← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 10488

تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين للسمرقندي

أبو الليث السمرقندي

Полный текст (602 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

أَصْلِحْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وَلِجَمِيعِ مَنْ آمَنَ بِكَ. ٨٩١ - وَرَوَى أَبَانُ , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ غَضِبَ عَلَيْهِ وَقَالَ: لَوْلَا كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَفَعَلْتُ بِكَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أَنَسٌ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: دَعَوَاتٌ عَلَّمَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَدْعُو بِهَا كُلَّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ. فَقَالَ: عَلِّمْنِيهَا، فَأَبَى، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ، فَأَبَى. قَالَ أَبَانٌ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ حِينَ مَرِضَ، فَقَالَ: قُلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ بِسْمِ اللَّهِ عَلَى نَفْسِي وَدِينِي، بِسْمِ اللَّهِ عَلَى أَهْلِي وَمَالِي وَوَلَدِي، بِسْمِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مَا أَعْطَانِي رَبِّي، اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَأَعَزُّ وَأَجَلُّ مِمَّا أَخَافُ، وَأَحْذَرُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ، وَمِنْ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] ، عَزَّ جَارُكَ وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ

стр. 527

بَابُ: الرِّفْقِ ٨٩٢ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ حَدَّثَنِي الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَعَلَيْكُمْ» . ٨٩٣ - فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ» . قَالَتْ: أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: «قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ» قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» ٨٩٤ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا فَارِسُ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حِبَّانَ الْعُقَيْلِيِّ، عَنْ أَشْعَثَ الْبَصْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «رَأْسُ الْعَقْلِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، مُدَارَاةُ النَّاسِ، وَالتَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ وَمَا هَلَكَ رَجُلٌ عَنْ مَشُورَةٍ، وَمَا سَعِدَ رَجُلٌ بِاسْتِغْنَائِهِ بِرَأْيِهِ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُهْلِكَ عَبْدًا كَانَ أَوَّلُ مَا

стр. 528

يُفْسِدُ بِهِ مِنْهُ رَأْيَهُ، وَإِنَّ أَهْلَ الْمَعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا، هُمْ أَهْلُ الْمَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْمُنْكَرِ فِي الدُّنْيَا، هُمْ أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الْآخِرَةِ» ٨٩٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ يُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ، مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ ٨٩٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا، أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ لَوْ كَانَ خَلْقًا، لَمَا رَأَى النَّاسُ خَلْقًا أَحْسَنَ مِنْهُ، وَإِنَّ الْعُنْفَ لَوْ كَانَ خَلْقًا لَمَا رَأَى النَّاسُ أَقْبَحَ مِنْهُ» ٨٩٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، قَالَتْ: كُنْتُ عَلَى بَعِيرٍ فِيهِ صُعُوبَةٌ فَجَعَلْتُ أَضْرِبُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا انْتُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» ٨٩٨ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُعَلِّمُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْفَارَابِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ، مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَمَا لَبِثَ أَنْ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَدْ شَدَّ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ، فَرَقِيَ الْمِنْبَرَ وَجَلَسَ عَلَيْهِ، مُصْفَرَّ الْوَجْهِ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ، ثُمَّ دَعَا بِبِلَالٍ، فَأَمَرَهُ بِأَنْ يُنَادِي فِي الْمَدِينَةِ، أَنِ اجْتَمِعُوا لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهَا آخِرُ وَصِيَّةٍ لَكُمْ، فَنَادَى بِلَالٌ فَاجْتَمَعَ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، وَتَرَكُوا أَبْوَابَ بُيُوتِهِمْ مُفَتَّحَةً، وَأَسْوَاقَهُمْ عَلَى حَالِهَا، حَتَّى خَرَجَتِ الْعَذَارَى مِنْ خُدُورِهِنَّ، لِيَسْمَعُوا وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «وَسِّعُوا لِمَنْ وَرَاءَكُمْ» . ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْكِي لِلَّهِ وَيَسْتَرْجِعُ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى

стр. 529

الْأَنْبِيَاءِ، وَعَلَى نَفْسِهِ، عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ قَالَ: «أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْعَرَبِيُّ الْمَكِّيُّ الَّذِي لَا نَبِيَّ بَعْدِي، أَيُّهَا النَّاسُ اعْلَمُوا أَنَّ نَفْسِي قَدْ نُعِيَتْ، وَحَانَ فِرَاقِي فِي الدُّنْيَا، وَاشْتَقْتُ إِلَى لِقَاءِ رَبِّي، فَوَاحَزَنَاهُ عَلَى فِرَاقِ أُمَّتِي، مَاذَا يَقُولُونَ مِنْ بَعْدِي، اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَصِيَّتِي وَعُوهَا وَاحْفَظُوهَا، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ، فَإِنَّهَا آخِرُ وَصِيَّتِي لَكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ، مَا أَحَلَّ لَكُمْ، وَمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ وَمَا تَأْتُونَ، وَمَا تَتَّقُونَ، فَأَحِلُّوا حَلَالَهُ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ» . ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَلَّغْتُ فَاشْهَدْ، أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الْأَهْوَاءَ الضَّالَةَ الْمُضِلَّةَ الْبَعِيدَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنَ الْجَنَّةِ، الْقَرِيبَةَ مِنَ النَّارِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَالِاسْتِقَامَةِ فَإِنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنَ اللَّهِ، قَرِيبَةٌ مِنَ الْجَنَّةِ بَعِيدَةٌ مِنَ النَّارِ» . ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، أَيُّهَا النَّاسُ، اللَّهَ اللَّهَ فِي دِينِكُمْ وَأَمَانَتِكُمْ، اللَّهَ اللَّهَ فِيمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا لَا يُطِيقُونَ، فَإِنَّهُمْ لَحْمٌ وَدَمٌ، وَخَلْقٌ أَمْثَالُكُمْ، أَلَا مَنْ ظَلَمَهُمْ، فَأَنَا خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ حَاكِمُهُمْ، اللَّهَ اللَّهَ فِي النِّسَاءِ أَوْفُوا لَهُنَّ مُهُورَهُنَّ، وَلَا تَظْلِمُوهُنَّ، فَيَحْرِمَكُمْ حَسَنَاتِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ. أَيُّهَا النَّاسُ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦] ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَأَدِّبُوهُمْ فَإِنَّهُمْ عِنْدَكُمْ عَوَانٌ، وَأَمَانَةٌ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ. أَيُّهَا النَّاسُ أَطِيعُوا وُلَاةَ أُمُورِكُمْ، وَلَا تَعْصُوهُمْ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا، فَإِنَّهُ مَنْ أَطَاعَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَاهُمْ فَقَدْ عَصَانِي، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، أَلَا لَا تَخْرُجُوا عَلَيْهِمْ، وَلَا تَنْقُضُوا عُهُودَهُمْ. أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ. أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِحُبِّ أَهْلِ بَيْتِي، عَلَيْكُمْ بِحُبِّ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ، عَلَيْكُمْ بِحُبِّ عُلَمَائِكُمْ لَا تُبْغِضُوهُمْ، وَلَا تَحْسُدُوهُمْ، وَلَا تَطْعَنُوا فِيهِمْ. أَلَا مَنْ أَحَبَّهُمْ فَقَدْ

стр. 530

أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي فَقَدْ أَحَبَّ اللَّهَ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَنِي وَمَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ اللَّهَ. أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ، أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، بِإِسْبَاغِ وَضُوئِهَا، وَإِتْمَامِ رُكُوعِهَا، وَسُجُودِهَا. أَيُّهَا النَّاسُ أَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ. أَلَا مَنْ لَمْ يُؤَدِّ الزَّكَاةَ فَلَا صَلَاةَ لَهُ، أَلَا مَنْ لَا صَلَاةَ لَهُ، فَلَا دِينَ لَهُ، وَلَا صَوْمَ لَهُ، وَلَا حَجَّ لَهُ، وَلَا جِهَادَ لَهُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ الْحَجَّ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، أَوْ مَجُوسِيًّا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ مَرَضٌ حَابِسُهُ، أَوْ مُنِعَ مِنْ سُلْطَانٍ جَائِرٍ أَلَا لا نَصِيبَ لَهُ فِي شَفَاعَتِي وَلَا يَرِدُ حَوْضِي، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ. أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فِي مَقَامٍ عَظِيمٍ، وَهُوَ شَدِيدٌ فِي يَوْمِ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ. أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ، أَيُّهَا النَّاسُ احْفَظُوا أَلْسِنَتَكُمْ، وَأَبْكُوا أَعْيُنَكُمْ، وَأَخْضِعُوا قُلُوبَكُمْ، وَأَتْعِبُوا أَبْدَانَكُمْ، وَجَاهِدُوا أَعْدَاءَكُمْ، وَعَمِّرُوا مَسَاجِدَكُمْ، وَأَخْلِصُوا إِيمَانَكُمْ، وَانْصَحُوا إِخْوَانَكُمْ، وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَتَصَدَّقُوا مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَلَا تَحَاسَدُوا فَتَذْهَبَ حَسَنَاتُكُمْ، وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَتَهْلِكُوا، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ، أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فِي فِكَاكِ رِقَابِكُمْ، وَاعْمَلُوا الْخَيْرَ لِيَوْمِ فَقْرِكُمْ وَفَاقَتِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَظْلِمُوا فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الطَّالِبُ لِمَنْ جَارَ، وَعَلَيْهِ حِسَابُكُمْ، وَإِلَيْهِ إِيَابُكُمْ، إِنَّهُ لَا يَرْضَى مِنْكُمْ بِالْمَعْصِيَةِ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا، وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَادِمٌ إِلَى رَبِّي، وَقَدْ نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي، فَأَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ، وَأَمَانَتَكُمْ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ مَعْشَرَ أَصْحَابِي، وَعَلَى جَمِيعِ أُمَّتِي، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ".

стр. 531

ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَنْزِلَ، فَمَا خَرَجَ بَعْدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، وَمُحِبِّيهِ

стр. 532

وَأُمَّتِهِ وَسَلَّمَ بَابُ: الْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ ٨٩٩ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ رَوْزَبَةَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ خُشْنَامَ، حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا، كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» ٩٠٠ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «عَمَلٌ قَلِيلٌ فِي سُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي بِدْعَةٍ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ» ٩٠١ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: الِاقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي الْبِدْعَةِ وَعَنِ الْحَسَنِ ﵀، أَنَّهُ قَالَ: لَا يَصْلُحُ قَوْلٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَلَا يَصْلُحُ قَوْلٌ، وَلَا عَمَلٌ إِلَّا بِالنِّيَّةِ، وَلَا يَصْلُحُ قَوْلٌ، وَلَا عَمَلٌ، وَلَا نِيَّةٌ، إِلَّا بِالسُّنَّةِ ٩٠٢ - وَرَوَى مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «رَجُلَانِ لَا تَنَالُهُمَا شَفَاعَتِي» . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا تَنَالُهُمَا شَفَاعَتِي، إِمَامٌ ظَلُومٌ، وَغَالٍ فِي الدِّينِ مَارِقٌ مِنْهُ» . يَعْنِي الَّذِي يَغْلُو فِي دِينِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ

стр. 533

طَرِيقِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، ذَكَرَ الرَّحْمَنَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَتَمَسُّهُ النَّارُ أَبَدًا، وَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ، مَخَافَةَ اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا كَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ يَبِسَ وَرَقُهَا، فَأَصَابَتْهَا رِيحٌ فَتَحَاتَّ وَرَقُهَا، وَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، خَيْرٌ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي خِلَافِ السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ. فَانْظُرُوا عَمَلَكُمْ مَا كَانَ اقْتِصَادًا وَاجْتِهَادًا، أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ ٩٠٣ - وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «افْتَرَقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، إِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ» . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الْوَاحِدَةُ؟ قَالَ: «أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ» . ٩٠٤ - وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الْمُتَمَسِّكُ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمَّتِي لَهُ أَجْرُ مِائَةِ شَهِيدٍ» قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةٍ، عَنْ أَبَانٍ الْمُكْتِبِ، عَنِ ابْنِ هِشَامٍ الرُّمَّانِيِّ، عَمَّنْ أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: «كَيْفَ بِكُمْ إِذَا اشْتَمَلَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، يَجْرِي عَلَيْهَا النَّاسُ يَتَّخِذُونَهَا سُنَّةً إِذَا غُيِّرَتْ، وَعُمِلَ بِغَيْرِهَا» ، قِيلَ: هَذَا مُنْكَرٌ. قَالَ قَائِلٌ: فَمَتَى هَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «إِذَا قَلَّتْ أُمَنَاؤُكُمْ وَكَثُرَتْ

стр. 534

أُمَرَاؤُكُمْ وَقَلَّتْ فُقَهَاؤُكُمْ وَكَثُرَتْ أُمَرَاؤُكُمْ وَالْتُمِسَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ وَتَفَقَّهُوا لِغَيْرِ الدِّينِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ إِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ وَإِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ» . قَالَ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ وَإِلَّا فَالنَّارُ أَوْلَى» ، قَالَ: فَوَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ وَقَالَ: قَتَلْتَنِي يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ ٩٠٥ - قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ ﵀، حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هِرْمِسٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ بِالدَّيْنَوَرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَمِّهِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ , فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَكْرِمُوا أَصْحَابِي، وَأَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ، وَأَحِبُّوهُمْ فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَصْحَابِي الَّذِينَ بُعِثْتُ فِيهِمْ، فَآمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُونِي، وَآمَنُوا بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَاتَّبَعُوهُ وَعَمِلُوا بِهِ، ثُمَّ خَيْرَ النَّاسِ مِنْ بَعْدِهِمُ الْقَرْنُ الَّذِي يَلُونَهُمْ آمَنُوا بِي، ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنٌ يُضَيِّعُونَ الصَّلَوَاتِ، وَيَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، وَيَدَعُونَ مَا أَمَرْتُهُمْ بِهِ، وَيَأْتُونَ مَا نَهَيْتُهُمْ عَنْهُ، يَقْتَبِسُونَ الدِّينَ بِأَهْوَائِهِمْ، وَيُرَاءُونَ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، يَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ، وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيُؤْتَمَنُونَ فَيَخُونُونَ، وَلَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ، وَيَتَحَدَّثُونَ فَيَكْذِبُونَ، وَيَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، يُرْفَعُ مِنْهُمُ الْعِلْمُ، وَالْحِلْمُ وَيَظْهَرُ فِيهِمُ الْجَهْلُ، وَالْفُحْشُ، وَيُرْفَعُ مِنْهُمُ الْحَيَاءُ، وَالْأَمَانَةُ، وَيَفْشُو فِيهِمُ الْكَذِبُ، وَالْخِيَانَةُ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَطِيعَةُ الْأَرْحَامِ، وَطُولُ الْأَمَلِ، وَالْبُخْلُ، وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا، وَالشُّحُّ، وَالْحَسَدُ، وَالْبَغْيُ، وَسُوءُ الْخُلُقِ، وَسُوءُ الْجِوَارِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ، فَإِنْ سَرَّكُمْ أَنْ تَسْكُنُوا بَحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ، وَنَعِيمَهَا، فَالْزَمُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ عَلَى الضَّلَالَةِ أَبَدًا، فَمَنْ خَلَعَ الطَّاعَةَ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ، وَضَيَّعَ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَخَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ، لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، وَأَدْخَلَهُ النَّارَ»

стр. 535

٩٠٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِزِ» ٩٠٧ - وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ السُّنَّةَ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فِي النَّاسِ كَثِيرٌ. قَالَ: «وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي ثُمَّ يَقِلُّ» ٩٠٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: خَطَّ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطًّا فَقَالَ: «هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ» ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَقَالَ: " هَذِهِ سُبُلٌ وَعَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ: «وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ» .

стр. 536

٩٠٩ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ وَإِنَّ آفَةَ هَذَا الدِّينِ الْأَهْوَاءُ» وَعَنِ الشَّعْبِيِّ ﵀، أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَتِ الْأَهْوَاءُ أَهْوَاءً لِأَنَّهَا تَهْوِي بِصَاحِبِهَا إِلَى النَّارِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﵀، مَا أَدْرِي أَيُّ النِّعْمَتَيْنِ أَعْظَمُ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَوْ عَافَانِي مِنْ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ ٩١٠ - وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ» وَقَالَ أُوَيْسٌ الْقَرْنِيُّ، لِهَرَمِ بْنِ حَيَّانَ فِي وَصِيَّتِهِ: إِيَّاكَ أَنْ تُفَارِقَ الْجَمَاعَةَ فَتُفَارِقَ دِينَكَ وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ فَتَدْخُلَ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ

стр. 537

بَابُ: الْحُزْنِ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرَ بْنِ بَرْقَانَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الْحَجَّاجِ , قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: «زِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، وَذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ» ٩١١ - قَالَ الْفَقِيهُ حَدَّثَنَا أَبِي ﵀، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مُحَمَّدٍ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ , عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , فِيمَا رَوَى عَنْ رَبِّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظْلِمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَنِي كُلُّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ، فَأَعْطَيْتُهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي، إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْبَحْرُ إِذَا غُمِسَ فِيهِ الْمِخْيَطُ غَمْسَةً وَاحِدَةً، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، وَأُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا

стр. 538

يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ» ٩١٢ - وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «عُودُوا الْمَرْضَى، وَاتَّبِعُوا الْجَنَائِزَ تُذَكِّرُكُمُ الْآخِرَةَ» وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى أُنَاسٍ يَتَرَحَّمُونَ عَلَى مَيِّتٍ خَلْفَ جِنَازَةٍ، فَقَالَ: لَوْ تَرْحَمُونَ أَنْفُسَكُمْ لَكَانَ خَيْرًا لَكُمْ، أَمَا إِنَّهُ قَدْ مَاتَ، وَنَجَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَهْوَالٍ، أَحَدُهَا: رُؤْيَةُ مَلَكِ الْمَوْتِ، وَالثَّانِي: مَرَارَةُ الْمَوْتِ، وَالثَّالِثُ: خَوْفُ الْخَاتِمَةِ قَالَ: وَسَمِعَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، رَجُلًا يَقُولُ خَلْفَ جِنَازَةٍ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ هَذَا أَنْتَ؟ فَإِنْ كَرِهْتَ فَأَنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] . وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَأْكُلُ فِي الْمَقَابِرِ، فَقَالَ: هَذَا مُنَافِقٌ الْمَوْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَهُوَ يَشْتَهِي الطَّعَامَ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ: يَا عَجَبًا كُلَّ الْعَجَبِ مِنْ قَوْمٍ أُمِرُوا بِالزَّادِ، وَنُودُوا بِالرَّحِيلِ، وَقَدْ جَلَسَ أَوَّلُهُمْ لَآخِرِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ يَلْعَبُونَ، أَوْ قَالَ: جَلَسَ أَوَائِلُهُمْ وَهُمْ يَلْعَبُونَ. وَرُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ مَا رَأَى مَيِّتًا، إِلَّا كَأَنَّهُ رَجَعَ مِنْ دَفْنِ أُمِّهِ. وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ﵀ , أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ آمِنًا وَلَا يَكُونُ مَحْزُونًا خَائِفًا يُخَافُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ: «قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ» . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ، إِذَا النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذَا النَّاسُ مُفْطِرُونَ وَبِحُزْنِهِ إِذَا النَّاسُ يَفْرَحُونَ وَبِبُكَائِهِ إِذَا النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِصَمْتِهِ إِذَا النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إِذَا

стр. 539

النَّاسُ يَخْتَالُونَ، وَيَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ مَحْزُونًا، حَلِيمًا، سَكِينًا، لَيِّنًا وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَافِيًا، وَلَا غَافِلًا، وَلَا صَيَّاحًا، وَلَا حَدِيدًا قَالَ شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ﵀: لَيْسَ لِلْعَبْدِ صَاحِبٌ خَيْرًا لَهُ مِنَ الْهَمِّ وَالْخَوْفِ، هَمٌّ فِيمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَخَوْفٌ فِيمَا بَقِيَ لَا يَدْرِي مَا يَنْزِلُ بِهِ وَقَالَ حَكِيمٌ ﵀: مَنِ اهْتَمَّ وَحَزِنَ فِي غَيْرِ ثَلَاثَةٍ، فَإِنَّهُ لَمْ يَعْرِفِ الْحُزْنَ وَلَا السُّروُرَ، أَحَدُهَا: هَمُّ الْإِيمَانِ أَنَّهُ يَخْتِمُ عُمْرَهُ بِهِ أَمْ لَا، وَالثَّانِي: هَمُّ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، أَنَّهُ يَتِمُّ أَمْ لَا. وَالثَّالِثُ: هَمُّ الْخُصَمَاءَ أَنَّهُ يَنْجُو مِنْهُمْ أَمْ لَا ٩١٣ - وَرَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا اغْرَوْرَقَتْ عَيْنٌ بِمَائِهَا إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ إِحْرَاقَهَا، فَإِنْ فَاضَتْ عَلَى وَجْهِ صَاحِبِهَا، لَمْ يَرْهَقْ وَجْهَهُ قَتَرٌ، وَلَا ذِلَّةٌ، وَمَا مِنْ عَمَلِ بِرٍّ إِلَّا وَلَهُ ثَوَابٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فَإِنَّهَا تُطْفِئُ بُحُورًا مِنْ نَارٍ، وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أُمَّةٍ، لَرَحِمَ اللَّهُ تِلْكَ الْأُمَّةَ بِبُكَاءِ ذَلِكَ الْعَبْدِ» . وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَبْكِيَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَسِيلَ الدَّمْعُ عَلَى وَجْنَتَيَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِوَزْنِ نَفْسِي ذَهَبًا، وَمَا مِنْ بَاكٍ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى تَسِيلَ قَطْرَةٌ مِنْ دُمُوعِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ حَتَّى يَرْجِعَ قَطْرُ السَّمَاءِ وَلَيْسَ بِرَاجِعٍ، كَمَا أَنَّ الْقَطْرَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهَا أَبَدًا، فَكَذَلِكَ الَّذِي يَبْكِي فِي الدُّنْيَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا تَمَسُّهُ النَّارُ أَبَدًا. ٩١٤ - وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنِهِ مِنَ الدُّمُوعِ مِثْلُ الذُّبَابِ أَوْ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَيُصِيبَ حَرَّ وَجْهِهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ أَبَدًا» .

стр. 540

وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: مَا دَمَعَتْ عَيْنٌ إِلَّا بِفَضْلِ اللَّهِ، وَمَا دَمَعَتْ عَيْنُ امْرِئٍ حَتَّى يَمْسَحَ الْمَلِكُ قَلْبَهُ. ٩١٥ - وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " مَا مِنْ قَطْرَةٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَطْرَتَيْنِ: قَطْرَةِ دَمْعٍ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ، وَقَطْرَةِ دَمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ " وَرَوَى زِيَادٌ النُّمَيْرِيُّ ﵀، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ الْكُتُبِ لَا يَبْكِي عَبْدٌ مِنْ خَشْيَتِي إِلَّا أَجَرْتُهُ مِنْ نِقْمَتِي، وَلَا يَبْكِي عَبْدٌ مِنْ خَشْيَتِي إِلَّا أَبْدَلْتُهُ ضَحِكًا فِي نُورِ قُدْسِي يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ. وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَرَأَ: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٧١﴾ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١-٧٢] ، وَجَعَلَ يُرَدِّدُهَا وَيَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ. وَرُوِيَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] , وَجَعَلَ يُرَدِّدُهَا إِلَى الصَّبَاحِ وَيَبْكِي. ٩١٦ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ، وَجَعَلَ يُرَدِّدُهَا إِلَى الصَّبَاحِ وَيَبْكِي. وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ دَاوُدَ ﵊، مَا شَرِبَ شَرَابًا بَعْدَ الذَّنْبِ إِلَّا وَنِصْفُهُ مَمْزُوجٌ بِدُمُوعِ عَيْنَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ , قَالَ: صَلَّى بِنَا زُرَارَةُ ابْنُ أَبِي أَوْفَى فَقَرَأَ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨] فَحَمَلْنَاهُ مَيِّتًا وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ

стр. 541

بَابُ: مَا قِيلَ كَيْفَ يُصْبِحُ الرَّجُلُ ٩١٧ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ ﵀ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: «يَا مُجَاهِدُ، إِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالْمَسَاءِ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تُحَدِّثْ نَفْسَكَ بِالصَّبَاحِ، وَخُذْ مِنْ حَيَاتِكَ قَبْلَ مَمَاتِكَ، وَمِنْ صِحَّتِكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا اسْمُكَ غَدًا» قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إِذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ يَنْبَغِي أَنْ يَنْوِيَ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: أَدَاءُ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: اجْتِنَابُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ. وَالثَّالِثُ: إِنْصَافُ مَنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مُعَامَلَةٌ. وَالرَّابِعُ: إِصْلَاحُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خُصَمَائِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَلَى هَذِهِ النِّيَّاتِ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْمُفْلِحِينَ. وَقِيلَ لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ: بِأَيِّ نِيَّةٍ يَقُومُ الرَّجُلُ عَنْ فِرَاشِهِ؟ قَالَ: لَا يُسْأَلُ عَنِ الْقِيَامِ حَتَّى يُنْظَرَ كَيْفَ يَنَامُ، ثُمَّ يُسْأَلُ عَنِ الْقِيَامِ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يَنَامُ لَا يَعْرِفْ كَيْفَ يَقُومُ. ثُمَّ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَنَامَ مَا لَمْ يُصْلِحْ أَرْبَعَةً أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ لَا يَنَامَ، وَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ خَصْمٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ فَيَتَحَلَّلَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَأْتِيهِ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَيُقَدِّمُهُ عَلَى رَبِّهِ لَا حُجَّةَ لَهُ عِنْدَهُ.

стр. 542

وَالثَّانِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ، وَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ فَرْضٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّالِثُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ مَا لَمْ يَتُبْ مِنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَمُوتُ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الذُّنُوبِ. وَالرَّابِعُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَنَامَ حَتَّى يَكْتُبَ وَصِيَّةً صَحِيحَةً لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَمُوتُ مِنْ لَيْلَتِهِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ. وَيُقَالُ: النَّاسُ يُصْبِحُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ، صِنْفٌ فِي طَلَبِ الْمَالِ، وَصِنْفٌ فِي طَلَبِ الْإِثْمِ، وَصِنْفٌ فِي طَلَبِ الطَّرِيقِ، فَأَمَّا مَنْ أَصْبَحَ فِي طَلَبِ الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يَأْكُلُ فَوْقَ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنْ كَثُرَ الْمَالُ، وَمَنْ أَصْبَحَ فِي طَلَبِ الْإِثْمِ لَحِقَهُ الْهَوَانُ، وَمَنْ أَصْبَحَ فِي طَلَبِ الطَّرِيقِ، آتَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الرِّزْقَ وَالطَّرِيقَ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: مَنْ أَصْبَحَ لَزِمَهُ أَمْرَانِ: الْأَمْنُ، وَالْخَوْفُ، فَأَمَّا الْأَمْنُ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ آمِنًا بِمَا تَكَفَّلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ أَمْرِ رِزْقِهِ، وَأَمَّا الْخَوْفُ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا فِيمَا أُمِرَ بِهِ حَتَّى يُتِمَّهُ، فَإِذَا فَعَلَ هَذَيْنِ أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَنَاعَةُ بِمَا يُعْطِيهِ. وَالثَّانِي: حَلَاوَةُ طَاعَتِهِ. وَرَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كَانَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ إِذَا قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: «أَصْبَحْنَا ضُعَفَاءَ مُذْنِبِينَ نَأْكُلُ أَرْزَاقَنَا، وَنَنْتَظِرُ آجَالَنَا» وَعَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: كَيْفَ يُصْبِحُ مَنْ كَانَ مُنْقَلَبُهُ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ، وَلَا يَدْرِي إِلَى الْجَنَّةِ يَصِيرُ أَمْ إِلَى النَّارِ وَذُكِرَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵉، قِيلَ لَهُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا رُوحَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ لَا أَمْلِكُ مَا أَرْجُو، وَلَا أَسْتَطِيعُ دَفْعَ مَا أَخَافُ وَأَصْبَحْتُ مُرْتَهَنًا بِعَمَلِي، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدِ غَيْرِي، وَلَا فَقِيرَ أَفْقَرُ مِنِّي وَقِيلَ لِعَامِرِ بْنِ قَيْسٍ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ وَقَدْ أَوْقَرْتُ نَفْسِي مِنْ ذُنُوبِي، وَأَوْقَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَعْمَائِهِ، فَلَا أَدْرِي أَعِبَادَتِي تَكُونُ تَمْحِيصًا لِذُنُوبِي، أَوْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ

стр. 543

وَذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ , أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: كَيْفَ حَالُكَ؟ فَقَالَ: كَيْفَ حَالُ مَنْ عَلَيْهُ خَمْسُ مِائَةِ دِرْهَمٍ دَيْنًا، وَهُوَ مُعِيلٌ، فَدَخَلَ ابْنُ سِيرِينَ مَنْزِلَهُ، وَأَخْرَجَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَقَالَ: خَمْسُ مِائَةٍ اقْضِ بِهَا دَيْنَكَ وَخُمْسُ مِائَةُ دِرْهَمٍ أَنْفِقْهَا عَلَى عِيَالِكَ. وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُ أَحَدًا بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ حَالُكَ؟ مَخَافَةَ أَنْ يُخْبَرَ عَنْ حَالِهِ، فَيَصِيرَ قِيَامُهُ بِأَمْرِهِ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَذُكِرَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ , قَالَ: مَنْ أَصْبَحَ لَزِمَهُ شُكْرُ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ. أَوَّلُهَا أَنْ يَشْكُرَ، فَيَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَوَّرَ قَلْبِي بِنُورِ الْهُدَى، وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَجْعَلْنِي ضَالًّا. وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَالثَّالِثُ أَنْ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَجْعَلْ رِزْقِي بِيَدِ غَيْرِهِ. وَالرَّابِعُ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَتَرَ عَلَيَّ عُيُوبِي وَعَنْ شَقِيقِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَاشَ مِائَتَيْ سَنَةٍ، وَلَا يَعْرِفُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَقَّ بِهِ مِنَ النَّارِ. أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ عَمَلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَنْ يَعْرِفَهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، لِأَنَّهُ لَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ غَيْرُهُ، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ عَمَلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ، إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا مَعْرِفَةُ نَفْسِهِ، فَأَنْ يَعْرِفَ ضَعْفَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّ شَيْئًا مِمَّا يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، يَعْنِي يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَأَمَّا مَعْرِفَةُ عَدُوِّ اللَّهِ، وَعَدُوِّ نَفْسِهِ، فَأَنْ يَعْرِفَهُ بِالشَّرِّ فَيَجْزِيَهُ بِالْمَعْرِفَةِ حَتَّى يَكْسِرَهُ وَيُقَالُ: مَا مِنْ يَوْمٍ أَصْبَحَ فِيهِ ابْنُ آدَمَ، إِلَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَةَ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى عِنْدَ قِيَامِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴿٤١﴾ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤١-٤٢] ،

стр. 544

وَالثَّانِي: سَتْرُ الْعَوْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ، الْآيَةَ. وَأَدْنَى الزِّينَةُ مَا يُوَارِي الْعَوْرَةَ. وَالثَّالِثُ: إِتْمَامُ الْوُضُوءِ فِي أَوْقَاتِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] ، الْآيَةَ. وَالرَّابِعُ: إِتْمَامُ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ، يَعْنِي فَرْضًا مَفْرُوضًا مُؤَقَّتًا مَعْلُومًا. وَالْخَامِسُ: الْأَمْنُ بِوَعْدِ اللَّهِ فِي شَأْنِ الرِّزْقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ، وَالسَّادِسُ: الْقَنَاعَةُ بِقِسَمِ اللَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] ، وَالسَّابِعُ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣] ، وَالثَّامِنُ: الصَّبْرُ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَضَائِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨] ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] ، وَالتَّاسِعُ: الشُّكْرُ عَلَى نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لِقَوْلِهِ : ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤] ، وَأَوَّلُ النِّعْمَةِ هِيَ صِحَّةُ الْجِسْمِ، وَأَعْظَمُ النِّعْمَةِ هِيَ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَنِعَمُهُ كَثِيرَةٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] ، وَالْعَاشِرُ: الْأَكْلُ الْحَلَالُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] ، يَعْنِي حَلَالًا

стр. 545

بَابُ: التَّفَكُّرِ ٩١٨ - قَالَ الْفَقِيهُ ﵀ حَدَّثَنَا الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ السَّرَّاجُ , حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعْدٍ الْبَغْلَانِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زُرَارَةَ الْحَلَبِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحَ , قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا، فَسَلَّمْنَا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، فَقَالَتْ: مَرْحَبًا بِكَ يَا عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ مَا لَكَ لَا تَزُورُنَا؟ فَقَالَ عُبَيْدٌ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: دَعُونَا مِنْ هَذَا، حَدِّثِينَا بِأَعْجَبِ مَا رَأَيْتِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: كُلُّ أَمْرِهِ عَجِيبٌ غَيْرَ أَنَّهُ أَتَانِي فِي لَيْلَتِي، فَدَخَلَ مَعِي فِي فِرَاشِي حَتَّى أَلْصَقَ جِلْدَهُ بِجِلْدِي، فَقَالَ: «يَا عَائِشَةُ، أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَتَعَبَّدَ لِرَبِّي» ، قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَلَأُحِبُّ هَوَاكَ، فَقَامَ إِلَى قِرْبَةٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَ فَبَكَى، وَهُوَ قَائِمٌ حَتَّى بَلَغَتِ الدُّمُوعُ حِجْرَهُ، ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، فَبَكَى حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ بَلَغَتِ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَتَاهُ بِلَالٌ بَعْدَمَا أَذَّنَ الْفَجْرُ، رَآهُ يَبْكِي. قَالَ: لِمَ تَبْكِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «يَا بِلَالُ، أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ» : ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ، إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ، ثُمَّ قَالَ: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا» وَرُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مَنْ نَظَرَ فِي النُّجُومِ، وَتَفَكَّرَ فِي عَجَائِبِهَا، وَفِي قُدْرَةِ

стр. 546

اللَّهِ تَعَالَى وَيَقْرَأُ: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ، كُتِبَ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ حَسَنَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ عَامِرِ بْنِ قَيْسٍ , أَنَّهُ قَالَ: أَكْثَرُ النَّاسِ فَرَحًا فِي الْآخِرَةِ أَطْوَلُهُمْ حُزْنًا فِي الدُّنْيَا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ ضَحِكًا فِي الْآخِرَةِ، أَكْثَرُهُمْ بُكَاءً فِي الدُّنْيَا، وَأَخْلَصُ النَّاسِ إِيمَانًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَكْثَرُهُمْ تَفَكُّرًا فِي الدُّنْيَا ٩١٩ - قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَاكِمُ أَبُو الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ النَّسَفِيُّ , عَنِ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُعَيْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ , عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ أَيْضًا مَرْفُوعًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيحُ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقُ لِلشَّرِّ، وَلَهُمْ بِذَلِكَ أَجْرٌ، وَمِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيحُ لِلشَّرِّ، مَغَالِيقُ لِلْخَيْرِ، وَعَلَيْهِمْ بِذَلِكَ إِصْرٌ، يَعْنِي إِثْمٌ كَبِيرٌ، طُوبَى لِمَنْ جُعِلَ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ، وَتَفَكُّرُ سَاعَةٍ لِي خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ» ٩٢٠ - وَرَوَى الْأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فَقَالَ لَهُمْ: «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ» ٩٢١ - وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ؛ فَيَقُولُ: اللَّهُ تَعَالَى. فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ تَعَالَى. فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ". ٩٢٢ - وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» . قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِذَا أَرَادَ الْإِنْسَانُ أَنْ يَنَالَ فَضْلَ التَّفَكُّرِ، فَلْيَتَفَكَّرَ فِي خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: فِي الْآيَاتِ وَالْعَلَامَاتِ، وَالثَّانِي: فِي الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ،

стр. 547

وَالثَّالِثُ: فِي ثَوَابِهِ، وَالرَّابِعُ: فِي عَقْلِهِ، وَالْخَامِسُ: فِي إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ وَجَفَائِهِ لَهُ، فَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي الْآيَاتِ وَالْعَلَامَاتِ فَأَنْ يَنْظُرَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَشْرِقِهَا، وَغُرُوبِهَا فِي مَغْرِبِهَا، وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَفِي خَلْقِ نَفْسِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ ﴿٢٠﴾ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٠-٢١] فَإِذَا تَفَكَّرَ الْعَبْدُ فِي الْآيَاتِ وَالْعَلَامَاتِ يَزِيدُ بِهِ يَقِينًا وَمَعْرِفَةً وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ فَأَنْ يَنْظُرَ إِلَى نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى. وَسُئِلَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ فَقَالَ كُلُّ مَا ظَهَرَ فَهُوَ الْآلَاءُ وَمَا بَطَنَ فَهُوَ النَّعْمَاءُ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْيَدَانِ آلَاؤُهُ، وَقُوَّةُ الْيَدَيْنِ نَعْمَاؤُهُ، وَالْوَجْهُ آلَاؤُهُ، وَحُسْنُ الْوَجْهِ وَالْجَمَالُ نَعْمَاؤُهُ، وَالْفَمُ آلَاؤُهُ، وَطَعْمُ الطَّعَامِ نَعْمَاؤُهُ، وَالرِّجْلَانِ آلَاؤُهُ، وَالْمَشْيُ نَعْمَاؤُهُ فَإِذَا كَانَ لِلْعَبْدِ رِجْلَانِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ قُوَّةُ الْمَشْيِ، فَقَدْ أُعْطِيَ الْآلَاءَ، وَلَمْ يُعْطَ النَّعْمَاءَ، وَالْعُرُوقُ وَالْعِظَامُ آلَاؤُهُ، وَصِحَّتُهَا وَسُكُونُهَا نَعْمَاؤُهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْآلَاءُ إِيصَالُ النِّعْمَةِ، وَالنَّعْمَاءُ دَفْعَ الْبَلِيَّةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى ضِدِّ هَذَا. وَيُقَالُ: الْآلَاءُ وَالنَّعْمَاءُ وَاحِدٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨] ، فَإِذَا تَفَكَّرَ الْإِنْسَانُ فِي الْآلَاءِ وَالنَّعْمَاءِ يَزِيدُ الْمَحَبَّةَ، وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي ثَوَابِهِ فَهُوَ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي ثَوَابِ مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ، فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْكَرَامَاتِ، فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي ثَوَابِهِ يَزِيدُهُ رَغْبَةً فِيهَا، وَاجْتِهَادًا فِي طَلَبِهَا، وَقُوَّةً فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي عِقَابِهِ، فَهُوَ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَعْدَائِهِ فِي النَّارِ مِنَ الْهَوَانِ، وَالْعُقُوبَةِ، وَالنَّكَالِ، فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي ذَلِكَ يَزِيدُهُ رَهْبَةً، وَيَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ الْمَعَاصِي وَأَمَّا التَّفَكُّرُ فِي إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ، فَهُوَ أَنْ يَتَفَكَّرَ فِي إِحْسَانِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَا سَتَرَ عَلَيْهِ مِنْ ذُنُوبِهِ، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ بِهَا، وَدَعَاهُ إِلَى التَّوْبَةِ، وَيَنْظُرُ فِي جَفَاءِ نَفْسِهِ كَيْفَ تَرَكَ

стр. 548

أَوَامِرَهُ، وَارْتَكَبَ مَعَاصِيهِ، فَإِنَّ التَّفَكُّرَ فِي ذَلِكَ يَزِيدُ الْحَيَاءَ وَالْخَجَلَ، فَإِذَا تَفَكَّرَ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ أَشْيَاءَ، فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ ٩٢٣ - قَالَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ : «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ» . وَلَا يُتَفَكَّرُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّ التَّفَكُّرَ، فِيمَا سِوَى ذَلِكَ وَسْوَسَةٌ. قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: لَا تَتَفَكَّرْ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: لَا تَتَفَكَّرْ فِي الْفَقْرِ فَيَكْثُرَ هَمُّكَ وَغَمُّكَ، وَيَزِيدَ فِي حِرْصِكَ، وَلَا تَتَفَكَّرْ فِي ظُلْمِ مَنْ ظَلَمَكَ فَيَغْلُظَ قَلْبُكَ، وَيَكْثُرَ حِقْدُكَ، وَيَدُومَ غَيْظُكَ، وَلَا تَتَفَكَّرْ فِي طُولِ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا، فَتُحِبَّ الْجَمْعَ، وَتُضَيِّعَ الْعُمْرَ، وَتُسَوِّفَ فِي الْعَمَلِ. وَيُقَالُ: أَصْلُ الْوَرَعِ أَنْ يَتَعَاهَدَ الْمَرْءُ قَلْبَهُ لِكَيْ لَا يَتَفَكَّرَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، فَكُلَّمَا ذَهَبَ قَلْبُهُ إِلَى مَا لَا يَعْنِيهِ، عَالَجَهُ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى مَا يَعْنِيهِ، وَهُوَ أَشَدُّ الْجِهَادِ، وَأَفْضَلُهُ، وَأَشْغَلُهُ لِصَاحِبِهِ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، يُوشِكُ أَنْ لَا يَمْلِكَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: تَمَامُ الْعِبَادَةِ فِي صِدْقِ النِّيَّةِ، وَتَمَامُ صَلَاةِ الْعَمَلِ فِي التَّوَاضُعِ، وَتَمَامُ هَذَيْنِ بِالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَتَمَامُ هَذِهِ كُلُّهَا بِالْهَمِّ، وَالْحُزْنِ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَتَمَامُ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، مُلَازَمَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ بِقَلْبِكَ، وَكَثْرَةُ التَّفَكُّرِ فِي ذُنُوبِكَ. وَيُقَالُ: أَخْلَاقُ الْأَبْدَالِ عَشْرَةُ أَشْيَاءَ، سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَسَخَاوَةُ الْمَالِ، وَصِدْقُ اللِّسَانِ، وَتَوَاضُعُ النَّفْسِ، وَالصَّبْرُ فِي الشِّدَّةِ، وَالْبُكَاءُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْخَلْقِ، وَالرَّحْمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّفَكُّرُ فِي الْفَنَاءِ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْأَشْيَاءَ. وَقَالَ مَكْحُولٌ الشَّامِيُّ، ﵀، مَنْ آوَى إِلَى فِرَاشِهِ، يَنْبَغِي أَنْ يَتَفَكَّرَ فِيمَا صَنَعَ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عَمِلَ فِيهِ خَيْرًا، يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ عَمِلَ ذَنْبًا اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْهُ، وَرَجَعَ عَنْ قَرِيبٍ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، كَانَ كَمَثَلِ التَّاجِرِ الَّذِي يُنْفِقُ، وَلَا يَحْسِبُ حَتَّى يُفْلِسَ وَلَا يَشْعُرُ. وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْحِكْمَةُ تُهَيِّجُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: بَدَنٌ فَارِغٌ مِنْ أَشْغَالِ الدُّنْيَا. وَالثَّانِي: بَطْنٌ خَالٍ مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا.

стр. 549

وَالثَّالِثُ: يَدٌ خَالِيَةٌ مِنْ عُرُوضِ الدُّنْيَا، وَالرَّابِعُ: التَّفَكُّرُ فِي عَاقِبَةِ الدُّنْيَا، يَعْنِي يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي كَيْفَ تَكُونُ عَاقِبَتُهُ، وَلَا يَدْرِي أَنَّ أَعْمَالَهُ تُتَقَبَّلُ مِنْهُ أَمْ لَا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَتَقَبَّلُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا الطَّيِّبَ ٩٢٤ - قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَسَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ، رَفَعُوا الْحَدِيثَ إِلَى خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ , قَالَ: قُلْتُ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حَدِّثْنِي بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ حَفِظْتَهُ، وَذَكَرْتَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ وَقْتِ مَا حَدَّثَكَ بِهِ. فَبَكَى مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، حَتَّى قُلْتُ: إِنَّهُ لَا يَسْكُتُ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدَّثَنِي وَأَنَا رَدِيفُهُ إِذْ رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَقْضِي فِي خَلْقِهِ بِمَا أَحَبَّ» . ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ» . قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِمَامَ الْخَيْرِ وَنَبِيَّ الرَّحْمَةِ. فَقَالَ: «أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ أُمَّتَهُ، إِنْ حَفِظْتَهُ نَفَعَكَ، وَإِنْ سَمِعْتَهُ وَلَمْ تَحْفَظْهُ انْقَطَعَتْ حُجَّتُكَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ سَبْعَةَ أَمْلَاكٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، لِكُلِّ سَمَاءٍ مَلَكٌ وَجَعَلَ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهَا بَوَّابًا مِنْهُمْ. فَكَتَبَ الْحَفَظَةُ عَمَلَ الْعَبْدِ مِنْ حِينِ يُصْبِحُ حَتَّى يُمْسِيَ، ثُمَّ يُرْفَعُ، وَلَهُ نُورٌ كَنُورِ الشَّمْسِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ سَمَاءَ الدُّنْيَا فَيُزَكِّيهِ، وَيُكَثِّرُهُ فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وَقُلْ لَهُ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، أَنَا صَاحِبُ الْغِيبَةِ، وَهُوَ يَغْتَابُ الْمُسْلِمِينَ، لَا أَدَعُ عَمَلَهُ أَنْ يُجَاوِزَنِي إِلَى غَيْرِي، وَقَالَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ وَلَهُ نُورٌ وَضَوْءٌ يُضِيءُ حَتَّى يَنْتَهِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وَقُلْ لَهُ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ إِنَّهُ أَرَادَ بِهَذَا الْعَمَلِ عَرَضَ الدُّنْيَا، وَأَنَا صَاحِبُ عَمَلِ الدُّنْيَا، لَا أَدَعُ عَمَلَهُ أَنْ يُجَاوِزَنِي إِلَى غَيْرِي، قَالَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجًا بِهِ بِصَدَقَةٍ وَصَلَاةٍ كَثِيرَةٍ، فَتَعْجَبُ الْحَفَظَةُ، فَيَتَجَاوَزُونَ إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، قُلْ لَهُ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَنَا صَاحِبُ الْكِبْرِ، إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ وَتَكَبَّرَ عَلَى النَّاسِ فِي مَجْلِسِهِمْ، فَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي، قَالَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ، وَهُوَ يَزْهُو كَمَا تَزْهُو النُّجُومِ بِتَسْبِيحٍ وَصَوْمٍ

стр. 550

فَيَمُرُّ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وَقُلْ لَهُ: لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ أَنَا مَلَكُ صَاحِبِ الْعُجْبِ بِنَفْسِهِ إِنَّهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا وَأَدْخَلَ فِيهِ الْعُجْبَ. فَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزَنِي إِلَى غَيْرِي، فَيُضْرَبُ بِالْعَمَلِ وَجْهُهُ، فَيَلْعَنُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ كَالْعَرُوسِ الْمَزْفُوفَةِ إِلَى زَوْجِهَا، فَتَمُرُّ بِهِ إِلَى مَلَكِ السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ بِالْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وَاحْمِلْهُ عَلَى عَاتِقِهِ، إِنَّهُ كَانَ يَحْسُدُ مَنْ يَتَعَلَّمُ وَيَعْمَلُ لِلَّهِ فَهُوَ يَحْسُدُهُمْ وَيَقَعُ فِيهِمْ فَيَحْمِلُهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَتَلْعَنُهُ حَفَظَتُهُ مَا دَامَ هُوَ فِي الْحَيَاةِ، قَالَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ بِوُضُوءٍ تَامٍّ، وَقِيَامِ لَيْلٍ، وَصَلَاةٍ كَثِيرَةٍ، فَيَمُرُّ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، أَنَا مَلَكُ صَاحِبِ الرَّحْمَةِ إِنَّ صَاحِبَكَ لَمْ يَرْحَمْ شَيْئًا، فَإِذَا أَصَابَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ ذَنْبًا أَوْ ضُرًّا شَمِتَ بِهِ، وَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا يُجَاوِزَنِي عَمَلُهُ إِلَى غَيْرِي قَالَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ بِصِدْقٍ وَاجْتِهَادٍ وَوَرَعٍ لَهُ ضَوْءٌ كَضَوْءِ الْبَرْقِ، فَتَمُرُّ بِهِ إِلَى مَلَكِ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ الْمَلَكُ: قِفْ وَاضْرِبْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهَ صَاحِبِهِ، وَاقْفُلْ عَلَيْهِ قَلْبَهُ أَنَا مَلَكُ الْحِجَابِ أَحْجُبُ كُلَّ عَمَلٍ لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّهُ أَرَادَ بِهِ الرِّفْعَةَ وَذِكْرًا فِي الْمَجَالِسِ وَصِيتًا فِي الْمَدَائِنِ، وَقَدْ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ لَا أَدَعَ عَمَلَهُ يُجَاوِزَنِي إِلَى غَيْرِي، قَالَ: وَتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجًا بِهِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَصَمْتٍ، وَذِكْرٍ كَثِيرٍ، وَتُشَيِّعُهُ مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى تَحْتِ الْعَرْشِ فَيَشْهَدُونَ لَهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْتُمُ الْحَفَظَةُ عَلَى عَمَلِ عَبْدِي، وَأَنَا الرَّقِيبُ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، إِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهَذَا الْعَمَلِ وَجْهِي، وَأَرَادَ غَيْرِي فَعَلَيْهِ لَعْنَتِي، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ: عَلَيْهِ لَعْنَتُهُمْ وَلَعْنَتُنَا، وَتَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَلَعْنَةُ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَأَرْضِينَ، وَلَعْنَتُنَا ". ثُمَّ بَكَى مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَقَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَعْمَلُ؟ قَالَ: «اقْتَدِ بِنَبِيِّكِ يَا مُعَاذُ وَعَلَيْكَ الْيَقِينُ، وَإِنْ كَانَ فِي عَمَلِكَ تَقْصِيرٌ، وَاقْطَعْ لِسَانَكَ عَنْ

стр. 551

إِخْوَانِكَ، وَلْتَكُنْ ذُنُوبُكَ عَلَيْكَ، وَلَا تَحْمِلْهَا عَلَى إِخْوَانِكَ، وَلَا تُزَكِّ نَفْسَكَ بِتَذْمِيمِ إِخْوَانِكَ، وَلَا تَرْفَعْ نَفْسَكَ بِوَضْعِ إِخْوَانِكَ، وَلَا تُرَاءِ بِعَمَلِكَ النَّاسَ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ»

стр. 552

بَابُ: عَلَامَةِ السَّاعَةِ ٩٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الضَّبِّيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ لَهَا أَشْرَاطٌ تُقَارِبُ الْأَسْوَاقَ يَعْنِي كَسَادَهَا وَمَطَرٌ وَلَا نَبَاتَ وَتَفْشُو الْعِينَةُ يَعْنِي أَكْلَ الرِّبَا، وَتَظْهَرُ أَوْلَادُ الْبَغِيَّةِ يَعْنِي أَوْلَادَ الزِّنَا وَيُعَظَّمُ رَبُّ الْمَالِ، وَتَعْلُو أَصْوَاتُ الْفَسَقَةِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَيَظْهَرُ أَهْلُ الْمُنْكَرِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ» . قَالَ: وَكَيْفَ تَأْمُرُنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «فِرَّ بِدِينِكَ، أَوْ كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ» ٩٢٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَبِي عِيسَى الْأَصْفَهَانِيُّ، رَفَعَهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنَّ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ عَشَرَةٌ، يَقْرُبُ فِيهَا الْمَاحِلُ، وَيَظْهَرُ فِيهَا الْفَاجِرُ، وَيَعْجَزُ فِيهَا الْمُنْصِفُ وَتَكُونُ الصَّلَاةُ مَنًّا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَاسْتِطَالَةُ الْقُرَّاءِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَكُونُ إِمَارَةُ الصِّبْيَانِ، وَسُلْطَانُ النِّسَاءِ، وَمَشُورَةُ الإِمَاءِ» ٩٢٧ - قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، حَدَّثَنَا

стр. 553

جَعْفَرُ بْنُ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ عَمْرٍو , قَالَ: جَلَسَ إِلَى مَرْوَانَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ بِالْمَدِينَةِ، فَسَمِعُوهُ يُحَدِّثُ عَنِ الْآيَاتِ أَنَّ أَوَّلَهَا خُرُوجُ الدَّجَّالِ، فَقَامَ النَّفَرُ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ، فَجَلَسُوا إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فَحَدَّثُوهُ بِمَا قَالَ مَرْوَانُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ الْآيَاتِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، أَوِ الدَّابَّةُ، إِحْدَاهُمَا قَرِيبَةٌ عَلَى أَثَرِ الْأُخْرَى» ، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ قَالَ: " وَذَلِكَ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا غَرَبَتْ أَتَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَسَجَدَتْ فَاسْتَأْذَنَتْ فِي الرُّجُوعِ، فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا بِشَيْءٍ ثُمَّ تَعُودُ، وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا بِشَيْءٍ، حَتَّى إِذَا عَلِمَتْ أَنَّهُ لَوْ أُذِنَ لَهَا لَمْ تُدْرِكِ الْمَشْرِقَ، قَالَتْ: رَبِّ مَا أَبْعَدَنِي عَنِ النَّاسِ، حَتَّى إِذَا كَانَ اللَّيْلُ كَالطَّوْقِ أَتَتْ فَاسْتَأْذَنَتْ قِيلَ لَهَا: اطْلُعِي مِنْ مَكَانِكِ "، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] ٩٢٨ - وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " لَيَصْحَبَنَّ الدَّجَّالَ أَقْوَامٌ يَقُولُونَ: إِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ وَلَكِنَّا نَصْحَبُهُ لِنَأْكُلَ مِنَ الطَّعَامِ، وَنَرْعَى مِنَ الشَّجَرِ، فَإِذَا نَزَلَ غَضَبُ اللَّهِ نَزَلَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ " ٩٢٩ - وَعَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أَنّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: " إِنَّ الدَّجَّالَ خَارِجٌ، وَهُوَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، وَإِنَّهُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَيُحْيِي الْمَوْتَى، فَيَقُولُ لِلنَّاسِ أَنَا رَبُّكُمُ فَمَنْ قَالَ: أَنْتَ رَبِّي فَقَدْ فُتِنَ، وَمَنْ قَالَ: رَبِّيَ اللَّهُ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ عُصِمَ مِنْ فِتْنَتِهِ فَيَلْبَثُ فِي الْأَرْضِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَلْبَثَ، ثُمَّ يَجِيءُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، ﵊، مِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ مُصَدِّقًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، فَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ قِيَامُ السَّاعَةِ ". وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ , عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ الْعَدَوِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , قَالَ:

стр. 554

«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَجْتَمِعَ أَهْلُ الْبَيْتِ عَلَى الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ كَافِرَهُمْ، وَمُؤْمِنَهُمْ» . قِيلَ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: " تَخْرُجُ الدَّابَّةُ، وَهِيَ دَابَّةُ الْأَرْضِ، فَتَمْسَحُ كُلَّ إِنْسَانٍ عَلَى مَسْجِدِهِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَتَكُونُ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، فَتَفْشُو فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ لَهَا وَجْهُهُ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَكُونُ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَتَفْشُو فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَسْوَدَّ لَهَا وَجْهُهُ، حَتَّى يَتَبَايَعُوا فِي أَسْوَاقِهِمْ، فَيَقُولُونَ: كَيْفَ تَبِيعُ هَذَا يَا مُؤْمِنُ؟ وَكَيْفَ تَأْخُذُ هَذَا يَا كَافِرُ؟ فَمَا يَرُدُّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ " وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الدَّابَّةَ ذَاتُ زَغَبٍ، وَرِيشٍ لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمٍ، تَخْرُجُ مِنْ بَعْضِ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] . قَالَ: الَّذِينَ لَا يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَا يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ٩٣٠ - وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ، وَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا» ٩٣١ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " سَتَأْتِي عَلَيْكُمْ لَيْلَةٌ، مِثْلُ لَيَالٍ ثَلَاثٍ مِنْ لَيَالِيكُمْ هَذِهِ، فَإِذَا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ عَرَفَهَا الْمُتَهَجِّدُونَ، فَيَقُومُ الرَّجُلُ فَيَقْرَأُ وِرْدَهُ ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَقْرَأُ وِرْدَهُ ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ وِرْدَهُ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَقُولُونَ: مَا هَذَا فَيَفْزَعُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ فَإِذَا هُمْ بِالشَّمْسِ قَدْ طَلَعَتْ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَتَجِيءُ حَتَّى إِذَا تَوَسَّطَتِ السَّمَاءَ، رَجَعَتْ فَطَلَعَتْ مِنْ مَشْرِقِهَا "، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] ٩٣٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ أَخْوَةُ الْعَلَّاتِ أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأَنَا أَوْلَاهُمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِنَّهُ

стр. 555

لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ خَلِيفَتِي فِي أُمَّتِي، وَإِنَّهُ نَازِلٌ فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا، حَتَّى يَرْعَى الْأَسَدُ مَعَ الْإِبِلِ، وَالنَّمِرُ مَعَ الْبَقَرِ، وَالذِّئْبُ مَعَ الْغَنَمِ، وَحَتَّى يَلْعَبَ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ» وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , أَنَّهُ قَالَ: يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ فَإِذَا رَآهُ الدَّجَّالُ، ذَابَ كَمَا تَذُوبُ الشَّحْمُ، فَيُقْتَلُ الدَّجَّالُ وَتَتَفَرَّقُ عَنْهُ الْيَهُودُ فَيُقْتَلُونَ: حَتَّى إِنَّ الْحَجَرَ لَيَقُولُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ الْمُسْلِمَ هَذَا يَهُودِيٌّ تَوَارَى تَعَالَى فَاقْتُلْهُ ٩٣٣ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ الرَّدْمَ كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى إِذَا كَادُوا أَنْ يَرَوْا شُعَاعَ الشَّمْسِ، قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ، وَهُوَ كَهَيْئَةِ الَّتِي تَرَكُوهَا بِالْأَمْسِ، فَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاسِ، فَيَنْشَفُونَ الْمِيَاهَ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ فِي حُصُونِهِمْ مِنْهُمْ، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَيُهْلِكُهُمُ اللَّهُ بِهَا " وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: وَلَيُغْرَسَنَّ الشَّجَرُ بعد يأجوج ومأجوج وعن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه، لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ قَالَ: مَا مَاتَ الرَّجُلُ مِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، إِلَّا تُرِكَ لَهُ أَلْفُ ذُرِّيَّةٍ فَصَاعِدًا مِنْ صُلْبِهِ ٩٣٤ - وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يَمُوتُ فِيهَا قَلْبُ الرَّجُلِ كَمَا يَمُوتُ بَدَنُهُ، وَيُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ فِيهَا أَقْوَامٌ دِينَهُمْ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا قَلِيلٍ» ٩٣٥ - وَرَوَى الْعَلَاءُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ,

стр. 556

أَنَّهُ قَالَ: «بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ سِتٌّ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَالدُّخَانُ، وَالدَّابَّةُ، وَخَاصَّةُ أَحَدِكُمْ» يَعْنِي الْمَوْتَ. «وَأَمْرُ الْعَامَّةِ» يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ٩٣٦ - وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَابَاطٍ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «إِنَّهُ سَيَكُونُ فِيكُمُ الْخَسْفُ، وَالْمَسْخُ، وَالْقَذْفُ» . قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: «نَعَمْ إِذَا ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْأَرْبَعُ الْقَيْنَاتُ، وَالْمَعَازِفُ وَالْخُمُورُ وَالْحَرِيرُ» وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] ، قَالَ: هِيَ خِلَالٌ أَرْبَعٌ وَهُنَّ وَاقِعَاتٌ لَا مَحَالَةَ. فَمَضَتِ اثْنَتَانِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً فَأُلْبِسُوا شِيَعًا يَعْنِي الْأَهْوَاءَ الْمُخْتَلِفَةَ وَذَاقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ، وَاثْنَتَانِ وَاقِعَتَانِ لَا مَحَالَةَ: الْخَسْفُ وَالرَّجْفُ. ٩٣٧ - وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَعَفَى عَنِ اثْنَيْنِ الْخَسْفِ وَالْمَسْخِ، وَبَقِيَ اثْنَانِ وَهُمَا الْأَهْوَاءُ وَالْبَأْسُ وَرَوَى الْأَعْمَشُ , عَنْ أَبِي الضُّحَى،، عَنْ مَسْرُوقٍ , قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَانٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَخَذَ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ، وَأَبْصَارِهِمْ، وَأُخِذَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزُّكَامِ، قَالَ مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَاسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ عِنْدَهُ عِلْمٌ، فَسُئِلَ عَنْهُ فَلَقِيَهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُ أَعْلَمُ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] ،

стр. 557

٩٣٨ - وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، اللَّهُمَّ سِنِينًا كَسِنِي يُوسُفَ» . فَأَخَذَتْهُمُ السَّنَةُ فَأَكَلُوا فِيهَا الْعِظَامَ، وَالْمَيْتَةَ مِنَ الْجَهْدِ، حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَرَى مَا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ السَّمَاءِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ مِنَ الْجُوعِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي ﵀، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ , عَنْ أَبِي اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ يَحْيَى، عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّاسِيِّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَهُوَ بِالْقَادِسِيَّةِ: أَنْ وَجِّهْ نَضْلَةَ بْنَ مُعَاوِيَةَ إِلَى حُلْوَانَ، فَوَجَّهَ سَعْدٌ نَضْلَةَ فِي ثَلاثِ مِائَةِ فَارِسٍ، فَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْا حُلْوَانَ، فَأَغَارُوا عَلَى نَوَاحِيهَا، وَأَصَابُوا غَنِيمَةً وَسَبْيًا، فَرَجَعُوا فَجَعَلُوا يَسُوقُونَ الْغَنِيمَةَ وَالسَّبْيَ، حَتَّى نَزَلُوا إِلَى سَطْحِ جَبَلٍ، ثُمَّ قَامَ نَضْلَةُ، فَأَذَّنَ لِلصَّلَاةِ، وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَإِذَا مُجِيبٌ مِنَ الْجَبَلِ يُجِيبُهُ، كَبَّرْتَ كَبِيرًا يَا نَضْلَةَ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: هِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ يَا نَضْلَةُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: هِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ يَا نَضْلَةُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: هُوَ الَّذِي بَشَّرَنَا بِهِ عِيسَى ﵇، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: طُوبَى لِمَنْ مَشَى إِلَيْهَا وَوَاظَبَ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَالَ: أَفْلَحَ مَنْ أَجَابَ مُحَمَّدًا ﷺ ، وَهُوَ الْبَقَاءُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: أَخْلَصْتَ إِخْلَاصًا يَا نَضْلَةَ، فَحَرَّمَ اللَّهُ بِهَا جَسَدَكَ عَلَى النَّارِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ قَالَ: مَنْ أَنْتَ رَحِمَكُ اللَّهُ، أَمَلَكٌ أَنْتَ أَمْ سَاكِنٌ مِنَ الْجِنِّ، أَمْ طَائِفٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، أَسْمَعْتَنَا صَوْتَكَ فَأَرِنَا صُورَتَكَ، فَإِنَّا وَفْدُ اللَّهِ وَوَفْدُ رَسُولِهِ ﷺ ، وَوَفْدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَإِذَا شَيْخٌ لَهُ هَامَةٌ كَالرَّحَا أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ عَلَيْهِ طِمْرَانِ مِنْ صُوفٍ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَقُلْنَا: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَالرَّحْمَةُ. مَنْ أَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: أَنَا زَرْنَبُ بْنُ يَرْعَلَا وَصِيُّ الْعَبْدِ الصَّالِحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵊ أَسْكَنَنِي هَذَا الْجَبَلَ، وَدَعَا لِيَ بِطُولِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ نُزُولِهِ مِنَ السَّمَاءَ، فَأَمَّا إِذَا فَاتَنِي لِقَاءُ مُحَمَّدٍ

стр. 558

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْرِئُوا عُمَرَ مِنِّي السَّلَامَ وَقُولُوا لَهُ: يَا عُمَرُ سَدِّدْ وَقَارِبْ، فَقَدْ دَنَا الْأَمْرُ وَأَخْبِرْهُ بِهَذِهِ الْخِصَالِ الَّتِي أُخْبِرُكُمْ بِهَا إِذَا ظَهَرَتْ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَالْهَرَبَ الْهَرَبَ إِذَا اسْتَغْنَى الرِّجَالُ بِالرِّجَالِ، وَالنِّسَاءُ بِالنِّسَاءِ وَانْتَسَبُوا إِلَى غَيْرِ مَنَاسِبِهِمْ، وَلَمْ يَرْحَمْ كَبِيرُهُمْ صَغِيرَهُمْ، وَلَمْ يُوَقِّرْ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَتَرَكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ، فَلَمْ يَأْمُرُوا بِهِ، وَتَرَكُوا النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَمْ يَنْهَوْا عَنْهُ، وَيَتَعَلَّمُ عَالِمُهُمُ الْعِلْمَ لِيَجْلِبَ بِهِ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ، وَكَانَ الْمَطَرُ قَيْظًا يَعْنِي أَيَّامَ الصَّيْفِ، وَالْوَلَدُ غَيْظًا، يَعْنِي يَغِيظُ وَالِدَيْهِ، وَيَفِيضُ اللِّئَامُ فَيْضًا، وَيَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضًا، يَعْنِي يَقِلُّونَ، وَشَيَّدُوا الْبِنَاءَ وَاتَّبَعُوا الْهَوَى، وَبَاعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيَا، وَاسْتَخَفُّوا بِالدِّمَاءِ، وَقَطَّعُوا الْأَرْحَامَ، وَبَاعُوا الْحُكْمَ وَطَوَّلُوا الْمَنَارَاتِ وَفَضَّضُوا الْمَصَاحِفَ، وَزَخْرَفُوا الْمَسَاجِدَ وَأَظْهَرُوا الرِّشَا وَأَكَلُوا الرِّبَا، وَصَارَ الْغَنِيُّ عَزِيزًا، وَرَكِبَ النِّسَاءُ السُّرُوجَ ثُمَّ، غَابَ عَنَّا " وَذُكِرَ أَنَّ سَعْدًا خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ، فَنَزَلَ هُنَاكَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُؤَذِّنُ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَلَمْ يَسْمَعْ جَوَابًا وَلَا كَلَامًا وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ

стр. 559

بَابُ: أَحَادِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ ٩٣٩ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَهْلٍ الْقَاضِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ الْحَارِثِ الْأَعْوَرِ، أَنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَقُلْتُ: مَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا لِوَحْيٍ أَوْ لِحَاجَةٍ. فَقَالَ: «ادْنُ مِنِّي يَا جُنْدُبَ» فَدَنَوْتُ مِنْهُ، وَاسْتَغْنَمْتُ خَلْوَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالْوُضُوءِ، فَمَا الْوُضُوءِ؟ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا صَلَاةَ إِلَّا بِالْوُضُوءِ، وَإِنَّ الْوُضُوءَ يُكَفِّرُ مَا قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالصَّلَاةِ فَمَا الصَّلَاةُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقَلِّلْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالزَّكَاةِ، فَمَا الزَّكَاةُ؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا زَكَاةَ لَهُ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، بِقَدْرِ مَا يَسْتَغْنِي فُقَرَاؤُهُمْ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَائِلٌ الْأَغْنِيَاءَ عَنِ الزَّكَاةِ وَمُعَذِّبُهُمْ عَلَيْهَا. يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا انْتَقَصَ مَالٌ مِنْ زَكَاةٍ، وَلَا ضَاعَ مَالٌ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ إِلَّا بِمَنْعِ الزَّكَاةِ. يَا أَبَا ذَرٍّ، لَا يُعْطِي زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةٌ بِهَا نَفْسُهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَمْنَعُ الزَّكَاةَ إِلَّا مُشْرِكٌ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالصَّوْمِ، فَمَا الصَّوْمُ؟ قَالَ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَعِنْدَ اللَّهِ الْجَزَاءُ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَيُوضَعُ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَائِدَةٌ فَأَوَّلُ مَنْ يَأْكُلُ مِنْهَا الصَّائِمُونَ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالصَّبْرِ، فَمَا الصَّبْرُ؟ فَقَالَ: «إِنَّ مَثَلَ الصَّبْرِ كَمَثَلِ رَجُلٍ مَعَهُ صُرَّةٌ مِنْ مِسْكٍ، وَهُوَ فِي عُصْبَةٍ مِنَ النَّاسِ، كُلُّهُمْ يُعْجِبُهُ أَنْ يُوجَدَ رِيحُهَا مِنْهُ»

стр. 560

فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَمَا الصَّدَقَةُ؟ قَالَ: «بَخٍ بَخٍ يَا أَبَا ذَرٍّ، الصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَالصَّدَقَةُ فِي الْعَلَانِيَةِ تُذْهِبُ مِنْ صَاحِبِهَا سَبْعَ مِائَةِ شَرٍّ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، وَتُطْفِئُ غَضَبَ النَّارِ، وَغَضَبَ الرَّبِّ، وَالصَّدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ وَالصَّدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ وَالصَّدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالرِّقَابِ، فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ أَنْ يُعْتَقَ؟ قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنَا بِالرِّقَابِ، فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ أَنْ يُعْتَقَ؟ قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا» قَالَ: فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَهْجُرَ السُّوءَ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَيُّ النَّاسِ أَسْلَمُ؟ قَالَ: «مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَيُّ النَّاسِ أَعْجَزُ؟ قَالَ: «مَنْ عَجَزَ عَنِ الدُّعَاءِ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَيُّ النَّاسِ أَبْخَلُ؟ قَالَ: «مَنْ بَخِلَ بِالسَّلَامِ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَيُّ الْمُجَاهِدِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِقَ دَمُهُ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَعَنِ الْكُتُبِ مَتَى أُنْزِلَتْ؟ قَالَ: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْإِنْجِيلُ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الزَّبُورُ فِي ثَمَانِ عَشْرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ فِي ثَمَانٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَ الْفُرْقَانُ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ» فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ: كَمْ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ، وَكَمْ كَانَ الْمُرْسَلُونَ؟ قَالَ: «كَانَ الْأَنْبِيَاءُ مِائَةَ أَلْفِ نَبِيٍّ، وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفِ نَبِيٍّ، وَكَانَ الْمُرْسَلُونَ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَقَدْ يَكُونُ نَبِيًّا وَلَا يَكُونُ مُرْسَلًا، وَقَدْ يَكُونُ نَبِيًّا مُرْسَلًا» قَالَ: وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ نَحْوَ هَذَا وَزَادَ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَيُّ وَقْتِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جَوْفُ اللَّيْلِ الْغَابِرِ» قَالَ: قُلْتُ فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «طُولُ الْقُنُوتِ» قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «جَهْدُ مِنْ مُقِلٍّ مُعْسِرٍ سِيقَ إِلَى فَقِيرٍ» فَقُلْتُ: مَنْ كَانَ أَوَّلَ الْأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: «آدَمُ» ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَانَ آدَمُ مُرْسَلًا؟ قَالَ: " نَعَمْ، خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، قَالَ: وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ سُرْيَانِيُّونَ، آدَمُ، وَشِيثُ، وَإِدْرِيسُ، وَنُوحٌ، وَقِيلَ عِيسَى ﵇، وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْعَرَبِ هُودٌ، وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ، وَنَبِيُّكَ ﵊ يَا أَبَا ذَرٍّ " فَقُلْتُ: وَكَمْ كِتَابًا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ؟ قَالَ: «مِائَةً وَأَرْبَعَةَ كُتُبٍ أُنْزِلَ عَلَى

стр. 561

شِيثَ بْنِ آدَمَ خَمْسُونَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرُ صَحَائِفَ، وَعَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرُ صَحَائِفَ، وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ» فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي. قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا رَأْسُ أَمْرِكَ كُلِّهِ» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَشَرَفٌ وَذِكْرٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي، وَعَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةُ الشَّيْطَانِ عَنْكَ، وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ، وَإِيَّاكَ وَالضَّحِكَ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ» ٩٤٠ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي ﵀، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَمَرَّةً قُلْتُ فِي نَفْسِي آتِيهِ لِأَسْتَفِيدَ مِنْهُ فِي حَالِ خَلْوَتِهِ، وَمُرَّةً قُلْتُ لَا أَشْغَلُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ، فَأَبَيْتُ إِلَّا أَنْ آتِيهِ فَأَتَيْتُهُ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَجَلَسْتُ عِنْدَهُ طَوِيلًا لَمْ يُكَلِّمْنِي، حَتَّى قُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّهُ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِ جُلُوسِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ رَكَعْتَ؟» قُلْتُ: لَا. قَالَ: «قُمْ فَارْكَعْ، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ تَحِيَّةً وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ» . فَقُمْتُ وَرَكَعْتُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَيْهِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَمِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ» ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَمِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ: " أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] "، ثُمَّ سَكَتَ فَلَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُنِي، وَلَا يُحَدِّثُنِي، أَفَضْتُ فِي الْكَلَامِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنِي بِالصَّلَاةِ فَمَا الصَّلَاةُ؟ وَذَكَرَ نَحْوَ السُّؤَالَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، قَالَ: ثُمَّ اجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَبْخَلِ النَّاسِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» ٩٤١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَضْلَانِيُّ , بِسَمَرْقَنْدَ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكٍ

стр. 562

صَحِبَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَلَّفَ فُلَانٌ، فَيَقُولُ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ» ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ. قَالَ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ» وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ تَخَلَّفَ لِأَنَّهُ أَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ فَكُلِمَ بَعِيرُهُ فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ، فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاشِيًا حَامِلًا عَلَى ظَهْرِهِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْبَلَ إِلَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي وَحْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِيَكُنْ أَبَا ذَرٍّ» ، فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ النَّاسُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ» ٩٤٢ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيُّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: لَمَّا سَارَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى الرِّبْذَةِ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ. وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ، فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا: أَنْ غَسِّلَانِي وَكَفِّنَانِي، ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ عَلَيْكُمْ، فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعِينُونِي عَلَى دَفْنِهِ "، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلَا بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي رَهْطٍ مِنَ الْعِرَاقِ فَلَمَّا رَآهُمُ الْغُلَامُ قَامَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَأَقْبَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَهُوَ يَبْكِي، رَافِعًا صَوْتَهُ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ، ثُمَّ وَارَوْهُ وَمَضَوْا وَهُوَ يُحَدِّثُهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسِيرَةٍ إِلَى تَبُوكٍ " ٩٤٣ - وَعَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «سَيُصِيبُكَ بَعْدِي بَلَاءٌ» ، قَالَ: قُلْتُ فِي اللَّهِ؟ قَالَ: «فِي اللَّهِ» ، قُلْتُ: فَمَرْحَبًا بِأَمْرِ اللَّهِ. قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ صَلَّيْتَ خَلْفَ أَسْوَدَ» . فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، دَعَاهُ فَحَيَّاهُ وَبَكَى، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَدْ سَمِعْتَ الْبَلَاءَ بِسَبَبِي، أَوْ فِي زَمَانِي فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَوَلِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، دَعَاهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيكَ، فَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَكَ يَعْنِي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ يُصِيبَكَ الْبَلَاءُ بِسَبَبِي،

стр. 563

أَوْ فِي زَمَانِي، فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَوَلِيَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَبُو ذَرٍّ يَسْتَأْذِنُ، قَالَ: ائْذَنْ لَهُ إِنْ شِئْتَ. قَالَ: فَأَذِنْتُ لَهُ، فَدَخَلَ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا. قَالَ: مَا قُلْتُ هَذَا. قَالَ: أَنَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الْبَيِّنَةَ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَكَ لَا أَدْرِي مَا بَيِّنَتُكَ، وَقَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ قُلْتُ، قَالَ: فَكَيْفَ قُلْتَ، قَالَ: قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِليَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي الَّذِي يَأْخُذُ بِالْعَهْدِ الَّذِي تَرَكْتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْحَقَنِي وَكُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا» . قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْحَقْ بِمُعَاوِيَةَ فَأَخْرِجْهُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَى الشَّامِ أَخَذَ يُعَلِّمُ النَّاسَ، فَأَبْكَى عُيُونَهُمْ وَأَحْزَنَ صُدُورَهُمْ، وَكَانَ فِيمَا يَقُولُ: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدُكُمْ وَفِي بَيْتِهِ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِلَّا شَيْءٌ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يُعِدُّهُ لِغَرِيمٍ، فَأَبْكَى مُعَاوِيَةَ وَالنَّاسَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُخَالِفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ، وَسَرِيرَتُهُ عَلَانِيَتَهُ، فَأَخَذَ الْأَلْفَ وَقَسَّمَهُ كُلَّهُ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَدَعَا مُعَاوِيَةُ الرَّسُولَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ وَقُلْ لَهُ: إِنَّمَا أَرْسَلَنِي بِالْأَلْفِ دِينَارٍ إِلَى غَيْرِكَ فَأَخْطَأْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَجَاءَهُ الرَّسُولُ وَقَالَ لَهُ: أَنْقِذْنِي مِنْ عَذَابِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّمَا أَرْسَلَنِي بِأَلْفٍ إِلَى غَيْرِكَ، فَأَخْطَأْتُ بِهِ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْكَ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِلرَّسُولِ: أَقْرِئْ مُعَاوِيَةَ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: مَا أَصْبَحَ عِنْدَنَا مِنْ دَنَانِيرِكَ شَيْءٌ فَإِنْ أَرَدْتَهَا فَانْتَظِرْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ نَجْمَعْهَا لَكَ، فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةَ أَنَّ فِعْلَهُ يُصَدِّقُ قَوْلَهُ، كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: إِنْ كَانَ لَكَ بِالشَّامِ حَاجَةٌ، فَأَرْسِلْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ وَاسْتَدْعِهِ: قَالَ: فَكَتَبَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنِ الْحَقْ بِي قَالَ: فَقَدِمَ أَبُو ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَعُثْمَانُ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ﵇، وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ، فَكَيْفَ أَنْتُمْ؟ ثُمَّ خَرَجَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَامَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى سَارِيَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَعَدَ، وَجَلَسَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

стр. 564

قَالَ: «نَعَمْ حَدَّثَنِي حَبِيبِي أَنَّ فِي الْإِبِلِ صَدَقَةً، وَفِي الزَّرْعِ صَدَقَةً، وَفِي الدِّرْهَمِ صَدَقَةً، وَفِي الشَّاةِ صَدَقَةً، وَمَنْ بَاتَ وَفِي بَيْتِهِ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ لَا يُعِدُّهُ لِغَرِيمِهِ أَوْ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ كَنْزٌ يُكْوَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قَالُوا: يَا أَبَا ذَرٍّ اتَّقِ اللَّهَ وَانْظُرْ مَا تُحَدِّثُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ قَدْ فَشَتْ فِي النَّاسِ، فَقَالَ: أَمَا تَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ، فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: الْحَقْ بِالرِّبْذَةِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ، فَخَرَجَ إِلَى الرِّبْذَةِ فَوَجَدَهُمْ يَؤُمُّهُمْ أَسْوَدُ، فَقِيلَ لِأَبِي ذَرٍّ: تَقَدَّمْ فَأَبَى وَصَلَّى خَلْفَ الْأَسْوَدِ، وَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ لِي: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ صَلَّيْتَ خَلْفَ أَسْوَدَ» ، وَمَكَثَ هُنَاكَ حَتَّى مَاتَ ﵀ ٩٤٤ - وَرُوِيَ عَنِ امْرَأَةِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَتْ: لَمَّا حَضَرَ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ بَكَيْتُ قَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: تَمُوتُ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لِي ثَوْبٌ أُكَفِّنُكَ فِيهِ، قَالَ: لَا تَبْكِي وَأَبْشِرِي فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ لِنَفَرٍ كُنْتُ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ أَحَدٌ، إِلَّا وَقَدْ هَلَكَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ إِلَّا أَنَا، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَبْتُ، فَأَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ فَأَبْصِرِي الطَّرِيقَ» قَالَتْ: فَقُلْتُ قَدْ ذَهَبَ الْحَاجُّ وَانْقَطَعَ الطَّرِيقُ، فَكُنْتُ أَقُومُ عَلَى كَثِيبٍ، فَأَنْظُرُ فَأَرْجِعُ إِلَيْهِ فَأُمَرِّضُهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا بِنَفَرٍ عَلَى رِحَالِهِمْ، فَأَلَحْتُ إِلَيْهِمْ بِثَوْبِي فَأَسْرَعُوا إِلَيَّ، فَقَالُوا: يَا أَمَةَ اللَّهِ مَا لَكِ؟ قُلْتُ، رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ فَكَفِّنُوهُ. قَالُوا: وَمَنْ هَذَا قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ قَالُوا: صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَفَدَوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، فَأَسْرَعُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَسَلَّمُوا فَرَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: أَبْشِرُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ الْقَوْمِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ هَلَكَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ إِلَّا أَنَا، فَأَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَأَنْتُمْ أُولَئِكَ الْعِصَابَةُ، وَلَوْ كَانَ لِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَنًا أَوْ لِامْرَأَتِي لَمْ أُكَفَّنْ إِلَّا فِي ثَوْبٍ لِي، أَوْ لِأَهْلِي، وَإِنِّي أُنْشِدُكُمْ بِاللَّهِ لَا يُكَفِّنُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ بَرِيدًا، أَوْ عَرِيفًا، أَوْ نَقِيبًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ إِلَّا قَدْ أَصَابَ ذَلِكَ

стр. 565

أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ، إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ» فَقَالَ: يَا عَمُّ أَنَا أُكَفِّنُكَ فَإِنِّي لَمْ أُصِبْ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتَ، أُكَفِّنُكَ فِي رِدَائِي هَذَا، أَوْ فِي ثَوْبَيْنِ، أَوْ فِي عَبَاءَتَيْنِ مِنْ غَزْلِ أُمِّي؟ قَالَ: أَنْتَ تُكَفِّنِّي، فَمَاتَ فَكَفَّنَهُ الْأَنْصَارِيُّ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ شَهِدُوهُ، وَكُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَرَجَعُوا مَسْرُورِينَ بِمَا سَمِعُوا مِنْهُ
следующие страницы →