Полный текст (602 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْتُ آمِينَ
٦٢٤ - وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ، قَضَى اللَّهُ لَهُ مِائَةَ حَاجَةٍ، سَبْعِينَ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ وَثَلَاثِينَ فِي الدُّنْيَا»
٦٢٥ - وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ بَدْرِيًّا، أَيْ قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ أُمَّتِي مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَرَفَعَ لَهُ عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ» .
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبِي يَحْكِي قَالَ: كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ، إِذْ رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ قَدَمًا، وَلَا يَضَعُ قَدَمًا، إِلَّا وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا هَذَا إِنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ، وَأَقْبَلْتَ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هَلْ عِنْدَكَ فِي هَذَا شَيْءٌ؟ قَالَ: مَنْ أَنْتَ عَافَاكَ اللَّهُ؟ فَقُلْتُ: أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ.
قَالَ: لَوْلَا أَنَّكَ غَرِيبٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ، مَا أَخْبَرْتُكَ عَنْ حَالِي، وَلَا أَطْلَعْتُكَ عَلَى سِرِّي.
ثُمَّ قَالَ لِي: خَرَجْتُ وَوَالِدِي حَاجًّا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ، مَرِضَ وَالِدِي فَقُمْتُ لِأُعَالِجَهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدَ رَأْسِهِ إِذْ مَاتَ وَالِدِي اسْوَدَّ وَجْهُهُ، فَقُلْتُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، فَجَذَبْتُ الْإِزَارَ عَلَى وَجْهِهِ فَغَطَّيْتُهُ، فَغَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ لَمْ أَرَ أَحْسَنَ مِنْهُ وَجْهًا، وَلَا أَنْظَفَ مِنْهُ ثَوْبًا، وَلَا أَطْيَبَ مِنْهُ رِيحًا، يَرْفَعُ قَدَمًا وَيَضَعُ أُخْرَى، حَتَّى دَنَا مِنْ وَالِدِي فَكَشَفَ الْإِزَارَ عَنْ وَجْهِهِ، فَابْيَضَّ ثُمَّ وَلَّى رَاجِعًا، فَتَعَلَّقْتُ بِثَوْبِهِ فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَنْ أَنْتَ الَّذِي مَنَّ اللَّهُ عَلَى وَالِدِي فِي أَرْضِ الْغُرْبَةِ؟ قَالَ: «أَوَمَا تَعْرِفُنِي أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ صَاحِبُ الْقُرْآنِ أَمَا إِنَّ وَالِدَكَ كَانَ مُسْرِفًا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَلَمَّا نَزَلَ اسْتَغَاثَ بِي، وَأَنَا غِيَاثٌ لِمَنْ أَكْثَرَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ» .
فَانْتَبَهْتُ فَإِذَا وَجْهُ أَبِي أَبْيَضَ.
стр. 387
٦٢٦ - وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرَ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ فَقَدْ أَخْطَأَ طَرِيقَ الْجَنَّةَ»
٦٢٧ - وَعَنْ أَبِي بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعٌ مِنَ الْجَفَاءِ أَنْ يَبُولَ الرَّجُلُ وَهُوَ قَائِمٌ، وَأَنْ يَمْسَحَ جَبْهَتَهُ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَأَنْ يَسْمَعَ النِّدَاءَ، فَلَا يَشْهَدُ مِثْلَ مَا يَشْهَدُ الْمُؤَذِّنُ، وَأَنْ أُذْكَرَ عِنْدَهُ فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ»
٦٢٨ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَيَّ زَكَاةٌ لَكُمْ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ» .
قَالُوا: وَمَا الْوَسِيلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ أَنَا» .
مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ : زَكَاةٌ لَكُمْ يَعْنِي طَهَارَةٌ لَكُمْ وَمَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِكُمْ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثَوَابٌ سِوَى أَنَّهُ يُرْجَى بِذَلِكَ شَفَاعَتُهُ، لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ، أَنْ لَا يَغْفُلَ عَنْهُ فَكَيْفَ وَفِيهَا مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ وَفِيهَا الصَّلَاةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
٦٢٩ - وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحَطَّ عَنْهُ عَشْرَ خَطِيئَاتٍ» .
وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، فَانْظُرْ وَتَفَكَّرْ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا
стр. 388
الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، فَفِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِهَا، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ صَلَّى عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوَّلًا، وَأَمَرَ مَلَائِكَتَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ، فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ.
٦٣٠ - وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ , قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلَّيْتَ أَنْتَ وَمَلَائِكَتُكَ عَلَى مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ، أَنِّي أُصَلِّي عَلَى مُحَمَّدٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، كُلَّمَا ذَكَرَكَ الذَّاكِرُونَ، وَغَفَلَ عَنْ ذِكْرِهِ الْغَافِلُونَ
стр. 389
بَابُ: مَا جَاءَ فِي فَضْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
٦٣١ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْأَفْرِيقِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْمِيزَانِ، فَيَخْرُجُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِنْهَا مَدَّ الْبَصَرِ فِيهَا خَطَايَاهُ وَذُنُوبُهُ، فَيُوضَعُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ، ثُمَّ يَخْرُجُ قِرْطَاسٌ مِثْلُ أُنْمُلَةٍ، فِيهَا شِهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيُوضَعُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى فَيُرَجَّحُ عَلَى خَطَايَاهُ»
٦٣٢ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: «أَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»
٦٣٣ - حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حِبَّانَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هَدِيَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
стр. 390
اللَّهِ ﷺ : " نَزَلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ ﵇ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا جِبْرِيلُ كَيْفَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ يَكُونُونَ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهَا ذَنْبٌ قَطُّ، فَإِذَا زَفَرَتْ جَهَنَّمُ زَفْرَةً تَتَعَلَّقُ الْمَلَائِكَةُ بِالْعَرْشِ.
وَيَقُولُ كُلُّ مَلَكٍ: يَا رَبُّ لَا أَسْأَلُكَ إِلَّا نَفْسِي وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ وَمَا الْعِهْنُ الْمَنْفُوشُ؟ قَالَ: يَعْنِي الصُّوفَ الْمَنْدُوفَ وَتَذُوبُ الْجِبَالُ مِنْ مَخَافَةِ جَهَنَّمَ يَا مُحَمَّدُ، فَيُجَاءُ بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ تَزْفِرُ زَفْرَةً عَلَيْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ آخِذِينَ بِزِمَامِهَا حَتَّى تُوقَفَ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ، فَيَقُولُ لَهَا: يَا جَهَنَّمُ تَكَلَّمِي فَتَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعِزَّتِكَ وَعِصْمَتِكَ لَأَنْتَقِمَنَّ لَكَ الْيَوْمَ، مِمَّنْ أَكَلَ رِزْقَكَ وَعَبَدَ غَيْرَكَ، لَا يُجَاوِزُنِي إِلَّا مَنْ عِنْدَهُ جَوَازٌ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يَا جِبْرِيلُ.
وَمَا الْجَوَازُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: أَبْشِرْ يَا مُحَمَّدُ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْجَوَازِ، أَلَا مَنْ شَهِدَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ جَازَ مِنْ جِسْرِ جَهَنَّمَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَلْهَمَ أُمَّتِي شِهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ , قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: غَافِرُ الذَّنْبِ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَقَابِلُ التَّوْبِ لِمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
شَدِيدُ الْعِقَابِ لِمَنْ لَا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى فِي آنَاءِ اللَّيْلِ، وَأَطْرَافِ النَّهَارِ أَنْ لَا يَنْزِعَ مِنْهُ الْإِيمَانَ، وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ وَيَحْفَظَ نَفْسَهُ مِنَ الْمَعَاصِي، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ، ثُمَّ يُنْزَعُ مِنْهُمْ فِي آخِرِ عُمْرِهِمْ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ، وَيَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى الْكُفْرِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ وَأَيُّ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ اسْمُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي جَمِيعِ عُمْرِهِ فَيُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاسْمُهُ مِنَ الْكَافِرِينَ، فَهَذَا هُوَ الْحَسْرَةُ كُلُّ الْحَسْرَةِ وَلَيْسَتِ الْحَسْرَةُ بِالَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْكَنِيسَةِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ جَهَنَّمَ وَلَكِنَّ الْحَسْرَةَ بِالَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْمَسْجِدِ،
стр. 391
فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِسَبَبِ أَعْمَالِهِ الْخَبِيثَةِ، وَارْتِكَابِهِ الْمُحَرَّمَاتِ فِي السَّرَائِرِ فَرُبَّ رَجُلٍ وَقَعَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ فَيَقُولُ: أُنْفِقُهَا ثُمَّ أَرُدُّهَا أَوْ أَسْتَحِلُّ مِنْهُمْ، فَيَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ، وَرُبَّ إِنْسَانٍ وَقَعَ مِنْهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ حُرْمَةٌ فَيَقُولُ: كَيْفَ أَدَعُهَا وَبَيْنَنَا أَوْلَادٌ؟ فَيُصِرُّ عَلَى ذَلِكَ، فَانْظُرْ يَا أَخِي وَاجْتَهِدْ فِي إِصْلَاحِ أَمْرِكَ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيكَ الْمَوْتُ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَتَى يَأْتِيكَ الْمَوْتُ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُمْرَ قَلِيلٌ، الْحَسْرَةُ طَوِيلَةٌ، وَعَلَيْكَ أَنْ تُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثَمَنُ الْجَنَّةِ
٦٣٤ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِلْجَنَّةِ ثَمَنٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»
٦٣٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْبَقُ النَّاسِ إِلَى شَفَاعَتِكَ؟ قَالَ: " مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ نَفْسِهِ " وَعَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] ، قَالَ: إِذَا أُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: يَا لَيْتَنَا كُنَّا مُسْلِمِينَ وَعَنْ عَطَاءٍ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] ، يَعْنِي مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠] ، يَعْنِي مَنْ جَاءَ بِالشِّرْكِ وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] ، قَالَ " هَلْ جَزَاءُ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِلَّا الْجَنَّةُ "
стр. 392
٦٣٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمًا فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الرَّبَّ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَهُوَ يَقُولُ: مَا لِي أَرَاكَ مَغْمُومًا حَزِينًا وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ.
فَقَالَ: «يَا جِبْرِيلُ قَدْ طَالَ تَفَكُّرِي فِي أَمْرِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قَالَ: يَا مُحَمَّدُ فِي أَمْرِ أَهْلِ الْكُفْرِ أَمْ فِي أَمْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ: «يَا جِبْرِيلُ لَا بَلْ فِي أَمْرِ أَهْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .
قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى أَقَامَهُ عَلَى مَقْبَرَةٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ، فَضَرَبَ بِجَنَاحِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى قَبْرِ مَيِّتٍ فَقَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَامَ رَجُلٌ مُبْيَضُّ الْوَجْهِ وَهُوَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: عُدْ فَعَادَ كَمَا كَانَ ثُمَّ ضَرَبَ بِجَنَاحِهِ الْأَيْسَرِ عَلَى قَبْرِ مَيِّتٍ يَقُولُ: وَاحَسْرَتَاهُ وَانَدَامَتَاهُ وَاسَوْأَتَاهُ.
فَقَالَ لَهُ: عُدْ.
فَعَادَ كَمَا كَانَ.
ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ: هَكَذَا يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا مَاتُوا عَلَيْهِ
٦٣٧ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنَّهَا تَهْدِمُ الذُّنُوبَ هَدْمًا» .
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَإِنْ قَالَهَا فِي حَيَاتِهِ؟ قَالَ: «هِيَ أَهْدَمُ وَأَهْدَمُ»
٦٣٨ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «احْضُرُوا مَوْتَاكُمْ، فَلَقِّنُوهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَبَشِّرُوهُمْ بِالْجَنَّةِ، فَإِنَّ الْحَلِيمَ الْعَلِيمَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالنِّسَاءِ يَحَارُ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَصْرَعِ، وَإِنَّ إِبْلِيسَ عَدُوَّ اللَّهِ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ مِنَ الْعَبْدِ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ عِنْدَ فِرَاقِ الدُّنْيَا، وَتَرْكِ الْأَحِبَّةِ، وَلَا تُقَنِّطُوهُمْ فَإِنَّ الْكَرْبَ شَدِيدٌ وَالْأَمْرَ عَظِيمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَمُعَالَجَةُ مَلَكِ الْمَوْتِ أَشَدُّ مِنْ أَلْفِ ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ» .
وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ، وَكَانَ فِي زَمَنِهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ، فَمَاتَ الْعَابِدُ فَقِيلَ لِمُوسَى ﵇ إِنَّهُ فِي النَّارِ، وَمَاتَ الْفَاجِرُ فَقِيلَ لِمُوسَى ﵇: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
قَالَ مُوسَى ﵇ لِامْرَأَةِ الْعَابِدِ: مَا كَانَ عَمَلُهُ؟ قَالَتْ: كَانَ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ وَمَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ.
فَقَالَ: وَمَا كَانَ عَمَلُهُ أَيْضًا؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: طُوبَى لَنَا إِنْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى حَقًّا.
وَقَالَ لِامْرَأَةِ الْفَاجِرِ: مَا كَانَ عَمَلُهُ قَالَتْ: كَانَ مِنْ أَفْجَرِ النَّاسِ وَمَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ.
فَقَالَ: وَمَا كَانَ عَمَلُهُ أَيْضًا؟ قَالَتْ: كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ
стр. 393
٦٣٩ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَرَجَ مِنْ فِيهِ طَيْرٌ أَخْضَرُ، لَهُ جَنَاحَانِ أَبْيَضَانِ مُكَلَّلَانِ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، فَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ، فَيُسْمَعُ لَهُ دَوِيٌّ تَحْتَ الْعَرْشِ، كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَيُقَالُ لَهُ: اسْكُنْ فَيَقُولُ: لَا حَتَّى تَغْفِرَ لِصَاحِبِي، فَيُغْفَرُ لِقَائِلِهَا، ثُمَّ يُجْعَلُ بَعْدَهَا لِذَلِكَ الطَّائِرِ سَبْعُونَ لِسَانًا يَسْتَغْفِرُ لِصَاحِبِهِ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَاءَ ذَلِكَ الطَّيْرُ فَأَخَذَ بِيَدِ صَاحِبِهِ حَتَّى يَكُونَ قَائِدَهُ، وَدَلِيلَهُ إِلَى الْجَنَّةِ ".
وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَغْرَقَ فِرْعَوْنَ، وَأَنْجَى مُوسَى ﵇، قَالَ مُوسَى: يَا رَبُّ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَعْمَلُهُ يَكُونُ شُكْرًا لِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيّ قَالَ: يَا مُوسَى قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
وَكَانَ مُوسَى يَطْلُبُ الزِّيَادَةَ.
فَقَالَ: يَا مُوسَى لَوْ وُضِعَتْ سَبْعُ سَمَوَاتٍ، وَسَبْعُ أَرَاضِينَ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى لَرَجَحَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَعَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: ثَلَاثٌ لَا يَحْجُبُهُنَّ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ.
شِهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَدَعْوَةُ مُوقِنٍ بِالْإِجَابَةِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ عَلَى الظَّالِمِ.
٦٤٠ - وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ خَالِصًا، وَمَدَّهَا بِالتَّعْظِيمِ كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلَافِ ذَنْبٍ مِنَ الْكَبَائِرِ.
قِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَرْبَعَةُ آلَافِ ذَنْبٍ؟ قَالَ: يُغْفَرُ مِنْ ذُنُوبِ أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ يُقَالُ: مَنْ حَفِظَ سَبْعَ كَلِمَاتٍ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ شَرِيفٌ، وَعِنْدَ الْمَلَائِكَةِ شَرِيٌف، وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، وَيَجِدُ حَلَاوَةَ الطَّاعَةِ وَتَكُونُ حَيَاتُهُ وَمَمَاتُهُ خَيْرًا لَهُ.
أَوَّلُهَا: أَنْ يَقُولَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ كُلِّ شَيْءٍ: بِسْمِ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَقُولَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ لَغْوٌ، أَوْ عَمِلَ سُوءًا قَلَّ أَوْ كَثُرَ يَقُولُ بَعْدَهُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وَالرَّابِعُ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: أَفْعَلُ غَدًا كَذَا فَيَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَالْخَامِسُ: إِذَا اسْتَقْبَلَهُ مَكْرُوهٌ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
стр. 394
وَالسَّادِسُ: إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فِي النَّفْسِ، أَوْ فِي الْمَالِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، يَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.
وَالسَّابِعُ: لَا يَزَالُ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ فِي آنَاءِ اللَّيْلِ وَأَطْرَافِ النَّهَارِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ..
٦٤١ - وَرُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: حَدَّثَنَا مَنْ سَمِعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ يَقُولُ: اكْشِفُوا عَنِّي فَإِنِّي سَمِعْتُ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدِيثًا لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ بِهِ، إِلَّا أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِهِ.
سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مُوقِنًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»
٦٤٢ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ لَقِنَ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» .
٦٤٣ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ مِنَ الدُّنْيَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»
٦٤٤ - بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ نُوحٌ ﵇ ابْنَهُ، قَالَ: يَا بُنَيَّ آمُرُكَ بِأَمْرَيْنِ، وَأَنْهَاكَ عَنْ أَمْرَيْنِ، آمُرُكَ أَنْ تَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَإِنَّ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ لَوْ جُعِلَتَا فِي كِفَّةٍ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ أُخْرَى لَوَزَنَتْهُمَا.
وَآمُرُكَ أَنْ تَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، فَإِنَّهَا صَلَاةَ الْمَلَائِكَةِ، وَدُعَاءُ الْخَلْقِ، وَبِهَا يُرْزَقُ الْخَلْقُ، وَأَنْهَاكَ أَنْ تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، فَإِنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ شَيْئًا فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَنْهَاكَ عَنِ الْكِبْرِ، فَإِنَّهُ لَا أَحَدَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَفِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ "
٦٤٥ - وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الْجَنَّةَ
стр. 395
فَقَدِ اشْتُرِطَ فِي هَذَا الْقَوْلِ الْإِخْلَاصُ، وَلَا يَكُونُ الْإِخْلَاصُ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الذُّنُوبِ فَلَيْسَ بِمُخْلِصٍ، وَيُخَافُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَوْلُ عِنْدَهُ عَارِيَةً وَالْعَارِيَةُ تُسْتَرَدُّ مِنْهُ.
النَّاسُ فِي إِيمَانِهِمْ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِيمَانُهُ لَهُ عَطَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِيمَانُهُ لَهُ عَارِيَةً، فَالْعَلَامَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَكُونُ إِيمَانُهُ عَطَاءً يَمْنَعُهُ مِنَ الذُّنُوبِ.
وَيُرَغِّبُهُ فِي الطَّاعَاتِ وَالَّذِي هُوَ عَارِيَةٌ لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَا يُرَغِّبُهُ فِي الطَّاعَاتِ، لِأَنَّهُ لَا تَدْبِيرَ لَهُ فِي مَكَانٍ هُوَ فِيهِ عَارِيَةٌ
٦٤٦ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثَمَنُ الْجَنَّةِ» .
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ» .
وَيُقَالُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ، وَلَكِنَّ الْمِفْتَاحَ لَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْأَسْنَانِ حَتَّى يَفْتَحَ الْبَابَ، وَمِنْ أَسْنَانِهِ لِسَانٌ ذَاكِرٌ طَاهِرٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالْغِيبَةِ، وَقَلْبٌ خَاشِعٌ طَاهِرٌ مِنَ الْحَسَدِ وَالْخِيَانَةِ، وَبَطْنٌ طَاهِرٌ مِنَ الْحَرَامِ وَالشُّبْهَةِ، وَجَوَارِحٌ مَشْغُولَةٌ بِالْخِدْمَةِ طَاهِرَةٌ عَنِ الْمَعَاصِي
٦٤٧ - وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُقَرِّبُنِي إِلَى الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ.
قَالَ: «إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً، فَاعْمَلْ بِجَنْبِهَا حَسَنَةً، فَإِنَّهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» .
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ؟ قَالَ: هِيَ مِنْ أَحْسَنِ الْحَسَنَاتِ وَرَوَى سَلَمَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: يَنْدَرِسُ الْإِسْلَامُ حَتَّى لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا الصَّلَاةُ وَمَا الصِّيَامُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَقُولُ: كَانَ مِنْ قَبْلِنَا مَنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَحْنُ نَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
قِيلَ لَهُ: فَمَا يُغْنِي عَنْهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: يَنْجُونَ بِهَا مِنَ النَّارِ وَيَدْخُلُونَ بِهَا الْجَنَّةَ
стр. 396
بَابُ: مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الْقُرْآنِ
٦٤٨ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمُعَلَّى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، أَنَّهُ قَالَ: «الْقُرْآنُ شَافِعٌ مُشَفَّعٌ، وَمَاحِلٌ مُصَدَّقٌ فَمَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ»
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَعْنَى قَوْلِهِ: «شَافِعٌ مُشَفَّعٌ» ، يَعْنِي يَطْلُبُ الشَّفَاعَةَ لِصَاحِبِهِ، وَتُعْطَى لَهُ الشَّفَاعَةُ، وَالْمَاحِلُ السَّاعِي، يَعْنِي يَسْعَى لِصَاحِبِهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهُ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَيُصَدَّقُ قَوْلُهُ، فَمَنْ جَعَلَهُ أَمَامَهُ، يَعْنِي يَقْرَأُهُ، وَيَعْمَلُ بِهِ قَادَهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ جَعَلَهُ خَلْفَهُ يَعْنِي جَفَاهُ فَلَمْ يَقْرَأْهُ، وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ سَاقَهُ إِلَى النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
٦٤٩ - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ وَكَانَ عَامِلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى مَكَّةَ، فَخَرَجَ يَتَلَقَّى عُمَرَ فِي بَعْضِ حَجَّاتِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى مَكَّةَ» ، قَالَ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي أَبْزِيِّ.
قَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «تَسْتَعْمِلُ رَجُلًا مِنَ الْمَوَالِي عَلَى قُرَيْشٍ؟» قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي لَمْ أَدَعْ خَلْفِي أَحَدًا أَقْرَأَ لِلْقُرْآنِ مِنْهُ، قَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «نَعَمْ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفَعَ بِالْقُرْآنِ رِجَالًا، وَوَضَعَ رِجَالًا وَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي أَبْزَى مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ بِالْقُرْآنِ»
стр. 397
٦٥٠ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الْمُسَيِّبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ , قَالَ: " إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ مَأَدُبَةُ اللَّهِ، فَتَعَلَّمُوا مَأْدُبَةَ اللَّهِ تَعَالَى مَا اسْتَطَعْتُمْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَنُورٌ مُبِينٌ، وَشِفَاءٌ نَافِعٌ، وَعِصْمَةٌ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ، وَمَنْجَاةٌ لِمَنْ تَبِعَهُ لَا يَعْوَجُّ فَيُقَوَّمُ وَلَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبُ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَمْ يَخْلُقْ عَنْ كَثْرَةِ التِّرْدَادِ اتْلُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْجُرُكُمْ عَلَى تِلَاوَتِهِ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ: الم عَشَرَةٌ وَلَكِنِ الْأَلِفُ عَشَرَةٌ، وَاللَّامُ عَشَرَةٌ، وَالْمِيمُ عَشَرَةٌ "
٦٥١ - وَرَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ.
وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَتَدَارَسُونَهُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ عِنْدَهُ»
٦٥٢ - وَرَوَى يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اسْتَظْهَرَ الْقُرْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ ﵎ عَنْ أَبَوَيْهِ الْعَذَابَ وَإِنْ كَانَا كَافِرَيْنِ»
٦٥٣ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ , قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّمَا أُدْرِجَتِ النُّبُوَّةُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَرَأَى أَنَّ أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى أُعْطِيَ أَفْضَلُ مِمَّا أُعْطِيَ، فَقَدْ حَقَّرَ مَا عَظَّمَ اللَّهُ، وَعَظَّمَ مَا حَقَّرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَيْسَ يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَجْهَلَ، فِيمَنْ يَجْهَلُ وَلَا يَجِدُ فِيمَنْ يَجِدُ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ
стр. 398
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁، يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ، إِذَا النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ يَصُومُ إِذَا النَّاسُ مُفْطِرُونَ، وَبِحُزْنِهِ إِذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إِذَا النَّاسُ يَخْتَالُونَ، وَيَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ بَاكِيًا، حَزِينًا، حَلِيمًا، سَكِينًا، لَيِّنًا، وَلَا يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ، أَنْ يَكُونَ حَافِيًا، وَلَا غَافِلًا، وَلَا صَيَّاحًا , وَلَا حَدِيدًا
٦٥٤ - وَرَوَى مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " ثَلَاثَةٌ هُمُ الْغُرَبَاءُ فِي الدُّنْيَا: الْقُرْآنُ فِي جَوْفِ الظَّالِمِ، وَالرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي قَوْمِ سُوءٍ، وَالْمُصْحَفُ فِي بَيْتٍ لَا يُقْرَأُ فِيهِ " وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَكَأَنَّمَا رَأَى النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
٦٥٥ - وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ عَدَدَ دَرَجِ الْجَنَّةِ، عَلَى عَدَدِ آيِ الْقُرْآنِ فَيُقَالُ لِلْقَارِئِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: اقْرَأْ وَارْقَ.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُ نِصْفُ الْقُرْآنِ، يُقَالُ لَهُ لَوْ كَانَ عِنْدَكَ زِيَادَةٌ لَزِدْنَاكَ
٦٥٦ - وَرَوَى خَالِدُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ قَائِمٌ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي الصَّلَاةِ قَاعِدًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ خَمْسِينَ حَسَنَةٍ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَهُوَ يُرِيدُ الْأَجْرَ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ، وَمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى يَخْتِمَهُ، كَانَتْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ إِمَّا مُعَجَّلَةٌ وَإِمَّا مُؤَجَّلَةٌ»
стр. 399
٦٥٧ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " ثَلَاثَةٌ لَا يَسْتَخِفُّ بِحَقِّهِنَّ إِلَّا مُنَافِقٌ: إِمَامُ قِسْطٍ، وَذُو شَيْبَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَحَامِلُ الْقُرْآنِ "
٦٥٨ - وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: حَرَّضَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى تَعَلُّمِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ أَخْبَرَنَا عَنْ فَضْلِهِ.
وَقَالَ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ» .
ثُمَّ أَخْبَرَنَا عَنْ فَضْلِهِ، وَقَالَ: «إِنَّ الْقُرْآنَ يَأْتِي أَهْلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَيْهِ» .
قَالَ: " فَيُقْدِمُ عَلَى صَاحِبِهِ بِأَحْسَنِ صُورَةٍ لَهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا الَّذِي كُنْتَ تُحِبُّهُ، وَتُكْرِمُهُ وَكُنْتَ تَسْهَرُ لَيْلَكَ بِي وَتَدْأَبُ نَهَارَكَ.
يَعْنِي مِنْ عَادَتِكَ أَنْ تَقْرَأَ نَهَارَكَ قَالَ: فَيَقُولُ: لَعَلَّكَ الْقُرْآنُ، ثُمَّ يُقْدِمُ عَلَى اللَّهِ فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ تَاجُ الْمُلْكِ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَلْبَسُ وَالِدَاهُ الْمُسْلِمَانِ حُلَّتَيْنِ، مَا يَقُومُ بِهِمَا فِي الدُّنْيَا وَأَضْعَافِهَا، فَيَقُولَانِ: مِنْ أَيْنَ لَنَا هَذَا وَلَمْ تَبْلُغْهُ أَعْمَالُنَا فَيُقَالُ لَهُمَا بِفَضْلِ وَلَدِكُمَا بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أُعْطِيتُمَا ذَلِكَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «تَعَلَّمُوا الزَّهْرَاوَيْنِ.
يَعْنِي الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ أَهْلَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَابَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافٍّ بِأَجْنِحَتِهِمَا وَيُحَاجَّانِ عَنْ أَهْلِيهِمَا» .
ثُمَّ قَالَ: «تَعَلَّمُوا الْبَقَرَةَ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا يَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» يَعْنِي السَّحَرَةَ، ثُمَّ قَالَ: «هَذَا لِمَنْ تَعَلَّمَهُ، وَلَمْ يَلْغُ فِيهِ، وَيَعْمَلُ بِهِ، وَلَمْ يَجْفُ عَنْهُ، وَلَمْ يَسْتَأْكِلْ بِهِ» وَعَنْ سَعْدِ ابْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ نَهَارًا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِي، وَمَنْ خَتَمَهُ لَيْلًا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَخْتِمُوا نَهَارًا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُخْتَمَ فِي أَيَّامِ الصَّيْفِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، وَفِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، حَتَّى تَكُونَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ أَكْثَرَ
стр. 400
٦٥٩ - وَرَوَى قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ التَّمْرِ طَعْمُهُ طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهُ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا»
٦٦٠ - وَرَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بَالصَّدَقَةِ، وَالْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ» .
يَعْنِي إِنْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ أَسَرَّ فَهُوَ أَفْضَلُ
٦٦١ - وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الذُّنُوبُ فَلَمْ أَرَ فِيهَا سَيِّئًا أَعْظَمَ مِنْ حَامِلِ الْقُرْآنِ وَتَارِكِهِ»
٦٦٢ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ حُطَّ لَهُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةٌ، وَجَاءَ يَوْمَ الَقِيَامَةِ مَجْذُومًا مَخْصُومًا»
٦٦٣ - وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْزَمَ» أَيْ مَقْطُوعَ الْيَدِ وَعَنِ الضَّحَّاكِ , قَالَ: مَا تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهُ إِلَّا بِذَنْبٍ يُصِيبُهُ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] ، وَأَيُّ مُصِيبَةٍ أَعْظَمُ مِنْ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ
стр. 401
٦٦٤ - سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرَ ﵀ , قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا شَاذَانُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَلِيمِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , يَقُولُ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ، فَقَدْ أَدَّى حَقَّهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ عَلَى جِبْرِيلَ ﵊ مَرَّةً، وَفِي السَّنَةِ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا مَرَّتَيْنِ "
стр. 402
بَابُ: فَضْلِ طَلَبِ الْعِلْمِ
٦٦٥ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا خُشْنَامُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُهَلَّبِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ رَجَاءٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ جَمِيلٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ حَدَّثْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا جِئْتَ لِتِجَارَةٍ وَلَا لِحَاجَةٍ وَلَا جِئْتَ إِلَّا لِهَذَا؟ قَالَ: مَا جِئْتُ إِلَّا لِهَذَا.
قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ بِهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ , وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»
٦٦٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَرِيكٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ جَعْفَرَ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي الْعُمَيْسِ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ طَالِبُ الْعِلْمِ، وَطَالِبُ الدُّنْيَا، وَهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا طَالِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًا مِنَ الرَّحْمَنِ، وَأَمَّا طَالِبُ الدُّنْيَا
стр. 403
فَيَزْدَادُ فِي الطُّغْيَانِ.
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ، وَقَرَأَ: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى ﴿٦﴾ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦-٧]
قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَرَّاقُ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ الْمَصْرِيُّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: " دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْبَصْرَةِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ سَرِيعٍ يَقُصُّ عَلَى النَّاسِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، وَخَلْفَهُ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ جُلُوسٌ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى يَتَحَدَّثُونَ الْفِقْهَ وَيَتَذَاكَرُونَ فَرَكَعْتُ بَيْنَ الْحَلْقَةِ وَالذِّكْرِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ قُلْتُ: لَوْ أَتَيْتُ حَلْقَةَ الْفَقِيهِ لَعَلِّي أَسْمَعُ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا، فَأَعْمَلَ بِهَا.
فَلَمْ أَزَلْ أُخَيِّرُ نَفْسِي فِي ذَلِكَ حَتَّى جَاوَزْتُهُمْ، فَلَمْ أَقْعُدْ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ أَتَانِي آتٍ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ: أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَ الْحَلْقَةَ، الَّتِي كَانَ يُذْكَرُ فِيهَا الْفِقْهُ، لَوَجَدْتَ جِبْرِيلَ ﵇ مَعَهُمْ جَالِسًا
٦٦٧ - قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى عُتَقَاءِ اللَّهِ مِنَ النَّارِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى الْمُتَعَلِّمِينَ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ مُتَعَلِّمٍ يَخْتَلِفُ إِلَى بَابِ الْعَالِمِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ وَبِكُلِّ قَدَمٍ، عِبَادَةَ سَنَةٍ، وَبَنَى لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ مَدِينَةً فِي الْجَنَّةِ، وَيَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَالْأَرْضُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ، وَيُمْسِي وَيُصْبِحُ مَغْفُورًا لَهُ، وَشَهِدَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ مِنَ النَّارِ»
стр. 404
٦٦٨ - قَالَ: سَمِعْتُ الْفَقِيهَ أَبَا جَعْفَرَ، ﵀، يَذْكُرُ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى مَجْلِسَيْنِ، أَحَدُهُمَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، وَالْآخَرُ يَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَرْغَبُونَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «كِلَا الْمَجْلِسَيْنِ عَلَى خَيْرٍ، وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنَ الْآخَرِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا، فَهَؤُلَاءِ أَفْضَلُ، ثُمَّ جَلَسَ مَعَهُمْ»
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَتَعَلَّمَ مَسْأَلَةً أَحَبُّ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: أَنْتُمْ فِي زَمَنٍ، الْعَمَلُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْعِلْمِ، وَسَيَأْتِي زَمَنٌ الْعِلْمُ فِيهِ خَيْرٌ مِنَ الْعَمَلِ
٦٦٩ - وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةٌ: طَلَبُ الْعِلْمِ، وَالْجِهَادُ، وَالْكَسْبُ، لِأَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ حَبِيبُ اللَّهِ، وَالْغَازِي وَلِيُّ اللَّهِ، وَالْكَاسِبُ صَدِيقُ اللَّهِ "
٦٧٠ - وَرَوَى أَبَانٌ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، فَيَكُونَ لِلَّهِ، وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلَّهِ، فَهُوَ كَالصَّائِمِ نَهَارِهِ وَالْقَائِمِ لَيْلِهِ، وَإِنَّ بَابًا مِنَ الْعِلْمِ يَتَعَلَّمُهُ الرَّجُلُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَبُو قُبَيْسٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى» .
وَقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ: إِلَى مَتَى يَحْسُنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَعَلَّمَ قَالَ: مَا دَامَ يَقْبُحُ عَلَيْهِ الْجَهْلُ يَحْسُنُ لَهُ التَّعَلُّمُ وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ﵀، أَنَّهُ كَانَ فِي حَالِ الْمَوْتِ، وَرَجُلٌ عِنْدَهُ يَكْتُبُ لَهُ الْعِلْمَ فَقِيلَ لَهُ: فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَكْتُبُ الْعِلْمَ؟ فَقَالَ: لَعَلَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي تَنْفَعُنِي لَمْ تَبْلُغْنِي إِلَى الْآنَ
стр. 405
٦٧١ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ حَسَنَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُذَاكَرَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثُ عَنْهُ جِهَادٌ وَتَعْلِيمَهُ مَنْ لَا يَعْلَمَهُ صَدَقَةٌ، وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، أَلَا إِنَّ الْعِلْمَ سَبِيلُ مَنَازِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ الْمُؤْنِسُ فِي الْوَحْشَةِ، وَالصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ، وَالْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ، وَالْمُعِينُ عَلَى الضَّرَّاءِ وَالزَّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ وَالسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً أَئِمَّةً تُقْتَفَى آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِمْ، وَتَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي خِلِّهِمْ، وَبِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، وَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَحِيتَانُ الْبَحْرِ، وَهَوَامُّ الْأَرْضِ، وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَالْأَنْعَامُ، لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْجَهْلِ، وَمِصْبَاحُ الْأَبْصَارُ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَقُوَّةُ الْأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ، وَيَبْلُغُ بِالْعَبْدِ مَنَازِلَ الْأَخْيَارِ وَالْأَبْرَارِ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ يُعْدَلُ بِالصِّيَامِ، وَمُذَاكَرَتُهُ تُعْدَلُ بِالْقِيَامِ، وَبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، وَهُوَ إِمَامٌ، وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ، وَيُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ، وَيُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءُ
قَالَ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵏، قَالَ: «مَا أَعْلَمُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ، فِي طَلَبِ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ حَفَّتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ الطُّيُورُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَالسِّبَاعُ فِي الْبَرِّ، وَالْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، وَآتَاهُ اللَّهُ أَجْرَ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ صِدِّيقًا، أَلَا فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ وَاطْلُبُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ، وَالْحِلْمَ، وَالْوَقَارَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ، وَلِمَنْ تُعَلِّمُونَهُ، وَلَا تُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا تُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ، وَلَا تَخْتَلِفُوا بِهِ إِلَى الْأُمَرَاءِ، وَلَا تَطَاوَلُوا بِهِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، فَتَكُونُوا مِنْ جَبَابِرَةِ الْعُلَمَاءِ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ سَخَطُ اللَّهِ، فَكَبَّهُمْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، اطْلُبُوا عِلْمًا لا يَضُرُّكُمْ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَاعْبُدُوا اللَّهَ عِبَادَةً لَا تَضُرُّكُمْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِهَذَا إِلَّا هَذَا، وَلَا تَكُونُوا كَأَقْوَامٍ تَرَكُوا طَلَبَ الْعِلْمِ، وَأَقْبَلُوا عَلَى الْعِبَادَةِ، حَتَّى إِذَا نُحِلَتْ جُلُودُهُمْ عَلَى أَجْسَادِهِمْ، خَرَجُوا عَلَى النَّاسِ بِأَسْيَافِهِمْ، وَلَوْ أَنَّهُمْ طَلَبُوا الْعِلْمَ لَكَانَ الْعِلْمُ يَحْجُزُهُمْ عَمَّا صَنَعُوا، وَإِنَّ الْعَامِلَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَالْحَائِدِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَهُوَ لَا يَزْدَادُ اجْتِهَادًا إِلَّا ازْدَادَ بُعْدًا، وَكَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ
стр. 406
مِمَّا يُصْلِحُهُ» ، قِيلَ لَهُ: عَمَّنْ هَذَا يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ قَالَ: «لَقِيتُ فِيهِ سَبْعِينَ بَدْرِيًّا وَاغْتَرَبْتُ فِي طَلَبِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا»
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَا لِي أَرَى عُلَمَاءَكُمْ يَذْهَبُونَ وَجُهَّالَكُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ، تَعَلَّمُوا قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ فَإِنَّ رَفْعَ الْعِلْمِ ذَهَابُ الْعُلَمَاءِ
٦٧٢ - وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَرْفَعُ الْعِلْمَ بِقَبْضٍ يَقْبِضُهُ، وَلَكِنِ الْعُلَمَاءَ بِعِلْمِهِمْ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا، فَيُسْأَلُونَ فَيُحَدِّثُونَ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْكَ أَنَّكَ مَيِّتٌ الْعَشِيَّةَ، مَا أَنْتَ صَانِعٌ الْيَوْمَ؟ قَالَ: أَطْلُبُ فِيهِ الْعِلْمَ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ , قَالَ: لَا يَزَالُ الْفَقِيهُ فِي الصَّلَاةِ قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّكَ لَا تَلْقَاهُ إِلَّا وَذِكْرُ اللَّهِ تعالى على لسانه، يحل حلالا ويحرم حراما، ويقال العلماء سرج الأزمنة، فكل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره وروي عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ , أَنَّهُ قَالَ: اشْتَرَانِي مَوْلَايَ بِثَلاثِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَعْتَقَنِي، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي، بِأَيِّ الْحِرَفِ أَحْتَرِفُ؟ فَاخْتَرْتُ الْعِلْمَ عَلَى كُلِّ الْحِرَفِ فَلَمْ يَمْضِ كَثِيرُ مُدَّةٍ حَتَّى إِنَّهُ أَتَانِي الْخَلِيفَةُ زَائِرًا فَلَمْ آذَنْ لَهُ وَذُكِرَ عَنْ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَجْلَسَهُ عَلَى وِسَادَتِهِ، فَقَالَ صَالِحٌ: قَالَ الْحَسَنُ، وَصَدَقَ الْحَسَنُ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ الْحَسَنُ؟ قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ الْعِلْمَ يَزِيدُ الشَّرِيفَ شَرَفًا،
стр. 407
وَيَبْلُغُ بِالْعَبْدِ مَنَازِلَ الْأَحْرَارِ، وَإِلَّا فَمَنْ صَالِحٌ الْمُرِّيُّ، حَتَّى يَجْلِسَ عَلَى وِسَادَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَوْلَا الْعِلْمُ
٦٧٣ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بِالصِّينِ، فَإِنَّ طَلَبَ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ
وَرَوَى الْمُسَيِّبُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَعَلَّمَ، وَأَخَافُ أَنْ أُضَيِّعَهُ وَلَا أَعْمَلَ بِهِ، قَالَ: «أَمَا إِنَّكَ إِنْ تَوْسَّدْتَ الْعِلْمَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَوَسَّدَ الْجَهْلَ» ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: إِنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ عَلَى مَا مَاتُوا عَلَيْهِ، يُبْعَثُ الْعَالِمُ عَالِمًا، وَالْجَاهِلُ جَاهِلًا.
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ: رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا أَنْتَ بِوَاجِدٍ شَيْئًا أَضْيَعُ لَهُ مِنْ تَرْكِهِ
٦٧٤ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ، وَلَفَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ، وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ عِمَادًا، وَعِمَادُ الدِّينِ الْفِقْهُ» وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْمَالِ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمَالُ أَفْضَلُ مِنَ الْعِلْمِ.
فَبَعَثُوا رَسُولًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا الْعِلْمُ أَفْضَلُ، فَقَالَ الرَّسُولُ: إِنْ سَأَلُونِي عَنِ الْحُجَّةِ مَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟ قَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنَّ الْعِلْمَ مِيرَاثُ الْأَنْبِيَاءِ، وَالْمَالَ مِيرَاثُ الْفَرَاعِنَةِ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْرُسُكَ، وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يُعْطِيهِ اللَّهُ إِلَّا مَنْ يُحِبُّهُ، وَالْمَالَ يُعْطِيهِ اللَّهُ لِمَنْ أَحَبَّهُ وَلِمَنْ لَا يُحِبُّهُ، بَلْ يُعْطِي لِمَنْ لَا يُحِبُّهُ أَكْثَرَ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا
стр. 408
لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] : الْآيَةَ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ لَا يَنْقُصُ بِالْبَذْلِ وَالنَّفَقَةِ، وَالْمَالُ يَنْقُصُ بِالْبَذْلِ وَالنَّفَقَةِ، وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ، وَالْعَالِمَ إِذَا مَاتَ فَذِكْرُهُ بَاقٍ، وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ مَيِّتٌ، وَصَاحِبَ الْعِلْمِ لَا يَمُوتُ، وَلِأَنَّ صَاحِبَ الْمَالِ يَسْأَلُ عَنْ كُلِّ دِرْهَمٍ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَأَيْنَ أَنْفَقَهُ؟ وَصَاحِبُ الْعِلْمِ لَهُ بِكُلِّ حَدِيثٍ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ , أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ.
وَقَالَ: الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْعِلْمُ يَزْكُو مَعَ النَّفَقَةِ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعُلَمَاءُ بَاقُونَ مَا بَقِيَ الدَّهْرُ أَعْيَانُهُمْ مَفْقُودَةٌ، وَأَمْثَالُهُمْ فِي الْقُلُوبِ مَوْجُودَةٌ.
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: عَالِمٌ وَمُتَعَلِّمٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ
стр. 409
بَابُ: الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ
٦٧٥ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ رُسْتُمَ، حَدَّثَنَا حَفْصٌ الْأَثَرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سُمَيْعٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «الْعُلَمَاءُ أُمَنَاءُ الرُّسُلِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ، مَا لَمْ يُخَالِطُوا السُّلْطَانَ، وَيَدْخُلُوا فِي الدُّنْيَا، فَإِذَا دَخَلُوا فِي الدُّنْيَا، فَقَدْ خَانُوا الرُّسُلَ فَاعْتَزِلُوهُمْ، وَاحْذَرُوهُمْ»
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ , عَنْ جَعْفَرَ بْنِ بَرْقَانَ، عَنِ الْفَوَّاتِ بْنِ سُلَيْمَانَ , قَالَ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «لَا يَكُونُ الرَّجُلُ عَالِمًا حَتَّى يَكُونَ مُتَعَلِّمًا، وَلَا يَكُونُ عَالِمًا حَتَّى يَكُونَ بِالْعِلْمِ عَامِلًا»
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: وَيْلٌ لِلَّذِي لَا يَعْلَمُ مَرَّةً، وَوَيْلٌ لِلَّذِي يَعْلَمُ وَلَا يَعْمَلُ سَبْعَ مَرَّاتٍ.
وَعَنْهُ أَيْضًا، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنِّي لَا أَخَافُ أَنْ يُقَالَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا عُوَيْمِرُ مَاذَا عَلِمْتَ؟ لَكِنِّي أَخَافُ أَنْ يُقَالَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا عُوَيْمِرُ مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟ وَعَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉ , أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عَلِمَ، وَعَمِلَ، وَعَلَّمَ فَذَلِكَ
стр. 410
الَّذِي يُدْعَى فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ عَظِيمًا وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِهِ.
قَالَ: فَمَا يَنْفِي الْعِلْمُ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ؟ قَالَ: الطَّمَعَ وَعَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉، مَاذَا يُغْنِي عَنِ الْأَعْمَى حَمْلُ السِّرَاجِ، وَيَسْتَضِيءُ بِهِ غَيْرُهُ، وَمَاذَا يُغْنِي عَنِ الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ أَنْ يَكُونَ السِّرَاجُ عَلَى ظَهْرِهِ، وَمَاذَا يُغْنِي عَنْكُمْ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِالْحِكْمَةِ، وَمَا تَعْمَلُونَ بِهَا.
وَعَنْه أَيْضًا ﵊ قَالَ: مَا أَكْثَرَ الْأَشْجَارَ، وَلَيْسَ كُلُّهَا بِمُثْمِرٍ، وَمَا أَكْثَرَ الْعُلَمَاءَ وَلَيْسَ كُلُّهُمْ بِمُرْشِدٍ وَمَا أَكْثَرَ الثِّمَارَ وَلَيْسَ كُلُّهَا بِطَيِّبٍ وَمَا أَكْثَرَ الْعُلُومَ وَلَيْسَ كُلُّهَا بِنَافِعٍ وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ , قَالَ: مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ وُفِّقَ لِمَا لَا يَعْلَمُ.
٦٧٦ - قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّاسُ كُلُّهُمْ مَوْتَى إِلَّا الْعُلَمَاءَ، وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ سَكْرَى، إِلَّا الْعَامِلِينَ بِالْعِلْمِ، وَالْعَامِلُونَ مَغْرُورُونَ إِلَّا الْمُخْلِصِينَ، وَالْمُخْلِصُونَ عَلَى الْخَطَرِ
٦٧٧ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَجْلِسُوا عِنْدَ كُلِّ عَالِمٍ، إِلَّا الَّذِي يَدْعُوكُمْ مِنَ الْخَمْسِ إِلَى الْخَمْسِ: مِنَ الشَّكِّ إِلَى الْيَقِينِ، وَمِنَ الْكِبْرِ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَمِنَ الْعَدَاوَةِ إِلَى النَّصِيحَةِ، وَمِنَ الرِّيَاءِ إِلَى الْإِخْلَاصِ وَمِنَ الرَّغْبَةِ إِلَى الزُّهْدِ ".
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا لَمْ يَعْمَلِ الْعَالِمُ بِعِلْمِهِ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْهُ، لِأَنَّ الْعَالِمَ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِالْعِلْمِ لَا يَنْفَعُ الْعِلْمُ إِيَّاهُ وَلَا غَيْرَهُ، وَإِنْ جَمَعَ الْعِلْمَ بِالْأَوْقَارِ، لِأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ جَمَعَ ثَمَانِينَ
стр. 411
تَابُوتًا مِنَ الْعِلْمِ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ قُلْ لِهَذَا الْحَكِيمِ: لَوْ جَمَعْتَ مِثْلَهُ مَعَهُ، لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا أَنْ تَعْمَلَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَشْيَاءَ.
أَوَّلُهَا: أَنْ لَا تُحِبَّ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا تُصَاحِبَ الشَّيْطَانَ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِرَفِيقِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا تُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحِرْفَةِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَيْسَ يَحْسُنُ عَلَى النَّاسِ الْجَهْلُ، مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ فَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ، وَمَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ بِمَا يَعْلَمُ، فَهُوَ الْجَاهِلُ قَالَ: وَقَدْ كَانَ يُقَالُ: يُغْفَرُ لِلْجَاهِلِ سَبْعُونَ ذَنْبًا مَا لَا يُغْفَرُ لِلْعَالِمِ وَاحِدَةٌ وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَعَجَّبُ مِنْ ثَلَاثَةٍ: عَالِمٍ فَاسِقٍ يُحَدِّثُ النَّاسَ بِمَا لَا يَعْمَلُ بِهِ، وَقَبْرُ الْفَاجِرِ يُبْنَى بِالْجَصِّ وَالْآجُرِّ، وَالنَّقْشِ عَلَى جِنَازَةِ الْفَاجِرِ وَيُقَالُ: أَشَدُّ الْحَسْرَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ لَهُ مَمْلُوكٌ صَالِحٌ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَمَوْلَاهُ يَدْخُلُ النَّارَ، وَرَجُلٌ جَمَعَ الْمَالَ، وَمَنَعَ مِنْهُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَمُوتُ فَيُنْفِقُ مِنْهُ وَرَثَتُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَنْجُونَ بِهِ، وَالَّذِي جَمَعَهُ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ عَالِمُ سُوءٍ يُحَدِّثُ النَّاسَ يَنْجُو النَّاسُ بِعِلْمِهِ، وَهُوَ يَصِيرُ إِلَى النَّارِ.
وَقَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ فُقَهَاءَنَا يَقُولُونَ كَذَا.
فَقَالَ الْحَسَنُ: وَهَلْ رَأَيْتَ فَقِيهًا قَطُّ.
إِنَّمَا الْفَقِيهُ الزَّاهِدُ فِي الدُّنْيَا الرَّاغِبُ فِي الْآخِرَةِ، الْبَصِيرُ بِذَنْبِهِ، الدَّوَّامُ عَلَى عِبَادَةِ رَبِّهِ.
وَيُقَالُ: إِذَا اشْتَغَلَ الْعُلَمَاءُ بِجَمْعِ الْحَلَالِ صَارَ الْعَوَامُّ أَكَلَةَ الشُّبْهَةِ، وَإِذَا صَارَ الْعُلَمَاءُ أَكَلَةَ الشُّبْهَةِ، صَارَ الْعَوَامُّ أَكَلَةَ الْحَرَامِ، وَإِذَا صَارَ الْعُلَمَاءُ أَكَلَةَ الْحَرَامِ صَارَ الْعَوَامُّ كُفَّارًا.
قَالَ الْفَقِيهُ: لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ إِذَا جَمَعُوا الْحَلَالَ فَالْعَوَامُّ يَقْتَدُونَ بِهِمْ فِي الْجَمْعِ، وَلَا يُحْسِنُونَ الْعِلْمَ فَيَقَعُونَ فِي الشُّبْهَةِ، وَأَمَّا إِذَا أَخَذَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الشُّبْهَةِ وَتَحَرَّزُوا عَنِ الْحَرَامِ فَيَقْتَدِي بِهِمُ الْجُهَّالُ، وَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الشُّبْهَةِ وَالْحَرَامِ، فَيَقَعُونَ فِي الْحَرَامِ،
стр. 412
وَأَمَّا إِذَا أَخَذَ الْعُلَمَاءُ مِنَ الْحَرَامِ، فَيَقْتَدِي بِهِمُ الْجُهَّالُ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهُ حَلَالٌ، فَيَكْفُرُونَ إِذَا اسْتَحَلُّوا الْحَرَامَ.
وَيُقَالُ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَعَلَّقَ الْجُهَّالُ بِالْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ: أَنْتُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ، فَلِمَ لَا تَدُلُّونَا، وَلَمْ تَنْهَوْنَا حَتَّى وَقَعْنَا فِيمَا وَقَعْنَا.
٦٧٨ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «الْعَالِمُ إِذَا فَسَدَ» .
وَيُقَالُ: إِذَا فَسَدَ الْعَالِمُ فَسَدَ لِفَسَادِهِ الْعَالِمُ.
وَرُوِيَ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِأَصْحَابِ الْحَدِيثِ: أَدُّوا زَكَاةَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ.
قَالُوا: كَيْفَ نُؤَدِّي زَكَاتَهَا؟ قَالَ: اعْمَلُوا مِنْ كُلِّ مِائَتَيْ حَدِيثٍ بِخَمْسَةِ أَحَادِيثَ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: تَعَلُّمُ الْعِلْمِ فِي زَمَانِنَا تُهْمَةٌ، وَالِاسْتِمَاعُ مُؤَانَسَةٌ، وَالْقَوْلُ بِهِ شَهْوَةٌ، وَالْعَمَلُ بِهِ نَزْعُ النَّفْسِ.
٦٧٩ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِأَرْبَعٍ دَخَلَ النَّارَ: لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ يُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يُقْبِلَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ، أَوْ يَأْخُذَ بِهِ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمَالَ وَالْحُرْمَةَ وَالْجَاهَ وَالْمَنْزِلَةَ " وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: أَوَّلُ الْعِلْمِ: الصَّمْتُ، وَالثَّانِي: الِاسْتِمَاعُ.
وَالثَّالِثُ: الْحِفْظُ.
وَالرَّابِعُ: الْعَمَلُ بِهِ.
وَالْخَامِسُ: نَشْرُهُ.
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: كُنْ عَالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّمًا، أَوْ مُسْتَمِعًا، وَلَا تَكُنِ الرَّابِعَ فَتَهْلِكْ.
يَعْنِي مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ، وَلَا يَتَعَلَّمُ، وَلَا يَسْتَمِعُ.
وَيُقَالَ: الْعُلَمَاءُ ثَلَاثَةٌ: أَوَّلُهَا: عَالِمٌ بِاللَّهِ وَعَالَمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ.
وَالثَّانِي: عَالِمٌ بِاللَّهِ وَلَيْسَ عَالِمًا بِأَمْرِ اللَّهِ،
стр. 413
وَالثَّالِثُ: عَالَمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ، فَأَمَّا الْعَالِمُ بِاللَّهِ، وَبِأَمْرِ اللَّهِ، فَالَّذِي يَخْشَى اللَّهَ، وَيَعْلَمُ الْحُدُودَ، وَالْفَرَائِضَ، وَأَمَّا الْعَالِمُ بِاللَّهِ، وَلَيْسَ بِعَالِمٍ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَالَّذِي يَخْشَى اللَّهَ وَلَا يَعْلَمُ الْحُدُودَ وَالْفَرَائِضَ، وَأَمَّا الْعَالِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَيْسَ بِعَالِمٍ بِاللَّهِ، فَالَّذِي يَعْلَمُ الْحُدُودَ وَالْفَرَائِضَ وَلَا يَخْشَى اللَّهَ.
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ سَمِعْتُ أَبِي ﵀ , قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدُ بْنَ جَنَاحٍ , قَالَ: قَالَ أَبُو حَفْصٍ: «يُزَادُ لِلْعَالِمِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ الْحِسْبَةُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالنَّصِيحَةُ، وَالشَّفَقَةُ، وَالِاحْتِمَالُ، وَالصَّبْرُ، وَالْحِلْمُ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالْعِفَّةُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ، وَالدَّوَامُ عَلَى النَّظَرِ فِي الْكُتُبِ، وَقِلَّةُ الْحِجَابِ، وَأَنْ يَكُونَ بَابُهُ مَفْتُوحًا لِلْوَضِيعِ وَالشَّرِيفِ، فَإِنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا ابْتُلِيَ مِنْ شِدَّةِ الْحِجَابِ»
قَالَ أَبُو حَفْصٍ: عَشْرَةُ أَشْيَاءَ قَبِيحَةٌ فِي عَشْرَةِ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ: الْحِدَّةُ فِي السُّلْطَانِ، وَالْبُخْلُ فِي الْأَغْنِيَاءِ، وَالطَّمَعُ فِي الْعُلَمَاءِ، وَالْحِرْصُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ فِي ذَوِي الْأَحْسَابِ، وَالْفُتُوَّةُ فِي الشُّيُوخِ، وَتَشَبُّهُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالنِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَإِتْيَانُ الزُّهَّادِ أَبْوَابَ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْجَهْلُ فِي الْعِبَادَةِ قَالَ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ﵀: إِذَا كَانَ الْعَالِمُ رَاغِبًا فِي الدُّنْيَا حَرِيصًا عَلَيْهَا، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُ تَزِيدُ الْجَاهِلَ جَهْلًا وَالْفَاجِرَ فُجُورًا، وَتُقْسِي قَلْبَ الْمُؤْمِنِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: كَلَامُ الْحُكَمَاءِ لَهْوُ السُّفَهَاءِ، وَكَلَامُ السُّفَهَاءِ عِبْرَةُ الْحُكَمَاءِ.
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَعْنِي أَنَّ السُّفَهَاءَ إِذَا سَمِعُوا كَلَامَ الْحُكَمَاءِ يَسْتَظْرِفُونَ كَلَامَهُمْ، فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ اللَّهْوِ لَهُمْ، وَأَمَّا الْحُكَمَاءُ إِذَا سَمِعُوا كَلَامَ السُّفَهَاءِ، فَيَرَوْنَ قُبْحَ ذَلِكَ الْكَلَامِ، فَيَعْتَبِرُونَ بِهِ.
وَيَحْتَرِزُونَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ.
وَيُقَالُ: هِمَّةُ السُّفَهَاءِ الِاسْتِمَاعُ، وَهِمَّةُ الْعُلَمَاءُ الرِّوَايَةُ، وَهِمَّةُ الزُّهَّادِ الرِّعَايَةُ يَعْنِي يَتَعَاهَدُونَ بِمَا فِيهِ وَيَعْمَلُونَ بِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 414
بَابُ: فَضْلِ مَجَالِسِ الْعِلْمِ
٦٨٠ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَوْزَبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ خُشْنَامَ، حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي مُرَّةَ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَأَمَّا أَحَدُهُمْ فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ، فَجَلَسَ إِلَيْهَا، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا.
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ كَلَامِهِ قَالَ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ: فَأَمَّا الْأَوَّلُ: فَآوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي: فَاسْتَحَى مِنَ اللَّهِ أَنْ يُؤْذِيَ النَّاسَ، فَاسْتَحَى اللَّهُ مِنْهُ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ "
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ شَابُورَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ , قَالَ: " قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُ عَالِمًا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ جَاهِلًا عَلَّمُوكَ، وَلَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِهِ، فَتُصِيبَكَ مَعَهُمْ، وَإِذَا رَأَيْتَ قَوْمًا لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى، فَلَا تَجْلِسْ مَعَهُمْ، فَإِنَّكَ إِنْ تَكُ عَالِمًا لَا يَنْفَعْكَ عِلْمُكَ، وَإِنْ تَكُ جَاهِلًا يَزِدْكَ غَيًّا، وَلَعَلَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ بِسَخَطِهِ فَيُصِيبَكَ مَعَهُمْ "
٦٨١ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى تَنَادَوْا وَقَالُوا: هَلُمُّوا إِلَى
стр. 415
بُغْيَتِكُمْ، فَيَجِيئُونَ فَيَحُفُّونَ بِهِمْ، فَإِذَا صَعَدُوا إِلَى السَّمَاءِ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَرَكْتُمْ عِبَادِي يَصْنَعُونَ؟ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، قَالُوا: تَرَكْنَاهُمْ يَحْمَدُونَكَ وَيُسَبِّحُونَكَ وَيَذْكُرُونَكَ.
فَيَقُولُ: فَأَيُّ شَيْءٍ يَطْلُبُونَ؟ فَيَقُولُونَ الْجَنَّةَ.
فَيَقُولُ اللَّهُ : هَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا.
فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا لَكَانُوا أَشَدَّ لَهَا طَلَبًا وَأَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا.
فَيَقُولُ: فَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَتَعَوَّذُونَ؟ فَيَقُولُونَ: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النَّارِ.
فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَلْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا لَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا هَرَبًا وَأَشَدَّ مِنْهَا خَوْفًا، فَيَقُولُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَلَائِكَتِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ.
فَيَقُولُونَ: إِنَّ فِيهِمْ فُلَانًا الْخَاطِئَ لَمْ يُرِدْهُمْ وَإِنَّمَا جَاءَهُمْ لِحَاجَةٍ.
فَيَقُولُ: هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ "
وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَثَلُ جَلِيسٍ صَالِحٍ كَمَثَلِ حَامِلِ الْمِسْكِ، إِنْ لَمْ يُعْطِكَ مِنْهُ أَصَابَكَ مِنْ رِيحِهِ، وَمَثَلُ جَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ الْقَيْنِ إِنْ لَمْ يَحْرِقْ ثِيَابَكَ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ، كَتَبَ كَلِمَتَيْنِ، وَوَضَعَهُمَا تَحْتَ الْعَرْشِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ، وَلَمْ يُعْلِمَ الْمَلَائِكَةَ عَنْ عِلْمِهِمَا، وَأَنَا أَعْلَمُ بِهِمَا.
قِيلَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ وَمَا هُمَا؟ قَالَ: إِحْدَاهُمَا كُتِبَ لَوْ كَانَ رَجُلٌ يَعْمَلُ عَمَلَ جَمِيعَ الصَّالِحِينَ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ صُحْبَتُهُ مَعَ الْفُجَّارِ، فَأَنَا الَّذِي أَجْعَلُ عَمَلَهُ إِثْمًا، وَأَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْفُجَّارِ، وَالْأُخْرَى لَوْ كَانَ رَجُلٌ يَعْمَلُ عَمَلَ جَمِيعِ الْأَشْرَارِ بَعْدَ أَنْ تَكُونَ صُحْبَتُهُ مَعَ الصَّالِحِينَ، وَالْأَبْرَارِ، وَيُحِبُّهُمْ فَأَنَا الَّذِي أَجْعَلُ آثَامَهُ حَسَنَاتٍ، وَأَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَبْرَارِ قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: يُقَالُ مَنِ انْتَهَى إِلَى الْعَالِمِ، وَجَلَسَ مَعَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَحْفَظَ الْعِلْمَ، فَلَهُ سَبْعُ كَرَامَاتٍ أَوَّلُهَا: يَنَالُ فَضْلَ الْمُتَعَلِّمِينَ.
стр. 416
وَالثَّانِي: مَا دَامَ جَالِسًا عِنْدَهُ كَانَ مَحْبُوسًا عَنِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَأِ.
وَالثَّالِثُ: إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ.
وَالرَّابِعُ: إِذَا جَلَسَ عِنْدَهُ، فَتَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةُ، فَتُصِيبُهُ بِبَرَكَتِهِمْ.
وَالْخَامِسُ: مَا دَامَ مُسْتَمِعًا تُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَةُ.
وَالسَّادِسُ: تَحُفُّ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا رِضًا وَهُوَ فِيهِمْ.
وَالسَّابِعُ: كُلُّ قَدَمٍ يَرْفَعُهُ، وَيَضَعُهُ يَكُونُ كَفَّارَةً لِلذُّنُوبِ، وَرَفْعًا لِلدَّرَجَاتِ لَهُ، وَزِيَادَةً فِي الْحَسَنَاتِ، ثُمَّ يُكْرِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِسِتِّ كَرَامَاتٍ أُخْرَى: أَوَّلُهَا: يُكْرِمُهُ بِحُبِّ شُهُودِ مَجْلِسِ الْعُلَمَاءِ.
وَالثَّانِي: كُلُّ مَنْ يَقْتَدِي بِهِمْ، فَلَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ.
وَالثَّالِثُ لَوْ غَفَرَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ يَشْفَعُ لَهُ.
وَالرَّابِعُ: يُبَرِّدُ قَلْبَهُ مِنْ مَجْلِسِ الْفُسَّاقِ.
وَالْخَامِسُ: يَدْخُلُ فِي طَرِيقِ الْمُتَعَلِّمِينَ وَالصَّالِحِينَ.
وَالسَّادِسُ: يُقِيمُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ، يَعْنِي الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَهَاءَ هَذَا لِمَنْ لَمْ يَحْفَظْ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي يَحْفَظُ فَلَهُ أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى جَنَّةً فِي الدُّنْيَا، مَنْ دَخَلَهَا طَابَ عَيْشُهُ.
قِيلَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: مَجْلِسُ الذِّكْرِ.
٦٨٢ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْمَجْلِسُ الصَّالِحُ، يُكَفِّرُ عَنِ الْمُؤْمِنِ أَلْفَيْ أَلْفِ مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ السُّوءِ» وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَعَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ مِثْلُ جِبَالِ تِهَامَةَ، فَإِذَا سَمِعَ الْعِلْمَ خَافَ، وَاسْتَرْجَعَ عَنْ ذُنُوبِهِ، فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ ذَنْبٌ، فَلَا تُفَارِقُوا مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بُقْعَةً أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ
стр. 417
٦٨٣ - وَرَوَى حَمِيدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَتَى قِيَامُ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ: «مَا أَعْدَدْتَ لَهَا» ؟ قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَثِيرًا مِنْ صَلَاةٍ، وَلَا صِيَامٍ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» قَالَ أَنَسٌ: وَمَا رَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ كَفَرَحِهِمْ بِذَلِكَ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: ثَلَاثَةٌ أَقُولُهُنَّ حَقًّا لَا يَتَوَلَّى اللَّهُ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا، فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَيْسَ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَالرَّابِعُ لَوْ حَلَفْتُ عَلَيْهَا لَبَرَّتْ، لَا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيَا إِلَّا سَتَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: أَنْتُمْ هَهُنَا وَمِيرَاثُ مُحَمَّدٍ ﷺ يُقَسَّمُ فِي الْمَسْجِدِ، فَذَهَبَ النَّاسُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَتَرَكُوا السُّوقَ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ قَالَ: فذَلِكَ مِيرَاثُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ , قَالَ: لَأَنْ أَعْدُوَ عَلَى قَوْمٍ أَسْأَلُهُمْ عَنْ أَوَامِرِ اللَّه تَعَالَى، أَوْ يَسْأَلُونِي عَنْهَا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْمِلَ عَلَى مِائَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.
٦٨٤ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى إِلَّا نَادَاهُمْ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ، قُومُوا فَقَدْ بَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ، وَغَفَرْتُ لَكُمْ جَمِيعًا، وَمَا قَعَدَتْ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى إِلَّا قَعَدَتْ مَعَهُمْ عِدَّتُهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ» قَالَ شَقِيقٌ الزَّاهِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: النَّاسُ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسِي عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ، كَافِرٍ مَحْضٍ، وَمُنَافِقٍ مَحْضٍ، وَمُؤْمِنٍ مَحْضٍ، قَالَ: لِأَنِّي أُفَسِّرُ الْقُرْآنَ فَأَقُولُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْ رَسُولِهِ فَمَنْ لَمْ يُصَدِّقْنِي، فَهُوَ كَافِرٌ مَحْضٌ، وَمَنْ كَانَ يَضِيقُ قَلْبُهُ
стр. 418
بِهَذَا، فَهُوَ مُنَافِقٌ مَحْضٌ، وَمَنْ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، وَنَوَى أَنْ لَا يُذْنِبَ بَعْدَ هَذَا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ مَحْضٌ.
يُقَالُ: مَنْ جَلَسَ مَعَ ثَمَانِيَةِ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ، زَادَهُ اللَّهُ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ مَنْ جَلَسَ مَعَ الْأَغْنِيَاءِ، زَادَهُ اللَّهُ حُبَّ الدُّنْيَا وَالرَّغْبَةَ فِيهَا، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الْفُقَرَاءِ، زَادَهُ اللَّهُ الشُّكْرَ وَالرِّضَا بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ السُّلْطَانِ، زَادَهُ اللَّهُ الْكِبْرَ، وَقَسَاوَةَ الْقَلْبِ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ النِّسَاءِ، زَادَهُ اللَّهُ الْجَهْلَ، وَالشَّهْوَةَ، وَالْمَيْلَ إِلَى عُقُولِهِنَّ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الصِّبْيَانِ، زَادَهُ اللَّهُ اللَّهْوَ وَالْمِزَاحَ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الْفُسَّاقِ، زَادَهُ اللَّهُ الْجُرْأَةَ عَلَى الذُّنُوبِ، وَالْمَعَاصِيَ وَالْإِقْدَامَ عَلَيْهَا، وَالتَّسْوِيفَ فِي التَّوْبَةِ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الصَّالِحِينَ، زَادَهُ اللَّهُ الرَّغْبَةَ فِي الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابَ الْمَحَارِمَ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ الْعُلَمَاءِ، زَادَهُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَالْوَرَعَ.
وَيُقَالُ: ثَلَاثَةٌ مِنَ النَّوْمِ يُبْغِضُهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَثَلَاثَةٌ مِنَ الضَّحِكِ يُبْغِضُهَا اللَّهُ تَعَالَى: النَّوْمُ عِنْدَ مَجْلِسِ الذِّكْرِ، وَالنَّوْمُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقَبْلَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، وَالنَّوْمُ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، وَالضَّحِكُ خَلْفَ الْجِنَازَةَ، وَالضَّحِكُ فِي مَجْلِسِ الذِّكْرِ، وَالضَّحِكُ عِنْدَ الْمَقَابِرِ.
قَالَ أَبُو يَحْيَى الْوَرَّاقُ: الْمَصَائِبُ أَرْبَعَةٌ: فَوْتُ التَّكْبِيرَةِ الْأُوَلى، وَفَوْتُ مَجْلِسِ الذِّكْرِ، وَفَوْتُ مُوَاقَعَةِ الْعَدُوِّ، وَفَوْتُ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ، يَعْنِي إِذَا خَرَجَ إِلَى الْحَجِّ وَفَاتَهُ الْحَجُّ، وَيُقَالُ: مُجَالَسَةُ الْعُلَمَاءِ مَرَمَّةٌ لِلدِّينِ، وَزَيْنٌ لِلْبَدَنِ، وَمُجَالَسَةُ الْفُسَّاقِ جِرَاحَةٌ لِلدِّينِ، وَشَيْنٌ لِلْبَدَنِ.
٦٨٥ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «النَّظَرُ فِي وَجْهِ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ فِي الْكَعْبَةِ عِبَادَةٌ، وَالنَّظَرُ فِي الْمُصْحَفِ عِبَادَةٌ» قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِحُضُورِ مَجْلِسِ الْعِلْمِ مَنْفَعَةٌ سِوَى النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الْعَالِمِ
стр. 419
لَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَرْغَبَ فِيهِ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ الْعَالِمَ مَقَامَ نَفْسِهِ.
٦٨٥ - فَقَالَ: «مَنْ زَارَ عَالِمًا فَكَأَنَّمَا زَارَنِي، وَمَنْ صَافَحَ عَالِمًا فَكَأَنَّمَا صَافَحَنِي، وَمَنْ جَالَسَ عَالِمًا فَكَأَنَّمَا جَالَسَنِي، وَمَنْ جَالَسَنِي فِي الدُّنْيَا أَجْلَسَهُ اللَّهُ مَعِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ» .
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قَالَ: مَثَلُ الْعُلَمَاءِ كَمَثَلِ النُّجُومِ إِذَا بَدَتِ اهْتَدَوْا بِهَا، وَإِذَا أَظْلَمَتْ تَحَيَّرُوا، وَمَوْتُ الْعَالِمِ ثُلْمَةٌ فِي الْإِسْلَامِ، لَا يَسُدُّهَا شَيْءٌ مَا اخْتَلَفَتِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ
стр. 420
بَابُ: مَا جَاءَ فِي الشُّكْرِ
٦٨٦ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ حَمٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا»
٦٨٧ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، ﵀، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَقِيلٍ، حَدَّثَنَا عَيَّاشٌ الدُّورِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ , قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : " إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَجِيءُ مُنَادٍ فَيُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ الْخَلَائِقُ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ الْيَوْمَ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ، لِيَقُمِ الَّذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ، فَيَقُومُونَ، وَهُمْ قَلِيلٌ، ثُمَّ يُنَادِي لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانَتْ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ، وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ، ثُمَّ يُنَادِي: لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ، ثُمَّ يُحَاسِبُ سَائِرَ النَّاسِ "
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْكَرَابِيسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَيْمُونٍ، عَنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: " قَالَ مُوسَى ﵊ لِرَبِّهِ: يَا رَبُّ كَيْفَ اسْتَطَاعَ آدَمُ
стр. 421
أَنْ يُؤَدِّيَ شُكْرَ مَا صَنَعْتَ إِلَيْهِ، خَلَقْتَهُ بِيَدِكَ، وَنَفَخْتَ فِيهِ مِنْ رُوحِكَ، وَأَسْكَنْتَهُ جَنَّتَكَ، وَأَمَرْتَ الْمَلَائِكَةَ، فَسَجَدُوا لَهُ؟ قَالَ: يَا مُوسَى عَلِمَ آدَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي فَحَمِدَنِي عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ شُكْرًا لِمَا صَنَعْتُ إِلَيْهِ "
٦٨٨ - وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ , أَنّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيهِنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ: لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَبَدَنٌ صَابِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ صَالِحَةٌ " وَيُقَالُ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ ﵊: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَرْبَعَةً، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: أَمَّا اللَّوَاتِي أَسْأَلُكَ، فَلُسَانًا ذَاكِرًا وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَبَدَنًا صَابِرًا، وَزْوَجَةً تُعِينُنِي فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي.
وَأَمَّا اللَّوَاتِي أَعُوذُ بِكَ مِنْهُنَّ، فَأَعُوذُ بِكَ مِنْ وَلَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ سَيِّدًا، وَمِنَ امْرَأَةٍ تُشَيِّبُنِي قَبْلَ وَقْتِ الْمَشِيبِ، وَمِنْ مَالٍ يَكُونُ وَبَالًا عَلَيَّ، وَمِنْ جَارٍ لَوْ رَأَى مِنِّي حَسَنَةً كَتَمَهَا، وَلَوْ رَأَى مِنِّي سَيِّئَةً أَفْشَاهَا.
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ , أَنَّهُ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: مَا الْعَافِيَةُ فِيكُمْ؟ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: الْعَافِيَةُ لِلرَّجُلِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاء: بَيْتُ يُؤْوِيهِ، وَعَيْشٌ يَكْفِيهِ، وَزَوْجَةٌ تُرْضِيهِ، وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُهُ فَنُؤْذِيهِ، يَعْنِي لَا يَعْرِفُهُ السُّلْطَانُ فَيُؤْذِيه، لِأَنَّهُ كَانَ خَلِيفَةً وَسُلْطَانًا وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: نِعْمَتَانِ، إِنْ رَزَقَكَ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهُمَا، فَاحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَاشْكُرْهُ.
اجْتِنَابُكَ مِنْ بَابِ السُّلْطَانِ وَاجْتِنَابُكَ مِنْ بَابِ الطَّبِيبِ وَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَبَدَنُهُ فِي عَافِيَةٍ، فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ سَيِّدُ نَعِيمِ الدُّنْيَا، وَسَيِّدُ نَعِيمِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ سَيِّدَ نَعِيمِ الدُّنْيَا هُوَ الْعَافِيَةُ، وَسَيِّدُ نَعِيمِ الْآخِرَةِ هُوَ الْإِسْلَامُ
٦٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَةُ وَالْفَرَاغُ» .
стр. 422
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ الْحَمْدِ لِلَّهِ، وَمَنْ كَثُرَتْ هُمُومُهُ، فَعَلَيْهِ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَمَنْ أَلَحَّ عَلَيْهِ الْفَقْرُ، فَلْيُكْثِرْ لَا حَوْلَ وَلَا قَوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
٦٩٠ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَانَ فِي الطَّعَامِ أَرْبَعَةٌ فَقَدْ كَمَلَ شَأْنُهُ كُلُّهُ.
إِذَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ وَإِذَا أَكَلَ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ تُكْثَرُ عَلَيْهِ الْأَيْدِي، وَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ حَمِدَ اللَّهَ»
٦٩١ - وَرَوَى الْحَسَنُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ صَغْرَت أَوْ كَبُرَتْ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا كَانَ قَدْ أَعْطَى أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ "
٦٩٢ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «عَجِبْتُ لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ لَهُ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ شَرٌّ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ» .
وَعَنْ مَكْحُولٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] ، قَالَ: بَارِدُ الشَّرَابِ، وَظِلُّ الْمَسَاكِينِ، وَشِبَعُ الْبُطُونِ، وَاعْتِدَالُ الْخَلْقِ، وَلَذَّةُ النَّوْمِ وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵊، أَنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَعَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ، وَكِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ، وَثِيَابٌ مِنْ صُوفٍ، مَجْزُوزَ الرَّأْسِ وَالشَّارِبَيْنِ بَاكِيًا مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ مِنَ الْجُوعِ، يَابِسَ الشَّفَتَيْنِ مِنَ الظَّمَأِ، طَوِيلَ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالذِّرَاعَيْنِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَنَا الَّذِي أَنْزَلْتُ الدُّنْيَا مَنْزِلَتَهَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَلَا عَجَبَ، وَلَا فَخْرَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، تَهَاوَنُوا بِالدُّنْيَا تَهُنْ عَلَيْكُمْ، وَأَهِينُوا الدُّنْيَا تُكْرَمْ لَكُمُ الْآخِرَةُ، وَلَا تُهِينُوا الْآخِرَةَ، فَتُكْرَمْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِأَهْلِ كَرَامَةٍ، هِيَ تَدْعُو كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْفِتْنَةِ وَالْخَسَارَةِ.
ثُمَّ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ جُلَسَائِي وَأَصْحَابِي، فَوَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ لِلدُّنْيَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَلَسْتُمْ بِأَصْحَابِي، وَلَا بِإِخْوَانِي يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ بُيُوتًا، وَالْقُبُورَ دُورًا، كُونُوا كَأَمْثَالِ
стр. 423
الْأَضْيَافِ أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ طُيُورَ السَّمَاءِ لَا يَزْرَعُونَ وَلَا يَحْصُدُونَ، وَاللَّهُ فِي السَّمَاءِ يَرْزُقُهُمْ.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُوا مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، وَمِنْ بُقُولِ الْأَرْضِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَمْ تُؤَدُّوا شُكْرَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ , قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ يَحْمَدُ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ اعْلَمْ أَنَّ الْحَمْدَ، وَالشُّكْرَ عِبَادَةُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَعِبَادَةُ الْمَلَائِكَةِ، وَعِبَادَةُ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَعِبَادَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَعِبَادَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَأَمَّا عِبَادَةُ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَهُوَ أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا عَطَسَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَأَنَّ نُوحًا، ﵊، لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَهُ، وَأَنْجَاهُ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَحْمَدَهُ فَقَالَ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ﵊: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ، إِسْمَاعِيلَ، وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ.
وَقَالَ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ، عليهما الصلاة والسلام، الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين، وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] ، فَإِذَا امْتَازُوا يَقُولُونَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ، وَالثَّانِي: حِينَ جَاوَزُوا الصِّرَاطَ قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] ، وَالثَّالِثُ: لَمَّا اغْتَسَلُوا بِمَاءِ الْحَيَاةِ نَظَرُوا إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] ، وَالرَّابِعُ: حِينَ دَخَلُوهَا قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] ، وَالْخَامِسُ: حِينَ اسْتَقَرُّوا فِي مَنَازِلِهِمْ قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴿٣٤﴾ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٤-٣٥] ، الْآيَةَ.
стр. 424
وَالسَّادِسُ: حِينَ فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ اشْتَغَلْتُ بِشُكْرِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَلْفَ صِنْفٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَرَأَيْتُ بَنِي آدَمَ أَكْرَمَ الْخَلْقِ، فَجَعَلَنِي مِنْ بَنِي آدَمَ.
وَالثَّانِي: فَضَّلَ الرِّجَالَ عَنِ النِّسَاءِ، فَجَعَلَنِي مِنَ الرِّجَالِ.
وَالثَّالِثُ: رَأَيْتُ الْإِسْلَامَ أَفْضَلَ الْأَدْيَانِ وَأَحَبَّهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَجَعَلَنِي مُسْلِمًا.
وَالرَّابِعُ: رَأَيْتُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَفْضَلَ الْأُمَمِ، فَجَعَلَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
٦٩٣ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ، وَالْإِنْسُ، وَالشَّيَاطِينُ، وَجَعَلَهُمْ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَجُزْءٌ وَاحِدٌ الْجِنُّ، وَالْإِنْسُ، وَالشَّيَاطِينُ " وَيُقَالُ: الْخَلْقُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهَا الشَّيَاطِينُ وَالْجِنُّ، وَوَاحِدٌ مِنْهَا الْإِنْسُ، ثُمَّ جَعَلَ الْإِنْسَ مِائَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ صِنْفًا.
فَالْمِائَةُ مِنْهَا يَأْجُوجُ، وَمَأْجُوجُ، وَسَاتُوجُ، وَمَالُوقُ، وَغَيْرُهُمْ، وَكُلُّهُمْ كُفَّارٌ، وَمَصِيرُهُمْ إِلَى النَّارِ، وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ سَائِرُ الْخَلْقِ وَاثْنَا عَشَرَ مِنْ ذَلِكَ الرُّومُ، وَالْخَزَرُ، وَالسَّقْلَابُ وَنَحْوَهَا، وَسِتَّةٌ فِي الْمَغْرِبِ، الزُّطُّ، وَالْحَبَشُ، وَالزِّنْجُ وَنَحْوَهَا، وَسِتَّةٌ بِالْمَشْرِقِ، التُّرْكُ وَالْخَاقَانُ، وَغَزُّ وَتَغْرُ، وَخَلِنْجُ، وَكِيمَاكُ، وَيَمَكُ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ، إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ وَبَقِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ صِنْفًا، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا، أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى هَذَا، وَيَعْرِفَ نِعْمَتَهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اخْتَارَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْخَلْقِ، وَجَعَلَهُ مِنْ صِنْفِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ جَعَلَ الصِّنْفَ الْوَاحِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ صِنْفًا، اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مِنْ ذَلِكَ، فِي أَهْوَاءَ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَوَاحِدٌ عَلَى سَبِيلِ السُّنَّةِ.
وَيُقَالُ: الشُّكْرُ عَلَى وَجْهَيْنِ: شُكْرٌ عَامٌّ، وَشُكْرٌ خَاصٌّ، فَأَمَّا الشُّكْرُ الْعَامُّ فَهُوَ الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ، وَأَنْ يَعْتَرِفَ بِالنِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا الشُّكْرُ الْخَاصُّ، فَالْحَمْدُ بِاللِّسَانِ، وَالْمَعْرِفَةُ بِالْقَلْبِ، وَالْخِدْمَةُ بِالْأَرْكَانِ، وَحِفْظُ اللِّسَانِ، وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ عَمَّا لَا يَحِلُّ.
стр. 425
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , أَنَّهُ قَالَ: الشُّكْرُ الْعَمَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] .
يَعْنِي اعْمَلُوا عَمَلًا تُؤَدُّونَ بِهِ شُكْرًا
٦٩٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ شَاكِرًا صَابِرًا، إِحْدَاهُمَا أَنْ يَنْظُرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَيَقْتَدِي بِهِ، وَيَنْظُرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَيَحْمَدَ اللَّهَ»
تَمَامُ الشُّكْرِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: إِذَا أَعْطَاكَ اللَّهُ شَيْئًا، فَتَنْظُرُ مَنِ الَّذِي أَعْطَاكَ فَتَحْمَدُهُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَرْضَى بِمَا أَعْطَاكَ.
وَالثَّالِثُ: مَا دَامَ مَنْفَعَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَعَكَ، وَقُوَّتُهُ فِي جَسَدِكَ لَا تَعْصِهِ.
وَرَوَى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ خَلْقِهِ صَفْوَةً، إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا أُنْعِمُوا شَكَرُوا، وَإِذَا ابْتُلُوا صَبَرُوا.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ , قَالَ: رَكِبَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉، مَرْكَبًا فَجَاءَ أُنَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُعْطِيتَ شَيْئًا مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ قَبْلَكَ.
قَالَ سُلَيْمَانُ ﵇: أَرْبَعُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ، فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرًا مِمَّا أُعْطِيَ آلُ دَاوُدَ مِنَ الدُّنْيَا.
خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَحَمْدُ اللَّهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَنْعَمُ؟ قَالَ: جَسَدٌ فِي التُّرَابِ آمَنُ مِنَ الْعَذَابِ مُنْتَظِرًا لِلثَّوَابِ
следующие страницы →