Полный текст (602 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] ، الْآيَةُ.
يَعْنِي احْبِسْ نَفْسَكَ مَعَ الْفُقَرَاءِ الَّذِينَ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْعِبَادَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الْفَزَارِيَّ، وَكَانَ رَئِيسَ قَوْمِهِ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدَهُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ وَبِلَالُ بْنُ حَمَامَةَ الْحَبَشِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ ضُعَفَاءِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَعَلَيْهِمْ ثِيَابٌ خَلِقَةٌ قَدْ عَرِقُوا فِيهَا.
فَقَالَ عُيَيْنَةُ: إِنَّ لَنَا شَرَفًا فَإِذَا دَخَلْنَا عَلَيْكَ فَأَخْرِجْ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ يُؤْذُونَنَا بِرِيحِهِمْ، وَاجْعَلْ لَنَا مَجْلِسًا.
فَنَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ إِخْرَاجِهِمْ فَقَالَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: ٢٨] .
يَعْنِي: يُصَلُّونَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَيَطْلُبُونَ رِضَاهُ.
وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
يَعْنِي: لَا تَتَجَاوَزْهُمْ وَلَا تُحَقِّرْهُمْ طَلَبَ زِينَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
قَالَ: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا، وَاتَّبَعَ هَوَاهُ، يَعْنِي لَا تُطِعْ مَنْ أَعْرَضْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا عَنِ الْقُرْآنِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ.
يَعْنِي اتَّبَعَ هَوَى نَفْسِهِ فِي بُغْضِ الْفُقَرَاءِ: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨] .
يَعْنِي أَمْرُهُ كَانَ ضَائِعًا بَاطِلًا.
فَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ بِمُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْقُرْبِ مِنْهُمْ وَهَذَا الْأَمْرُ لِجَمِيعِ الْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُحِبَّ الْفُقَرَاءَ وَيَبَرَّهُمْ وَيَتَّخِذَ عِنْدَهُمُ الْأَيَادِيَ، فَإِنَّهُمْ قُوَّادُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتُرْجَى شَفَاعَتُهُمْ
٢٩٦ - وَرَوَى الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: " يُؤْتَى الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَعْتَذِرُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ كَمَا يَعْتَذِرُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي الدُّنْيَا.
فَيَقُولُ جَلَّ سُلْطَانُهُ وَعَظُمَ شَأْنُهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، مَا زَوَيْتُ الدُّنْيَا عَنْكَ لِهَوَانِكَ عَلَيَّ، وَلَكِنْ لِمَا أَعْدَدْتُ لَكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضِيلَةِ.
اخْرُجْ يَا عَبْدِي إِلَى هَذِهِ الصُّفُوفِ وَانْظُرْ مَنْ أَطْعَمَكَ فِيَّ أَوْ كَسَاكَ فِيَّ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهِي.
فَخُذْ بِيَدِهِ فَهُوَ لَكَ وَالنَّاسُ يَوْمَئِذٍ قَدْ أَلْجَمَهُمُ الْعَرَقُ.
فَيَتَخَلَّلُ الصُّفُوفَ وَيَنْظُرُ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِ فَيَأْخُذُ بِيَدِهِ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ "
٢٩٧ - وَرَوَى الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَكْثِرُوا
стр. 212
مَعْرِفَةَ الْفُقَرَاءِ وَاتَّخِذُوا عِنْدَهُمُ الْأَيَادِيَ، فَإِنَّ لَهُمْ دَوْلَةً» .
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا دَوْلَتُهُمْ؟ قَالَ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ قِيلَ لَهُمُ انْظُرُوا مَنْ أَطْعَمَكُمْ كِسْرَةً، أَوْ سَقَاكُمْ شَرْبَةً، أَوْ كَسَاكُمْ ثَوْبًا، فَخُذُوا بِيَدِهِ ثُمَّ امْضُوا بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ» .
اعْلَمْ أَنَّ لِلْفَقِيرِ خَمْسَ كَرَامَاتٍ: إِحْدَاهَا أَنَّ ثَوَابَ عَمَلِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِ الْغَنِيِّ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِذَا اشْتَهَى شَيْئًا وَلَمْ يَجِدْهُ يُكْتَبْ لَهُ الْأَجْرُ.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُمْ سَابِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَالرَّابِعَةُ: أَنَّ حِسَابَهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَقَلُّ.
وَالْخَامِسَةُ أَنَّ نَدَامَتَهُمْ أَقَلُّ؛ لِأَنَّ الْأَغْنِيَاءَ يَتَمَنَّوْنَ فِي الْآخِرَةِ لَوْ كَانُوا فُقَرَاءَ، وَلَا يَتَمَنَّى الْفَقِيرُ أَنْ لَوْ كَانَ غَنِيًّا.
وَفِي كُلِّ هَذَا قَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ
٢٩٨ - وَرَوَى زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «دِرْهَمٌ مِنَ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ» .
قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَخْرَجَ رَجُلٌ مِنْ عَرْضِ مَالِهِ مِائَةَ أَلْفٍ وَتَصَدَّقَ بِهَا، وَأَخَّرَ رَجُلٌ دِرْهَمًا مِنْ دِرْهَمَيْنِ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُمَا طِيبَةً مِنْ نَفْسِهِ، فَصَارَ صَاحِبُ الدِّرْهَمِ أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِ الْمِائَةِ أَلْفٍ» .
٢٩٩ - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ سَأَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إِذَا رَأَيْنَا أَشْيَاءَ نَشْتَهِيهَا لَا نَقْدِرُ عَلَيْهَا فَهَلْ لَنَا فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «فَبِمَ تُؤْجَرُونَ إِنْ لَمْ تُؤْجَرُوا فِيهَا» .
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَرَأَى شَيْئًا يَشْتَهِيهِ فَصَبَرَ فَاحْتَسَبَ، كَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ يُنْفِقُهَا كُلَّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالدَّلِيلُ عَلَى فَضْلِ الْفُقَرَاءِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:
стр. 213
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦] ، يَعْنِي أَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِلَيَّ وَأَدُّوا الزَّكَاةَ إِلَى الْفُقَرَاءِ.
فَقَرَنَ حَقَّ الْفُقَرَاءِ بِحَقِّ نَفْسِهِ.
وَيُقَالُ: الْفَقِيرُ طَبِيبُ الْغَنِيِّ وَقِصَارُهُ وَرَسُولُهُ وَحَارِسُهُ وَشَفِيعُهُ.
وَإِنَّمَا قِيلَ طَبِيبُهُ لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا مَرِضَ يَتَصَدَّقُ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَيَبْرَأُ مِنْ مَرَضِهِ.
وَإِنَّمَا قِيلَ: هُوَ قِصَارُهُ لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ يَدْعُو لَهُ الْفَقِيرُ فَيُطَهِّرَ الْغَنِيَّ مِنْ ذُنُوبِهِ وَيُطَهِّرَ مَالَهُ، وَإِنَّمَا قِيلَ: هُوَ رَسُولُهُ لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا تَصَدَّقَ عَنْ وَالِدَيْهِ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَقْرِبَائِهِ فَيَصِلُ ذَلِكَ إِلَى الْمَوْتَى، فَصَارَ الْفَقِيرُ رَسُولَهُ إِلَى الْمَوْتَى.
وَإِنَّمَا قِيلَ: هُوَ حَارِسُهُ لِأَنَّ الْغَنِيَّ إِذَا تَصَدَّقَ فَدَعَا لَهُ الْفَقِيرُ تَحَصَّنَ مَالُ الْغَنِيِّ بِدُعَاءِ الْفَقِيرِ.
٣٠٠ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ مُلُوكِ الْجَنَّةِ» فَقَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: «هُمُ الضُّعَفَاءُ الْمَظْلُومُونَ الَّذِينَ لَا يُزَوَّجُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ وَلَا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السُّدَدِ، يَمُوتُ أَحَدُهُمْ وَحَاجَتُهُ تَتَلَجْلَجُ فِي صَدْرِهِ، وَلَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: مَلْعُونٌ مَنْ أَكْرَمَ بِالْغِنَى وَأَهَانَ بِالْفَقْرِ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا أَنْصَفْنَا إِخْوَانَنَا الْأَغْنِيَاءَ لِأَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَنَحْنُ نَأْكُلُ، وَيَشْرَبُونَ وَنَحْنُ نَشْرَبُ، وَيَلْبَسُونَ وَنَحْنُ نَلْبَسُ، وَلَهُمْ فُضُولُ أَمْوَالِهِمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهَا وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهَا مَعَهُمْ، وَهُمْ يُحَاسَبُونَ وَنَحْنُ بُرَآءُ مِنْهَا وَعَنْ شَقِيقٍ الزَّاهِدِ , أَنَّهُ قَالَ: اخْتَارَ الْفُقَرَاءُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، وَالْأَغْنِيَاءُ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ، اخْتَارَ الْفُقَرَاءُ رَاحَةَ النَّفْسِ، وَفَرَاغَ الْقَلْبِ، وَخِفَّةَ الْحِسَابِ.
وَاخْتَارَ الْأَغْنِيَاءُ تَعَبَ النَّفْسِ، وَشُغْلَ الْقَلْبِ , وَشِدَّةَ الْحِسَابِ.
وَرُوِيَ عَنْ حَاتِمٍ الزَّاهِدِ , أَنَّهُ قَالَ: مَنِ ادَّعَى أَرْبَعًا مِنْ غَيْرِ أَرْبَعٍ فَهُوَ مُكَذِّبٌ، مَنِ ادَّعَى حُبَّ مَوْلَاهُ مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ عَنْ مَحَارِمِهِ، وَمَنِ ادَّعَى حُبَّ الْجَنَّةِ مِنْ غَيْرِ إِنْفَاقِ مَالِهِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنِ ادَّعَى حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ اتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، وَمَنِ
стр. 214
ادَّعَى حُبَّ الدَّرَجَاتِ مِنْ غَيْرِ صُحْبَةِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مَحْرُومٌ مِنَ الْخَيْرِ كُلِّهِ: الْمُتَطَاوِلُ عَلَى مَنْ تَحْتَهُ، وَالْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَمَنْ يُحَقِّرُ الْغَرِيبَ، وَمَنْ يُعَيِّرُ الْمَسَاكِينَ لِمَسْكَنَتِهِمْ.
٣٠١ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ، وَلَكِنْ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ» .
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]
٣٠٢ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَحْمِلْكُمُ الْعُسْرَةُ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوا الرِّزْقَ مِنْ غَيْرِ حِلَّةٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ تَوَفَّنِي فَقِيرًا وَلَا تَتَوَفَّنِي غَنِيًّا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ أَشْقَى الْأَشْقِيَاءِ مَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فَقْرُ الدُّنْيَا وَعَذَابُ الْآخِرَةِ» .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ أَتَى بِغَنَائِمَ مِنْ غَنَائِمِ الْقَادِسِيَّةِ فَجَعَلَ يَتَصَفَّحُهَا وَيَنْظُرُ إِلَيْهَا وَيَبْكِي.
فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: هَذَا يَوْمُ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ، وَأَنْتَ تَبْكِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: أَجَلْ.
وَلَكِنْ مَا أُوتِيَ هَذَا قَوْمٌ إِلَّا أَوْقَعَ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ.
٣٠٤ - وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ الْفُقَرَاءُ.
لِأَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ الْأَنْبِيَاءُ فَابْتَلاهُمْ بِالْفَقْرِ»
стр. 215
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَرَّاءُ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: " أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ: أَنَّهُ يَمُوتُ رَجُلٌ مِنْ أَحَبِّ عِبَادِي إِلَيَّ، وَأَحَبِّ أَهْلِ الْأَرْضِ فَائْتِهِ وَغَسِّلْهُ وَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ فَطَلَبَهُ فِي الْعُمْرَانِ فَلَمْ يَجِدْهُ.
ثُمَّ طَلَبَهُ فِي الْخَرَابِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَأَى قَوْمًا مِنَ الطَّيَّانِينَ فَقَالَ: هَلْ رَأَيْتُمْ مَرِيضًا هَهُنَا بِالْأَمْسِ أَوْ مَيِّتًا الْيَوْمَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ مَرِيضًا فِي الْخَرِبَةِ فَلَعَلَّكَ تُرِيدُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَذَهَبَ فَإِذَا هُوَ بِمَرِيضٍ طَرِيحٍ وَتَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةٌ، فَلَمَّا أَنْ عَالَجَ نَفْسَهُ سَقَطَ رَأْسُهُ عَنِ اللَّبِنَةِ.
قَالَ: فَقَامَ مُوسَى فَبَكَى، فَقَالَ: يَا رَبُّ قُلْتَ إِنَّ هَذَا مِنْ أَحَبِّ عِبَادِكَ إِلَيْكَ فَلَا أَرَى عِنْدَهُ مَنْ كَانَ يُمَرِّضُهُ.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي إِذَا أَحْبَبْتُ عَبْدِي زَوَيْتُ عَنْهُ الدُّنْيَا كُلَّهَا "
وَرَوَى عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ , عَنِ الْحَسَنِ , أَنَّهُ قَالَ: أَخَذَ إِبْلِيسُ أَوَّلَ دِينَارٍ ضُرِبَ فَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَقَالَ: مَنْ أَحَبَّكَ فَهُوَ عَبْدِي
وَرَوَى عَبْدُ الْمُنْعِمِ , عَنْ إِدْرِيسَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ , أَنَّهُ قَالَ: " وَصَلَ إِبْلِيسُ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ: أَخْبِرْنِي بِمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِأُمَّةِ رُوحِ اللَّهِ تَعَالَى؟ يَعْنِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵊.
فَقَالَ: لَأَدْعُوَنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ: فَمَا أَنْتَ صَانِعٌ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ قَالَ: لَأَدْعُوَنَّهُمْ إِلَى الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَشْهَى عِنْدَهُمْ مِنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قَالَ سُلَيْمَانُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ.
فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ ذَهَبَ
الْوَاجِبُ عَلَى الْفَقِيرِ أَنْ يَعْرِفَ مِنَّةَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ صَرَفَ عَنْهُ الدُّنْيَا لِكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ، وَأَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَوْلِيَاءَ ﵈، وَيَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يَجْزَعَ فِي ذَلِكَ، وَيَصْبِرَ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنْ ضِيقِ الْعَيْشِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ خَيْرٌ لَهُ مِمَّا صَرَفَ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْفَقْرِ فَضِيلَةٌ سِوَى أَنَّهُ كَانَ حِرْفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاقْتِدَاءً بِهِ لَكَانَ عَظِيمًا "
٣٠٥ - حَدَّثَنِي الثِّقَةُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَجِبْرِيلُ ﵊ مَعَهُ، قَالَ جِبْرِيلُ: هَذَا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ.
اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي زِيَارَتِكَ.
فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى جَاءَ الْمَلَكُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ
стр. 216
اللَّهِ.
فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ» ، قَالَ الْمَلَكُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخْبِرُكَ أَنْ يُعْطِيَكَ خَزَائِنَ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَفَاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا قَبْلَكَ، وَلَا يُعْطِهِ أَحَدًا بَعْدَكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْقِصَكَ مِمَّا ادَّخَرَ لَكَ شَيْئًا، أَوْ يَجْمَعَهَا لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «بَلْ يَجْمَعُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
٣٠٦ - وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ , عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ بُجَيْدٍ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ بَطْحَاءُ مَكَّةَ ذَهَبًا وَفِضَّةً، قُلْتُ يَا رَبُّ أَشْبَعُ يَوْمًا، وَأَجُوعُ يَوْمًا، فَأَحْمَدُكَ إِذَا شَبِعْتُ وَأَضْرَعُ إِلَيْكَ إِذَا جُعْتُ» .
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ
стр. 217
بَابُ: رَفْضِ الدُّنْيَا
٣٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّائِغُ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمَانَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ الْآخِرَةَ جَمَعَ اللَّهُ شَمْلَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ.
وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فِي الدُّنْيَا، فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ»
٣٠٨ - وَبِهِ قَالَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقَيْلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ النَّهْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ زِيَادٍ الْهِلَالِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ , قَالَ: سَمِعْتُ جُنْدُبًا , قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ وَقَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِهِ الشَّرِيفِ.
فَبَكَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ» ؟ قَالَ: ذَكَرْتُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَمَا كَانَا فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَ بِجَنْبِكَ َالشَّرِيطُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا، وَنَحْنُ قَوْمٌ أُخِّرَتْ لَنَا طَيِّبَاتُنَا فِي الْآخِرَةِ»
وَبِهِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ ذَرٍّ، عَنْ زُبَيْدٍ , قَالَ: قَالَ
стр. 218
عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمُ اثْنَتَيْنِ: طُولَ الْأَمَلِ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى.
فَإِنَّ طُولَ الْأَمَلِ يُنْسِي الْآخِرَةَ وَاتِّبَاعَ الْهَوَى يَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدِ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً وَالآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابٌ، وَإِنَّ غَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلٌ.
يَعْنِي أَكْثِرُوا مِنَ الْعَمَلِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَإِنَّكُمْ لا تَقْدِرُونَ غَدًا عَلَى الْعَمَلِ "
٣٠٩ - حَدَّثَنَا الثِّقَةُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , قَالَ: طَلَبْتُ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمْعَةَ أَرْبَعَ سِنِينَ، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهَا حَتَّى بَلَغَنِي أَنَّهَا عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا هُوَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ سَمِعْتَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمْعَةٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
سَمِعْتُهُ يَقُولُ ﷺ : " أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ لَكُمْ مَعَالِمَ فَانْتَهُوا إِلَى مَعَالِمِكُمْ، وَإِنَّ لَكُمْ نِهَايَةً فَانْتَهُوا إِلَى نِهَايَتِكُمْ، وَإِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ، بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِهِ، وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ، فَلْيَتَزَوَّدِ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ حَيَاتِهِ لِمَوْتِهِ، وَمِنْ شَبَابِهِ لِكِبَرِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، فَإِنَّ الدُّنْيَا خُلِقَتْ لَكُمْ وَأَنْتُمْ خُلِقْتُمْ لِلْآخِرَةِ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَلَا بَعْدَ الدُّنْيَا دَارٌ إِلَّا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ "
وَذُكِرَ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ , أَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ مَالَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَجَاءَتْ أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ يَشْكُونَهُ وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَا يُمْسِكُ شَيْئًا، وَنَخْشَى عَلَيْهِ الْفَقْرَ.
فَأَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يُعِينَهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: سَهِّلْ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اشْتَرَى ضَيْعَةً بِرُسْتَاقَ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَيْهَا، أَيُخَلِّفُ بِالْمَدِينَةِ شَيْئًا وَهُوَ يَسْكُنُ الرُّسْتَاقَ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ خَصْمُكُمْ.
يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى الرُّسْتَاقِ لَا يَتْرُكُ فِي الْمَدِينَةِ شَيْئًا، فَالَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ كَيْفَ يَتْرُكُ فِي الدُّنْيَا شَيْئًا؟
стр. 219
مَنْ كَانَ عَاقِلًا فَإِنَّهُ يَرْضَى بِالْقُوتِ مِنَ الدُّنْيَا وَلَا يَشْتَغِلُ بِالْجَمْعِ، وَيَشْتَغِلُ بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ وَدَارُ النَّعِيمِ، وَالدُّنْيَا دَارُ فَنَاءٍ وَهِيَ غَدَّارَةٌ مُفْتِنَةٌ وَرَوَى جُوَيْبِرُ , عَنِ الضَّحَّاكِ , قَالَ: لَمَّا أَهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ وَحَوَّاءَ إِلَى الْأَرْضِ، وَوَجَدَا رِيحَ الدُّنْيَا، وَفَقَدَا رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، غُشِيَ عَلَيْهِمَا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا مِنْ نَتَنِ الدُّنْيَا.
٣١٠ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «يَا عَجَبًا كُلَّ الْعَجَبِ لِلْمُصَدِّقِ بِدَارِ الْخُلُودِ وَهُوَ يَعْمَلُ لِدَارِ الْغُرُورِ»
٣١١ - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: شَهِدْتُ مَجْلِسًا مِنْ مَجَالِسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ أَبْيَضُ الْوَجْهِ، حَسِنَ الشَّعْرِ وَاللَّوْنِ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ» .
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الدُّنْيَا؟ قَالَ: «حُلْمُ الْمَنَامِ وَأَهْلُهَا مُجَازَوْنَ وَمُعَاقَبُونَ» .
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْآخِرَةُ؟ قَالَ: «الْأَبَدُ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ» ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجَنَّةُ؟ قَالَ: «بَدَلُ الدُّنْيَا لِتَارِكِهَا نَعِيمُهَا أَبَدًا» قَالَ: فَمَا جَهَنَّمُ؟ قَالَ: «بَدَلُ الدُّنْيَا لِطَالِبِهَا لَا يُفَارِقُهَا أَهْلُهَا أَبَدًا» .
قَالَ: فَمَنْ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ: «الَّذِي يَعْمَلُ فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى» .
قَالَ: فَكَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلُ فِيهَا؟ قَالَ: «مُشَمِّرًا كَطَالِبِ الْقَافِلَةِ» قَالَ: فَكَمِ الْقَرَارُ بِهَا؟ قَالَ: «كَقَدْرِ الْمُتَخَلِّفِ عَنِ الْقَافِلَةِ» قَالَ: فَكَمْ مَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ قَالَ: «كَغَمْضَةِ عَيْنٍ» قَالَ: فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَلَمْ يَرَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ لِيُزَهِّدَكُمْ فِي الدُّنْيَا وَيُرَغِّبَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» وَذُكِرَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: بِأَيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَكَ اللَّهُ خَلِيلًا؟ قَالَ: بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
стр. 220
أَوَّلُهَا: مَا خُيِّرْتُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَرْتُ الَّذِي للَّهِ عَلَى غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي: مَا اهْتَمَمْتُ فِيمَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لِي فِي أَمْرِ رِزْقِي.
وَالثَّالِثُ: مَا تَغَذَّيْتُ وَلَا تَعَشَّيْتُ إِلَّا مَعَ الضَّيْفِ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: حَيَاةُ الْقَلْبِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: الْعِلْمِ وَالرِّضَا وَالْقَنَاعَةِ وَالزُّهْدِ.
فَالْعِلْمُ يُرْضِيهِ، وَبِالرِّضَا يَبْلُغُ هَذِهِ الدَّرَجَةَ فَإِذَا بَلَغَ دَرَجَةَ الرِّضَا وَصَلَ إِلَى الْقَنَاعَةِ، وَتُوَصِّلُهُ الْقَنَاعَةُ عَلَى الزُّهْدِ.
وَهُوَ التَّهَاوُنُ بِالدُّنْيَا.
قَالَ: وَالزُّهْدُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: مَعْرِفَةُ الدُّنْيَا ثُمَّ التَّرْكُ لَهَا.
وَالثَّانِي: خُدْعَةُ الْمُوَلِّي ثُمَّ الْأَدَبُ فِيهَا.
وَالثَّالِثُ: الشَّوْقُ إِلَى الْآخِرَةِ ثُمَّ الطَّلَبُ لَهَا.
وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ قَالَ: الْحِكْمَةُ تَهْوِي مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْقُلُوبِ، فَلَا تَسْكُنُ فِي قَلْبٍ فِيهِ أَرْبَعُ خِصَالٍ: الرُّكُونُ إِلَى الدُّنْيَا، وَهَمُّ غَدٍ، وَحَسَدُ أَخٍ، وَحُبُّ شَرَفٍ.
وَذُكِرَ أَيْضًا عَنْ يَحْيَى قَدَّسَ اللَّهُ تَعَالَى رُوحَهُ قَالَ: الْعَاقِلُ الْمُصِيبُ مَنْ عَمِلَ ثَلَاثًا: تَرَكَ الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ تَتْرُكَهُ، وَبَنَى قَبْرًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، وَأَرْضَى خَالِقَهُ قَبْلَ أَنْ يَلْقَاهُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِّي بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: مَنْ جَمَعَ سِتَّ خِصَالٍ لَمْ يَدَعْ لِلْجَنَّةِ مَطْلَبًا وَلَا عَنِ النَّارِ مَهْرَبًا.
يَعْنِي لَمْ يَتْرُكِ الْجَهْدَ فِي طَلَبِ الْجَنَّةِ وَالْهَرَبِ مِنَ النَّارِ.
أَوَّلُهَا عَرَفَ اللَّهَ تَعَالَى فَأَطَاعَهُ، وَعَرَفَ الشَّيْطَانَ فَعَصَاهُ، وَعَرَفَ الْحَقَّ فَاتَّبَعَهُ، وَعَرَفَ الْبَاطِلَ فَاتَّقَاهُ، وَعَرَفَ الدُّنْيَا فَرَفَضَهَا، وَعَرَفَ الْآخِرَةَ فَطَلَبَهَا
وَرَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " يَا عَلِيُّ، أَرْبَعُ خِصَالٍ مِنَ الشَّقَاءِ: جُمُودُ الْعَيْنِ، وَقَسَاوَةُ الْقَلْبِ، وَحُبُّ الدُّنْيَا، وَبُعْدُ الْأَمَلِ "
стр. 221
٣١٣ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ» .
٣١٤ - وَرُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ , قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَدْلَجَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي، وَصَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي دِمْنَةِ الْحَيِّ، يَعْنِي فِي مَزْبَلَةِ الْقَبِيلَةِ فَرَأَى سَخْلَةً تَتَنَفَّسُ فِي سَلَاهَا.
يَعْنِي تَتَحَرَّكُ الدُّودَةُ فِي جِلْدِهَا، فَنَظَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَمْسَكَ نَاقَتَهُ حَتَّى قَامَ الْقَوْمُ فَقَالَ: «أَتَرَوْنَ أَهْلَ هَذِهِ الدِّمْنَةِ أَغْنِيَاءَ عَنْ سَخْلَتِهِمْ هَذِهِ، وَقَدْ هَانَتْ عَلَيْهِمْ» فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ السَّخْلَةِ عَلَى أَهْلِهَا» .
٣١٥ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَالْقَبْرُ حِصْنُهُ وَالْجَنَّةُ مَأْوَاهُ، وَالدُّنْيَا جَنَّةُ الْكَافِرِ، وَالْقَبْرُ سِجْنُهُ، وَالنَّارُ مَأْوَاهُ» .
مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ وَإِنْ كَانَ فِي النِّعْمَةِ وَالسَّعَةِ فَهُوَ بِجَنْبِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الْجَنَّةِ، كَأَنَّهُ فِي السِّجْنِ، لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، عَرَفَ أَنَّهُ كَانَ فِي السِّجْنِ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ عُرِضَتْ عَلَيْهِ النَّارُ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْعُقُوبَةِ، عَرَفَ أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَنَّةِ.
فَمَنْ كَانَ عَاقِلًا لَا يَكُونُ مَسْرُورًا فِي السِّجْنِ وَلَا يَطْلُبُ الرَّاحَةَ.
فَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ
стр. 222
أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الدُّنْيَا وَيَتَفَكَّرَ فِيمَا ضُرِبَ لِلدُّنْيَا مِنَ الْأَمْثَالِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَرَبَ لِلدُّنْيَا مَثَلًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ ضَرَبَ لَهَا مَثَلًا، وَالْحُكَمَاءُ ضَرَبُوا لَهَا أَمْثَالًا، وَالْأَشْيَاءُ تَصِيرُ وَاضِحَةً بِالْأَمْثَالِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس: ٢٤] ، يَعْنِي مَثَلُ الدُّنْيَا فِي فَنَائِهَا وَزَوَالِهَا ﴿كَمَاءٍ﴾ [يونس: ٢٤] يَعْنِي كَمَطَرٍ ﴿أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤] يَعْنِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ.
يَعْنِي اخْتَلَطَ الْمَاءُ بِنَبَاتِ الْأَرْضِ.
يَعْنِي أَنَّ الْمَاءَ يَدْخُلُ فِي الْأَرْضِ فَيُنْبِتُ النَّبَاتَ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ مِنَ الْحُبُوبِ وَالْأَنْعَامُ.
يَعْنِي مِمَّا يَأْكُلُ الْأَنْعَامُ مِنَ الْكَلَإِ وَالْحَشِيشِ.
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: ٢٤] ، يَعْنِي زِينَتَهَا وَحُسْنَهَا وَازَّيَّنَتْ يَعْنِي تَزَيَّنَتِ الْأَرْضُ بِنَبَاتِهَا وَحَسُنَتْ بِأَلْوَانٍ مِنَ النَّبَاتِ وَظَنَّ أَهْلُهَا.
يَعْنِي حَسِبَ أَهْلُ الزَّرْعِ وَالنَّبَاتِ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا.
يَعْنِي عَلَى غَلَّاتِهَا وَأَنَّهَا سَتَتِمُّ لَهُمْ.
أَتَاهَا أَمْرُنَا.
يَعْنِي عَذَابُ اللَّهِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، يَعْنِي بِاللَّيْلِ أَوْ بِالنَّهَارِ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا، يَعْنِي مُسْتَأْصَلًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، يَعْنِي صَارَتْ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ.
فَكَذَلِكَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا لَا تَبْقَى كَمَا لَا يَبْقَى هَذَا الزَّرْعُ.
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ.
يَعْنِي الْأَمْثَالَ، لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنَّ الدُّنْيَا تَفْنَى وَأَنَّ الْآخِرَةَ تَبْقَى.
٣١٦ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَرْضِهِمْ.
فَأَخْبَرَهُ عَنْ سِعَةِ أَرْضِهِمْ، وَكَثْرَةِ النَّعِيمِ فِيهَا.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كَيْفَ تَفْعَلُونَ» ؟ قَالَ: إِنَّا نَتَّخِذُ أَلْوَانًا مِنَ الطَّعَامِ , وَنَأْكُلُهَا.
قَالَ: «ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى مَاذَا» ؟ قَالَ: إِلَى مَا تعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
يَعْنِي تَصِيرُ بَوْلًا وَغَائِطًا.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «فَكَذَلِكَ مَثَلُ الدُّنْيَا» وَعَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قَالَ: الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالنَّاسُ فِيهَا زَرْعُهُ، وَالْمَوْتُ مِنْجَلُهُ، وَمَلَكُ الْمَوْتِ حَاصِدُهُ، وَالْقَبْرُ مَدَاسُهُ، وَالْقِيَامَةُ بَيْدَرُهُ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ بَيْتُ أَهْوَائِهِ.
فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَذُكِرَ عَنْ لُقْمَانَ الْحَكِيمِ , أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَاجْعَلْ سَفِينَتَكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ بَعْضُهُمْ:
стр. 223
إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا فُطُنًا ... طَلَّقُوا الدُّنْيَا وَخَافُوا الْفِتَنَا
نَظَرُوا فِيهَا فَلَمَّا عَلِمُوا ... أَنَّهَا لَيْسَتْ لِحَيٍّ وَطَنًا
جَعَلُوهَا لُجَّةً وَاتَّخَذُوا ... صَالِحَ الْأَعْمَالِ فِيهَا سُفُنَا
فَفِي هَذِهِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِضَاعَتُكَ الَّتِي تُحْمَلُ فِيهَا، وَالْحِرْصُ عَلَيْهَا رِبْحُكَ وَالْأَيَّامُ مَوْجُهَا، وَالتَّوَكُلُ ظِلُّهَا، وَكِتَابُ اللَّهِ دَلِيلُهَا، وَرَدُّ النَّفْسِ عَنِ الْهَوَى حِبَالُهَا، وَالْمَوْتُ سَاحِلُهَا، وَالْقِيَامَةُ أَرْضُ الْمَتْجَرِ الَّتِي تَخْرُجُ إِلَيْهَا، وَاللَّهُ مَالِكُهَا.
وَرُوِيَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قَالَ: أُبْلِغْنَا أَنَّهُ يُجَاءُ بِالدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَتَبَخْتَرُ فِي زِينَتِهَا وَبَهْجَتِهَا.
فَتَقُولُ: يَا رَبُّ اجْعَلْنِي لِأَحْسَنِ عِبَادِكَ دَارًا.
فَيَقُولُ اللَّهُ : لَا أَرْضَاكِ دَارًا لَهُمْ.
أَنْتِ لَا شَيْءَ كُونِي هَبَاءً مَنْثُورًا فَتَصِيرُ هَبَاءً مَنْثُورًا وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: يُؤْتَى بِالدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى صُورَةِ عَجُوزٍ شَمْطَاءَ زَرْقَاءَ بَادِيَةٌ أَنْيَابُهَا، مُشَوَّهٌ خَلْقُهَا، لَا يَرَاهَا أَحَدٌ إِلَّا كَرِهَهَا، فَتُشْرِفُ عَلَى الْخَلَائِقِ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَتَعْرِفُونَ هَذِهِ؟ فَيَقُولُونَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ مَعْرِفَتِهَا.
فَيُقَالُ: هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي تَفَاخَرْتُمْ بِهَا وَتَقَاتَلْتُمْ عَلَيْهَا.
وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِهَا فَتُلْقَى فِي النَّارِ فَتَقُولُ يَا رَبُّ أَيْنَ أَتْبَاعِي وَأَصْحَابِي؟ فَيَلْحَقُونَ بِهَا.
لَا يَكُونُ لَهَا عَذَابٌ، لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهَا.
وَلَكِنَّهَا تُلْقَى فِي النَّارِ لِكَيْ يَرَاهَا أَهْلُهَا فَيَرَوْنَ هَوَاءَهَا.
كَمَا أَنَّ الْأَوْثَانَ جُعِلَتْ فِي النَّارِ.
وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ، وَلَا يَكُونُ لِلْأَوْثَانِ عُقُوبَةٌ، وَلَكِنْ لِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ وَالْحَسْرَةِ لِأَهْلِهَا.
وَكَذَلِكَ الدُّنْيَا، جُعِلَتْ فِي النَّارِ لِزِيَادَةِ الْعُقُوبَةِ وَالْحَسْرَةِ لِأَهْلِهَا لِتَكُونَ لَهُمْ زِيَادَةُ الْحَسْرَةِ.
فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْمَلَ لِلْآخِرَةِ وَلَا يَشْتَغِلَ بِالدُّنْيَا إِلَّا مِقْدَارَ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ قَلْبُهُ بِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ , أَنَّهُ قَالَ: عَجَبًا لَكُمْ، تَعْمَلُونَ لِلدُّنْيَا وَأَنْتُمْ تُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَلَا تَعْمَلُونَ لِلْآخِرَةِ وَأَنْتُمْ لَا تُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ
٣١٧ - وَرَوَى أَبُو عُبَيْدَةُ الْأَسَدِيُّ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَهُّ قَالَ: " مَنْ أُشْرِبَ قَلْبُهُ حُبَّ الدُّنْيَا الْتَاطَ قَلْبُهُ مِنْهَا بِثلَاثٍ: شُغْلٍ لَا يَنْفَكُّ عَنَاؤُهُ، وَأَمَلٍ لَا يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ، وَحِرْصٍ
стр. 224
لَا يُدْرَكُ عَنَاهُ.
وَالدُّنْيَا طَالِبَةٌ وَمَطْلُوبَةٌ.
فَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَتْهُ الْآخِرَةُ، حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمَوْتُ فَيَأْخُذَهُ بَغْتَةً "
وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ , عَنْ كِنَانَةَ , قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنَّهُ قَالَ: " أَوْجَدَتِ الدُّنْيَا شَيْئَيْنِ: شَيْئًا مِنْهَا هُوَ لِي لَا يَفُوتُنِي، وَشَيْئًا مِنْهَا لِغَيْرِي فَلَا أُدْرِكُهُ مُنِعَ الَّذِي لِي مِنْ غَيْرِي، كَمَا مُنِعَ الَّذِي لِغَيْرِي مِنِّي، فَفِي أَيِّ هَذَيْنِ أُفْنِي عُمْرِي؟ وَوَجَدْتُ مَا أُعْطِيتُ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئَيْنِ: شَيْئًا مِنْهَا يَأْتِي أَجَلُهُ قَبْلَ أَجَلِي فَأَغْلِبُ عَلَيْهِ، وَشَيْئًا مِنْهَا يَأْتِي أَجَلِي قَبْلَ أَجَلِهِ فَأَمُوتُ وَأَتْرُكُهُ لِغَيْرِي.
فَفِي أَيِّ هَذَيْنِ أَعْصِي رَبِّي؟ ".
٣١٨ - وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ سُفْيَانَ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالَ: دَخَلَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَلَى سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَعُودُهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَبَكَى سَلْمَانُ فَقَالَ لَهُ سَعْدُ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ! فَقَالَ سَلْمَانُ: أَمَا إِنِّي لَا أَبْكِي جَزَعًا مِنَ الْمَوْتِ وَلَا حِرْصًا عَلَى الدُّنْيَا، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْدًا، فَقَالَ: «لِيَكُنْ بُلْغَةُ أَحَدِكُمْ مِنَ الدُّنْيَا مِثْلَ زَادِ الرَّاكِبِ، وَحَوْلِي هَذِهِ الْأَسَاوِدُ» .
قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ حَوْلَهُ إِجَانَةٌ وَجَفْنَةٌ وَمِطْهَرَةٌ.
فَقَالَ سَعْدُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ اعْهَدْ إِلَيْنَا عَهْدًا، فَنَأْخُذْهُ بَعْدَكَ.
فَقَالَ: يَا سَعْدُ اذْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ هَمِّكَ إِذَا هَمَمْتَ، وَعِنْدَ حُكْمِكَ إِذَا حَكَمْتَ، وَعِنْدَ بِرِّكَ إِذَا أَقْسَمْتَ
٣١٩ - وَرَوَى جُوبَيْرٌ , عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَزْهَدُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَنْسَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى، وَتَرَكَ فُضُولَ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَآثَرَ مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى، وَلَمْ يَعُدَّ أَيَّامَهُ وَعَدَّ نَفْسَهُ مِنَ الْمَوْتَى»
стр. 225
قَالَ الْحَكِيمُ: أَرْبَعَةٌ طَلَبْنَاهَا فَأْخَطَأْنَا طُرُقَهَا: طَلَبْنَا الْغِنَى فِي الْمَالِ، فَإِذَا هُوَ فِي الْقَنَاعَةِ، وَطَلَبْنَا الرَّاحَةَ فِي الْكَثْرَةِ فَإِذَا هِيَ فِي الْقِلَّةِ، وَطَلَبْنَا الْكَرَامَةَ فِي الْخُلُقِ، فَإِذَا هِيَ فِي التَّقْوَى، وَطَلَبْنَا النِّعْمَةَ فِي الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ، فَإِذَا هِيَ فِي السَّتْرِ وَالْإِسْلَامِ.
يَعْنِي فِيمَا يَسْتُرُ اللَّهُ مِنَ الْعُيُوبِ وَالذُّنُوبِ.
٣٢٠ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ أَصْبَحَ وَالدُّنْيَا أَكْبَرُ هَمِّهِ يُلْزِمُ اللَّهُ تَعَالَى قَلْبَهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ: هَمًّا لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ أبدًا، وَشُغْلًا لَا يَتَفَرَّغُ مِنْهُ أَبَدًا، وَفَقْرًا لَا يَبْلُغُ مُنْتَهَاهُ أَبَدًا ".
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: مَا أَحَدٌ أَصْبَحَ الْيَوْمَ فِي النَّاسِ إِلَّا وَهُوَ ضَيْفٌ، وَمَالُهُ عَارِيَةٌ.
فَالضَّيْفُ مُرْتَحِلٌ وَالْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ.
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: جُعِلَ الشَّرُّ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ حُبُّ الدُّنْيَا، وَجُعِلَ الْخَيْرُ كُلُّهُ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، وَجُعِلَ مِفْتَاحُهُ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا
٣٢١ - وَرَوَى ثَابِتٌ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَفْرَحُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ إِذَا بَسَطْتُ لَهُ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا.
وَذَلِكَ أَبْعَدُ لَهُ مِنِّي وَيَحْزَنُ إِذَا أَقْتَرْتُ عَلَيْهِ الدُّنْيَا.
وَذَلِكَ أَقْرَبُ لَهُ مِنِّي ".
ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ ﴿٥٥﴾ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥-٥٦] ، أَيْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ فِتْنَةٌ لَهُمْ
٣٢٢ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ أَبِي ذَرٍّ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ عَقَبَةً كَؤُدًا، وَلَا يَصْعَدُهَا إِلَّا الْمُخِفُّونَ» .
قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَنَا مِنَ الْمُخِفِّينَ أَوْ مِنَ الْمُثَقِّلِينَ؟ قَالَ: «أَعِنْدَكَ طَعَامُ يَوْمِكَ» قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: «وَطَعَامُ غَدٍ» ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: «وَطَعَامُ بَعْدَ غَدٍ» ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ: «فَلَوْ كَانَ عِنْدَكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كُنْتَ مِنَ الْمُثَقِّلِينَ» .
стр. 226
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
بَابُ: الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ
٣٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُقَيْلٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْمَقْبُرِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهْيَعَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَا غُلَامُ، أَوْ يَا غُلَيْمُ أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ : قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ.
وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ.
فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا، أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ اعْمَلْ لِلَّهِ بِالشُّكْرِ وَالْيَقِينِ»
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو النَّصْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ، وَبِهِ حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ مَعْمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الزَّيَّاتِ , عَنِ الْأَعْمَشِ , وَحَطَّابٍ , وَعَنْبَسَةَ , وَنَحْوٍ مِنْ خَمْسِينَ شَيْخًا، كُلُّهُمْ يُسْنِدُونَ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، احْفَظُوا عَنِّي خَمْسًا: احْفَظُوا عَنِّي اثْنَتَيْنِ، وَاثْنَتَيْنِ وَوَاحِدَةً، أَلَا لَا يَخَافَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا ذَنْبَهُ، وَلَا يَرْجُو إِلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَسْتَحِي مِنْكُمْ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنْ يَتَعَلَّمَ، وَلَا يَسْتَحِي أَحَدٌ مِنْكُمْ إِنْ سُئِلَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ.
وَاعْلَمُوا أَنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْأُمُورِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ
стр. 227
الْجَسَدِ.
فَإِذَا فَارَقَ الرَّأْسُ الْجَسَدَ فَسَدَ الْجَسَدُ، وَإِذَا فَارَقَ الصَّبْرُ الْأُمُورَ فَسَدَتِ الْأُمُورُ ".
ثُمَّ قَالَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى الْفَقِيهِ كُلِّ الْفَقِيهِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.
قَالَ: " مَنْ لَمْ يُؤَيِّسِ النَّاسَ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ لَمْ يُؤَمِّنِ النَّاسَ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يُزَيِّنْ لِلنَّاسِ مَعَاصِيَ اللَّهِ، وَلَا يُنْزِلُ الْعَارِفِينَ الْمُوَحِّدِينَ الْجَنَّةَ، وَلَا يُنْزِلُ الْعَاصِينَ الْمُذْنِبِينَ النَّارَ، حَتَّى يَكُونَ الرَّبُّ هُوَ الَّذِي يَقْضِي بَيْنَهُمْ.
لَا يَأْمَنَنَّ خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] .
وَلَا يَيْأَسُ شَرُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] "
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ يَعْقُوبَ، عَنْ عِيسَى بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، قَالَ: " إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ الْقَبْرَ، قَامَتِ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالزَّكَاةُ عَنْ شِمَالِهِ، وَالْبِرُّ يَطُلُّ عَلَيْهِ، وَالصَّبْرُ يُحَاجُّ عَنْهُ يَقُولُ: دُونَكُمْ صَاحِبَكُمْ، فَإِنْ حَجَجْتُمْ وَإِلَّا فَأَنَا مِنْ وَرَائِهِ.
يَعْنِي إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوا عَنْهُ الْعَذَابَ، وَإِلَّا أَنَا أَكْفِيكُمْ ذَلِكَ، وَأَدْفَعُ عَنْهُ الْعَذَابَ ".
فَفِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الصَّبْرَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ.
وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]
٣٢٤ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي وَرَّادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ مَالِي وَسَقِمَ جِسْمِي.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا خَيْرَ فِي عَبْدٍ لَا يَذْهَبُ مَالُهُ وَلَا يَسْقَمُ جِسْمُهُ، إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا ابْتَلَاهُ.
وَإِذَا ابْتَلَاهُ صَبَّرَهُ» وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: أَيُّمَا رَجُلٍ حَبَسَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا فَمَاتَ فِي حَبْسِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، فَإِنْ ضَرَبَهُ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيدٌ.
стр. 228
٣٢٥ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ حَتَّى يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جِسْمِهِ فَيَبْلُغَهَا بِذَلِكَ» .
٣٢٦ - وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ الْفَرَحُ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَيْسَ يُصِيبُكَ الْأَذَى؟ أَلَيْسَ تَنْصَبُ؟ أَلَيْسَ تَحْزَنُ؟ فَهَذَا مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ» ، يَعْنِي جَمِيعَ مَا يُصِيبُكَ يَكُونُ كَفَّارَةً لِذُنُوبِكَ.
٣٢٧ - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «قَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ خَيْرٌ لِأُمَّتِي مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .
ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] .
ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَتُصِيبُهُ شِدَّةٌ أَوْ بَلَاءٌ فِي الدُّنْيَا، فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُ ثَانِيًا» اعْلَمْ أَنّ الْعَبْدَ لَا يُدْرِكُ مَنْزِلَةَ الْأَخْيَارِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى الشِّدَّةِ وَالْأَذَى.
وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ، ﵊، بِالصَّبْرِ، فَقَالَ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
٣٢٨ - وَرُوِيَ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بِرِدَائِهِ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ.
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ؟ أَلَا تَسْتَنْصِرُ اللَّهَ لَنَا؟ فَجَلَسَ مُحْمَرًّا لَوْنُهُ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، كَانَ لَيُؤْتَى بِالرَّجُلِ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الْأَرْضِ حُفْرَةٌ، وَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ فِرْقَتَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ» .
стр. 229
٣٢٩ - وَرُوِيَ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: " يُؤْتَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيُغْمَسُ فِي النَّارِ غَمْسَةً فَيَخْرُجُ أَسْوَدَ مُحْتَرِقًا فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ، إِذْ كُنْتَ فِيهَا؟ فَيَقُولُ: لَا لَمْ أَزَلْ فِي هَذِه الْبَلَاءِ مُنْذُ خَلَقَنِي.
وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ أَهْلِ الدُّنْيَا بَلَاءً فَيُغْمَسُ فِي الْجَنَّةِ غَمْسَةً، يَعْنِي يَدْخُلُ فِيهَا سَاعَةً، فَيَخْرُجُ كَأَنَّهُ الْقَمَرُ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا لَمْ أَزَلْ فِي هَذَا النَّعِيمِ مُنْذُ خَلَقَنِي ".
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ الْحَمَّادُونَ لِلَّهِ، الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنَ الشَّدَّةِ وَيَعْلَمَ أَنَّ مَا دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْبَلَاءِ، أَكْثَرُ مِمَّا أَصَابَهُ، وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ.
وَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِنَبِيِّهِ ﷺ وَيْنُظَر إِلَى صَبْرِهِ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ.
٣٣٠ - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابُهُ جُلُوسٌ، وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالْأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلَا الْجَزُورِ فَيُلْقِيهِ عَلَى كَتِفِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ وَضَعَهْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَاسْتَضْحَكُوا وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ.
قُلْتُ: لَوْ كَانَ لِي مِنْعَةٌ لَطَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَالنَّبِيُّ ﷺ سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا وَجَاءَتْ، وَهِيَ جُوَيْرِيَّةٌ، فَطَرَحَتْهُ ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ.
стр. 230
فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ فَدَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ وَدُعَاءَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضَّحِكُ، وَخَافُوا دَعْوَتَهُ.
فَقَالَ: «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ وَعُقْبَةَ وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ» .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: شَكَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: يَا رَبُّ، الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يُطِيعُكَ وَيَجْتَنِبُ مَعَاصِيكَ، تَزْوِي عَنْهُ الدُّنْيَا وَتَعْرِضُ لَهُ الْبَلَاءُ.
وَيَكُونُ الْعَبْدُ الْكَافِرُ لَا يُطِيعُكَ وَيَجْتَرِئُ عَلَى مَعَاصِيكَ، تَزْوِي عَنْهُ الْبَلَاءَ وَتَبْسُطُ لَهُ الدُّنْيَا.
فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ الْعِبَادَ لِي، وَالْبَلاءَ لِي، وَكُلٌّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِي.
فَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ فَأَزْوِي عَنْهُ الدُّنْيَا، وَأَعْرِضُ لَهُ الْبَلَاءَ فَيَكُونُ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ، حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزِيَهُ بِحَسَنَاتِهِ.
وَيَكُونُ الْكَافِرُ لَهُ السَّيِّئَاتُ، فَأَبْسُطُ لَهُ فِي الرِّزْقِ فَأَزْوِي عَنْهُ الْبَلَاءَ حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزِيهِ بِسَيِّئَاتِهِ
٣٣١ - قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفُلَانِيُّ , بِسَمَرْقَنْدَ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا، أَوْ أَرَادَ أَنْ يُصَافِيَهُ، صَبَّ عَلَيْهِ الْبَلَاءَ صَبًّا، وَثَجَّهُ عَلَيْهِ ثَجًّا، وَإِذَا دَعَاهُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبُّ صَوْتٌ مَعْرُوفٌ، فَإِذَا دَعَاهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ: يَا رَبُّ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، لَا تَسْأَلْنِي شَيْئًا إِلَّا أُعْطِيكَ، أَوْ دَفَعْتُ عَنْكَ مَا هُوَ شَرٌّ، وَادَّخَرْتُ عِنْدِي لَكَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ.
فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جِيءَ بِأَهْلِ الْأَعْمَالِ فَوُفُّوا أَعْمَالَهُمْ بِالْمِيزَانِ،
стр. 231
وَلَا يُنْشَرُ لَهُمُ الدِّيوَانُ، وَيُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْأَجْرُ صَبًّا، كَمَا يُصَبُّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، فَيَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا لَوْ أَنَّهُمْ كَانَتْ تُقْرَضُ أَجْسَادُهُمْ بِالْمَقَارِيضِ لِمَا يَرَوْنَ مِمَّا يَذْهَبُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَاءَ مِنَ الثَّوَابِ "، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]
ذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ مُؤْمِنًا وَكَافِرًا فِي الزَّمَنِ الْأَوَّلِ انْطَلَقَا يَصِيدَانِ السَّمَكَ، فَأَخَذَ الْكَافِرُ يَذْكُرُ آلِهَتَهُ، فَمَا رَفَعَ شَبَكَتَهُ حَتَّى أَخَذَ سَمَكًا كَبِيرًا.
وَجَعَلَ الْمُؤْمِنُ يَذْكُرُ اللَّهَ فَلَا يَجِيءُ، ثُمَّ أَصَابَ سَمَكَةً عِنْدَ الْغُرُوبِ، وَاضْطَرَبَتْ فَوَقَعَتْ فِي الْمَاءِ، فَرَجَعَ الْمُؤْمِنُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَرَجَعَ الْكَافِرُ وَقَدِ امْتَلَأَتْ شَبَكَتُهُ.
فَأَسِفَ مَلَكُ الْمُؤْمِنِ الْمُوَكَّلُ بِهِ.
فَلَمَّا صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ أَرَاهُ اللَّهُ سَكَنَ الْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا يَضُرُّهُ مَا أَصَابَهُ بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى هَذَا.
وَأَرَاهُ مَسْكَنَ الْكَافِرِ فِي النَّارِ، فَقَالَ وَاللَّهِ مَا يُغْنِي عَنْهُ مَا أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا بَعْدَ أَنْ يَصِيرَ إِلَى هَذَا.
وَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْتَجُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعَةٍ عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْنَاسٍ: يَحْتَجُّ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ بِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ﵉.
فَإِذَا قَالَ الْغَنِيُّ: الْغِنَى شَغَلَنِي عَنْ عِبَادَتِكَ يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِسُلَيْمَانَ، وَيَقُولُ لَهُ: لَمْ تَكُنْ أَغْنَى مِنْ سُلَيْمَانَ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ غِنَاهُ عَنْ عِبَادَتِي وَيَحْتَجُّ عَلَى الْعَبِيدِ بِيُوسُفَ ﵊، فَيَقُولُ الْعَبْدُ: كُنْتُ عَبْدًا وَالرِّقُّ مَنَعَنِي عَنْ عِبَادَتِكَ.
فَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ يُوسُفَ ﵇ لَمْ يَمْنَعْهُ رِقُّهُ عَنْ عِبَادَتِي.
وَعَلَى الْفُقَرَاءِ بِعِيسَى ﵊، فَيَقُولُ الْفَقِيرُ: إِنَّ حَاجَتِي مَنَعَتْنِي عَنْ عِبَادَتِكَ.
فَيَقُولُ: أَنْتَ كُنْتَ أَحْوَجَ إِلَى أَمْ عِيسَى، وَعِيسَى لَمْ يَمْنَعْهُ فَقْرُهُ عَنْ عِبَادَتِي.
وَعَلَى الْمَرْضَى بِأَيُّوبَ ﵊، فَيَقُولُ الْمَرِيضُ: مَنَعَنِي الْمَرَضُ عَنْ عِبَادَتِكَ.
فَيَقُولُ مَرَضُكَ كَانَ أَشَدَّ أَمْ مَرَضُ أَيُّوبَ ﵇، فَلَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضُهُ عَنْ عِبَادَتِي.
стр. 232
فَلَا يَكُونُ لِأَحَدٍ عِنْدَ اللَّهِ عُذْرٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَكَانَ الصَّالِحُونَ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى يَفْرَحُونَ بِالْمَرَضِ وَالشِّدَّةِ لِأَجْلِ أَنَّ فِيهِ كَفَّارَةَ الذُّنُوبِ.
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ يَكْرَهُونَ الْفَقْرَ وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَيَكْرَهُونَ الْمَوْتَ وَأَنَا أُحِبُّهُ، وَيَكْرَهُونَ السَّقَمَ وَأَنَا أَحِبُّ السَّقَمَ تَكْفِيرًا لِخَطَايَايَ، وَأُحِبُّ الْفَقْرَ تَوَاضُعًا لِرَبِّي، وَأُحِبُّ الْمَوْتَ اشْتِيَاقًا إِلَى رَبِّي.
٣٣٢ - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ رُزِقَهُنَّ فَقَدْ رُزِقَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْبَلَاءِ، وَالدُّعَاءُ عِنْدَ الرَّخَاءِ»
٣٣٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ فَقَالَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَشْتَكِي؟ قَالَ: «الْخَمْصُ» يَعْنِي الْجُوعَ، فَبَكَى الرَّجُلُ، ثُمَّ ذَهَبَ يَعْمَلُ فَاسْتَقَى لِرَجُلٍ دِلَاءٌ كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَيْءٍ مِنْ تَمْرٍ فَقَالَ: «مَا أَرَاكَ فَعَلْتَ هَذَا إِلَّا وَأَنْتَ تُحِبُّنِي» .
قَالَ: إِي وَاللَّهِ، إِنِّي لَأُحِبُّكَ.
قَالَ: «إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَعِدَّ لِلْبَلاءِ جِلْبَابًا، فَوَاللَّهِ لَلْبَلَاءُ أَسْرَعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ مِنْ أَعْلَى الْجَبَلِ إِلَى الْحَضِيضِ»
٣٣٤ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يُعْطِيهِ اللَّهُ تَعَالَى مَا يُحِبُّ، وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَاعْلَمُوا أَنَّ ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ» .
ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] ، يَعْنِي لَمَّا تَرَكُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ الْخَيْرِ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا، يَعْنِي لَمَّا أُعْطُوا مِنَ الْخَيْرِ، أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً، يَعْنِي فَجْأَةً، فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ آيِسِينَ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ.
стр. 233
٣٣٥ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سَئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الصَّالِحُونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ» .
وَيُقَالُ ثَلَاثٌ مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ: كِتْمَانُ الصَّدَقَةِ وَكِتْمَانُ الْوَجَعِ، وَكِتْمَانُ الْمُصِيبَةِ وَذُكِرَ عَنْ وَهْبٍ بْنِ مُنَبِّهٍ , أَنَّهُ قَالَ: كَتَبْتُ مِنْ كِتَابِ رَجُلٍ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ إِذَا سُلِكَ بِكَ سَبِيلُ الْبَلَاءِ، فَقَرِّ عَيْنًا، فَإِنَّهُ يُسْلَكُ بِكَ سَبِيلُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِذَا سُلِكَ بِكَ سَبِيلُ الرَّخَاءِ، فَابْكِ عَلَى نَفْسِكَ فَقَدْ خُولِفَ بِكَ عَنْ سَبِيلِهِمْ.
وَذُكِرَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْحَى إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵇ نَحْوَ هَذَا وَذُكِرَ عَنْ فَتْحٍ الْمَوْصِلِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ أَصَابَتْهُ خَصَاصَةٌ فِي أَهْلِهِ فَقَالَ: إِلَهِي لَيْتَنِي عَلِمْتُ بِأَيِّ عَمَلٍ أَلْزَمْتَنِي بِهَذَا حَتَّى أَزْدَادَ مِنْ ذَلِكَ.
٣٣٦ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَلَّ مَالُهُ وَكَثُرَ عِيَالُهُ، وَحَسُنَتْ صَلَاتُهُ، وَلَمْ يَغْتَبِ الْمُسْلِمِينَ، جَاءَ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا، وَجَمَعَ إِصْبَعَيْهِ» .
٣٣٧ - وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، إِنِّي كُنْتُ لَأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنِّي كُنْتُ لَأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَسَأَلْتُهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَا سَأَلْتُهُ عَنْهَا إِلَّا لِيَسْتَتْبِعَنِي، يَعْنِي لِكَيْ يَذْهَبَ بِي إِلَى مَنْزِلِهِ، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مَا سَأَلْتُهُ عَنْهَا إِلَّا لِيَسْتَتْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي وَعَرَفَ مَا فِي نَفْسِي ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «الْحَقْ بِي»
стр. 234
وَمَضَى فَاتَّبَعْتُهُ وَاسْتَأْذَنْتُ فَأُذِنَ لِي، فَدَخَلْتُ فَوَجَدْتُ لَبَنًا فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟ كُنْتُ أَحَقُّ أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ.
فَانْتَهَيْتُ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا حَتَّى اسْتَأْذَنُوا فَأُذِنَ لَهُمْ فَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ خُذْ وَأَعْطِهِمْ فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِي الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يُرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَقَدْ رُوِيَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ وَوَضَعَهُ عَلَى يَدَيْهِ فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ» قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ «اقْعُدْ وَاشْرَبْ» ، فَقَعَدْتُ وَشَرِبْتُ قَالَ: «اشْرَبْ» فَشَرِبْتُ.
فَمَا زَالَ يَقُولُ اشْرَبْ فَأَشْرَبُ حَتَّى قُلْتُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا أَجِدُ مَسْلَكًا.
فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَشَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ الْفَضْلَ.
كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِدَّةٍ مِنْ أَذَى الْكُفَّارِ وَمِنَ الْجُوعِ، فَصَبَرُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَكُلُّ مَنْ صَبَرَ فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ.
قَالَ: فَإِنَّ الْفَرَجَ مَعَ الصَّبْرِ وَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا.
وَكَانَ الصَّالِحُونَ ﵏ يَفْرَحُونَ بِالشِّدَّةِ لِمَا يَرْجُونَ مِنْ ثَوَابِهَا.
وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ لَاحِقٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ , قَالَ: " قَدِمْتُ الْبَحْرَيْنِ فَأَضَافَتْنِي امْرَأَةٌ لَهَا بَنُونَ وَرَقِيقٌ وَمَالٌ وَيَسَارٌ، فَكُنْتُ أَرَاهَا مَحْزُونَةً فَلَمَّا خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا قُلْتُ لَهَا: أَلَكِ حَاجَةٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، إِنْ أَنْتَ قَدِمْتَ بَلْدَتَنَا هَذِهِ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيَّ.
فَغِبْتُ عَنْهَا كَذَا وَكَذَا سَنَةً، ثُمَّ أَتَيْتُهَا فَلَمْ أَرَ بِبَابِهَا إِنْسِيًّا فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهَا فَإِذَا هِيَ ضَاحِكَةٌ مَسْرُورَةٌ.
قُلْتُ لَهَا: مَا شَأْنُكَ؟ قَالَتْ: إِنَّكَ لَمَّا غِبْتَ عَنَّا لَمْ نُرْسِلَ فِي الْبَحْرِ شَيْئًا إِلَّا غَرِقَ، وَلَا فِي الْبَرِّ شَيْئًا إِلَّا عَطِبَ، وَذَهَبَ الرَّقِيقُ، وَمَاتَ الْبَنُونُ، فَقُلْتُ لَهَا: يَرْحَمُكِ اللَّهُ، رَأَيْتُكِ مَحْزُونَةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَسْرُورَةً فِي هَذَا الْيَوْمِ.
فَقَالَتْ: نَعَمْ، إِنِّي لِمَا كُنْتُ فِيهِ مِنْ سِعَةِ الدُّنْيَا خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَجَّلَ حَسَنَاتِي فِي الدُّنْيَا، فَلَمَّا ذَهَبَ مَالِي وَرَقِيقِي رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدِ
стр. 235
ادَّخَرَ لِي عِنْدَهُ خَيْرًا فَفَرِحْتُ "
٣٣٨ - وَرَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ رَأَى امْرَأَةً كَانَ يَعْرِفُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَكَلَّمَهَا ثُمَّ تَرَكَهَا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَلْتَفِتُ وَهِيَ تَمْشِي فَصَدَمَهُ حَائِطٌ فَأَثَّرَ فِي وَجْهِهِ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأْخَبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجَّلَ عُقُوبَتَهُ فِي الدُّنْيَا» وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , وأَنَّهُ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالُوا: بَلَى.
فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ.
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ، فَالْمَصَائِبُ فِي الدُّنْيَا بِكَسْبِ الْأَوْزَارِ، فَإِذَا عَاقَبَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا، فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُ ثَانِيًا.
وَإِذَا عَفَا عَنْهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعَذِّبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
٣٣٩ - وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مُصِيبَةٌ حَتَّى شَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا حَطّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً» .
стр. 236
بَابُ: الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ
٣٤٠ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِئُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي بِالْكُوفَةِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَاصِمٍ صَاحِبُ الْحِكَايَاتِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَانِمٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: مَاتَ ابْنٌ لِي فَكَتَبَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، أَمَّا بَعْدُ، فَعَظَّمَ اللَّهُ لَكَ الْأَجْرَ وَأَلْهَمَكَ، وَرَزَقَنَا وَإِيَّاكَ الشُّكْرَ.
ثُمَّ إِنَّ نُفُوسَنَا وَأَمْوَالَنَا وَأَهَالِينَا وَأَوْلَادَنَا وَأَمْوَالَهُمْ مِنْ مَوَاهِبِ اللَّهِ الْهَنِيئَةِ، وَعَوَارِيهِ الْمُسْتَوْدَعَةِ، نَتَمَتَّعُ بِهَا إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ، وَيَقْبِضُهَا لِوَقْتٍ مَعْلُومٍ.
ثُمَّ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا الشُّكْرَ إِذَا أَعْطَى، وَالصَّبْرَ إِذَا ابْتَلَى.
وَكَانَ ابْنُكَ هَذَا مِنْ مَوَاهِبِ اللَّهِ الْهَنِيئَةِ، وَعَوَارِيهِ الْمُسْتَوْدَعَةِ، مَتَّعَكَ اللَّهُ بِهِ فِي غِبْطَةٍ وَسُرُورٍ، وَقَبَضَهُ بِأَجْرٍ كَبِيرٍ.
إِنْ صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ فَلَا تَجْمَعَنَّ عَلَيْكَ يَا مُعَاذُ أَنْ يُحْبِطَ جَزَعُكَ أَجْرَكَ، فَتَنْدَمَ عَلَى مَا فَاتَكَ.
فَلَوْ قَدِمْتَ عَلَى ثَوَابِ مُصِيبَتِكَ عَرَفْتَ أَنَّ الْمُصِيبَةَ قَدْ قَصُرَتْ عَنْهُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجَزَعَ لَا يَرُدُّ مَيِّتًا، وَلَا يَدْفَعُ حُزْنًا فَلْيَذْهَبْ عَنْكَ أَسَفُكَ بِمَا هُوَ نَازِلٌ بِكَ، فَكَأَنَّكَ قَدْ نَزَلَ بِكَ وَالسَّلَامُ»
قَالَ الْفَقِيهُ مَعْنَى قَوْلِهِ فَلْيَذْهَبْ عَنْكَ أَسَفُكَ بِمَا هُوَ نَازِلٌ بِكَ: يَعْنِي تَفَكَّرْ
стр. 237
فِي الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ نَازِلٌ بِكَ حَتَّى يَذْهَبَ حُزْنُكَ.
فَكَأَنْ قَدْ يَعْنِي كَأَنَّهُ قَدْ جَاءَ الْمَوْتُ لِأَنَّ الرَّجُلَ إِذَا تَفَكَّرَ فِي مَوْتِ نَفْسِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ عَنْ قَرِيبٍ فَلَا يَجْزَعُ لَهُ، لِأَنَّ الْجَزَعَ لَا يَرُدُّ مَيِّتًا.
وَيُبْطِلُ ثَوَابَ الْمُصِيبَةِ لِأَنَّ الَّذِي يَجْزَعُ عَلَى الْمُصِيبَةِ إِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ وَيَرُدُّ قَضَاءَهُ
٣٤١ - قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو حُمَيْدٍ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْعَسْقَلَانِيُّ , بِسَمَرْقَنْدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا الْخُزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمِصْرِيُّ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُمَيْدٍ , عَنْ وَهْبٍ بْنِ أَرْشَدَ , عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارَ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَصْبَحَ حَزِينًا عَلَى الدُّنْيَا أَصْبَحَ سَاخِطًا عَلَى رَبِّهِ، وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَتَهُ نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُو اللَّهَ تَعَالَى، وَمَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِيَنَالَ مَا فِي يَدِهِ أَحْبَطَ اللَّهُ ثُلُثَيْ عَمَلِهِ، وَمَنْ أُعْطِيَ الْقُرْآنَ فَدَخَلَ النَّارَ أَبْعَدَهُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ» ، يَعْنِي مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ وَتَهَاوَنَ حَتَّى دَخَلَ النَّارَ، أَبْعَدَهُ اللَّهُ مِنْ رَحْمَتِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَ بِنَفْسِهِ، حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ حُرْمَةَ الْقُرْآنِ
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: وَجَدْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَرْبَعَةَ أَسْطُرٍ مُتَوَالِيَاتٍ: أَحَدُهَا مَنْ قَرَأَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَهُوَ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: مَنْ شَكَا مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا يَشْكُو رَبَّهُ.
وَالثَّالِثُ: مَنْ حَزِنَ عَلَى مَا فَاتَهُ سَخِطَ عَلَى قَضَاءِ رَبِّهِ.
وَالرَّابِعُ مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ ذَهَبَ ثُلُثَا دِينِهِ.
يَعْنِي نَقَصَ مِنْ يَقِينِهِ.
٣٤٢ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ لَمْ يَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» .
يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
стр. 238
قَالَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] .
٣٤٣ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ وَإِنْ قَدُمَ عَهْدُهَا فَأَحْدَثَ لَهَا اسْتِرْجَاعًا، إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ» .
يَعْنِي مِثْلَ أَجْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَعْلَمُ مِثْلَ ذَلِكَ الْأَجْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا وَذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: كَانَ إِذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، أَخَذَهُ يَوْمَ السَّابِعِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَقَعَ لَهُ فِي قَلْبِي شَيْءٌ مِنَ الْمَحَبَّةِ، فَإِنْ مَاتَ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِي.
٣٤٤ - وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَجِيءُ بِصَبِيٍّ لَهُ مَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ إِنَّ الْغُلامَ تُوُفِّيَ فَاحْتَبَسَ وَالِدُهُ.
فَلَمَّا فَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ صَبِيُّهُ الَّذِي رَأَيْتَهُ قَالَ: «فَهَلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ، يَعْنِي أَخْبَرْتُمُونِي، قُومُوا إِلَى أَخِينَا نُعَزِّيهِ» .
فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا الرَّجُلُ حَزِينٌ وَبِهِ كَآبَةٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْجُوهُ لِكِبَرِ سِنِّي وَضَعْفِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا يَسُرُّكَ أَنْ تَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ يَا رَبُّ أَبَوَايَ؟ فَيُقَالُ لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَا يَزَالُ يَشْفَعُ حَتَّى يُشَفِّعَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ جَمِيعًا» ؟ فَذَهَبَ الْحُزْنُ عَنِ الرَّجُلِ.
فَفِي هَذَا الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيَةَ سُنَّةٌ إِذَا أَصَابَ الرَّجُلَ مُصِيبَةٌ يَنْبَغِي لِإِخْوَانِهِ أَنْ يُعَزُّوهُ
قَالَ الْفَقِيهُ: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: " سَأَلَ مُوسَى ﵇ رَبَّهُ ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ: مَا لِعَائِدِ الْمَرِيضِ مِنَ الْأَجْرِ؟ قَالَ: أُخْرِجُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
قَالَ: أَيْ رَبِّ فَمَا لِمُشَيِّعِ الْمَوْتَى مِنَ الْأَجْرِ؟ قَالَ: أَبْعَثُ عِنْدَ مَوْتِهِ مَلَائِكَةً يُشَيِّعُونَهُ إِلَى قَبْرِهِ بِرَايَاتٍ، ثُمَّ إِلَى الْمَحْشَرِ.
قَالَ: أَيْ رَبِّ: مَا لِمُعَزِّي الْمُبْتَلَى مِنَ الْأَجْرِ؟ قَالَ: أُظِلُّهُ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا
стр. 239
ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي يَعْنِي ظِلَّ الْعَرْشِ "
٣٤٥ - وَرَوَى أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عُمَيْرٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ قَطُّ جَرْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ جَرْعَةِ غَضَبٍ رَدَّهَا بِحِلْمٍ، وَجَرْعَةِ مُصِيبَةٍ يَصْبِرُ الرَّجُلُ عَلَيْهَا، وَلَا قُطِرَتْ قَطْرَتَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَةِ دَمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَطْرَةِ دَمْعٍ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَهُوَ سَاجِدٌ لَا يَرَاهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا خَطَا عَبْدٌ خُطْوَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ خُطْوَةٍ إِلَى الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَخُطْوَةٍ إِلَى صِلَةِ الرَّحِمِ»
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: تُوُفِّيَ ابْنُ سُلَيْمَانَ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَوَجَدَ عَلَيْهِ وَجْدًا شَدِيدًا، فَأَتَاهُ مَلَكَانِ فَجَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ بِزِيِّ الْخُصُومِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: بَذَرْتُ بَذْرًا وَلَمْ أَسْتَحْصِدْهُ، فَمَرَّ بِهِ هَذَا فَأَفْسَدَهُ، فَقَالَ لِلْآخَرِ: مَا تَقُولُ؟ قَالَ: أَخَذْتُ الْجَادَّةَ فَأَتَيْتُ عَلَى زَرْعٍ فَرَمَيْتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا الطَّرِيقُ عَلَيْهِ، فَقَالَ سُلَيْمَانُ: وَلِمَ بَذَرْتَ عَلَى الطَّرِيقِ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنْ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنَ الطَّرِيقِ؟ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: وَلِمَ تَحْزَنْ عَلَى وَلَدِكَ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمَوْتَ سَبِيلُ الْآخِرَةِ؟ وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ سُلَيْمَانَ صَلَوَاتُ اللَّهُ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ تَابَ إِلَى رَبِّهِ وَلَمْ يَجْزَعْ عَلَى وَلَدِهِ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ نَعَى إِلَيْهِ ابْنَةً لَهُ وَهُوَ فِي السَّفَرِ فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: عَوْرَةٌ سَتَرَهَا اللَّهُ وَمُؤْنَةٌ كَفَاهَا اللَّهُ، وَأَجْرٌ قَدْ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيَّ.
ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: قَدْ صَنَعْنَا مَا أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
قَالَ: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ
٣٤٦ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لِيَسْتَرْجِعْ أَحَدُكُمْ فِي شِسْعِ نَعْلِهِ إِذَا تَقَطَّعَ، فَإِنَّهَا مِنَ الْمَصَائِبِ»
٣٤٧ - وَقَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ،
стр. 240
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةِ , عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَقَالَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] ، اللَّهُمَّ اؤْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَاعْقُبْنِي خَيْرًا مِنْهَا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِ ".
فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ: قُلْتُهُ.
ثُمَّ قُلْتُ: وَمَنْ لِي مِثْلُ أَبِي سَلَمَةَ؟ فَأَعْقَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ﷺ فَتَزَوَّجَهَا
٣٤٨ - وَرَوَى صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الضَّرْبُ عَلَى الْفَخِذِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ يُحْبِطُ الْأَجْرَ، وَالصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى يُعَظِّمُ الْأَجْرَ , وَعِظَمُ الْأَجْرِ عَلَى قَدْرِ الْمُصِيبَةِ، وَمَنِ اسْتَرْجَعَ بَعْدَ الْمُصِيبَةِ جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَهَا كَيَوْمِ أُصِيبَ بِهَا»
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ، إِذَا اسْتَقْبَلَهُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَوَدُّ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَقَارِبِهِ وَجَمِيعُ أَوْلَادِهِ مَاتُوا قَبْلَهُ لِيَنَالَ الْأَجْرَ وَثَوَابَ الْمُصِيبَةِ.
وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمُصِيبَةِ ثَوَابًا عَظِيمًا إِذَا صَبَرَ وَاحْتَسَبَ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٥] ، يَعْنِي لِنَخْتَبِرَنَّكُمْ.
وَالِاخْتِبَارُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِظْهَارُ مَا يَعْلَمُ بِهِ الْغَيْبَ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ.
يَعْنِي مَخَافَةَ قِتَالِ الْعَدُوِّ.
وَالْجُوعُ يَعْنِي الْمَجَاعَةَ.
وَنَقْصٌ مِنَ الْأَمْوَالِ يَعْنِي ذِهَابَ أَمْوَالِهِمْ.
وَالْأَنْفُسِ يَعْنِي الْأَوْجَاعَ وَالْأَمْرَاضَ مِنَ الْقَتْلِ أَوِ الْمَوْتِ.
وَالثَّمَرَاتِ يَعْنِي لَا تَخْرُجُ الثَّمَرَاتُ كَمَا كَانَتْ تَخْرُجُ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ عَلَى الرَّزِيَّاتِ وَالْمَصَائِبِ.
ثُمَّ نَعَتَهُمْ فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] .
إِنَّا لِلَّهِ يَعْنِي نَحْنُ عَبِيدُ اللَّهِ وَفِي مُلْكِهِ وَفِي قَبْضَتِهِ، إِنْ عِشْنَا فَعَلَيْهِ أَرْزَاقُنَا، وَإِنْ مِتْنَا فَإِلَيْهِ مَآبُنَا وَمَرَدُّنَا، وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ يَعْنِي بَعْدَ الْمَوْتِ.
فَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَرْضَى بِحُكْمِهِ، فَإِنْ لَمْ نَرْضَ بِحُكْمِهِ فَلَا يَرْضَى عَنَّا إِذَا رَجَعْنَا إِلَيْهِ.
أُولَئِكَ يَعْنِي أَهْلَ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ.
وَالصَّلَوَاتُ جَمْعُ الصَّلَاةِ
стр. 241
وَالصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: تَوْفِيقُ الطَّاعَةِ، وَالْعِصْمَةُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْمَغْفِرَةُ.
فَهَذَا تَفْسِيرُ الصَّلَاةِ الْوَاحِدَةِ.
وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ فَلَا يَعْرِفُ مُنْتَهَاهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ قَالَ: وَرَحْمَةٌ.
يَعْنِي وَرَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ إِلَى الِاسْتِرْجَاعِ.
يَعْنِي وَفَّقَهُمُ اللَّهُ لِذَلِكَ.
وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , أَنَّهُ قَالَ: لَمْ يَكُنِ الِاسْتِرْجَاعُ إِلَّا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ.
وَلَوْ أُعْطِيَ لِأَحَدٍ لَأُعْطِيَ يَعْقُوبُ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: يَا أَسَفًا عَلَى يُوسُفَ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: نِعْمَ الْعَدْلَانِ، وَنِعْمَ الْعِلَاوَةُ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ.
فَهَذَا الْعَدْلَانِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ فَهَذِهِ الْعِلَاوَةُ.
٣٤٩ - وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
بَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَبْكِي؟ أَوَلَمْ تُنْهَ عَنِ الْبُكَاءِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنْ نُهِيتُ عَنِ النَّوْحِ وَالْغِنَاءِ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ فَاجِرَيْنِ، وَعَنْ خَمْشِ الْوُجُوهِ، وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَرَنَّةِ الشَّيْطَانِ، وَعَنْ صَوْتِ الْغِنَاءِ فَإِنَّهُ لَعِبٌ وَلَهْوٌ، وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ.
وَلَكِنْ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي قُلُوبِ الرُّحَمَاءِ، وَمَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» .
ثُمَّ قَالَ: «الْقَلْبُ يَحْزَنُ وَالْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ تَعَالَى» .
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ عَنْكُمُ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا أُكْرِهْتُمْ عَلَيْهِ، وَمَا لَا تُطِيقُونَ، وَأَحَلَّ لَكُمْ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ أَشْيَاءَ مِمَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ، وَأَعْطَاكُمْ خَمْسًا: أَعْطَاكُمُ الدُّنْيَا فَضْلًا، وَسَأَلَكُمُوهَا قَرْضًا، فَمَا أَعْطَيْتُمُوهُ مِنْهَا
стр. 242
طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ، جَعَلَ لَكُمُ التَّضْعِيفَ مِنْ عَشْرَةٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةٍ، إِلَى مَا لَا يُحْصِيهِ غَيْرُهُ، وَالثَّانِي أَخَذَ مِنْكُمْ كَرْهًا فَاحْتَسَبْتُمْ وَصَبَرْتُمْ، ثُمَّ جَعَلَ لَكُمْ بِهِ الصَّلَاةَ وَالرَّحْمَةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] .
وَالثَّالِثُ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] وَالرَّابِعُ: لَوْ أَسَاءَ مُسِيئُكُمْ حَتَّى تَبْلُغَ ذُنُوبُهُ الْكُفْرَ، ثُمَّ تَابَ، فَإِنَّهُ يَتُوبُ عَلَيْهِ وَيُحِبُّهُ حَيْثُ قَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ، وَالْخَامِسُ لَوْ أَعْطَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ مَا أَعْطَاكُمْ لَكَانَ قَدْ أَجْزَلَ لَهُمَا فَقَالَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
٣٥٠ - وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ , أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: " مَا قَدَّمَ رَجُلٌ شَيْئًا بَيْنَ يَدَيْهِ أَحَبَّ إِلَيْهِ، وَلَا هُوَ أعَظْمُ أَجْرًا مِنْ وَلَدٍ قَدَّمَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ابْنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَيُقَالُ: الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، وَإِذَا مَضَى عَلَيْهِ وَقْتٌ يَصْبِرْ إِنْ شَاءَ أَوْ أَبَى.
فَالْعَاقِلُ مَنْ صَبَرَ بِأَوَّلِ مَرَّةٍ ".
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ مَاتَ لَهُ ابْنٌ فَمَرَّ بِهِ مَجُوسِيٌّ يُعَزِّيهِ فَقَالَ لَهُ: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَفْعَلَ الْيَوْمَ مَا يَفْعَلُهُ الْجَاهِلُ بَعْدَ خَمْسَةِ أَيَّامٍ.
فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: اكْتُبُوا هَذَا مِنْهُ.
٣٥١ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» .
стр. 243
٣٥٢ - وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الصَّبْرُ ثَلَاثَةٌ: صَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ، وَصَبْرٌ عَلَى الْمُصِيبَةِ، وَصَبْرٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
فَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزَائِهَا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثُ مِائَةَ دَرَجَةٍ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سُتُّ مِائَةَ دَرَجَةٍ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ تِسْعَ مِائَةَ دَرَجَةٍ ".
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ شَيْءٍ كَتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إِلَّا أَنَا وَمُحَمَّدٌ رَسُولِي، مَنِ اسْتَسْلَمَ لِقَضَائِي وَصَبَرَ عَلَى بَلَائِي وَشَكَرَ لِي نَعْمَائِي، كَتَبْتُهُ صِدِّيقًا وَبَعَثْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الصِّدِّيقِينَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَسْلِمْ لِقَضَائِي وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي وَلَمْ يَشْكُرْ لِنَعْمَائِي فَلْيَتَّخِذْ إِلَهًا سِوَائِي.
قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْمُصِيبَةُ وَاحِدَةٌ فَإِذَا جَزِعَ صَاحِبُهَا صَارَتِ اثْنَتَيْنِ، يَعْنِي صَارَتِ الْمُصِيبَةُ اثْنَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا الْمُصِيبَةُ وَالثَّانِيَةُ ذَهَابُ أَجْرِ الْمُصِيبَةِ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْمُصِيبَةِ.
٣٥٣ - وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتَهُ بِي، فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ» .
٣٥٤ - وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ لَهَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ رَاقَبَ الْمَوْتَ تَرَكَ اللَّذَّاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا هَانَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ» وَذُكِرَ أَنَّ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ مَكْتُوبًا سِتَّةُ أَسْطُرٍ: فِي السَّطْرِ الْأَوَّلِ مَنْ أَصْبَحَ حَزِينًا عَلَى الدُّنْيَا أَصْبَحَ سَاخِطًا عَلَى اللَّهِ، وَفِي الثَّانِي مَنْ شَكَا مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ فَإِنَّمَا
стр. 244
يَشْكُو رَبَّهُ، وَفِي الثَّالِثِ مَنْ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ بَابٍ أَتَاهُ رِزْقُهُ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ النَّارِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ، وَفِي الرَّابِعِ مَنْ أَتَى خَطِيئَةً وَهُوَ يَضْحَكُ دَخَلَ النَّارَ وَهُوَ يَبْكِي، وَفِي الْخَامِسِ مَنْ كَانَ أَكْبَرُ هَمِّهِ الشَّهَوَاتِ نَزَعَ اللَّهُ خَوْفَ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ، وَفِي السَّادِسِ مَنْ تَوَاضَعَ لِغَنِيٍّ لِأَجْلِ دُنْيَاهُ أَصْبَحَ وَالْفَقْرُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
стр. 245
بَابُ: فَضْلِ الْوُضُوءِ
٣٥٥ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْفَضْلُ بْنُ الْحَكَمِ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شَدَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ , قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ عَنْبَسَةَ: لِأَيِّ شَيْءٍ تُدْعَى رَابِعَ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَرَى النَّاسَ عَلَى الضَّلَالَةِ وَلَا أَرَى الْأَوْثَانَ شَيْئًا، ثُمَّ سَمِعْتُ رَجُلًا يُخْبِرُ أَخْبَارًا بِمَكَّةَ، فَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسْتَخْفٍ، وَإِذَا قَوْمِي عَلَيْهِ حِوَاءٌ، فَتَلَطَّفْتُ لَهُ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: «أَنَا نَبِيٌّ» .
فَقُلْتُ: وَمَا النَّبِيُّ؟ قَالَ: «رَسُولُ اللَّهِ» .
فَقُلْتُ اللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «بِأَنْ نُوَحِّدَ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ» .
فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ؟ قَالَ: «حُرٌ وَعَبْدٌ» .
وَإِذَا مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ.
قُلْتُ: فَإِنِّي أَتَّبِعُكَ؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا، وَلَكِنْ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بِأَنِّي قَدْ ظَهَرْتُ فَالْحَقْ بِي» .
فَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي وَقَدْ أَسْلَمْتُ
قَالَ عَمْرُو بْنُ عَنْبَسَةَ: وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنَا رَابِعُ الْإِسْلَامِ.
يَعْنِي لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى الْمَدِينَةِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: «نَعَمْ أَلَسْتَ الَّذِي أَتَيْتَنِي بِمَكَّةَ» ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: «إِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَاقْصُرْ عَنِ الصَّلَاةِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ فلَا تُصَلِّ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكَافِرُ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ، فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ الرُّمْحُ لِلظِّلِّ، ثُمَّ اقْصُرْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَسْجُرُ جَهَنَّمَ، فَإِذَا فَاءَ الْفَيْءُ
стр. 246
فَأْتِ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةً مَحْصُورَةً حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، فَإِذَا صَلَّيْتَ الْعَصْرَ فَاقْصُرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ» .
قَالَ: قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ.
قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ رَجُلٍ يَقْرَبُ وَضُوءَهُ ثُمَّ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ وَيَسْتَنْثِرُ إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا فِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ الْمَاءِ، حِينَ يَسْتَنْثِرُ ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مَعَ الْمَاءِ.
ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، إِلَّا خَرَجَتْ خَطَايَا قَدَمَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»
٣٥٦ - قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ , عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْخَطَايَا وَتُرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتُ» .
قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي السَّبَرَاتِ، وَالصَّبْرُ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ» .
يَعْنِي الْحِصْنَ مِنَ الْعَدُوِّ وَيُقَالُ: يَعْنِي فَضْلَ الرِّبَاطِ الَّذِي يُرَابِطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى
حَدَّثَنِي أَبِي ﵀، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ , قَالَ: «وَجَدْتُ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ أَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ مِنْ كُلِّ حَدَثٍ وَلَمْ يَكُنْ دَخَّالًا
стр. 247
عَلَى النِّسَاءِ فِي الْبُيُوتِ وَلَمْ يَكْسِبْ مَالًا بِغَيْرِ رِزْقٍ مِنَ الدُّنْيَا بِغَيْرِ حِسَابٍ»
٣٥٧ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ بَاتَ طَاهِرًا فِي شِعَارٍ طَاهِرٍ بَاتَ مَعَهُ مَلَكٌ فِي شِعَارِهِ فَلَا يَسْتَيْقِظُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ فُلَانٍ فَإِنَّهُ بَاتَ طَاهِرًا»
٣٥٨ - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ أَبَانٍ , قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ تَوَضَّأَ، فَأَفْرَغَ الْمَاءَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، فَغَسَلَهُمَا ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ.
٣٥٩ - وَرَوَى ثَوْبَانُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» .
قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : «لَنْ تُحْصُوا» يَعْنِي لَنْ تَقْدِرُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا بِالْجَهْدِ وَيُقَالُ: لَنْ تَقْدِرُوا أَنْ تَعُدُّوا ثَوَابَ مَنِ اسْتَقَامَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «لَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ» .
يَعْنِي الدَّوَامَ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ النَّهَارَ كُلَّهُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَيَنَامَ بِاللَّيْلِ عَلَى الْوُضُوءِ، فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيُحِبُّهُ الْحَفَظَةُ وَيَكُونُ فِي أَمَانِ اللَّهِ
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: سَمِعْتُ أَبِي ﵀ , يَحْكِي بِإِسْنَادِهِ يَقُولُ: " بَلَغَنِي أَنَّ عُمَرَ بْنَ
стр. 248
الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَجَّهَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مِصْرَ لِكِسْوَةِ الْكَعْبَةِ، فَنَزَلَ الرَّجُلُ بَعْضَ أَرْضِ الشَّامِ إِلَى جَانِبِ صَوْمَعَةِ حَبْرٍ مِنَ الْأَحْبَارِ، وَلَمْ يَكُنْ حَبْرٌ أَعْلَمَ مِنْهُ فَأَحَبَّ رَسُولُ عُمَرَ أَنْ يَلْقَاهُ فَيَسْمَعَ مِنْهُ عِلْمَهُ، فَأَتَاهُ يَسْتَفْتِحُ بَابَ دَارِهِ، فَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ طَوِيلًا، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى الْحَبْرِ فَسَأَلَهُ لِيَسْمَعَ مِنْهُ فَأَعْجَبَهُ عِلْمُهُ فَشَكَا إِلَيْهِ حَبْسَهُ عَلَى بَابِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَبْرُ: إِنَّا كُنَّا رَأَيْنَاكَ حِينَ عَدَلْتَ إِلَيْنَا فَرَأَيْنَاكَ عَلَى هَيْبَةِ السُّلْطَانِ فَتَخَوَّفْنَاكَ وَإِنَّمَا حَبَسْنَاكَ عَلَى الْبَابِ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ لِمُوسَى: يَا مُوسَى إِذَا تَخَوَّفْتَ سُلْطَانًا فَتَوَضَّأْ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالْوُضُوءِ فَإِنَّ مَنْ تَوَضَّأَ كَانَ فِي أَمَانٍ مِمَّا يَتَخَوَّفُ فَأَغْلَقْنَا دُونَكَ الْبَابَ حَتَّى تَوَضَّأَتْ وَتَوَضَّأَ جَمِيعُ مَنْ فِي الدَّارِ وَصَلَّيْنَا فَأَمَّنَّاكَ لِذَلِكَ ثُمَّ فَتَحْنَا لَكَ الْبَابَ "
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَنْبَغِي لِلَّذِي يَتَوَضَّأُ أَنْ يَكُونَ وَضُؤُوهُ مَعَ التَّعْظِيمِ، وَيَعْلَمَ أَنَّهُ يُرِيدُ زِيَارَةَ رَبِّهِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ مِنْ جَمِيعِ ذُنُوبِهِ لِأَنَّ اللَّهَ ﵎ جَعَلَ الْغُسْلَ بِالْمَاءِ عَلَامَةً لِغُسْلِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِغَسْلِ فَاهُ مِنَ الْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ كَمَا غَسَلَهُ بِالْمَاءِ، وَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ يَغْسِلُهُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الْحَرَامِ، وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى وَيُسَبِّحُهُ.
٣٦٠ - وَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ، إِذَا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ يُخْتَمُ بِخَاتَمٍ، ثُمَّ يُوضَعُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمْ يُكْسَرْ حَتَّى يُدْفَعَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
٣٦١ - وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرَ , عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ وُضُوئِهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ فِي الْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ "
стр. 249
٣٦٢ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعَدَةَ الْمَرْوَزِيُّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ عِمْرَانَ الْقَطَّانِ , عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعَصَرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْإِيمَانِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهِنَّ، وَوُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ، وَمَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ» ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَيْمُ اللَّهِ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَحَجَّ الْبَيْتِ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ» .
قَالُوا: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ وَمَا الْأَمَانَةُ؟ قَالَ: الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْتَمِنَ ابْنَ آدَمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ غَيْرِهِ
٣٦٤ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أبو الحسن محمد بن جم الفقيه بسمرقند، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمَكِّيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزَّمَانِ , عَنْ أَبِي الْفَضَائِلِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: «حَدَّثَنِي بِأَزْكَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْكَ فِي الْجَنَّةِ» .
فَقَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا فِي الْإِسْلَامِ، أَزْكَى عِنْدِي مِنْ أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ لِرَبِّي أَدْنَى مَا قُدِّرَ لِي وَفِي آخِرِ مَا أَحْدَثْتُ إِلَّا أَوْجَدْتُ الطَّهَارَةَ وَمَا تَطَهَّرْتُ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 250
بَابُ: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ
٣٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , عَنْ يُونُسَ , عَنِ الْحَسَنِ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَثَلُ الْخَمْسِ صَلَوَاتٍ كَمَثَلِ نَهْرٍ جَارٍ عَلَى بَابِ أَحَدِكُمْ كَثِيرِ الْمَاءِ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ فَهَلْ يَبْقَى عَلَيْهِ مِنَ الدَّرَنِ شَيْءٌ» ؟ يَعْنِي أَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ تُطَهِّرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَلَا يُبْقِينَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الذُّنُوبِ فِيمَا دُونَ الْكَبَائِرِ، وَهَذَا إِذَا صَلَّى الصَّلَاةَ عَلَى التَّعْظِيمِ وَيُتِمُّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا فَإِذَا لَمْ يَتِمَّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِ
٣٦٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ هَمَّامَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ خَلَّادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ خَالِدٍ , قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَصَلَّى، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ارْجِعْ وَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: «ارْجِعْ وَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» أَمَرَهُ بِذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا آلَوْتُ فَلَا أَدْرِي مَا عِبْتَ عَلَيَّ مِنْ صَلَاتِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّهُ لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ
следующие страницы →