← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10488

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي

أبو الليث السمرقندي

Полный текст (602 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٥٥٩ - وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ لَهَا: «يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى طَالِبًا» . وَيُقَالُ: مَثَلُ الذُّنُوبِ الصِّغَارِ كَمَثَلِ مَنْ جَمَعَ خَشَبَاتٍ صِغَارًا، فَيُوقِدُ مِنْهَا نَارًا بِاجْتِمَاعِهَا. وَيُقَالُ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ مَنْ يَزْرَعِ الْبِرَّ يَحْصُدِ السَّلَامَةَ. وَفِي الْإِنْجِيلِ مَكْتُوبٌ مَنْ يَزْرَعِ السُّوءَ يَحْصُدِ النَّدَامَةَ، وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] وَرَوَى أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَثِيرِ الذُّنُوبِ كَثِيرِ الْعَمَلِ أَعْجَبُ إِلَيْكَ أَمْ رَجُلٍ قَلِيلِ الذُّنُوبِ قَلِيلِ الْعَمَلِ قَالَ: مَا أَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا، يَعْنِي قَلِيلَ الذُّنُوبِ أَعْجَبُ إِلَيَّ. فَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ كُلُّ سَفَلَةٍ يَعْمَلُ الطَّاعَةَ وَلَكِنَّ الْكَرِيمَ مَنْ يَتْرُكُ الْمَعْصِيَةَ. فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمَعْصِيَةِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالِ الطَّاعَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اشْتَرَطَ فِي الْحَسَنَةِ الْمَجِيءَ بِهَا إِلَى الْآخِرَةِ، وَفِي تَرْكِ الذُّنُوبِ لَمْ يَشْتَرِطْ شَيْئًا سِوَى التَّرْكِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴿٤٠﴾ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠-٤١] ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَفْوَ

стр. 352

بَابُ: مَا جَاءَ فِي الظُّلْمِ ٥٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ , حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» . يَعْنِي لَا يَنْجُو، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ٥٦٢ - حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، حَدَّثَنَا بْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمُقْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لِأَخِيهِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ مِنْ عَرَضٍ أَوْ مَالٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ، يَوْمَ لَا دِينَارَ وَلَا دِرْهَمَ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ عَمَلِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ، أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ، فَحُمِلَتْ عَلَيْهِ» ٥٦٣ - حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا خُزَيْمَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسِ؟» قَالُوا لَهُ: الْمُفْلِسُ مَنْ لَا

стр. 353

دِرْهَمَ لَهُ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ. قَالَ: «فَإِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي، الَّذِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاتِهِ، وَزَكَاتِهِ، وَصِيَامِهِ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطِي هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، وَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» وَذُكِرَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ , قَالَ: أُتِيَ بِسَوْطٍ إِلَى رَجُلٍ فِي قَبْرِهِ، بَعْدَمَا دُفِنَ، فَجَاءَاهُ، يَعْنِي مُنْكَرًا وَنَكِيرًا، فَقَالَا لَهُ إِنَّا ضَارِبَاكَ مِائَةَ سَوْطٍ فَقَالَ الْمَيِّتُ: إِنِّي كُنْتُ كَذَا وَكَذَا، فَتَشَفَّعَ حَتَّى حَطَّا عَنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ بِهِمَا حَتَّى صَارَ إِلَى ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. فَقَالَا: إِنَّا ضَارِبَاكَ ضَرْبَةً فَضَرَبَاهُ وَاحِدَةً فَالْتَهَبَ الْقَبْرُ نَارًا، فَقَالَ: لِمَ ضَرَبْتُمَانِي؟ فَقَالَا: مَرَرْتَ بِرَجُلٍ مَظْلُومٍ فَاسْتَغَاثَ بِكَ فَلَمْ تُغِثْهُ، فَهَذَا حَالُ الَّذِي لَمْ يُغِثِ الْمَظْلُومَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ الظَّالِمِ. قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِنَّ الرَّجُلَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ يَلْعَنُ نَفْسَهُ. قِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ يَلْعَنُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَقُولُ: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ، وَهُوَ ظَالِمٌ؟ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الذُّنُوبِ أَعْظَمُ مِنَ الظُّلْمِ، لِأَنَّ الذَّنْبَ إِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِيمٌ يَتَجَاوَزُ عَنْكَ، فَإِذَا كَانَ الذَّنْبُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعِبَادِ، فَلَا حِيلَةَ لَكَ سِوَى رِضَا الْخَصْمِ، فَيَنْبَغِي لِلظَّالِمِ أَنْ يَتُوبَ عَنِ الظُّلْمِ، وَيَتَحَلَّلَ مِنَ الْمَظْلُومِ فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَغْفِرَ، وَيَدْعُو لَهُ، فَإِنَّهُ يُرْجَى أَنَّهُ يُحَلِّلَهُ بِذَلِكَ. قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ: إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا ظَلَمَ إِنْسَانًا فَأَرَادَ أَنْ يَتَحَلَّلَ مِنْهُ فَفَاتَهُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ فِي دُبُرِ صَلَاته خَرَجَ مِنْهُ مَظْلَمَتُهُ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَالَ: مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا عَلَى ظُلْمِهِ، أَوْ لَقَّنَهُ حُجَّةً يَدْحَضُ بِهَا حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، فَقَدْ جَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ لِلْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: مَنْ أَجْهَلُ النَّاسِ؟ قَالَ الْأَحْنَفُ: مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ.

стр. 354

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَلَا أُنَبِّئُكَ بِأَجْهَلَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلَى يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ ٥٦٤ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، مَا أَحْسَنْتُ إِلَى أَحَدٍ، وَلَا أَسَأْتُ إِلَيْهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦] ، يَعْنِي إِنْ أَحْسَنْتُ إِلَى أَحَدٍ، فَقَدْ أَحْسَنْتُ إِلَى نَفْسِي، وَإِنْ أَسَأْتُ إِلَى أَحَدٍ فَقَدْ أَسَأْتُ إِلَى نَفْسِي

стр. 355

٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَرَادَ أَنْ يَلْقَاهُ عَلَى خَلَاءٍ، فَيُبْدِي لَهُ حَاجَتَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَسْكَرِ بِالْبَطْحَاءِ، وَكَانَ يَجِيءُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَطُوفُ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ رَجَعَ فَصَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةِ، قَالَ: فَحَبَسَهُ الطَّوَافُ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ عَرَضَ لَهُ الرَّجُلُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ، قَالَ: «دَعْنِي فَإِنَّكَ سَتُدْرِكُ حَاجَتَكَ» . فَأَبَى فَلَمَّا خَشِيَ أَنْ يَحْبِسَهُ خَفَقَهُ بِالسَّوْطِ خَفْقَةً، ثُمَّ مَضَى، فَصَلَّى صَلَاةَ الْغَدَاةَ، فَلَمَّا انْتَقَلَ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ عَلَى الْقَوْمِ وَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ حَوْلَهُ فَقَالَ: «أَيْنَ الَّذِي جَلَدْتُهُ آنِفًا؟» فَأَعَادَهَا إِنْ كَانَ فِي الْقَوْمِ فَلْيَقُمْ. فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ بِرَسُولِهِ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «ادْنُ مِنِّي» حَتَّى دَنَا مِنْهُ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَنَاوَلَهُ السَّوْطَ، وَقَالَ: «خُذْ بِجِلْدَتِكَ فَاقْتَصَّ مِنِّي» ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَجْلِدَ نَبِيَّهُ. قَالَ: «خَذْ بِجِلْدَتِكَ فَاقْتَصَّ مِنِّي لَا بَأْسَ» ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَجْلِدَ نَبِيَّهُ. قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَعْفُوَ» . فَأَلْقَى السَّوْطَ، وَقَالَ: قَدْ عَفَوْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَلَا يَظْلِمُ أَحَدٌ مِنْكُمْ مُؤْمِنًا، إِلَّا انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . ٥٧٠ - وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْمَظْلُومِينَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

стр. 356

وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ , أَنَّهُ قَالَ: إِنْ لَقِيتَ اللَّهَ تَعَالَى بِسَبْعِينَ ذَنْبًا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَهْوَنُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْ تَلْقَاهُ بِذَنْبٍ وَاحِدٍ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْعِبَادِ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَنْ يَصْطَبِغَ بِالزَّيْتِ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ مَا لَمْ يَقْضِ دَيْنَهُ. وَرُوِيَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ , قَالَ: قِرَاءَةُ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَمَلُ بِهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَخْتِمَ الْقُرْآنَ أَلْفَ مَرَّةً، وَإِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَقَضَاءُ حَاجَتِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عِبَادَةِ الْعُمْرِ كُلِّهِ، وَتَرْكُ الدُّنْيَا وَرَفْضُهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ بِعِبَادَةِ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَتَرْكُ دَانِقٍ مِنْ حَرَامٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مِائَةِ حَجَّةٍ مِنْ حَلَالٍ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْوَرَّاقِ , أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ مَا يَنْزِعُ مِنَ الْقَلْبِ الْإِيمَانَ ظُلْمُ الْعِبَادِ وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ هَلْ مِنْ ذَنْبٍ يَنْزِعُ الْإِيمَانَ مِنَ الْعَبْدِ؟ قَالَ: نَعَمْ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تَنْزِعُ الْإِيمَانَ مِنَ الْعِبَادِ: أَوَّلُهَا: تَرْكُ الشُّكْرِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالثَّانِي: تَرْكُ الْخَوْفِ عَلَى ذِهَابِ الْإِسْلَامِ. وَالثَّالِثُ: الظُّلْمُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ ٥٧١ - وَرَوَى حَمِيدٌ , عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا بِثَلَاثٍ فَقَالَ لَهُ: «أَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ يَشْغَلْكَ عَمَّا سِوَاهُ، وَعَلَيْكَ بِالشُّكْرِ فَإِنَّهُ زِيَادَةٌ فِي النِّعْمَةِ، وَعَلَيْكَ بِالدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَا تَدْرِي مَتَى يُسْتَجَابُ لَكَ، وَأَنْهَاكَ عَنْ ثَلَاثٍ، لَا تَنْقُضْ عَهْدًا، وَلَا تُعِنْ عَلَى نَقْضِهِ، وَإِيَّاكَ وَالْبَغْيَ فَإِنَّ مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ، وَإِيَّاكَ وَالْمَكْرَ، فَإِنَّهُ لَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ» وَرَوَى مَنْصُورُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: " إِنَّ لِجَهَنَّمَ جِبَابًا، يَعْنِي مَوَاضِعَ كَسَاحِلِ الْبَحْرِ، فِيهَا حَيَّاتٌ كَالْبُخَاتِيِّ وَعَقَارِبُ كَالْبِغَالِ الدُّلْمِ، فَإِذَا اسْتَغَاثَ أَهْلُ جَهَنَّمَ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ قِيلَ لَهُمْ: اخْرُجُوا مِنَ السَّاحِلِ فَيَخْرُجُونَ فَتَأْخُذُ الْحَيَّاتُ بِشِفَاهِهِمْ وَوُجُوهِهِمْ وَمَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ فَتَكْشِطْنَ، فَيَسْتَغِيثُونَ فِرَارًا مِنْهَا

стр. 357

إِلَى النَّارِ، فَيُسَلَّطُ عَلَيْهِمُ الْجَرَبُ، فَيَحُكُّ أَحَدُهُمْ جِلْدَهُ حَتَّى يَبْدُوَ الْعَظْمُ فَيُقَالُ: يَا فُلَانُ هَلْ يُؤْذِيكَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقَالُ: ذَلِكَ بِمَا كُنْتَ تُؤْذِي الْمُؤْمِنَ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨] وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَفَى بِالْمُؤْمِنِ مِنَ الْغَيِّ ثَلَاثٌ، يَعِيبُ عَلَى النَّاسِ بِمَا يَأْتِي بِهِ. وَيُبْصِرُ مِنْ عُيُوبِهِمْ مَا لَا يُبْصِرُ مِنْ عُيُوبِ نَفْسِهِ، وَيُؤْذِي جَلِيسَهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ. ٥٧٢ - وَعَنْ وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، مَا كَانَ لِي قِبَلَكُمْ فَقَدْ وَهَبْتُهُ لَكُمْ، وَبَقِيَتِ التَّبِعَاتُ فَتَوَاهَبُوهَا وَادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي»

стр. 358

بَابُ: الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ ٥٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَغْدَادِيُّ، عَنْ مَالِكٍ بْنِ سُمَيِّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: " بَيَّنَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ بِهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ وَهُوَ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلَأَ خُفَّهُ مَاءً، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ حَتَّى رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ". قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ لَأَجْرًا؟ قَالَ: «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» ٥٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ الْأَشْعَثِ، عَنِ الْحَسَنِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا رَحِيمٌ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنَا رَحِيمٌ. قَالَ: «لَيْسَ رَحْمَةَ أَحَدِكُمْ نَفْسَهُ خَاصَّةً، وَلَكِنْ حَتَّى يَرْحَمَ النَّاسَ عَامَّةً، وَلَا يَرْحَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى» حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَسَّانِ بْنِ أَبِي الْأَشْرَسِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمْ أَخَاكُمْ قَدْ أَصَابَهُ جَزَاءٌ فَلَا تَلْعَنُوهُ , وَلَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ، وَلَكِنْ قُولُوا اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ»

стр. 359

٥٧٥ - عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: صَعِدَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا بَيْنَهُمْ بِنَصِيحَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَتَرَاحُمِهِمْ بَيْنَهُمْ كَمَثَلِ الْعُضْوِ مِنَ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى الْجَسَدُ كُلُّهُ بِالسَّهَرِ حَتَّى يَذْهَبَ الْأَلَمُ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ» وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، يَعُسُّ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ مَرَّ بِرِفْقَةٍ قَدْ نَزَلَتْ، فَخَشِيَ عَلَيْهِمُ السَّرِقَةَ، فَأَتَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ: مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: مَرَرْتُ بِرِفْقَةٍ قَدْ نَزَلَتْ، فَحَدَّثَتْنِي نَفْسِي أَنَّهُمْ إِذَا بَاتُوا نَامُوا، فَخَشِيتُ عَلَيْهِمُ السَّرِقَةَ، فَانْطَلِقْ بِنَا نَحْرُسْهُمْ قَالَ: فَانْطَلَقْنَا، فَقَعَدَا قَرِيبًا مِنَ الرِّفْقَةِ يَحْرُسَانِ حَتَّى إِذَا رَأَيَا الصُّبْحَ نَادَى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَا أَهْلَ الرِّفْقَةِ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ مِرَارًا، حَتَّى إِذَا رَآهُمْ تَحَرَّكُوا قَامَا فَرَجَعَا عَلَيْكَ أَنْ تَقْتَدِيَ بِالَّذِي قَبْلَكَ، فَإِنَّ اللَّهَ مَدَحَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّرَاحُمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ، وَكَانُوا رُحَمَاءَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَكَانُوا يَرْحَمُونَ أَهْلَ الذِّمَّةِ فَكَيْفَ بِالْمُسْلِمِينَ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، يَسْأَلُ عَلَى أَبْوَابِ النَّاسِ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَا أَنْصَفْنَاكَ أَخَذْنَا مِنْكَ الْجِزْيَةَ مَا دُمْتَ شَابًّا، ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ الْيَوْمَ، وَأَمَرَ بِأَنْ يَجْرِي عَلَيْهِ قُوتُهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى قِتْبٍ وَهُوَ يَعْدُو بِالْأَبْطَحِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: أَيْنَ تَصِيرُ؟ فَقَالَ: بَعِيرٌ نَدَّ مِنَ الصَّدَقَةِ فَأَنَا أَطْلُبُهُ. فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ أَذْلَلْتَ الْخُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِكَ. فَقَالَ: لَا تَلُمْنِي يَا أَبَا الْحَسَنِ، فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 360

بِالنُّبُوَّةِ لَوْ أَنَّ عَنَاقًا ذَهَبَ بِشَاطِئِ الْفُرَاتِ، لَأُوخِذَ بِهَا عُمَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لِوَالٍ ضَيَّعَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا لِفَاسِقٍ رَوَّعَ الْمُؤْمِنِينَ ٥٧٦ - وَعَنِ الْحَسَنِ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «بُدَلَاءُ أُمَّتِي لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِكَثْرَةِ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، وَلَكِنْ يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِسَلَامَةِ الصُّدُورِ، وَسَخَاوَةِ النَّفْسِ، وَالرَّحْمَةِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ» ٥٧٧ - وَرَوَى عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَعْنَلَانِيُّ , بِسَمَرْقَنْدَ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ حُمَيْدٍ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرْبَعٌ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْكَ أَنْ تُعِينَ مُحْسِنَهُمْ، وَأَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمُذْنِبِهِمْ، وَأَنْ تَدْعُوَ لِمُدَبِّرِهِمْ، وَأَنْ تُحِبَّ تَائِبَهُمْ» ٥٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ سِتُّ خِصَالٍ وَاجِبَةٍ، إِنْ تَرَكَ مِنْهَا وَاحِدَةً، فَقَدْ تَرَكَ حَقًّا وَاجِبًا، إِذَا دَعَاهُ أَنْ يُجِيبَهُ، وَإِذَا مَرِضَ أَنْ يَعُودَهُ، وَإِذَا مَاتَ أَنْ يَحْضُرَهُ، وَإِذَا لَقِيَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَهُ أَنْ يَنْصَحَهُ، وَإِذَا عَطَسَ أَنْ يُشَمِّتَهُ» ٥٧٩ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَى» . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَأَنْتَ قَدْ رَعَيْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ. فَأَنَا قَدْ رَعَيْتُ» . الْحِكْمَةُ فِي رَعْيِ الْأَنْبِيَاءِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ابْتَلَاهُمْ عَلَى الْبَهَائِمِ أَوَّلًا حَتَّى تَظْهَرَ شَفَقَتُهُمْ عَلَى خَلْقِهِ، وَهُوَ

стр. 361

أَعْلَمُ بِهِمْ، وَإِذَا وَجَدَهُمْ مُشْفِقِينَ عَلَى الْبَهَائِمِ جَعَلَهُمْ أَنْبِيَاءَ، وَجَعَلَهُمْ مُسَلَّطِينَ عَلَى بَنِي آدَمَ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ. وَرُوِيَ أَنَّ مُوسَى ﵊ , قَالَ: يَا رَبُّ بِأَيِّ شَيْءٍ اتَّخَذْتَنِي صَفِيًّا؟ قَالَ: رَحْمَتُكَ عَلَى خَلْقِي، فَإِنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ لِشُعَيْبٍ ﵊، فَنَدَّتْ شَاةٌ مِنْ غَنَمِكَ، فَاتَّبَعْتَهَا فَأَصَابَكَ الْجَهْدُ فِي طَلَبِهَا، حَتَّى أَدْرَكْتَهَا فَلَمَّا أَخَذْتَهَا ضَمَمْتَهَا إِلَى حِجْرِكَ، وَقُلْتَ لَهَا: يَا مِسْكِينَةُ أَتْعَبْتِنِي وَأَتْعَبْتِ نَفْسَكِ. فَبِرَحْمَتِكَ عَلَى خَلْقِي اصْطَفَيْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ بِالنُّبُوَّةِ ٥٨٠ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَتَرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ فِي الدُّنْيَا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كَرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ» ٥٨١ - وَرَوَى قَتَادَةُ , عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ» وَرَوَى الشَّعْبِيُّ , عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرْحَمُ مَنْ لَا يَرْحَمُ، وَلَا يَغْفِرُ لِمَنْ لَا يَغْفِرُ وَلَا يَتُوبُ عَلَى مَنْ لَا يَتُوبُ. ٥٨٢ - وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ.

стр. 362

٥٨٣ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى» وَعَنْ قَتَادَةَ , أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ فِي الْإِنْجِيلِ مَكْتُوبًا يَا ابْنَ آدَمَ كَمَا تَرْحَمُ فَكَذَلِكَ تُرْحَمُ، وَكَيْفَ تَرْجُو أَنْ يَرْحَمَكَ اللَّهُ وَأَنْتَ لَا تَرْحَمُ عِبَادَهُ؟ وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَتَتَبَّعُ الصِّبْيَانَ، فَيَشْتَرِيَ مِنْهُمُ الْعَصَافِيرَ، فَيُرْسِلَهَا وَيَقُولُ اذْهَبِي فَعِيشِي وَقَالَ شَقِيقٌ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا ذَكَرْتَ الرَّجُلَ بِالسُّوءِ، فَلَمْ تَهْتَمَّ لَهُ تَرَحُّمًا، فَأَنْتَ أَسْوَأُ حَالًا مِنْهُ، وَإِذَا ذَكَرْتَ الرَّجُلَ الصَّالِحَ، فَلَمْ تَجِدْ فِي قَلْبِكَ حَلَاوَةَ طَاعَةِ رَبِّكَ، فَأَنْتَ رَجُلُ سُوءٍ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ قَالَ: لَا تُكْثِروا الْكَلَامَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، وَالْقَلْبُ الْقَاسِي بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَا تَنْظُرُوا فِي عُيُوبِ النَّاسِ، كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ، وَانْظُرُوا إِلَيْهَا كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ، وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ مُبْتَلًى وَمُعَافًى، فَارْحَمُوا صَاحِبَ الْبَلَاءِ وَاحْمَدُوا اللَّهَ على العافية وروي عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ الشَّامِيِّ , قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى طَاوُسَ، فَخَرَجَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقَالَ لِي: أَنَا هُوَ. فَقُلْتُ لَهُ: لَئِنْ كُنْتَ أَنْتَ هُوَ، فَإِنَّكَ إِذًا لَخَرِفٌ. فَقَالَ: إِنَّ الْعَالِمَ لَا يَخْرَفُ. فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ. فَقَالَ لِي: سَلْ وَأَوْجِزْ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنْ لِي أَوْجَزْتُ لَكَ. فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ جَمَعْتُ لَكَ التَّوْرَاة، وَالْإِنْجِيلَ، وَالْفُرْقَانَ فِي ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ فَعَلْتُ. فَقُلْتُ: وَدِدْتُ ذَلِكَ. فَقَالَ: خَفِ اللَّهَ خَوْفًا لَا يَكُونُ أَحَدٌ أَخْوَفَ عِنْدَكَ مِنْهُ، وَرَجِّهِ رَجَاءً هُوَ أَشَدُّ مِنْ خَوْفِكَ إِيَّاهُ، وَأَحِبَّ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ جَمَعَ الْإِيمَانَ كُلَّهُ، الْإِنْفَاقُ فِي الْإِقْتَارِ، وَالْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ عَلَى الْخَلَائِقِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: أَحَبُّ الْأُمُورِ إِلَى

стр. 363

اللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثَةٌ: الْعَفْوُ عِنْدَ الْمَقْدِرَة، وَالْقَصْدُ فِي الْجِدَةِ، وَالرِّفْقُ بِعِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا رَفَقَ أَحَدٌ بِعِبَادِ اللَّهِ إِلَّا رَفَقَ اللَّهُ بِهِ وَرَوَى هِشَامٌ , عَنِ الْحَسَنِ , قَالَ: أَوْحَى اللَّهُ إِلَى آدَمَ، يَا آدَمُ أَرْبَعٌ هُنَّ جِمَاعٌ لَكَ وَلِوَلَدِكَ يَعْنِي جِمَاعُ الْخَيْرِ، وَاحِدَةٌ لِي، وَوَاحِدَةٌ لَكَ، وَوَاحِدَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَوَاحِدَةٌ بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَأَمَّا الَّتِي لِي فَأَنْ تَعْبُدَنِي وَلَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا، وَأَمَّا الَّتِي لَكَ فَعَمَلُكَ أَجْزِيكَ بِهِ حِينَ أَفْقَرَ مَا تَكُونَ إِلَيْهِ، وَأَمَّا الَّتِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ فَمِنْكَ الدُّعَاءُ وَعَلَيَّ الْإِجَابَةُ، وَأَمَّا الَّتِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَاصْحَبْهُمْ بِالَّذِي تُحِبُّ أَنْ يَصْحَبُوكَ بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 364

بَابُ: مَا جَاءَ فِي خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى ٥٨٤ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَعْلَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: «الْعَاقِلُ» . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَعْبَدُ النَّاسِ؟ قَالَ: «الْعَاقِلُ» . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَفْضَلُ النَّاسِ؟ قَالَ: «الْعَاقِلُ» . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَيْسَ الْعَاقِلُ مَنْ تَمَّتْ مُرُوءَتُهُ، وَظَهَرَتْ فَصَاحَتُهُ، وَجَادَتْ كَفُّهُ، وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ، الْعَاقِلُ الْمُتَّقِي وَإِنْ كَانَ فِي الدُّنْيَا خَسِيسًا دَنِيئًا» . يَعْنِي بِالْمُتَّقِي الَّذِي يَتَّقِي اللَّهَ ، وَيَتَّقِي مَعَاصِيهِ وَرَوَى مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ﵀ , أَنَّهُ قَالَ: إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ مِنْ نَفْسِهِ عَلَامَةَ الْخَوْفِ، وَعَلَامَةَ الرَّجَاءِ فَقَدْ تَمَسَّكَ بِالْأَمْرِ الْوَثِيقِ، أَمَّا عَلَامَةُ الْخَوْفِ، فَاجْتِنَابُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، وَأَمَّا عَلَامَةُ الرَّجَاءِ، فَالْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ. وَقِيلَ: لِلرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ عَلَامَتَانِ: فَعَلَامَةُ الرَّجَاءِ عَمَلُكَ لِلَّهِ بِمَا يَرْضَى، وَعَلَامَةُ الْخَوْفِ اجْتِنَابُكَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ

стр. 365

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الشَّعْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حِينَ طُعِنَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَسْلَمْتَ حِينَ كَفَرَ النَّاسُ، وَجَاهَدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَذَلَهُ النَّاسُ، وَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ اثْنَانِ، وَقُتِلْتَ شَهِيدًا. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «الْمَغْرُورُ مَنْ غَرَّرْتُمُوهُ، وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمَطْلَعِ» ٥٨٥ - وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ بَيْنَ أَجَلٍ قَدْ مَضَى لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ صَانِعٌ بِهِ، وَبَيْنَ أَجَلٍ قَدْ بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا اللَّهُ قَاضٍ فِيهِ، فَلْيَتَزَوَّدِ الْعَبْدُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَمِنْ دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ، وَمِنْ حَيَاتِهِ لِمَوْتِهِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ مُسْتَعْتَبٍ، وَمَا بَعْدَ الدُّنْيَا دَارٌ إِلَّا الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ» ٥٨٦ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنِّي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلَا أَمْنَيْنِ، مَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . ٥٨٧ - وَرُوِيَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَنْصُورٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ تَحْتَ مِنْبَرِ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَأَةَ فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا مَا بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَهُمُ اللَّهُ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، تَرْعُدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ، وَقَالُوا سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ» . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ , أَنَّهُ كَانَ إِذَا آوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي. فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: يَا أَبَا مَيْسَرَةَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْكَ وَهَدَاكَ إِلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ:

стр. 366

أَجَلْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَنَا أَنَّا وَارِدُونَ النَّارَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّا صَادِرُونَ عَنْهَا وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَا أَغْبِطُ مَلَكًا مُقَرَّبًا، وَلَا نَبِيًا مُرْسَلًا، أَلَيْسَ هَؤُلَاءِ يُعَاتَبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ إِنَّمَا أَغْبِطُ مَنْ لَمْ يُخْلَقْ وَقَالَ حَكِيمٌ مِنَ الْحُكَمَاءِ: الْحُزْنُ يَمْنَعُ الطَّعَامَ، وَالْخَوْفُ يَمْنَعُ الذُّنُوبَ، وَالرَّجَاءُ يُقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ، وَذِكْرُ الْمَوْتِ يُزَهِّدُ فِي الْفُضُولِ. ٥٨٨ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا اقْشَعَرَّ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى تَحَاتَّتَ عَنْهُ خَطَايَاهُ، كَمَا يَتَحَاتُّ مِنَ الشَّجَرَةِ وَرَقُهَا» . ٥٨٩ - وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ آلُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «آلِي كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَلَا إِنَّ أَوْلِيَائِي هُمُ الْمُتَّقُونَ، وَلَا فَضْلَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ إِلَّا بِتَقْوَى اللَّهِ » ٥٩٠ - وَرَوَى الرَّبِيعُ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ. فَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ فَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَهَوَى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ. وَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ فَالْعَدْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَالِاقْتِصَادُ فِي الْفَاقَةِ وَالْغِنَى، وَخَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ» وَذُكِرَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خَيْثَمَ , أَنَّهُ كَانَ لَا يَزَالُ بَاكِيًا خَائِفًا سَاهِرًا بِاللَّيْلِ، فَلَمَّا رَأَتْ أُمُّهُ مَا بِهِ مِنَ الْجَهْدِ نَادَتْهُ يَا بُنَيَّ: أَقَتَلْتَ قَتِيلًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَمَنْ هُوَ حَتَّى نَطْلُبَ الْعَفْوَ مِنْ أَوْلِيَائِهِ، فَوَاللَّهِ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا تَلْقَاهُ لَرَحَمُوكَ؟ قَالَ: يَا أُمَّاهُ قَتَلْتُ نَفْسِي عَلَامَةُ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَبَيَّنُ فِي سَبْعَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: يَتَبَيَّنُ فِي لِسَانِهِ، فَيَمْتَنِعُ لِسَانُهُ مِنَ الْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ، وَكَلَامِ الْفُضُولِ، وَيَجْعَلُ لِسَانَهُ مَشْغُولًا بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَمُذَاكَرَةِ الْعِلْمِ.

стр. 367

وَالثَّانِي: أَنْ يَخَافَ فِي أَمْرِ بَطْنِهِ، فَلَا يُدْخِلَ بَطْنَهُ إِلَّا طَيِّبًا وَحَلَالًا، وَيَأْكُلَ مِنَ الْحَلَالِ مِقْدَارَ حَاجَتِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَخَافَ فِي أَمْرِ بَصَرِهِ، فَلَا يَنْظُرَ إِلَى الْحَرَامِ، وَلَا إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الرَّغْبَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ نَظَرُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِبْرَةِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَخَافَ فِي أَمْرِ يَدِهِ، فَلَا يَمُدَّنَّ يَدَهُ إِلَى الْحَرَامِ، وَإِنَّمَا يَمُدُّ يَدَهُ إِلَى مَا فِيهِ طَاعَةُ اللَّهِ . وَالْخَامِسُ: أَنْ يَخَافَ فِي أَمْرِ قَدَمَيْهِ، فَلَا يَمْشِي فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وَالسَّادِسُ: أَنْ يَخَافَ فِي أَمْرِ قَلْبِهِ، فَيُخْرِجَ مِنْهُ الْعَدَاوَةَ، وَالْبَغْضَاءَ، وَحَسَدَ الْإِخْوَانِ، وَيُدْخِلَ فِيهِ النَّصِيحَةَ وَالشَّفَقَةَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَالسَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ خَائِفًا فِي أَمْرِ طَاعَتِهِ، فَيَجْعَلَ طَاعَتَهُ خَاصَّةً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَخَافَ الرِّيَاءَ، وَالنِّفَاقَ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥] ، وَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ [النبأ: ٣١] يَعْنِي نَجَاةً وَسَعَادَةً وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١] ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ الْمُتَّقِينَ فِي كِتَابِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَنْجُونَ مِنَ النَّارِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] . قَالَ الْفَقِيهُ ﵀ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مِنْدَوْسَةَ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا الْحَرِيرِيُّ، عَنْ أَبِي السَّائِلِ، عَنْ غُنَيْمٍ، عَنِ ابْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي الْعَوَّامِ , قَالَ: قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: أَتَدْرُونَ مَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] قَالُوا: مَا كُنَّا نَرَى وُرُودَهَا إِلَّا دُخُولَهَا، قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّ وُرُودَهَا أَيْ يُجَاءُ بِجَهَنَّمَ كَأَنَّهَا نَتْنُ إِهَالَةٍ وَهُوَ الْوَدَكُ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ عَلَيْهَا أَقْدَامُ الْخَلَائِقِ بَرِّهِمْ، وَفَاجِرِهِمْ، نَادَى مُنَادٍ خُذِي أَصْحَابَكِ وَذَرِي أَصْحَابِي، فَتَخْسِفُ بِكُلِّ وَلِيٍّ لَهَا، وَهِيَ أَعْلَمُ بِهِمْ مِنَ الْوَالِدِ بِوَلَدِهِ، وَيَنْجُو الْمُؤْمِنُونَ نَدِيَّةً ثِيَابُهُمْ، وَإِنَّ الْخَازِنَ مِنْ خَزَنَةِ جَهَنَّمَ، مَعَهُ عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ لَهُ شُعْبَتَانِ يَدْفَعُ بِهِ الدَّفْعَةَ، فَيُكَبُّ فِي النَّارِ سَبْعُ مِائَةَ أَلْفٍ أَوْ كَمَا قَالَ» . ٥٩١ - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ , قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ

стр. 368

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرَةٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: قَمْ فَابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ وَبَعْثَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ آدَمُ: أَيْ رَبِّ فَمَا بَعْثُ النَّارِ وَمَا بَعْثُ الْجَنَّةِ؟ " فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: «مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُ مِائَةٍ وَتِسْعٌ وَتِسْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ» . فَأَنْشَأَ الْقَوْمُ يَبْكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ» . فَكَبَّرُوا ثُمَّ قَالَ: «لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا كَانَتْ قَبْلَهُ جَاهِلِيَّةٌ، فَيُؤْخَذُ الْعَدَدُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَمَلَ الْعَدَدُ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَيُؤْخَذُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَمَا مَثَلُكُمْ فِي الْأُمَمِ إِلَّا كَمَثَلِ الرِّقْمَةِ فِي ذِرَاعِ الدَّابَّةِ، أَوْ كَالشَّامَةِ فِي جَنْبِ الْبَعِيرِ» ، ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَيْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَكَبَّرُوا. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَعَكُمْ لَخَلِيقَتَيْنِ مَا كَانَتَا فِي شَيْءٍ إِلَّا كَثَّرَتَاهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَمَنْ مَاتَ مِنْ كَفَرَةِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ» وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: لَا يَغُرَّنَّكَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، فَإِنَّكَ لَنْ تَلْحَقَ الْأَبْرَارَ إِلَّا بِأَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَأَهْلَ الْبِدْعَةِ يُحِبُّونَ أَنْبِيَاءَهُمْ وَلَيْسُوا مَعَهُمْ ٥٩٢ - وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ، وَمَنْ كَانَ غَدُهُ شَرًّا مِنْ يَوْمِهِ، فَهُوَ مَلْعُونٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِي الزِّيَادَةِ، فَهُوَ فِي النُّقْصَانِ، وَمَنْ كَانَ فِي النُّقْصَانِ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ» . وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى دَارًا مِنْ زُمُرُّدَةٍ، أَوْ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ، فِيهَا سَبْعُونَ أَلْفَ دَارٍ، وَفِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ أَلْفَ بَيْتٍ لَا يَنْزِلُهَا إِلَّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهِيدٌ، أَوْ إِمَامٌ عَادِلٌ، أَوْ رَجُلٌ مُحَكَّمٌ فِي نَفْسِهِ. قِيلَ: وَمَا الْمُحَكَّمُ فِي نَفْسِهِ؟ قَالَ: الَّذِي يَعْرِضُ لَهُ الْحَرَامُ، فَيَتْرُكُهُ مَخَافَةَ اللَّهِ ٥٩٣ - قَالَ الْفَقِيهُ ﵀ سَمِعْتُ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , يَقُولُ: كَانَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَالُ لَهُ حَنْظَلَةُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً رَقَّتْ لَهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَعَرَّفَتْنَا أَنْفُسَنَا. فَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي،

стр. 369

فَدَنَتْ مِنِّي الْمَرْأَةُ وَجَرَى بَيْنَنَا مِنْ حَدِيثِ الدُّنْيَا، فَنَسِيتُ مَا كُنَّا عَلَيْهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذْنَا فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، ثُمَّ تَذَكَّرْتُ مَا كُنْتُ فِيهِ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: قَدْ نَافَقْتُ حِينَ تَحَوَّلَ عَنِّي مَا كُنْتُ فِيهِ مِنَ الْخَوْفِ وَالرِّقَّةِ وَالْحُزْنِ، فَخَرَجْتُ فَجَعَلْتُ أُنَادِي نَافَقَ حَنْظَلَةُ. فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: كَلَّا لَمْ تُنَافِقْ يَا حَنْظَلَةُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا أَقُولُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، نَافَقَ حَنْظَلَةُ فَقَالَ: كَلَّا لَمْ تُنَافِقْ يَا حَنْظَلَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كُنَّا عِنْدَكَ، فَوَعَظْتَنَا مَوْعِظَةً، وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَعَرَّفَتْنَا أَنْفُسَنَا، فَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَأَخَذْنَا فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا، وَنَسِيتُ مَا كُنَّا عِنْدَكَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «يَا حَنْظَلَةُ إِنَّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الطَّرِيقِ وَلَزَارَتْكُمْ فِي دُورِكُمْ، وَعَلَى فِرَاشِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةٌ فَسَاعَةٌ» . ٥٩٤ - وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] الْآيَةَ. أَهُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالْمَعَاصِي وَيَخَافُونَ؟ قَالَ: «لَا. وَلَكِنْ هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالطَّاعَةِ وَيَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ» . قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: مَنْ عَمِلَ الْحَسَنَةَ يَحْتَاجُ إِلَى خَوْفِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ يَعْمَلُ السَّيِّئَةَ؟ أَوَّلُهَا: خَوْفُ الْقَبُولِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] ، وَالثَّانِي: خَوْفُ الرِّيَاءِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] الْآيَةَ. وَالثَّالِثُ: خَوْفُ التَّسْلِيمِ وَالْحِفْظِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] ، فَاشْتَرَطَ الْمَجِيءَ بِهَا إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ. وَالرَّابِعُ: خَوْفُ الْخِذْلَانِ فِي الطَّاعَةِ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَنَّهُ هَلْ يُوَفَّقُ لَهَا أَمْ لَا لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]

стр. 370

بَابُ: مَا جَاءَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ٥٩٥ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ﵀ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرَ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ أَبِي عُمَرَ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ، ذِكْرُ اللَّهِ»

стр. 371

٥٩٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرَ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: " الْأَعْمَالُ ثَلَاثَةٌ: إِنْصَافُ الرَّجُلِ مِنْ نَفْسِهِ، وَمُوَاسَاةُ الْأَخِ فِي الْمَالِ، وَذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ". وَرُوِيَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ . قِيلَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ٥٩٧ - وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ بِذِكْرِ اللَّهِ»

стр. 372

وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ﵀: مَنْ لَمْ يَأْنَسْ بِحَدِيثِ اللَّهِ عَنْ حَدِيثِ الْمَخْلُوقِينَ، فَقَدْ قَلَّ عَمَلُهُ، وَعَمِيَ قلبه، وضيع عمره ٥٩٨ - وروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، عن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ عَلَمُ الْإِيمَانِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، وَحِصْنٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَحِرْزٌ مِنَ النَّارِ» ٥٩٩ - وَرَوَى وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا، ﵉، إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَمَرَهُ بِأَنْ يَأْمُرَهُمْ بِخَمْسِ خِصَالٍ، وَيَضْرِبَ لَهُمْ بِكُلِّ خَصْلَةٍ مَثَلًا. أَمَرَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ: مَثَلُ الشِّرْكِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ، ثُمَّ أَسْكَنَهُ دَارًا وَزَوَّجَهُ جَارِيَةً لَهُ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ مَالًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يُتْجِرَ فِيهِ، وَيَأْكُلَ مِنْهُ مَا يَكْفِيهِ، وَيُؤَدِّي إِلَيْهِ فَضْلَ الرِّبْحِ، فَعَمَدَ الْعَبْدُ إِلَى فَضْلِ رِبْحِهِ، فَجَعَلَ يُعْطِيهِ لِعَدُوِّ سَيِّدِهِ، وَيُعْطِي لِسَيِّدِهِ مِنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا، فَأَيُّكُمْ يَرْضَى بِمِثْلِ هَذَا الْعَبْدِ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلا: فَقَالَ: مَثَلُ الصَّلَاةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى مَلِكٍ مِنَ الْمُلُوكِ، فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَأَقْبَلَ الْمَلِكُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ لِيَسْمَعَ مَقَالَتَهُ، وَيَقْضِيَ حَاجَتَهُ فَجَعَلَ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَهْتَمَّ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ الْمَلِكُ وَلَمْ يَقْضِ حَاجَتَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِالصِّيَامِ وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ: مَثَلُ الصَّائِمِ، كَمَثَلِ رَجُلٍ لَبِسَ جُبَّةً لِلْقِتَالِ، وَأَخَذَ سِلَاحَهُ، فَلَمْ يَصِلْ إِلَيْهِ عَدُوُّهُ، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ سِلَاحُ عَدُوِّهِ، وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ: مَثَلُ الصَّدَقَةِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ، فَاشْتَرَى مِنْهُ نَفْسَهُ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ فِي بِلَادِهِمْ، وَيُؤَدِّي إِلَيْهِمْ مِنْ كَسْبِهِ مِنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى فَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ فَعَتَقَ وَفَكَّ مِنْهُمْ رَقَبَتَهُ، وَأَمَرَهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا فَقَالَ مَثَلُ الذِّكْرِ كَمَثَلِ قَوْمٍ لَهُمْ حِصْنٌ، وَبِقُرْبِهِمْ عَدُوٌّ، فَجَاءَهُمْ عَدُوُّهُمْ، فَدَخَلُوا حِصْنَهُمْ، وَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ بَابَهُ، فَحَصَّنُوا أَنْفُسَهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " وَأَنَا آمُرُكُمْ بِهَذِهِ الْخِصَالِ الْخَمْسِ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِنَّ يَحْيَى ﵊، وَآمُرُكُمْ بِخَمْسِ خِصَالٍ أُخْرَى: أَمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِنَّ: عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ , وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ، وَمَنْ دَعَا بِدُعَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَهُوَ خَشَبٌ فِي قَعْرِ جَهَنَّمَ " ٦٠٠ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ , قَالَ: مَنْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ تُفْتَحُ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَالتَّكْبِيرُ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالتَّسْبِيحُ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَنْتَهِي إِلَى ثَوَابِهِ عِلْمُ أَحَدٍ دُونَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذَا ذَكَرَنِي عَبْدِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِذَا ذَكَرَنِي وَحْدَهُ ذَكَرْتُهُ وَحْدِي، وَإِذَا ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَأَكْرَمَ. وَقَالَ: مَا مِنْ عَبْدٍ يَضَعُ جَنْبَهُ عَلَى الْفِرَاشِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى فَيُدْرِكَهُ النَّوْمُ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِلَّا كُتِبَ ذَاكِرًا إِلَى أَنْ يَسْتَيْقِظَ. قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: الذِّكْرُ مِنَ اللَّهِ الْعَفْوُ وَالْمَغْفِرَةُ، فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَغْفِرَةِ وَذُكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: الذِّكْرُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ وَالْإِسْلَامُ بَيْنَ السَّيْفَيْنِ، وَالذَّنْبُ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ: الذِّكْرُ بَيْنَ الذِّكْرَيْنِ، يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، مَا لَمْ يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّوْفِيقِ، وَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَغْفِرَةِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: الْإِسْلَامُ بَيْنَ السَّيْفَيْنِ، يَعْنِي يُقَاتَلُ حَتَّى يُسْلِمَ، ثُمَّ إِذَا رَجَعَ عَنِ الْإِسْلَامِ يُقْتَلُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: الذَّنْبُ بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ، يَعْنِي فَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُذْنِبَ، فَإِذَا أَذْنَبَ فَرْضٌ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ٤] ، قَالَ: هُوَ الشَّيْطَانُ نَائِمٌ عَلَى الْقَلْبِ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ تَعَالَى خَنَسَ، فَإِذَا غُفِلَ وَسْوَسَ

стр. 373

٦٠١ - وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ صِقَالٌ، وَصِقَالُ الْقَلْبِ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى " وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَسَلَّمَ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَقِيلَ، يَعْنِي لَمْ يَبْقَ لِي هَهُنَا مَوْضِعُ قَرَارٍ، وَإِذَا أَتَى بِطَعَامٍ فَذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَقِيلَ، وَلَا مَطْعَمَ , وَلَا مَشْرَبَ، فَيَخْرُجُ خَائِبًا ٦٠٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: " إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنْ نَسِيَ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُلْ فِي آخِرِهِ " وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، وَلَمْ يَقُلْ بِسْمِ اللَّهِ أَكَلَ الشَّيْطَانُ مَعَهُ، وَإِذَا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى مَنَعَ الشَّيْطَانَ مِنْ بَقِيَّةِ طَعَامِهِ، وَتَقَايَأ مَا أَكَلَ، وَاسْتَأْنَفَ طَعَامًا جَدِيدًا حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو مُطِيعٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ بَدْرٍ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: " إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ، أَيْ رَبِّ جَعَلْتَ لِبَنِي آدَمَ بُيُوتًا يَذْكُرُونَكَ فِيهَا فَمَا بَيْتِي؟ قَالَ: الْحَمَّامُ، قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ مَجْلِسًا فَمَا مَجْلِسِي؟ قَالَ: السُّوقُ. قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ قِرَاءَةً فَمَا قِرَاءَتِي؟ قَالَ: الشِّعْرُ. قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ حَدِيثًا فَمَا حَدِيثِي؟ قَالَ: الْكَذِبُ. قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمُ آذَانًا فَمَا آذَانِي؟ قَالَ: الْمِزْمَارُ. قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ رُسُلًا فَمَا رُسُلِي؟ قَالَ: الْكَهَنَةُ. قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمُ كِتَابًا فَمَا كِتَابِي؟ قَالَ: الْوَشْمُ. قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ مَصَائِدَ فَمَا مَصَائِدِي؟ قَالَ: النِّسَاءُ. قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ طَعَامًا فَمَا طَعَامِي؟ قَالَ: مَا لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمِي. قَالَ: فَجَعَلْتَ لَهُمْ شَرَابًا فَمَا شَرَابِي؟ قَالَ: كُلُّ مُسْكِرٍ " وَعَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ

стр. 374

أَوَصْنِي بِشَيْءٍ فَقَالَ لَهُ فُضَيْلُ: احْفَظْ عَنِّي خَمْسًا: أَوَّلُهَا: أَنَّ مَا أَصَابَكَ مِنْ شَيْءٍ، فَقُلْ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى تَدْفَعَ الْمَلَامَةَ عَنِ الْخَلْقِ. وَالثَّانِي: احْفَظْ لِسَانَكَ لِيَنْجُوَ كُلُّ الْخَلْقِ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَنْجُو مِنْ عَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّالِثُ: صَدِّقْ رَبَّكَ بِمَا وَعَدَكَ مِنَ الرِّزْقِ حَتَّى تَكُونَ مُؤْمِنًا. وَالرَّابِعُ: اسْتَعِدَّ لِلْمَوْتِ حَتَّى لَا تَمُوتَ غَافِلًا. وَالْخَامِسُ: اذْكُرِ اللَّهَ كَثِيرًا حَيْثُمَا كُنْتَ، حَتَّى تَكُونَ مُحَصَّنًا مِنْ جَمِيعِ السَّيِّئَاتِ وَذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُحَدِّثُ بِشَيْءٍ مِنْ كَلَامِ الدُّنْيَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَهَذَا كَلَامٌ تَرْجُو فِيهِ الثَّوَابَ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا. قَالَ: أَفَتَأْمَنُ فِيهِ الْعِقَابَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَمَا تَصْنَعُ بِكلَامٍ لَا تَرْجُو فِيهِ ثَوَابًا وَلَا تَأْمَنُ فِيهِ عِقَابًا؟ عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ٦٠٣ - قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ فَوْقَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، يُضِيءُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا يُضِيءُ الْمِصْبَاحُ لِأَهْلِ الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ، وَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي لَا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى يُظْلِمُ عَلَى أَهْلِهِ. وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ مُوسَى ﵇ , قَالَ: يَا رَبُّ كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ مَنْ أَحْبَبْتَ مِمَّنْ أَبْغَضْتَ؟ قَالَ: يَا مُوسَى إِنِّي إِذَا أَحْبَبْتُ عَبْدًا جَعَلْتُ فِيهِ عَلَامَتَيْنِ. قَالَ: يَا رَبُّ وَمَا هُمَا؟ قَالَ: أُلْهِمُهُ ذِكْرِي لِكَيْ أَذْكُرَهُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَأَعْصِمُهُ عَنْ مَحَارِمِي، وَسَخَطِي، كَيْ لَا يَحِلَّ عَلَيْهِ عَذَابِي، وَنِقْمَتِي يَا مُوسَى، وَإِذَا أَبْغَضْتُ عَبْدًا جَعَلْتُ فِيهِ عَلَامَتَيْنِ. قَالَ: يَا رَبُّ وَمَا هُمَا؟ قَالَ: أُنْسِيهِ ذِكْرِي وَأُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ لِكَيْ يَقَعَ فِي مَحَارِمِي بِسَخَطِي، فَيَحِلَّ عَلَيْهِ عَذَابِي وَنِقْمَتِي

стр. 375

٦٠٤ - وَرَوَى أَبُو الْمُلَيْحِ , عَنْ أَبِيهِ , أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ رَدِيفَهُ عَلَى دَابَّةٍ فَعَثَرَتْ بِهِمَا الدَّابَّةُ فَقَالَ الرَّجُلُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَكُونَ مِلْءَ الْبَيْتِ، وَلَكِنْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَصْغَرُ عِنْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ» ٦٠٥ - وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ جُبَيْرٍ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «كَفَّارَةُ الْمَجْلِسِ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ أَنْ يَقُولُ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ، وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، فَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ ذِكْرٍ كَانَ كَالطَّابِعِ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ كَانَ مَجْلِسَ لَغْوٍ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهُ» ٦٠٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ , بِإِسْنَادِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ، قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ فَلَقِيتُ أَخَا سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: " مَنْ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ ". قَالَ: فَقَدِمْتُ خُرَاسَانَ فَأَتَيْتُ قُتَيْبَةَ بْنَ مُسْلِمٍ فَقُلْتُ: قَدْ أَتَيْتُكَ بِهَدِيَّةٍ فَحَدَّثْتُهُ بِالْحَدِيثِ، فَكَانَ قُتَيْبَةُ يَرْكَبُ فِي مَوْكِبِهِ حَتَّى يَأْتِيَ السُّوقَ فَيَقُولَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ ثُمَّ يَنْصَرِفَ قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: اعْلَمْ أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ سَائِرَ الْعِبَادَاتِ مِقْدَارًا، وَجَعَلَ لَهَا أَوْقَاتًا، وَلَمْ يَجْعَلْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى مِقْدَارًا، وَلَا وَقْتًا وَأَمَرَ بِالْكَثْرَةِ بِغَيْرِ الْمِقْدَارِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] ، يَعْنِي اذْكُرُوهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَتَفْسِيرُ الذِّكْرِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا. أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ

стр. 376

فِي الطَّاعَةِ، أَوْ فِي الْمَعْصِيَةِ، أَوْ فِي النِّعْمَةِ، أَوْ فِي الشِّدَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِي الطَّاعَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِالتَّوْفِيقِ، وَيَسْأَلُهُ مِنْهُ الْقَبُولَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمَعْصِيَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ بِالِامْتِنَاعِ، وَيَسْأَلَهُ التَّوْبَةَ، وَإِنْ كَانَ فِي النِّعْمَةِ يَذْكُرُهُ بِالشُّكْرِ وَإِنْ كَانَ فِي الشِّدَّةِ يَذْكُرُهُ بِالصَّبْرِ. وَاعْلَمْ أَنَّ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى خَمْسَ خِصَالٍ مَحْمُودَةٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّ فِيهِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَزِيدُ فِي الْحِرْصِ عَلَى الطَّاعَاتِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّ فِيهِ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ إِذَا كَانَ ذَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى. وَالرَّابِعُ: أَنَّهُ فِيهِ رِقَّةُ الْقَلْبِ. وَالْخَامِسُ: أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْمَعَاصِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.

стр. 377

بَابُ: الدُّعَاءِ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا سَالِمُ بْنُ أَبِي مُقَاتِلٍ الْقَاضِي، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: " مَنْ رُزِقَ خَمْسًا لَمْ يُحْرَمْ خَمْسًا. وَمَنْ رُزِقَ الشُّكْرَ لَمْ يُحْرَمَ الزِّيَادَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] ، وَمَنْ رُزِقَ الصَّبْرَ، لَمْ يُحْرَمَ الثَّوَابَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] ، وَمَنْ رُزِقَ التَّوْبَةَ لَمْ يُحْرَمَ الْقَبُولَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] ، وَمَنْ رُزِقَ الِاسْتِغْفَارَ لَمْ يُحْرَمَ الْمَغْفِرَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠] ، وَمَنْ رُزِقَ الدُّعَاءَ لَمْ يُحْرَمَ الْإِجَابَةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] " وَقد رُوِيَ السَّادِسُ مَنْ رُزِقَ الْإِنْفَاقَ، لَمْ يُحْرَمَ الْخَلَفَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] ٦٠٧ - قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلَّا

стр. 378

اسْتُجِيبَ لَهُ، فَإِمَّا أَنْ يُعَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وَإِمَّا أَنْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يُكَفَّرَ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ مَا دَعَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ» وَعَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ دَعْوَةٍ دَعَا بِهَا الْعَبْدُ فِي الدُّنْيَا، فَلَمْ يُجَبْ بِهَا فَيَقُولُ لَهُ: عَبْدِي دَعَوْتَنِي يَوْمَ كَذَا، فَأَمْسَكْتُ عَلَيْكَ دَعْوَتَكَ، فَهَذَا الثَّوَابُ مَكَانَ ذَلِكَ الدُّعَاءِ فَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يُعْطِي مِنَ الثَّوَابِ حَتَّى يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَجَابَهُ دَعْوَةً قَطُّ ٦٠٨ - وَرَوَى النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» . ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ: يَكْفِي مِنَ الدُّعَاءِ مَعَ الْبِرِّ مِثْلَ مَا يَكْفِي الطَّعَامَ مِنَ الْمِلْحِ ٦٠٩ - وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ» . قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَقُولُ دَعَوْتُ اللَّهَ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي» وَعَنِ الْحَسَنِ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ يَعُودُهُ، وَهُوَ مَرِيضٌ فَقِيلَ لِأَبِي عُثْمَانَ: يَا أَبَا عُثْمَانَ ادْعُ اللَّهَ بِدَعَوَاتٍ، فَقَدْ بَلَغْتَ فِي دُعَاءِ الْمَرِيضِ مَا قِيلَ فِيهِ. قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَتلَا آيَاتٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ، وَرَفَعْنَا أَيْدِيَنَا فَدَعَا، فَلَمَّا وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا قَالَ: أَبْشِرُوا فَوَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ لَكُمْ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ أَتَأْتَلِي عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا حَسَنُ، لَوْ حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثٍ لَصَدَّقْتُكَ فَكَيْفَ لَا أُصَدِّقُهُ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] ، لَمَّا خَرَجُوا قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّهُ لَأَفْقَهُ مِنِّي

стр. 379

وَذُكِرَ أَنَّ مُوسَى ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ فَقَالَ: أَيُّ سَاعَةٍ أَدْعُوكَ يَا رَبُّ فَتَسْتَجِيبَ لِي فِيهَا؟ قَالَ: أَنْتَ عَبْدٌ وَأَنَا رَبُّكَ فَمَتَى دَعَوْتَنِي أَسْتَجِبْ لَكَ. فَعَاوَدَهُ مِرَارًا فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: ادْعُنِي فِي كَبِدِ اللَّيْلِ فَإِنِّي أَسْتَجِيبُ، وَإِنْ دَعَانِي فِيهَا عُشَارَ أَنَّ رَابِعَةَ الْعَدَوِيَّةَ خَرَجَتْ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَاسْتَقْبَلَهَا رَجُلٌ فَقَالَ لَهَا: ادْعِي اللَّهَ لِي، فَقَالَتْ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أَطِعِ اللَّهَ وَادْعُهُ فَإِنَّهُ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ٦١٠ - وَرَوَى الْأَعْمَشُ , عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحَارِنِ , قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَعَنْ جَعْفَرَ بْنِ بَرْقَانَ , عَنْ صَالِحِ بْنِ يَسَارٍ , قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى تَدْعُونَنِي وَقُلُوبُكُمْ مُعْرِضَةٌ عَنِّي فَبَاطِلٌ مَا تَذْهَبُونَ. وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: إِنَّا لَنَدْعُو فَلَا يُسْتَجَابُ لَنَا وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قَالَ: لِأَنَّ فِيكُمْ سَبْعَ خِصَالٍ تَمْنَعُ دُعَاءَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ. قِيلَ: وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: أَوَّلُهَا: أَنَّكُمْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ، وَلَمْ تَطْلُبُوا رِضَاهُ، يَعْنِي أَنَّكُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالًا تُوجِبُ عَلَيْكُمُ السَّخَطَ مِنَ اللَّهِ بِهَا، وَلَمْ تَرْجِعُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَمْ تَنْدَمُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ. وَالثَّانِي: أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: نَحْنُ عَبِيدُ اللَّهِ وَلَا تَعْمَلُونَ عَمَلَ الْعَبِيدِ أَنَّ الْعَبْدَ يَعْمَلُ بِمَا أَمَرَهُ سَيِّدُهُ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ أَمْرِهِ. وَالثَّالِثُ: أَنَّكُمْ تَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَلَمْ تَتَعَاهَدُوا حُرُوفَهُ، لَا تَقْرَءُونَ بِالتَّفَكُّرِ، وَالتَّعْظِيمِ، وَلَا تَعْمَلُونَ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ فِيهِ. وَالرَّابِعُ: أَنَّكُمْ تَقُولُونَ نَحْنُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلَمْ تَعْمَلُوا بِسُنَّتِهِ، يَعْنِي أَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الْحَرَامَ وَالشُّبْهَةَ وَلَا تَرْجِعُونَ عَنْهُمَا.

стр. 380

وَالْخَامِسُ: أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ الدُّنْيَا عِنْدَ اللَّهِ لَا تُسَاوِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَدِ اطْمَأْنَنْتُمْ إِلَيْهَا. وَالسَّادِسُ: أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّهَا زَائِلَةٌ وَأَعْمَالُكُمْ أَعْمَالُ الْمُقِيمِينَ بِهَا. وَالسَّابِعُ: أَنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَلَا تَجْتَهِدُونَ فِي طَلَبِهَا وَتَخْتَارُونَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ. قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: يَنْبَغِي لِمَنْ دَعَا اللَّهَ أَنْ يَكُونَ بَطْنُهُ ظَاهِرًا مِنَ الْحَرَامِ، فَإِنَّ الْحَرَامَ يَمْنَعُ الْإِجَابَةَ ٦١١ - وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَدْعُو اللَّهَ فَلَا يَسْتَجِيبُ لِي دُعَائِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا سَعْدُ اجْتَنِبِ الْحَرَامَ، فَإِنَّ كُلَّ بَطْنٍ دَخَلَ فِيهِ لُقْمَةٌ مِنْ حَرَامٍ لَا يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَيَنْبَغِي لِمَنْ دَعَا أَنْ لَا يَسْتَعْجِلَ، لِأَنَّ الدَّاعِيَ إِذَا دَعَا الرَّبَّ ﵎ أَجَابَهُ الرَّبُّ الْبَتَّةَ، وَرُبَّمَا تَتَبَيَّنُ الْإِجَابَةُ مِنْ سَاعَتِهِ وَرُبَّمَا تَتَبَيَّنُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَرُبَّمَا تَتَبَيَّنُ فِي الْآخِرَةِ وَلَا تَتَبَيَّنُ فِي الدُّنْيَا» وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ مُوسَى ﵇ دَعَا عَلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ بِالْهَلَاكِ، وَأَمَّنَ هَارُونُ ﵇، فَأَوْحَى اللَّهُ ﵎ إِلَيْهِمَا قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، كَانَ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ أَرْبَعُونَ سَنَةً ٦١٢ - وَرَوَى يَزِيدُ الرُّقَاشِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ضَرَبَ وَجْهَهُ بِالْبَلَاءِ، كَمَا تُضْرَبُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الْإِبِلِ عَنْ حِيَاضِ الْمَاءِ، فَيَكُونُ مَرْحُومًا فِي أَهْلِ السَّمَاءِ. وَمَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى إِحْدَى خِصَالٍ ثَلَاثٍ» . وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَرْبَعَةٌ لَا سَعَادَةَ فِيهِمْ، أَحَدُهُمْ: الَّذِي يَبْخَلُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالثَّانِي: الَّذِي لَا يُجِيبُ الْمُؤَذِّنَ. وَالثَّالِثُ: مَنِ اسْتَعَانَ بِهِ إِنْسَانٌ بِخَيْرٍ، فَلَا يُعِينُهُ. وَالرَّابِعُ: الَّذِي يَعْجَزُ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ دُبُرَ صَلَوَاتِهِ.

стр. 381

وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ الْأَنْطَاكِيُّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: دَوَاءُ الْقَلْبِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ، مُجَالَسَةُ الصَّالِحِينَ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَإِخْلَاءُ الْبَطْنِ مِنَ الْحَرَامِ، وَقِيَامُ اللَّيْلِ، وَالتَّضَرُّعُ عِنْدَ الصُّبْحِ. ٦١٣ - وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، وَامْسَحُوا بِهَا وُجُوهَكُمْ» . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ

стр. 382

بَابُ: مَا جَاءَ فِي التَّسْبِيحِ ٦١٤ - قَالَ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا عِمَارَةُ بْنُ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ» ٦١٥ - قَالَ: حَدَّثَنِي الثِّقَةُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ عِمْرَانَ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: «خُذُوا جَنَّتَكُمْ» . فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ. قَالَ: «لَا بَلْ مِنَ النَّارِ» . قَالُوا: وَمَا جَنَّتُنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُقَدِّمَاتٍ وَمُجَنِّبَاتٍ وَمُعَقِّبَاتٍ» . وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ مُقَدِّمَاتٍ يَعْنِي يُقَدِّمْنَ صَاحِبَهُنَّ إِلَى الْجَنَّةِ وَمُجَنِّبَاتٍ يَعْنِي يُجَنِّبْنَ صَاحِبَهُنَّ النَّارَ وَمُعَقِّبَاتٍ يَعْنِي حَافِظَاتٍ ٦١٦ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي الثِّقَةُ بِإِسْنَادٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: جَاءَ إِسْرَافِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، عَدَدَ مَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وَزِنَةَ مَا عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وَمِلْءَ مَا

стр. 383

عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى، فَمَنْ قَالَهَا مَرَّةً كَتَبَ اللَّهُ لَهُ خَمْسَ خِصَالٍ، كُتِبَ مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَكَانَ أَفْضَلَ مَنْ ذَكَرَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَكَانَ لَهُ غَرْسًا فِي الْجَنَّةِ وَتَحَاتَتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ، كَمَا يَتَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ الْيَابِسِ، وَنَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ وَمَنْ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْعَرْشَ أَمَرَ الْحَمَلَةَ بِحَمْلِهِ، فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُولُوا: سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَتَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ حَمْلُهُ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ طُولَ الدَّهْرِ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَى أَنْ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى آدَمَ ﵇، فَلَمَّا عَطَسَ آدَمُ ﵇ أَلْهَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَوْلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ وَلِهَذَا خَلَقْتُكَ. فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: كَلَمَةُ ثَانِيَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَغَافَلَ عَنْهَا فَضَمَّتْهَا إِلَى هَذِهِ فَقَالُوا: عَلَى طُولِ الدَّهْرِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ نُوحًا ﵇، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ الْأَصْنَامَ قَوْمُ نُوحٍ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نُوحٍ أَنْ يَأْمُرَ قَوْمَهُ أَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَيَرْضَى عَنْهُمْ. فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: هَذِهِ كَلَمَةٌ ثَالِثَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ لَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَغَافَلَ عَنْهَا فَضَمَّتْهَا إِلَى هَاتَيْنِ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ عَلَى طُولِ الدَّهْرِ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِلَى أَنْ بَعَثَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَأَمَرَهُ بِالْقُرْبَانِ ثُمَّ فَدَاهُ بِكَبْشٍ، فَلَمَّا رَأَى الْكَبْشَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَرَحًا بِذَلِكَ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: هَذِهِ كَلِمَةٌ رَابِعَةٌ جَلِيلَةٌ شَرِيفَةٌ فَضَمَّتْهَا إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَلَمَّا حَدَّثَ جِبْرِيلُ ﵇ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ تَعَجُّبًا: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» . فَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇ اضْمُمْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ إِلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ٦١٧ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ، كَمَا قَسَّمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي الْمَالَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الْإِيمَانَ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، فَإِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا أَعْطَاهُ الْإِيمَانَ، فَمَنْ ضَنَّ بِالْمَالِ أَنْ يُنْفِقَهُ، وَخَافَ

стр. 384

الْعَدُوَّ أَنْ يُجَاهِدَهُ، وَهَابَ اللَّيْلَ أَنْ يُكَايِدَهُ، فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ٦١٨ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» ٦١٩ - وَرَوَى سَمُرَةَ بْنُ جُنْدُبَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ، سُبْحَانَ اللَّهِ , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ» . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ سَائِلًا يَسْأَلُ شَيْئًا وَيَقُولُ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَيَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْقَرْضُ الْحَسَنُ. قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَعْنِي إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُعْسِرًا، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَلْيَقُلْ: بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَنَالُ فَضْلَ الصَّدَقَةِ. ٦٢٠ - وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَثَّ أَصْحَابَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَعَل النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ، وَأَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ جَالِسٌ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّكَ تُحَرِّكُ شَفَتَيْكَ، فَمَاذَا تَقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ» ؟ فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَى النَّاسَ يَتَصَدَّقُونَ، وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ أَتَصَدَّقُ بِهِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا أَبَا أُمَامَةَ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ خَيْرٌ لَكَ مِنْ مُدِّ ذَهَبٍ تَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ» . وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 385

بَابُ: فَضْلِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ٦٢١ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنْ جَدِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " مَا مِنْكُمْ أَحَدٌ سَلَّمَ عَلَيَّ إِذَا مُتُّ إِلَّا جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ. فَأَقُولُ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ " ٦٢٢ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ: «بَلَغَنِي أَنَّ الدُّعَاءَ يُحْبَسُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّكَ ﵇» ٦٢٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ , وَفِي نُسْخَةِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُوسَى الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «آمِينَ» ، ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ: «آمِينَ» ، ثُمَّ صَعِدَ فَقَالَ: " أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ: قُلْتُ آمِينَ وَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْتُ: آمِينَ ". قَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ

стр. 386

يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْتُ آمِينَ ٦٢٤ - وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، قَضَى اللَّهُ لَهُ مِائَةَ حَاجَةٍ، سَبْعِينَ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ وَثَلَاثِينَ فِي الدُّنْيَا» ٦٢٥ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، أَيْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ أُمَّتِي مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ» . قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبِي يَحْكِي قَالَ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ، إِذْ رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ قَدَمًا، وَلَا يَضَعُ قَدَمًا، إِلَّا وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا هَذَا إِنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ، وَأَقْبَلْتَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هَلْ عِنْدَكَ فِي هَذَا شَيْءٌ؟ قَالَ: مَنْ أَنْتَ عَافَاكَ اللَّهُ؟ فَقُلْتُ: أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. قَالَ: لَوْلَا أَنَّكَ غَرِيبٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ، مَا أَخْبَرْتُكَ عَنْ حَالِي، وَلَا أَطْلَعْتُكَ عَلَى سِرِّي. ثُمَّ قَالَ لِي: خَرَجْتُ وَوَالِدِي حَاجًّا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ، مَرِضَ وَالِدِي فَقُمْتُ لِأُعَالِجَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَأْسِهِ إِذْ مَاتَ وَالِدِي اسْوَدَّ وَجْهُهُ، فَقُلْتُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَجَذَبْتُ الْإِزَارَ عَلَى وَجْهِهِ فَغَطَّيْتُهُ، فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ وَجْهًا، وَلَا أَنْظَفَ مِنْهُ ثَوْبًا، وَلَا أَطْيَبَ مِنْهُ رِيحًا، يَرْفَعُ قَدَمًا وَيَضَعُ أُخْرَى، حَتَّى دَنَا مِنْ وَالِدِي فَكَشَفَ الْإِزَارَ عَنْ وَجْهِهِ، فَابْيَضَّ ثُمَّ وَلَّى رَاجِعًا، فَتَعَلَّقْتُ بِثَوْبِهِ فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَنْ أَنْتَ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ عَلَى وَالِدِي فِي أَرْضِ الْغُرْبَةِ؟ قَالَ: «أَوَمَا تَعْرِفُنِي أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ الْقُرْآنِ أَمَا إِنَّ وَالِدَكَ كَانَ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَلَمَّا نَزَلَ اسْتَغَاثَ بِي، وَأَنَا غِيَاثٌ لِمَنْ أَكْثَرَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ» . فَانْتَبَهْتُ فَإِذَا وَجْهُ أَبِي أَبْيَضَ.

стр. 387

٦٢٦ - وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرَ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ فَقَدْ أَخْطَأَ طَرِيقَ الْجَنَّةَ» ٦٢٧ - وَعَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعٌ مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ وَهُوَ قَائِمٌ، وَأَنْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَنْ يَسْمَعَ النِّدَاءَ، فَلَا يَشْهَدُ مِثْلَ مَا يَشْهَدُ الْمُؤَذِّنُ، وَأَنْ أُذْكَرَ عِنْدَهُ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ» ٦٢٨ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَيَّ زَكَاةٌ لَكُمْ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ» . قَالُوا: وَمَا الْوَسِيلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ أَنَا» . مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : زَكَاةٌ لَكُمْ يَعْنِي طَهَارَةٌ لَكُمْ وَمَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِكُمْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوَابٌ سِوَى أَنَّهُ يُرْجَى بِذَلِكَ شَفَاعَتُهُ، لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ، أَنْ لَا يَغْفُلَ عَنْهُ فَكَيْفَ وَفِيهَا مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ وَفِيهَا الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. ٦٢٩ - وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ» . وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَانْظُرْ وَتَفَكَّرْ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا

стр. 388

الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، فَفِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِهَا، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ صَلَّى عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوَّلًا، وَأَمَرَ مَلَائِكَتَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ. ٦٣٠ - وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ , قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلَّيْتَ أَنْتَ وَمَلَائِكَتُكَ عَلَى مُحَمَّدٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ، أَنِّي أُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، كُلَّمَا ذَكَرَكَ الذَّاكِرُونَ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ

стр. 389

بَابُ: مَا جَاءَ فِي فَضْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ٦٣١ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْأَفْرِيقِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْمِيزَانِ، فَيَخْرُجُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدَّ الْبَصَرِ فِيهَا خَطَايَاهُ وَذُنُوبُهُ، فَيُوضَعُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، ثُمَّ يَخْرُجُ قِرْطَاسٌ مِثْلُ أُنْمُلَةٍ، فِيهَا شِهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى فَيُرَجَّحُ عَلَى خَطَايَاهُ» ٦٣٢ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ٦٣٣ - حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حِبَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَدِيَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ

стр. 390

اللَّهِ ﷺ : " نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا جِبْرِيلُ كَيْفَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَكُونُونَ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا ذَنْبٌ قَطُّ، فَإِذَا زَفَرَتْ جَهَنَّمُ زَفْرَةً تَتَعَلَّقُ الْمَلَائِكَةُ بِالْعَرْشِ. وَيَقُولُ كُلُّ مَلَكٍ: يَا رَبُّ لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ وَمَا الْعِهْنُ الْمَنْفُوشُ؟ قَالَ: يَعْنِي الصُّوفَ الْمَنْدُوفَ وَتَذُوبُ الْجِبَالُ مِنْ مَخَافَةِ جَهَنَّمَ يَا مُحَمَّدُ، فَيُجَاءُ بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ تَزْفِرُ زَفْرَةً عَلَيْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ آخِذِينَ بِزِمَامِهَا حَتَّى تُوقَفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، فَيَقُولُ لَهَا: يَا جَهَنَّمُ تَكَلَّمِي فَتَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعِزَّتِكَ وَعِصْمَتِكَ لَأَنْتَقِمَنَّ لَكَ الْيَوْمَ، مِمَّنْ أَكَلَ رِزْقَكَ وَعَبَدَ غَيْرَكَ، لَا يُجَاوِزُنِي إِلَّا مَنْ عِنْدَهُ جَوَازٌ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا جِبْرِيلُ. وَمَا الْجَوَازُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: أَبْشِرْ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْجَوَازِ، أَلَا مَنْ شَهِدَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ جَازَ مِنْ جِسْرِ جَهَنَّمَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَلْهَمَ أُمَّتِي شِهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ , قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَافِرُ الذَّنْبِ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَابِلُ التَّوْبِ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. شَدِيدُ الْعِقَابِ لِمَنْ لَا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فِي آنَاءِ اللَّيْلِ، وَأَطْرَافِ النَّهَارِ أَنْ لَا يَنْزِعَ مِنْهُ الْإِيمَانَ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ وَيَحْفَظَ نَفْسَهُ مِنَ الْمَعَاصِي، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ يُنْزَعُ مِنْهُمْ فِي آخِرِ عُمْرِهِمْ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ، وَيَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى الْكُفْرِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ وَأَيُّ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ اسْمُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ فَيُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاسْمُهُ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَهَذَا هُوَ الْحَسْرَةُ كُلُّ الْحَسْرَةِ وَلَيْسَتِ الْحَسْرَةُ بِالَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْكَنِيسَةِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ جَهَنَّمَ وَلَكِنَّ الْحَسْرَةَ بِالَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ،
следующие страницы →