَقْتَدُوا بِالْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يَأْخُذُوا عَلَى تَعْلِيمِهِمْ أَجْرًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ الضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ. يَعْنِي بِالضَّحِكِ الْقَهْقَهَةَ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ. وَهُوَ مِنْ عَمَلِ السُّفَهَاءِ. وَأَمَّا التَّصَبُّحُ مِنْ غَيْرِ سَهَرٍ. يَعْنِي النَّوْمَ فِي أَوَّلَ النَّهَارِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ سَاهِرًا بِاللَّيْلِ. فَإِنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْحُمْقِ.

стр. 176

٢٤٨ - وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «النَّوْمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ حُمْقٌ وَفِي أَوْسَطِهِ خُلُقٌ، وَفِي آخِرِهِ خُرْقٌ» يَعْنِي الْجَهْلَ ٢٤٩ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مَنِيعٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَنْجُوَيْهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَالِبٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا الْكَوْثَرُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا قَوْمٌ يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ، فَوَقَفَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» . قُلْنَا: وَمَا هَاذِمُ اللَّذَّاتِ؟ قَالَ: «الْمَوْتُ» . ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَإِذَا قَوْمٌ يَضْحَكُونَ فَقَالَ: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» . ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا. فَإِذَا قَوْمٌ يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . فَقِيلَ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «الَّذِينَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ صَلَحُوا» قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ , قَالَ: " لَمَّا فَارَقَ الْخِضْرُ مُوسَى ﵉، قَالَ لَهُ: عِظْنِي. قَالَ: يَا مُوسَى، إِيَّاكَ وَاللَّجَاجَةَ، وَلَا تَكُنْ مَاشِيًا بِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا تَضْحَكْ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَلَا تَعْجَبْ عَلَى الْخَاطِئِ بِخَطِيئَتِهِ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَلَا تُعَيِّرِ الْخَاطِئِينَ بِخَطَايَاهُمْ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ يَابْنَ عِمْرَانَ ٢٥٠ - وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ عَوْفٍ، عَنْ مَسْعُودٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «كَانَ

стр. 177

النَّبِيُّ ﷺ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَّا جَمِيعًا» . يَعْنِي يَلْتَفِتُ بِجَمِيعِ وَجْهِهِ. فَفِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّبَسُّمَ مُبَاحٌ. وَإِنَّمَا النَّهْيُ عَنِ الضَّحِكِ بِالْقَهْقَهَةِ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَضْحَكَ بِالْقَهْقَهَةِ، فَإِنَّ مَنْ ضَحِكَ قَهْقَهَةً فِي الدُّنْيَا قَلِيلًا، بَكَى فِي الْآخِرَةِ كَثِيرًا، فَكَيْفَ بِمَنْ ضَحِكَ فِي الدُّنْيَا كَثِيرًا؛ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا فِي الدُّنْيَا، وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا فِي الْآخِرَةِ. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ [التوبة: ٨٢] فِي الدُّنْيَا ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] فِي الْآخِرَةِ. فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢] . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عَجَبًا مِنْ ضَاحِكٍ وَمِنْ وَرَائِهِ النَّارُ، وَمِنْ مَسْرُورٍ وَمِنْ وَرَائِهِ الْمَوْتُ. وَقِيلَ: مَرَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِشَابٍّ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ هَلْ جُزْتَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: لَا فَقَالَ: هَلْ تَبَيَّنَ لَكَ، إِلَى الْجَنَّةِ تَصِيرُ أَمْ إِلَى النَّارِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَفِيمَ هَذَا الضَّحِكُ؟ قَالَ: فَمَا رُؤِيَ الْفَتَى ضَاحِكًا بَعْدَهُ قَطُّ. يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ الْحَسَنِ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ فَتَابَ عَنِ الضَّحِكِ. وَهَكَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَكَلَّمُوا بِالْمَوْعِظَةِ، وَقَعَ كَلَامُهُمْ مَوْقِعًا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِالْعِلْمِ فَيَنْفَعُ عِلْمُهُمْ غَيْرَهُمْ. فَأَمَّا عُلَمَاءُ زَمَانِنَا فَإِنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَلَا يَنْفَعُ عِلْمُهُمْ غَيْرَهُمْ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَهُوَ يَضْحَكُ، دَخَلَ النَّارَ وَهُوَ يَبْكِي. وَيُقَالُ: أَكْثَرُ النَّاسِ ضَحِكًا فِي الدُّنْيَا، أَكْثَرُهُمْ بُكَاءً فِي الْآخِرَةِ. وَأَكْثَرُهُمْ بُكَاءً فِي الدُّنْيَا، أَكْثَرُهُمْ ضَحِكًا فِي الْجَنَّةِ قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَرْبَعُ خِصَالٍ لَمْ يُبْقِينَ لِلْمُؤْمِنِ

стр. 178

ضَحِكًا وَلَا فَرَحًا: هَمُّ الْمَعَادِ، يَعْنِي هَمَّ الْآخِرَةِ، وَشُغْلُ الْمَعَاشِ، وَغَمُّ الذُّنُوبِ، وَإِلْمَامُ الْمَصَائِبِ. يَعْنِي يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ مَشْغُولًا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ، لِتَمْنَعَهُ عَنِ الضَّحِكِ، فَإِنَّ الضَّحِكَ لَيْسَ مِنْ خِصَالِ الْمُؤْمِنِ. وَقَدْ عَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَقْوَامًا بِالضَّحِكِ فَقَالَ: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴿٥٩﴾ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ﴿٦٠﴾ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩-٦١] ، وَمَدَحَ أَقْوَامًا بِالْبُكَاءِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] . وَيُقَالُ: غَمُّ الْأَحْيَاءِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَكُونَ غَمُّهُ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ: أَوَّلُهَا: غَمُّ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ لِأَنَّهُ قَدْ أَذْنَبَ ذُنُوبًا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْعَفْوُ. فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَغْمُومًا بِهَا، مَشْغُولًا بِهَا. وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ الْحَسَنَاتِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْقَبُولُ. وَالثَّالِثُ: قَدْ عَلِمَ حَيَاتَهُ فِيمَا مَضَى كَيْفَ مَضَى، وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ الْبَاقِي. وَالرَّابِعُ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ للَّهِ تَعَالَى دَارَيْنِ، وَلَا يَدْرِي إِلَى أَيَّةِ دَارٍ يَصِيرُ. وَالْخَامِسُ: لَا يَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَاضٍ عَنْهُ، أَمْ سَاخِطٌ عَلَيْهِ، فَمَنْ كَانَ غَمُّهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْخَمْسَةِ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهُ عَنِ الضَّحِكِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ غَمُّهُ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْخَمْسَةِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ خَمْسَةٌ مِنَ الْغُمُومِ. أَوَّلُهَا: حَسْرَةُ مَا خَلَّفَ مِنَ التَّرِكَةِ الَّتِي جَمَعَهَا مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَتَرَكَهَا لِوَرَثَتِهِ الْأَعْدَاءِ. وَالثَّانِي نَدَامَةُ تَسْوِيفِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَيَرَى فِي كِتَابِهِ عَمَلًا، فَيَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ لِيَعْمَلَ صَالِحًا فَلَا يُؤْذَنُ لَهُ.

стр. 179

وَالثَّالِثُ: نَدَامَةُ الذُّنُوبِ، فَيَرَى كِتَابَهُ ذُنُوبًا كَثِيرَةً، فَيَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ لِيَتُوبَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهُ. وَالرَّابِعُ: يَرَى لِنَفْسِهِ خُصُومًا كَثِيرَةً، وَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ أَنْ يُرْضِيَهُمْ إِلَّا بِأَعْمَالِهِ. وَالْخَامِسُ: وَجَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ غَضْبَانًا وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُرْضِيَهُ. ٢٥١ - وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى رَبِّكُمْ وَتَبْكُونَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مَا انْبَسَطْتُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ وَلَا تَقَارَرْتُمْ عَلَى فُرُشِكُمْ. وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي يَوْمَ خَلَقَنِي شَجَرَةً تُعْضَدُ» وَرَوَى يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعَالَى يُمْسِي حَزِينًا، وَيُصْبِحُ حَزِينًا، وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَلَّمَا رَأَيْتُهُ إِلَّا كَرَجُلٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ مُحْدَثَةٍ. وَرُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ مَا رُؤِيَ الْحَسَنُ إِلَّا كَأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ دَفْنِ أُمِّهِ. وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] ، قَالَ الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمَ، وَالْكَبِيرَةُ الْقَهْقَهَةُ. يَعْنِي أَنَّ الْقَهْقَهَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ. وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَسَجَدَ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَنْقَطِعَ صُلْبُهُ، وَلَصَرَخَ حَتَّى يَنْقَطِعَ صَوْتُهُ، ابْكُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا يَعْنِي تَشَبَّهُوا بِالْبَاكِينَ. ٢٥٢ - وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ فِي حَدِيثٍ يَذْكُرُهُ قَالَ: " كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَعْيُنٍ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَيْنٌ

стр. 180

غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَيْنٌ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ". وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ مَرْفُوعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ضَحِكْتُ مَرَّةً وَأَنَا مِنَ النَّادِمِينَ عَلَى ذَلِكَ. وَذَلِكَ أَنِّي نَاظَرْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ الْقَدَرِيَّ، فَلَمَّا أَحْسَسْتُ بِالظَّفَرِ ضَحِكْتُ. فَقَالَ لِي: تَتَكَلَّمُ فِي الْعِلْمِ وَتَضْحَكُ، فَلَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا، وَأَنَا مِنَ النَّادِمِينَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضِحْكِي لَرَدَدْتُهُ إِلَى قَوْلِي فَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحُ الْعِلْمِ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَابِدِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَرَكَ فُضُولَ النَّظَرِ وُفِّقَ لِلْخُشُوعِ، وَمَنْ تَرَكَ الْكِبْرَ وُفِّقَ لِلتَّوَاضُعِ، وَمَنْ تَرَكَ فُضُولَ الْكَلَامِ وُفِّقَ لِلْحِكْمَةِ، وَمَنْ تَرَكَ فُضُولَ الطَّعَامِ وُفِّقَ لِحَلَاوَةِ الْعِبَادَةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمُزَاحَ وُفِّقَ لِلْبَهَاءِ، وَمَنْ تَرَكَ الضَّحِكَ وُفِّق لِلْهَيْبَةِ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّغْبَةَ وُفِّقَ لِلْمَحَبَّةِ، يَعْنِي إِذَا لَمْ يَرْغَبْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ أَحَبُّوه، وَمَنْ تَرَكَ التَّجَسُّسَ وُفِّقَ لِإِصْلَاحِ عُيُوبِهِ، وَمَنْ تَرَكَ التَّوَهُّمَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وُفِّقَ لِلنَّجَاةِ مِنَ الشَّكِّ وَالنِّفَاقِ. ٢٥٣ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُوَلِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] ، قَالَ: كَانَ تَحْتَهُ لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ خَمْسَةُ أَسْطُرٍ: أَوَّلُهَا عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِزَوَالِ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا وَفِي الْخَامِسِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ يُقَالُ: ضَحِكُ الْمُؤْمِنِ مِنْ غَفْلَتِهِ.
следующие страницы →