Полный текст (602 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٢٤٨ - وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «النَّوْمُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ حُمْقٌ وَفِي أَوْسَطِهِ خُلُقٌ، وَفِي آخِرِهِ خُرْقٌ» يَعْنِي الْجَهْلَ
٢٤٩ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مَنِيعٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ زَنْجُوَيْهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَالِبٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا الْكَوْثَرُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا قَوْمٌ يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ، فَوَقَفَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» .
قُلْنَا: وَمَا هَاذِمُ اللَّذَّاتِ؟ قَالَ: «الْمَوْتُ» .
ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَإِذَا قَوْمٌ يَضْحَكُونَ فَقَالَ: «أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» .
ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا.
فَإِذَا قَوْمٌ يَتَحَدَّثُونَ وَيَضْحَكُونَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
فَقِيلَ وَمَنِ الْغُرَبَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «الَّذِينَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ صَلَحُوا»
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ , قَالَ: " لَمَّا فَارَقَ الْخِضْرُ مُوسَى ﵉، قَالَ لَهُ: عِظْنِي.
قَالَ: يَا مُوسَى، إِيَّاكَ وَاللَّجَاجَةَ، وَلَا تَكُنْ مَاشِيًا بِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا تَضْحَكْ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَلَا تَعْجَبْ عَلَى الْخَاطِئِ بِخَطِيئَتِهِ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَلَا تُعَيِّرِ الْخَاطِئِينَ بِخَطَايَاهُمْ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ يَابْنَ عِمْرَانَ
٢٥٠ - وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ عَوْفٍ، عَنْ مَسْعُودٍ، عَنْ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: «كَانَ
стр. 177
النَّبِيُّ ﷺ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَّا جَمِيعًا» .
يَعْنِي يَلْتَفِتُ بِجَمِيعِ وَجْهِهِ.
فَفِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّبَسُّمَ مُبَاحٌ.
وَإِنَّمَا النَّهْيُ عَنِ الضَّحِكِ بِالْقَهْقَهَةِ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَضْحَكَ بِالْقَهْقَهَةِ، فَإِنَّ مَنْ ضَحِكَ قَهْقَهَةً فِي الدُّنْيَا قَلِيلًا، بَكَى فِي الْآخِرَةِ كَثِيرًا، فَكَيْفَ بِمَنْ ضَحِكَ فِي الدُّنْيَا كَثِيرًا؛ كَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢]
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا فِي الدُّنْيَا، وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا فِي الْآخِرَةِ.
وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ [التوبة: ٨٢] فِي الدُّنْيَا ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ [التوبة: ٨٢] فِي الْآخِرَةِ.
فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢] .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عَجَبًا مِنْ ضَاحِكٍ وَمِنْ وَرَائِهِ النَّارُ، وَمِنْ مَسْرُورٍ وَمِنْ وَرَائِهِ الْمَوْتُ.
وَقِيلَ: مَرَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ بِشَابٍّ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ هَلْ جُزْتَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: لَا فَقَالَ: هَلْ تَبَيَّنَ لَكَ، إِلَى الْجَنَّةِ تَصِيرُ أَمْ إِلَى النَّارِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: فَفِيمَ هَذَا الضَّحِكُ؟ قَالَ: فَمَا رُؤِيَ الْفَتَى ضَاحِكًا بَعْدَهُ قَطُّ.
يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ الْحَسَنِ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ فَتَابَ عَنِ الضَّحِكِ.
وَهَكَذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَكَلَّمُوا بِالْمَوْعِظَةِ، وَقَعَ كَلَامُهُمْ مَوْقِعًا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِالْعِلْمِ فَيَنْفَعُ عِلْمُهُمْ غَيْرَهُمْ.
فَأَمَّا عُلَمَاءُ زَمَانِنَا فَإِنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ فَلَا يَنْفَعُ عِلْمُهُمْ غَيْرَهُمْ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا وَهُوَ يَضْحَكُ، دَخَلَ النَّارَ وَهُوَ يَبْكِي.
وَيُقَالُ: أَكْثَرُ النَّاسِ ضَحِكًا فِي الدُّنْيَا، أَكْثَرُهُمْ بُكَاءً فِي الْآخِرَةِ.
وَأَكْثَرُهُمْ بُكَاءً فِي الدُّنْيَا، أَكْثَرُهُمْ ضَحِكًا فِي الْجَنَّةِ قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَرْبَعُ خِصَالٍ لَمْ يُبْقِينَ لِلْمُؤْمِنِ
стр. 178
ضَحِكًا وَلَا فَرَحًا: هَمُّ الْمَعَادِ، يَعْنِي هَمَّ الْآخِرَةِ، وَشُغْلُ الْمَعَاشِ، وَغَمُّ الذُّنُوبِ، وَإِلْمَامُ الْمَصَائِبِ.
يَعْنِي يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ مَشْغُولًا بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ، لِتَمْنَعَهُ عَنِ الضَّحِكِ، فَإِنَّ الضَّحِكَ لَيْسَ مِنْ خِصَالِ الْمُؤْمِنِ.
وَقَدْ عَيَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَقْوَامًا بِالضَّحِكِ فَقَالَ: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ ﴿٥٩﴾ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ﴿٦٠﴾ وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٥٩-٦١] ، وَمَدَحَ أَقْوَامًا بِالْبُكَاءِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٩] .
وَيُقَالُ: غَمُّ الْأَحْيَاءِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ، فَيَنْبَغِي لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَكُونَ غَمُّهُ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ: أَوَّلُهَا: غَمُّ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ لِأَنَّهُ قَدْ أَذْنَبَ ذُنُوبًا، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْعَفْوُ.
فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَغْمُومًا بِهَا، مَشْغُولًا بِهَا.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ عَمِلَ الْحَسَنَاتِ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْقَبُولُ.
وَالثَّالِثُ: قَدْ عَلِمَ حَيَاتَهُ فِيمَا مَضَى كَيْفَ مَضَى، وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ الْبَاقِي.
وَالرَّابِعُ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ للَّهِ تَعَالَى دَارَيْنِ، وَلَا يَدْرِي إِلَى أَيَّةِ دَارٍ يَصِيرُ.
وَالْخَامِسُ: لَا يَدْرِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَاضٍ عَنْهُ، أَمْ سَاخِطٌ عَلَيْهِ، فَمَنْ كَانَ غَمُّهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْخَمْسَةِ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ يَمْنَعُهُ عَنِ الضَّحِكِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ غَمُّهُ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْخَمْسَةِ فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَقْبِلُهُ بَعْدَ الْمَوْتِ خَمْسَةٌ مِنَ الْغُمُومِ.
أَوَّلُهَا: حَسْرَةُ مَا خَلَّفَ مِنَ التَّرِكَةِ الَّتِي جَمَعَهَا مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَتَرَكَهَا لِوَرَثَتِهِ الْأَعْدَاءِ.
وَالثَّانِي نَدَامَةُ تَسْوِيفِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَيَرَى فِي كِتَابِهِ عَمَلًا، فَيَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ لِيَعْمَلَ صَالِحًا فَلَا يُؤْذَنُ لَهُ.
стр. 179
وَالثَّالِثُ: نَدَامَةُ الذُّنُوبِ، فَيَرَى كِتَابَهُ ذُنُوبًا كَثِيرَةً، فَيَسْتَأْذِنُ فِي الرُّجُوعِ لِيَتُوبَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهُ.
وَالرَّابِعُ: يَرَى لِنَفْسِهِ خُصُومًا كَثِيرَةً، وَلَا يَتَهَيَّأُ لَهُ أَنْ يُرْضِيَهُمْ إِلَّا بِأَعْمَالِهِ.
وَالْخَامِسُ: وَجَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَيْهِ غَضْبَانًا وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُرْضِيَهُ.
٢٥١ - وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى رَبِّكُمْ وَتَبْكُونَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ مَا انْبَسَطْتُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ وَلَا تَقَارَرْتُمْ عَلَى فُرُشِكُمْ.
وَلَوَدِدْتُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَنِي يَوْمَ خَلَقَنِي شَجَرَةً تُعْضَدُ» وَرَوَى يُونُسُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ تَعَالَى يُمْسِي حَزِينًا، وَيُصْبِحُ حَزِينًا، وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَلَّمَا رَأَيْتُهُ إِلَّا كَرَجُلٍ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ مُحْدَثَةٍ.
وَرُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ مَا رُؤِيَ الْحَسَنُ إِلَّا كَأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ دَفْنِ أُمِّهِ.
وَرُوِيَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩] ، قَالَ الصَّغِيرَةُ التَّبَسُّمَ، وَالْكَبِيرَةُ الْقَهْقَهَةُ.
يَعْنِي أَنَّ الْقَهْقَهَةَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَسَجَدَ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَنْقَطِعَ صُلْبُهُ، وَلَصَرَخَ حَتَّى يَنْقَطِعَ صَوْتُهُ، ابْكُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا يَعْنِي تَشَبَّهُوا بِالْبَاكِينَ.
٢٥٢ - وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ فِي حَدِيثٍ يَذْكُرُهُ قَالَ: " كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَعْيُنٍ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَيْنٌ
стр. 180
غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَيْنٌ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ".
وَقد رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ مَرْفُوعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ضَحِكْتُ مَرَّةً وَأَنَا مِنَ النَّادِمِينَ عَلَى ذَلِكَ.
وَذَلِكَ أَنِّي نَاظَرْتُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ الْقَدَرِيَّ، فَلَمَّا أَحْسَسْتُ بِالظَّفَرِ ضَحِكْتُ.
فَقَالَ لِي: تَتَكَلَّمُ فِي الْعِلْمِ وَتَضْحَكُ، فَلَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا، وَأَنَا مِنَ النَّادِمِينَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ ضِحْكِي لَرَدَدْتُهُ إِلَى قَوْلِي فَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحُ الْعِلْمِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَابِدِ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَرَكَ فُضُولَ النَّظَرِ وُفِّقَ لِلْخُشُوعِ، وَمَنْ تَرَكَ الْكِبْرَ وُفِّقَ لِلتَّوَاضُعِ، وَمَنْ تَرَكَ فُضُولَ الْكَلَامِ وُفِّقَ لِلْحِكْمَةِ، وَمَنْ تَرَكَ فُضُولَ الطَّعَامِ وُفِّقَ لِحَلَاوَةِ الْعِبَادَةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمُزَاحَ وُفِّقَ لِلْبَهَاءِ، وَمَنْ تَرَكَ الضَّحِكَ وُفِّق لِلْهَيْبَةِ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّغْبَةَ وُفِّقَ لِلْمَحَبَّةِ، يَعْنِي إِذَا لَمْ يَرْغَبْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ أَحَبُّوه، وَمَنْ تَرَكَ التَّجَسُّسَ وُفِّقَ لِإِصْلَاحِ عُيُوبِهِ، وَمَنْ تَرَكَ التَّوَهُّمَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وُفِّقَ لِلنَّجَاةِ مِنَ الشَّكِّ وَالنِّفَاقِ.
٢٥٣ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُوَلِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢] ، قَالَ: كَانَ تَحْتَهُ لَوْحٌ مِنْ ذَهَبٍ مَكْتُوبٌ فِيهِ خَمْسَةُ أَسْطُرٍ: أَوَّلُهَا عَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالنَّارِ كَيْفَ يَضْحَكُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِالْقَدَرِ كَيْفَ يَحْزَنُ، وَعَجِبْتُ لِمَنْ أَيْقَنَ بِزَوَالِ الدُّنْيَا وَتَقَلُّبِهَا بِأَهْلِهَا كَيْفَ يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا وَفِي الْخَامِسِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ " وَقَالَ ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَانَ يُقَالُ: ضَحِكُ الْمُؤْمِنِ مِنْ غَفْلَتِهِ.
стр. 181
يَعْنِي غَفْلَتَهُ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَلَوْلَا غَفْلَتُهُ لَمَا ضَحِكَ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اطْلُبْ فَرَحًا لَا حُزْنَ فِيهِ بِحُزْنٍ لَا فَرَحَ فِيهِ.
يَعْنِي إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَنَالَ الْجَنَّةَ، فَكُنْ فِي الدُّنْيَا حَزِينًا، وَلَا تَكُنْ ضَاحِكًا مَسْرُورًا، لِكَيْ تَنَالَ الْجَنَّةَ وَهُوَ فَرَحٌ لَا حُزْنَ فِيهِ، وَيُقَالُ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تُقَسِّي الْقَلْبَ: الضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ، وَالْأَكْلُ بِغَيْرِ جُوعٍ، وَالْكَلَامُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ.
٢٥٤ - وَرَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «وَيْلٌ لِمَنْ يَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ النَّاسَ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لِيُضْحِكَ بِهَا مَنْ حَوْلَهُ، فَيَسْخَطُ اللَّهُ بِهَا فَيُصِيبُهُ السَّخَطُ، فَيَعُمُّ مَنْ حَوْلَهُ.
وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ يُرْضِي اللَّهَ بِهَا، فَتُصِيبُهُ الرَّحْمَةُ، فَتَعُمُّ مَنْ حَوْلَهُ.
٢٥٥ - وَرَوَى وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَأَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ»
وَرَوَى مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ , أَنَّهُ قَالَ: قَالَ لِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " مَنْ كَثُرَ ضَحِكُهُ قَلَّتْ هَيْبَتُهُ، وَمَنْ مَزَحَ اسْتُخِفَّ بِهِ، وَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ شَيْءٍ عُرِفَ بِهِ، وَمَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ، وَمَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ قَلَّ حَيَاؤُهُ، وَمَنْ قَلَّ حَيَاؤُهُ قَلَّ وَرَعُهُ، وَمَنْ قَلَّ وَرَعُهُ مَاتَ قَلْبُهُ، وَمَنْ مَاتَ قَلْبُهُ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ.
إِيَّاكَ وَضَحِكَ الْقَهْقَهَةِ، فَإِنَّ فِيهِ ثَمَانِيَةً مِنَ الْآفَاتِ:
стр. 182
أَوَّلُهَا أَنْ يَذُمَّكَ الْعُلَمَاءُ وَالْعُقَلَاءُ.
وَالثَّانِي أَنْ يَجْتَرِئَ عَلَيْكَ السُّفَهَاءُ وَالْجُهَّالُ.
وَالثَّالِثُ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ جَاهِلًا ازْدَادَ جَهْلُكَ، وَإِنْ كُنْتَ عَالِمًا نَقَصَ عِلْمُكَ، لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا ضَحِكَ ضَحْكَةً مَجَّ مِنَ الْعِلْمِ مَجَّةً.
يَعْنِي رَمَى مِنَ الْعِلْمِ بَعْضَهُ.
وَالرَّابِعُ أَنَّ فِيهِ نِسْيَانَ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ.
وَالْخَامِسُ فِيهِ أُجْرَةٌ عَلَى الذُّنُوبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، لِأَنَّكَ إِذَا ضَحِكْتَ يَقْسُو قَلْبُكَ.
وَالسَّادِسُ أَنَّ فِيهِ نِسْيَانَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ.
وَالسَّابِعُ أَنَّ عَلَيْكَ وِزْرَ مَنْ ضَحِكَ بِضَحِكِكَ.
وَالثَّامِنُ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ بِالضَّحِكِ بُكَاءٌ كَثِيرٌ فِي الْآخِرَةِ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ [التوبة: ٨٢] ، مَعْنَاهُ أَنَّ الدُّنْيَا قَلِيلٌ، فَلْيَضْحَكُوا فِيهَا مَا شَاءُوا، وَإِذَا صَارُوا إِلَى اللَّهِ بَكَوْا بُكَاءً لَا يَنْقَطِعُ.
فَذَلِكَ الْكَثِيرُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨٢]
стр. 183
بَابُ: كَظْمِ الْغَيْظِ
٢٥٦ - حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الدُّبَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي نُضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ مِنَ النَّارِ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ، فَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِنْ كَانَ جَالِسًا فَلْيَضْطَجِعْ»
٢٥٧ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْمُسَيِّبُ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمَ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالْغَضَبَ فَإِنَّهُ يُوقِدُ فِي فُؤَادِ ابْنِ آدَمَ النَّارَ، أَلَمْ تَرَ إِلَى أَحَدِكُمْ إِذَا غَضِبَ كَيْفَ تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ، وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ، فَإِذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَضْطَجِعْ، وَلْيَلْصَقْ بِالْأَرْضِ» .
وَقَالَ: «إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ، سَرِيعَ الْفَيْءِ فَأَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ» يَعْنِي يَكُونُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ قِصَاصًا «وَمِنْكُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ، بَطِيءَ الْفَيْءِ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَخَيْرُكُمْ مَنْ كَانَ بَطِيءَ الْغَضَبِ، سَرِيعَ الْفَيْءِ، وَشَرُّكُمْ مَنْ كَانَ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ»
٢٥٨ - وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُمْضِيَهُ، فَلَمْ يُمْضِيَهُ، مَلَأَ اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِضًا» .
стр. 184
وَيُقَالُ: مَكْتُوبٌ فِي الْإِنْجِيلِ يَا ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي حِينَ تَغْضَبُ أَذْكُرُكَ حِينَ أَغْضَبُ، وَارْضَ بِنُصْرَتِي لَكَ، فَإِنَّ نُصْرَتِي لَكَ خَيْرٌ مِنْ نُصْرَتِكَ لِنَفْسِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَغْضَبَهُ: لَوْلَا أَنَّكَ أَغْضَبْتَنِي لَعَاقَبْتُكَ.
أَرَادَ بِذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وَذَكَرَ أَنَّهُ رَأَى سَكْرَانَ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ فَيُعَزِّرَهُ، فَشَتَمَهُ السَّكْرَانُ فَلَمَّا شَتَمَهُ رَجَعَ عُمَرُ.
فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَمَّا شَتَمَكَ تَرَكْتَهُ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ أَغْضَبَنِي، فَلَوْ عَزَّرْتُهُ لَكَانَ ذَلِكَ لِغَضَبِ نَفْسِي، وَلَا أُحِبُّ أَنْ أَضْرِبَ مُسْلِمًا لِحَمِيَّةِ نَفْسِي.
وَرُوِيَ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنْ جَارِيَةً لَهُ جَاءَتْ بِمَرَقَةٍ، فَعَثَرَتْ فَصَبَّتِ الْمَرَقَةَ عَلَيْهِ، فَأَرَادَ مَيْمُونُ أَنْ يَضْرِبَهَا، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: يَا مَوْلَايَ، اسْتَعْمِلْ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
فَقَالَتْ: اعْمَلْ بِمَا بَعْدَهُ ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ، قَالَ: عَفَوْتُ.
فَقَالَتْ: اعْمَلْ بِمَا بَعْدَهُ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] ، فَقَالَ مَيْمُونٌ أَحْسَنْتُ إِلَيْكِ، فَأَنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى.
٢٥٩ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ لَمْ يَجِدْ طَعْمَ الْإِيمَانَ حِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ جَهْلَ الْجَاهِلِ، وَوَرَعٌ يُحْرِزُهُ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَخُلُقٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ» وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ فَرَسٌ، وَكَانَ مُعْجَبًا بِهِ.
فَجَاءَتْ ذَاتَ يَوْمٍ فَوَجَدَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ قَوَائِمَ، فَقَالَ لِغُلَامِهِ: مَنْ صَنَعَ بِهِ هَذَا؟ فقَالَ: أَنَا.
قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أَغُمَّكَ.
قَالَ: لَا جَرَمَ لَأَغُمَّنَّ مَنْ أَمَرَكَ بِهِ.
يَعْنِي الشَّيْطَانَ.
اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ وَالْفَرَسُ لَكَ.
يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ حَلِيمًا صَبُورًا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ خِصَالِ الْمُتَّقِينَ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَلِيمَ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] ، يَعْنِي
стр. 185
مَنْ صَبَرَ عَلَى الظُّلْمِ وَتَجَاوَزَ عَنْ ظَالِمِهِ وَعَفَا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، يَعْنِي مِنْ حَقَائِقِ الْأُمُورِ الَّتِي يُثَابُ فَاعِلُهَا عَلَى ذَلِكَ، وَيَنَالُ أَجْرًا عَظِيمًا.
وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ﴾ [فصلت: ٣٤] ، يَعْنِي لَا تَسْتَوِي الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ وَالْكَلِمَةُ السَّيِّئَةُ.
يَعْنِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُكَافِئَ كَلِمَةً حَسَنَةً بِكَلِمَةٍ قَبِيحَةٍ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] ، يَعْنِي ادْفَعِ الْكَلِمَةَ الْقَبِيحَةَ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ، يَعْنِي إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ، صَارَ عَدُّوُكَ صَدِيقًا لَكَ، مِثْلَ الْقَرِيبِ.
وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ بِالْحِلْمِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] ، فَالْحَلِيمُ الْمُتَجَاوِزُ، وَالْأَوَّاهُ الَّذِي يَذْكُرُ ذُنُوبَهُ وَيَتَأَوَّهُ، وَالْمُنِيبُ الَّذِي أَقْبَلَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِالصَّبْرِ وَالْحِلْمِ.
وَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ كَانُوا عَلَى ذَلِكَ.
فَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ، يَعْنِي اصْبِرْ عَلَى تَكْذِيبِ الْكُفَّارِ وَأَذَاهُمْ، كَمَا صَبَرَ الْأَنْبِيَاءُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ، وَأُولُو الْعَزْمِ هُمْ ذَوُو الْحَزْمِ.
وَهُمُ الَّذِينَ يَثْبُتُونَ عَلَى الْأَمْرِ وَيَصْبِرُونَ عَلَيْهِ وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] يَعْنِي قَالُوا حِلْمًا.
وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلِمُوا.
وَرُوِيَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: كَانَ عَابِدٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَرَادَ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَخَرَجَ الْعَابِدُ ذَاتَ يَوْمٍ لِحَاجَةٍ، وَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مَعَهُ لِكَيْ يَجِدَ مِنْهُ فُرْصَةً، فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ، فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ الْخَوْفِ، وَجَعَلَ يُدَلِّي عَلَيْهِ صَخْرَةً مِنَ الْجَبَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْهُ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فَنَأَتْ عَنْهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَمَثَّلُ بِالْأَسَدِ وَالسِّبَاعِ، فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى فَلَمْ يُبَالِ بِهِ، ثُمَّ جَعَلَ يَتَمَثَّلُ لَهُ بِالْحَيَّةِ؛ وَهُوَ يُصَلِّي فَجَعَلَ يَلْتَوِي عَلَى قَدَمَيْهِ وَجَسَدِهِ حَتَّى بَلَغَ رَأْسَهُ، وَكَانَ إِذَا أَرَادَ السُّجُودَ الْتَوَى فِي مَوْضِعِ رَأْسِهِ مِنَ السُّجُودِ، يَعْنِي وَجْهَهُ، فَلَمَّا وَضَعَ رَأْسَهُ لِيَسْجُدَ فَتَحَ فَاهُ لِيَلْتَقِمَ رَأْسَهُ، فَجَعَلَ يُنَحِّيهِ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنَ الْأَرْضِ لِيَسْجُدَ،
стр. 186
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَذَهَبَ، جَاءَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ فَقَالَ: أَنَا فَعَلْتُ بِكَ كَذَا وَكَذَا، فَلَمْ أَسْتَطِعْ مِنْكَ عَلَى شَيْءٍ، وَقَدْ بَدَا لِيَ أَنْ أَصْدُقَكَ، وَلَا أُرِيدُ ضَلَالَتَكَ بَعْدَ الْيَوْمِ.
فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ لَا الْيَوْمَ خَوَّفْتَنِي بِحَمْدِ اللَّهِ مَا خِفْتُ مِنْكَ، وَلَا لِي حَاجَةٌ الْيَوْمَ فِي مُصَادَقَتِكَ.
فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُنِي عَنْ أَهْلِكَ مَا أَصَابَهُمْ بَعْدَكَ؟ فَقَالَ لَهُ الْعَابِدُ أَنَا مُتُّ قَبْلَهُمْ.
فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُنِي عَمَّا أُضِلُّ بِهِ بَنِي آدَمَ؟ قَالَ: بَلَى.
فَأَخْبِرْنِي بِالَّذِي تَصِلُ بِهِ إِلَى إِضْلَالِ بَنِي آدَمَ.
قَالَ: بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الشُّحِّ، وَالْغَضَبِ، وَالسُّكْرِ.
فَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كَانَ شَحِيحًا قَلَّلْنَا مَالَهُ فِي عَيْنِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ حُقُوقِهِ، وَيَرْغَبُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ.
وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ غَضُوبًا أَدَرْنَاهُ بَيْنَنَا، كَمَا يُدِيرُ الصِّبْيَانُ الْكُرَةَ بَيْنَهُمْ، وَلَوْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى بِدَعْوَتِهِ لَمْ نَيْأَسَ مِنْهُ، فَإِنَّمَا يَبْنِي وَيَهْدِمُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَإِذَا سَكِرَ قُدْنَاهُ إِلَى كُلِّ سُوءٍ، كَمَا تُقَادُ الْغَنَمُ بِأُذُنِهَا حَيْثُ نَشَاءُ.
فَقَدْ أَخْبَرَهُ الشَّيْطَانُ أَنَّ الَّذِي يَغْضَبُ يَكُونُ فِي يَدِ الشَّيْطَانِ كَالْكُرَةِ فِي أَيْدِي الصِّبْيَانِ، فَيَنْبَغِي لِلَّذِي يَغْضَبُ أَنْ يَصْبِرَ لِكَيْلَا يَصِيرَ أَسِيرَ الشَّيْطَانِ وَلَا يَحْبَطَ عَمَلُهُ.
وَذُكِرَ أَنَّ إِبْلِيسَ جَاءَ إِلَى مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ تَعَالَى بِرِسَالَتِهِ، وَكَلَّمَكَ تَكْلِيمًا، وَإِنَّمَا أَنَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى، أَرَدْتُ أَنْ أَتُوبَ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ لِيَتُوبَ عَلَيَّ، فَفَرِحَ بِذَلِكَ مُوسَى ﵇ فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ، وَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبُّ، إِنَّ إِبْلِيسَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، يَسْأَلُكَ التَّوْبَةَ فَتُبْ عَلَيْهِ.
فَقِيلَ لَهُ: يَا مُوسَى إِنَّهُ لَا يَتُوبُ.
فَقَالَ: يَا رَبُّ إِنَّهُ يَسْأَلُكَ التَّوْبَةَ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِنِّي اسْتَجَبْتُ لَكَ يَا مُوسَى، فَمُرْهُ أَنْ يَسْجُدَ لِقَبْرِ آدَمَ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ.
فَرَجَعَ مُوسَى مَسْرُورًا فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَاسْتَكْبَرَ.
ثُمَّ قَالَ: أَنَا لَمْ أَسْجُدْ لَهُ حَيًّا، أَأَسْجُدُ لَهُ مَيِّتًا.
ثُمَّ قَالَ: يَا مُوسَى إِنَّ لَكَ حَقًّا عَلَيَّ بِمَا تَشَفَّعْتَ لِي إِلَى رَبِّكَ.
فَأُوصِيكَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: اذْكُرْنِي عِنْدَ ثَلَاثِ خِصَالٍ: اذْكُرْنِي حِينَ تَغْضَبُ.
فَإِنِّي فِي قَلْبِكَ أَجْرِي مِنْكَ مَجْرَى الدَّمِ، وَاذْكُرْنِي حِينَ تَلْقَى الْعَدُوَّ فِي الزَّحْفِ، فَإِنِّي آتِي ابْنَ آدَمَ حِينَ يَلْقَى الْعَدُوَّ فَأُذَكِّرُهُ زَوْجَتَهُ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ وَوَلَدَهُ حَتَّى
стр. 187
يُوَلِّي دُبُرَهُ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُجَالِسَ امْرَأَةً لَيْسَتْ بِذَاتِ مَحْرَمٍ مِنْكَ، فَإِنِّي رَسُولُهَا إِلَيْكَ، وَرَسُولُكَ إِلَيْهَا.
وَذُكِرَ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ أَنَّهُ قَالَ: يَا بُنَيَّ ثَلَاثٌ لَا تُعْرَفُ إِلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: لَا يُعْرَفُ الْحَلِيمُ إِلَّا عِنْدَ الْغَضَبِ، وَلَا يُعْرَفُ الشُّجَاعُ إِلَّا عِنْدَ الْحَرْبِ، وَلَا يُعْرَفُ الْأَخُ إِلَّا عِنْدَ الْحَاجَةِ.
وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ التَّابِعِينَ مَدَحَهُ رَجُلٌ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَمْدَحُنِي؟ أَجَرَّبْتَنِي عِنْدَ الْغَضَبِ فَوَجَدْتَنِي حَلِيمًا؟ قَالَ: لَا.
قَالَ أَجَرَّبْتَنِي فِي السَّفَرِ فَوَجَدْتَنِي حَسِنَ الْخُلُقِ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: أَجَرَّبْتَنِي عِنْدَ الْأَمَانَةِ فَوَجَدْتَنِي أَمِينًا؟ قَالَ: لَا.
فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا لِأَحَدٍ أَنْ يَمْدَحَ أَحَدًا مَا لَمْ يُجَرِّبْهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ: ثَلَاثَةٌ مِنْ أَخْلَاقِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَلَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الْكَرِيمِ: الْعَفْوُ عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَالْبَذْلُ لِمَنْ حَرَمَكَ، وَالْإِحْسَانُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْكَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
٢٦٠ - وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " مَا تَفْسِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ؟ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵊: حَتَّى أَسْأَلَ الْعَالِمَ.
فَذَهَبَ جِبْرِيلُ ثُمَّ أَتَاهُ.
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ ".
٢٦١ - وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: سَبَّ رَجُلٌ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَكَتَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمَّا سَكَتَ الرَّجُلُ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَدْرَكَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ سَبَّنِي وَسَكَتُّ فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ قُمْتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ الْمَلَكَ كَانَ يَرُدُّ عَلَيْهِ عَنْكَ حِينَ سَكَتَّ، فَلَمَّا تَكَلَّمْتَ ذَهَبَ الْمَلَكُ وَقَعَدَ الشَّيْطَانُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْعُدَ فِي مَقْعَدٍ مَعَ الشَّيْطَانِ» ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ثَلَاثٌ كُلُّهُنَّ حَقُّ مَا مِنْ عَبْدٍ يُظْلَمُ بِمَظْلَمَةٍ فَيَعْفُو عَنْهَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ
стр. 188
تَعَالَى إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا.
وَمَا مِنْ عَبْدٍ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا قِلَّةً.
وَمَا مِنْ عَبْدٍ أَعْطَى عَطِيَّةً يَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا كَثْرَةً»
٢٦٢ - قَالَ، حَدَّثَنَا أَبِي , بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ شَرَفٌ، وَإِنَّ أَشْرَفَ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ.
وَإِنَّمَا تُجَالِسُونَ بِالْأَمَانَةِ، وَلَا تُصَلُّوا خَلْفَ النَّائِمِ وَالْمُحْدِثِ، وَاقْتُلُوا الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي صَلَاتِكُمْ، وَلَا تَسْتُرُوا الْجُدْرَانَ بِالثِّيَابِ.
وَمَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَكَأَنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ»
ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ» ، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «مَنْ أَكَلَ وَحْدَهُ وَمَنَعَ رِفْدَهُ وَجَلَدَ عَبْدَهُ» ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغِضُونَهُ» .
ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «مَنْ لَا يُقِيلُ عَثْرَةً، وَلَا يَقْبَلُ مَعْذِرَةً، وَلَا يَغْفِرُ ذَنْبًا» ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ هَذَا» .
قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ»
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَالَ: " إِنَّ عِيسَى ﵇ قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَتَكَلَّمُوا بِالْحِكْمَةِ عَنْدَ الْجُهَّالِ فَتَظْلِمُوهَا، وَلَا تَمْنَعُوهَا أَهْلَهَا فَتَظْلِمُوهُمْ.
قَدْ قَالَ مَرَّةً فَتَظْلِمُوهَا، وَلَا تُكَافِئُوا ظَالِمًا بِظُلْمٍ فَيَبْطُلَ فَضْلُكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأُمُورُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ تَبَيَّنَ رُشْدُهُ فَاتَّبِعُوهُ، وَأَمْرٌ ظَهَرَ غَيُّهُ فَاجْتَنِبُوهُ،
стр. 189
وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ "
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا أَرْبَعَةٌ: الْأُولَى الثِّقَةُ بِاللَّهِ تَعَالَى فِيمَا وَعَدَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا بِأَمْرِ الْآخِرَةِ.
وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ مَدْحُ الْخَلْقِ وَذَمُّهُمْ عِنْدَهُ وَاحِدًا.
وَالثَّالِثَةُ الإِخْلاصُ فِي عَمَلِهِ.
وَالرَّابِعَةُ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَلَا يَغْضَبَ عَلَى مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، وَيَكُونَ حَلِيمًا صَبُورًا.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ عَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِنَّ.
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ مَنْ عَمِلَ بِهِنَّ كَانَ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى: لَا تَأْكُلْ إِلَّا طَيِّبًا، وَاسْأَلِ اللَّهَ تَعَالَى رِزْقَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنَ الْمَوْتَى، وَهَبْ عِرْضَكَ للَّهِ تَعَالَى.
فَمَنْ شَتَمَكَ أَوْ أَذَاكَ فَقُلْ: وَهَبْتُ عِرْضِيَ للَّهِ تَعَالَى.
وَإِذَا أَسَأْتَ فَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ تَعَالَى.
٢٦٣ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ لَمَّا كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ فِي يَوْمِ أُحُدٍ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ دَعَوْتَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَنَعُوا بِكَ مَا نَرَى فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَلَكِنِّي بُعِثْتُ دَاعِيَةً وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ»
٢٦٤ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَفَّ لِسَانَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ أَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ أَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى غَضَبَهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
٢٦٥ - وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يَرْبَعُونَ حَجَرًا، يَعْنِي يَرْفَعُونَ حَجَرًا، وَيَنْظُرُونَ أَيُّهُمْ أَقْوَى.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا هَذَا» قَالُوا حَجَرُ الْأَشِدَّاءِ.
فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ» ؟ قَالُوا: بَلَى يَا
стр. 190
رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «الَّذِي يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيَغْلِبُ شَيْطَانَهُ وَشَيْطَانَ صَاحِبِهِ فَيَأْتِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَهُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَرْفَعُونَ الْحَجَرَ فَقَالَ: «أَتَعْرِفُونَ الشِّدَّةَ بِرَفْعِ الْحِجَارَةِ، أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَشَدِّ مِنْكُمْ» ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «الَّذِي يَمْتَلِئُ غَضَبًا ثُمَّ يَصْبِرُ» .
وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ دَعَا عَلَى ظَالِمِهِ فَقَدْ أَحْزَنَ مُحَمَّدًا ﷺ فِي الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَسَرَّ اللَّعِينَ إِبْلِيسَ فِي الْكَفَرَةِ وَالشَّيَاطِينِ.
وَمَنْ عَفَا عَنْ ظَالِمٍ فَقَدْ أَحْزَنَ اللَّعِينَ فِي الْكَفَرَةِ وَالشَّيَاطِينِ وَسَرَّ مُحَمَّدًا ﷺ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
٢٦٦ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الَّذِي كَانَتْ أُجُورُهُمْ عَلَى اللَّهِ ، فَيَقُومُ الْعَافُونَ عَنِ النَّاسِ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ» .
وَسُئِلَ أَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، مَا الْإِنْسَانِيَّةُ؟ قَالَ: التَّوَاضُعُ فِي الدَّوْلَةِ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ وَالْعَطَاءُ بِغَيْرِ مِنَّةٍ
٢٦٧ - وَرَوَى عَطِيَّةُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ، إِنْ قِيدَ انْقَادَ وَإِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ اسْتَنَاخَ» .
عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْعَجَلَةَ عِنْدَ الْغَضَبِ، فَإِنَّ فِي الْعَجَلَةِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَفِي الصَّبْرِ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، فَأَمَّا الثَّلَاثَةُ الَّتِي فِي الْعَجَلَةِ فَأَحَدُهَا النَّدَامَةُ فِي نَفْسِهِ، وَالثَّانِي الْمَلَامَةُ عِنْدَ النَّاسِ
стр. 191
وَالثَّالِثُ الْعُقُوبَةُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَفِي الصَّبْرِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: السُّرُورُ فِي نَفْسِهِ، وَالْمَحْمَدَةُ عِنْدَ النَّاسِ، وَالثَّوَابُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
فَإِنَّ الْحِلْمَ يَكُونُ مُرًّا فِي أَوَّلِهِ، وَحُلْوًا فِي آخِرِهِ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ:
الْحِلْمُ أَوَّلُهُ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ... لَكِنَّ آخِرَهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 192
بَابُ: حِفْظِ اللِّسَانِ
٢٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقُمِّيُّ , عَنْ اللَّيْثِ , عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي.
قَالَ: " عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَوْ قَالَ: الْمُسْلِمَ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ وَذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَاخْزُنْ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّكَ بِذَلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَانَ "
مَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، فَتَقْوَى اللَّهِ أَنْ يَجْتَنِبَ عَمَّا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَيَعْمَلَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ جَمَعَ جَمِيعَ الْخَيْرِ.
وَقَوْلُهُ ﵊: وَاخْزُنْ لِسَانَكَ يَعْنِي احْفَظْ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ خَيْرٍ يَعْنِي قُلْ خَيْرًا حَتَّى تَغْنَمَ، أَوِ اسْكُتْ حَتَّى تَسْلَمَ، فَإِنَّ السَّلَامَةَ فِي السُّكُوتِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَغْلِبُ الشَّيْطَانَ إِلَّا بِالسُّكُوتِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلِسَانِهِ، حَتَّى يَكُونَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ وَيَسْتُرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَوْرَتَهُ
٢٦٩ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ
стр. 193
الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ , عَنِ الْمُغِيرَةَ بْنِ مُسْلِمٍ , عَنْ هِشَامٍ , عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ لَطَمَ عَبْدَهُ كَانَ كَفَّارَتُهُ عِتْقَهُ، وَمَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَوْرَتَهُ.
وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ وَقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَذَابَهُ، وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلَى رَبِّهِ قَبِلَ اللَّهُ مَعْذِرَتَهُ»
٢٧٠ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , عَنْ يُونُسَ , عَنِ الْحَسَنِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ»
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا يَعْلَى , قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ الزَّاهِدِ.
فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَعَلَّهُ يَنْفَعُكُمْ، فَإِنَّهُ قَدْ نَفَعَنِي.
قَالَ: قَالَ لَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: " يَا ابْنَ أَخِي، إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ كُلَّ كَلَامٍ فُضُولًا، مَا عَدَا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، أَنْ يَقْرَأَهُ أَحَدٌ أَوْ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ نَهْيًا عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ تَنْطِقَ بِحَاجَتِكَ فِي مَعِيشَتِكَ الَّتِي لَا بُدَّ لَكَ مِنْهَا.
ثُمَّ قَالَ: أَتُنْكِرُونَ قَوْلَهُ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ﴿١٠﴾ كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠-١١] ، وَ ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ ﴿١٧﴾ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٧-١٨] ، أو ما يستحي أحدكم أَنْ لَوْ نُشِرَتْ عَلَيْهِ صَحِيفَتُهُ الَّتِي أَمْلَاهَا صَدْرَ نَهَارِهِ وَأَكْثَرُ مَا فِيهَا لَيْسَ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَلَا دُنْيَاهُ "
٢٧١ - قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَرْبَعٌ لَا تَصِيرُ إِلَّا فِي مُؤْمِنٍ: الصَّمْتُ وَهُوَ أَوَّلُ الْعِبَادَةِ، وَالتَّوَاضُعُ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِلَّةُ الشَّرِّ ".
стр. 194
وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵊ بِهَذَا اللَّفْظِ
٢٧٢ - رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» .
وَذُكِرَ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَا بَلَغَ بِكَ مَا نَرَى؟ قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ، وَتَرْكِي مَا لَا يَعْنِينِي.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ , أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْمُلُوكِ تَكَلَّمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِكَلِمَةٍ كَأَنَّهَا رَمْيَةٌ رُمِيَتْ مِنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ قَالَ كِسْرَى: لَا أَنْدَمُ عَلَى مَا لَمْ أَقُلْ، وَقَدْ أَنْدَمُ عَلَى مَا قُلْتُ: وَقَالَ مَلِكُ الصِّينِ: مَا لَمْ أَتَكَلَّمْ بِكَلِمَةٍ فَأَنَا أَمْلِكُهَا، فَإِنْ تَكَلَّمْتُ بِهَا مَلَكَتْنِي.
وَقَالَ قَيْصَرُ مَلِكُ الرُّومِ: أَنَا عَلَى رَدِّ مَا لَمْ أَقُلْ أَقْدَرُ مِنِّي عَلَى رَدِّ مَا قُلْتُ.
وَقَالَ مَلِكُ الْهِنْدِ: الْعَجَبُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ إِنْ هِيَ ضَرَّتْهُ وَإِنْ لَمْ تُرْفَعْ لَمْ تَنْفَعْهُ.
وَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَصْبَحَ وَضَعَ قِرْطَاسًا وَقَلَمًا وَلَا يَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ إِلَّا كَتَبَهُ وَحَفِظَهُ، ثُمَّ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْمَسَاءِ.
هَكَذَا كَانَ عَمَلُ الزُّهَّادِ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ لِحِفْظِ اللِّسَانِ، وَيُحَاسِبُونَ أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ فِي الْآخِرَةِ، لِأَنَّ حِسَابَ الدُّنْيَا أَيْسَرُ مِنْ حِسَابِ الْآخِرَةِ، وَحِفْظَ اللِّسَانِ فِي الدُّنْيَا أَيْسَرُ مِنْ نَدَامَةِ الْآخِرَةِ.
стр. 195
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ صَحِبَ الرَّبِيعَ بْنَ خَيْثَمَ عِشْرِينَ سَنَةً، فَمَا سَمِعَ مِنْهُ كَلِمَةً يُعَابُ بِهَا.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ: لَمَّا أُصِيبَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، يَعْنِي قُتِلَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ الرَّبِيعِ: إِنْ تَكَلَّمَ الرَّبِيعُ فَالْيَوْمَ يَتَكَلَّمُ، فَجَاءَ حَتَّى فَتَحَ الْبَابَ وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّ الْحُسَيْنَ قَدْ قُتِلَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ: فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا.
قَالَ حَكِيمٌ مِنَ الْحُكَمَاءِ: سِتُّ خِصَالٍ يُعْرَفُ بِهِنَّ الْجَاهِلُ: أَحَدُهَا الْغَضَبُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ.
يَعْنِي يَغْضَبُ عَلَى ابْنِ آدَمَ وَعَلَى الْحَيَوَانِ وَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَسْتَقْبِلُهُ مِنْهُ مَكْرُوهٌ.
فَهَذَا مِنْ عَلَامَةِ الْجَهْلِ.
وَالثَّانِي الْكَلَامُ فِي غَيْرِ نَفْعٍ، فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ بِكَلَامٍ لَا فَائِدَةَ لَهُ فِيهِ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِكُلِّ كَلَامٍ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ.
وَالثَّالِثُ الْعَطِيَّةُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ.
يَعْنِي يَدْفَعُ مَالَهُ إِلَى مَنْ لَا يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْرٌ.
وَهُوَ عَلَامَةُ الْجَهْلِ.
وَالرَّابِعُ إِفْشَاءُ السِّرِّ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ.
وَالْخَامِسُ الثِّقَةُ بِكُلِّ إِنْسَانٍ.
وَالسَّادِسُ أَنْ لَا يَعْرِفَ صَدِيقَهُ مِنْ عَدُوِّهِ يَعْنِي أَنَّ الرَّجُلَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْرِفَ صَدِيقَهُ فَيُطِيعُهُ، وَيَعْرِفَ عَدُوَّهُ فَيَحْذَرَهُ.
وَأَوَّلُ الْأَعْدَاءِ هُوَ الشَّيْطَانُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُطِيعَهُ فِيمَا يَأْمُرُهُ.
وَعَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ﵊، أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ كَلَامٍ لَيْسَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ لَغْوٌ، وَكُلُّ سُكُوتٍ لَيْسَ بِفِكْرٍ فَهُوَ غَفْلَةٌ، وَكُلُّ نَظَرٍ لَيْسَ بِعِبْرَةٍ فَهُوَ لَهْوٌ، فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ كَلَامُهُ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُكُوتُهُ تَفَكُّرًا، وَنَظَرُهُ عِبْرَةً.
وَذُكِرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤْمِنُ يُقِلُّ الْكَلَامَ وَيُكْثِرُ الْعَمَلَ، وَالْمُنَافِقُ يُكْثِرُ الْكَلَامَ وَيُقِلُّ الْعَمَلَ.
٢٧٣ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " خَمْسٌ لَا تَكُونُ فِي الْمُنَافِقِ:
стр. 196
الْفِقْهُ فِي الدِّينِ، وَالْوَرَعُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّبَسُّمُ فِي الْوَجْهِ، وَالنُّورُ فِي الْقَلْبِ، وَالْمَوَدَّةُ فِي الْمُسْلِمِينَ " قَالَ يَحْيَى بْنُ أَكْثَمَ: مَا صَلُحَ مَنْطِقُ رَجُلٍ إِلَّا عُرِفَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ عَمَلِهِ، وَلَا فَسَدَ مَنْطِقُ رَجُلٍ إِلَّا عُرِفَ ذَلِكَ فِي سَائِرِ عَمَلِهِ.
وَذُكِرَ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ مَنْ يَصْحَبْ صَاحِبَ السُّوءِ لَمْ يَسْلَمْ، وَمَنْ يَدْخُلْ مَدْخَلَ السُّوءِ يُتَّهَمْ، وَمَنْ لَا يَمْلِكُ لِسَانَهُ يَنْدَمْ.
٢٧٤ - وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «طُوبَى لِمَنْ مَلَكَ لِسَانَهُ، وَوَسِعَهُ بَيْتُهُ وَبَكَى عَلَى خَطِيئَتِهِ»
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: «كَانُوا يَقُولُونَ إِنَّ لِسَانَ الْحَكِيمِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ رَجَعَ إِلَى قَلْبِهِ فَإِنْ كَانَ لَهُ قَالَ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ.
وَإِنَّ الْجَاهِلَ قَلْبُهُ عَلَى طَرْفِ لِسَانِهِ، لَا يَرْجِعُ إِلَى قَلْبِهِ، مَا أَتَى عَلَى لِسَانِهِ تَكَلَّمَ»
٢٧٥ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: «كَانَ فِيهَا أَمْثَالٌ وَعِبَرٌ، يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا فِي عَقْلِهِ أَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِلِسَانِهِ عَارِفًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلًا عَلَى شَانِهِ، فَإِنَّهُ مَنْ حَسِبَ كَلَامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلَامُهُ إِلَّا فِيمَا يَعْنِيهِ»
٢٧٦ - عَنْ إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: " يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ لَا يَكُونَ شَاخِصًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: مَرَمَّةٍ لِمَعَاشِهِ أَوْ خَلْوَةٍ لِمَعَادِهِ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ "
قَالَ: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي النَّهَارِ أَرْبَعُ سَاعَاتٍ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا
стр. 197
رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ، وَسَاعَةٌ يَأْتِي فِيهَا أَهْلَ الْعِلْمِ الَّذِي يُبَصِّرُونَهُ بِأَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَيَنْصَحُونَهُ.
وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَلَذَّاتِهَا فِيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ.
وَقَالَ: «يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَنْظُرَ فِي شَأْنِهِ وَيَعْرِفَ أَهْلَ زَمَانِهِ وَيَحْفَظَ فَرْجَهُ وَلِسَانَهُ» .
وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ دَخَلَ عَلَى دَاوُدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ دَاوُدُ يَسْرُدُ الدِّرْعَ، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ مِمَّا يَرَى فَأَرَادَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَمَنَعَتْهُ حِكْمَتُهُ، فَأَمْسَكَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَسْأَلْهُ.
فَلَمَّا فَرَغَ قَامَ دَاوُدُ ﵇ فَلَبِسَ الدِّرْعَ ثُمَّ قَالَ: نِعْمَ الدِّرْعُ لِلْحَرْبِ، وَنِعْمَ عَامِلُهُ، فَقَالَ لُقْمَانُ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ.
وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ قَالَ الْقَائِلُ:
الْعِلْمُ زَيْنٌ وَالسُّكُوتُ سَلَامَةٌ ... فَإِذَا نَطَقْتَ فَلَا تَكُنْ مِكْثَارًا
مَا إِنْ نَدِمْتُ عَلَى سُكُوتِي مَرَّةَ ... وَلَقَدْ نَدِمْتُ عَلَى الْكَلَامِ مِرَارًا
وَفِي مَوْضِعٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهِ سَنَةً وَيُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَهُ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ لَبِسَهُ وَقَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الدِّرْعَ لِلْحَرْبِ فَقَالَ لُقْمَانُ الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيلٌ فَاعِلُهُ هَذَا مِنْ كِتَابِ التَّنْبِيهِ وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ مِنَ الْأَبْيَاتِ فَلَيْسَتْ مِنَ الْكِتَابِ قَالَ بَعْضُهُمْ:
يَمُوتُ الْفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ ... وَلَيْسَ يَمُوتُ الْمَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ
وَقَالَ آخَرُ:
لَا تَنْطِقَنَّ بِمَا كَرِهْتَ فَرُبَّمَا ... نَطَقَ اللِّسَانُ بِحَادِثٍ فَيَكُونُ
وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبَّاسٍ
لَعَمْرُكَ مَا شَيْءٌ عَلِمْتُ مَكَانَهُ ... أَحَقُّ بِسَجْنٍ مِنْ لِسَانٍ مُذَلَّلِ
عَلَى فِيكَ مِمَّا لَيْسَ يَعْنِيكَ شَأْنُهُ ... بِقُفْلٍ وَثَيِقٍ حَيْثُ كُنْتَ فَاقْفِلِ
فَرُبَّ كَلَامٍ قَدْ جَرَى مِنْ مُمَازِحٍ ... فَسَاقَ إِلَيْهِ سَهْمَ حَتْفٍ مُعَجَّلِ
وَلَلصَّمْتُ خَيْرٌ مِنْ كَلَامِ مُمَازِحٍ ... فَكُنْ صَامِتًا تَسْلَمْ وَإِنْ قُلْتَ فَاعْدِلِ
وَلَا تَكُ فِي جَنْبِ الْأَخِلَّاءِ مُفْرِطًا ... وَإِنْ كُنْتَ أَبْغَضْتَ الْبَغِيضَ فَأَجْمِلِ
فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى أَنْتَ مُبْغِضٌ ... حَبِيبَكَ أَوْ تَهْوَى بَغِيضَكَ فاعقِلِ
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: فِي الصَّمْتِ سَبَعَةُ آلَافِ خَبَرٍ، وَقَدِ اجْتَمَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي سَبْعِ كَلِمَاتٍ، فِي كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْهَا أَلْفٌ.
أَوَّلُهَا: أَنَّ الصَّمْتَ عِبَادَةٌ مِنْ غَيْرِ عَنَاءٍ.
وَالثَّانِي: زِينَةٌ مِنْ غَيْرِ حُلِيٍّ.
وَالثَّالِثُ: هَيْبَةٌ مِنْ غَيْرِ سُلْطَانٍ.
وَالرَّابِعُ: حِصْنٌ مِنْ غَيْرِ حَائِطٍ.
وَالْخَامِسُ: الِاسْتِغْنَاءُ عَنِ الِاعْتِذَارِ إِلَى أَحَدٍ.
وَالسَّادِسُ: رَاحَةُ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ.
وَالسَّابِعُ: سَتْرًا لِعُيُوبِهِ.
وَيُقَالُ الصَّمْتُ زَيْنٌ لِلْعَالِمِ وَسَتْرٌ لِلْجَاهِلِ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِنَّ جَسَدَ ابْنَ آدَمَ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ: فَجُزْءٌ مِنْهَا قَلْبُهُ، وَالثَّانِي
стр. 198
لِسَانُهُ، وَالثَّالِثُ الْجَوَارِحُ.
وَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ جُزْءٍ بِكَرَامَةٍ، فَأَكْرَمَ الْقَلْبَ بِمَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَأَكْرَمَ اللِّسَانَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَتِلَاوَةِ كِتَابِهِ، وَأَكْرَمَ الْجَوَارِحَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ.
وَوَكَّلَ عَلَى كُلِّ جُزْءٍ رَقِيبًا وَحَفِيظًا، فَتَوَلَّى حِفْظَ الْقَلْبِ بِنَفْسِهِ، فَلَا يَعْلَمُ مَا فِي ضَمِيرِ الْعَبْدِ إِلَّا اللَّهُ.
وَوَكَّلَ عَلَى لِسَانِهِ الْحَفَظَةَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ، وَسَلَّطَ عَلَى الْجَوَارِحِ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ.
ثُمَّ إِنَّهُ يُرِيدُ مِنْ كُلِّ جُزْءٍ وَفَاءً، فَوَفَاءُ الْقَلْبِ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَأَنْ لَا يَحْسُدَ وَلَا يَخُونَ وَلَا يَمْكُرَ.
وَوَفَاءُ اللِّسَانِ أَنْ لَا يَغْتَابَ وَلَا يَكْذِبَ وَلَا يَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِيهِ.
وَوَفَاءُ الْجَوَارِحِ أَنْ لَا يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يُؤْذِي أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَمَنْ وَقَعَ مِنَ الْقَلْبِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَنْ وَقَعَ مِنَ اللِّسَانِ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ وَقَعَ مِنَ الْجَوَارِحِ فَهُوَ عَاصٍ.
وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: نَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى شَابٍّ فَقَالَ: يَا شَابُّ إِنْ وُقِيتَ شَرَّ ثَلَاثٍ فَقَدْ وُقِيتَ شَرَّ الشَّبَابِ: إِنْ وُقِيتَ شَرَّ لَقْلَقِكَ يَعْنِي لِسَانَكَ، وَذَبْذَبِكَ يَعْنِي فَرْجَكَ، وَقَبْقَبِكَ يَعْنِي بَطْنَكَ.
وَذُكِرَ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ كَانَ عَبْدًا حَبْشِيًّا فَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ مِنْ حِكْمَتِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ مَوْلَاهُ: يَا غُلَامُ اذْبَحْ لَنَا هَذِهِ الشَّاةَ وَائْتِنِي بِأَطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ مِنْهَا، فَجَاءَ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.
ثُمَّ قَالَ مَرَّةً أُخْرَى اذْبَحْ لَنَا هَذِهِ الشَّاةَ وَائْتِ بِأَخْبَثِ مُضْغَتَيْنِ مِنْهَا، فَأَتَاهُ بِاللِّسَانِ وَالْقَلْبِ.
فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي الْجَسَدِ مُضْغَتَانِ أَطْيَبَ مِنْهُمَا إِذَا طَابَا، وَلَا أَخْبَثَ مِنْهُمَا إِذَا خَبُثَا.
٢٧٧ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي، فَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ.
يَعْنِي عَلَيْكَ بِحِفْظِ اللِّسَانِ.
فَكَأَنَّهُ تَهَاوَنَ بِهِ.
فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي قَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ.
وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» .
стр. 199
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ، وَمَنْ كَثُرَ مَالُهُ كَثُرَ إِثْمُهُ، وَمَنْ سَاءَ خُلُقُهُ عَذَّبَ نَفْسَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَرْمِيَ رَجُلًا بِسَهْمٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَرْمِيَهُ بِلِسَانِي، لِأَنَّ رَمْيَ اللِّسَانِ لَا يُخْطِئُ وَرَمْيَ السَّهْمِ قَدْ يُخْطِئُ.
٢٧٨ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ سَأَلَتِ الْأَعْضَاءُ كُلُّهَا اللِّسَانَ، وَقُلْنَ يَا لِسَانُ.
نُنْشِدُكَ اللَّهَ أَنْ تَسْتَقِيمَ، فَإِنَّهُ إِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَامَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَقَالَ: أَلَا مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدُبُ بْنُ جِنَادَةَ الْغِفَارِيُّ أَبُو ذَرٍّ، هَلُمُّوا إِلَى أَخٍ نَاصِحٍ شَفِيقٍ عَلَيْكُمْ.
فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَوْلَهُ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ سَفَرًا مِنْ أَسْفَارِ الدُّنْيَا لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا بِزَادٍ، فَكَيْفَ مَنْ يُرِيدُ سَفَرَ الْآخِرَةِ بِلَا زَادٍ.
قَالُوا: وَمَا زَادُنَا يَا أَبَا ذَرٍّ؟ قَالَ: صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ لِوَحْشَةِ الْقُبُورِ، وَصَوْمُ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ لِيَوْمِ النُّشُورِ، وَصَدَقَةٌ عَلَى الْمَسَاكِينِ لَعَلَّكُمْ تَنْجُونَ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ عَسِيرٍ، وَحَجٌّ لِعَظَائِمِ الْأُمُورِ.
وَاجْعَلُوا الدُّنْيَا مَجْلِسَيْنِ: مَجْلِسًا فِي طَلَبِ الدُّنْيَا وَمَجْلِسًا فِي طَلَبِ الْآخِرَةِ.
وَالثَّالِثُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
وَاجْعَلُوا الْكَلَامَ كَلِمَتَيْنِ: كَلَمَةً نَافِعَةً فِي أَمْرِ دُنْيَاكُمْ، وَكَلِمَةً بَاقِيَةً فِي أَمْرِ آخِرَتِكُمْ.
وَالثَّالِثُ يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ.
ثُمَّ قَالَ: أَوْهِ.
قَتَلَنِي هَمُّ يَوْمٍ لَا أُدْرِكُهُ.
قِيلَ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: إِنَّ أَمَلِي قَدْ جَاوَزَ أَجَلِي
стр. 200
فَقَعَدْتُ عَنْ عَمَلِي وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، ﵊، أَنَّهُ قَالَ: لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، وَالْقَلْبُ الْقَاسِي بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: إِذَا رَأَيْتَ قَسْوَةً فِي قَلْبِكَ، وَوَهَنًا فِي بَدَنِكَ، وَحِرْمَانًا فِي رِزْقِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ قَدْ تَكَلَّمْتَ بِمَا لَا يَعْنِيكَ.
وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 201
بَابُ: الْحِرْصِ وَطُولِ الْأَمَلِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الضَّبِّيُّ , عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , أَنَّ الدَّرْدَاءَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: «مَا لِيَ أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ، وَإِنَّ جُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ.
تَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ بِذِهَابِ الْعُلَمَاءِ.
مَا لِيَ أَرَاكُمْ تَحْرِصُونَ عَلَى مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَكُمْ بِهِ، وَتُضَيِّعُونَ مَا وُكِلْتُمْ إِلَيْهِ.
لَأَنَا أَعْلَمُ شِرَارَكُمْ مِنَ الْبِيطَارِ فِي الْخَيْلِ، هُمُ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ الزَّكَاةَ إِلَّا غَرَامًا، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا دُبُرًا، وَلَا يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ إِلَّا هَجْرًا، يَعْنِي التَّرْكَ وَالْإِعْرَاضَ عَنْهُ، وَلَا يَعْتِقُونَ مُحَرَّرِيهُمْ» .
الْحِرْصُ عَلَى وَجْهَيْنِ: حِرْصٌ مَذْمُومٌ، وَحِرْصٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ.
فَأَمَّا الْحِرْصُ الَّذِي هُوَ مَذْمُومٌ فَهُوَ أَنْ يَشْغَلَهُ عَنْ أَدَاءِ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ يُرِيدُ جَمْعَ الْمَالِ لِلتَّكَاثُرِ وَالتَّفَاخُرِ.
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَذْمُومٍ، فَهُوَ أَنْ لَا يَتْرُكَ شَيْئًا مِنْ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَجْلِ جَمْعِ الْمَالِ.
وَلَا يُرِيدُ بِهِ التَّفَاخُرَ، فَهَذَا غَيْرُ مَذْمُومٍ لِأَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ بَعْضُهُمْ يَجْمَعُ الْمَالَ وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَبَيَّنَ أَنَّ تَرْكَهُ أَفْضَلُ.
وَقَدْ بَيَّنَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ الْحِرْصَ مَذْمُومٌ إِذَا ضَيَّعَ أَوَامِرَ اللَّهِ تَعَالَى.
لِأَنَّهُ قَالَ: وَتَحْرِصُونَ عَلَى مَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَكُمْ بِهِ.
يَعْنِي أَرْزَاقَكُمْ فَتَحْرِصُونَ عَلَى طَلَبِهَا وَتُضَيِّعُونَ مَا وُكِلْتُمْ إِلَيْهِ.
يَعْنِي: أَمْرَ الطَّاعَةِ.
قَوْلُهُ:
стр. 202
وَلَا يَعْتِقُونَ مُحَرَّرِيهُمْ.
يَعْنِي بِحِرْصِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَ الْأَحْرَارَ كَمَا يَسْتَعْمِلُونَ الْعَبِيدَ
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ , عَنْ أَخِيهِ , عَنْ مُصْعَبَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ , قَالَتْ لِأَبِيهَا: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْثَرَ لَكَ مِنَ الْخَيْرِ، وَوَسَّعَ لَكَ مِنَ الرِّزْقِ، فَلَوْ أَكَلْتُ طَعَامًا أَطْيَبَ مِنْ طَعَامِكَ، وَلَبِسْتُ ثَوْبًا أَلْيَنَ مِنْ ثَوْبِكَ؟ قَالَ: «سَأُحَاكِمُكِ إِلَى نَفْسِكِ» .
وَلَمْ يَزَلْ يُذَكِّرُهَا مَا كَانَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَكُنْتُ فِيهِ مَعَهُ حَتَّى أَبْكَاهَا.
ثُمَّ قَالَ: " إِنَّهُ كَانَ لِي صَاحِبَانِ سَلَكَا طَرِيقًا فَإِنْ سَلَكْتُ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِمَا سَلَكَ بِي طَرِيقٌ غَيْرُ طَرِيقِهِمَا، وَإِنِّي وَاللَّهِ سَأَصْبِرُ عَلَى عَيْشِهِمَا الشَّدِيدِ، لَعَلِّي أُدْرِكُ مَعَهُمَا عَيْشَهُمَا الرَّخِيَّ
٢٧٩ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: يَا أُمَّاهُ مَا أَكْثَرَ مَا كَانَ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ؟ قَالَتْ أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ الْبَيْتَ: «لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ لَتَمَنَّى إِلَيْهِمَا ثَالِثًا، وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْمَالَ لِيُقَامَ بِهِ الصَّلَاةُ وَيُؤْتَى بِهِ الزَّكَاةُ» .
٢٨٠ - وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " يَهْرَمُ مِنَ ابْنِ آدَمَ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ وَالْأَمَلُ ".
وَرُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ:
стр. 203
أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ: طُولُ الْأَمَلِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى وَإِنَّ طُولَ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ، وَاتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ.
٢٨١ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " أَنَازَعْتُمْ لِثَلَاثَةٍ بِثَلَاثَةٍ: لِلْمُكِبِّ عَلَى الدُّنْيَا، وَالْحَرِيصِ عَلَيْهَا، وَالشَّحِيحِ بِهَا بِفَقْرٍ لَا غِنًى بَعْدَهُ، وَشُغْلٍ لَا فَرَاغَ مِنْهُ وَهَمٍّ لَا فَرَحَ مَعَهُ ".
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِ حِمْصٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ تَبْنُونَ مَا لَا تَسْكُنُونَ، وَتَأْمَلُونَ مَا لَا تُدْرِكُونَ، وَتَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ.
إِنَّ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ بَنَوْا مَشِيدًا، وَجَمَعُوا كَثِيرًا، وَأَمَّلُوا بَعِيدًا، فَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا، وَآمَالُهُمْ عَنْهُ غُرُورًا وَجَمْعُهُمْ بُورًا.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَلْقَى صَاحِبَكَ فَارْفَعْ قَمِيصَكَ، وَاخْصِفْ نَعْلَكَ، وَاقْصُرْ أَمَلَكَ، وَكُلْ دُونَ الشِّبَعِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى عُمَرَ قَمِيصًا فِيهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رُقْعَةً، وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بنْ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ دَخَلَ السُّوقَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ غَلِيظَةٌ غَيْرُ مَغْسُولَةٍ.
فَقِيلَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ لَبِسْتَ أَلْيَنَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا أَخْشَعُ لِلْقَلْبِ، وَأَشْبَهُ بِشِعَارِ الصَّالِحِينَ، وَأَحْسَنُ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُقْتَدَى بِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَعْرَفُ بِالنَّاسِ مِنَ الْبِيطَارِ بِالدَّوَابِّ.
أَمَّا خِيَارُهُمْ فَالزَّاهِدُونَ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا شِرَارُهُمْ فَمَنْ أَخَذَ مِنَ الدُّنْيَا فَوْقَ مَا يَكْفِيهِ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أُمَّهَاتُ الْخَطَايَا ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْحَسَدُ وَالْحِرْصُ وَالْكِبْرُ.
فَأَمَّا الْكِبْرُ فَكَانَ أَصْلُهُ مِنْ إِبْلِيسَ حِينَ تَكَبَّرَ وَأَبَى أَنْ يَسْجُدَ، فَلُعِنَ.
وَأَمَّا الْحِرْصُ فَكَانَ أَصْلَهُ مِنْ آدَمَ ﵇ حَيْثُ قِيلَ لَهُ الْجَنَّةُ كُلُّهَا مُبَاحٌ لَكَ إِلَّا هَذِهِ
стр. 204
الشَّجَرَةَ، فَحَمَلَهُ الْحِرْصُ عَلَى أَكْلِهَا حَتَّى سَقَطَ مِنْهَا.
وَالْحَسَدُ أَصْلُهُ مِنْ قَابِيلَ ابْنِ آدَمَ حِينَ قَتَلَ أَخَاهُ هَابِيلَ، فَصَارَ كَافِرًا وَمَأْوَاهُ النَّارُ أَبَدًا.
وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ آدَمَ ﵊ أَوْصَى ابْنَهُ شَيْئًا ﵊ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوصِي بِهَا أَوْلَادَهُ مِنْ بَعْدِهِ: أَوَّلُهَا: قَالَ لَهُ قُلْ لِأَوْلَادِكَ لَا تَطْمَئِنُّوا بِالدُّنْيَا، فَإِنِّي اطْمَأْنَنْتُ بِالْجَنَّةِ الْبَاقِيَةِ فَلَمْ يَرْضَ اللَّهُ مِنِّي وَأَخْرَجَنِي مِنْهَا.
وَالثَّانِي: قُلْ لَهُمْ لَا تَعْمَلُونَ بِهَوَى نِسَائِكُمْ، فَإِنِّي عَمِلْتُ بِهَوَى امْرَأَتِي وَأَكَلْتُ مِنَ الشَّجَرَةِ فَلَحِقَتْنِي النَّدَامَةُ.
وَالثَّالِثُ: قُلْ لَهُمْ كُلُّ عَمَلٍ تُرِيدُونَهُ فَانْظُرُوا عَاقِبَتَهُ، فَإِنِّي لَوْ نَظَرْتُ عَاقِبَةَ الْأَمْرِ لَمْ يُصِبْنِي مَا أَصَابَنِي.
وَالرَّابِعُ: إِذَا اضْطَرَبَتْ قُلُوبُكُمْ بِشَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، فَإِنِّي حِينَ أَكَلْتُ مِنَ الشَّجَرَةِ اضْطَرَبَ قَلْبِي، فَلَمْ أَرْجِعْ فَلَحِقَنِي النَّدَمُ.
وَالْخَامِسُ: اسْتَشِيرُوا فِي الْأُمُورِ، فَإِنِّي لَوْ شَاوَرْتُ الْمَلائِكَةَ لَمْ يُصِبْنِي مَا أَصَابَنِي.
وَرُوِيَ عَنْ شَقِيقِ الْبَلْخِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: أَخْرَجْتُ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ حَدِيثٍ أَرْبَعُ مِائَةَ حَدِيثٍ، وَأَخْرَجْتُ مِنْ أَرْبَعُ مِائَةِ حَدِيثٍ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا، وَأَخْرَجْتُ مِنَ الْأَرْبَعِينَ حَدِيثًا أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ.
أَوَّلُهَا: لَا تَعْقِدْ قَلْبَكَ مَعَ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهَا الْيَوْمَ لَكَ وَغَدًا لِغَيْرِكَ، فَإِنْ أَطَعْتَهَا أَدْخَلَتْكَ النَّارَ.
وَالثَّانِي: لَا تَعْقِدْ قَلْبَكَ مَعَ الْمَالِ، فَإِنَّ الْمَالَ عَارِيَةٌ، الْيَوْمَ لَكَ وَغَدًا لِغَيْرِكَ.
فَلَا تُتْعِبْ نَفْسَكَ بِمَا لِغَيْرِكَ، فَإِنَّ الْمَهْنَأَ لِغَيْرِكَ وَالْوِزْرَ عَلَيْكَ.
وَإِنَّك إِذَا عَقَدْتَ قَلْبَكَ بِالْمَالِ مَنَعْتَهُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَدَخَلَ فِيكَ خَشْيَةَ الْفَقْرِ وَأَطَعْتَ الشَّيْطَانَ.
وَالثَّالِثُ: اتْرُكْ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ.
فَإِنَّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ، يَضْطَرِبُ عِنْدَ الشَّبُهَةِ وَيَهْرَبُ مِنَ الْحَرَامِ وَيَسْكُنُ عِنْدَ الْحَلَالِ.
وَالرَّابِعُ: لَا تَعْمَلْ شَيْئًا حَتَّى تَحْكُمَ الْإِجَابَةُ.
стр. 205
٢٨٢ - وَرَوَى مُجَاهِدٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَعُدَّ نَفْسَكَ مِنْ أَهْلِ الْقُبُورِ» .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَمِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَدًا مَنْ قَصُرَ أَمَلُهُ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَرْبَعِ كَرَامَاتٍ.
إِحْدَاهَا: أَنْ يُقَوِّيَهُ عَلَى طَاعَتِهِ.
لِأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَنْ قَرِيبٍ لَا يَهْتَمُّ بِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ، وَيَجْتَهِدُ فِي الطَّاعَاتِ فَيَكْثُرُ عَمَلُهُ.
وَالثَّانِي: يَقِلُّ هُمُومُهُ لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَنْ قَرِيبٍ لَا يَهْتَمُّ بِمَا يَسْتَقْبِلُهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ.
وَالثَّالِثُ: يَجْعَلُهُ رَاضِيًا بِالْقَلِيلِ، لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَنْ قَرِيبٍ فَإِنَّهُ لَا يَطْلُبُ الْكَثْرَةَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَمُّهُ هَمَّ آخِرَتِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ يُنَوِّرَ قَلْبَهُ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ نُورُ الْقَلْبِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: بَطْنٌ جَائِعٌ، وَالثَّانِي: صَاحِبٌ صَالِحٌ، وَالثَّالِثُ: حِفْظُ الذَّنْبِ الْقَدِيمِ، وَالرَّابِعُ: قِصَرُ الْأَمَلِ، فَإِنَّ مَنْ طَالَ أَمَلُهُ عَاقَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ.
أَوَّلُهَا: أَنْ يَتَكَاسَلَ عَنِ الطَّاعَاتِ، وَالثَّانِي: أَنْ يُكْثِرَ هُمُومَهُ فِي الدُّنْيَا، وَالثَّالِثُ أَنْ يَصِيرَ حَرِيصًا عَلَى جَمْعِ الْمَالِ، وَالرَّابِعُ: أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُهُ، لِأَنَّهُ يُقَالُ قَسْوَةُ الْقَلْبِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: بَطْنٌ مُمْتَلِئ، وَالثَّانِي: صُحْبَةُ صَاحِبِ السُّوءِ، وَالثَّالِثُ: نِسْيَانُ الذُّنُوبِ الْمَاضِيَةِ، وَالرَّابِعُ: طُولُ الْأَمَلِ.
فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَقْصُرَ أَمَلُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ نَفَسٍ يَمُوتُ؟ وَفِي أَيِّ قَدَمٍ يَمُوتُ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] .
قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ بِأَيِّ قَدَمٍ يَمُوتُ.
стр. 206
وَفِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُكْثِرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَا غُنْيَةَ لِلْمُؤْمِنِ عَنْ سِتِّ خِصَالٍ: أَوَّلُهَا: عِلْمٌ يَدُلُّهُ عَلَى الْآخِرَةِ، وَالثَّانِي: رَفِيقٌ يُعِينُهُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَمْنَعُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ عَدُوِّهِ وَالْحَذَرُ مِنْهُ، وَالرَّابِعُ: عِبْرَةٌ يَعْتَبِرُ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْخَامِسُ: إِنْصَافُ الْخَلْقِ كَيْلَا يَكُونَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَصْمٌ، وَالسَّادِسُ: الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ لِكَيْلَا يَكُونَ مُفْتَضَحًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
٢٨٣ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ , بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «أَيُرِيدُ كُلُّكُمْ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟» قَالُوا: نَعَمْ.
جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى فِدَاءَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «قَصِّرُوا الْأَمَلِ وَاسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ» .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا نَسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ بِالْحَيَاءِ وَلَكِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَنْ تَذْكُرُوا الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى وَتَحْفَظُوا الْجَوْفَ وَمَا وَعَى وَالرَّأْسَ وَمَا حَوَى وَمَنْ يَشْتَهِي كَرَامَةَ الْآخِرَةِ يَدَعُ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَهُنَالِكَ يَسْتَحِي الْعَبْدُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ وَبِهَا يُصِيبُ وِلَايَةَ اللَّهِ تَعَالَى»
٢٨٤ - وَرَوَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ , عَنِ الْعِجْلِيِّ , قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ﴿١﴾ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١-٢] ، فَقَالَ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي؟ وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَبْقَيْتَ» .
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ:
стр. 207
الْغُنْيَةُ فِي الْقَنَاعَةِ، وَالسَّلَامَةُ فِي الْعَزْلَةِ، وَالْحَرِّيَّةُ فِي رَفْضِ الشَّهَوَاتِ، وَالْمَحَبَّةُ فِي تَرْكِ الرَّغْبَةِ، وَالتَّمَتُّعُ فِي أَيَّامٍ طَوِيلَةٍ بِالصَّبْرِ فِي أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ.
٢٨٥ - وَرُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّ، النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ «يَا عَائِشَةُ إِنْ أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ» .
٢٨٦ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ مَنْ أَحَبَّنِي فَارْزُقْهُ الْعَفَافَ وَالْكَفَافَ، وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَأَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ»
٢٨٧ - عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا تُكْثِرُ الْهَمَّ وَالْحَزَنَ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ، وَمَا الْفَقْرُ أَخَافُ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ الْغِنَى، أَنْ تُبْسَطَ لَكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ لِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوا فَيُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَهُمْ» .
٢٨٨ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ وَهَلَاكُ آخِرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْبُخْلِ وَالْأَمَلِ»
стр. 208
بَابُ: فَضَائِلِ الْفُقَرَاءِ
٢٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْجُرْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي سَالِمٍ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: بَعَثَ الْفُقَرَاءُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَسُولًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَسُولُ الْفُقَرَاءِ إِلَيْكَ.
فَقَالَ: «مَرْحَبًا بِكَ وَبِمَنْ جِئْتَ مِنْ عِنْدَهُمْ، جِئْتَ مِنْ عِنْدِ قَوْمٍ أَحَبَّهُمُ اللَّهُ» .
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ الْفُقَرَاءُ إِنَّ الْأَغْنِيَاءَ قَدْ ذَهَبُوا بِالْخَيْرِ كُلِّهُ، هُمْ يَحُجُّونَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَرِضُوا بَعَثُوا بِفَضْلِ أَمْوَالِهِمْ ذُخْرًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بَلِّغْ عَنِّي الْفُقَرَاءَ أَنَّ مَنْ صَبَرَ مِنْكُمْ وَاحْتَسَبَ فَلَهُ ثَلَاثُ خِصَالٍ لَيْسَ لِلْأَغْنِيَاءِ مِنْهَا شَيْءٌ: أَمَّا الْخَصْلَةُ الْوَاحِدَةُ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، يَنْظُرُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ كَمَا يَنْظُرُ أَهْلُ الدُّنْيَا إِلَى النُّجُومِ، لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَبِيٌّ فَقِيرٌ أَوْ شَهِيدٌ فَقِيرٌ أَوْ مُؤْمِنٌ فَقِيرٌ.
وَالثَّانِيَةُ يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الْأَغْنِيَاءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَهُوَ مِقْدَارُ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ، يَتَمَتَّعُونَ فِيهَا حَيْثُ شَاءُوا، وَيَدْخُلُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉ الْجَنَّةَ بَعْدَ دُخُولِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَرْبَعِينَ عَامًا بِسَبَبِ الْمُلْكِ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ.
وَالْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ الْفَقِيرُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
стр. 209
وَاللَّهُ أَكْبَرُ مُخْلِصًا، وَيَقُولُ الْغَنِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ مُخْلِصًا، لَمْ يَلْحَقِ الْغَنِيُّ الْفَقِيرَ وَإِنْ أَنْفَقَ الْغَنِيُّ مَعَهَا عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمَ، وَكَذَلِكَ أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا ".
فَرَجَعَ إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَالُوا: رَضِينَا يَا رَبُّ رَضِينَا يَا رَبُّ
٢٩٠ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ.
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مُسْلِمٍ , قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَبَا ذَرٍّ قَالَ: " أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِسَبْعٍ لَمْ أَتْرُكْهُنَّ وَلَا أَتْرُكُهُنَّ: أَوْصَانِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنِّي، وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقِي، وَأَنْ أَصِلَ رَحِمِي، وَإِنْ أَدْبَرَتْ وَقَطَعَتْ، وَأَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ.
وَأَنْ لَا أَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا، وَأَنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَنْ كَانَ مُرًّا.
وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِذَا سَقَطَ مِنْ يَدِهِ سَوْطُهُ يَكْرَهُ أَقُولَ الْحَقَّ أَنْ يَقُولَ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِيهِ
وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ , قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، قَالَ: " تَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبُّ عَبْدُكَ الْكَافِرُ بَسَطْتَ لَهُ الدُّنْيَا وَتَزْوِي عَنْهُ الْبَلَاءَ.
فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ اكْشِفُوا عَنْ عِقَابِهِ.
فَإِذَا رَأَوْهُ قَالُوا: يَا رَبُّ لَا يَنْفَعْهُ مَا أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا.
وَتَقُولُ: يَا رَبُّ عَبْدُكَ الْمُؤْمِنُ تَزْوِي عَنْهُ الدُّنْيَا وَتُعَرِّضُهُ لِلْبَلَاءِ، فَيَقُولُ: اكْشِفُوا عَنْ ثَوَابِهِ.
فَإِذَا رَأَوْهُ قَالَوا: يَا رَبُّ مَا يَضُرُّهُ مَا أَصَابَهُ مِنَ الدُّنْيَا "
٢٩١ - قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْأَقَلُّونَ، إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ»
стр. 210
مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْأَقَلُّونَ يَعْنِي: إِذَا كَانَ الْغِنَي مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَهُوَ أَقَلُّ دَرَجَةٍ مِنَ الْفَقِيرِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَهُوَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي: يَتَصَدَّقُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، وَمِنْ خَلْفِهِ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.
وَقَلِيلٌ مَا هُمْ يَعْنِي: قَلَّمَا يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا فِي الْأَغْنِيَاءِ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يُزَيِّنُ لَهُمْ أَمْوَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
٢٩٢ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَقُولُ: لَنْ يَنْجُوَ الْغَنِيُّ مِنْ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ أُزَيِّنَهُ فِي عَيْنِهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ حَقِّهِ، وَإِمَّا أَنْ أُسَهِّلَ عَلَيْهِ سَبِيلَهُ فَيُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ، وَإِمَّا أَنْ أُحَبِّبَهُ فِي قَلْبِهِ فَيَكْسِبُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ ".
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا تَاجِرٌ فَأَرَدْتُ أَنْ تَجْتَمِعَ لِيَ التِّجَارَةُ مَعَ الْعِبَادَةِ فَلَمْ تَجْتَمِعَا، فَرَفَضْتُ التِّجَارَةَ وَأَقْبَلْتُ عَلَى الْعِبَادَةِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حَانُوتًا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ لَا تُخْطِئُنِي فِيهِ صَلَاةٌ فَأَرْبَحُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعِينَ دِينَارًا، فَأَتَصَدَّقُ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
قِيلَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ: لِمَ تَكْرَهْ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِسُوءِ الْحِسَابِ.
٢٩٣ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ مَنْ أَحَبَّنِي فَارْزُقْهُ الْعَفَافَ وَالْكَفَافَ، وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَأَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ» .
٢٩٤ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْفَقْرُ مَشَقَّةٌ فِي الدُّنْيَا، مَسَرَّةٌ فِي الْآخِرَةِ.
وَالْغِنَى مَسَرَّةٌ فِي الدُّنْيَا، مَشَقَّةٌ فِي الْآخِرَةِ»
٢٩٥ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ حِرْفَةً، وَحِرْفَتِي اثْنَتَانِ: الْفَقْرُ وَالْجِهَادُ.
فَمَنْ أَحَبَّهُمَا فَقَدْ أَحَبَّنِي وَمَنْ أَبْغَضَهُمَا فَقَدْ أَبْغَضَنِي ".
يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ الْفَقْرَ وَيُحِبَّ الْفُقَرَاءَ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا، لِأَنَّ فِي حُبِّ الْفُقَرَاءِ حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ بِحُبِّ الْفُقَرَاءِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ.
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ
стр. 211
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] ، الْآيَةُ.
يَعْنِي احْبِسْ نَفْسَكَ مَعَ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْعِبَادَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ، وَكَانَ رَئِيسَ قَوْمِهِ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ وَبِلَالُ بْنُ حَمَامَةَ الْحَبَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ ضُعَفَاءِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَعَلَيْهِمْ ثِيَابٌ خَلِقَةٌ قَدْ عَرِقُوا فِيهَا.
فَقَالَ عُيَيْنَةُ: إِنَّ لَنَا شَرَفًا فَإِذَا دَخَلْنَا عَلَيْكَ فَأَخْرِجْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يُؤْذُونَنَا بِرِيحِهِمْ، وَاجْعَلْ لَنَا مَجْلِسًا.
فَنَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِخْرَاجِهِمْ فَقَالَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] .
يَعْنِي: يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَطْلُبُونَ رِضَاهُ.
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
يَعْنِي: لَا تَتَجَاوَزْهُمْ وَلَا تُحَقِّرْهُمْ طَلَبَ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
قَالَ: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، يَعْنِي لَا تُطِعْ مَنْ أَعْرَضْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا عَنِ الْقُرْآنِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.
يَعْنِي اتَّبَعَ هَوَى نَفْسِهِ فِي بُغْضِ الْفُقَرَاءِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] .
يَعْنِي أَمْرُهُ كَانَ ضَائِعًا بَاطِلًا.
فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِمُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبِ مِنْهُمْ وَهَذَا الْأَمْرُ لِجَمِيعِ الْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ الْفُقَرَاءَ وَيَبَرَّهُمْ وَيَتَّخِذَ عِنْدَهُمُ الْأَيَادِيَ، فَإِنَّهُمْ قُوَّادُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتُرْجَى شَفَاعَتُهُمْ
٢٩٦ - وَرَوَى الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: " يُؤْتَى الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَعْتَذِرُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ كَمَا يَعْتَذِرُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي الدُّنْيَا.
فَيَقُولُ جَلَّ سُلْطَانُهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، مَا زَوَيْتُ الدُّنْيَا عَنْكَ لِهَوَانِكَ عَلَيَّ، وَلَكِنْ لِمَا أَعْدَدْتُ لَكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضِيلَةِ.
اخْرُجْ يَا عَبْدِي إِلَى هَذِهِ الصُّفُوفِ وَانْظُرْ مَنْ أَطْعَمَكَ فِيَّ أَوْ كَسَاكَ فِيَّ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهِي.
فَخُذْ بِيَدِهِ فَهُوَ لَكَ وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ.
فَيَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ وَيَنْظُرُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ "
٢٩٧ - وَرَوَى الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَكْثِرُوا
стр. 212
مَعْرِفَةَ الْفُقَرَاءِ وَاتَّخِذُوا عِنْدَهُمُ الْأَيَادِيَ، فَإِنَّ لَهُمْ دَوْلَةً» .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا دَوْلَتُهُمْ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ قِيلَ لَهُمُ انْظُرُوا مَنْ أَطْعَمَكُمْ كِسْرَةً، أَوْ سَقَاكُمْ شَرْبَةً، أَوْ كَسَاكُمْ ثَوْبًا، فَخُذُوا بِيَدِهِ ثُمَّ امْضُوا بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ» .
اعْلَمْ أَنَّ لِلْفَقِيرِ خَمْسَ كَرَامَاتٍ: إِحْدَاهَا أَنَّ ثَوَابَ عَمَلِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْغَنِيِّ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا وَلَمْ يَجِدْهُ يُكْتَبْ لَهُ الْأَجْرُ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ سَابِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنَّ حِسَابَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَقَلُّ.
وَالْخَامِسَةُ أَنَّ نَدَامَتَهُمْ أَقَلُّ؛ لِأَنَّ الْأَغْنِيَاءَ يَتَمَنَّوْنَ فِي الْآخِرَةِ لَوْ كَانُوا فُقَرَاءَ، وَلَا يَتَمَنَّى الْفَقِيرُ أَنْ لَوْ كَانَ غَنِيًّا.
وَفِي كُلِّ هَذَا قَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ
٢٩٨ - وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دِرْهَمٌ مِنَ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ» .
قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَخْرَجَ رَجُلٌ مِنْ عَرْضِ مَالِهِ مِائَةَ أَلْفٍ وَتَصَدَّقَ بِهَا، وَأَخَّرَ رَجُلٌ دِرْهَمًا مِنْ دِرْهَمَيْنِ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُمَا طِيبَةً مِنْ نَفْسِهِ، فَصَارَ صَاحِبُ الدِّرْهَمِ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِ الْمِائَةِ أَلْفٍ» .
٢٩٩ - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ سَأَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إِذَا رَأَيْنَا أَشْيَاءَ نَشْتَهِيهَا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهَا فَهَلْ لَنَا فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «فَبِمَ تُؤْجَرُونَ إِنْ لَمْ تُؤْجَرُوا فِيهَا» .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَرَأَى شَيْئًا يَشْتَهِيهِ فَصَبَرَ فَاحْتَسَبَ، كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ يُنْفِقُهَا كُلَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَضْلِ الْفُقَرَاءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:
стр. 213
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] ، يَعْنِي أَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِلَيَّ وَأَدُّوا الزَّكَاةَ إِلَى الْفُقَرَاءِ.
فَقَرَنَ حَقَّ الْفُقَرَاءِ بِحَقِّ نَفْسِهِ.
وَيُقَالُ: الْفَقِيرُ طَبِيبُ الْغَنِيِّ وَقِصَارُهُ وَرَسُولُهُ وَحَارِسُهُ وَشَفِيعُهُ.
وَإِنَّمَا قِيلَ طَبِيبُهُ لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا مَرِضَ يَتَصَدَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَبْرَأُ مِنْ مَرَضِهِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ: هُوَ قِصَارُهُ لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ يَدْعُو لَهُ الْفَقِيرُ فَيُطَهِّرَ الْغَنِيَّ مِنْ ذُنُوبِهِ وَيُطَهِّرَ مَالَهُ، وَإِنَّمَا قِيلَ: هُوَ رَسُولُهُ لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا تَصَدَّقَ عَنْ وَالِدَيْهِ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَقْرِبَائِهِ فَيَصِلُ ذَلِكَ إِلَى الْمَوْتَى، فَصَارَ الْفَقِيرُ رَسُولَهُ إِلَى الْمَوْتَى.
وَإِنَّمَا قِيلَ: هُوَ حَارِسُهُ لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا تَصَدَّقَ فَدَعَا لَهُ الْفَقِيرُ تَحَصَّنَ مَالُ الْغَنِيِّ بِدُعَاءِ الْفَقِيرِ.
٣٠٠ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ» فَقَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: «هُمُ الضُّعَفَاءُ الْمَظْلُومُونَ الَّذِينَ لَا يُزَوَّجُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السُّدَدِ، يَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ تَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ، وَلَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: مَلْعُونٌ مَنْ أَكْرَمَ بِالْغِنَى وَأَهَانَ بِالْفَقْرِ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا أَنْصَفْنَا إِخْوَانَنَا الْأَغْنِيَاءَ لِأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَنَحْنُ نَأْكُلُ، وَيَشْرَبُونَ وَنَحْنُ نَشْرَبُ، وَيَلْبَسُونَ وَنَحْنُ نَلْبَسُ، وَلَهُمْ فُضُولُ أَمْوَالِهِمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهَا مَعَهُمْ، وَهُمْ يُحَاسَبُونَ وَنَحْنُ بُرَآءُ مِنْهَا وَعَنْ شَقِيقٍ الزَّاهِدِ , أَنَّهُ قَالَ: اخْتَارَ الْفُقَرَاءُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَالْأَغْنِيَاءُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، اخْتَارَ الْفُقَرَاءُ رَاحَةَ النَّفْسِ، وَفَرَاغَ الْقَلْبِ، وَخِفَّةَ الْحِسَابِ.
وَاخْتَارَ الْأَغْنِيَاءُ تَعَبَ النَّفْسِ، وَشُغْلَ الْقَلْبِ , وَشِدَّةَ الْحِسَابِ.
وَرُوِيَ عَنْ حَاتِمٍ الزَّاهِدِ , أَنَّهُ قَالَ: مَنِ ادَّعَى أَرْبَعًا مِنْ غَيْرِ أَرْبَعٍ فَهُوَ مُكَذِّبٌ، مَنِ ادَّعَى حُبَّ مَوْلَاهُ مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ عَنْ مَحَارِمِهِ، وَمَنِ ادَّعَى حُبَّ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ إِنْفَاقِ مَالِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنِ ادَّعَى حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَمَنِ
стр. 214
ادَّعَى حُبَّ الدَّرَجَاتِ مِنْ غَيْرِ صُحْبَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مَحْرُومٌ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ: الْمُتَطَاوِلُ عَلَى مَنْ تَحْتَهُ، وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَمَنْ يُحَقِّرُ الْغَرِيبَ، وَمَنْ يُعَيِّرُ الْمَسَاكِينَ لِمَسْكَنَتِهِمْ.
٣٠١ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» .
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]
٣٠٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَحْمِلْكُمُ الْعُسْرَةُ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوا الرِّزْقَ مِنْ غَيْرِ حِلَّةٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي فَقِيرًا وَلَا تَتَوَفَّنِي غَنِيًّا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْآخِرَةِ» .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ أَتَى بِغَنَائِمَ مِنْ غَنَائِمِ الْقَادِسِيَّةِ فَجَعَلَ يَتَصَفَّحُهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَبْكِي.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: هَذَا يَوْمُ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ، وَأَنْتَ تَبْكِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: أَجَلْ.
وَلَكِنْ مَا أُوتِيَ هَذَا قَوْمٌ إِلَّا أَوْقَعَ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.
٣٠٤ - وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ الْفُقَرَاءُ.
لِأَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ الْأَنْبِيَاءُ فَابْتَلاهُمْ بِالْفَقْرِ»
стр. 215
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَرَّاءُ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: " أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ: أَنَّهُ يَمُوتُ رَجُلٌ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِي إِلَيَّ، وَأَحَبِّ أَهْلِ الْأَرْضِ فَائْتِهِ وَغَسِّلْهُ وَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ فَطَلَبَهُ فِي الْعُمْرَانِ فَلَمْ يَجِدْهُ.
ثُمَّ طَلَبَهُ فِي الْخَرَابِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَأَى قَوْمًا مِنَ الطَّيَّانِينَ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتُمْ مَرِيضًا هَهُنَا بِالْأَمْسِ أَوْ مَيِّتًا الْيَوْمَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ مَرِيضًا فِي الْخَرِبَةِ فَلَعَلَّكَ تُرِيدُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَذَهَبَ فَإِذَا هُوَ بِمَرِيضٍ طَرِيحٍ وَتَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ، فَلَمَّا أَنْ عَالَجَ نَفْسَهُ سَقَطَ رَأْسُهُ عَنِ اللَّبِنَةِ.
قَالَ: فَقَامَ مُوسَى فَبَكَى، فَقَالَ: يَا رَبُّ قُلْتَ إِنَّ هَذَا مِنْ أَحَبِّ عِبَادِكَ إِلَيْكَ فَلَا أَرَى عِنْدَهُ مَنْ كَانَ يُمَرِّضُهُ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي إِذَا أَحْبَبْتُ عَبْدِي زَوَيْتُ عَنْهُ الدُّنْيَا كُلَّهَا "
وَرَوَى عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ , عَنِ الْحَسَنِ , أَنَّهُ قَالَ: أَخَذَ إِبْلِيسُ أَوَّلَ دِينَارٍ ضُرِبَ فَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَقَالَ: مَنْ أَحَبَّكَ فَهُوَ عَبْدِي
وَرَوَى عَبْدُ الْمُنْعِمِ , عَنْ إِدْرِيسَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ , أَنَّهُ قَالَ: " وَصَلَ إِبْلِيسُ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: أَخْبِرْنِي بِمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِأُمَّةِ رُوحِ اللَّهِ تَعَالَى؟ يَعْنِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵊.
فَقَالَ: لَأَدْعُوَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ قَالَ: لَأَدْعُوَنَّهُمْ إِلَى الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَشْهَى عِنْدَهُمْ مِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ سُلَيْمَانُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ.
فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَهَبَ
الْوَاجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ أَنْ يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ صَرَفَ عَنْهُ الدُّنْيَا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، وَأَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ ﵈، وَيَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَجْزَعَ فِي ذَلِكَ، وَيَصْبِرَ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا صَرَفَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْفَقْرِ فَضِيلَةٌ سِوَى أَنَّهُ كَانَ حِرْفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاقْتِدَاءً بِهِ لَكَانَ عَظِيمًا "
٣٠٥ - حَدَّثَنِي الثِّقَةُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَجِبْرِيلُ ﵊ مَعَهُ، قَالَ جِبْرِيلُ: هَذَا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ.
اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي زِيَارَتِكَ.
فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَ الْمَلَكُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ
следующие страницы →