Полный текст (602 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
بَابُ: الْعَمَلِ بِالنِّيَّةِ
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ مَيْسَرَةَ , قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي لَسْتُ أَقْبَلُ كَلَامَ كُلِّ حَكِيمٍ، وَلَكِنْ أَنْظُرُ إِلَى هَمِّهِ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ إِيَّايَ جَعَلْتُ صَمْتَهُ تَفَكُّرًا وَكَلَامَهُ ذِكْرًا وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ "
قَالَ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلَامِ، وَعَلَى كَلَامِهِ الْمَقْتُ يَنْوِي فِيهِ الْخَيْرَ، فَيُلْقِي اللَّهُ لَهُ الْعُذْرَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، حَتَّى يَقُولُوا: مَا أَرَادَ بِكَلَامِهِ هَذَا إِلَّا الْخَيْرَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ حَسَنٍ لَا يَنْوِي فِيهِ الْخَيْرَ، فَيُلْقِيهِ اللَّهُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا: مَا أَرَادَ بِكَلَامِهِ هَذَا خَيْرًا "
وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵀، كَانَ أَهْلُ الْخَيْرِ يَكْتُبُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ: مَنْ عَمِلَ لِآخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ أَمْرَ دُنْيَاهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيرَتَهُ، أَصْلَحَ اللَّهُ عَلَانِيَتَهُ، وَمَنْ أَصْلَحَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ أَصْلَحَ اللَّهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَعَنِ الْحَسَنِ ﵀، فِي قَوْلِهِ : ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤] ، يَعْنِي عَلَى نِيَّتِهِ، يَعْنِي الْعَمَلَ بِالنِّيَّةِ.
٧٤٨ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ» .
стр. 457
قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ يُثَابُ عَلَى نِيَّةِ الْخَيْرِ، وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ، وَلَا يُثَابُ عَلَى عَمَلِهِ بِلَا نِيَّةٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ، لِطُولِ نِيَّتِهِ، وَقِصَرِ عَمَلِهِ، لِأَنَّهُ يَنْوِي أَنْ يَعْمَلَ الْخَيْرَ مَا بَقِيَ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ الْخَيْرَ مَا بَقِيَ.
وَقَالَ بَعْضُهُم: لِأَنَّ النِّيَّةَ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَالْقَلْبُ مَعْدَنُ الْمَعْرِفَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ مَعْدَنِ الْمَعْرِفَةِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ.
٧٤٩ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى فُلَانٍ مَظْلَمَةٌ، فَلْيَجِئْ فَلْيَأْخُذْهَا، فَيَجِيءُ أُنَاسٌ فَيَأْخُذُونَ مِنْ حَسَنَاتِهِ، حَتَّى لَا يَبْقَى مِنَ الْحَسَنَاتِ شَيْءٌ وَيَبْقَى الْعَبْدُ حَيْرَانَ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: إِنَّ لَكَ عِنْدِي كَنْزًا لَمْ أُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَائِكَتِي وَلَا أَحَدًا مِنْ خَلْقِي فَيَقُولُ يَا رَبُّ مَا هُوَ؟ فَيَقُولُ نِيَّتُكَ الَّتِي كُنْتَ تَنْوِي مِنَ الْخَيْرِ كَتَبْتُهَا لَكَ سَبْعِينَ ضِعْفًا ".
وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ عَابِدًا مِنْ عُبَّادِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَرَّ بِكَثِيبٍ مِنَ الرَّمْلِ، فَتَمَنَّى فِي نَفْسِهِ لَوْ كَانَ دَقِيقًا، فَأَشْبَعَ بِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِي مَجَاعَةٍ أَصَابَتْهُمْ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَبِيٍّ فِيهِمْ، قُلْ لِهَذَا الْعَابِدِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: إِنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ لَكَ مِنَ الْأَجْرِ مَا لَوْ كَانَ دَقِيقًا فَتَصَدَّقْتَ بِهِ.
٧٥٠ - وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ يُؤْتَى بِالْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَرَى فِيهِ الْحَجَّ، وَالْعُمْرَةَ، وَالْجِهَادَ، وَالزَّكَاةَ، وَالصَّدَقَةَ، فَيَقُولُ الْعَبْدُ فِي نَفْسِهِ: مَا عَمِلْتُ مِنْ هَذَا شَيْئًا.
وَلَيْسَ هَذَا كِتَابِي، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اقْرَأْ فَإِنَّهُ كِتَابُكَ عِشْتَ دَهْرًا وَأَنْتَ تَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَحَجَجْتُ، وَلَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَجَاهَدْتُ، وَعَرَفْتُ مِنْ نِيَّتِكَ أَنَّكَ صَادِقٌ، فَأَعْطَيْتُكَ ثَوَابَ ذَلِكَ كُلِّهِ.
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: وَإِنَّمَا يَظْهَرُ صِدْقُ نِيَّتِهِ إِذَا لَمْ يَبْخَلْ بِالْقَلِيلِ الَّذِي عِنْدَهُ، فَلَوْ رَأَى حَاجًّا مُنْقَطِعًا فَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَحَجَجْتُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِي طَاقَةٌ، إِلَّا هَذَيْنِ الدِّرْهَمَيْنِ دَفَعْتُهُمَا إِلَى هَذَا، وَإِذَا رَأَى غَازِيًا مُنْقَطِعًا يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مَالٌ لَغَزَوْتُ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِي طَاقَةٌ إِلَّا هَذِهِ الدَّرَاهِمَ دَفَعْتُهَا إِلَى هَذَا الْغَازِي
стр. 458
الْمُحْتَاجِ، أَوْ إِلَى مِسْكِينٍ بِجِوَارِهِ، وَأَمَّا إِذَا بَخِلَ بِالْقَلِيلِ الَّذِي عِنْدَهُ، فَيَعْلَمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ يَبْخَلُ بِالْكَثِيرِ، كَمَا يَبْخَلُ بِالْقَلِيلِ، فَلَا ثَوَابَ لَهُ فِي نِيَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ: لَوْ كُنْتُ حَفِظْتُ الْقُرْآنَ لَقَرَأْتُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَإِذَا كَانَ يَقْرَأُ السُّورَةَ الَّتِي يَحْفَظُهَا، فَيَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يَحْفَظُ الْبَاقِي مِنْهُ لَكَانَ يَقْرَأُ فَيُعْطِيَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَضْلَ الَّذِي يَحْفَظُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ مَا عِنْدَهُ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ أَنَّ نِيَّتَهُ غَيْرُ صَالِحَةٍ
٧٥١ - وَرَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرٌ مِنْ عَمَلِهِ وَعَمَلُ الْمُنَافِقِ خَيْرٌ مِنْ نِيَّتِهِ، وَكُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى نِيَّتِهِ»
٧٥٢ - وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ رَجُلًا فِي اللَّهِ لِعَدْلٍ ظَهَرَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ آجَرَهُ اللَّهُ عَلَى حُبِّهِ إِيَّاهُ، كَمَا لَوْ أَحَبَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ أَبْغَضَ رَجُلًا فِي اللَّهِ لِجَوْرٍ ظَهَرَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، آجَرَهُ اللَّهُ عَلَى بُغْضِهِ إِيَّاهُ، كَمَا لَوْ كَانَ يُبْغِضُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» .
وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى ﵊: يَا مُوسَى هَلْ عَمِلْتَ لِي عَمَلًا قَطُّ؟ قَالَ: إِلَهِي صَلَّيْتُ لَكَ، وَصُمْتُ لَكَ، وَتَصَدَّقْتُ لَكَ، وَذَكَرْتُكَ.
قَالَ اللَّهُ ﵎: أَمَّا الصَّلَاةُ فَلَكَ بُرْهَانٌ، يَعْنِي حُجَّةٌ لَكَ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ، وَالذِّكْرُ نُورٌ، فَأَيُّ عَمَلٍ لِي؟ قَالَ مُوسَى ﵊: إِلَهِي دُلَّنِي عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي هُوَ لَكَ.
قَالَ: يَا مُوسَى هَلْ وَالَيْتَ لِي وَلِيًّا، أَوْ عَادَيْتَ لِي عَدُوًّا؟ فَعَلِمَ مُوسَى أَنَّ أَفْضَلَ الْأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ تَعَالَى وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ تَعَالَى
٧٥٣ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَا إِلَى أَحْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى أَعْمَالِكُمْ وَإِلَى قُلُوبِكُمْ»
٧٥٤ - وَرَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ ﵁، وَأَرْضَى عَنْهُ النَّاسَ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا
стр. 459
النَّاسِ، بِسَخَطِ اللَّهِ، سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ»
٧٥٥ - وَرَوَى الْأَعْمَشُ , عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَرَادَ الْجِهَادَ، فَقَالَ: احْمِلْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «ائْتِ فُلَانًا فَإِنَّهُ يَحْمِلُكَ» .
فَأَتَاهُ فَأَعْطَاهُ بَعِيرًا، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرَهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ» .
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «الدَّالُّ عَلَى الْخَيْرِ كَفَاعِلِهِ»
٧٥٦ - وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ قَدِمَ سَائِلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ فَسَكَتَ الْقَوْمُ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا أَعْطَاهُ، فَأَعْطَاهُ الْقَوْمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنِ اسْتَنَّ خَيْرًا وَاسْتَنَّ بِهِ فَلَهُ أَجْرُهُ، وَمِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ اسْتَنَّ شَرًّا وَاسْتَنَّ بِهِ، فَعَلَيْهِ وِزْرُهُ، وَوِزْرُ مَنْ تَبِعَهُ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا»
٧٥٧ - وَرَوَى تَمِيمٌ الدَّارِيُّ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُصَدَّ عَنِ الْجَنَّةِ، النَّصِيحَةُ لِلَّهِ، وَرَسُولِهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِلْعَامَّةِ» .
٧٥٨ - وَرُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّهُ ﷺ , قَالَ: «أَلَا إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ» .
قِيلَ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِلَّهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ» .
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: أَمَّا النَّصِيحَةُ لِلَّهِ ، فَأَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَتَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى ذَلِكَ، وَتَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ النَّاسِ مُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنْ تُصَدِّقَهُ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَتَعْمَلَ بِسُنَّتِهِ، وَتَدُلَّ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ،
стр. 460
وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِكِتَابِهِ، فَهُوَ أَنْ تَقْرَأَهُ، وَتَعْمَلَ بِمَا فِيهِ، وَتَتَمَنَّى أَنْ يَقْرَأَهُ جَمِيعُ النَّاسِ، وَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْ تُطِيعَهُمْ فِيمَا أَمَرُوهُ، وَتَنْتَهِيَ عَمَّا نَهَوْهُ، وَتَأْمُرَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا تَخْرُجَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ، وَأَمَّا النَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ أَنْ تُحِبَّ لَهُمْ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وَتَتَمَنَّى أَنْ يَكُونُوا، فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى الْأُلْفَةِ وَالْمَوَدَّةِ قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَمْ مِنْ نَائِمٍ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ الْمُصَلِّينَ، وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ مُسْتَيْقِظٍ يُكْتَبُ مِنَ النَّائِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ، الرَّجُلَ إِذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ أَنْ يَقُومَ وَقْتَ السَّحَرِ وَيَتَوَضَّأَ، وَيُصَلِّي حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَنَامَ لَيْلَةً عَلَى تِلْكَ النِّيَّةِ، فَغَلَبَهُ النَّوْمُ حَتَّى أَصْبَحَ فَاسْتَيْقَظَ، حَزِنَ لِذَلِكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَإِنَّهُ يُكْتَبُ مُصَلِّيًا وَيَبْلُغُ ثَوَابَ الْقَائِمِينَ بِنِيَّتِهِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الرَّجُلُ لَمْ يَكُنْ يَقُومُ بِاللَّيْلِ فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ فَقَامَ، وَتَوَضَّأَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ لَمْ يُصْبِحْ فَجَعَلَ يَنْتَظِرُ الصُّبْحَ وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، لَمْ أَقُمْ مِنْ فِرَاشِي، فَهَذَا الَّذِي يُكْتَبُ مِنَ النَّائِمِينَ، وَهُوَ مُسْتَيْقِظٌ.
стр. 461
بَابُ: الْعُجْبِ
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَفِيعٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: " النَّجَاةُ فِي اثْنَتَيْنِ: التَّقْوَى، وَالنِّيَّةِ، وَالْهَلَاكُ فِي اثْنَتَيْنِ: الْقُنُوطُ، وَالْإِعْجَابُ "
وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ عَبَدَ اللَّهَ سَبْعِينَ سَنَةً يُفْطِرُ مِنْ سَبْتٍ إِلَى سَبْتٍ، فَطَلَبَ إِلَى اللَّهِ حَاجَةً فَلَمْ يُعْطَهَا، فَأَقْبَلَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَكَ خَيْرٌ قُضِيَتْ حَاجَتُكَ، وَإِنَّمَا أُتِيتَ مِنْ قِبَلَكَ.
فَنَزَلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ سَاعَتِهِ فَقَالَ: يَابْنَ آدَمَ إِنَّ سَاعَتَكَ الَّتِي ازْدَرَيْتَ نَفْسَكَ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ عِبَادَتِكَ الَّتِي قَدْ مَضَتْ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كَانَ رَجُلٌ إِذَا مَشَى أَظَلَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَقَالَ رَجُلٌ لَأَمْشِيَنَّ فِي ظِلِّهِ، فَأُعْجِبَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: مِثْلُ هَذَا يَمْشِي فِي ظِلِّي، فَلَمَّا افْتَرَقَا ذَهَبَ الظِّلُ مَعَ ذَلِكَ الرَّجُلِ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ مِنْ صَلَاحِ تَوْبَتِكَ أَنْ تَعْرِفَ ذَنْبَكَ، وَإِنَّ مِنْ صَلَاحِ عَمَلِكَ أَنْ تَرْفُضَ عُجْبَكَ، وَإِنَّ مِنْ صَلَاحِ شُكْرِكَ أَنْ تَعْرِفَ تَقْصِيرَكَ وَذُكِرَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ إِذَا خَطَبَ فَخَافَ الْعُجْبَ قَطَعَ، وَإِذَا كَتَبَ فَخَافَ الْعُجْبَ مَزَّقَ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ , قَالَ: لَأَنْ أَبِيتَ نَائِمًا وَأُصْبِحَ نَادِمًا، أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أَبِيتَ قَائِمًا، وَأُصْبِحَ مُعْجَبًا وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهُ سَأَلَهَا رَجُلٌ فَقَالَ: مَتَى أَعْلَمُ أَنِّي
стр. 462
مُحْسِنٌ؟ قَالَتْ: إِذَا عَلِمْتَ أَنَّكَ مُسِيءٌ، قَالَ: مَتَى أَعْلَمُ أَنِّي مُسِيءٌ؟ قَالَتْ: إِذَا عَلِمْتَ أَنَّكَ مُحْسِنٌ وَذُكِرَ أَنَّ شَابًّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَفَضَ دُنْيَاهُ، وَاعْتَزَلَ عَنِ النَّاسِ، وَجَعَلَ يَتَعَبَّدُ فِي بَعْضِ النَّوَاحِي، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ مَشَايِخِ قَوْمِهِ لِيَرُدَّاهُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَا لَهُ: يَا فَتَى أَخَذْتَ بِأَمْرٍ لَا تَصْبِرُ عَلَيْهِ، فَقَالَ الشَّابُّ: قِيَامُ النَّاسِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، أَشَدُّ مِنْ قِيَامِي هَذَا.
فَقَالَا لَهُ: إِنَّ لَكَ أَقْرِبَاءَ، فَعِبَادَتُكَ فِيهِمْ أَفْضَلُ، فَقَالَ الشَّابُّ: إِنَّ رَبِّي إِذَا رَضِيَ عَنِّي أَرْضَى عَنِّي كُلَّ قَرِيبٍ، وَصَدِيقٍ.
فَقَالَا لَهُ: أَنْتَ شَابٌّ لَا تَعْلَمُ، وَإِنَّا قَدْ جَرَّبْنَا هَذَا الْأَمْرَ، وَنَخَافُ عَلَيْكَ الْعُجْبَ، فَقَالَ الشَّابُ: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ لَمْ يَضُرُّهُ الْعُجْبُ، فَنَظَرَ أَحَدُهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ فَقَالَ: قُمْ، فَإِنَّ وَجَدَ رِيحَ الْجَنَّةِ فَلَا يَقْبَلُ قَوْلَنَا وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ دَاوُدَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، خَرَجَ إِلَى سَاحِلٍ فَعَبَدَ رَبَّهُ سَنَةً، فَلَمَّا تَمَّتِ السَّنَةُ قَالَ: يَا رَبُّ قَدِ انْحَنَى ظَهْرِي، وَكَلَّتْ عَيْنَايَ، وَنَفَدَتِ الدُّمُوعُ، فَلَا أَدْرِي إِلَى مَاذَا يَصِيرُ أَمْرِي، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى ضِفْدَعٍ، أَنْ أُجِيبِ عَبْدِيَ دَاوُدَ، ﵇، فَقَالَتِ الضِّفْدَعُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: أَتَمُنُّ عَلَى رَبِّكَ فِي عِبَادَةِ سَنَةٍ؟ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا، إِنِّي عَلَى ظَهْرِ بَرْدِيَّةٍ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً، أَوْ سِتِّينَ أُسَبِّحُهُ وَأَحْمَدُهُ، وَإِنَّ فَرَائِصِي تَرْعُدُ مِنْ مَخَافَةِ رَبِّي، فَبَكَى دَاوُدُ، ﵊ عِنْدَ ذَلِكَ، وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ لِمُوسَى، ﵇.
بَعْدَمَا قَتَلَ قَتِيلًا قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكْسِرَ الْعُجْبَ فَعَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ يَرَى التَّوْفِيقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا رَأَى التَّوْفِيقَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ يَشْتَغِلُ بِالشُّكْرِ، وَلَا يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ.
وَالثَّانِي أَنْ يَنْظُرَ إِلَى النَّعْمَاءِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ، فَإِذَا نَظَرَ فِي نَعْمَائِهِ اشْتَغَلَ بِالشُّكْرِ عَلَيْهَا، وَاسْتَقَلَّ عَمَلَهُ، وَلَا يُعْجَبُ بِهِ.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَخَافَ أَنْ لَا يُتَقَبَّلَ مِنْهُ، فَإِذَا اشْتَغَلَ بِخَوْفِ الْقَبُولِ، لَا يُعْجَبُ بِنَفْسِهِ.
وَالرَّابِعُ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذُنُوبِهِ الَّتِي أَذْنَبَ، قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا خَافَ أَنْ تَرْجَحَ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَقَدْ قَلَّ عُجْبُهُ، وَكَيْفَ يُعْجَبُ الْمَرْءُ بِعِلْمِهِ، وَلَا يَدْرِي مَاذَا يَخْرُجُ مِنْ
стр. 463
كِتَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا يَتَبَيَّنُ عُجْبُهُ وَسُرُورُهُ بَعْدَ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ.
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ، وَلَمْ أَدْرِ لِمَنْ قَالَهَا، حَتَّى دَخَلَ كَعْبٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَنَحْنُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا كَعْبُ حَدِّثْنَا، وَلَا تُحَدِّثْنَا إِلَّا بِحَدِيثٍ يُشْبِهُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ كَعْبٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَاعِ أَفْيَحَ، يَسْمَعُهُمُ الدَّاعِي، وَيُنْفِذُهُمُ الْبَصَرَ، ثُمَّ يُدْعَى كُلُّ قَوْمٍ بِإِمَامِهِمْ يَعْنِي بِمُعَلِّمِهِمْ، الَّذِي يُعَلِّمُهُمُ الْهُدَى، أَوِ الضَّلَالَةَ فَيُدْعَى بِإِمَامِ الْهُدَى قَبْلَ أَصْحَابِهِ، فَيَتَقَدَّمُ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَقَدْ أُخْفِيَتْ سَيِّئَاتُهُ، فَهُوَ يَقْرَؤُهُنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ لِكَيْلَا يَقُولُ: بِعَمَلِي دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، وَقَدْ بَدَتْ حَسَنَاتُهُ لِلنَّاسِ، فَهُمْ يَقْرَأُونَهَا حَتَّى إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: طُوبَى لِفُلَانٍ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ، فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ فِي نَفْسِهِ حَتَّى يَقُولَ فِي نَفْسِهِ: قَدْ هَلَكْتُ فَيَجِدُ فِي آخِرِهِ، أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَكَ، فَيُتَوَّجُ بِتَاجٍ مِنْ نُورٍ يَسْطَعُ ضَوْؤُهُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ اذْهَبْ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَبَشِّرْهُمْ بِأَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمْ مِثْلَ مَا لَكَ.
فَإِذَا أَقْبَلَ نَظَرَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْوَادِي، فَلَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنَّا، اللَّهُمَّ ائْتِنَا بِهِ، ثُمَّ يَأْتِي أَصْحَابَهُ فَيَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ، فَقَدْ غُفِرَ لِي، فَأَبْشِرُوا، فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ، مِثْلَ مَا لِي، وَإِذَا كَانَ إِمَامُ الضَّلَالَةِ دُعِيَ بِهِ، فَإِذَا قَدِمَ أُعْطِيَ كِتَابِهِ، فَإِذَا تَنَاوَلَهُ بِيَمِينِهِ، غُلَّتْ يَمِينُهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَيَتَنَاوَلُهُ بِشِمَالِهِ، فَيُجْعَلُ شِمَالُهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، فَيُلْوَى عُنُقُهُ، وَيَقْرَأُ حَسَنَاتِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ لِكَيْلَا يَقُولَ: حَفِظْتَ سَيِّئَاتِي، وَلَمْ تَحْفَظْ حَسَنَاتِي، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا فَجَازَيْتُكَ بِمَا عَمِلْتَ، وَهَكَذَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَسَنَاتِهِ وَسَيِّئَاتُهُ ظَاهِرَةٌ لِلنَّاسِ يَقْرَأُونَهَا، حَتَّى يَقُولُوا: وَيْلٌ لِفُلَانٍ مَا ظَهَرَ لَهُ مِنَ الشَّرِّ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ صَحِيفَتِهِ، وَجَدَ فِي آخِرِهَا وَإِنَّهُ حَقَّ عَلَيْكَ كَلِمَةُ الْعَذَابِ، يَعْنِي وَجَبَ عَلَيْكَ الْعَذَابُ، فَيَسْوَدُّ وَجْهُهُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، فَيُتَوَّجُ بِتَاجٍ مِنَ النَّارِ، يَسْطَعُ دُخَانُهُ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: ائْتِ أَصْحَابَكَ فَبَشِّرْهُمْ، فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِثْلَ هَذَا، فَإِذَا أَقْبَلَ رَآهُ أَهْلُ الْوَادِي فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ هَذَا مِنَّا، اللَّهُمَّ لَا تَأْتِنَا بِهِ، فَلَا يَمُرُّ بِقَوْمٍ، إِلَّا لَعَنُوهُ ثُمَّ يَأْتِي أَصْحَابَهُ، فَإِذَا رَأَوْهُ لَعَنُوهُ، وَتَبَرَّءُوا مِنْهُ فَلَعَنَهُمْ هُوَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾
стр. 464
[العنكبوت: ٢٥] ، فَيَقُولُ لَهُمْ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا "
وَعَنْ مَسْرُوقٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ، وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِعَمَلِهِ.
٧٥٩ - وَعَنْ مُجَاهِدٍ ﵀ , أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ قَوْمًا يُثْنُونَ عَلَيْهِ عِنْدَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَامَ الْمِقْدَادُ فَحَنَا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «احْثُوا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ»
стр. 465
بَابٌ فِي فَضْلِ الْحَجِّ
٧٦٠ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ زَكَرِيَّا، بِإِسْنَادِهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى، إِذْ أَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالُوا: فِدَاكَ الْأُمَّهَاتُ وَالْآبَاءُ، أَخْبِرْنَا بِفَضَائِلِ الْحَجِّ؟ قَالَ: " بَلَى، أَيُّ رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا فَكُلَّمَا رَفَعَ قَدَمًا، وَوَضَعَ قَدَمًا تَنَاثَرَتِ الذُّنُوبُ مِنْ بَدَنِهِ، كَمَا يَتَنَاثَرُ الْوَرَقُ مِنَ الشَّجَرِ، فَإِذَا وَرَدَ الْمَدِينَةَ، وَصَافَحَنِي بِالسَّلَامِ، صَافَحَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِالسَّلَامِ، فَإِذَا وَرَدَ ذَا الْحُلَيْفَةَ، وَاغْتَسَلَ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَإِذَا لَبِسَ ثَوْبَيْنِ جَدِيدَيْنِ جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَإِذَا قَالَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، أَجَابَهُ الرَّبُّ : بِلَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ أَسْمَعُ كَلَامَكَ، وَأَنْظُرُ إِلَيْكَ، فَإِذَا دَخَلَ مَكَّةَ، وَطَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَاصَلَ اللَّهُ لَهُ الْخَيْرَاتِ، فَإِذَا وَقَفُوا بِعَرَفَاتٍ، وَضَجَّتِ الْأَصْوَاتُ بِالْحَاجَاتِ، بَاهَى اللَّهُ بِهِمْ مَلَائِكَةَ سَبْعِ سَمَوَاتٍ، وَيَقُولُ: مَلَائِكَتِي وَسُكَّانَ سَمَوَاتِي، أَمَا تَرَوْنَ إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ شُعْثًا غُبْرًا قَدْ أَنْفَقُوا الْأَمْوَالَ وَأَتْعَبُوا الْأَبْدَانَ فَوَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكَرَمِي لَأَهَبَنَّ مُسِيئَهُمْ بِمُحْسِنِهِمْ، وَلَأُخْرِجَنَّهُمْ مِنَ الذُّنُوبِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ، فَإِذَا رَمَوُا الْجِمَارَ، وَحَلَقُوا الرُّءُوسَ، وَزَارُوا الْبَيْتَ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ، ارْجِعُوا مَغْفُورًا لَكُمْ وَاسْتَأْنِفُوا الْعَمَلَ "
стр. 466
٧٦١ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , عَنْ نُصَيْرِ بْنِ حَاجِبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، قَالَ: كُنْتُ طَائِفًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِبَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، فَقُلْتُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا الْبَيْتُ؟ فَقَالَ لِي: «يَا عَلِيُّ، أَسَّسَ اللَّهُ هَذَا الْبَيْتَ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَفَّارَةً لِذُنُوبِ أُمَّتِي» ، فَقُلْتُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَا هَذَا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ؟ قَالَ: «تِلْكَ جَوْهَرَةٌ كَانَتْ فِي الْجَنَّةِ أَهْبَطَهَا اللَّهُ إِلَى الدُّنْيَا، لَهَا شُعَاعٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ، وَاشْتَدَّ سَوَادُهَا، وَتَغَيَّرَ لَوْنُهَا، لَمَّا مَسَّتْهَا أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ»
٧٦٢ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ كِنَانَةَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , دَعَا عَشِيَّةَ عَرَفَةَ لِأُمَّتِهِ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ فَأَكْثَرَ الدُّعَاءَ، فَأَجَابَهُ رَبُّهُ: بِأَنِّي قَدْ فَعَلْتُ إِلَّا ظُلْمَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
قَالَ: «أَيْ رَبُّ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ تُثِيبَ هَذَا الْمَظْلُومَ خَيْرًا مِنْ مَظْلَمَتِهِ لِهَذَا الظَّالِمِ» .
فَلَمْ يُجِبْهُ تِلْكَ الْعَشِيَّةَ، فَلَمَّا كَانَ غَدَاةُ الْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ فَأَجَابَهُ رَبُّهُ بِأَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، ثُمَّ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَبَسَّمْتَ فِي سَاعَةٍ لَمْ تَكُنْ تَتَبَسَّمُ فِيهَا.
قَالَ: «تَبَسَّمْتُ لِأَنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَدِ اسْتَجَابَ لِي فِي أُمَّتِي أَهْوَى يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَيَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ»
٧٦٣ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ وَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَتَى هَذَا الْبَيْتَ لَا يُرِيدُ إِلَّا إِيَّاهُ فَطَافَ بِهِ طَوَافًا، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ
стр. 467
٧٦٤ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا قَطُّ هُوَ فِيهِ أَضْعَفَ وَلَا أَحْقَرَ، وَلَا أَغْيَظَ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ نُزُولِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، وَلَمْ يُرَ قَبْلَ ذَلِكَ مِثْلَهُ إِلَّا مَا رُؤِيَ مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ» وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُوسَى، ﵇، ذَكَرَ بَيْتَ اللَّهِ الْحَرَامِ وَفَضِيلَتَهُ، قَالَ: إِلَهِي مَا الْحَجُّ؟ قَالَ: بَيْتِي الَّذِي اخْتَرْتُهُ عَلَى جَمِيعِ الْبُيُوتِ، وَحَرَمِي الَّذِي حَرَّمَهُ خَلِيلِي إِبْرَاهِيمُ يَنْتَهُونَ إِلَيْهِ مِنْ أَطْرَافِ الْأَرْضِ يُهَلِّلُونَ بِالتَّلْبِيَةِ، كَمَا يُلَبِّي الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ.
قَالَ مُوسَى: إِلَهِي فَمَا ثَوَابُهُمْ؟ قَالَ أُلْحِقُهُمُ الْمَغْفِرَةَ حَتَّى أُشَفِّعَهُمْ فِي جِيرَانِهِمْ، وَقَرَابَتِهِمْ، فَقَالَ مُوسَى: إِلَهِي مَنْ هُمْ مَنْ لَيْسَ لَهُ نَفَقَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَا قَلْبٌ زَاكٍ؟ قَالَ: فَإِنِّي أَهَبُ الْمُسِيءَ مِنْهُمْ لِلْمُحْسِنِ
٧٦٥ - وَعَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فِي أَوَّلِ خِلَافَتِهِ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْحَجَرِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ، وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: لَا تَقُلْ مِثْلَ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَيَنْفَعُ، بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَوْلَا أَنَّكَ قَرَأْتَ الْقُرْآنَ وَعَلِمْتَ مَا فِيهِ مَا أَنْكَرْتُ عَلَيْكَ.
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، وَمَا تَأْوِيلُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ؟ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ.
فَلَمَّا أَقَرُّوا بِالْعُبُودِيَّةِ كَتَبَ إِقْرَارَهُمْ فِي رَقٍّ ثُمَّ دَعَا هَذَا الْحَجَرَ فَأَلْقَمَهُ ذَلِكَ الرَّقَّ، فَهُوَ أَمِينُ اللَّهِ عَلَى هَذَا، يَشْهَدُ لِمَنْ وَافَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ مِنَ الْعِلْمِ غَيْرَ قَلِيلٍ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ بَعْدَمَا كُفَّ بَصَرُهُ: مَا نَدِمْتُ عَلَى شَيْءٍ مِثْلَ مَا نَدِمْتُ عَلَى أَنْ لَا أَكُونَ حَجَجْتُ مَاشِيًا، لِأَنِّي سَمِعْتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] .
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ: إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ قَرِيبًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، وَهُوَ أَفْضَلُ، وَأَمَّا إِذَا
стр. 468
كَانَ الطَّرِيقُ بَعِيدًا، فَالرَّاكِبُ أَفْضَلُ، لِأَنَّ الْمَاشِيَ يُتْعِبُ نَفْسَهُ وَيَسُوءُ خُلُقُهُ، فَإِذَا أَمِنَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى فَالْمَشْيُ أَفْضَلُ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْمَلَائِكَةَ يَتَلَقَّوْنَ الْحَاجَّ فَيُسَلِّمُونَ عَلَى أَصْحَابِ الْجِمَالِ وَيُصَافِحُونَ
٧٦٦ - الْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، وَيُعَانِقُونَ الرَّجَّالَةَ وَرَوَى الضَّحَّاكُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَاصِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَوَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ قَبْلَ الْقِتَالِ، أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ بِأَيِّ حَتْفٍ، مَاتَ وَهُوَ شَهِيدٌ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ حَاجًّا إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، ثُمَّ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ» .
٧٦٧ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْجَاجِّ وَلِمَنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ» .
٧٦٨ - وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا تَعْدِلُ أَلْفَ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» .
٧٦٩ - وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، أَفْضَلُ مِنْ عَشْرَةِ آلَافِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ، إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ، وَصَلَاةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَتَيْ أَلْفِ صَلَاةٍ» .
ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، رَجُلٌ قَامَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ يُرِيدُ بِهِمَا مَا عِنْدَ اللَّهِ»
٧٧٠ - وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ بِشْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شِهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا
стр. 469
رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ ".
٧٧١ - وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُدْخِلُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ فِي الْحَجَّةِ الْوَاحِدَةِ، الْجَنَّةَ الْمُوصِي بِهَا، وَالْمُنَفِّذُ لَهَا، وَالْحَاجُّ عَنْهُ، وَالْعُمْرَةُ، وَالْجِهَادُ كَذَلِكَ» .
وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
стр. 470
بَابُ: فَضْلِ الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ
٧٧٢ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ جَعْفَرٍ الدَّبُّوسِيُّ , بِسَمَرْقَنْدَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ سَهْلٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي الْجُلاحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا، وَلَا يَجْتَمِعُ الشُّحُّ وَالْإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا»
٧٧٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنَ الْأَرْضِ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَلَمَوْقِفُ الرَّجُلِ فِي الصَّفِّ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً»
٧٧٤ - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ , عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْحَجَّاجِ , عَنْ مُقْسِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي سَرِيَّةٍ فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُصَلِّي الْجُمْعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَلْحَقُ بِأَصْحَابِي.
وَقَدْ غَدَا أَصْحَابُهُ فَلَمَّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: «مَا لَكَ لَمْ تَغْدُ مَعَ أَصْحَابِكَ؟» فَقَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ الْجُمْعَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُ بِأَصْحَابِي، فَقَالَ لَهُ: «لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتِهِمْ» .
стр. 471
٧٧٥ - وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رِبَاطُ لَيْلَةٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ رَجُلٍ وَقِيَامِهِ فِي أَهْلِهِ شَهْرًا، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُرَابِطًا أَجَارَهُ اللَّهُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَأَمَّنَهُ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَأَجْرَى عَمَلَهُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَزِيَارَةُ قَبْرِ الْمُرَابِطِ رِبَاطٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
٧٧٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا الْإِسْلَامُ؟ قَالَ: «طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ» .
قِيلَ: وَأَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ» .
قِيلَ: فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ الْقِيَامِ» .
وَالسَّمَاحَةُ "، قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِقَ دَمُهُ» ، قِيلَ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا»
٧٧٧ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي مِنْخَرَيْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ» .
٧٧٨ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا ثلاثَ أَعْيُنٍ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَيْنٌ غَضَّتْ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَيْنٌ حَرَسَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ".
٧٧٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٌ مِنْ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَأَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَالشَّهِيدُ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ، لَمْ يَشْغَلْهُ رِقُّ الدُّنْيَا عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفَقِيرٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، وَأَمَّا أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ النَّارَ، فَأَمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وَذُو ثَرْوَةٍ مِنْ مَالٍ لَا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى، مِنْ مَالِهِ، وَفَقِيرٌ فَخُورٌ»
стр. 472
٧٨٠ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى» وَعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَعْطَى فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ، وَمَنْ أَعْطَى سَيْفًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ لِسَانٌ يُنَادِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَنَا سَيْفُ فُلَانٍ، لَمْ أَزَلْ أُجَاهِدُ لَهُ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَمَنْ أَعْطَى سَهْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ادَّخَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ، وَيُرْبِيهِ حَتَّى يَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رُءوسِ الْخَلَائِقِ، وَهُوَ أَعْظَمُ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ، وَمَنْ حَمَلَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ عَلَمًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أَعْطَى تُرْسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ جُنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي مِنَ النَّارِ، وَمَنْ طُعِنَ طَعْنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَجَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَهَا رِيحٌ كَرِيحِ الْمِسْكِ يَجِدُهَا الْخَلَائِقُ، وَمَنْ سَقَى أَخَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ زَارَ أَخَاهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً، وَرَفَع لَهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَمَنْ حَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ، وَرُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً وَمَنْ حَرَسَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، إِذَا كُنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكُنْ خَلْفَهَا تَسُوقُ ضَعِيفَهَا، وَتُؤَمِّنُ خَائِفَهَا، يَكُنْ لَكَ مِثْلُ أُجُورِهِمْ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: السُّيُوفُ مَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَإِذَا الْتَقَى الصَّفَّانِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَزَيَّنَ الْحُورُ الْعِينُ فَأَظْلَمْنَ فَإِذَا أَقْبَلَ الرَّجُلُ قُلْنَ: اللَّهُمَّ أَبْصِرْهُ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُ، فَإِذَا أَدْبَرَ احْتَجَبْنَ عَنْهُ وَقُلْنَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَإِذَا قُتِلَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، بِأَوَّلِ قَطْرَةٍ تَخْرُجُ مِنْ دَمِهِ، كُلُّ ذَنْبٍ هُوَ لَهُ، وَيَنْزِلُ عَلَيْهِ
стр. 473
اثْنَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، تَمْسَحَانِ الْغُبَارَ عَنْ وَجْهِهِ
٧٨١ - وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا حَبَشِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا كَمَا تَرَانِي دَمِيمُ الْوَجْهِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، غَيْرُ زَاكِي الْحَسَبِ، فَأَيْنَ أَنَا إِنْ قَاتَلْتُ حَتَّى أُقْتَلَ؟ قَالَ: «أَنْتَ فِي الْجَنَّةِ» .
فَأَسْلَمَ الرَّجُلُ فَقَالَ عِنْدِي غَنَمٌ فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَا؟ فَقَالَ: «وَجِّهْهَا إِلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ صِحْ بِهَا فَإِنَّهَا سَتَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهَا» .
فَفَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَحَمَ الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا فَلَمَّا تَحَاجَزَ الْقَوْمُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «تَفَقَّدُوا إِخْوَانَكُمْ» فَفَعَلُوا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ الْحَبَشِيُّ قَتِيلٌ فِي وَادِي كَذَا.
فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَيْهِ قَالَ: «الْيَوْمَ حَسَّنَ اللَّهُ وَجْهَكَ، وَطَيَّبَ رِيحَكَ، وَزَكَّى حَسَبَكَ» .
فَبَكَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَعْرَضْتَ عَنْهُ.
فَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَزْوَاجَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ ابْتَدَرْنَ حَتَّى بَدَتْ خَلَاخِيلُهُنَّ» .
وَيُقَالُ: الْغُزَاةُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ مِنْهُمْ يَرْعَوْنَ دَوَابَّهُمْ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يَخْدِمُونَهُمْ، وَصِنْفٌ مِنْهُمْ يُبَاشِرُونَ الْقِتَالَ، وَكُلُّهُمْ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وَأَفْضَلُهُمُ الَّذِي يَرْعَى دَوَابَّهُمْ، وَيُقَاتِلُ إِذَا حَضَرَ الْقِتَالَ، ثُمَّ الَّذِي يَخْدِمُهُمْ وَيُقَاتِلُ إِذَا حَضَرَ الْقِتَالَ كَمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «أَعْظَمُ الْقَوْمِ أَجْرًا خَادِمُهُمْ» .
٧٨٢ - وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَإِنْ كَانَتْ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» .
يَعْنِي لَا يَتَمَنَّى الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا وَإِنْ أُعْطِيَ لَهُ جَمِيعُ الدُّنْيَا لِمَا يَخَافُ مِنْ هَوْلِ الْمَوْتِ.
«إِلَّا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى» وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] ، قَالَ: هُمُ الشُّهَدَاءُ مَسْلُولِي السُّيُوفِ عِنْدَ الْعَرْشِ، وَفِي رِوَايَةٍ مُتَقَلِّدِينَ بِالسُّيُوفِ حَوْلَ الْعَرْشِ وَعَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ , قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى الْمُجَاهِدِينَ ثَلَاثَ خِصَالٍ، مَنْ قُتِلَ مَنْهُمْ صَارَ حَيًّا مَرْزُوقًا، وَمَنْ غَلَبَ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا، وَمَنْ عَاشَ يَرْزُقُهُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا
стр. 474
٧٨٣ - وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ فَمَاتَ كَانَ لَهُ أَجْرُ الشَّهِيدِ» وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] قَالَ أَرْوَاحُهُمْ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فِي أَيِّهَا شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ
٧٨٤ - وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوْقَ نَاقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ صَادِقًا، ثُمَّ مَاتَ، أَوْ قُتِلَ فَلَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَمَنْ جُرِحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جُرْحًا، أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً، فَإِنَّهُ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْنُهُ كَالزَّعْفَرَانِ وَرِيحُهُ كَالْمِسْكِ»
٧٨٥ - وَرَوَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " كُلُّ عَيْنٍ بَاكِيَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا أَرْبَعَةَ أَعْيُنٍ: عَيْنٌ فُقِئَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ فَاضَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ سَاهِرَةً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ سَرِيَّةً مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ "
стр. 475
بَابُ: فَضْلِ الرِّبَاطِ
٧٨٦ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا أَبِي ﵀، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ أَبِي قُلَابَةَ، عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: كُنْتُ أُسِرُّ وَالْيَوْمَ أُعْلِنُ، وَمَا كَانَ يَمْنَعُنِي أَحَدٌ أَنْ أُحَدِّثَكُمْ إِلَّا لِضَنٍّ بِكُمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ أَلْفِ يَوْمٍ، وَقِيَامِ أَلْفِ لَيْلَةٍ»
٧٨٧ - وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا نُصَيْرُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، أَنَّ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مَرَّ بِشُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، وَهُوَ مُرَابِطٌ فِي قَلْعَةٍ بِأَرْضِ فَارِسٍ، فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، يَقُولُ: «لَرِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ، وَقِيَامِهِ، وَمَنْ مَاتَ وَهُوَ مُرَابِطٌ أُجِيرَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَنَمَا لَهُ كُلُّ عَمَلِهِ كَأَحْسَنِ مَا كَانَ يَعْمَلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
٧٨٨ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ ﵀ حَدَّثَنِي أَبِي , بِإِسْنَادِهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " مَنْ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَتْ كَصَخْرَةٍ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَثْقَلَ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ، وَمَنْ قَالَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ رَافِعًا صَوْتَهُ بِهَا،
стр. 476
كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ الْأَكْبَرَ، وَمَنْ يَكْتُبُ لَهُ رِضْوَانَهُ الْأَكْبَرَ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ "
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀: اخْتَلَفُوا فِي الرِّضْوَانِ الْأَكْبَرِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرِّضْوَانُ الْأَكْبَرُ الَّذِي لَا يَسْخَطُ عَلَيْهِ بَعْدَهُ أَبَدًا
٧٨٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لِي أَنْ أُنْفِقَ مِنْ مَالِي حَتَّى أَبْلُغَ عَمَلَ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَمَا مَالُكَ» ؟ قَالَ: سِتَّةُ آلَافٍ.
قَالَ: «لَوْ تَصَدَّقْتَ بِهَا مَا كَانَ عَدْلَ نَوْمَةِ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ» وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ الْعَبَّادَانِيُّ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: كَانَ يُقَالُ: مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ فِي الرِّبَاطِ ثُمَّ دَفَنَهُ كَانَ لَهُ أَجْرُ الْمُرَابِطِ مَا دَامَ ذَلِكَ الشَّعْرُ مَدْفُونًا وَالشَّعْرُ لَا يَبْلَى وَرَوَى عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي حَائِطٍ لَهُ، فَأَعْتَقَ ثَلَاثِينَ رَقَبَةً، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَفَلَا أُخْبِرُكَ بِعَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْهُ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسِيرُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى دَابَّتِهِ وَسَوْطُهُ مُتَعَلِّقٌ فِي إِصْبَعِهِ إِذْ نَعَسَ نَعْسَةً فَسَقَطَ سَوْطُهُ، فَلَرَدْعَتُهُ بِسَوْطِهِ أَفْضَلُ مِمَّا رَأَيْتَنِي صَنَعْتُ
٧٩٠ - وَذَكَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «يَبْعَثُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَقْوَامًا يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ كَهَيْئَةِ الرِّيحِ، لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِسَابٌ وَلَا عَذَابٌ» .
قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَقْوَامٌ يُدْرِكُهُمْ مَوْتُهُمْ فِي الرِّبَاطِ»
٧٩١ - وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " أَرْبَعَةٌ تُجْرَى عَلَيْهِمْ أُجُورُهُمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ: مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ مَاتَ وَعَلَّمَ عِلْمًا أُجْزِيَ لَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ جَارِيَةٍ مِنْ مَالِهِ فَأَجْرُهَا يَجْرِي
стр. 477
لَهُ مَا دَامَتِ الصَّدَقَةُ، وَرَجُلٌ تَرَكَ وَلَدًا صَالِحًا وَهُوَ يَدْعُو لَهُ "
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀ سَمِعْتُ الْفَقِيهَ أَبَا جَعْفَرَ، يَذْكُرُ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ، عَنْ نُصَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُطِيعٍ , أَنَّهُ قَالَ: «الرِّبَاطُ الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْفَضْلُ هُوَ الرِّبَاطُ الَّذِي لَا يَكُونُ وَرَاءَهُ إِسْلَامٌ»
وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَغَارَ الْعَدُوُّ عَلَى مَوْضِعٍ، فَذَلِكَ الْمَوْضِعُ رِبَاطٌ إِلَى أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَإِذَا أَغَارَ مَرَّتَيْنِ فَهُوَ رِبَاطٌ إِلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَإِذَا أَغَارَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَهُوَ رِبَاطٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ
стр. 478
بَابُ: فَضْلِ الرَّمْيِ وَالرُّكُوبِ
٧٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدُوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عِمَارَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ , قَالَ: كُنْتُ أُرَامِي رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَفَقَدَنِي يَوْمًا فَقَالَ لِي: مَا أَبْطَأَ بِكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِعُذْرِي فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكَ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَكُونُ لَكَ عَوْنًا عَلَى الرَّمْيِ فَقُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ بِسَهْمٍ وَاحِدٍ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: الرَّامِي، وَالْمُحْتَسِبُ بِصَنْعَتِهِ، وَالْمُقَوَّى بِهِ "
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " ارْمُوا، وَارْكَبُوا، وَإِنْ تَرْمُوا خَيْرٌ لَكُمْ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا فَإِنَّ كُلَّ لَهْوٍ لَهَا بِهِ الْمُؤْمِنُ بَاطِلٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: رَمْيِكَ عَنْ قَوْسِكَ، وَتَأْدِيبِكَ فَرَسَكَ، وَمُلَاعَبَتِكَ مَعَ أَهْلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْحَقِّ " وَعَنْ مَكْحُولٍ , أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ: عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمُ السِّبَاحَةَ وَالرِّمَايَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ، وَمُرُوهُمْ بِالِاحْتِفَافِ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، يَشْتَدُّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ فِي قَمِيصٍ وَعَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، كَانَ يَشْتَدُّ بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ فِي قَمِيصٍ وَاحِدٍ.
стр. 479
٧٩٣ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ لِسَعْدٍ يَوْمَ أُحُدٍ: «ارْمِ يَا سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» .
٧٩٤ - فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانُ فَضْلِ الرَّمْيِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقُلْ لِأَحَدٍ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي إِلَّا لِسَعْدٍ لِأَجْلِ أَنَّهُ كَانَ رَامِيًا وَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ لِسَعْدٍ فَقَالَ: «مَنْ رَمَى سَهْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ عَدْلٌ مُحَرَّرٌ» .
يَعْنِي مِثْلَ عِتْقِ رَقَبَةٍ
٧٩٨- وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «سَتُفْتَحُ لَكُمُ الْأَرْضُ وَتُكْفَوْنَ الْمَؤُنَةَ، فَلَا يَعْجَزَنَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ» وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، الْمِغْرَاضُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَالرَّامِي عَلَى الْمِغْرَاضِ كَالرَّامِي عَلَى الْعَدُوِّ، وَالَّذِي يَرُدُّ السِّهَامَ لَهُ بِكُلِّ قَدَمٍ عِتْقُ رَقَبَةٍ
٧٩٩ - وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، ثُمَّ قَالَ: «إِلَّا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» قَالَهَا ثَلَاثًا
стр. 480
٨٠٠ - وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عُلِّمَهُ فَقَدْ تَرَكَ سُنَّةً» .
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ: «نِعْمَةٌ تَرَكَهَا» .
وَيُقَالُ: لَا يَنْبَغِي لِلشَّرِيفِ أَنْ يَأْنَفَ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَإِنْ كَانَ أَمِيرًا: قِيَامِهِ مِنْ مَجْلِسِهِ لِوَالِدَيْهِ، وَخِدْمَتِهِ لِضَيْفِهِ، وَقِيَامِهِ عَلَى فَرَسِهِ، وَخِدْمَتِهِ لِمُؤَدِّبِهِ الَّذِي يَأْخُذُ عَنْهُ الْعِلْمَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 481
بَابُ: أَدَبِ الْغَزْوِ
٨٠٣ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ، فَاثْبُتُوا، وَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ»
وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ , أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ غَازِيًا حَقًّا، مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالسُّنَّةِ، فَلْيُحَافِظْ عَلَى عَشْرِ خِصَالٍ: أَوَّلُهَا: أَنْ لَا يَخْرُجَ إِلَّا بِرِضَا الْوَالِدَيْنِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُؤَدِّيَ أَمَانَةَ اللَّهِ الَّتِي فِي عُنُقِهِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالْكَفَّارَةِ، ثُمَّ يُؤَدِّي أَمَانَاتِ النَّاسِ الَّتِي فِي عُنُقِهِ مِنَ الْمَظَالِمِ وَالْغِيبَةِ وَقَوْلِ الزُّورِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَدَعَ لِأَهْلِهِ مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِيهِمْ، قَدْرَ إِقَامَتِهِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ نَفَقَتُهُ مِنْ كَسْبٍ حَلَالٍ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ إِلَّا الطَّيِّبَ.
وَالْخَامِسُ: أَنْ يَسْمَعَ وَيُطِيعَ لِأَمِيرِهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا بَعْدَمَا كَانَ أَمِيرًا عَلَيْهِ.
وَالسَّادِسُ أَنْ يُؤَدِّيَ حَقَّ رَفِيقِهِ، وَيَبْتَسِمَ فِي وَجْهِهِ كُلَّمَا لَقِيَهُ، وَيُنْفِقَ أَكْثَرَ مِمَّا هُوَ يُنْفِقُ، وَيُمَرِّضَهُ، وَيَقُومُ فِي حَوَائِجِهِ.
стр. 482
وَالسَّابِعُ: أَنْ لَا يُؤْذِيَ فِي طَرِيقِهِ مُسْلِمًا، وَلَا مُعَاهِدًا.
وَالثَّامِنُ: أَنْ لَا يَفِرَّ مِنَ الزَّحْفِ.
وَالتَّاسِعُ: أَنْ لَا يَغُلَّ مِنَ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] .
الْآيَةَ.
وَالْعَاشِرُ: أَنْ يُرِيدَ بِغَزْوِهِ إِعْزَازَ الدِّينِ وَنُصْرَةَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَيُقَالُ: يَنْبَغِي لِلْغَازِي أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشْرَ خِصَالٍ فِي الْحُرُوبِ: أَوَّلُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِ الْأَسَدِ لَا يَجْبُنُ، وَفِي كِبْرِ النَّمِرِ لَا يَتَوَاضَعُ لِعَدُوِّهِ، وَفِي شَجَاعَةِ الدُّبِّ يُقَاتِلُ بِجَمِيعِ جَوَارِحِهِ، وَفِي حَمْلَةِ الْخِنْزِيرِ لَا يُوَلِّي دُبُرَهُ، إِذَا حُمِلَ عَلَيْهِ، وَفِي إِغَارَةِ الذِّئْبِ إِذَا أَيِسَ مِنْ وَجْهٍ أَغَارَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَفِي حَمْلِ الثَّقِيلِ كَالنَّمْلَةِ تَحْمِلُ أَضْعَافَ وَزْنِهَا، وَفِي ثَبَاتِهِ كَالْحَجَرِ لَا يَزُولُ مِنْ مَكَانِهِ، وَفِي صَبْرِهِ كَالْحِمَارِ إِذَا أَثْقَلَهُ نُصُولُ السِّهَامِ، وَضَرْبُ السُّيُوفِ، وَفِي وَفَاءِ الْكَلْبِ، لَوْ دَخَلَ سَيِّدُهُ النَّارَ لَاتَّبَعَ أَثَرَهُ , وَفِي الْتِمَاسِ الْفُرَصِ كَالدِّيكِ، وَفِي الْهَزِيمَةِ كَالثَّعْلَبِ
стр. 483
بَابُ: فَضْلِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ
٨٠٤ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَنَاحٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْإِمَامُ، حَدَّثَنَا نُصَيْرُ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُقَاتِلٍ بْنِ سُلَيْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ , " أَنَّ مُوسَى ﵊، قَالَ: يَا رَبُّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الشَّافِعُونَ وَالْمُشَفَّعُونَ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي.
قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَالَ: يَا رَبُّ أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً كَفَّارَةُ خَطَايَاهُمُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي.
قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَالَ: يَا رَبِّ أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً يَقْتُلُونَ أَهْلَ الضَّلَالَةِ حَتَّى إِنَّهُمْ يَقْتُلُونَ الْأَعْوَرَ الدَّجَّالَ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، قَالَ: يَا رَبُّ أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً طَهَارَتُهُمْ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَالَ: يَا رَبُّ أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً يَأْخُذُونَ الصَّدَقَاتِ، وَيَأْكُلُونَهَا وَكَانَ الْأَوَّلُونَ يَحْرِقُونَهَا بِالنَّارِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَالَ: يَا رَبُّ أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً إِذَا هَمَّ أَحَدٌ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً وَاحِدَةً، وَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ فَصَاعِدًا، وَإِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِسَيِّئَةٍ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَالَ مُوسَى: يَا رَبُّ أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي.
قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ "
стр. 484
وَرَوَى مَعْمَرُ، عَنْ قَتَادَةَ، نَحْوَ هَذَا.
وَزَادَ فِيهِ قَالَ: يَا رَبُّ أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْن عَنِ الْمُنْكَرِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي.
قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ قَالَ: يَا رَبُّ أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْآخِرُونَ هُمُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي.
قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
قَالَ: يَا رَبُّ أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً أَنَاجِيلُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ وَكَانُوا يَقْرَؤُونَ نَظَرًا فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي.
قَالَ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] ، ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] ، فَرَضِيَ مُوسَى ﵊
٨٠٥ - وَرَوَى مُقَاتِلُ بْنُ حِبَّانَ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ انْطَلَقَ جِبْرِيلُ ﵇، حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى الْحِجَابِ الْأَكْبَرِ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى» .
قَالَ جِبْرِيلُ ﵇: تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ.
قُلْتُ: «يَا جِبْرِيلُ لَا بَلْ تَقَدَّمْ أَنْتَ» .
قَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ غَيْرِكَ أَنْ يُجَاوِزَ هَذَا الْمَكَانَ، وَأَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنِّي.
قَالَ: «فَتَقَدَّمْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى سَرِيرٍ مِنْ ذَهَبٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ» ، فَنَادَى جِبْرِيلُ ﵇، مِنْ خَلْفِي يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُثْنِي عَلَيْكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَا يَهُولَنَّكَ كَلَامُهُ.
فَبَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقُلْتُ: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
فَقُلْتُ: «السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ» .
وَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] .
فَقُلْتُ: «بَلَى يَا رَبُّ آمَنْتُ بِكَ» .
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ، كَمَا فَرَّقَتِ الْيَهُودُ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى ﵉، وَفَرَّقَتِ النَّصَارَى بَيْنَهُمَا.
قَالَ اللَّهُ : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، يَعْنِي إِلَّا طَاقَتَهَا ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، يَعْنِي لَهَا ثَوَابُ مَا كَسَبَتْ مِنَ الْخَيْرِ ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، مِنَ الشَّرِّ.
ثُمَّ قَالَ: سَلْ تُعْطَ فَقُلْتُ: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ، يَعْنِي اغْفِرْ ذُنُوبَنَا فَإِنَّا مَرْجِعَنَا
стр. 485
إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ مَنْ وَحَّدَنِي، وَصَدَّقَ بِكَ.
ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ سَلْ تُعْطَ فَقُلْتُ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ لَا أُؤَاخِذُكُمْ بِمَا نَسِيتُمْ أَوْ أَخْطَأْتُمْ أَوْ بِمَا اسْتُكْرِهْتُمْ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ: سَلْ تُعْطَ فَقُلْتُ: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وَذَلِكَ لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا إِذَا أَخْطَئُوا خَطِيئَةً حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ أَطْيَبَ الطَّعَامَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠] ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ، سَلْ تُعْطَ، فَقُلْتُ: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، «فَإِنَّ أُمَّتِي هُمُ الضُّعَفَاءُ» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَكَ ذَلِكَ.
سَلْ تُعْطَ فَقُلْتُ: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، قَالَ: لَكَ ذَلِكَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
٨٠٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْحَسَنِ السَّرْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُنِيرٍ، حَدَّثَنَا هَانِئُ بْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ الْمَسْعُودِيِّ، عَنْ مُزَاحِمِ بْنِ زُفَرَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، أُرْسِلْتُ إِلَى الْأَحْمَرَ وَالْأَسْوَدَ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُحِلَّ لِيَ الْمَغْنَمُ وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ فَادَّخَرْتُهَا لِأُمَّتِي»
٨٠٧ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , يُحْكَى أَنَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، كَانَ لَهُ عَلَى يَهُودِيٍّ حَقٌّ فَلَقِيَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ: وَالَّذِي اصْطَفَى أَبَا الْقَاسِمِ عَلَى الْبَشَرِ لَا تُفَارِقْنِي وَأَنَا طَالِبُكَ بِشَيْءٍ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: مَا اصْطَفَى اللَّهُ أَبَا الْقَاسِمِ عَلَى الْبَشَرِ.
فَرَفَعَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ يَدَهُ فَلَطَمَ خَدَّهُ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو الْقَاسِمِ، النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: إِنَّ عُمَرَ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكَ عَلَى الْبَشَرِ،
стр. 486
وَإِنِّي زَعَمْتُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَصْطَفِكَ عَلَى الْبَشَرِ، فَرَفَعَ يَدَهُ فَلَطَمَنِي.
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَّا أَنْتَ يَا عُمَرُ فَأَرْضِهِ مِنْ لَطْمَتِكَ» .
ثُمَّ قَالَ: " بَلَى يَا يَهُودِيُّ إِنَّ آدَمَ صَفِيُّ اللَّهِ، وَإِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وَمُوسَى نَبِيُّ اللَّهِ، وَعِيسَى رُوحُ اللَّهِ، وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ، بَلَى يَا يَهُودِيُّ اسْمَانِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى: سَمَّى بِهِمَا أُمَّتِي، سَمَّى نَفْسَهُ السَّلَامَ، وَسَمَّى أُمَّتِي الْمُسْلِمِينَ، وَسَمَّى نَفْسَهُ الْمُؤْمِنَ، وَسَمَّى اللَّهُ أُمَّتِي الْمُؤْمِنِينَ، بَلَى يَا يَهُودِيُّ طَلَبْتُ يَوْمًا أَدَّخِرُهُ لَنَا «يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْجَمْعَةِ.
» فَالْيَوْمُ لَنَا وَغَدًا لَكُمْ، وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى، بَلَى يَا يَهُودِيُّ أَنْتُمُ الْأَوَّلُونَ وَنَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلَى يَا يَهُودِيُّ إِنَّ الْجَنَّةَ لَمُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى أَدْخُلَهَا أَنَا، وَإِنَّهَا لَمُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأُمَمِ، حَتَّى تَدْخُلَهَا أُمَّتِي " وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ كَمَا أَكْرَمَ بِهَا أَنْبِيَاءَهُ: أَحَدُهَا؛ أَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ نَبِيٍّ شَاهِدًا عَلَى قَوْمِهِ، وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّةَ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ لِلرُّسُلِ: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] ، وَقَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
وَيُقَالُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِخَمْسِ كَرَامَاتٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّهُ خَلَقَهُمْ ضُعَفَاءَ حَتَّى لَا يَتَكَبَّرُوا.
وَالثَّانِي: خَلَقَهُمْ صِغَارًا فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى تَكُونَ مَؤُنَةُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالثِّيَابِ عَلَيْهِمْ أَقَلَّ.
وَالثَّالِثُ: جَعَلَ عُمْرَهُمْ قَصِيرًا حَتَّى تَكُونَ ذُنُوبُهُمْ أَقَلَّ.
وَالرَّابِعُ: جَعَلَهُمْ فُقَرَاءَ حَتَّى يَكُونَ حِسَابُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أَقَلَّ.
وَالْخَامِسُ: جَعَلَهُمْ آخِرَ الْأُمَمِ حَتَّى يَكُونَ بَقَاؤُهُمْ فِي الْقَبْرِ أَقَلَّ.
وَذُكِرَ أَنَّ آدَمَ ﵊ , قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَعْطَى أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَرْبَعَ كَرَامَاتٍ مَا أَعْطَانِيهَا:
стр. 487
أَحَدُهَا أَنَّ قَبُولَ تَوْبَتِي كَانَ بِمَكَّةَ، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَتُوبُونَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، فَيَتَقَبَّلُ اللَّه تَوْبَتَهُمْ.
وَالثَّانِي: إِنِّي كُنْتُ لَابِسًا فَلَمَّا عَصَيْتُ جَعَلَنِي عُرْيَانًا وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَعْصُونَ عُرَاةً فَيُلْبِسَهُمُ اللَّهُ.
وَالثَّالِثُ: إِنِّي لَمَّا عَصَيْتُ فُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ امْرَأَتِي، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَعْصُونَ وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِهِمْ.
وَالرَّابِعُ: إِنِّي عَصَيْتُ فِي الْجَنَّةِ فَأَخْرَجَنِي مِنْهَا، وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ يَعْصُونَ خَارِجَ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُونَهَا بِالتَّوْبَةِ.
٨٠٨ - وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ مَعَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ إِنَّا نَسْأَلُكَ عَنْ كَلِمَاتٍ أَعْطَاهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، لَا يُعْطِيهَا إِلَّا نَبِيًّا مُرْسَلًا أَوْ مَلَكًا مُقَرَّبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «سَلُوا» .
فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنَا عَنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى أُمَّتِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَّا صَلَاةُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يُسَبِّحُ كُلُّ شَيْءٍ لِرَبِّهِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْعَصْرِ فَإِنَّهَا السَّاعَةُ الَّتِي أَكَلَ فِيهَا آدَمُ، ﵇ مِنَ الشَّجَرَةِ وَأَمَّا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهَا السَّاعَةُ الَّتِي تَابَ اللَّهُ عَلَى آدَمَ ﵇ فِيهَا، فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ مُحْتَسِبًا، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْعَتْمَةِ فَإِنَّهَا الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّاهَا الْمُرْسَلُونَ قَبْلِي، وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَجْرِ فَإِنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، وَيَسْجُدُ لَهَا كُلُّ كَافِرٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ» .
قَالُوا لَهُ: صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ، فَمَا ثَوَابُ مَنْ صَلَّى؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَمَّا صَلَاةُ الظُّهْرِ فَإِنَّهَا السَّاعَةُ الَّتِي تُسَعَّرُ فِيهَا جَهَنَّمُ، فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ لَفَحَاتِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْعَصْرِ فَإِنَّهَا السَّاعَةُ الَّتِي أَكَلَ آدَمُ ﵇ فِيهَا مِنَ الشَّجَرَةِ فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» .
ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، " وَأَمَّا صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهَا السَّاعَةُ الَّتِي تَابَ اللَّهُ فِيهَا عَلَى آدَمَ، ﵇، فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ مُحْتَسِبًا، ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْعَتْمَةِ، فَإِنَّ الْقَبْرَ ظُلْمَةٌ، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ
стр. 488
ظُلْمَةٌ، فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ مَشَى فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إِلَى صَلَاةِ الْعَتْمَةِ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَقُودَ النَّارِ، وَيُعْطَى نُورًا يُجَوِّزُهُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَجْرِ فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُصَلِّي الْفَجْرَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي الْجَمَاعَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بَرَاءَتَيْنِ: بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ ".
قَالُوا: صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ، وَلِمَ افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِكَ الصَّوْمَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا؟ قَالَ: «إِنَّ آدَمَ ﵇ لَمَّا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ بَقِيَ فِي بَطْنِهِ مِقْدَارَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، فَافْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى ذُرِّيَتِهِ الْجُوعَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَيَأْكُلُونَ بِاللَّيْلِ تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ» .
قَالُوا: صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَخْبِرْنَا مَا ثَوَابُ صِيَامِ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ يَوْمًا مُحْتَسِبًا إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبْعَ خِصَالٍ، يُذَوِّبُ اللَّحْمَ الْحَرَامَ مِنْ جَسَدِهِ، وَيُقَرِّبُهُ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَيُعْطِيهِ خَيْرَ الْأَعْمَالِ، وَيُؤَمِّنُهُ مِنَ الْجُوعِ، وَالْعَطَشِ، وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ عَذَابَ الْقَبْرِ، وَيُعْطِيهِ اللَّهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُجَاوِزَ بِهِ الصِّرَاطَ، وَيُعْطِيهِ الْكَرَامَاتِ فِي الْجنَّةِ» .
قَالُوا: صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ، فَأَخْبِرْنَا مَا فَضْلُكَ عَلَى النَّبِيِّينَ؟ قَالَ: «فَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا دَعَا عَلَى قَوْمِهِ بِالْهَلَاكِ، وَأَنَا ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي لِأُمَّتِي» .
يَعْنِي الشَّفَاعَةَ، قَالُوا: صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ، نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: قَرَأْتُ فِي بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى ﵇، يَا مُوسَى رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ، وَهِيَ صَلَاةُ الْغَدَاةِ، مَنْ يُصَلِّيهِمَا غَفَرْتُ لَهُ مَا أَصَابَ مِنَ الذُّنُوبِ مِنَ لَيْلِهِ وَيَوْمِهِ ذَلِكَ، وَيَكُونُ فِي ذِمَّتِي يَا مُوسَى أَرْبَعُ رَكْعَاتٍ يُصَلِّيهَا أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ، وَهِيَ صَلاةُ الظُّهْرِ أُعْطِيهِمْ بِأَوَّلِ رَكْعَةٍ مِنْهَا الْمَغْفِرَةَ، وَبِالثَّانِيَةِ أُثَقِّلُ مِيزَانَهُمْ، وَبِالثَّالِثَةِ أُوَكِّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ يُسَبِّحُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ وَبِالرَّابِعَةِ أَفْتَحُ عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَيُشْرِقْنَ عَلَيْهِمُ الْحُورُ الْعِينُ يَا مُوسَى أَرْبَعُ رَكْعَاتٍ يُصَلِّيهَا أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ، وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا اسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَمَنِ اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْمَلَائِكَةُ لَمْ أُعَذِّبْهُ، يَا مُوسَى ثَلَاثُ رَكْعَاتٍ يُصَلِّيهَا أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ أَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، لَا يَسْأَلُونَ مِنْ حَاجَةٍ إِلَّا قَضَيْتُهَا لَهُمْ، يَا مُوسَى أَرْبَعُ رَكْعَاتٍ يُصَلِّيهَا أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وَهِيَ خَيْرٌ لَهُمْ
стр. 489
مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيَخْرُجُونَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُمْ أُمُّهُمْ، يَا مُوسَى يَتَوَضَّأُ أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ كَمَا أَمَرْتُهُمْ أُعْطِيهِمْ بِكُلِّ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنَ الْمَاءِ جَنَّةً عَرْضُهَا، كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
يَا مُوسَى يَصُومُ أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ شَهْرًا فِي كُلِّ سَنَةٍ، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ أُعْطِيهِمْ بِصِيَامِ كُلِّ يَوْمٍ مَدِينَةً فِي الْجَنَّةِ، وَأُعْطِيهِمْ بِكُلِّ خَيْرٍ يَعْمَلُونَ فِيهِ مِنَ التَّطَوُّعِ أَجْرَ فَرِيضَةٍ، وَأَجْعَلُ فِيهِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَنِ اسْتَغْفَرَ مِنْهُمْ فِيهَا مَرَّةً وَاحِدَةً نَادِمًا صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ إِنْ مَاتَ مِنْ لَيْلِهِ أَوْ شَهْرِهِ، أَعْطَيْتُهُ أَجْرَ ثَلَاثِينَ شَهِيدًا، يَا مُوسَى إِنَّ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ رِجَالًا يَقُومُونَ مِنْ كُلِّ شَرَفٍ، يَشْهَدُونَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَجَزَاؤُهُمْ بِذَلِكَ جَزَاءُ الْأَنْبِيَاءِ، ﵈ وَرَحْمَتِي عَلَيْهِمْ وَاجِبَةٌ، وَغَضَبِي بَعِيدٌ مِنْهُمْ، وَلَا أَحْجُبُ بَابَ التَّوْبَةِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا دَامُوا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
٨٠٩ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُوحٌ ﵇ وَأُمَّتُهُ ثُمَّ يُقَالُ لَهُ هَلْ بَلَّغْتَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبُّ، ثُمَّ يُقَالُ لِقَوْمِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ نُوحٌ رِسَالَةَ اللَّهِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ.
وَلَئِنْ كُنْتَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا، لَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ، وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَمَا بَلَّغَنَا مَا أَمَرْتَهُ بِهِ.
فَقَالَ لِنُوحٍ ﵇: إِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لَمْ تُبَلِّغْهُمْ، فَهَلْ لَكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَهِيدٍ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ.
فَيُقَالُ مَنْ هُمْ؟ فَيُقَالُ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيُدْعَوْنَ، وَيُسْأَلُونَ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ نَشْهَدُ أَنَّ نُوحًا ﵇ قَدْ بَلَّغَ قَوْمَهُ فَيَقُولُ قَوْمُ نُوحٍ: كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ أَوَّلُ الْأُمَمِ وَأَنْتُمْ آخِرُ الْأُمَمِ؟ فَيَقُولُونَ: نَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، وَكَانَ فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ خَبَرُكُمْ ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: نَحْنُ الْآخِرُونَ، وَنَحْنُ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]
стр. 490
بَابُ: حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ
٨١٠ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدُّورِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ حِبَّانَ بْنِ عَلِيٍّ الْعَنْزِيِّ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَسْلَمْتُ فَأَرِنِي شَيْئًا أَزْدَادُ بِهِ يَقِينًا.
قَالَ: «مَا تُرِيدُ؟» قَالَ: ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ فَلْتَأْتِكَ.
قَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُهَا» .
فَذَهَبَ فَقَالَ: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَمَالَتْ عَلَى جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهَا فَقُطِّعَتْ عُرُوقُهَا، ثُمَّ مَالَتْ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ ثُمَّ أَدْبَرَتْ فَقُطِّعَتْ عُرُوقُهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ تَجُرُّ عُرُوقَهَا، وَفُرُوعَهَا حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: حَسْبِي حَسْبِي، فَأَمَرَهَا فَرَجَعَتْ فَدَلَّتْ عُرُوقَهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، ثُمَّ اسْتَوَتْ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأُقَبِّلْ رَأْسَكَ، وَرِجْلَيْكَ، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَبَّلَ رَأْسَهُ، وَرِجْلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَسْجُدَ لَكَ؟ قَالَ: «لَا تَسْجُدْ لِي وَلَا يَسْجُدُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلَوْ كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا بِذَلِكَ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا تَعْظِيمًا لِحَقِّهِ»
٨١١ - وَرَوَى عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: «أَنْ لَا تَمْنَعَ نَفْسَهَا وَلَوْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ، وَلَا تَصُومَ يَوْمًا إِلَّا بِإِذْنِهِ إِلَّا رَمَضَانَ، فَإِنْ فَعَلَتْ كَانَ الْأَجْرُ لَهُ وَالْوِزْرُ عَلَيْهَا، وَلَا تَخْرُجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِنَفْسِهَا لَعَنَتْهَا مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ، وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ حَتَّى تَرْجِعَ»
стр. 491
وَعَنْ قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا قَالَ: أَوَّلُ مَا تُسْأَلُ الْمَرْأَةُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ صَلَاتِهَا ثُمَّ عَنْ حَقِّ زَوْجِهَا
٨١٢ - وَعَنِ الْحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِذَا هَرَبَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا لَمْ تُقْبَلْ لَهَا صَلَاةٌ حَتَّى تَرْجِعَ وَتَضَعَ يَدَهَا فِي يَدِهِ، وَتَقُولُ: اصْنَعْ بِي مَا شِئْتَ، وَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا صَلَّتْ وَلَمْ تَدْعُ لِزَوْجِهَا رُدَّتْ عَلَيْهَا صَلَاتُهَا حَتَّى تَدْعُوَ لِزَوْجِهَا "
٨١٣ - وَعَنْ قَتَادَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ بِمِنًى: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فُرُشَكُمْ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِأَحَدٍ تَكْرَهُونَهُ، وَلَا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ هُنَّ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَقَدْ أُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَإِنَّ مِنْ حَقِّهِنَّ عَلَيْكُمُ الْكُسْوَةُ وَالنَّفَقَةُ بِالْمَعْرُوفِ» .
٨١٤ - وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا صَلَّتْ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَأَحْصَنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا، فَلْتَدْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ»
٨١٥ - وَعَنْهُ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ الزَّوْجَ سَالَ مِنْ أَحَدِ مِنْخَرَيْهِ دَمٌ وَمِنَ الْآخَرِ صَدِيدٌ، فَلَحَسَتْهُ الْمَرْأَةُ مَا أَدَّتْ حَقَّ زَوْجِهَا»
стр. 492
بَابُ: حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ
٨١٦ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبِي ﵀، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْغَرَّاءُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الْبَغْدَادِيُّ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، عَنِ ابْنِ عَاتِكَةَ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْمَلُ إِيمَانًا؟ قَالَ: «أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا مَعَ أَهْلِهِ»
٨١٧ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْحَسَنِ السَّرْدَرِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ الْحَلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ، عَنْ حِجَادَةَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ الَّذِي يُوَلَّى عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»
٨١٨ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَانٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِصَدَاقِ مِثْلِهَا، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ لَا يُؤَدِّيَهُ إِلَيْهَا، فَهُوَ زَانٍ، وَمَنِ اسْتَدَانَ دَيْنًا، وَهُوَ
стр. 493
يَنْوِي أَنْ لَا يَقْضِيَهُ فَهُوَ سَارِقٌ»
٨١٩ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الشَّنَانَاذِيُّ , بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ لَا يَمْلِكْنَ لِأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى»
حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: أَنْ يَخْدِمَهَا مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ، وَلَا يَدَعَهَا تَخْرُجُ مِنْ وَرَاءِ السِّتْرِ، فَإِنَّهَا عَوْرَةٌ، وَخُرُوجُهَا إِثْمٌ وَتَرْكٌ لِلْمُرُوءَةِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْعِلْمِ، مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْ أَحْكَامِ الْوُضُوءِ، وَالصَّلَوَاتِ، وَالصَّوْمِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يُطْعِمَهَا الْحَلَالَ، فَإِنَّ اللَّحْمَ إِذَا نَبَتَ مِنَ الْحَرَامِ يَذُوبُ بِالنَّارِ وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَظْلِمَهَا فَإِنَّهَا أَمَانَةٌ عِنْدَهُ.
وَالْخَامِسُ: إِنْ تَطَاوَلَتْ عَلَيْهِ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ مِنْهَا نَصِيحَةً لَهَا، لِكَيْلَا تَقَعَ فِي أَمْرٍ هُوَ أَضَرُّ بِهَا مِمَّا وَقَعَتْ فِيهِ.
وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَشْكُو إِلَيْهِ زَوْجَتَهُ، فَلَمَّا بَلَغَ بَابَهُ سَمِعَ امْرَأَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ تَطَاوَلَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَشْكُوَ إِلَيْهِ زَوْجَتِي، وَبِهِ مِنَ الْبَلْوَى مِثْلُ مَا بِي، فَرَجَعَ فَدَعَاهُ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَشْكُوَ إِلَيْكَ زَوْجَتِي، فَلَمَّا سَمِعْتُ مِنْ زَوْجَتِكَ مَا سَمِعْتُ رَجَعْتُ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِنِّي أَتَجَاوَزُ عَنْهَا لِحُقُوقٍ لَهَا عَلَيَّ: أَوَّلُهَا: هِيَ سِتْرٌ بَيْنِي وَبَيْنَ النَّارِ، فَيَسْكُنُ بِهَا قَلْبِي عَلَى الْحَرَامِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا خَازِنَةٌ لِي إِذَا خَرَجْتُ مِنْ مَنْزِلِي وَتَكُونُ حَافِظَةً لِمَالِي.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهَا قَصَّارَةٌ لِي تَغْسِلُ ثِيَابِي.
стр. 494
وَالرَّابِعُ: أَنَّهَا ظِئْرٌ لِوَلَدِي.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهَا خَبَّازَةٌ وَطَبَّاخَةٌ لِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي مِثْلَ مَا لَكَ فَمَا تَجَاوَزْتُ عَنْهَا فَأَتَجَاوَزُ
٨٢٠ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «أَرْبَعُ نَفَقَاتٍ لَا يُحَاسَبُ الْعَبْدُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَفَقَةٌ عَلَى أَبَوَيْهِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى إِفْطَارِهِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى سَحُورِهِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى عِيَالِهِ»
٨٢١ - وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " الدَّنَانِيرُ أَرْبَعَةٌ: دِينَارٌ تُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ تُنْفِقُهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَدِينَارٌ تُعْطِيهِ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ، وَأَعْظَمُهَا أَجْرًا الدِّينَارُ الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ "
стр. 495
بَابُ: إِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُصَارَمَةِ
٨٢٢ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ خُشْنَامَ، حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، عَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا بِوَجْهِهِ، وَهَذَا بِوَجْهِهِ، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ»
٨٢٣ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «لَا تَهَاجَرُوا، فَإِنْ كُنْتُمْ مُتَهَاجِرِينَ لَا مَحَالَةَ، فَلَا تَهَاجَرُوا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَأَيُّمَا مُسْلِمَيْنِ مَاتَا وَهُمَا مُتَهَاجِرَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي الْجَنَّةِ»
٨٢٤ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ حِمْدَانَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الطُّوسِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يُوضَعُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ» .
فَقَالُوا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «هُمُ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ»
следующие страницы →