← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10488

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي

أبو الليث السمرقندي

Полный текст (602 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فَلَيْسُوا إِلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْجُمْعَةِ لِيَزْدَادُوا فِيهِ كَرَامَةً، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ الْمَزِيدِ وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ " ٤٢٦ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الصَّلَوَاتُ فِي الْجَمَاعَةِ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا احْتُسِبَتِ الْكَبَائِرُ» . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

стр. 282

بَابُ: حُرْمَةِ الْمَسَاجِدِ ٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ السَّرَدِيُّ الْحَاكِمُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ مُحَمَّدِ السَّرْخَسِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» إِذَا كَانَ فِي وَقْتٍ مُبَاحٍ، فَأَمَّا إِذَا دَخَلَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَمَا يُصَلِّي الْعَصْرَ، أَوْ بَعْدَمَا صَلَّى الْفَجْرَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ لِأَنَّهُ نُهِيَ عَنِ الصَّلَاةَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَكِنَّهُ يُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَنَالَ فَضْلَ الصَّلَاةِ وَأَدَّى عَنْهُ حَقَّ الْمَسْجِدِ ٤٢٨ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ , عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ , قَالَ: بَلَغَ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اشْتَرَى خَادِمًا فَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعَاتِبُهُ فِي ذَلِكَ، فَكَانَ فِي كِتَابِهِ: يَا أَخِي تَفَرَّغْ لِلْعِبَادَةِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِكَ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا تَسْتَطِيعُ فِيهِ الْعِبَادَةَ، وَاغْتَنِمْ دَعْوَةَ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْمُبْتَلِي وَارْحَمِ الْيَتِيمَ، وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ يَلِنْ قَلْبُكَ، وَتُدْرِكْ حَاجَتَكَ فَإِنِّي شَهِدْتُهُ يَوْمًا يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ , وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَشْكُو إِلَيْهِ قَسَاوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ: «أَتُحِبُّ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ وَتُدْرِكَ حَاجَتَكَ» . قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «ارْحَمِ الْيَتِيمَ وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ يَلِنْ قَلْبُكَ وَتُدْرِكْ حَاجَتَكَ» .

стр. 283

يَا أَخِي لِيَكُنِ الْمَسْجِدُ بَيْتَكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ الْمُتَّقِينَ» وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَنْ كَانَتْ بُيُوتُهُمُ الْمَسَاجِدَ بِالرَّوْحِ، وَالرَّاحَةِ، وَالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ إِلَى رِضْوَانِ الرَّبِّ ﵎ قَالَ الْحَكِيمُ بْنُ عُمَيْرٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : كُونُوا فِي الدُّنْيَا أَضْيَافًا، وَاتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ بُيُوتًا وَعَلِّمُوا قُلُوبَكُمُ الرِّقَّةَ، وَأَكْثِرُوا التَّفَكُّرَ وَالْبُكَاءَ لَا تَخْتَلِفَنَّ بِكُمُ الْأَهْوَاءُ قَالَ قَتَادَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا كَانَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُرَى إِلَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ: مَسْجِدٍ يَعْمُرُهُ، وَبَيْتٍ يَسْتُرُهُ، وَحَاجَةٍ لَا بَأْسَ بِهَا. وَقَالَ النَّزَّالُ بْنُ سَبْرَةَ: الْمُنَافِقُ فِي الْمَسْجِدِ كَالطَّيْرِ فِي الْقَفَصِ وَعَنْ خَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ , أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتَاهُ غُلَامُهُ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَامَ فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَجَابَهُ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَا تَكَلَّمْتُ فِي الْمَسْجِدِ بِكَلِمِ الدُّنْيَا مُنْذُ كَذَا سَنَةٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ الْيَوْمَ. إِنَّمَا يَصِيرُ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا عَظَّمَ أَوَامِرَهُ، وَعَظَّمَ بُيُوتَهُ، وَعِبَادَهُ، وَالْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ، فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُعَظِّمَهَا فَإِنَّ فِي تَعْظِيمِ الْمَسَاجِدِ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الزُّهَّادِ أَنَّهُ قَالَ: مَا اسْتَنَدْتُ فِي الْمَسْجِدِ إِلَى شَيْءٍ، وَلَا طَوَّلْتُ قَدَمِي فِيهَا، وَلَا تَكَلَّمْتُ بِكَلَامِ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِيُقْتَدَى بِهِ وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: خَمْسٌ كَانَ عَلَيْهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالتَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ: لُزُومُ الْجَمَاعَةِ، وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَعِمَارَةُ الْمَسْجِدِ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثَةٌ فِي جِوَارِ

стр. 284

اللَّهِ تَعَالَى، رَجُلٌ دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا لِلَّهِ، فَهُوَ ضَيْفُ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَرْجِعَ، وَرَجُلٌ زَارَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَا يَزُورُهُ إِلَّا لِلَّهِ، فَهُوَ مِنْ زُوَّارِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَرْجِعَ، وَرَجُلٌ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا لَا يَخْرُجُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ وَفْدُ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ. وَيُقَالُ: حُصُونُ الْمُؤْمِنِ ثَلَاثَةٌ: الْمَسْجِدُ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ. وَالْمُؤْمِنُ إِذَا كَانَ فِي وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي حِصْنٍ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مُهُورُ الْحُورِ فِي الْجَنَّةِ كَنْسُ الْمَسَاجِدِ وَعِمَارَتُهَا. ٤٢٩ - قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ أَسْرَجَ فِي الْمَسْجِدِ سِرَاجًا لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ، وَحَمَلَةُ الْعَرْشِ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ مَا دَامَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ. ٤٣٠ - وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْمَسَاجِدُ بُيُوتُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، وَالْمُصَلِّي فِيهَا زَائِرُ اللَّهِ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ. قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُقَالُ: حُرْمَةُ الْمَسَاجِدِ خَمْسُ عَشْرَةَ خَصْلَةٌ. أَوَّلُهَا: أَنْ يُسَلِّمَ وَقْتَ الدُّخُولِ إِذَا كَانَ الْقَوْمُ جُلُوسًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَحَدٌ أَوْ كَانُوا فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْنَا مِنْ رَبِّنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ. وَالثَّانِي: أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ ٤٣١ - لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ تَحِيَّةٌ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ» . وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَشْتَرِي فِيهِ وَلَا يَبِيعَ. وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَسُلَّ فِيهِ الْسَيْفَ. وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يَنْشُدَ فِيهِ الضَّالَّةَ. وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يَرْفَعَ فِيهِ الصَّوْتَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى.

стр. 285

وَالسَّابِعُ: أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ أَحَادِيثِ الدُّنْيَا. وَالثَّامِنُ: أَنْ لَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ , وَالتَّاسِعُ: أَنْ لَا يُنَازِعَ فِي الْمَكَانِ. وَالْعَاشِرُ: أَنْ لَا يُضَيِّقَ عَلَى أَحَدٍ فِي الصَّفِّ. وَالْحَادِي عَشَرَ: أَنْ لَا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي. وَالثَّانِي عَشَرَ: أَنْ لَا يَبْزُقَ فِيهِ. وَالثَّالِثُ عَشَرَ: أَنْ لَا يُفَرْقِعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ. وَالرَّابِعُ عَشَرَ: أَنْ يُنَزِّهَهُ عَنِ النَّجَاسَاتِ وَالْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ. وَالْخَامِسُ عَشَرَ: أَنْ يُكْثِرَ فِيهِ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَغْفُلَ عَنْهُ. ٤٣٢ - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «يَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ لِأَمْرِ دُنْيَاهُمْ، لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ فَلَا تُجَالِسُوهُمْ» . وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " يَكُونُ الْغُرَبَاءُ فِي الدُّنْيَا أَرْبَعَةً: قُرْآنٌ فِي جَوْفِ ظَالِمٍ، وَمَسْجِدٌ فِي نَادِي قَوْمٍ لَا يُصَلُّونَ فِيهِ، وَمُصْحَفٌ فِي بَيْتٍ لَا يُقْرَأُ فِيهِ، وَرَجُلٌ صَالِحٌ مَعَ قَوْمِ سُوءٍ " ٤٣٣ - وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " تُحْشَرُ الْمَسَاجِدُ كَأَنَّهَا بُخْتٌ بِيضٌ قَوَائِمُهَا مِنَ الْعَنْبَرِ، وَأَعْنَاقُهَا مِنَ الزَّعْفَرَانِ، وَرُؤُوسُهَا مِنَ الْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، وَأَسْنَامُهَا مِنَ الزَّبَرْجَدِ الْأَخْضَرِ، وَقُوَّادُهَا الْمُؤَذِّنُونَ يَقُودُونَهَا، وَالْأَئِمَّةُ يَسُوقُونَهَا، فَيَعْبُرُونَ بِهَا فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْقِيَامَةِ: هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَالْأَنْبِيَاءُ الْمُرْسَلُونَ، فَيُنَادُونَهُمْ يَا أَهْلَ الْقِيَامَةِ، مَا هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَلَا الْأَنْبِيَاءُ وَلَا الْمُرْسَلُونَ، بَلْ هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِينَ كَانُوا يَحْفَظُونَ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ " وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبَّهٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: يُؤْتَى بِالْمَسَاجِدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَمْثَالِ السُّفُنِ مُكَلَّلَهً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ فَتَشْفَعُ لِأَهْلِهَا

стр. 286

وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ , قَالَ: يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، يَعْمُرُونَ مَسَاجِدَهُمْ وَهِيَ خَرَابٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى شَرُّ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ عُلَمَاؤُهُمْ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتَنُ وَإِلَيْهِمْ تَعُودُ

стр. 287

بَابُ: فَضْلِ الصَّدَقَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ , عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: " الصَّلَاةُ عِمَادُ الْإِسْلَامِ، وَالْجِهَادُ سَنَامُ الْعَمَلِ، وَالصَّدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ، وَالصَّدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ، وَالصَّدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ. وَسُئِلَ عَنِ الصَّوْمِ، فَقَالَ: قُرْبَةٌ وَلَيْسَ هُنَاكَ فَضْلٌ. قِيلَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهَا فَأَكْثَرُهَا» ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ، قِيلَ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ؟ قَالَ: «عَفْوُ مَالٍ، يَعْنِي يَتَصَدَّقُ بِفَضْلِ مَالٍ» . قِيلَ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَالٌ؟ قَالَ: «فَعَفْوُ طَعَامٍ» . قِيلَ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ؟ قَالَ: «بِغَبْنٍ يُفَوِّتُهُ» . قِيلَ: فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: «وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» . قِيلَ: فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ يَتَّقِي النَّارَ " قَالَ: يَكُفُّ نَفْسَهُ، يَعْنِي لَا يَظْلِمُ النَّاسَ، وَذُكِرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ رُوِيَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ٤٣٥ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خَلِيلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَصْرِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " مَا طَلَعَتِ شَمْسٌ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ، وَإِنَّهُمَا يُسْمِعَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ

стр. 288

إِلَّا الثَّقَلَيْنِ. أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَمَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: اللَّهُمَّ عَجِّلْ لِمُنْفِقِ مَالِهِ خَلَفًا، وَعَجِّلْ لِمُمْسِكِ مَالِهِ تَلَفًا " ٤٣٦ - قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ , حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ زُرْعَةَ بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ مُتَعَلِّقٍ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُوَ يَقُولُ: أَسْأَلُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ أَنْ تَغْفِرَ لِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ اللَّهِ، سَلْ بِحُرْمَتِكَ فَإِنَّ حُرْمَةَ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حُرْمَةِ هَذَا الْبَيْتِ» . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي ذَنْبًا عَظِيمًا. قَالَ: «وَمَا ذَنْبُكَ؟» قَالَ: إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَإِنَّ مَاشِيَتِي كَثِيرَةٌ، وَإِنَّ خَيْلِي كَثِيرَةٌ، وَلَكِنَّ الرَّجُلَ إِذَا سَأَلَنِي شَيْئًا مِنْ مَالِي فَكَأَنَّ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَنَحَّ عَنِّي يَا فَاسِقُ لَا تَحْرِقْنِي بِنَارِكَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ صُمْتَ أَلْفَ عَامٍ، وَصَلَّيْتَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ مُتَّ لَئِيمًا لَأَكَبَّكَ اللَّهُ فِي النَّارِ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللُّؤْمَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْكُفْرَ فِي النَّارِ، وَالسَّخَاوَةَ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْإِيمَانَ فِي الْجَنَّةِ» ٤٣٧ - وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «السَّخَاوَةُ شَجَرَةٌ أَصْلُهَا فِي الْجَنَّةِ، وَأَغْصَانُهَا مُتَدَلِّيَةٌ فِي الدُّنْيَا فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهَا مَدَّهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَالْبُخْلُ شَجَرَةٌ أَصْلُهَا فِي النَّارِ، وَأَغْصَانُهَا مُتَدَلِّيَةٌ فِي الدُّنْيَا فَمَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهَا مَدَّهُ إِلَى النَّارِ» ٤٣٨ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ، وَالسَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ عَنِ النَّارِ»

стр. 289

٤٣٩ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَاسْتَقْبِلُوا أَنْوَاعَ الْبَلَاءِ بِالدُّعَاءِ» ٤٤٠ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمَانِيِّ مَوْلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا سَأَلَ سَائِلٌ فَلَا تَقْطَعُوا عَلَيْهِ مَسْأَلَتَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا، ثُمَّ رُدُّوا عَلَيْهِ بِوَقَارٍ وَلِينٍ بِبَذْلٍ يَسِيرٍ، أَوْ بِرَدٍّ جَمِيلٍ، فَإِنَّهُ قَدْ يَأْتِيكُمْ مَنْ لَيْسَ بِإِنْسٍ وَلَا جَانٍّ يَنْظُرُونَ كَيْفَ صَنِيعُكُمْ فِيمَا خَوَّلَكُمُ اللَّهُ» ٤٤١ - وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْكِنْدِيُّ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ رَجُلٍ يَتَصَدَّقُ فِي يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ إِلَّا حُفِظَ مِنْ أَنْ يَمُوتَ مِنْ لَدْغَةٍ، أَوْ هَدْمَةٍ، أَوْ مَوْتِ بَغْتَةٍ» ٤٤٢ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ قَطُّ وَلَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ رَجُلٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَرَوَى عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: اثْنَانِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَاثْنَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا﴾ [البقرة: ٢٦٨] ، يَعْنِي يَأْمُرُكُمْ بِالطَّاعَةِ وَالصَّدَقَةِ لِتَنَالُوا مَغْفِرَتَهُ وَفَضْلَهُ: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨] ، يَعْنِي وَاسِعَ الْفَضْلِ عَلِيمًا بِثَوَابِ مَنْ يَتَصَدَّقُ ٤٤٣ - وَرَوَى ابْنُ بُرَيْدَةَ , عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلَّا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْقَتْلِ، وَلَا ظَهَرَتْ فَاحِشَةٌ فِي قَوْمٍ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَوْتَ، وَلَا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكَاةَ إِلَّا حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْقَطْرَ»

стр. 290

وَرَوَى الضَّحَّاكُ , عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ , قَالَ: مَكْتُوبٌ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةُ أَسْطُرٍ: أَوَّلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وَالثَّانِي: أُمَّةٌ مُذْنِبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. وَالثَّالِثُ: وَجَدْنَا مَا عَمِلْنَا رَبِحْنَا مَا قَدَّمْنَا خَسِرْنَا مَا خَلَّفْنَا، وَيُقَالُ: مَنْ مَنَعَ خَمْسًا مَنَعَ اللَّهُ مِنْهُ خَمْسًا. أَوَّلُهَا: مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ مَنَعَ اللَّهُ مِنْهُ حِفْظَ الْمَالِ. وَالثَّانِي: مَنْ مَنَعَ الصَّدَقَةَ مَنَعَ اللَّهُ مِنْهُ الْعَافِيَةَ. وَالثَّالِثُ: مَنْ مَنَعَ الْعُشْرَ مَنَعَ اللَّهُ مِنْهُ بَرَكَةَ أَرْضِهِ. وَالرَّابِعُ: مَنْ مَنَعَ الدُّعَاءَ مَنَعَ اللَّهُ مِنْهُ الْإِجَابَةَ. وَالْخَامِسُ: مَنْ تَهَاوَنَ بِالصَّلَاةِ مَنَعَ مِنْهُ عِنْدَ الْمَوْتِ قَوْلَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: دِرْهَمٌ يُنْفِقُهُ أَحَدُكُمْ فِي صِحَّتِهِ وَشُحِّهِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةٍ يُوصِي بِهَا عِنْدَ الْمَوْتِ قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سَمِعْتُ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: كَانَ فِي زَمَنِ عِيسَى ﵊ رَجُلٌ يُسَمَّى مَلْعُونًا مِنْ بُخْلِهِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ ذَاتَ يَوْمٍ يُرِيدُ الْغَزْوَ فَقَالَ: يَا مَلْعُونُ أَعْطِني شَيْئًا مِنَ السِّلَاحِ أَسْتَعِينُ بِهِ فِي غَزْوِي، وَتَنْجُو بِهِ مِنَ النَّارِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا فَرَجَعَ الرَّجُلُ، فَنَدِمَ الْمَلْعُونُ فَنَادَاهُ، فَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ وَاسْتَقْبَلَهُ عِيسَى ﵇ مَعَ عَابِدٍ قَدْ عَبَدَ اللَّهَ سَبْعِينَ سَنَةً فَقَالَ لَهُ عِيسَى: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ بِهَذَا السَّيْفِ؟ فَقَالَ: أَعْطَانِيهِ الْمَلْعُونُ فَفَرِحَ عِيسَى بِصَدَقَتِهِ. فَكَانَ الْمَلْعُونُ قَاعِدًا عَلَى بَابِهِ فَلَمَّا مَرَّ بِهِ عِيسَى ﵇ مَعَ الْعَابِدِ فَقَالَ الْمَلْعُونُ فِي نَفْسِهِ أَقُومُ، وَأَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ عِيسَى، وَإِلَى وَجْهِ الْعَابِدِ فَلَمَّا قَامَ وَنَظَرَ إِلَيْهِمَا قَالَ الْعَابِدُ أَنَا أَفِرُّ وَأَعْدُو مِنْ هَذَا الْمَلْعُونِ قَبْلَ أَنْ يَحْرِقَنِي بِنَارِهِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى ﵇ أَنْ قُلْ لِعَبْدِي هَذَا الْمُذْنِبِ إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ بِصَدَقَتِهِ بِالسَّيْفِ وَبِحُبِّهِ إِيَّاكَ وَقُلْ لِلْعَابِدِ إِنَّهُ رَفِيقُكَ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَ الْعَابِدُ: وَاللَّهِ مَا أُرِيدُ الْجَنَّةَ مَعَهُ وَلَا أُرِيدُ رَفِيقًا مِثْلَهُ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى ﵇ أَنْ قُلْ لِعَبْدِي إِنَّكَ لَمْ تَرْضَ بِقَضَائِي وَحَقَّرْتَ عَبْدِي، فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُكَ مَلْعُونًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَبَدَّلْتُ

стр. 291

مَنَازِلَكَ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الَّذِي لَهُ فِي النَّارِ، وَأَعْطَيْتُ مَنَازِلَكَ فِي الْجَنَّةِ لِعَبْدِي وَمَنَازِلُهُ فِي النَّارِ لَكَ، ٤٤٤ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مَلَكًا يُنَادِي مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يَقُولُ مَنْ يُقْرِضِ الْيَوْمَ يَجِدْ غَدًا، وَمَلَكٌ آخَرُ يُنَادِي يَا مَعْشَرَ بَنِي آدَمَ لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ» . ٤٤٥ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ سُئِلَ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا خَرَجْتُ مِنَ الدُّنْيَا فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَنَا أَمْ بَطْنُهَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ أَسْخِيَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ، فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ، فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا» وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَجْعَلَ كَنْزَكَ حَيْثُ لَا يَأْكُلُهُ السُّوسُ، وَلَا تَنَالُهُ اللُّصُوصُ فَافْعَلْ بِالصَّدَقَةِ. ٤٤٦ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَدَّى الزَّكَاةَ، وَأَقْرَى الضَّيْفَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ " يَعْنِي دَفَعَ الْبُخْلَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: عَلَيْكَ بِالصَّدَقَةِ بِمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَإِنَّ فِي الصَّدَقَةِ عَشْرَ خِصَالٍ مَحْمُودَةٍ: خَمْسَةً فِي الدُّنْيَا، وَخَمْسَةً فِي الْآخِرَةِ. فَأَمَّا الْخَمْسَةُ الَّتِي فِي الدُّنْيَا، فَأَوَّلُهَا: تَطْهِيرُ الْمَالِ ٤٤٧ - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ وَالْكَذِبُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ» . وَالثَّانِي: أَنَّ فِيهَا تَطْهِيرَ الْبَدَنِ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا قَالَ اللَّهُ ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣] ،

стр. 292

وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِيهَا دَفْعَ الْبَلَاءِ وَالْأَمْرَاضِ ٤٤٨ - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ» . وَالرَّابِعُ: أَنَّ فِيهَا إِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَالْخَامِسُ: أَنَّ فِيهَا بَرَكَةً فِي الْمَالِ، وَسِعَةً فِي الرِّزْقِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] ، وَأَمَّا الْخَمْسَةُ الَّتِي فِي الْآخِرَةِ: فَأَوَّلُهَا: أَنْ تَكُونَ الصَّدَقَةُ ظِلًّا لِصَاحِبِهَا مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ. وَالثَّانِي: أَنَّ فِيهَا خِفَّةَ الْحِسَابِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا تُثَقِّلُ الْمِيزَانَ. وَالرَّابِعُ: جَوَازٌ عَلَى الصِّرَاطِ. وَالْخَامِسُ: زِيَادَةُ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الصَّدَقَةِ فَضِيلَةٌ سِوَى دُعَاءِ الْمَسَاكِينِ لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَرْغَبَ فِيهَا، فَكَيْفَ وَفِيهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى، وَرَغْمَ الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ ٤٤٩ - أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مَا لَمْ يَفُكَّ لِحْيَ سَبْعِينَ شَيْطَانًا، وَفِيهَا الِاقْتِدَاءُ بِالصَّالِحِينَ لِأَنَّ الصَّالِحِينَ كَانَتْ هِمَّتُهُمْ فِي الصَّدَقَةِ قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ أُمِّ ذَرٍّ، وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: بَعَثَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا بِمَالٍ فِي غِرَارَتَيْنِ فِيهِمَا ثَمَانُونَ وَمِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَهِيَ صَائِمَةٌ، فَجَعَلَتْ تُقَسِّمُ بَيْنَ النَّاسِ فَأَمْسَتْ وَمَا عِنْدَهَا مِنْ ذَلِكَ دِرْهَمٌ، فَلَمَّا أَمْسَتْ قَالَتْ يَا جَارِيَةُ: هَلُمِّي فُطُورِي، فَجَاءَتْهَا بِخُبْزٍ وَزَيْتٍ، فَقَالَتْ لَهَا: «أَمَا اسْتَطَعْتِ فِيمَا قَسَّمْتِ هَذَا الْيَوْمَ أَنْ تَشْتَرِيَ لَنَا لَحْمًا بِدِرْهَمٍ؟» قَالَتْ: لَا تُعَنِّفِينِي لَوْ كُنْتِ ذَكَّرْتِينِي لَفَعَلْتُ

стр. 293

وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ , قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا تَصَدَّقَتْ بِسَبْعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإِنَّهَا لَتُرَقِّعُ جَانِبَ دِرْعَهَا وَذُكِرَ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ أَبْجَرَ وَرِثَ خَمْسِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَبَعَثَ إِلَى إِخْوَانِهِ صُرَرًا وَقَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ لِإِخْوَانِي الْجَنَّةَ، فَكَيْفَ أَبْخَلُ عَلَيْهِمْ بِالدُّنْيَا وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى حَسَّانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ فَسَأَلَتْهُ شَيْئًا فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَإِذَا هِيَ امْرَأَةٌ جَمِيلَةٌ فَقَالَ: يَا غُلَامُ أَعْطِهَا أَرْبَعَ مِائَةٍ فَقِيلَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ سَائِلَةٌ تَسْأَلُكَ دِرْهَمًا فَأَعْطَيْتَهَا أَرْبَعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ! فَقَالَ: لَمَّا نَظَرْتُ إِلَى جَمَالِهَا خَشِيتُ أَنْ تَفْتِنَ فَتَقَعَ فِي الْمَعْصِيَةِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُغْنِيَهَا فَعَسَى أَنْ يَرْغَبَ فِيهَا أَحَدٌ فَيَتَزَوَّجَهَا وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أُهْدِيَ إِلَيْهِ بِرَأْسِ شَاةٍ فَقَالَ: أَخِي فُلَانٌ أَحْوَجُ مِنِّي فَبَعَثَ إِلَيْهِ فَقَالَ الَّذِي بُعِثَ إِلَيْهِ: إِنَّ فُلَانًا أَحْوَجُ مِنِّي فَبَعَثَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ حَتَّى تَدَاوَلَتْ سَبْعَةُ أَبْيَاتٍ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْأَوَّلِ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] ، وَيُقَالُ: إِنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ فِي شَأْنِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ أَنَّ رَجُلًا أَصْبَحَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا، فَلَمَّا أَمْسَى لَمْ يَجِدْ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْمَاءَ، فَشَرِبَ، ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا فَلَمَّا أَمْسَى لَمْ يَجِدْ مَا يُفْطِرُ عَلَيْهِ إِلَّا الْمَاءَ، فَشَرِبَ ثُمَّ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ أَجْهَدَهُ الْجُوعُ فَفَطِنَ بِهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا أَمْسَى أَتَى بِهِ مَنْزِلَهُ فَقَالَ لِأَهْلِهِ: قَدْ نَزَلَ بِنَا اللَّيْلَةَ ضَيْفٌ، فَهَلْ عِنْدَنَا طَعَامٌ؟ فَقَالَتْ: إِنَّ عِنْدَنَا مِنَ الطَّعَامِ مَا يُشْبِعُ الْوَاحِدَ وَكَانَا صَائِمَيْنِ، وَلَهُمَا صَبِيٌّ فَقَالَ لَهَا: إِنَّا نُطْعِمُ ذَلِكَ صَيْفَنَا وَنَصْبِرُ اللَّيْلَةَ، فَنَوِّمِي الصَّبِيَّ قَبْلَ وَقْتِ الْعَشَاءِ، وَإِذَا قَرَّبْتِ الطَّعَامَ فَأَطْفِئِي السِّرَاجَ حَتَّى يَرَى الضَّيْفُ أَنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ حَتَّى يَشْبَعَ فَجَاءَتْ بِثَرِيدَةٍ فَوَضَعَتْهَا، ثُمَّ دَنَتْ مِنَ السِّرَاجِ كَأَنَّهَا تُصْلِحُهُ فَأَطْفَأَتْهُ فَجَعَلَ الْأَنْصَارِيُّ يَضَعُ يَدَهُ فِي الْقَصْعَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا يَأْكُلُ شَيْئًا، فَأَكَلَ الضَّيْفُ حَتَّى أَتَى عَلَى مَا فِي الْقَصْعَةِ , فَلَمَّا أَصْبَحَ الْأَنْصَارِيُّ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْفَجْرَ فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ أَقْبَلَ عَلَى الْأَنْصَارِيِّ وَقَالَ: «لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ صَنِيعِكُمَا» يَعْنِي رَضِيَ بِهِ وَتَلَا هَذِهِ

стр. 294

الْآيَةَ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] ، يَعْنِي يُؤْثِرُونَ بِمَا عِنْدَهُمْ لِغَيْرِهِمْ وَيَمْنَعُونَ أَنْفُسَهُمْ وَإِنْ كَانَ بِهِمْ مَجَاعَةٌ. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، يَعْنِي مَنْ يَدْفَعِ الْبُخْلَ عَنْ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ النَّاجُونَ مِنْ عَذَابِهِ وَذُكِرَ عَنْ حَامِدٍ اللّفافِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَأَرْضَى مِنْكُمْ بِأَرْبَعَةٍ وَإِنْ كَانَ السَّلَفُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ. أَحَدُهَا: أَنْ تَهْتَمُّوا لِتَقْصِيرِ الْفَرِيضَةِ كَمَا كَانُوا يَهْتَمُّونَ لِتَكْثِيرِ الْفَضِيلَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ تَخَافُوا اللَّهَ فِي ذُنُوبِكُمْ أَنْ لَا تُغْفَرَ كَمَا كَانُوا يَخَافُونَ عَلَى الطَّاعَةِ أَنْ لَا تُقْبَلَ. وَالثَّالِثُ: أَنْ تَزْهَدُوا فِي الْحَرَامِ كَمَا كَانُوا يَزْهَدُونَ فِي الْحَلَالِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ تُؤْتُوا الشَّفَقَةَ وَالْمَعْرُوفَ إِلَى إِخْوَانِكُمْ وَأَصْدِقَائِكُمْ كَمَا كَانُوا يُؤْتُونَهُمَا إِلَى أَعْدَائِهِمْ

стр. 295

بَابُ: مَا تَدْفَعُ الصَّدَقَةُ عَنْ صَاحِبِهَا حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حِبَّانَ الْبُخَارِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْمُنَادِي الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَشْعَثَ الْحَرَّانِيِّ، عَنْ أَبِي الْفَرَجِ الْأَزْدِيِّ، " أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵉ مَرَّ بِقَرْيَةٍ، وَفِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ قَصَّارٌ، فَقَالَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ: يَا عِيسَى إِنَّ هَذَا الْقَصَّارَ يُمَزِّقُ عَلَيْنَا ثِيَابَنَا وَيَحْبِسُهَا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ لَا يَرُدَّهُ بِرِزْمَتِهِ. فَقَالَ عِيسَى ﵇: اللَّهُمَّ لَا تَرُدَّهُ بِرِزْمَتِهِ. قَالَ: فَذَهَبَ الْقَصَّارُ لِيُقَصِّرَ الثِّيَابَ، وَمَعَهُ ثَلَاثَةُ أَرْغِفَةٍ فَجَاءَهُ عَابِدٌ كَانَ يَتَعَبَّدُ فِي ذَلِكَ الْجَبَلِ، وَسَلَّمَ عَلَى الْقَصَّارِ وَقَالَ: هَلْ عِنْدَكَ خُبْزٌ تُطْعِمُنِي أَوْ تُرِينِي حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَأَشُمَّ رَائِحَتَهُ، فَإِنِّي لَمْ آكُلِ الْخُبْزَ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَأَطْعَمَهُ رَغِيفًا فَقَالَ: يَا قَصَّارُ غَفَرَ اللَّهُ ذَنْبَكَ وَطَهَّرَ قَلْبَكَ. فَأَعْطَاهُ الثَّانِي. فَقَالَ: يَا قَصَّارُ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: فَأَطْعَمَهُ الثَّالِثَ. فَقَالَ: يَا قَصَّارُ بَنَى اللَّهُ لَكَ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ، فَرَجَعَ الْقَصَّارُ مِنَ الْعَشِيِّ سَالِمًا. فَقَالَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ: يَا عِيسَى هَذَا الْقَصَّارُ قَدْ رَجَعَ. فَقَالَ: ادْعُوهُ. فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ: يَا قَصَّارُ، أَخْبِرْنِي بِمَا عَمِلْتَ الْيَوْمَ. فَقَالَ: أَتَانِي سَيَّارٌ مِنْ سَيَّارِ تِلْكَ الْجِبَالِ فَاسْتَطْعَمَنِي فَأَطْعَمْتُهُ ثَلَاثَةَ أَرْغِفَةٍ فَبِكُلِّ رَغِيفٍ أَطْعَمْتُهُ دَعَا لِيَ بِدَعَوَاتٍ. فَقَالَ عِيسَى ﵊: هَاتِ رِزْمَتِكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهَا فَأَعْطَاهُ فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا حَيَّةٌ سَوْدَاءُ مُلَجَّمَةٌ بِلِجَامٍ مِنْ حَدِيدٍ. فَقَالَ عِيسَى ﵇: يَا أَسْوَدُ. قَالَ: لَبَّيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ. قَالَ: أَلَسْتَ قَدْ بَعَثْتَ إِلَى هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ جَاءَ سَيَّارَةٌ مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ، فَاسْتَطْعَمَهُ فَبِكُلِّ رَغِيفٍ أَطْعَمَهُ دَعَا لَهُ بِدَعْوَةٍ، وَمَلَكٌ قَائِمٌ يَقُولُ:

стр. 296

آمِينَ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إليَّ مَلَكًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَأَلْجَمَنِي بِلِجَامٍ مِنْ حَدِيدٍ، فَقَالَ عِيسَى ﵇: يَا قَصَّارُ اسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ بِبَرَكَةِ صَدَقَتِكَ عَلَيْهِ " حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , قَالَ «خَرَجَتِ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَجَاءَ ذِئْبٌ فَاخْتَلَسَ مِنْهَا الصَّبِيَّ فَخَرَجَتْ فِي إِثْرِهِ، وَكَانَ مَعَهَا رَغِيفٌ فَعَرَضَ لَهَا سَائِلٌ فَأَطْعَمَتْهُ فَجَاءَ الذِّئْبُ بِصَبِيِّهَا حَتَّى رَدَّهُ عَلَيْهَا فَهَتَفَ هَاتِفٌ هَذِهِ لُقْمَةٌ بِلُقْمَةٍ» وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ متعبِ بْنِ سُمَيٍّ , قَالَ: " تَعَبَّدَ رَاهِبٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي صَوْمَعَةٍ سِتِّينَ سَنَةً، فَنَظَرَ يَوْمًا إِلَى بَعْضِ الصَّحَارِي، فَأَعْجَبَتْهُ الْأَرْضُ فَقَالَ: لَوْ نَزَلْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَمَشَيْتُ فِيهَا، وَنَظَرْتُ إِلَيْهَا، وَأَنْزَلَ مَعَهُ رَغِيفًا فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ فَكَشَفَتْ لَهُ فَافْتُتِنَ بِهَا فَلَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أَنْ وَاقَعَهَا، فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ وَجَاءَهُ السَّائِلُ فَأَعْطَاهُ الرَّغِيفَ، فَمَاتَ فَجِيءَ بِعَمَلِ السِّتِّينَ سَنَةً، فَوُضِعَ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَجِيءَ بِخَطِيئَتِهِ وَوُضِعَتْ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى، فَرَجَحَتْ خَطِيئَتُهُ بِعَمَلِ سِتِّينَ سَنَةً حَتَّى جِيءَ بِالرَّغِيفِ فَوُضِعَ مَعَ عَمَلِهِ، فَرَجَحَ بِخَطِيئَتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الشَّرِّ " وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا عَلَى الْأَرْضِ صَدَقَةٌ تَخْرُجُ حَتَّى يُفَكَّ عَنْهَا لِحْيُ سَبْعِينَ شَيْطَانًا كُلُّهُمْ يَنْهَاهُ عَنْهَا ٤٥٠ - وَعَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , أَنَّهَا كَانَتْ جَالِسَةً ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ جَاءَتْهَا امْرَأَةٌ سَتَرَتْ يَدَهَا فِي كُمِّهَا فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: مَا لَكِ لَا تُخْرِجِينَ يَدَكِ مِنْ كُمِّكِ قَالَتْ: لَا تَسْأَلِينِي يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا لَا بُدَّ لَكِ أَنْ تُخْبِرِينِي. فَقَالَتْ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ، فَكَانَ أَبِي يُحِبُّ الصَّدَقَةَ

стр. 297

وَأَمَّا أُمِّي فَكَانَتْ تُبْغِضُ الصَّدَقَةَ، فَلَمْ أَرَهَا تَصَدَّقَتْ بِشَيْءٍ إِلَّا قِطْعَةَ شَحْمٍ وَثَوْبًا خَلِقًا، فَلَمَّا مَاتَا رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ، كَأَنَّ الْقِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، وَرَأَيْتُ أُمِّي قَائِمَةً بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْخَلَقَةُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى عَوْرَتِهَا وَرَأَيْتُ الشَّحْمَةَ بِيَدِهَا، وَهِيَ تَلْحَسُهَا، وَتُنَادِي وَاعَطَشَاهُ، وَرَأَيْتُ أَبِي عَلَى شَفِيرِ الْحَوْضِ وَهُوَ يَسْقِي الْمَاءَ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَبِي صَدَقَةٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ سَقْيِهِ الْمَاءَ، فَأَخَذْتُ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ فَسَقَيْتُ أُمِّي فَنُودِيَ مِنْ فَوْقٍ: أَلَا مَنْ سَقَاهَا شُلَّتْ يَدُهُ فَاسْتَيْقَظْتُ وَقَدْ شُلَّتْ يَدِي وَذُكِرَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَانَ جَالِسًا ذَاتَ يَوْمٍ فَجَاءَ سَائِلٌ وَسَأَلَهُ شَيْئًا وَكَانَ عِنْدَهُ سَلَّةُ تَمْرٍ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: ائْتِينِي بِهَا فَأَخَذَهَا مَالِكٌ فَأَعْطَى نِصْفَهَا إِلَى السَّائِلِ، وَرَدَّ نِصْفَهَا إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مِثْلُكَ يُسَمَّى زَاهِدًا، هَلْ رَأَيْتَ أَحَدًا يَبْعَثُ إِلَى الْمَلِكِ هَدَّيَةً مُكَسَّرَةٌ؟ فَدَعَا مَالِكٌ بِالسَّائِلِ وَأَعْطَاهُ الْبَقِيَّةَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ لَهَا: يَا هَذِهِ اجْتَهِدِي ثُمَّ اجْتَهِدِي. فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ﴿٣٠﴾ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ﴿٣١﴾ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٠-٣٢] ، فَيُقَالُ: مِنْ أَيْنَ هَذِهِ الشِّدَّةُ؟ قَالَ: قَالَ: إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ. اعْلَمِي أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ قَدْ طَرَحْنَا مِنْ عُنُقِنَا نِصْفَهَا بِالْإِيمَانِ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَطْرَحَ النِّصْفَ الْآخَرَ بِالصَّدَقَةِ. قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ: " كَانَ أَعْرَابِيٌّ صَاحِبَ مَاشِيَةٍ، وَكَانَ قَلِيلَ الصَّدَقَةِ فَتَصَدَّقَ بِغَرِيضٍ مِنْ غَنَمِهِ، يَعْنِي بِسَخْلَةٍ مَهْزُولَةٍ، فَرَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّهَا أَقْبَلَتْ عَلَيْهِ غَنَمُهُ كُلُّهَا تَنْطَحُهُ، فَجَعَلَ الْغَرِيضَ يُحَامِي عَنْهُ، فَلَمَّا انْتَبَهَ قَالَ: وَاللَّهِ لَئِنِ اسْتَطَعْتُ لَأَجْعَلَنَّ أَتْبَاعَكَ كَثِيرَةً. قَالَ: وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يُعْطِي وَيُقْسِمُ ". ٤٥١ - وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا مَا قَدَّمَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ شِمَالًا مِنْهُ فَلَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا مَا قَدَّمَهُ ثُمَّ يَنْظُرُ أَمَامَهُ فَلَا يَرَى شَيْئًا إِلَّا النَّارَ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ»

стр. 298

قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يُقَالُ: عَشْرُ خِصَالٍ تُبْلِغُ مَنْزِلَةَ الْأَخْيَارِ، وَيُنَالُ بِهَا الدَّرَجَاتُ. أَوَّلُهَا: كَثْرَةُ الصَّدَقَةِ. وَالثَّانِي: كَثْرَةُ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ. وَالثَّالِثُ: الْجُلُوسُ مَعَ مَنْ يُذَكِّرُهُ بِالْآخِرَةِ، وَيُزَهِّدُهُ فِي الدُّنْيَا. وَالرَّابِعُ: صِلَةُ الرَّحِمِ. وَالْخَامِسُ: عِيَادَةُ الْمَرِيضِ. وَالسَّادِسُ: قِلَّةُ مُخَالَطَةِ الْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ شَغَلَهُمْ غِنَاهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ. وَالسَّابِعُ: كَثْرَةُ التَّفَكُّرِ فِي مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ غَدًا. وَالثَّامِنُ: قِصَرُ الْأَمَلِ، وَكَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ. وَالتَّاسِعُ: لُزُومُ الصَّمْتِ، وَقِلَّةُ الْكَلَامِ. وَالْعَاشِرُ: التَّوَاضُعُ وَلُبْسُ الدُّونِ وَحُبُّ الْفُقَرَاءِ وَالْمُخَالَطَةُ مَعَهُمْ وَقُرْبُ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَمَسْحُ رُءُوسِهِمْ. وَيُقَالُ: سَبْعُ خِصَالٍ تُرَبِّي الصَّدَقَةَ وَتُعَظِّمُهَا. أَوَّلُهَا: إِخْرَاجُهَا مِنْ حَلَالٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ، وَالثَّانِي: إِعْطَاؤُهَا مِنْ جَهْدٍ مُقِلٍّ، يَعْنِي يُعْطِي مِنْ مَالٍ قَلِيلٍ. وَالثَّالِثُ: تَعْجِيلُهَا مَخَافَةَ الْفَوْتِ، وَالرَّابِعُ: تَصْفِيَتُهَا مَخَافَةَ الْبُخْلِ. يَعْنِي يُعْطِيهَا مِنْ أَحْسَنِ أَمْوَالِهِ وَلَا يُعْيطِهَا مِنَ الرَّدِيءِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ، ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ، يَعْنِي لَا تَأْخُذُونَهُ يَعْنِي الرَّدِيءَ إِذَا كَانَ عَلَى الْآخَرِ لَكُمْ قَرْضٌ. ﴿إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ، أَيْ تُسَامِحُوا وَتُسَاهِلُوا فِيهِ. وَالْخَامِسُ: يُعْطِيهَا فِي السِّرِّ مَخَافَةَ الرِّيَاءِ وَالسَّادِسُ: بَعْدَ الْمَنِّ عَنْهَا مَخَافَةَ إِبْطَالِ الْأَجْرِ. وَالسَّابِعُ: كَفُّ الْأَذَى عَنْ صَاحِبِهَا، مَخَافَةَ الْإِثْمِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

стр. 299

بَابُ: فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ ٤٥٢ - حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الْإِسْكَافِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عِصَامٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْغَزِّيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ الدَّوْسِيِّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ , يَقُولُ: " إِنَّ الْجَنَّةَ لَتُبَخَّرُ وَتُزَيَّنُ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ لِدُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، يُقَالُ لَهَا الْمُثِيرَةُ فَتُصَفِّقُ وَرَقَ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ وَحِلَقَ الْمَصَارِيعِ، فَيُسْمَعُ لِذَلِكَ طَنِينٌ لَمْ يَسْمَعِ السَّامِعُونَ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَتَبْرُزُ الْحُورُ الْعِينُ حَتَّى يَقُمْنَ عَلَى شُرَفِ الْجَنَّةِ، فَيُنَادِينَ هَلْ مِنْ خَاطِبٍ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَيُزَوِّجَهُ اللَّهُ مِنَّا، ثُمَّ يَقُلْنَ: يَا رَضْوَانُ مَا هَذِهِ اللَّيْلَةُ؟ فَيُجِيبُهُنَّ بِالتَّلْبِيَةِ، فَيَقُولُ: يَا خَيْرَاتِ حِسَانٍ هَذِهِ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَيَقُولُ اللَّهُ: يَا رَضْوَانُ، افْتَحْ أَبْوَابَ الْجِنَانِ لِلصَّائِمِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيَقُولُ: يَا مَالِكُ أَغْلِقْ أَبْوَابَ الْجَحِيمِ عَنِ الصَّائِمِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيَقُولُ: يَا جِبْرِيلُ اهْبِطْ إِلَى الْأَرْضِ فَصَفِّدْ مَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ وَغُلَّهُمْ بِالْأَغْلَالِ، ثُمَّ اقْذِفْهُمْ فِي لُجَجِ الْبِحَارِ حَتَّى لَا يُفْسِدُوا عَلَى أُمَّةِ حَبِيبِي مُحَمَّدٍ صِيَامَهُمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: هَلْ مِنْ سَائِلٍ، فَأُعْطِيَهُ سُؤْلَهُ، هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ، هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ ثُمَّ يُنَادِي: مَنْ يُقْرِضُ الْمَلِيَّ غَيْرَ الْعَدُومِ فِي الْوَفِيِّ غَيْرِ الظَّلُومِ، وَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ أَلْفَ أَلْفَ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا الْعَذَابِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمْعَةِ وَلَيْلَةُ الْجُمْعَةِ أَعْتَقَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ مِنَّا أَلْفَ أَلْفَ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ، كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا الْعَذَابَ، فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ

стр. 300

شَهْرِ رَمَضَانَ أَعْتَقَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِعَدَدِ مَنْ أَعْتَقَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ إِلَى آخِرِهِ، فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ يَأْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ فَيَهْبِطُ فِي كَبْكَبَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْأَرْضِ وَمَعَهُ لِوَاءٌ أَخْضَرُ فَيُرَكِّزُهُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وَلَهُ سِتُّ مِائَةُ جَنَاحٍ مِنْهَا جَنَاحَانِ لَا يَنْشُرُهُمَا إِلَّا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَيَنْشُرُهُمَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَيُجَاوِزَانِ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ، فَيَبْعَثُ جِبْرِيلُ الْمَلَائِكَةَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَيُسَلِّمُونَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ وَمُصَلٍّ وَذَاكِرٍ، وَيُصَافِحُونَهُمْ وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَائِهِمْ، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ نَادَى جِبْرِيلُ ﵇ يَا مَعْشَرَ الْمَلَائِكَةِ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، فَيَقُولُونَ: يَا جِبْرِيلُ مَا صَنَعَ اللَّهُ فِي حَوَائِجِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَظَرَ إِلَيْهِمْ، وَعَفَا عَنْهُمْ وَغَفَرَ لَهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةً، فَقَالُوا: مَنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ؟ قَالَ: مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَعَاقٌّ لِوَالِدَيْهِ، وَقَاطِعُ الرَّحِمِ، وَمُشَاحِنٌ ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَنِ الْمُشَاحِنُ؟ قَالَ: «هُوَ الْمُصَارِمُ» . يَعْنِي الَّذِي لَا يُكَلِّمُ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. فَإِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ الْفِطْرِ سُمِّيَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ الْجَائِزَةِ فَإِذَا كَانَتْ غَدَاةَ الْفِطْرِ يُبْعَثُ الْمَلَائِكَةُ فِي كُلِّ الْبِلَادِ، فَيَهْبِطُونَ إِلَى الْأَرْضِ، فَيَقُومُونَ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، فَيُنَادُونَ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ جَمِيعُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، فَيَقُولُونَ: يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ: اخْرُجُوا إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ يُعْطِي الْجَزِيلَ، وَيَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ فَإِذَا بَرَزُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ يَقُولُ اللَّهُ ﷻ لِمَلَائِكَتِهِ يَا مَلَائِكَتِي: مَا جَزَاءُ الْأَجِيرِ إِذَا عَمِلَ عَمَلَهُ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: إِلَهَنَا وَسَيِّدَنَا جَزَاؤُهُ أَنْ تُوَفِّيَهُ أَجْرَهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ جَعَلْتُ ثَوَابَهُمْ فِي صِيَامِهِمْ، وَقِيَامِهِمْ رِضَائِي وَمَغْفِرَتِي فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي سَلُونِي، فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا تَسْأَلُونِي الْيَوْمَ لِدِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ إِلَّا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ ٤٥٣ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ أَبِي هِشَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "

стр. 301

أُعْطِيَتْ أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسَ خِصَالٍ، لَمْ تُعْطَ أُمَّةٌ قَبْلَهَا: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا، وَتُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلَا يَخْلُصُونَ فِيهِ إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ فِي غَيْرِهِ، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ، وَيَقُولُ لَهَا: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ تُلْقَى عَنْهُمُ الْمُؤْنَةُ وَالْأَذَى، وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ، وَيَغْفِرُ لَهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ ". قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: «لَا وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ» ٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قُلَابَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ وَيَقُولُ: «قَدْ جَاءَكُمْ شَهْرُ رَمَضَانَ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ قَدِ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ» . ٤٥٥ - وَرُوِيَ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ , قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ: مِنْ رَمَضَانَ إِلَى رَمَضَانَ، وَالْحَجِّ إِلَى الْحَجِّ، وَالْجُمْعَةِ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَالصَّلَاةِ إِلَى الصَّلَاةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ: مَرْحَبًا بِمُطَهِّرِنَا، فَرَمَضَانُ خَيْرٌ كُلَّهُ صِيَامُ نَهَارِهِ وَقِيَامُ لَيْلِهِ، وَالنَّفَقَةُ فِيهِ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ٤٥٦ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ

стр. 302

صَامَ رَمَضَانَ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» ٤٥٧ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «كُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا ابْنُ آدَمَ تُضَاعَفُ لَهُ مِنْ عَشْرَةٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ الْإِفْطَارِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ٤٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَهْبُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ، حَدَّثَنَا إِيَاسٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، شَهْرٌ فَرَضَ اللَّهُ صِيَامَهُ، وَجَعَلَ قِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، فَمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَهُوَ شَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ لَهُ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَمَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ» . قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ كُلُّنَا يَجِدُ مَا يُفَطِّرُ بِهِ الصَّائِمَ. قَالَ: «يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ لِمَنْ يُفَطِّرُ صَائِمًا عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ، أَوْ تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ، وَسَقَاهُ رَبُّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَكَانَ لَهُ مِثْلَ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلَهُ رَحْمَةٌ وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ أَعْتَقَهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ» حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَرَّاءُ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ صَامَ رَمَضَانَ فِي إِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ، وَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَأَحَلَّ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، وَلَمْ يَرْتَكِبْ فِيهِ

стр. 303

فَاحِشَةً إِلَّا انْسَلَخَ مِنْ رَمَضَانَ يَوْمَ يَنْسَلِخُ، إِلَّا وَقَدْ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا وَيُبْنَى لَهُ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ وَتَهْلِيلَةٍ، بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، فِي جَوْفِهَا يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، فِي جَوْفِ تِلْكَ الْيَاقُوتَةِ خَيْمَةٌ مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ، فِيهَا زَوْجَةٌ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، عَلَيْهَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ مُوَشَّحٍ بِيَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ تُضِيءُ لَهَا الْأَرْضُ» ٤٥٩ - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «وَقَدْ دَنَا شَهْرُ رَمَضَانَ لَوْ يَعْلَمُ الْعِبَادُ مَا فِي رَمَضَانَ لَتَمَنَّتْ أُمَّتِي أَنْ يَكُونَ سَنَةً» . فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا فِيهِ، قَالَ: " إِنَّ الْجَنَّةَ لَتُزَيَّنُ لِرَمَضَانَ مِنَ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ، فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ، فَصَفَّقَتْ وَرَقَ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ، فَتَنْظُرُ الْحُورُ إِلَى ذَلِكَ، وَيَقُلْنَ يَا رَبُّ اجْعَلْ لَنَا فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنْ عِبَادِكَ أَزْوَاجًا تَقَرُّ أَعْيُنُنَا بِهِمْ، وَتَقَرُّ أَعْيُنُهُمْ بِنَا، فَمَا مِنْ عَبْدٍ صَامَ رَمَضَانَ إِلَّا زُوِّجَ زَوْجَتَيْنِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فِي خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ، مِمَّا نَعَتَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ سَبْعُونَ حُلَّةً لَيْسَ فِيهَا حُلَّةٌ عَلَى لَوْنِ الْأُخْرَى، وَيُعْطَى سَبْعِينَ لَوْنًا مِنَ الطِّيبِ وَكُلُّ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ عَلَى سَرِيرٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ مَنْسُوجَةٍ بِالدُّرِّ عَلَى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِرَاشًا بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ، لِكُلِّ امْرَأَةٍ سَبْعُونَ وَصِيفَةٍ هَذَا بِكُلِّ يَوْمٍ صَامَهُ مِنْ رَمَضَانَ سِوَى مَا عَمِلَ مِنَ الْحَسَنَاتِ ". ٤٦٠ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رَجَبُ شَهْرُ أُمَّتِي، وَفَضْلُهُ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ كَفَضْلِ أُمَّتِي عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ، وَشَعْبَانُ شَهْرِي، وَفَضْلُهُ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ كَفَضْلِي عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَرَمَضَانُ شَهْرُ اللَّهِ، وَفَضْلُهُ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ» ٤٦١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ، وَإِذَا النَّاسُ يَتَلَاحَوْنَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «جِئْتُ وَأَنَا

стр. 304

أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ غَيْرَ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ تَتَّكِلُوا عَلَيْهَا، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا، فَاطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ فِي تِسْعٍ بَقَيْنَ، وَفِي سَبْعٍ بَقَيْنَ، وَفِي خَمْسٍ بَقَيْنَ، وَفِي ثَلَاثٍ بَقَيْنَ، وَفِي آخِرِ لَيْلَةٍ تَبْقَى. وَمِنْ أَمَارَتِهَا أَنَّهَا لَيْلَةٌ بَلِجَةٌ سَمْحَةٌ لَا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فِي صَبِيحَتِهَا لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ مَنْ قَامَهَا إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ ذَنْبٍ» قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَدِ اشْتَرَطَ النَّبِيُّ ﷺ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ الْإِيمَانَ وَالِاحْتِسَابَ، وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ بِمَا وَعَدَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ، وَالِاحْتِسَابُ أَنْ يَكُونَ مُقْبِلًا عَلَيْهِ، خَاشِعًا لِلَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ أَنْ يَنَالَ الثَّوَابَ وَالْفَضَائِلَ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَ حُرْمَةَ الشَّهْرِ، وَيَحْفَظَ فِيهِ لِسَانَهُ مِنَ الْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ، وَالْفُضُولِ، وَيَحْفَظَ جَوَارِحَهُ عَنِ الْخَطَايَا، وَالزَّلَلِ، وَيَحْفَظَ قَلْبَهُ عَنِ الْحَسَدِ، وَعَدَاوَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ خَائِفًا أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ مِنْهُ أَوْ لَا يَقْبَلُ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِلَهِي قَدْ ضَمِنْتَ لِصَاحِبِ الْمُصِيبَةِ فِي الدُّنْيَا الْأَجْرَ، وَفِي الْآخِرَةِ الثَّوَابَ، إِلَهِي إِنْ رَدَدْتَ عَلَيْنَا هَذَا الصَّوْمَ فَلَا تَحْرِمْنَا أَجْرَ الْمُصِيبَةِ يَا مَعْرُوفًا بِالْمَعْرُوفِ ٤٦٢ - وَرَوَى أَبُوَ ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ قَامَ وَصَلَّى حَتَّى مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ خَرَجَ إِلَيْنَا وَصَلَّى بِنَا حَتَّى مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ فَقُلْنَا: لَوْ نَفَّلْتَنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ. فَقَالَ: «إِنَّهُ مَنْ خَرَجَ وَقَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» . ثُمَّ لَمْ يُصَلِّ بِنَا فِي اللَّيْلَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ قَامَ وَجَمَعَ أَهْلَهُ وَصَلَّى بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ قُلْنَا: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: «السَّحُورُ» ٤٦٣ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ فِي أَوَّلِ جَوْفِ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ، وَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، وَصَلَّى النَّاسُ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ

стр. 305

يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، وَكَثُرَ النَّاسُ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ، فَصَلَّى وَصَلُّوا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ كَثُرَ النَّاسُ حَتَّى عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا صَلَّى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ: «إِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُعْزَمَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ، فَتَعْجَزُوا عَنْ ذَلِكَ» . ٤٦٤ - قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُرَغِّبُهُمْ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، حَتَّى جَمَعَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا ٤٦٥ - قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَحَدَّثَنِي أَبِي , بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا أَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ هَذِهِ التَّرَاوِيحَ مِنْ حَدِيثٍ سَمِعَهُ مِنِّي» . قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حَوْلَ الْعَرْشِ مَوْضِعًا يُسَمَّى حَظِيرَةُ الْقُدْسِ، وَهُوَ مِنَ النُّورِ فِيهَا مَلَائِكَةٌ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى يَعْبُدُونَ اللَّهَ ، عِبَادَةً لَا يَفْتُرُونَ سَاعَةً، فَإِذَا كَانَ لَيَالِي شَهْرِ رَمَضَانَ اسْتَأْذَنُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا إِلَى الْأَرْضِ، فَيُصَلُّونَ مَعَ بَنِي آدَمَ، فَيَنْزِلُونَ كُلَّ لَيْلَةٍ الْأَرْضَ فَكُلُّ مَنْ مَسَّهُمْ أَوْ مَسُّوهُ سَعِدَ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا» . فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: عِنْدَ ذَلِكَ نَحْنُ أَحَقُّ بِهَذَا فَجَمَعَ النَّاسَ لِلتَّرَاوِيحَ وَنَصَبَهَا وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ خَرَجَ فِي لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَسَمِعَ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَأَى الْقَنَادِيلَ تَظْهَرُ فِي الْمَسَاجِدِ فَقَالَ: نَوَّرَ اللَّهُ قَبْرَ عُمَرَ كَمَا نَوَّرَ مَسَاجِدَنَا بِالْقُرْآنِ. وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ هَكَذَا ﵃ أَجْمَعِينَ

стр. 306

بَابُ: فَضْلِ أَيَّامِ الْعَشْرِ ٤٦٦ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» . يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» ٤٦٧ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا بْنُ عُقَيْلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدِ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مَرْزُوقٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ وَأَفْضَلَ مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ» . قِيلَ: وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا مِثْلُهُنَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ عَقَرَ جَوَادَهُ وَعَفَّرَ وَجْهَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «عَقَرَ جَوَادَهُ وَأَهْرَقَ دَمَهُ» ٤٦٨ - قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّ شَابًّا كَانَ صَاحِبَ سَمَاعٍ، وَكَانَ إِذَا أَهَلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ أَصْبَحَ صَائِمًا فَارْتَفَعَ الْحَدِيثُ إِلَى

стр. 307

النَّبِيِّ ﷺ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَدَعَاهُ فَقَالَ: «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى صِيَامِ هَذِهِ الْأَيَّامِ؟» قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا أَيَّامُ الْمَشَاعِرِ وَأَيَّامُ الْحَجِّ عَسَى أَنْ يُشْرِكَنِي فِي دُعَائِهِمْ. قَالَ: «فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ يَوْمٍ تَصُومُهُ عَدْلَ رَقَبَةٍ، وَمِائَةِ بَدَنَةٍ، وَمِائَةِ فَرَسٍ تَحْمِلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، فَلَكَ فِيهَا عِدْلُ أَلْفِ رَقَبَةٍ، وَأَلْفِ بَدَنَةٍ، وَأَلْفِ فَرَسٍ تَحْمِلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ فَلَكَ بِهَا عِدْلُ أَلْفَيْ رَقَبَةٍ، وَأَلْفَيْ بَدَنَةٍ، وَأَلْفَيْ فَرَسٍ تَحْمِلُ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ صِيَامُ سَنَتَيْنِ سَنَةٍ قَبْلَهَا وَسَنَةٍ بَعْدَهَا» . ٤٦٩ - وَرُوِيَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ قَالَ ﷺ : «يُعْدَلُ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ بِصَوْمِ سَنَتَيْنِ، وَيُعْدَلُ صَوْمُ عَاشُورَاءَ بِصَوْمِ سَنَةٍ» . وَقَالَ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] ، إِنَّهَا عَشْرٌ مِنْ أَوَّلِ ذِي الْحِجَّةِ ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] ، وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ وَكَتَبَ لَهُ الْأَلْوَاحَ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ. ٤٧٠ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِصَوْمِ أَيَّامِ الْعَشْرِ، وَإِكْثَارِ الدُّعَاءِ، وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالصَّدَقَةِ فِيهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ: «الْوَيْلُ لِمَنْ حُرِمَ خَيْرَ أَيَّامِ الْعَشْرِ» . عَلَيْكُمْ بِصَوْمِ التَّاسِعِ خَاصَّةً، فَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْخَيْرَاتِ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُحْصِيَهَا الْعَادُّونَ حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: " بَلَغَنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَهْدَى إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ خَمْسَ دَعَوَاتٍ جَاءَ بِهِنَّ جِبْرِيلُ ﵇ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ. أَوَّلُهُنَّ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

стр. 308

وَالثَّانِي: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَهًا وَاحِدًا أَحَدًا صَمَدًا لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. وَالرَّابِعُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَالْخَامِسُ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَكَفَى، سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ دَعَا، لَيْسَ وَرَاءَ اللَّهِ مُنْتَهَى ". وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ أُنْزِلَتْ فِي الْإِنْجِيلِ. وَأَنَّ الْحَوَارِيِّينَ سَأَلُوا عِيسَى ﵇ عَنْ فَضْلِ هَذِهِ الدَّعَوَاتِ فَذَكَرَ لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ وَالْفَضِيلَةِ لِمَنْ قَرَأَهَا فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى وَصْفِهِ أَحَدٌ. قَالَ أَبُو النَّصْرِ هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنِي رَجُلٌ أَنَّهُ دَعَا بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ فِي بَيْتِهِ خَمْسَ طَبَقَاتٍ مِنْ نُورٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ٤٧١ - رَوَى مُجَاهِدُ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ وَلَا أَحَبَّ إِلَيْهِ فِيهِنَّ مِنَ الْعَمَلِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهَا التَّكْبِيرَ وَالتَّحْمِيدَ وَالتَّهْلِيلَ» وَرَوَى نَافِعٌ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ فِي جَمِيعِ أَيَّامِ الْعَشْرِ عَلَى فِرَاشِهِ وَمَجْلِسِهِ، وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يُكَبِّرُ فِي الْعَشْرِ، فِي الطَّرِيقِ وَفِي الْأَسْوَاقِ وَرَوَى جَرِيرُ بْنُ يَزِيدَ , عَنْ أَبِي زِيَادٍ , قَالَ: كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَمَنْ رَأَيْنَا مِنْ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْعِيدِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ يَقُولُونَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ: رَأَيْتُ ثَابِتًا الْبُنَانِيَّ يَقْطَعُ حَدِيثَهُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ، يَعْنِي

стр. 309

فِي مَجْلِسِ الذِّكْرِ، ثُمّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَقَالَ: إِنَّهَا أَيَّامُ الذِّكْرِ، هَكَذَا كَانَ النَّاسُ يَصْنَعُونَ فَقَالَ جَعْفَرُ: رَأَيْتُ مَالِكَ بْنَ دِينَارٍ يَفْعَلُ هَكَذَا وَرَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ , عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ , قَالَ: سَأَلْتُ النَّخَعِيَّ عَنِ التَّكْبِيرِ فِي الطَّرِيقِ أَيَّامَ الْعَشْرِ، قَالَ: «إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْحَوَّاكُونَ» وَعَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ , قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنِ التَّكْبِيرِ فِي الطَّرِيقِ أَيَّامَ الْعَشْرِ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْحَاكَةُ. مَنْ كَبَّرَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ فِي نَفْسِهِ كَانَ أَفْضَلَ، وَلَوْ أَنَّهُ كَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ، وَأَرَادَ بِهِ إِظْهَارَ الشَّرِيعَةِ، وَأَنْ يُذَكِّرَ النَّاسَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَدْ جَاءَ الْأَثَرُ فِي ذَلِكَ ٤٧٢ - وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اخْتَارَ مِنَ الْأَيَّامِ أَرْبَعَةً، وَمِنَ الشُّهُورِ أَرْبَعَةً، وَمِنَ النِّسَاءِ أَرْبَعَةً، وَأَرْبَعَةً يَسْبِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَرْبَعَةٌ اشْتَاقَتْ إِلَيْهِمُ الْجَنَّةُ» أَمَّا الْأَيَّامُ: فَأَوَّلُهَا: يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهَا سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. وَالثَّانِي: يَوْمُ عَرَفَةَ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ يُبَاهِي اللَّهُ تَعَالَى مَلَائِكَتَهُ، فَيَقُولُ يَا مَلَائِكَتِي انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي جَاءُوا شُعْثًا غُبْرًا قَدْ أَنْفَقُوا الْأَمْوَالَ، وَأَتْعَبُوا الْأَبْدَانَ، اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ. وَالثَّالِثُ: يَوْمُ النَّحْرِ فَإِذَا كَانَ النَّحْرُ، وَقَرَّبَ الْعَبْدُ قُرْبَانَهُ، فَأَوَّلُ قَطْرَةٍ مِنَ الْقُرْبَانِ تَكُونُ كَفَّارةً لِكُلِّ ذَنْبٍ عَمِلَهُ الْعَبْدُ، وَالرَّابِعُ: يَوْمُ الْفِطْرِ فَإِذَا صَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَخَرَجُوا إِلَى عِيدِهِمْ يَقُولُ اللَّهُ ﵎ لِمَلَائِكَتِهِ: إِنَّ كُلَّ عَامِلٍ يَطْلُبُ أَجْرَهُ وَعِبَادِي صَامُوا شَهْرَهُمْ، وَخَرَجُوا مِنْ عِيدِهِمْ يَطْلُبُونَ أَجْرَهُمْ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَيُنَادِي الْمُنَادِي يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ارْجِعُوا فَقَدْ بَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ.

стр. 310

وَأَمَّا الشُّهُورُ فَشَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ رَجَبٌ، وَثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ. وَأَمَّا النِّسَاءُ: فَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ سَابِقَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَأَمَّا السَّابِقُونَ فَلِكُلِّ قَوْمٍ سَابِقٌ إِلَى الْجَنَّةِ فَمُحَمَّدٌ ﷺ سَابِقُ الْعَرَبِ، وَسَلْمَانُ سَابِقُ فَارِسٍ، وَصُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّومِ، وَبِلَالٌ سَابِقُ الْحَبَشَةِ، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ الَّتِي اشْتَاقَتْ إِلَيْهِمُ الْجَنَّةُ، فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَسَلْمَانُ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرَ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ. ٤٧٣ - وَرُوِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , أَنّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: «قُومِي إِلَى أُضْحِيَتِكِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْفَعُ عَنْكِ ذُنُوبَكِ عِنْدَ أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهَا» . يَعْنِي أَوَّلَ قَطْرَةٌ. قَالَ عِمْرَانُ بْنُ الْحُصَيْنِ: أَخَاصَّةٌ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِكَ أَوْ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: «بَلْ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ» ٤٧٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ضَحُّوا وَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا، فَإِنَّهُ مَنْ أَخَذَ أُضْحِيَتَهُ يَوْمَ حَلِّهَا فَاسْتَقْبَلَ بِهَا الْقِبْلَةَ كَانَ قَرْنُهَا وَفَرْثُهَا وَدَمُهَا وَشَعْرُهَا وَصُوفُهَا وَوَبَرُهَا مَحْضُورَاتٍ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الدَّمَ إِذَا وَقَعَ فِي التُّرَابِ فَإِنَّمَا يَقَعُ فِي حِرْزِ اللَّهِ، أَنْفِقُوا يَسِيرًا تُؤْجَرُوا كَثِيرًا»

стр. 311

بَابُ: فَضْلِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ ٤٧٥ - حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ السَّرْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ حَاتِمَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ جُنْدُبَ، عَنْ حَامِدِ بْنِ آدَمَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ثَوَابَ عَشْرَةِ آلافِ مَلَكٍ، وَمَنْ صَامَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمِ أُعْطِيَ ثَوَابَ عَشْرَةِ آلَافِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ وَعَشْرَةِ آلافِ شَهِيدٍ، وَمَنْ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ يَوْمَ عَاشُورَاءَ رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً، وَمَنْ فَطَّرَ مُؤْمِنًا لَيْلَةَ عَاشُورَاءَ فَكَأَنَّمَا أَفْطَرَ عِنْدَهُ جَمِيعُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﵊، وَأَشْبَعَ بُطُونَهُمْ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ عَلَى سَائِرِ الْأَيَّامِ. قَالَ: «نَعَمْ. خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرَضِينَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَلَقَ الْبَحْرَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَلَقَ اللَّوْحَ وَالْقَلَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَلَقَ آدَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَلَقَ حَوَّاءَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَلَقَ الْجَنَّةَ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَوُلِدَ إِبْرَاهِيمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَنَجَّاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَقَدْ أُمِرَ بِالذَّبْحِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَفَدَى وَلَدَهُ مِنَ الذَّبْحِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَكَشَفَ الْبَلَاءَ عَنْ أَيُّوبَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَتَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَغَفَرَ ذَنْبَ دَاوُدَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَرَدَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَوُلِدَ عِيسَى فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَرَفَعَ اللَّهُ

стр. 312

إِدْرِيسَ وَعِيسَى يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَوُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَيَوْمُ الْقِيَامَةِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْمُسَيِّبُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: «يَوْمُ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي تِيبَ فِيهِ عَلَى آدَمَ , وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أُهْبِطَ فِيهِ نُوحُ مِنَ السَّفِينَةِ فَصَامَهُ شُكْرًا، وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وَفُلِقَ الْبَحْرُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، فَصَامُوهُ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَفُوتَكَ صَوْمُهُ فَافْعَلْ» ٤٧٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ مَيْسَرَةَ , قَالَ: " بَلَغَنَا أَنَّ مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ السَّنَةِ. قَالَ سُفْيَانُ: جَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ ٤٧٧ - وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَسَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ أَظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى قَوْمِ فِرْعَوْنَ، فَنَحْنُ نَصُومُهُ تَعْظِيمًا لَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ فَأَمَرَ بِصَوْمِهِ» قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَدِ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْيَوْمِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا سُمِّيَ عَاشُورَاءُ لِأَنَّهُ عَاشِرُ يَوْمٍ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ فِيهِ عَشْرَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، بِعَشْرِ كَرَامَاتٍ تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَرَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى إِدْرِيسَ مَكَانًا عَلِيًّا فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَاسْتَوَتْ سَفِينَةُ نُوحٍ عَلَى الْجُودِيِّ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَوُلِدَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ فِي يَوْمِ

стр. 313

عَاشُورَاءَ، وَاتَّخَذَهُ خَلِيلًا وَأَنْجَاهُ مِنَ النَّارِ كَذَلِكَ، وَتَابَ اللَّهُ عَلَى دَاوُدَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَرَفَعَ اللَّهُ عِيسَى يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَنْجَى اللَّهُ مُوسَى مِنَ الْبَحْرِ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَأَخْرَجَ يُونُسَ مِنْ بَطْنِ الْحُوتِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَرَدَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَوُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا سُمِّيَ عَاشُورَاءَ لِأَنَّهُ عَاشِرُ عَشْرِ كَرَامَاتٍ، أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةَ. أَوَّلُهَا: شَهْرُ رَجَبٍ وَهُوَ شَهْرُ اللَّهِ الْأَصَمُّ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كَرَامَةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَفَضَّلَهُ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ، كَفَضْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ. وَالثَّانِي: شَهْرُ شَعْبَانَ، وَفَضْلُهُ عَلَى سَائِرِ الشُّهُورِ كَفَضْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَالثَّالِثُ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. وَالْخَامِسُ: يَوْمُ الْفِطْرِ وَهُوَ يَوْمُ الْجَزَاءُ. وَالسَّادِسُ: أَيَّامُ الْعَشْرِ وَهِيَ أَيَّامُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالسَّابِعُ: يَوْمُ عَرَفَةَ وَصَوْمُهُ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ. وَالثَّامِنُ: يَوْمُ النَّحْرِ وَهُوَ يَوْمُ الْقُرْبَانِ. وَالتَّاسِعُ: يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَهُوَ سَيِّدُ الْأَيَّامِ. وَالْعَاشِرُ: يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَصَوْمُهُ كَفَّارَةُ سَنَةٍ، فَلِكُلِّ وَقْتٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كَرَامَاتٌ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِهَذِهِ الْأُمَّةِ لِتَكْفِيرِ ذُنُوبِهِمْ، وَتَطْهِيرِ خَطَايَاهُمْ. ٤٧٨ - وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَصُومُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فُرِضَ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُ بِصَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ» .

стр. 314

وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , قَالَتْ: يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمُ التَّاسِعِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَوْمُ الْحَادِي عَشَرَ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يَوْمُ الْعَاشِرِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

стр. 315

بَابُ: فَضْلِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَصَوْمِ الْأَيَّامِ الْبِيضِ ٤٧٩ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْمَرِيِّ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَهُ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ إِلا أَنَّهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " الْأَعْمَالُ خَمْسَةٌ: فَعَمَلٌ بِمِثْلِهِ، وَعَمَلٌ مُوجِبٌ وَعَمَلٌ بِعَشْرَةٍ، وَعَمَلٌ بِسُبْعُ مِائَةٍ وَعَمَلٌ لَا يَعْلَمُ ثَوَابَ عَامِلِهِ إِلَّا اللَّهُ. فَأَمَّا الْعَمَلُ الَّذِي بِمِثْلِهِ، فَالرَّجُلُ يَعْمَلُ سَيِّئَةً يُكْتَبُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ وَرَجُلٌ يَهُمُّ بِحَسَنَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا فَيُكْتَبْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَالْعَمَلُ الْمُوجِبُ مَنْ لَقِيَ اللَّهِ لَا يَعْبُدُ إِلَّا هُوَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ يَعْبُدُ غَيْرَهُ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، وَالْعَمَلُ الَّذِي بِعَشْرَةٍ مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً فَيُكْتَبُ لَهُ عَشْرَةٌ، وَالْعَمَلُ الَّذِي بِسُبْعُ مِائَةٍ مَنْ عَمِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يُنْفِقُ فِي ذَلِكَ فَيُكْتَبُ لَهُ سَبْعُ مِائَةٍ وَالْعَمَلُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ ثَوَابَ عَامِلِهِ إِلَّا اللَّهُ فَهُوَ الصَّوْمُ " ٤٨٠ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو صَدَقَةَ الْيَمَانِيُّ قَالَ: دَخَلَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ، فَقَالَ: «يَا بِلَالُ الطَّعَامَ الطَّعَامَ» . فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي صَائِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ

стр. 316

اللَّهِ ﷺ : " نَأْكُلُ أَرْزَاقَنَا وَرِزْقُ بِلَالٍ فِي الْجَنَّةِ، إِنَّ الصَّائِمَ إِذَا كَانَ عِنْدَ قَوْمٍ يَأْكُلُونَ تُسَبِّحُ أَعْضَاؤُهُ وَتُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ " حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، عَنْ وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ , قَالَ: أَخْبَرَنِي لَقِيطُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: " رَكِبْنَا الْبَحْرَ فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ، وَقَدْ رَفَعْنَا الشِّرَاعَ وَلَا نَرَى جَزِيرَةً وَلَا شَيْئًا، إِذَا نَحْنُ بِمُنَادٍ يُنَادِي يَا أَهْلَ السَّفِينَةِ: قِفُوا أُخْبِرْكُمْ، قَالَ: فَانْصَرَفْنَا فَلَمْ نَرَ شَيْئًا فَنَادَى سَبْعًا، قَالَ أَبُو مُوسَى: فَلَمَّا كَانَتِ السَّابِعَةَ قُمْتُ فَقُلْتُ: يَا هَذَا قَدْ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَلَسْنَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْتَبِسَ عَلَيْكَ، فَأَخْبِرْنَا مَا تُرِيدُ أَنْ تُخْبِرَنَا بِهِ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِقَضَاءٍ قَضَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ؟ قُلْنَا: أَخْبِرْنَا. قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَضَى عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ مَا مِنْ عَبْدٍ أَظْمَأَ نَفْسَهُ فِي يَوْمٍ حَارٍّ إِلَّا أَرْوَاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الَقِيَامَةِ " وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ , عَنْ وَاصِلٍ مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَةَ، عَنْ لَقِيطِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ٤٨١ - الْأَشْعَرِيِّ , نَحْوَهُ وَزَادَ فِيهِ قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عِنَّابِ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى السَّقَّاءُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ سَلَّامٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: " سِتُّ خِصَالٍ مِنَ الْخَيْرِ: مُجَاهَدَةُ عَدُوِّ اللَّهِ بِالسَّيْفِ، وَالصَّوْمُ فِي الصَّيْفِ، وَحُسْنُ الصَّبْرِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، وَتَرْكُ الْمِرَاءِ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَالتَّبْكِيرُ بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ، أَوْ قَالَ فِي يَوْمِ الصَّيْفِ، وَحُسْنُ الْوُضُوءِ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ "

стр. 317

قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُطِيعٍ , عَنْ بَكْرِ بْنِ خُنَيْسٍ , يَرْفَعُ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: " لَوْلَا ثَلَاثٌ مَا بَالَيْتُ أَنْ أَمُوتَ. أَحَدُهَا: تَعْفِيرُ وَجْهِي فِي التُّرَابِ لِلَّهِ سَاجِدًا، وَالثَّانِي: صَوْمُ يَوْمٍ بَعِيدِ الطَّرَفَيْنِ أَلْتَوِي فِيهِ مِنَ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ. وَالثَّالِثُ: جُلُوسٌ مَعَ قَوْمٍ يَتَخَيَّرُونَ أَطْيَبَ الْكَلَامِ كَمَا يَتَخَيَّرُونَ أَطْيَبَ التَّمْرِ " ٤٨٢ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّنَافِسِيُّ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ مَوْلَى هَاشِمٍ , أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , يَقُولُ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ خِصَالٍ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ: «أَنْ لَا أَنَامَ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ، وَأَنْ أَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَنْ لَا أَدَعَ صَلَاةَ الضُّحَى» ٤٨٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّنَافِسِيُّ , عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ الْقَاسِمِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّبَّاحِ، عَنْ هَنْدَبَةَ بْنِ خَالِدٍ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , قَالَتْ: " أَرْبَعٌ لَمْ يَدَعْهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ : صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَصَوْمُ أَيَّامِ الْعَشْرِ، وَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْغَدَاةِ " ٤٨٤ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ كَامِلِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «صُومُوا شَهْرَ الصَّبْرِ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ، وَيُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» يَعْنِي غِلَّهُ وَغِشَّهُ

стр. 318

حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ حَمْدِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ , قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَإِذَا أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ عَلَى أَيِّ حَالٍ هُوَ الْيَوْمَ فَقُلْتُ لَهُ: أَصَائِمٌ أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ» . فَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْإِذْنَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَلَمَّا دَخَلُوا أَتَيْنَا بِقِصَاعٍ فَأَكَلَ أَبُو ذَرٍّ فَحَرَّكْتُهُ بِيَدِي أُذَكِّرُهُ، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أَنْسَ مَا قُلْتُ لَكَ، أَخْبَرْتُكَ أَنِّي صَائِمٌ، فَإِنِّي أَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَأَنَا أَبَدًا صَائِمٌ» ٤٨٥ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الضَّبِّيُّ، عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ , قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مُجْتَهِدًا، فَزَوَّجَنِي أَبِي امْرَأَةً فَدَخَلَ يَوْمًا مَنْزِلِي، فَلَمْ يَرَنِي، فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: كَيْفَ تَجِدِينَ بَعْلَكِ؟ فَقَالَتْ: نِعْمَ الرَّجُلُ، هُوَ رَجُلٌ لَا يَنَامُ وَلَا يُفْطِرُ، فَوَقَعَ فِيَّ أَبِي، فَقَالَ: زَوَّجْتُكَ امْرَأَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَعَطَّلْتَهَا، فَلَمْ أُبَالِ قَالَ لِي أَبِي مِمَّا أَجِدُهُ مِنَ الْقُوَّةِ وَالِاجْتِهَادِ إِلَى أَنْ بَلَغَ ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَانِي فَقَالَ لِي: «لَكِنِّي أَنَامُ وَأُصَلِّي وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ فَصَلِّ وَنَمْ وَصُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» . فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا وَهُوَ صَوْمُ دَاوُدَ ﵇» . قَالَ لِي: «فِي كَمْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ» ؟ قُلْتُ: فِي يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ. قَالَ: «اقْرَأْهُ فِي خَمْسَةِ عَشَرَ يَوْمًا» . قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: «فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ» ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ لِكُلِّ عَامِلٍ شِرَّةَ فَتْرَةٍ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى سُنَّتِي فَقَدِ اهْتَدَى، وَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ» . فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: لَأَنْ أَكُونَ قَبِلْتَ رُخْصَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ أَهْلِي وَمَالِي، وَأَنَا الْيَوْمَ شَيْخٌ قَدْ كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ وَأَكْرَهُ أَنْ أَتْرُكَ مَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنِ الصِّيَامِ فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ كَانَ عِنْدِي مِنَ التُّحَفِ الْمَخْزُونَةِ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صَوْمَ دَاوُدَ

стр. 319

عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صَوْمَ ابْنِهِ سُلَيْمَانَ ﵇، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ، وَثَلَاثَةً مِنْ أَوْسَطِهِ وَثَلَاثَةً مِنْ آخِرِهِ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صَوْمَ ابْنِ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ يَعْنِي عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵉ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ وَيَأْكُلُ الشَّعِيرَ، وَيَلْبَسُ الشَّعْرَ الْخَشِنَ، وَكَانَ حَيْثُمَا أَدْرَكَهُ اللَّيْلُ صَفَّ قَدَمَيْهِ يُصَلِّي حَتَّى يَرَى عَلَامَةَ الْفَجْرِ قَدْ طَلَعَتْ، وَكَانَ لَا يَقُومُ مَقَامًا إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صَوْمَ أُمِّهِ فَإِنَّهَا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَيْنِ وَتُفْطِرُ يَوْمَيْنِ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ صَوْمَ خَيْرِ الْبَشَرِ، النَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الْقُرَشِيِّ، أَبِي الْقَاسِمِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ يَعْنِي صَوْمَ أَيَّامِ الْبِيضِ الثَّالِثَ عَشَرَ، وَالرَّابِعَ عَشَرَ، وَالْخَامِسَ عَشَرَ وَيَقُولُ: ٤٨٦ - هُنَّ صِيَامُ الدَّهْرِ ٤٨٧ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: حَتَّى أَحْسِبَ لَكُمْ، فَصَوْمُ رَمَضَانَ يَكُونُ ثَلَاثَ مِائَةِ يَوْمٍ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، وَكُلُّ يَوْمٍ يَقُومُ مَقَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ. قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: وَقَدْ كَرِهَ بَعْضُ النَّاسِ صِيَامَ السِّتِّ وَقَالَ: فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالنَّصَارَى. وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صِيَامِ السِّتِّ فَقَالَ: هِيَ صَوْمُ الْحَيْضِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْبَغِي أَنْ يَصُومَ مُتَفَرِّقًا حَتَّى لَا يَكُونَ تَشَبُّهًا بِالنَّصَارَى، وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ مُتَتَابِعًا أَوْ مُتَفَرِّقًا لِأَنَّ يَوْمَ الْفِطْرِ صَارَ فَاصِلًا بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 320

بَابُ: النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ ٤٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ , قَالَ: نُبِّئْتُ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا فِي مَنْزِلٍ لَهُمْ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ، فَأْعَجَبَهُمْ شَبَابُهُ وَقُوَّتُهُ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّ هَذَا جَعَلَ شَبَابَهُ وَقُوَّتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ , فَقَالَ: «أَوَ مَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا كُلُّ مَنْ قَاتَلَ أَوْ غَزَا؟ مَنْ سَعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَعِفَّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ سَعَى عَلَى وَالِدَيْهِ لِيَعِفَّهُمَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَنْ سَعَى عَلَى عِيَالِهِ لِيَعِفَّهُمْ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ سَعَى مُكَاثِرًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ» ٤٨٩ - قَالَ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قُلَابَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ، عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «أَفْضَلُ الدِّينَارِ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ أَبُو قُلَابَةَ: بَدَأَ بِالْعِيَالِ وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ رَجُلٍ يَسْعَى عَلَى عِيَالِهِ الصِّغَارِ ٤٩٠ - وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا
следующие страницы →