Полный текст (602 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
أَنْ يُؤَدِّيَ شُكْرَ مَا صَنَعْتَ إِلَيْهِ، خَلَقْتَهُ بِيَدِكَ، وَنَفَخْتَ فِيهِ مِنْ رُوحِكَ، وَأَسْكَنْتَهُ جَنَّتَكَ، وَأَمَرْتَ الْمَلَائِكَةَ، فَسَجَدُوا لَهُ؟ قَالَ: يَا مُوسَى عَلِمَ آدَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنِّي فَحَمِدَنِي عَلَيْهِ، فَكَانَ ذَلِكَ شُكْرًا لِمَا صَنَعْتُ إِلَيْهِ "
٦٨٨ - وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ , أَنّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيهِنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ: لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَبَدَنٌ صَابِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنَةٌ صَالِحَةٌ " وَيُقَالُ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ ﵊: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَرْبَعَةً، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: أَمَّا اللَّوَاتِي أَسْأَلُكَ، فَلُسَانًا ذَاكِرًا وَقَلْبًا شَاكِرًا، وَبَدَنًا صَابِرًا، وَزْوَجَةً تُعِينُنِي فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي.
وَأَمَّا اللَّوَاتِي أَعُوذُ بِكَ مِنْهُنَّ، فَأَعُوذُ بِكَ مِنْ وَلَدٍ يَكُونُ عَلَيَّ سَيِّدًا، وَمِنَ امْرَأَةٍ تُشَيِّبُنِي قَبْلَ وَقْتِ الْمَشِيبِ، وَمِنْ مَالٍ يَكُونُ وَبَالًا عَلَيَّ، وَمِنْ جَارٍ لَوْ رَأَى مِنِّي حَسَنَةً كَتَمَهَا، وَلَوْ رَأَى مِنِّي سَيِّئَةً أَفْشَاهَا.
وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ , أَنَّهُ قَالَ لِجُلَسَائِهِ: مَا الْعَافِيَةُ فِيكُمْ؟ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ شَيْئًا.
فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: الْعَافِيَةُ لِلرَّجُلِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاء: بَيْتُ يُؤْوِيهِ، وَعَيْشٌ يَكْفِيهِ، وَزَوْجَةٌ تُرْضِيهِ، وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُهُ فَنُؤْذِيهِ، يَعْنِي لَا يَعْرِفُهُ السُّلْطَانُ فَيُؤْذِيه، لِأَنَّهُ كَانَ خَلِيفَةً وَسُلْطَانًا وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: نِعْمَتَانِ، إِنْ رَزَقَكَ اللَّهُ تَعَالَى إِيَّاهُمَا، فَاحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهَا، وَاشْكُرْهُ.
اجْتِنَابُكَ مِنْ بَابِ السُّلْطَانِ وَاجْتِنَابُكَ مِنْ بَابِ الطَّبِيبِ وَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: مَنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَبَدَنُهُ فِي عَافِيَةٍ، فَقَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ سَيِّدُ نَعِيمِ الدُّنْيَا، وَسَيِّدُ نَعِيمِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ سَيِّدَ نَعِيمِ الدُّنْيَا هُوَ الْعَافِيَةُ، وَسَيِّدُ نَعِيمِ الْآخِرَةِ هُوَ الْإِسْلَامُ
٦٨٩ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَةُ وَالْفَرَاغُ» .
стр. 422
وَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ الْحَمْدِ لِلَّهِ، وَمَنْ كَثُرَتْ هُمُومُهُ، فَعَلَيْهِ بِالِاسْتِغْفَارِ، وَمَنْ أَلَحَّ عَلَيْهِ الْفَقْرُ، فَلْيُكْثِرْ لَا حَوْلَ وَلَا قَوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
٦٩٠ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَانَ فِي الطَّعَامِ أَرْبَعَةٌ فَقَدْ كَمَلَ شَأْنُهُ كُلُّهُ.
إِذَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ وَإِذَا أَكَلَ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ تُكْثَرُ عَلَيْهِ الْأَيْدِي، وَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ حَمِدَ اللَّهَ»
٦٩١ - وَرَوَى الْحَسَنُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ صَغْرَت أَوْ كَبُرَتْ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِلَّا كَانَ قَدْ أَعْطَى أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ "
٦٩٢ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «عَجِبْتُ لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ لَهُ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ شَرٌّ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ» .
وَعَنْ مَكْحُولٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] ، قَالَ: بَارِدُ الشَّرَابِ، وَظِلُّ الْمَسَاكِينِ، وَشِبَعُ الْبُطُونِ، وَاعْتِدَالُ الْخَلْقِ، وَلَذَّةُ النَّوْمِ وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵊، أَنَّهُ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَعَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ مِنْ صُوفٍ، وَكِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ، وَثِيَابٌ مِنْ صُوفٍ، مَجْزُوزَ الرَّأْسِ وَالشَّارِبَيْنِ بَاكِيًا مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ مِنَ الْجُوعِ، يَابِسَ الشَّفَتَيْنِ مِنَ الظَّمَأِ، طَوِيلَ شَعْرِ الصَّدْرِ وَالذِّرَاعَيْنِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَنَا الَّذِي أَنْزَلْتُ الدُّنْيَا مَنْزِلَتَهَا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَلَا عَجَبَ، وَلَا فَخْرَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، تَهَاوَنُوا بِالدُّنْيَا تَهُنْ عَلَيْكُمْ، وَأَهِينُوا الدُّنْيَا تُكْرَمْ لَكُمُ الْآخِرَةُ، وَلَا تُهِينُوا الْآخِرَةَ، فَتُكْرَمْ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِأَهْلِ كَرَامَةٍ، هِيَ تَدْعُو كُلَّ يَوْمٍ إِلَى الْفِتْنَةِ وَالْخَسَارَةِ.
ثُمَّ قَالَ: إِنْ كُنْتُمْ جُلَسَائِي وَأَصْحَابِي، فَوَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ لِلدُّنْيَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَلَسْتُمْ بِأَصْحَابِي، وَلَا بِإِخْوَانِي يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اتَّخِذُوا الْمَسَاجِدَ بُيُوتًا، وَالْقُبُورَ دُورًا، كُونُوا كَأَمْثَالِ
стр. 423
الْأَضْيَافِ أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ طُيُورَ السَّمَاءِ لَا يَزْرَعُونَ وَلَا يَحْصُدُونَ، وَاللَّهُ فِي السَّمَاءِ يَرْزُقُهُمْ.
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ كُلُوا مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، وَمِنْ بُقُولِ الْأَرْضِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَمْ تُؤَدُّوا شُكْرَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ.
وَرُوِيَ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ , قَالَ: أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ يَحْمَدُ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ اعْلَمْ أَنَّ الْحَمْدَ، وَالشُّكْرَ عِبَادَةُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَعِبَادَةُ الْمَلَائِكَةِ، وَعِبَادَةُ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَعِبَادَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَعِبَادَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَأَمَّا عِبَادَةُ الْأَنْبِيَاءِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَهُوَ أَنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا عَطَسَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَأَنَّ نُوحًا، ﵊، لَمَّا أَغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَهُ، وَأَنْجَاهُ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ يَحْمَدَهُ فَقَالَ: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٨] ، وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ ﵊: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ، إِسْمَاعِيلَ، وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ.
وَقَالَ دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ، عليهما الصلاة والسلام، الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين، وَأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَحْمَدُونَ اللَّهَ تَعَالَى فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] ، فَإِذَا امْتَازُوا يَقُولُونَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ، وَالثَّانِي: حِينَ جَاوَزُوا الصِّرَاطَ قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤] ، وَالثَّالِثُ: لَمَّا اغْتَسَلُوا بِمَاءِ الْحَيَاةِ نَظَرُوا إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] ، وَالرَّابِعُ: حِينَ دَخَلُوهَا قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] ، وَالْخَامِسُ: حِينَ اسْتَقَرُّوا فِي مَنَازِلِهِمْ قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ﴿٣٤﴾ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٤-٣٥] ، الْآيَةَ.
стр. 424
وَالسَّادِسُ: حِينَ فَرَغُوا مِنَ الطَّعَامِ قَالُوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] .
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ اشْتَغَلْتُ بِشُكْرِ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ أَلْفَ صِنْفٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَرَأَيْتُ بَنِي آدَمَ أَكْرَمَ الْخَلْقِ، فَجَعَلَنِي مِنْ بَنِي آدَمَ.
وَالثَّانِي: فَضَّلَ الرِّجَالَ عَنِ النِّسَاءِ، فَجَعَلَنِي مِنَ الرِّجَالِ.
وَالثَّالِثُ: رَأَيْتُ الْإِسْلَامَ أَفْضَلَ الْأَدْيَانِ وَأَحَبَّهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَجَعَلَنِي مُسْلِمًا.
وَالرَّابِعُ: رَأَيْتُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَفْضَلَ الْأُمَمِ، فَجَعَلَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
٦٩٣ - وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ، وَهُمْ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ: الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ، وَالْإِنْسُ، وَالشَّيَاطِينُ، وَجَعَلَهُمْ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَجُزْءٌ وَاحِدٌ الْجِنُّ، وَالْإِنْسُ، وَالشَّيَاطِينُ " وَيُقَالُ: الْخَلْقُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ مِنْهَا الشَّيَاطِينُ وَالْجِنُّ، وَوَاحِدٌ مِنْهَا الْإِنْسُ، ثُمَّ جَعَلَ الْإِنْسَ مِائَةً وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ صِنْفًا.
فَالْمِائَةُ مِنْهَا يَأْجُوجُ، وَمَأْجُوجُ، وَسَاتُوجُ، وَمَالُوقُ، وَغَيْرُهُمْ، وَكُلُّهُمْ كُفَّارٌ، وَمَصِيرُهُمْ إِلَى النَّارِ، وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ سَائِرُ الْخَلْقِ وَاثْنَا عَشَرَ مِنْ ذَلِكَ الرُّومُ، وَالْخَزَرُ، وَالسَّقْلَابُ وَنَحْوَهَا، وَسِتَّةٌ فِي الْمَغْرِبِ، الزُّطُّ، وَالْحَبَشُ، وَالزِّنْجُ وَنَحْوَهَا، وَسِتَّةٌ بِالْمَشْرِقِ، التُّرْكُ وَالْخَاقَانُ، وَغَزُّ وَتَغْرُ، وَخَلِنْجُ، وَكِيمَاكُ، وَيَمَكُ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ فِي النَّارِ، إِلَّا مَنْ أَسْلَمَ وَبَقِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ صِنْفًا، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا، أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى هَذَا، وَيَعْرِفَ نِعْمَتَهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدِ اخْتَارَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْخَلْقِ، وَجَعَلَهُ مِنْ صِنْفِ الْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ جَعَلَ الصِّنْفَ الْوَاحِدَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ صِنْفًا، اثْنَانِ وَسَبْعُونَ مِنْ ذَلِكَ، فِي أَهْوَاءَ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ وَوَاحِدٌ عَلَى سَبِيلِ السُّنَّةِ.
وَيُقَالُ: الشُّكْرُ عَلَى وَجْهَيْنِ: شُكْرٌ عَامٌّ، وَشُكْرٌ خَاصٌّ، فَأَمَّا الشُّكْرُ الْعَامُّ فَهُوَ الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ، وَأَنْ يَعْتَرِفَ بِالنِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا الشُّكْرُ الْخَاصُّ، فَالْحَمْدُ بِاللِّسَانِ، وَالْمَعْرِفَةُ بِالْقَلْبِ، وَالْخِدْمَةُ بِالْأَرْكَانِ، وَحِفْظُ اللِّسَانِ، وَسَائِرِ الْجَوَارِحِ عَمَّا لَا يَحِلُّ.
стр. 425
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ , أَنَّهُ قَالَ: الشُّكْرُ الْعَمَلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] .
يَعْنِي اعْمَلُوا عَمَلًا تُؤَدُّونَ بِهِ شُكْرًا
٦٩٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ شَاكِرًا صَابِرًا، إِحْدَاهُمَا أَنْ يَنْظُرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَيَقْتَدِي بِهِ، وَيَنْظُرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَيَحْمَدَ اللَّهَ»
تَمَامُ الشُّكْرِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: إِذَا أَعْطَاكَ اللَّهُ شَيْئًا، فَتَنْظُرُ مَنِ الَّذِي أَعْطَاكَ فَتَحْمَدُهُ عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَرْضَى بِمَا أَعْطَاكَ.
وَالثَّالِثُ: مَا دَامَ مَنْفَعَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ مَعَكَ، وَقُوَّتُهُ فِي جَسَدِكَ لَا تَعْصِهِ.
وَرَوَى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ خَلْقِهِ صَفْوَةً، إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا، وَإِذَا أُنْعِمُوا شَكَرُوا، وَإِذَا ابْتُلُوا صَبَرُوا.
وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ , قَالَ: رَكِبَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉، مَرْكَبًا فَجَاءَ أُنَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُعْطِيتَ شَيْئًا مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ قَبْلَكَ.
قَالَ سُلَيْمَانُ ﵇: أَرْبَعُ خِصَالٍ مَنْ كُنَّ فِيهِ، فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرًا مِمَّا أُعْطِيَ آلُ دَاوُدَ مِنَ الدُّنْيَا.
خَشْيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَحَمْدُ اللَّهِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَيُّ النَّاسِ أَنْعَمُ؟ قَالَ: جَسَدٌ فِي التُّرَابِ آمَنُ مِنَ الْعَذَابِ مُنْتَظِرًا لِلثَّوَابِ
стр. 426
بَابُ: فَضْلِ الْكَسْبِ
٦٩٥ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا قُبَيْصَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ فَرَافِصَةَ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى أَهْلِهِ، وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ، بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَوَجْهُهُ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا، مُكَاثِرًا، مُرَائِيًا لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»
قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ حَمٍّ، عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا , " أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، كَانَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا، فَيَسْأَلُ عَنْ سِيرَتِهِ مَنْ يَرَاهُ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَتَعَرَّضَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇ عَلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَقَالَ لَهُ دَاوُدُ ﵇: يَا فَتَى مَا تَقُولُ فِي دَاوُدَ؟ فَقَالَ: نِعْمَ الْعَبْدُ هُوَ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِ خَصْلَةً قَالَ: وَمَا هِيَ.
قَالَ: يَأْكُلُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا فِي الْعِبَادِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَبْدٍ يَأْكُلُ مِنْ كَدِّ يَدِهِ، فَعَادَ إِلَى مِحْرَابِهِ بَاكِيًا مُتَضَرِّعًا يَقُولُ: يَا رَبُّ عَلِّمْنِي صَنْعَةً أَعْمَلُهَا بِيَدِي تُغْنِينِي بِهَا عَنْ مَالِ الْمُسْلِمِينَ.
فَعَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى صَنْعَةَ الدُّرُوعِ، وَأَلَانَ لَهُ الْحَدِيدَ، حَتَّى كَانَ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَجِينِ، وَكَانَ إِذَا تَفَرَّغَ مِنَ الْقَضَاءِ، وَحَوَائِجِ أَهْلِهِ عَمِلَ دِرْعًا فَبَاعَهَا، وَعَاشَ هُوَ وَعِيَالُهُ بِثَمَنِهَا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ: ١٠] ، ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] ، يَعْنِي لِتَحْفَظَكُمْ مِنْ حَرْبِكُمْ "
стр. 427
قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ حَمٍّ، حَدَّثَنَا نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ شَيْخٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْعَافِيَةَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ فِي السُّكُوتِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْفِرَارِ مِنَ النَّاسِ، وَالْعِبَادَةَ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ، تِسْعَةٌ فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْعِبَادَةِ "
٦٩٦ - وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا فَتَحَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ الْفَقْرِ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلًا فَيَعْمِدَ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَيَحْتَطِبَ فِيهِ، ثُمَّ يَأْتِيَ سُوقَكُمْ هَذَا، فَيَبِيعَهُ بِمُدِّ مِنْ تَمْرٍ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ»
٦٩٧ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْبَزِّ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﵊ كَانَ بَزَّازًا»
٦٩٨ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّ زَكَرِيَّا ﵊ كَانَ نَجَّارًا
وَرَوَى هِشَامٌ بْنُ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: " كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉، يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَإِنَّ فِي يَدِهِ لَخُوصًا يَعْمَلُ بِهِ الْقَفَّةَ أَوْ بَعْضَ مَا يَعْمَلُ، فَإِذَا فَرَغَ نَاوَلَهُ إِنْسَانًا، وَقَالَ: اذْهَبْ بِهِ وَبِعْهُ "
قَالَ شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ لَوْ رَزَقَ الْعِبَادَ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ، لَتَفَرَّغُوا فَتَفَاسَدُوا، وَلَكِنْ شَغَلَهُمْ بِالْكَسْبِ حَتَّى لَا يَتَفَرَّغُوا لِلْفَسَادِ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَجْمَعُ الْمَالَ مِنْ حِلِّهِ، فَيُخْرِجُ مِنْهُ حَقَّهُ وَيَصُونُ بِهِ عِرْضَهُ
стр. 428
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْفُقَرَاءِ ارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ، وَاتَّجِرُوا فَقَدْ وَضَحَ الطَّرِيقُ، وَلَا تَكُونُوا عِيَالًا عَلَى النَّاسِ وَرَوَى الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَشْتَرِكَ ثَلَاثَةً، فَيَجْلِبَ وَاحِدٌ، وَيَبِيعَ الْآخَرُ، وَيَغْزُوَ الثَّالِثُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَالَ الْعَوَّامُ، فَحَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ، وَرَأَيْتُهُ مُرَابِطًا بِالسَّاحِلِ قَالَ: نَحْنُ ثَلَاثَةُ شُرَكَاءَ وَهَذِهِ نَوْبَتِي فِي الْغَزْوِ قَالَ: وَسَمِعْتُ الْفَقِيهَ أَبَا جَعْفَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ , أَنَّهُ قَالَ: مَنْ تَرَكَ السُّوقَ ذَهَبَتْ مُرُوءَتُهُ وَسَاءَ خُلُقُهُ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ: عَلَيْكَ بِالسُّوقِ فَإِنَّهُ أَعَزُّ لِصَاحِبِهِ
٦٩٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَنْ غَرَسَ غَرْسًا، أَوْ زَرَعَ زَرْعًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ سَبْعٌ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ»
٧٠٠ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ قَامَتِ الْقِيَامَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ»
٧٠١ - وَعَنْ مَكْحُولِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: «إِيَّاكُمْ أَنْ تَكُونُوا عَيَّابِينَ، أَوْ مَدَّاحِينَ، أَوْ طَعَّانِينَ، أَوْ مُتَمَاوِتِينَ» .
يَعْنِي أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ كَالْمَيِّتِ لَا يَشْتَغِلُ بِالْكَسْبِ
٧٠٢ - وَعَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الْمُخَارِقِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِهِ، إِذْ مَرَّ عَلَيْهِمْ أَعْرَابِيٌّ شَابٌّ جَلْدٌ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: وَيْحَهُ
стр. 429
لَوْ كَانَ شَبَابُهُ، وَقُوَّتُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ كَبِيرَيْنِ لِيُعِينَهُمَا، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ لِيَسْتَغْنِيَ عَنِ النَّاسِ، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى رِيَاءً، وَسُمْعَةً، فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ»
٧٠٣ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُحْتَرِفٍ أَبَا الْعِيَالِ، وَلَا يُحِبُّ الْفَارِغَ الصَّحِيحَ، لَا فِي عَمَلِ الدُّنْيَا، وَلَا فِي عَمَلِ الْآخِرَةِ»
٧٠٤ - وَعَنْ جَعْفَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ إِلَى السُّوقِ، وَيَشْتَرِي حَوَائِجَ أَهْلِهِ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ، مَنْ سَعَى عَلَى عِيَالِهِ لِيَكُفَّهُمْ عَنِ النَّاسِ، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
٧٠٥ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَ مِنْهُ حَاجَةً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَوَ مَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ» ؟ قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، حِلْسٌ قَدْ تَحَرَّقَ بَعْضُهُ، وَنَحْنُ نَجْلِسُ عَلَيْهِ، وَنَنَامُ فِيهِ وَنَجْعَلُ بَعْضَهُ تَحْتَنَا، وَبَعْضَهُ فَوْقَنَا، وَقَصْعَةٌ نَأْكُلُ فِيهَا، وَنَشْرَبُ فِيهَا، وَنَغْسِلُ فِيهَا رُءُوسَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ائْتِنِي بِهِمَا جَمِيعًا» فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ وَقَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ» ؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ.
فَقَالَ: «أَلَا مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ» ؟ فَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَقَبَضَ الدِّرْهَمَيْنِ، وَدَفَعَهُمَا إِلَى الرَّجُلِ وَقَالَ لَهُ: «اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا، وَاحْمِلْهُ إِلَى مَنْزِلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا، وَائْتِنِي بِهِ» .
فَأَتَاهُ فَشَدَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: «انْطَلِقْ وَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا» .
فَذَهَبَ، وَاكْتَسَبَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا طَعَامًا، وَبِبَعْضِهَا
стр. 430
ثَوْبًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَسْأَلَتُكَ فِي وَجْهِكَ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، لَا يَمْحُوهَا إِلَّا النَّارُ» وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَنْزِلَ بَلَدًا لَيْسَ فِيهَا خَمْسَةٌ: سُلْطَانٌ قَاهِرٌ، وَقَاضٍ عَادِلٌ، وَسُوقٌ قَائِمٌ، وَنَهْرٌ جَارٍ، وَطَبِيبٌ حَاذِقٌ.
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: مَا خَيْرُ الْمَكَاسِبِ؟ قَالَ: أَمَّا خَيْرُ مَكَاسِبِ الدُّنْيَا: فَطَلَبُ الْحَلَالِ لِزَوَالِ الْحَاجَةِ، وَالْأَخْذُ مِنْهُ لِعُدَّةِ الْعِبَادَةِ، وَتَقْدِيمُ فَضْلِ زَادِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا خَيْرُ مَكَاسِبِ الْآخِرَةِ، فَعِلْمٌ مَعْمُولٌ بِهِ نَشَرْتَهُ، وَعَمَلٌ صَالِحٌ قَدَّمْتَهُ، وَسُنَّةٌ حَسَنَةٌ أَحْيَيْتَهَا قِيلَ: وَمَا شَرُّ الْمَكَاسِبِ؟ قَالَ: أَمَّا شَرُّ مَكَاسِبِ الدُّنْيَا فَحَرَامٌ جَمَعْتَهُ وَفِي الْمَعْصِيَةِ أَنْفَقْتَهُ، وَلِمَنْ لَا يُطِيعُ رَبَّهُ خَلَّفْتَهُ، وَأَمَّا شَرُّ مَكَاسِبِ الْآخِرَةِ، فَحَقٌّ أَنْكَرْتَهُ حَسَدًا، وَمَعْصِيَةٌ قَدَّمْتَهَا إِصْرَارًا، وَسُنَّةٌ سَيِّئَةٌ أَحْيَيْتَهَا عُدْوَانًا أَيْ ظُلْمًا.
стр. 431
بَابُ: آفَةِ الْكَسْبِ وَالْحَذَرِ عَنِ الْحَرَامِ
٧٠٦ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «إِنْ شِئْتُمْ لَأَحْلِفَنَّ أَنَّ التَّاجِرَ فَاجِرٌ» .
٧٠٧ - قَالَ قَتَادَةُ: وَكَانَ يَقُولُ ﷺ : «عَجِبْتُ لِلتَّاجِرِ أَنْ يُخْلِصَ يَحْلِفُ بِالنَّهَارِ وَيَحْسِبُ بِاللَّيْلِ»
قَالَ: حَدَّثَنَا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ حَمٍّ، عَنْ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى، قَالَ: بَلَغَنَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ: " لَا يَقُومُ الدِّينُ وَالدُّنْيَا إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ: الْعُلَمَاءِ، وَالْأُمَرَاءِ، وَالْغُزَاةِ، وَأَهْلِ الْكَسْبِ "
سَمِعْتُ بَعْضَ الزُّهَّادِ يُفَسِّرُ الْكَلَامَ فَقَالَ: أَمَّا الْأُمَرَاءُ فَهُمُ الرُّعَاةُ يَرْعُونَ الْخَلْقَ، وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ، فَهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَهُمْ يُدِلُّونَ الْخَلْقَ إِلَى الْآخِرَةِ، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِهِمْ، وَأَمَّا الْغُزَاةُ فَهُمْ جُنْدُ اللَّهِ عَلَى الْأَرْضِ، لِقَمْعِ الْكُفَّارِ، وَلِأَمْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكَسْبِ فَهُمْ أُمَنَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لِمَصْلَحَةِ الْخَلْقِ.
ثُمَّ قَالَ: الرُّعَاةُ وَالْعُلَمَاءُ يَقْتَدِي بِهِمُ الْخَلْقُ، وَالْغُزَاةُ إِذَا رَكِبُوا لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَخَرَجُوا لِلطَّمَعِ فَمَتَى يَظْفَرُونَ بِالْعَدُوِّ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكَسْبِ إِذَا خَانُوا النَّاسَ، فَكَيْفَ يَأْمَنُ بِهِمُ النَّاسُ؟
стр. 432
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي التَّاجِرِ ثَلَاثُ خِصَالٍ افْتَقَرَ فِي الدَّرَايْنِ جَمِيعًا.
أَوَّلُهَا: لِسَانٌ نَقِيٌّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، مِنَ الْكَذِبِ، وَاللَّغْوِ، وَالْحَلِفِ.
وَالثَّانِي: قَلْبٌ صَافٍ مِنْ ثَلَاثٍ مِنَ الْغِشِّ، وَالْخِيَانَةِ، وَالْحَسَدِ.
وَالثَّالِثُ: نَفْسٌ مُحَافِظَةٌ لِثَلَاثٍ: الْجُمْعَةِ، وَالْجَمَاعَاتِ وَطَلَبِ الْعِلْمِ فِي بَعْضِ السَّاعَاتِ، وَإِيثَارِ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى غَيْرِهِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ قَالَ: التَّاجِرُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا ارْتَطَمَ فِي الرِّبَا، يَعْنِي غَرِقَ فِي الرِّبَا، ثُمَّ ارْتَطَمَ، ثُمَّ ارْتَطَمَ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ فَلَا يَتَّجِرَنَّ فِي أَسْوَاقِنَا.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَا تَنْظُرَنَّ إِلَى زِيِّ أَهْلِ السُّوقِ فَإِنَّ تَحْتَ ثِيَابِهِمْ ذِئَابًا.
وَقَالَ سُفْيَانُ أَيْضًا: إِيَّاكُمْ وَجِيرَانَ الْأَغْنِيَاءِ، وَقُرَّاءَ الْأَسْوَاقِ، وَعُلَمَاءَ الْأُمَرَاءِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِمَالٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ دَخَلَ السُّوقَ فَقَالَ: يَا أَهْلَ السُّوقِ سُوقُكُمْ كَاسِدٌ، وَبَيْعُكُمْ فَاسِدٌ، وَجَارُكُمْ حَاسِدٌ، وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: كَسْبُ الْحَلَالِ أَشَدُّ مِنْ نَقْلِ الْجَبَلِ إِلَى الْجَبَلِ وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ شَيْئًا أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ طَيِّبٍ يُنْفَقُ، وَأَخٍ يُسْكَنُ إِلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَعَامِلٍ يَعْمَلُ عَلَى السُّنَّةِ، وَمَا يَزْدَادُونَ إِلَّا قِلَّةً وَلَوْ وَجَدْنَا دِرْهَمًا مِنَ الْحَلَالِ , لَاسْتَشْفَيْنَا بِهِ مَرْضَانَا.
٧٠٨ - وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَيُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الِقيَامَةِ، فَلَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ.
عَنْ جَسَدِه فِيمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ عُمْرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ كَيْفَ عَمِلَ بِهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَأَيْنَ أَنْفَقَهُ
стр. 433
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْمُنَافِقُ مَا أَخَذَ مِنَ الدُّنْيَا يَأْخُذُ مِنَ الْحِرْصِ، وَيَمْنَعُ بِالشَّكِّ، وَيُنْفِقُ بِالرِّيَاءِ، وَالْمُؤْمِنُ الْبَصِيرُ، يَأْخُذُ بِالْخَوْفِ، وَيُمْسِكُ بِالشُّكْرِ، وَيُنْفِقُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ الرَّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الطَّاعَةُ مَخْزُونَةٌ فِي خَزَائِنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِفْتَاحُهَا الدُّعَاءُ، وَأَسْنَانُهَا لُقْمَةُ الْحَلَالِ وَعَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: الْعَجَبُ مِمَّنْ يَحْتَمِي مِنْ حَلَالٍ مَخَافَةَ الدَّاءِ، فَكَيْفَ لَا يَحْتَمِي بِالْحَرَامِ مَخَافَةَ النَّارِ
٧٠٩ - وَرَوَى ابْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَلَا تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْقَ فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَخُذُوا مَا حَلَّ لَكُمْ، وَذَرُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ» .
وَقَالَ الْحَكِيمُ: النَّاسُ فِي الْكَسْبِ عَلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ، مِنْهُمْ مَنْ يَرَى الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمن الْكَسْبِ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَدْرِي أَيُعْطِيهِ أَمْ لَا فَهُوَ مُنَافِقٌ، شَاكٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُؤَدِّي حَقَّهُ وَيَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى، فَهُوَ فَاسِقٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَرَى الْكَسْبَ سَبَبًا، وَأَخْرَجَ حَقَّهُ، وَلَا يَعْصِي اللَّهَ تَعَالَى لِأَجْلِ الْكَسْبِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ مُخْلِصٌ.
٧١٠ - وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، غُلَامٌ يَأْتِيه كُلَّ لَيْلَةٍ بِغَلَّتِهِ طَعَامًا يَأْكُلُهُ.
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، لَا يَأْكُلُهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَصَابَهُ؟ قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ بِطَعَامٍ فَضَرَبَ يَدَهُ إِلَيْهِ فَأَكَلَ لُقْمَةً، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُ، قَالَ الْغُلَامُ: قَدْ كُنْتَ تَسْأَلُنِي كُلَّ لَيْلَةٍ غَيْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَإِنَّكَ لَمْ تَسْأَلْنِي قَالَ: وَيْحَكَ الْجُوعُ حَمَلَنِي، وَيْحَكَ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيْنَ جِئْتَ بِهِ.
قَالَ: كُنْتُ رَقَيْتُ لِأُنَاسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَوَعَدُونِي عَلَيْهِ عِدَةً، فَرَأَيْتُ عِنْدَهُمْ وَلِيمَةً، فَذَكَّرْتُهُمْ وَعْدَهُمُ الَّذِي
стр. 434
وَعَدُونِي، فَأَعْطَوْنِي هَذَا الطَّعَامَ.
فَاسْتَرْجَعَ أَبُو بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ ثُمَّ أَخَذَ يَتَقَيَّأُ، فَكَابَدَ وَجَاهَدَ نَفْسَهُ أَنْ يَنْزِعَ اللُّقْمَةَ مِنْ بَطْنِهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ حَتَّى اخْضَرَّ وَاسْوَدَّ مِنَ الْجَهْدِ، فَلَمْ يَقْدِرْ، فَلَمَّا رَأَوْا مَا يَلْقَى مِنَ الْمُعَالَجَةِ قَالُوا: لَوْ شَرِبْتَ عَلَيْهِ قَدَحًا مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِعُسٍّ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ ثُمَّ تَقَيَّأَ، فَمَا زَالَ يُعَالِجُ نَفْسَهُ حَتَّى نَبَذَهَا.
فَقَالُوا: هَذَا مِنْ أَجْلِ هَذِهِ اللُّقْمَةِ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى كُلِّ جَسَدٍ تَغَذَّى أَوْ غُذِّيَ بِحَرَامٍ» .
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ كَسْبُهُ طَيِّبًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْفَظَ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ.
أَوَّلُهَا: أَنْ لَا يُؤَخِّرَ شَيْئًا مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَجْلِ الْكَسْبِ، وَلَا يُدْخِلُ النَّقْصَ فِيهَا.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يُؤْذِي أَحَدًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَكْلِ الْكَسْبِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَقْصِدَ بِكَسْبِهِ اسْتِعْفَافًا لِنَفْسِهِ، وَعِيَالِهِ، وَلَا يَقْصِدَ بِهِ الْجَمْعَ وَالْكَثْرَةَ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يُجْهِدَ نَفْسَهُ فِي الْكَسْبِ جِدًّا.
وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يَرَى رِزْقَهُ مِنَ الْكَسْبِ، وَيَرَى الرِّزْقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالْكَسْبَ سَبَبًا.
٧١١ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ اكْتَسَبَ مَالًا مِنْ مَأْثَمٍ فَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ وَصَلَ بِهِ رَحِمًا، أَوْ أَنْفَقَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جُمِعَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَأُلْقِيَ فِي النَّارِ» .
وَرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ حَجَّ رَجُلٍ، وَلَا عُمْرَتَهُ، وَلَا جِهَادَهُ، وَلَا صَدَقَتَهُ، وَلَا إِعَاقَتَهُ، وَلَا نَفَقَتَهُ مِنْ رِبَا، أَوْ رِشْوَةٍ، أَوْ خِيَانَةٍ، أَوْ غُلُولٍ، أَوْ سِرْقَةٍ، ثُمَّ قَالَ الْخَمْسُ بِالْخَمْسِ
٧١٢ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَكْسِبُ عَبْدٌ مَالًا حَرَامًا، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ، فَيُبَارَكُ لَهُ فِيهِ، وَلَا يَتْرُكُهُ
стр. 435
خَلْفَ ظَهْرِهِ، إِذَا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ»
٧١٣ - وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّمَا الْمَالُ مَالُ جَالِبٍ، وَشَرُّ تُجَّارِكُمُ الْمُقِيمُونَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، الَّذِينَ يُمَارُونَكُمْ، وَتُمَارُونَهُمْ، وَتُحَالِفُونَهُمْ، وَيُحَالِفُونَكُمْ» .
٧١٤ - وَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَطْيَبِ الْكَسْبِ، قَالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ، الَّذِي لَا شُبْهَةَ فِيهِ وَلَا خِيَانَةَ»
٧١٥ - وَعَنْ قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ يُقَالُ: التَّاجِرُ الصَّدُوقُ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
стр. 436
بَابُ: فَضْلِ إِطْعَامِ الطَّعَامِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ
٧١٦ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو ثَابِتٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْأَزْهَرِيُّ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ , قَالَ: قَالَ لِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: يَا عَطِيَّةُ احْفَظْ وَصِيَّتِي، مَا أَرَاكَ بِصَاحِبِي غَيْرَ سَفَرِي هَذَا، أَحِبَّ آلَ مُحَمَّدٍ وَصَحْبَهُ، وَأَحِبَّ مُحِبِّي آلَ مُحَمَّدٍ، وَلَوْ وَقَعُوا فِي الذُّنُوبِ، وَالْخَطَايَا، وَأَبْغِضْ مُبْغِضِي آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَلَوْ كَانُوا صُوَّامًا قُوَّامًا، وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ، وَأَفْشِ السَّلَامَ، وَصَلِّ بِاللَّيْلِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَا اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا إِلَّا لِإِطْعَامِهِ الطَّعَامَ، وَإِفْشَائِهِ السَّلَامَ، وَصَلَاتِهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ»
٧١٧ - قَالَ الْفَقِيهُ ﵀ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَاضِرُ بْنُ مُوَرَّعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْغَيْرَانِ بْنِ حَبِيبٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَالْأَنْصَارَ، يَقُولُونَ: إِنَّا لَسْنَا عَلَى شَيْءٍ، فَقَالَ: «بَلَى، إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ، وَآتَيْتَ الزَّكَاةَ، وَصُمْتَ، وَحَجَجْتَ بَيْتَ اللَّهِ، وَقَرَيْتَ الضَّيْفَ دَخَلْتَ الْجَنَّةَ»
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ
стр. 437
ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ»
وَعَنْ عَطَاءٍ , قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَغَدَّى، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَتَغَدَّى مَعَهُ، سَارَ الْمِيلَ وَالَمِيلَيْنِ فِي طَلَبِ مَنْ يَتَغَدَّى مَعَهُ وَعَنْ عِكْرِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ يُسَمَّى أَبَا الضِّيفَانِ، وَكَانَ لِقَصْرِهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ، يَنْظُرُ مِنْ أَيٍّ مَجِيءُ الْمَرْءِ وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَجْمَعَ نَفَرًا مِنْ إِخْوَانِي عَلَى صَاعٍ، أَوْ صَاعَيْنِ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَخْرُجَ إِلَى سُوقِكُمْ هَذَا فَأُعْتِقَ نَسَمَةً وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَنَعَ طَعَامًا، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ ذُو هَيْئَةٍ لَمْ يَدَعُهُ، وَإِذَا مَرَّ بِهِ مِسْكِينُ دَعَاهُ، وَقَالَ: أَتَدْعُونَ مَنْ لَا يَشْتَهِي وَتَدَعُونَ مَنْ يَشْتَهِي.
٧١٨ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ سُئِلَ مَا أَكْثَرُ مَا يَلِجُ بِهِ النَّاسُ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ» .
فَقُلْتُ: مَا أَكْثَرُ مَا يَلِجُ بِهِ النَّاسُ فِي النَّارِ؟ قَالَ: «الْأَجْوَفَانِ، الْفَمُ وَالْفَرْجُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ» وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، وَعَنْ أَبَوَيْهَا، قَالَتْ: إِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ، وَحُسْنَ الْجِوَارِ، وَصِلَةَ الرَّحِمِ يُعَمِّرْنَ الدِّيَارَ، وَيَزِدْنَ فِي الْأَعْمَارِ، وَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ فُجَّارًا.
٧١٩ - وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ عَاشِرَ عَشَرَةِ رَهْطٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذٌ، وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ: أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» .
قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: «أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اسْتِعْدَادًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ، أُولَئِكَ هُمُ الْأَكْيَاسُ» .
стр. 438
ثُمَّ سَكَتَ الْفَتَى وَأَقْبَلَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، خَمْسُ خِصَالٍ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي يَوْمٍ حَتَّى يُلْعَنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فِيمَا مَضَتْ مِنْ أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ، وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ شِدَّةِ الْمَؤُنَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ، إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَمَا تَرَكَ أَئِمَّتُهُمُ الْحُكْمَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا جَعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ»
٧٢٠ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّكُمْ لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ فَلْيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ وَجْهٍ، وَحُسْنُ خُلُقٍ» .
٧٢١ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نُوَاسِ بْنِ سَمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»
٧٢٢ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «كَرَمُ الْمَرْءِ دِينُهُ، وَمُرُوءَتُهُ عَقْلُهُ، وَحَسَبُهُ خُلُقُهُ» .
٧٢٣ - وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخَشْنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَدْنَاكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا فِي الْآخِرَةِ، أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِكُمْ إِليَّ، وَأَبْعَدِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا فِي الْآخِرَةِ أَسْوَؤُكُمْ أَخْلَاقًا»
стр. 439
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: إِنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ يُذِيبُ الْخَطَايَا، كَمَا تُذِيبُ الشَّمْسُ الْجَلِيدَ، وَإِنَّ الْخُلُقَ السَّيِّئَ يُفْسِدُ الْعَمَلَ، كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ
٧٢٤ - وَرَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: كَانَ آخِرُ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَعَلْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ، يُقَالُ: «حَسِّنْ خُلُقَكَ مَعَ النَّاسِ يَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»
٧٢٥ - وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «حُسْنُ الْخُلُقِ زِمَامٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فِي أَنْفِ صَاحِبِهِ، وَالزِّمَامُ بِيَدِ الْمَلِكِ، وَالْمَلِكُ يَجُرُّهُ إِلَى الْخَيْرِ، وَالْخَيْرُ يَجُرُّهُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَسُوءُ الْخُلُقِ زِمَامٌ مِنْ عَذَابٍ فِي أَنْفِ صَاحِبِهِ، وَالزِّمَامُ بِيَدِ الشَّيْطَانِ، وَالشَّيْطَانُ يَجُرُّهُ إِلَى الشَّرِّ، وَالشَّرُّ يَجُرُّهُ إِلَى النَّارِ»
٧٢٦ - وَرَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ هَذَا الدِّينَ، هُوَ الَّذِي ارْتَضَيْتُهُ لِنَفْسِي، وَلَا يُصْلِحُهُ إِلَّا خَصْلَتَانِ: السَّخَاءُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ، فَأَكْرِمُوهُ بِهِمَا مَا صَحِبْتُمُوهُ ".
وَيُقَالُ: إِذَا دَعَا الرَّجُلُ أَضْيَافًا يَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ، وَيَجِبُ عَلَى الضَّيْفِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ.
فَأَمَّا الَّتِي تَجِبُ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ، فَأَوَّلُهَا: أَنْ لَا يَتَكَلَّفَ لِلضَّيْفِ مَا لَا يُطِيقُ، وَلَا يُجَاوِزُ فِيهِ السُّنَّةَ.
وَالثَّانِي: أَنْ لَا يُطْعِمَهُ إِلَّا مِنْ حَلَالٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِ وَقْتَ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا الَّتِي تَجِبُ عَلَى الضَّيْفِ، فَأَوَّلُهَا: أَنْ يَجْلِسَ حَيْثُ يَجْلِسُ وَالثَّانِي: أَنْ يَرْضَى بِمَا قُدِّمَ إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَدْعُوَ لَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ بِالْبَرَكَةِ
стр. 440
٧٢٧ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ، وَأَقْرَى الضَّيْفَ، وَأَعْطَى قَوْمَهُ التَّائِبَةَ، فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ»
стр. 441
بَابُ: التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ شَيْخِ بْنِ أَشْجَعَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: " قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ: لَا تُخْبِئُوا طَعَامًا لِغَدٍ، فَإِنَّ غَدًا يَأْتِي وَمَعَهُ رِزْقُهُ، وَانْظُرُوا إِلَى الذَّرِّ، وَمَنْ يَرْزُقُهُ، فَإِنْ قُلْتُمْ: بُطُونُ الذَّرِّ صِغَارٌ، فَانْظُرُوا إِلَى الطَّائِرِ، فَإِنْ قُلْتُمْ: لِلطَّائِرِ أَجْنِحَةٌ، فَانْظُرُوا إِلَى الْوُحُوشِ مَا أَبْدَنَهَا وَأَسْمَنَهَا "
قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي السَّوْدَاءِ , عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «مَا أُبَالِي عَلَى أَيِّ حَالٍ أَصْبَحْتُ، عَلَى مَا أُحِبُّ، أَوْ عَلَى مَا أَكْرَهُ، لِأَنِّي لَا أَدْرِي الْخَيْرَ، فِيمَا أُحِبُّ أَوْ فِيمَا أَكْرَهُ»
٧٢٨ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ، إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَمَا تَرَكْتُ شَيْئًا مِمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ أَلَا، وَإِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ جِبْرِيلَ ﵊ قَدْ أَلْقَى فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْعِبَ كُلَّ الَّذِي كُتِبَ لَهَا، فَمَنْ أَبْطَأَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيُجْمِلْ فِي الطَّلَبِ فَإِنَّكُمْ لَا تُدْرِكُونَ مَا عِنْدَ اللَّهِ بِمِثْلِ طَاعَتِهِ»
٧٢٩ - وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ
стр. 442
قَالَ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النَّاسِ فَلْيَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَكْرَمَ النَّاسِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ، وَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ أَغْنَى النَّاسِ فَلْيَكُنْ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِنْهُ بِمَا فِي يَدِهِ» وَذُكِرَ عَنْ دَاوُدَ ﵊، أَنَّهُ قَالَ لِابْنِهِ سُلَيْمَانَ ﵇: يَا بُنَيَّ إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى تَقْوَى الرَّجُلِ بِثَلَاثٍ: حُسْنِ التَّوَكُّلِ، فِيمَا لَمْ يَنَلْ، وَحُسْنِ الرِّضَا فِيمَا قَدْ نَالَ، وَحُسْنِ الصَّبْرِ فِيمَا قَدْ فَاتَ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي مُطِيعٍ الْبَلْخِيِّ , أَنَّهُ قَالَ لِحَاتِمٍ الْأَصَمِّ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: بَلَغَنِي أَنَّكَ تُجَاوِزُ الْمَفَاوِزَ بِالتَّوَكُّلِ بِغَيْرِ زَادٍ قَالَ: بَلْ أُجَاوِزُهَا بِالزَّادِ.
قَالَ: وَمَا زَادُكَ؟ قَالَ: زَادِي فِيهَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ.
قَالَ: وَمَا هِيَ قَالَ: أَرَى الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا مَمْلَكَةَ لِلَّهِ، وَأَرَى الْخَلْقَ كُلَّهُمْ عِيَالَ اللَّهِ، وَأَرَى الْأَسْبَابَ وَالْأَرْزَاقَ كُلَّهَا بِيَدِ اللَّهِ، وَأَرَى قَضَاءَ اللَّهِ نَافِذًا فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ.
قَالَ أَبُو مُطِيعٍ: نِعْمَ الزَّادُ زَادَكَ يَا حَاتِمُ، وَإِنَّكَ لَتُجَاوِزُ بِهَا مَفَاوِزَ الْآخِرَةِ، فَكَيْفَ مَفَاوِزُ الدُّنْيَا؟ وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى شَقِيقٍ الزَّاهِدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ لَهُ: أَوْصِنِي.
فَقَالَ لَهُ شَقِيقُ: احْفَظْ ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: اعْبُدِ اللَّهَ فَإِنَّهُ يُثَبِّتُكَ، وَحَارِبْ عَدُوَّ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَنْصُرُكَ، وَصَدِّقْهُ بِالْوَعْدِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهِ إِلَيْكَ
٧٣٠ - وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا عِلْمَهُمْ، وَبَذَلُوهُ لِأَهْلِهِ، لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لِأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانُوا عَلَى أَهْلِهَا، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا يَعْنِي هَمَّ آخِرَتِهِ، كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاهُ، وَمَنْ شَغَلَتْهُ هُمُومُ أَحْوَالِ الدُّنْيَا، لَمْ يُبَالِ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَيِّ أَوْدِيَةِ النَّارِ أَهْلَكَهُ، وَأَيِّ أَوْدِيَةِ النَّارِ عَذَّبَهُ» وَيُقَالُ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ يَابْنَ آدَمَ حَرِّكْ يَدَكَ أُبْسِطْ لَكَ فِي رِزْقِكَ، وَأَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ وَلَا تُعْلِمْنِي مَا يُصْلِحُكَ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: قِوَامُ الْإِسْلَامِ
стр. 443
بِأَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ: الْيَقِينُ، وَالْعَدْلُ، وَالصَّبْرُ، وَالْجِهَادُ، وَالْعُلَمَاءُ فَسَّرُوا هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ فَقَالُوا: أَمَّا الْيَقِينُ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْمَلَ لِلَّهِ خَالِصًا، وَلَا يَطْلُبَ بِهِ عَرَضَ الدُّنْيَا، وَلَا رِضَا الْمَخْلُوقِينَ، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ آمِنًا بِوَعْدِ اللَّهِ وَهُوَ الرِّزْقُ.
وَأَمَّا الْعَدْلُ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَقٌّ يُؤَدِّيهِ قَبْلَ الطَّلَبِ، وَالثَّانِي: إِذَا كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ يَرْفُقُ بِطَلَبِهِ، وَأَمَّا الصَّبْرُ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَصْبِرَ عَلَى أَدَاءِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي: أَنْ يَصْبِرَ عَمَّا نَهَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَمَّا الْجِهَادُ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا تَغْفُلَ عَنْ عَدُوِّكَ، وَهُوَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّكَ إِنْ غَفَلْتَ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغْفُلْ عَنْكَ، فَهُوَ كَالذِّئْبِ إِذَا وَقَعَ فِي الْغَنَمِ فَكُلُّ شَاةٍ غَفَلْتَ عَنْهَا أَخَذَهَا.
وَالثَّانِي: إِنَّ أَكْثَرَ فِتْنَةَ بَنِي آدَمَ لِأَجْلِ الْمَالِ فَارْضَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الْمَالِ لِكَيْلَا يَغُرَّكَ.
وَرُوِيَ عَنْ شَقِيقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قَالَ لِحَاتِمٍ الْأَصَمِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مُنْذُ كَمْ تَخْتَلِفُ إِلَيَّ؟ قَالَ: مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً.
فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: أَيُّ شَيْءٍ تَعَلَّمْتَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثِينَ سَنَةً؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ سِتَّ كَلِمَاتٍ، فَلَوْ عَمِلْتُ بِهَا لَرَجَوْتُ أَنْ تُنْجِيَنِي مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا.
فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: أَخْبِرْنِي عَنْ ذَلِكَ.
فَلَعَلِّي أَعْمَلُ بِهِنَّ فَأَنْجُوَ بِذَلِكَ.
فَقَالَ: أَمَّا الْأُولَى: نَظَرْتُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ، فَرَأَيْتُ نَفْسِي مِنْ تِلْكَ الدَّوَابِّ الَّتِي رَزَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلِمْتُ أَنَّ مَا هُوَ لِي فَإِنَّهُ يَصِلُ إِلَيَّ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْزُقُ الْفِيلَ مَعَ عِظَمِهِ، وَلَا يَنْسَى الْبَعُوضَةَ لِصِغَرِهَا، فَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ، فَاشْتَغَلْتُ بِالْعِبَادَةِ، وَلَا أَهْتَمُّ لِغَيْرِهَا فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: نِعْمَ مَا فَهِمْتَ، فَمَا الثَّانِيَةُ؟ قَالَ: نَظَرْتُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ، فَرَأَيْتُ
стр. 444
الْمُؤْمِنِينَ كُلَّهُمْ إِخْوَةً لِي، وَالْأَخُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُشْفِقًا عَلَى أَخِيهِ، وَرَأَيْتُ الْعَدَاوَةَ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ النَّاسِ أَصْلَهَا مِنَ الْحَسَدِ، فَاجْتَهَدْتُ حَتَّى أَخْرَجْتُ الْحَسَدَ مِنْ قَلْبِي، حَتَّى صَارَ قَلْبِي بِحَالٍ لَوْ أَصَابَ الْمُؤْمِنَ هَمٌّ بِالْمَشْرِقِ، جَعَلْتُ أَهْتَمُّ حَتَّى كَأَنَّهُ أَصَابَنِي، وَلَوْ أَصَابَ مُسْلِمًا خَيْرٌ فِي الْمَغْرِبِ أُسِرُّ بِهِ حَتَّى كَأَنَّهُ أَصَابَنِي.
فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: نِعْمَ مَا فَهِمْتَ، فَمَا الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: نَظَرْتُ فَوَجَدْتُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ حَبِيبًا، وَلَا بُدَّ لِلْحَبِيبِ أَنْ يُظْهِرَ لِلْحَبِيبِ مَحَبَّتَهُ، فَوَجَدْتُ حَبِيبِي طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَحِبَّاءِ كُلِّهِمْ يَنْقَطِعُونَ عَنِّي إِلَّا طَاعَةَ اللَّهِ، فَإِنَّهَا مَعِي فِي الْقَبْرِ، وَفِي الْمَحْشَرِ، وَعَلَى الصِّرَاطِ، فَانْقَطَعْتُ عَنْ جَمِيعِ الْأَحِبَّةِ، وَاتَّخَذْتُ طَاعَةَ اللَّهِ حَبِيبًا.
فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: نِعْمَ مَا فَهِمْتَ، فَمَا الرَّابِعَةُ؟ قَالَ: نَظَرْتُ فَوَجَدْتُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ عَدُوًّا، وَلَابُدَّ لِلْعَدُوِّ مِنْ عُدْوَانِهِ، وَالْحَذَرِ عَنْهُ، فَرَأَيْتُ عَدُوِّي الْكَافِرَ وَالشَّيْطَانَ، فَرَأَيْتُ عَدَاوَةَ الْكَافِرِ أَيْسَرَ لِأَنَّهُ إِنْ قَاتَلَنِي فَقَتَلَنِي كُنْتُ شَهِيدًا، وَإِنْ قَتَلْتُهُ كُنْتُ مَأْجُورًا، فَرَأَيْتُ عَدَاوَةَ الشَّيْطَانِ أَشَدَّ، لِأَنَّهُ يَرَانِي مِنْ حَيْثُ لَا أَرَاهُ، فَيُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَنِي مَعَ نَفْسِهِ مِنَ النَّارِ، فَاشْتَغَلْتُ بِعَدَاوَتِهِ مَا عِشْتُ، وَتَرَكْتُ عَدَاوَةَ غَيْرِهِ.
فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: نِعْمَ مَا فَهِمْتَ، فَمَا الْخَامِسَةُ؟ قَالَ: نَظَرْتُ فَوَجَدْتُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ بَيْتًا وَلَابُدَّ لِلْبَيْتِ مِنَ الْعِمَارَةِ، فَرَأَيْتُ مَنْزِلِي الْقَبْرَ فَاشْتَغَلْتُ بِعِمَارَتِهِ.
فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: نِعْمَ مَا فَهِمْتَ.
فَمَا السَّادِسَةُ؟ قَالَ: نَظَرْتُ فَوَجَدْتُ لِكُلِّ شَيْءٍ طَالِبًا، فَرَأَيْتُ طَالِبِي مَلَكَ الْمَوْتِ وَلَا أَدْرِي مَتَى يَأْتِينِي، فَاسْتَعْدَدْتُ لَهُ كَالْعَرُوسِ تُزَفُّ إِلَى مَنْزِلِ زَوْجِهَا، فَمَتَى جَاءَنِي لَا أَطْلُبُ مِنْهُ التَّأْخِيرَ فَقَالَ لَهُ شَقِيقٌ: نِعْمَ مَا فَهِمْتَ إِنْ عَمِلْتَ بِهَا نَجَوْتُ أَنَا وَأَنْتَ
٧٣١ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أُخَلِّي نَاقَتِي وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ أَوْ أَعْقِلُهَا، وَأَتَوَكَّلُ عَلَى اللَّهِ.
قَالَ: «بَلِ اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ» وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: صِفَةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثُ خِصَالٍ: الثِّقَةُ بِاللَّهِ فِي كُلِّ
стр. 445
شَيْءٍ، وَالْفَقْرُ إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَقَالَ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ﵀: أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى النَّاسِ مَنِ اسْتَغْنَى عَنِ النَّاسِ، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ شَيْئًا، وَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيْهِمْ مَنِ احْتَاجَ إِلَيْهِمْ، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ مَنِ احْتَاجَ إِلَيْهِ، وَسَأَلَهُ.
وَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيْهِ مَنِ اسْتَغْنَى عَنْهُ، وَلَمْ يَسْأَلْ مِنْهُ شَيْئًا وَذُكِرَ أَنَّ لُقْمَانَ الْحَكِيمَ ﵇، لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ كَثِيرًا مَا أَوْصَيْتُكَ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ، وَإِنِّي لَمُوصِيكَ الْآنَ بِسِتِّ خِصَالٍ، فِيهَا عِلْمُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ.
أَوَّلُهَا أَنْ لَا تَشْغَلَ نَفْسَكَ بِالدُّنْيَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ عُمْرِكَ.
وَالثَّانِي اعْبُدْ رَبَّكَ بِقَدْرِ حَوَائِجِكَ إِلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: اعْمَلْ لِلْآخِرَةِ بِقَدْرِ مَا تُرِيدُ الْمَقَامَ بِهَا.
وَالرَّابِعُ: لِيَكُنْ شُغْلُكَ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِكَ مِنَ النَّارِ، مَا لَمْ تَظْهَرْ لَكَ النَّجَاةُ مِنْهَا.
وَالْخَامِسُ: لِتَكُنْ جُرْأَتُكَ عَلَى الْمَعَاصِي بِقَدْرِ صَبْرِكَ عَلَى عَذَابِ اللَّهِ.
وَالسَّادِسُ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْصِي اللَّهَ، فَاطْلُبْ مَكَانًا لَا وَمَلَائِكَتُهُ.
وَقِيلَ لِبَعْضِ الْمَلَائِكَةِ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْيَقِينِ وَالتَّوَكُّلِ يَرَاكَ اللَّهُ قَالَ: أَمَّا الْيَقِينُ فَهُوَ أَنْ تُصَدِّقَ اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْبَابِ الْآخِرَة، وَالتَّوَكُّلُ؛ أَنْ تُصَدِّقَ اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْبَابِ الدُّنْيَا، وَيُقَالُ: التَّوَكُّلُ تَوَكُّلَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي الرِّزْقِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إِلَّا الْأَمْنُ.
وَالثَّانِي: فِي طَلَبِ ثَوَابِ الْعَمَلِ فَيَكُونُ آمِنًا بِوَعْدِ اللَّهِ فِي الثَّوَابِ، وَيَكُونُ خَائِفًا فِي عَمَلِهِ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ أَمْ لَا يُقْبَلُ وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ , قَالَ: اجْتَمَعْنَا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، فَقُلْنَا لَوْ حَرَسْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ مُحَارِبٌ، وَلَا نَأْمَنُ عَلَى أَنْ يُغْتَالَ، فَبَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ بَابِ حُجْرَتِهِ حَتَّى خَرَجَ لِلصَّلَاةِ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ فَقُلْنَا: حَرَسْنَاكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّكَ مُحَارِبٌ.
وَخَشِينَا أَنْ تُغْتَالَ.
فَقَالَ: أَفَمِنْ أَهْلِ
стр. 446
السَّمَاءِ حَرَسْتُمُونِي أَمْ أَهْلِ الْأَرْضِ؟ قَالُوا: بَلْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَكَيْفَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْرُسَكَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ حَتَّى يُقَدِّرَهُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ، وَلَيْسَ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ مَلَكَانِ يَدْفَعَانِ عَنْهُ، حَتَّى يَجِيءَ قَدَرُهُ فَإِذَا جَاءَ قَدَرُهُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدَرِهِ
стр. 447
بَابُ: الْوَرَعِ
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطَرِّفٍ، يَقُولُ: «إِنَّكَ لَتَلْقَى الرَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ صَوْمًا، وَصَلَاةً، وَصَدَقَةً، وَإِنَّ الْآخَرَ أَفْضَلُ مِنْهُ ثَوَابًا» .
قِيلَ لَهُ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: «هُوَ أَشَدُّهُمَا وَرَعًا»
٧٣٢ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ عِمَارَةَ , أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا تَوَجَّهَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ نَحْوَ قَرْيَةِ مُؤْتَةَ.
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْضِنِي.
قَالَ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ أَرْضًا السُّجُودُ بِهَا قَلِيلٌ، فَاسْتَكْثِرْ مِنَ السُّجُودِ بِهَا» .
قَالَ: زِدْنِي.
قَالَ: «اذْكُرِ اللَّهَ فَإِنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عَلَى مَا تَطْلُبُ» ، فَوَلَّى ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي.
قَالَ: «اذْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ» .
قَالَ: زِدْنِي «نَعَمْ لَا تَعْجَزَنَّ لَا تَعْجَزَنَّ لَا تَعْجَزَنَّ، إِنْ أَسَأْتَ عَشْرًا أَنْ تُحْسِنَ وَاحِدَةً»
٧٣٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ , بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: " تَقَبَّلُوا لِي سِتًّا أَتَقَبَّلُ لَكُمُ الْجَنَّةَ: إِذَا حَدَّثْتُمْ فَلَا تَكْذِبُوا، وَإِذَا وَعَدْتُمْ فَلَا تُخْلِفُوا، وَإِذَا ائْتُمِنْتِمْ فَلَا تَخُونُوا، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ عَنِ الْحَرَامِ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ "
стр. 448
٧٣٤ - عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَبْدِي أَدِّ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكَ، تَكُنْ مِنْ أَعْبَدِ النَّاسِ، وَانْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُكَ عَنْهُ، تَكُنْ مِنْ أَوْرَعِ النَّاسِ، وَاقْنَعْ، بِمَا رَزَقْتُكَ تَكُنْ مِنْ أَغْنَى النَّاسِ» وَعَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: خَمْسٌ مِنْ عَلَامَاتِ السَّعَادَةِ: الْيَقِينُ فِي الْقَلْبِ، وَالْوَرَعُ فِي الدِّينِ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا، وَالْحَيَاءُ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَالْخَشْيَةُ فِي الْبَدَنِ، وَخَمْسٌ مِنْ عَلَامَاتِ الشَّقَاوَةِ: الْقَسْوَةُ فِي الْقُلُوبِ، وَالْجُمُودُ فِي الْعَيْنَيْنِ، وَقِلَّةُ الْحَيَاءِ، وَالرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا، وَطُولُ الْأَمَلِ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا نَدَعُ تِسْعَةَ أَعْشَارٍ مِنَ الْحَلَالِ مَخَافَةَ أَنْ نَقَعَ فِي الشُّبْهَةِ، أَوْ فِي الْحَرَامِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , نَحْوَ هَذَا وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: أَمْرُ الدُّنْيَا كُلِّهَا عَجَبٌ، وَلَكِنِّي أَتَعَجَّبُ مِنَ ابْنِ آدَمَ الْمَغْرُورِ، فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: أَتَعَجَّبُ مِنْ صَاحِبِ فُضُولِ الدُّنْيَا، كَيْفَ لَا يُقَدِّمُ فُضُولَهُ لِيَوْمِ فَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ إِلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أَتَعَجَّبُ مِنْ لِسَانٍ نَاطِقٍ، كَيْفَ يُطَاوِعُ نَفْسَهُ، وَيُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْ تِلاوَةِ الْقُرْآنِ.
وَالثَّالِثُ: أَتَعَجَّبُ مِنْ صَحِيحٍ فَارِغٍ رَأَيْتُهُ مُفْطِرًا أَبَدًا، كَيْفَ لَا يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوَهُ، وَكَيْفَ لَا يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَةِ الصَّوْمِ إِذَا اسْتَقْبَلَهُ.
وَالرَّابِعُ: أَتَعَجَّبُ مِنَ الَّذِي يُمَهِّدُ فِرَاشَهُ، وَيَنَامُ إِلَى الصُّبْحِ، كَيْفَ لَا يُفَكِّرُ فِي فَضْلِ صَلَاة رَكْعَتَيْنِ فِي اللَّيْلِ، فَيَقُومُ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ.
وَالْخَامِسُ: أَتَعَجَّبُ مِنَ الَّذِي يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ، وَيَرْتَكِبُ مَا نَهَاهُ عَنْهُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَكَيْفَ لَا يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ لِيَنْزَجِرَ عَنْهُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ ﵀، أَنَّهُ قَالَ: تَرْكُ فَلْسٍ مِنْ حَرَامٍ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ فَلْسٍ أَتَصَدَّقُ بِهَا.
стр. 449
وَعَنْهُ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّامِ يَكْتُبُ الْحَدِيثَ، فَانْكَسَرَ قَلَمُهُ، فَاسْتَعَارَ قَلَمًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكِتَابَةِ نَسِيَ فَجَعَلَ الْقَلَمَ فِي مِقْلَمَتِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَرْوٍ، وَرَأَى الْقَلَمَ عَرَفَهُ فَتَجَهَّزَ لِلْخُرُوجِ إِلَى الشَّامِ لِرَدِّ الْقَلَمِ
٧٣٥ - وَعَنِ الشَّعْبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ , يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ فِي الْحَرَامِ كَالرَّاعِي يَرْعَى الْغَنَمَ حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَى وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ.
أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً فَإِنْ صَلُحَتْ صَلُحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِنْ فَسَدَ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ حَدٌّ وَحُدُودُ الْإِسْلَامِ الْوَرَعُ، وَالتَّوَاضُعُ، وَالشُّكْرُ، وَالصَّبْرُ، فَالْوَرَعُ مِلَاكُ الْأُمُورِ، وَالتَّوَاضُعُ بَرَاءَةٌ مِنَ الْكِبْرِ، وَالصَّبْرُ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، وَالشُّكْرُ الْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ
٧٣٦ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ صَلَّيْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْحَنَايَا، وَصُمْتُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَالْأَوْتَارِ، فَمَا يَنْفَعُكُمْ إِلَّا بِالْوَرَعِ» .
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: عَلَامَةُ الْوَرَعِ أَنْ يَرَى عَشَرَةَ أَشْيَاءَ فَرِيضَةً عَلَى نَفْسِهِ: أَوَّلُهَا: حِفْظُ اللِّسَانِ عَنِ الْغِيبَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢] ، وَالثَّانِي: الِاجْتِنَابُ عَنْ سُوءِ الظَّنِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] ،
٧٣٧ - وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّهُ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» .
стр. 450
وَالثَّالِثُ: الِاجْتِنَابُ عَنِ السُّخْرِيَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ [الحجرات: ١١] , وَالرَّابِعُ: غَضُّ الْبَصَرِ عَنِ الْمَحَارِمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ، وَالْخَامِسُ: صِدْقُ اللِّسَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: " ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] ، وَالسَّادِسُ: أَنْ يَعْرِفَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ، لِكَيْلَا يُعْجَبَ بِنَفْسِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] ، وَالسَّابِعُ: أَنْ يُنْفِقَ مَالَهُ فِي الْحَقِّ، وَلَا يُنْفِقُهُ فِي الْبَاطِلِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] ، يَعْنِي لَمْ يُنْفِقُوا فِي الْمَعْصِيَةِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا مِنَ الطَّاعَةِ: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] ، أَيْ عَدْلًا.
وَالثَّامِنُ: أَنْ لَا يَطْلُبَ لِنَفْسِهِ الْعُلُوَّ وَالْكِبْرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] ، وَالتَّاسِعُ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا، بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: ثَلَاثُ خِصَالٍ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَتْرُكَ شَيْئًا مِنْهَا أَبَدًا فَافْعَلْ، لَا تَبْغِيَنَّ عَلَى أَحَدٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣] ، وَلَا تَمْكُرَنَّ عَلَى أَحَدٍ مَكْرًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] ، وَلَا تَنْكُثَنَّ عَهْدًا أَبَدًا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَدْهَمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، الزُّهْدُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: زُهْدٌ فَرْضٌ، وَزُهْدٌ فَضْلٌ، وَزُهْدٌ سَلَامَةٌ، فَالزُّهْدُ الْفَرْضُ: هُوَ الزُّهْدُ فِي الْحَرَامِ، وَالزُّهْدُ الْفَضْلُ،
стр. 451
هُوَ الزُّهْدُ فِي الْحَلَالِ، وَزُهْدُ السَّلَامَةِ، هُوَ الزُّهْدُ فِي الشُّبُهَاتِ.
وَقَالَ أَيْضًا: الْوَرَعُ وَرَعَانِ: وَرَعٌ فَرْضٌ وَوَرَعٌ حَذَرٌ، فَالْوَرَعُ الْفَرْضُ الْوَرَعُ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ تَعَالَى، وَالْوَرَع الْحَذَرُ الْوَرَعُ عَنِ الشُّبُهَاتِ.
وَالْحُزْنُ حُزْنَانِ: حُزْنٌ لَكَ وَحُزْنٌ عَلَيْكَ، فَالْحُزْنُ الَّذِي هُوَ لَكَ حُزْنُكَ عَلَى الْآخِرَةِ، وَالْحُزْنُ الَّذِي عَلَيْكَ حُزْنُكَ عَلَى الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا.
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: أَنْ يَكُفَّ بَصَرَهُ عَنِ الْحَرَامِ، وَيَكُفَّ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ، وَالْغِيبَةِ، وَيَكُفَّ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ وَجَمِيعَ جَوَارِحِهِ عَنِ الْحَرَامِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ أَتَى بِزَيْتٍ مِنَ الشَّامِ، وَكَانَتِ الزَّيْتُ فِي الْجِفَانِ، يَعْنِي فِي الْقِصَاعِ، وَعُمَرُ يُقَسِّمُهُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْأَقْدَاحِ، وَعِنْدَهُ ابْنٌ لَهُ شَعَرَاتٍ، فَكُلَّمَا أُفْرِغَتْ جَفْنَةٌ مَسَحَ بَقِيَّتَهَا بِرَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَرَى شَعْرَكَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ عَلَى زَيْتِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ، فَانْطَلَقَ إِلَى الْحَجَّامِ فَحَلَقَ شَعْرَهُ، وَقَالَ: هَذَا أَهْوَنُ عَلَيْكَ.
وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً إِلَى عَمَّانَ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ إِذْ سَقَطَ سَوْطُهُ، فَنَزَلَ عَنِ الدَّابَةِ وَرَبَطَهَا، وَذَهَبَ رَاجِلًا، فَأَخَذَ السَّوْطَ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ حَوَّلْتَ رَأْسَ دَابَّتِكَ فَأَخَذْتُ السَّوْطَ فَقَالَ: إِنَّمَا اسْتَأْجَرْتُهَا لِتَذْهَبَ وَلَمْ أَسْتَأْجِرُهَا لِتَرْجِعَ
٧٣٨ - وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى حِمَارٍ عَلَيْهِ بَرْذَعَةٌ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ» ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» .
ثُمَّ قَالَ: «وَهَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ» ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ: «أَنْ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ»
стр. 452
بَابُ: الْحَيَاءِ
٧٣٩ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵁ وَأَرْضَاهُ، حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا نَصْرٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , قَالَ: «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ التَّعَطُّرُ وَالنِّكَاحُ وَالسِّوَاكُ وَالْحَيَاءُ»
٧٤٠ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْمَاسَرْجَسِيُّ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ خِرَاشٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ»
٧٤١ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ بْنُ مُنِيرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبَانِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى حَقَّ الْحَيَاءِ» .
فَقَالُوا: إِنَّا نَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنْ مَنِ اسْتَحَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ، وَمَا حَوَى، وَالْبَطْنَ، وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ، وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ»
стр. 453
٧٤٢ - وَعَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْحَيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ» وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَمُوتَ ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أَمُوتُ ثُمَّ أَحْيَا ثَلَاثًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى عَوْرَةِ أَحَدٍ، أَوْ يَنْظُرَ أَحَدٌ إِلَى عَوْرَتِي
٧٤٣ - وَعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ , أَنَّهُ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ النَّاظِرَ وَالْمَنْظُورَ إِلَيْهِ وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ الْحَمَّامَ إِلَّا بِمِئْزَرٍ» وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قَالَ: لَا يَصْلُحُ دُخُولُ الْحَمَّامِ إِلَّا بِإِزَارَيْنِ: إِزَارٍ لِلْعَوْرَةِ، وَإِزَارٍ لِلْعَيْنِ، يَعْنِي يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَعَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵊، أَنَّهُ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالنَّظْرَةَ فَإِنَّهَا تَزْرَعُ الشَّهْوَةَ فِي الْقَلْبِ، وَكَفَى بِهَا فِتْنَةً لِصَاحِبِهَا وَسُئِلَ حَكِيمٌ عَنِ الْفَاسِقِ، قَالَ: الَّذِي لَا يَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْ وَعَوْرَاتِهِمْ
٧٤٤ - وَعَنْ عَطَاءٍ , أَبْوَابِ النَّاسِ أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ يَغْتَسِلُ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ، حَلِيمٌ، سَتَّارٌ، وَيُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسِّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَارَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ»
٧٤٥ - وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الْأَرْضِ.
стр. 454
قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْحَيَاءُ عَلَى وَجْهَيْنِ: حَيَاءٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَحَيَاءٌ فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَمَّا الْحَيَاءُ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَغُضَّ بَصَرَكَ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَكَ، وَأَمَّا الْحَيَاءُ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ تَعْرِفَ نِعْمَتَهُ فَتَسْتَحِيَ أَنْ تَعْصِيَهُ.
٧٤٦ - وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَهُ يَبْكِي فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ ﵇ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَحِي مِنْ عَبْدٍ يَشِيبُ فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يُعَذِّبَهُ أَفَلَا يَسْتَحِي الشَّيْخُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يُذْنِبَ بَعْدَمَا شَابَ فِي الْإِسْلَامِ»
٧٤٧ - وَرَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ، أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» .
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا، قَالَ: «فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَسْتَحِيَ مِنْهُ»
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ لِابْنِهِ: إِذَا دَعَتْكَ نَفْسُكَ إِلَى كَبِيرَةٍ، فَارْمِ بِبَصَرِكَ إِلَى السَّمَاءِ، وَاسْتَحِ مِمَّنْ فِيهَا، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَارْمِ بِبَصَرِكَ إِلَى الْأَرْضِ وَاسْتَحِ مِمَّنْ فِيهَا، فَإِنْ كُنْتَ لَا مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ تَخَافُ، وَلَا مِمَّنْ فِي الْأَرْضِ تَسْتَحِي، فَاعْدُدْ نَفْسَكَ فِي عِدَادِ الْبَهَائِمِ.
قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: تُغْلِقُ بَابَكَ، وَتُرْخِي سِتْرَكَ، وَتَسْتَحِي مِنَ النَّاسِ، وَلَا تَسْتَحِي مِنَ الْقُرْآنِ الَّذِي فِي صَدْرِكَ، وَلَا تَسْتَحِي مِنَ الْجَلِيلِ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ قَالَ مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فِي الْحِكْمَةِ: مَنْ أَبْصَرَ عَيْبَ نَفْسِهِ اشْتَغَلَ عَنْ عَيْبِ غَيْرِهِ، وَمَنْ تَعَرَّى عَنْ لِبَاسِ التَّقْوَى لَمْ يَسْتَتِرْ بِشَيْءٍ، وَمَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللَّهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ وَمَنْ سَلَّ سَيْفَ الْبَغْيِ قَطَعَ بِهِ يَدَهُ، وَمَنِ احْتَفَرَ بِئْرًا لِأَخِيهِ، وَقَعَ فِيهَا، وَمَنْ
стр. 455
هَتَكَ حِجَابَ غَيْرِهِ، انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهُ، وَمَنْ نَسِيَ زَلَلَ نَفْسِهِ، اسْتَعْظَمَ زَلَّةَ غَيْرِهِ، وَمَنْ كَابَدَ الْأُمُورَ عَطِبَ، يَعْنِي ارْتَكَبَ الْأُمُورَ الْعِظَامَ، وَمَنْ خَاطَرَ بِنَفْسِهِ هَلَكَ، وَمَنِ اسْتَغْنَى بِعَقْلِهِ زَلَّ، وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى النَّاسِ ذَلَّ، وَمَنْ تَعَمَّقَ فِي الْعَمَلِ مَلَّ، وَمَنْ فَخَرَ عَلَى النَّاسِ قُصِمَ، يَعْنِي كُسِرَ، وَمَنْ سَفِهَ عَلَيْهِمْ شُتِمَ، وَمَنْ صَاحَبَ الْأَرْزَالَ حُقِّرَ، وَمَنْ جَالَسَ الْعُلَمَاءَ وُقِّرَ، وَمَنْ دَخَلَ مَدْخَلَ السُّوءِ اتُّهِمَ، وَمَنْ تَهَاوَنَ بِالدِّينِ ارْتَطَمَ، وَمَنِ اغْتَنَمَ أَمْوَالَ النَّاسِ افْتَقَرَ، وَمَنِ انْتَظَرَ الْعَافِيَةَ اصْطَبَرَ، وَمَنْ جَهِلَ مَوْضِعَ قَدَمِهِ مَشَتْ فِي نَدَامَةٍ، وَمَنْ خَشِيَ اللَّهَ فَازَ، وَمَنْ لَمْ يُجَرِّبِ الْأُمُورَ خُدِعَ، وَمَنْ صَارَعَ أَهْلَ الْحَقِّ صُرِعَ، وَمَنِ احْتَمَلَ مَا لَا يُطِيقُهُ عَجَزَ، وَمَنْ عَرَفَ أَجَلَهُ قَصُرَ أَمَلُهُ، وَمَنْ تَعَوَّدَ طَرِيقَ الْجَهْلِ تَرَكَ طَرِيقَ الْعَدْلِ.
стр. 456
بَابُ: الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ مَيْسَرَةَ , قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي لَسْتُ أَقْبَلُ كَلَامَ كُلِّ حَكِيمٍ، وَلَكِنْ أَنْظُرُ إِلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ إِيَّايَ جَعَلْتُ صَمْتَهُ تَفَكُّرًا وَكَلَامَهُ ذِكْرًا وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ "
قَالَ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلَامِ، وَعَلَى كَلَامِهِ الْمَقْتُ يَنْوِي فِيهِ الْخَيْرَ، فَيُلْقِي اللَّهُ لَهُ الْعُذْرَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، حَتَّى يَقُولُوا: مَا أَرَادَ بِكَلَامِهِ هَذَا إِلَّا الْخَيْرَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ حَسَنٍ لَا يَنْوِي فِيهِ الْخَيْرَ، فَيُلْقِيهِ اللَّهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: مَا أَرَادَ بِكَلَامِهِ هَذَا خَيْرًا "
وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵀، كَانَ أَهْلُ الْخَيْرِ يَكْتُبُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ: مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ، أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَعَنِ الْحَسَنِ ﵀، فِي قَوْلِهِ : ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] ، يَعْنِي عَلَى نِيَّتِهِ، يَعْنِي الْعَمَلَ بِالنِّيَّةِ.
٧٤٨ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» .
стр. 457
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يُثَابُ عَلَى نِيَّةِ الْخَيْرِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، وَلَا يُثَابُ عَلَى عَمَلِهِ بِلَا نِيَّةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، لِطُولِ نِيَّتِهِ، وَقِصَرِ عَمَلِهِ، لِأَنَّهُ يَنْوِي أَنْ يَعْمَلَ الْخَيْرَ مَا بَقِيَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ الْخَيْرَ مَا بَقِيَ.
وَقَالَ بَعْضُهُم: لِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَالْقَلْبُ مَعْدَنُ الْمَعْرِفَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ مَعْدَنِ الْمَعْرِفَةِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ.
٧٤٩ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ مَظْلَمَةٌ، فَلْيَجِئْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَيَجِيءُ أُنَاسٌ فَيَأْخُذُونَ مِنْ حَسَنَاتِهِ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَ الْحَسَنَاتِ شَيْءٌ وَيَبْقَى الْعَبْدُ حَيْرَانَ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: إِنَّ لَكَ عِنْدِي كَنْزًا لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَائِكَتِي وَلَا أَحَدًا مِنْ خَلْقِي فَيَقُولُ يَا رَبُّ مَا هُوَ؟ فَيَقُولُ نِيَّتُكَ الَّتِي كُنْتَ تَنْوِي مِنَ الْخَيْرِ كَتَبْتُهَا لَكَ سَبْعِينَ ضِعْفًا ".
وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ عَابِدًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرَّ بِكَثِيبٍ مِنَ الرَّمْلِ، فَتَمَنَّى فِي نَفْسِهِ لَوْ كَانَ دَقِيقًا، فَأَشْبَعَ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي مَجَاعَةٍ أَصَابَتْهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيٍّ فِيهِمْ، قُلْ لِهَذَا الْعَابِدِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ لَكَ مِنَ الْأَجْرِ مَا لَوْ كَانَ دَقِيقًا فَتَصَدَّقْتَ بِهِ.
٧٥٠ - وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَرَى فِيهِ الْحَجَّ، وَالْعُمْرَةَ، وَالْجِهَادَ، وَالزَّكَاةَ، وَالصَّدَقَةَ، فَيَقُولُ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ: مَا عَمِلْتُ مِنْ هَذَا شَيْئًا.
وَلَيْسَ هَذَا كِتَابِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اقْرَأْ فَإِنَّهُ كِتَابُكَ عِشْتَ دَهْرًا وَأَنْتَ تَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَحَجَجْتُ، وَلَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَجَاهَدْتُ، وَعَرَفْتُ مِنْ نِيَّتِكَ أَنَّكَ صَادِقٌ، فَأَعْطَيْتُكَ ثَوَابَ ذَلِكَ كُلِّهِ.
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: وَإِنَّمَا يَظْهَرُ صِدْقُ نِيَّتِهِ إِذَا لَمْ يَبْخَلْ بِالْقَلِيلِ الَّذِي عِنْدَهُ، فَلَوْ رَأَى حَاجًّا مُنْقَطِعًا فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَحَجَجْتُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِي طَاقَةٌ، إِلَّا هَذَيْنِ الدِّرْهَمَيْنِ دَفَعْتُهُمَا إِلَى هَذَا، وَإِذَا رَأَى غَازِيًا مُنْقَطِعًا يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَغَزَوْتُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِي طَاقَةٌ إِلَّا هَذِهِ الدَّرَاهِمَ دَفَعْتُهَا إِلَى هَذَا الْغَازِي
стр. 458
الْمُحْتَاجِ، أَوْ إِلَى مِسْكِينٍ بِجِوَارِهِ، وَأَمَّا إِذَا بَخِلَ بِالْقَلِيلِ الَّذِي عِنْدَهُ، فَيَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ يَبْخَلُ بِالْكَثِيرِ، كَمَا يَبْخَلُ بِالْقَلِيلِ، فَلَا ثَوَابَ لَهُ فِي نِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ حَفِظْتُ الْقُرْآنَ لَقَرَأْتُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا كَانَ يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي يَحْفَظُهَا، فَيَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَحْفَظُ الْبَاقِي مِنْهُ لَكَانَ يَقْرَأُ فَيُعْطِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَ الَّذِي يَحْفَظُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ مَا عِنْدَهُ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ أَنَّ نِيَّتَهُ غَيْرُ صَالِحَةٍ
٧٥١ - وَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ وَعَمَلُ الْمُنَافِقِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ، وَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى نِيَّتِهِ»
٧٥٢ - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ رَجُلًا فِي اللَّهِ لِعَدْلٍ ظَهَرَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ آجَرَهُ اللَّهُ عَلَى حُبِّهِ إِيَّاهُ، كَمَا لَوْ أَحَبَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ أَبْغَضَ رَجُلًا فِي اللَّهِ لِجَوْرٍ ظَهَرَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، آجَرَهُ اللَّهُ عَلَى بُغْضِهِ إِيَّاهُ، كَمَا لَوْ كَانَ يُبْغِضُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» .
وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى ﵊: يَا مُوسَى هَلْ عَمِلْتَ لِي عَمَلًا قَطُّ؟ قَالَ: إِلَهِي صَلَّيْتُ لَكَ، وَصُمْتُ لَكَ، وَتَصَدَّقْتُ لَكَ، وَذَكَرْتُكَ.
قَالَ اللَّهُ ﵎: أَمَّا الصَّلَاةُ فَلَكَ بُرْهَانٌ، يَعْنِي حُجَّةٌ لَكَ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ، وَالذِّكْرُ نُورٌ، فَأَيُّ عَمَلٍ لِي؟ قَالَ مُوسَى ﵊: إِلَهِي دُلَّنِي عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ لَكَ.
قَالَ: يَا مُوسَى هَلْ وَالَيْتَ لِي وَلِيًّا، أَوْ عَادَيْتَ لِي عَدُوًّا؟ فَعَلِمَ مُوسَى أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ تَعَالَى وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ تَعَالَى
٧٥٣ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَا إِلَى أَحْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى أَعْمَالِكُمْ وَإِلَى قُلُوبِكُمْ»
٧٥٤ - وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ ﵁، وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا
стр. 459
النَّاسِ، بِسَخَطِ اللَّهِ، سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ»
٧٥٥ - وَرَوَى الْأَعْمَشُ , عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَرَادَ الْجِهَادَ، فَقَالَ: احْمِلْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ائْتِ فُلَانًا فَإِنَّهُ يَحْمِلُكَ» .
فَأَتَاهُ فَأَعْطَاهُ بَعِيرًا، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» .
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ»
٧٥٦ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ قَدِمَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ، فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا وَاسْتَنَّ بِهِ فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا وَاسْتَنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَوِزْرُ مَنْ تَبِعَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا»
٧٥٧ - وَرَوَى تَمِيمٌ الدَّارِيُّ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُصَدَّ عَنِ الْجَنَّةِ، النَّصِيحَةُ لِلَّهِ، وَرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِلْعَامَّةِ» .
٧٥٨ - وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ ﷺ , قَالَ: «أَلَا إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ» .
قِيلَ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ» .
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: أَمَّا النَّصِيحَةُ لِلَّهِ ، فَأَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَتَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، وَتَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ مُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْ تُصَدِّقَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَعْمَلَ بِسُنَّتِهِ، وَتَدُلَّ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ،
стр. 460
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ، فَهُوَ أَنْ تَقْرَأَهُ، وَتَعْمَلَ بِمَا فِيهِ، وَتَتَمَنَّى أَنْ يَقْرَأَهُ جَمِيعُ النَّاسِ، وَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْ تُطِيعَهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُ، وَتَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَوْهُ، وَتَأْمُرَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا تَخْرُجَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ أَنْ تُحِبَّ لَهُمْ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وَتَتَمَنَّى أَنْ يَكُونُوا، فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَمْ مِنْ نَائِمٍ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ الْمُصَلِّينَ، وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ مُسْتَيْقِظٍ يُكْتَبُ مِنَ النَّائِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ، الرَّجُلَ إِذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَقُومَ وَقْتَ السَّحَرِ وَيَتَوَضَّأَ، وَيُصَلِّي حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَنَامَ لَيْلَةً عَلَى تِلْكَ النِّيَّةِ، فَغَلَبَهُ النَّوْمُ حَتَّى أَصْبَحَ فَاسْتَيْقَظَ، حَزِنَ لِذَلِكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَإِنَّهُ يُكْتَبُ مُصَلِّيًا وَيَبْلُغُ ثَوَابَ الْقَائِمِينَ بِنِيَّتِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ يَقُومُ بِاللَّيْلِ فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ فَقَامَ، وَتَوَضَّأَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يُصْبِحْ فَجَعَلَ يَنْتَظِرُ الصُّبْحَ وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، لَمْ أَقُمْ مِنْ فِرَاشِي، فَهَذَا الَّذِي يُكْتَبُ مِنَ النَّائِمِينَ، وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ.
следующие страницы →