Полный текст (602 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
شِيثَ بْنِ آدَمَ خَمْسُونَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِدْرِيسَ ثَلَاثُونَ صَحِيفَةً، وَعَلَى إِبْرَاهِيمَ عَشْرُ صَحَائِفَ، وَعَلَى مُوسَى قَبْلَ التَّوْرَاةِ عَشْرُ صَحَائِفَ، وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالزَّبُورُ وَالْفُرْقَانُ»
فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوْصِنِي.
قَالَ: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فَإِنَّهَا رَأْسُ أَمْرِكَ كُلِّهِ» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْنِي، قَالَ: «عَلَيْكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ نُورٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، وَشَرَفٌ وَذِكْرٌ لَكَ فِي الْأَرْضِ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي، وَعَلَيْكَ بِالصَّمْتِ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّهُ مَطْرَدَةُ الشَّيْطَانِ عَنْكَ، وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ، وَإِيَّاكَ وَالضَّحِكَ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ»
٩٤٠ - قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي ﵀، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ وَحْدَهُ، فَمَرَّةً قُلْتُ فِي نَفْسِي آتِيهِ لِأَسْتَفِيدَ مِنْهُ فِي حَالِ خَلْوَتِهِ، وَمُرَّةً قُلْتُ لَا أَشْغَلُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ، فَأَبَيْتُ إِلَّا أَنْ آتِيهِ فَأَتَيْتُهُ، وَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَجَلَسْتُ عِنْدَهُ طَوِيلًا لَمْ يُكَلِّمْنِي، حَتَّى قُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنَّهُ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِ جُلُوسِي، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ هَلْ رَكَعْتَ؟» قُلْتُ: لَا.
قَالَ: «قُمْ فَارْكَعْ، فَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ تَحِيَّةً وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ» .
فَقُمْتُ وَرَكَعْتُ، ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَيْهِ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، اسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَمِنْ شَرِّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ» ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَمِنَ الْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ: " أَمَا تَسْمَعُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ [الأنعام: ١١٢] "، ثُمَّ سَكَتَ فَلَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُنِي، وَلَا يُحَدِّثُنِي، أَفَضْتُ فِي الْكَلَامِ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمَرْتَنِي بِالصَّلَاةِ فَمَا الصَّلَاةُ؟ وَذَكَرَ نَحْوَ السُّؤَالَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، قَالَ: ثُمَّ اجْتَمَعَ النَّاسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَبْخَلِ النَّاسِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ»
٩٤١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَضْلَانِيُّ , بِسَمَرْقَنْدَ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى غَزْوَةِ تَبُوكٍ
стр. 562
صَحِبَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَلَّفَ فُلَانٌ، فَيَقُولُ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ» ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ.
قَالَ: «دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ» وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ تَخَلَّفَ لِأَنَّهُ أَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ فَكُلِمَ بَعِيرُهُ فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ، فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ رَجَعَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَاشِيًا حَامِلًا عَلَى ظَهْرِهِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْبَلَ إِلَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي وَحْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لِيَكُنْ أَبَا ذَرٍّ» ، فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ النَّاسُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ»
٩٤٢ - قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيُّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: لَمَّا سَارَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ إِلَى الرِّبْذَةِ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ.
وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ، فَأَوْصَى إِلَيْهِمَا: أَنْ غَسِّلَانِي وَكَفِّنَانِي، ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ عَلَيْكُمْ، فَقُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعِينُونِي عَلَى دَفْنِهِ "، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلَا بِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فِي رَهْطٍ مِنَ الْعِرَاقِ فَلَمَّا رَآهُمُ الْغُلَامُ قَامَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَأَقْبَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَهُوَ يَبْكِي، رَافِعًا صَوْتَهُ ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ، ثُمَّ وَارَوْهُ وَمَضَوْا وَهُوَ يُحَدِّثُهُمْ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَسِيرَةٍ إِلَى تَبُوكٍ "
٩٤٣ - وَعَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ , عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ , قَالَ: «سَيُصِيبُكَ بَعْدِي بَلَاءٌ» ، قَالَ: قُلْتُ فِي اللَّهِ؟ قَالَ: «فِي اللَّهِ» ، قُلْتُ: فَمَرْحَبًا بِأَمْرِ اللَّهِ.
قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ اسْمَعْ وَأَطِعْ، وَلَوْ صَلَّيْتَ خَلْفَ أَسْوَدَ» .
فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، دَعَاهُ فَحَيَّاهُ وَبَكَى، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَدْ سَمِعْتَ الْبَلَاءَ بِسَبَبِي، أَوْ فِي زَمَانِي فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَوَلِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، دَعَاهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيكَ، فَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَكَ يَعْنِي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ يُصِيبَكَ الْبَلَاءُ بِسَبَبِي،
стр. 563
أَوْ فِي زَمَانِي، فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَوَلِيَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَاسْتَأْذَنَ أَبُو ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا أَبُو ذَرٍّ يَسْتَأْذِنُ، قَالَ: ائْذَنْ لَهُ إِنْ شِئْتَ.
قَالَ: فَأَذِنْتُ لَهُ، فَدَخَلَ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: أَنْتَ الَّذِي تَزْعُمُ أَنَّكَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا.
قَالَ: مَا قُلْتُ هَذَا.
قَالَ: أَنَا أُقِيمُ عَلَيْكَ الْبَيِّنَةَ.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَكَ لَا أَدْرِي مَا بَيِّنَتُكَ، وَقَدْ عَرَفْتَ كَيْفَ قُلْتُ، قَالَ: فَكَيْفَ قُلْتَ، قَالَ: قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِليَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي الَّذِي يَأْخُذُ بِالْعَهْدِ الَّذِي تَرَكْتُهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَلْحَقَنِي وَكُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ مِنَ الدُّنْيَا» .
قَالَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْحَقْ بِمُعَاوِيَةَ فَأَخْرِجْهُ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمَ إِلَى الشَّامِ أَخَذَ يُعَلِّمُ النَّاسَ، فَأَبْكَى عُيُونَهُمْ وَأَحْزَنَ صُدُورَهُمْ، وَكَانَ فِيمَا يَقُولُ: لَا يَبِيتَنَّ أَحَدُكُمْ وَفِي بَيْتِهِ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِلَّا شَيْءٌ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ يُعِدُّهُ لِغَرِيمٍ، فَأَبْكَى مُعَاوِيَةَ وَالنَّاسَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ بِأَلْفِ دِينَارٍ فَأَرَادَ أَنْ يُخَالِفَ قَوْلُهُ فِعْلَهُ، وَسَرِيرَتُهُ عَلَانِيَتَهُ، فَأَخَذَ الْأَلْفَ وَقَسَّمَهُ كُلَّهُ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَدَعَا مُعَاوِيَةُ الرَّسُولَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ وَقُلْ لَهُ: إِنَّمَا أَرْسَلَنِي بِالْأَلْفِ دِينَارٍ إِلَى غَيْرِكَ فَأَخْطَأْتُ بِهِ إِلَيْكَ، فَجَاءَهُ الرَّسُولُ وَقَالَ لَهُ: أَنْقِذْنِي مِنْ عَذَابِ مُعَاوِيَةَ، فَإِنَّمَا أَرْسَلَنِي بِأَلْفٍ إِلَى غَيْرِكَ، فَأَخْطَأْتُ بِهِ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْكَ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِلرَّسُولِ: أَقْرِئْ مُعَاوِيَةَ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: مَا أَصْبَحَ عِنْدَنَا مِنْ دَنَانِيرِكَ شَيْءٌ فَإِنْ أَرَدْتَهَا فَانْتَظِرْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ نَجْمَعْهَا لَكَ، فَلَمَّا رَأَى مُعَاوِيَةَ أَنَّ فِعْلَهُ يُصَدِّقُ قَوْلَهُ، كَتَبَ إِلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: إِنْ كَانَ لَكَ بِالشَّامِ حَاجَةٌ، فَأَرْسِلْ إِلَى أَبِي ذَرٍّ وَاسْتَدْعِهِ: قَالَ: فَكَتَبَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنِ الْحَقْ بِي قَالَ: فَقَدِمَ أَبُو ذَرٍّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَعُثْمَانُ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ﵇، وَقَالَ لَهُ: كَيْفَ أَنْتَ يَا أَبَا ذَرٍّ؟ قَالَ: بِخَيْرٍ، فَكَيْفَ أَنْتُمْ؟ ثُمَّ خَرَجَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَامَ أَبُو ذَرٍّ إِلَى سَارِيَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَعَدَ، وَجَلَسَ إِلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا ذَرٍّ حَدِّثْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
стр. 564
قَالَ: «نَعَمْ حَدَّثَنِي حَبِيبِي أَنَّ فِي الْإِبِلِ صَدَقَةً، وَفِي الزَّرْعِ صَدَقَةً، وَفِي الدِّرْهَمِ صَدَقَةً، وَفِي الشَّاةِ صَدَقَةً، وَمَنْ بَاتَ وَفِي بَيْتِهِ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ لَا يُعِدُّهُ لِغَرِيمِهِ أَوْ يُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهُوَ كَنْزٌ يُكْوَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
قَالُوا: يَا أَبَا ذَرٍّ اتَّقِ اللَّهَ وَانْظُرْ مَا تُحَدِّثُ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ قَدْ فَشَتْ فِي النَّاسِ، فَقَالَ: أَمَا تَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤] ، فَمَكَثَ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَالَ: الْحَقْ بِالرِّبْذَةِ، وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ، فَخَرَجَ إِلَى الرِّبْذَةِ فَوَجَدَهُمْ يَؤُمُّهُمْ أَسْوَدُ، فَقِيلَ لِأَبِي ذَرٍّ: تَقَدَّمْ فَأَبَى وَصَلَّى خَلْفَ الْأَسْوَدِ، وَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ لِي: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ صَلَّيْتَ خَلْفَ أَسْوَدَ» ، وَمَكَثَ هُنَاكَ حَتَّى مَاتَ ﵀
٩٤٤ - وَرُوِيَ عَنِ امْرَأَةِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , قَالَتْ: لَمَّا حَضَرَ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ بَكَيْتُ قَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ قُلْتُ: تَمُوتُ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لِي ثَوْبٌ أُكَفِّنُكَ فِيهِ، قَالَ: لَا تَبْكِي وَأَبْشِرِي فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ لِنَفَرٍ كُنْتُ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفَرِ أَحَدٌ، إِلَّا وَقَدْ هَلَكَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ إِلَّا أَنَا، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كَذَبْتُ، فَأَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ فَأَبْصِرِي الطَّرِيقَ» قَالَتْ: فَقُلْتُ قَدْ ذَهَبَ الْحَاجُّ وَانْقَطَعَ الطَّرِيقُ، فَكُنْتُ أَقُومُ عَلَى كَثِيبٍ، فَأَنْظُرُ فَأَرْجِعُ إِلَيْهِ فَأُمَرِّضُهُ، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إِذَا بِنَفَرٍ عَلَى رِحَالِهِمْ، فَأَلَحْتُ إِلَيْهِمْ بِثَوْبِي فَأَسْرَعُوا إِلَيَّ، فَقَالُوا: يَا أَمَةَ اللَّهِ مَا لَكِ؟ قُلْتُ، رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ فَكَفِّنُوهُ.
قَالُوا: وَمَنْ هَذَا قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ قَالُوا: صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَفَدَوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ، فَأَسْرَعُوا حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، وَسَلَّمُوا فَرَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: أَبْشِرُوا فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ: «لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ فِي فَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ الْقَوْمِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ هَلَكَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ إِلَّا أَنَا، فَأَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ، وَأَنْتُمْ أُولَئِكَ الْعِصَابَةُ، وَلَوْ كَانَ لِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَنًا أَوْ لِامْرَأَتِي لَمْ أُكَفَّنْ إِلَّا فِي ثَوْبٍ لِي، أَوْ لِأَهْلِي، وَإِنِّي أُنْشِدُكُمْ بِاللَّهِ لَا يُكَفِّنُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ بَرِيدًا، أَوْ عَرِيفًا، أَوْ نَقِيبًا، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْمِ إِلَّا قَدْ أَصَابَ ذَلِكَ
стр. 565
أَوْ بَعْضَ ذَلِكَ، إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ» فَقَالَ: يَا عَمُّ أَنَا أُكَفِّنُكَ فَإِنِّي لَمْ أُصِبْ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتَ، أُكَفِّنُكَ فِي رِدَائِي هَذَا، أَوْ فِي ثَوْبَيْنِ، أَوْ فِي عَبَاءَتَيْنِ مِنْ غَزْلِ أُمِّي؟ قَالَ: أَنْتَ تُكَفِّنِّي، فَمَاتَ فَكَفَّنَهُ الْأَنْصَارِيُّ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ شَهِدُوهُ، وَكُلُّهُمْ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ فَرَجَعُوا مَسْرُورِينَ بِمَا سَمِعُوا مِنْهُ
стр. 566
بَابُ: الِاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ
٩٤٥ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عُرْوَةِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟» قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَقِيَامُ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يُطْفِئُ كُلَّ خَطِيئَةٍ»
٩٤٦ - قَالَ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا مُؤَمِّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ وَاصِلِ بْنِ يَسَارٍ , عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا» يَعْنِي مَا لَمْ يَخْرِقْهَا بِالْغِيبَةِ
قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ أَحْمَدَ , رَفَعَهُ إِلَى الْحَسَنِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: «أَرْبَعٌ مِنْ زَادِ الْآخِرَةِ الصَّوْمُ صِحَّةُ النَّفْسِ، وَالصَّدَقَةُ سِتْرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ، وَالصَّلَاةُ تُقَرِّبُ الْعَبْدَ إِلَى رَبِّهِ، وَالدُّمُوعُ تَمْحُو الْخَطِيئَةَ»
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يُقَالُ أَصْلُ الطَّاعَةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالْحُبُّ فَعَلَامَةُ الْخَوْفِ، تَرْكُ الْمَحَارِمِ، وَعَلَامَةُ الرَّجَاءِ الرَّغْبَةُ فِي الطَّاعَةِ،
стр. 567
وَعَلَامَةُ الْحُبِّ الشَّوْقُ، وَالْإِنَابَةُ.
وَأَصْلُ الْمَعْصِيَةِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: الْكِبْرُ، وَالْحِرْصُ، وَالْحَسَدُ، فَأَمَّا الْكِبْرُ فَقَدْ ظَهَرَ مِنْ إِبْلِيسَ حَيْثُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ، فَاسْتَكْبَرَ حَتَّى صَارَ مَلْعُونًا، وَأَمَّا الْحِرْصُ فَقَدْ ظَهَرَ عَلَى آدَمَ ﵇، حَيْثُ تَنَاوَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ لِكَيْ يَخْلُدَ فِي الْجَنَّةِ، فَأُخْرِجَ مِنْهَا، وَأَمَّا الْحَسَدُ فَقَدْ ظَهَرَ عَلَى ابْنِ آدَمَ قَابِيلَ، فَقَتَلَ أَخَاهُ حَتَّى أُدْخِلَ النَّارَ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْتَنِبَ الْمَعَاصِي، وَيَجْتَهِدَ فِي الطَّاعَةِ، وَيُخْلِصَ فِي طَاعَتِهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى
٩٤٧ - فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَخْلَصَ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ تَعَالَى أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الْحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ» وَيُقَالُ: ثَلَاثَةٌ يَزْرَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ فِي الْقُلُوبِ الْمَقْتَ، وَيُوجِبُونَ السُّخْطَ، وَيَهْدِمُونَ مَا يَبْنُونَ: أَحَدُهُمْ: الْمُشْتَغِلُ بِعُيُوبِ النَّاسِ، وَالثَّانِي: الْمُعْجَبُ بِنَفْسِهِ، وَالثَّالِثُ: الْمُرَائِي بِعَمَلِهِ، وَثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ يَزْرَعُونَ الْمَحَبَّةَ فِي الْقُلُوبِ وَيَرِثُونَ الْعَافِيَةَ وَالْمَنْزِلَةَ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: أَحَدُهُمْ: صَاحِبُ الْخُلُقِ الْحَسَنِ، وَالثَّانِي: الْمُخْلِصُ بِعَمَلِهِ، وَالثَّالِثُ: الْمُتَوَاضِعُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , أَنَّهُ قَالَ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، فَإِنَّهُ أَيْسَرُ وَأَهْوَنُ لِحِسَابِكُمْ، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَجَهَّزُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ، لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: النَّاسُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ:
стр. 568
رَجُلٌ يَشْغَلُهُ مَعَادُهُ عَنْ مَعَاشِهِ، وَرَجُلٌ يَشْغَلُهُ مَعَاشُهُ عَنْ مَعَادِهِ، وَرَجُلٌ مُشْتَغِلٌ بِهِمَا جَمِيعًا، فَالْأَوَّلُ: دَرَجَةُ الْفَائِزِينَ الْعَابِدِينَ وَالثَّانِي: دَرَجَةُ الْهَالِكِينَ، وَالثَّالِثُ: دَرَجَةُ المُخَاطِرِينَ وَذُكِرَ عَنْ حَاتِمٍ الزَّاهِدِ , أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعَةٌ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهَا إِلَّا أَرْبَعَةٌ قَدْرُ الشَّبَابِ لَا يَعْرِفُ قَدْرَهُ إِلَّا الشُّيُوخُ، وَلَا يَعْرِفُ قَدْرَ الْعَافِيَةِ إِلَّا أَهْلُ الْبَلَاءِ، وَلَا قَدْرَ الصِّحَّةِ إِلَّا الْمَرْضَى، لَا قَدْرَ الْحَيَاةِ إِلَّا الْمَوْتَى
٩٤٨ - قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: هَذَا مُسْتَخْرَجٌ مِنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : " اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ " فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَعْرِفَ قَدْرَ حَيَاتِهِ، وَيَغْتَنِمَ كُلَّ سَاعَةٍ تَأْتِي عَلَيْهِ وَيَقُولَ لَا أَدْرِي كَيْفَ يَكُونُ حَالِي فِي سَاعَةٍ أُخْرَى، وَيَتَفَكَّرَ فِي نَدَامَةِ الْمَوْتَى وَإِنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ الْحَيَاةَ مِقْدَارَ رَكْعَتَيْنِ، أَوْ مِقْدَارَ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنَّكَ قَدْ نِلْتَهَا، فَاجْتَهِدْ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكَ وَقْتُ النَّدَامَةِ وَالْحَسْرَةِ وَقِيلَ لِحَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَلَامَ بَنَيْتَ عَمَلَكَ؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعٍ: أَحَدُهَا: إِنِّي عَلِمْتُ أَنَّ لِي رِزْقًا لَا يُجَاوِزُنِي إِلَى غَيْرِي كَمَا لَا يُجَاوِزُ رِزْقُ أَحَدٍ إِلَيَّ فَوَثِقْتُ بِهِ.
وَالثَّانِي: عَلِمْتُ أَنَّ عَلَيَّ فَرْضًا لَا يُؤَدِّيهِ غَيْرِي، فَأَنَا مَشْغُولٌ بِهِ.
وَالثَّالِثُ: عَلِمْتُ أَنَّ رَبِّي يَرَانِي كُلَّ وَقْتٍ، فَأَسْتَحِي مِنْهُ.
وَالرَّابِعُ: عَلِمْتُ أَنَّ لِي أَجَلًا يُبَادِرُنِي، فَأَنَا أُبَادِرُهُ.
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْأَجَلِ، الِاسْتِعْدَادُ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَالِامْتِنَاعُ عَمَّا نَهَى اللَّهُ، وَالتَّضَرُّعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِكَيْ يُثَبِّتَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَجْعَلَ خَاتِمَتَهُ فِي خَيْرٍ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ لَا يَجِدُ الرَّجُلُ حَلَاوَةَ الْعِبَادَةِ، حَتَّى يَدْخُلَ فِي الْعِبَادَةِ بِالنِّيَّةِ، وَيَرَى الْمِنَّةَ لِلَّهِ، وَيَعْمَلَ بِالْخَشْيَةِ، وَيُسَلِّمُهُ بِالْإِخْلَاصِ، لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَ فِيهِ بِالنِّيَّةِ، فَيَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَفَّقَهُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ، وَإِذَا رَأَى لِلَّهِ عَلَيْهِ الْمِنَّةَ فَيَدْخُلَ فِيهِ بِالشُّكْرِ، فَكَانَ لَهُ مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾
стр. 569
[إبراهيم: ٧] ، وَإِذَا عَمِلَهُ بِالْخَشْيَةِ وَجَبَ ثَوَابُهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] ، وَالثَّوَابُ فِي الدُّنْيَا، هُوَ الْحَلَاوَةُ فِي الطَّاعَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ وَإِذَا سَلَّمَهُ بِالْإِخْلَاصِ تَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنْهُ، وَعَلَامَةُ الْقَبُولِ أَنْ يُوَفِّقَهُ لِطَاعَةٍ هِيَ أَرْفَعُ مِنْهُ.
وَيُقَالُ: عَلَامَةُ الِاغْتِرَارِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا أَنْ يَجْمَعَ مَا لَا يُخَلِّفُهُ، وَالثَّانِي: زِيَادَةُ الذُّنُوبِ تَهْلُكَةٌ، وَالثَّالِثُ: تَرْكُ عَمَلٍ يُنْجِيهِ، وَعَلَامَةُ الْمُنِيبِ يَعْنِي الْمُقْبِلَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ثَلَاثُ أَنْ يَجْعَلَ قَلْبَهُ لِلتَّفَكُّرِ، وَالثَّانِي أَنْ يَجْعَلَ لِسَانَهُ لِلذِّكْرِ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَجْعَلَ بَدَنَهُ لِلْخِدْمَةِ.
وَيُقَالُ: لِلْمُخَادِعِ نَفْسَهُ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ، أَحَدُهَا أَنْ يُبَادِرَ إِلَى شَهَوَاتٍ وَيَأْمَنَ الزَّلَلَ، وَالثَّانِي: يُسَوِّفُ التَّوْبَةَ بِطُولِ الْأَمَلِ، وَالثَّالِثُ: يَرْجُو الْآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مَنِ ادَّعَى ثَلَاثًا بِغَيْرِ ثَلَاثٍ، فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَسْخَرُ مِنْهُ أَوَّلُهَا، مَنِ ادَّعَى حَلَاوَةَ ذِكْرِ اللَّهِ مَعَ حُبِّ الدُّنْيَا، وَالثَّانِي: مَنِ ادَّعَى رِضَا خَالِقِهِ مِنْ غَيْرِ سَخَطِ نَفْسِهِ، وَالثَّالِثُ: مَنِ ادَّعَى الْإِخْلَاصَ مَعَ حُبِّ ثَنَاءِ الْمَخْلُوقِينَ.
وَعَنْ أَبِي نُضْرَةَ , قَالَ: أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، فَلَمْ يَزْدَدْ بِهِنَّ خَيْرًا، فَذَاكَ الَّذِي لَمْ يَتَقَبَّلِ اللَّهُ مِنْهُ عَمَلَهُ ذَلِكَ، أَوَّلُهَا: مَنْ غَزَا ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمْ يَزْدَدْ خَيْرًا، فَذَاكَ آيَةُ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَبَّلِ اللَّهُ مِنْهُ، وَمَنْ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يَزْدَدْ خَيْرًا فَذَاكَ آيَةُ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَبَّلِ اللَّهُ مِنْهُ، وَمَنْ حَجَّ فَرْضًا فَلَمْ يَزْدَدْ خَيْرًا، فَذَاكَ آيَةُ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَبَّلِ اللَّهُ مِنْهُ، وَمَنْ مَرِضَ فَعُوفِيَ فَلَمْ يَزْدَدْ خَيْرًا، فَذَاكَ آيَةُ أَنَّهُ لَمْ تُكَفَّرْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ وَيُقَالُ: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ حَتَّى يَصْلُحَ عَمَلُهُ، وَلَا يَضِيعَ اجْتِهَادُهُ، أَوَّلُهَا: الْعِلْمُ لِيَكُونَ عِلْمُهُ حُجَّةً، وَالثَّانِي: التَّوَكُّلُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ فِي الْعِبَادَةِ فَرَاغٌ، وَمِنَ الْخَلْقِ أَيَّاسٌ،
стр. 570
وَالثَّالِثُ: الصَّبْرُ لِيُتِمَّ بِهِ الْعَمَلَ، وَالرَّابِعُ: الْإِخْلَاصُ لِيَنَالَ بِهِ الْأَجْرَ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا طَلَبَ رَجُلٌ هَذَا الْخَيْرَ، يَعْنِي الْجَنَّةَ، إِلَّا اجْتَهَدَ وَنَحَلَ وَذَبُلَ، وَاسْتَمَرَّ أَيِ اسْتَقَامَ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠] .
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: عَلَامَةُ الَّذِي اسْتَقَامَ أَنْ يَكُونَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْجَبَلِ، لِأَنَّ الْجَبَلَ لَهُ أَرْبَعُ عَلَامَاتٍ أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يُذِيبُهُ الْحَرُّ، وَالثَّانِي: لَا يُجَمِّدُهُ الْبَرْدُ، وَالثَّالِثُ: لَا تُحَرِّكُهُ الرِّيحُ، وَالرَّابِعُ: لَا يُذْهِبُهُ السَّيْلُ، فَكَذَا الْمُسْتَقِيمُ لَهُ أَرْبَعُ عَلَامَاتٍ.
أَحَدُهَا: إِذَا أَحْسَنَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ لَا يَحْمِلُهُ إِحْسَانُهُ عَلَى أَنْ يَمِيلَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالثَّانِي: إِذَا أَسَاءَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ لَا يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَالثَّالِثُ: أَنَّ هَوَى نَفْسِهِ لَا يُحَوِّلُهُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالرَّابِعُ: أَنَّ حُطَامِ الدُّنْيَا لَا يَشْغَلُهُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ .
وَيُقَالُ: سَبَعَةُ أَشْيَاءَ مِنْ كُنُوزِ الْبِرِّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
أَوَّلُهَا: الْإِخْلَاصُ فِي الْعِبَادَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥] ، وَالثَّانِي: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ لِقَوْلِهِ : ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] ، وَالثَّالِثُ: صِلَةُ الرَّحِمِ لِقَوْلِهِ : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] ، وَالرَّابِعُ: أَدَاءُ الْأَمَانَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] الْآيَةَ.
стр. 571
وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يُطِيعَ أَحَدًا فِي الْمَعْصِيَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٦٤] ، وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهَوَى نَفْسِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] ، وَالسَّابِعُ: أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الطَّاعَةِ، وَيَخَافَ اللَّهَ تَعَالَى، وَيَرْجُو ثَوَابَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦] ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ إِنْسَانٍ أَنْ يَكُونَ خَائِفًا بَاكِيًا فَإِنَّ الْأَمْرَ شَدِيدٌ.
وَرُوِيَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ عِيسَى ﵊، مَرَّ بِقَرْيَةٍ، وَفِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ جَبَلٌ، وَفِي الْجَبَلِ بُكَاءٌ وَانْتِحَابٌ كَثِيرٌ فَقَالَ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ: مَا هَذَا الْبُكَاءُ وَهَذَا الِانْتِحَابُ فِي هَذَا الْجَبَلِ؟ قَالُوا يَا عِيسَى: مُنْذُ سَكَنَّا هَذِهِ الْقَرْيَةَ نَسْمَعُ هَذَا الْبُكَاءَ، وَهَذَا الِانْتِحَابُ بِهَذَا الْجَبَلُ، فَقَالَ عِيسَى ﵇: يَا رَبُّ ائْذَنْ لِهَذَا الْجَبَلِ أَنْ يُكَلِّمَنِي، فَأَنْطَقَ اللَّهُ الْجَبَلَ، فَقَالَ: يَا عِيسَى مَا أَرَدْتَ مِنِّي؟ قَالَ: أَخْبِرْنِي بِبُكَائِكَ وَانْتِحَابِكَ مَا هُوَ؟ قَالَ: يَا عِيسَى أَنَا الْجَبَلُ الَّذِي كَانَتْ تَنْحَتُ مِنِّي الْأَصْنَامُ، الَّتِي يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَأَخَافُ أَنْ يُلْقِيَنِي اللَّهُ تَعَالَى فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] ، فأوحى الله تعالى إلى عيسى ﵊، أَنْ قُلْ لِلْجَبَلِ: اسْكُنْ فَإِنِّي قَدْ أَعَذْتُهُ مِنْ جَهَنَّمَ، فَالْحِجَارَةُ مَعَ صَلَابَتِهَا وَشِدَّتِهَا، تَخَافُ اللَّهَ فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْمِسْكِينُ الضَّعِيفُ ابْنُ آدَمَ يَخَافُ مِنَ النَّارِ، وَلَا يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْهَا، يَا ابْنَ آدَمَ احْذَرْ مِنْهَا، وَإِنَّمَا الْحَذَرُ مِنْهَا بِاجْتِنَابِ الذُّنُوبِ فَإِنَّ الذُّنُوبَ تَسْتَوْجِبُ عَلَى الْعَبْدِ سَخَطَ اللَّهِ تَعَالَى وَعَذَابَهُ، وَلَا طَاقَةَ لَكَ بِعَذَابِ اللَّهِ تَعَالَى.
٩٤٩ - وَرُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، دَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي نَبِيًّا، وَأَرْسَلَنِي رَسُولًا، وَاخْتَارَكُمْ لِنَبِيِّهِ، وَأَشْهَدَنِي عَلَيْكُمْ، وَأَشْهَدَكُمْ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَالْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ» فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، يُقَالُ لَهُ قَيْسُ بْنُ عُرْوَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ نَشْهَدُ عَلَى الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَلَمْ نَكُنْ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا فِي زَمَانِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 572
«يَا ابْنَ عُرْوَةَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَبُدِّلَتِ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ، وَطُوِيَتِ السَّمَوَاتُ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكِتَابِ، وَحُشِرَ الْخَلَائِقُ فَمِنْهُمْ سُودُ الْوُجُوهِ، وَمِنْهُمْ بِيضُ الْوُجُوهِ فَيَقِفُونَ أَرْبَعِينَ عَامًا» .
قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاذَا تَنْتَظِرُونَ؟ قَالَ: الصَّيْحَةَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] ، يَعْنِي تَحْرِيكَ الشَّفَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ وَهُمْ يُسَاقُونَ إِلَى أَرْضٍ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْهَا الدِّمَاءُ، ثُمَّ يُؤْتَى بِالْبَهَائِمِ فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ يُقَالُ لَهَا: كُونِي تُرَابًا فَتَكُونُ تُرَابًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: ٤٠] ، ثُمَّ يُؤْتَى بِكُلِّ نَبِيٍّ وَأُمَّتِهِ، وَيُحْكَمُ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فَفَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَيْنَ نُوحٌ ﵇، فَيُؤْتَى بِهِ فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا نُوحُ: هَلْ بَلَّغْتَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْتَ الْأَمَانَةَ، فَيُؤْتَى بِقَوْمِهِ فَيُقَالُ: يَا أُمَّةَ نُوحٍ: هَذَا نُوحٌ بَعَثْتُهُ لَكُمْ يَدْعُوكُمْ إِلَى كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، فَهَلْ بَلَّغَ إِلَيْكُمُ الرِّسَالَةَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَا نُوحُ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ أَنْكَرُوكَ، فَهَلْ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ بِذَلِكَ فَيَقُولُ: نَعَمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيُنَادِي مُنَادٍ يَا خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يَا صُوَّامَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَيَقُومُونَ مِنَ الصُّفُوفِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] ، فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ دَاعِيَ اللَّهِ، فَيَقُولُ : يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ هَلْ تَشْهَدُونَ لِنُوحٍ؟ فَيَقُولُونَ: أَيْ رَبِّ نَشْهَدُ أَنَّهُ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ فَتَقُولُ أُمَّةُ نُوحٍ ﵇ إِنَّ نُوحًا أَوَّلُ نَبِيٍّ وَمُحَمَّدًا آخِرُ نَبِيٍّ، فَكَيْفَ يَشْهَدُونَ لِمَنْ لَمْ يُدْرِكُوا زَمَانَهُ؟ فَيَقُولُونَ زَمَانَهُ؟ فَيَقُولُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: ١] ، الْآيَةَ.
كُنَّا قَرَأْنَاهُ إِلَى آخِرِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: صَدَقْتُمْ يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَإِنِّي آلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أُعَذِّبَ أَحَدًا إِلَّا بِحُجَّةٍ، فَتَوَاهَبُوا يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ الْمَظَالِمَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَإِنِّي قَدْ وَهَبْتُ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
стр. 573
بَابُ: عَدَاوَةِ الشَّيْطَانِ وَمَعْرِفَةِ مَكَايِدِهِ
٩٥٠ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنِي أَبِي ﵀، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْجُرْجَانِيُّ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ جَحْشٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , قَالَ: «الشَّيْطَانُ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»
قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي ﵀، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا , " فِي قَوْلِهِ : ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] ، يَعْنِي سَيِّدَ النَّاسِ.
﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢] كُلِّهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
﴿إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٣] يَقُولُ خَالِقُ النَّاسِ.
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس: ٤] يَعْنِي الشَّيْطَانَ.
﴿الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: ٤] وَهُوَ الشَّيْطَانُ.
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ﴿٥﴾ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٥-٦] ، يَقُولُ: يَدْخُلُ فِي صُدُورِ الْجِنِّ كَمَا يَدْخُلُ فِي صُدُورِ الْإِنْسِ، فَيُوَسْوِسُ فِي صُدُورِهِمْ، فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ خَنَسَ، وَخَرَجَ مِنْ صُدُورِهِمْ ".
٩٥١ - وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «بُعِثْتُ دَاعِيًا وَمُبَلِّغًا، وَلَيْسَ إِلَيَّ مِنَ الْهِدَايَةِ شَيْءٌ، وَخُلِقَ إِبْلِيسُ مُزَيِّنًا وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ شَيْءٌ» .
يَعْنِي أَنَّهُ يُوَسْوِسُ
стр. 574
وَيُزَيِّنُ الْمَعْصِيَةَ، وَلَيْسَ بِيَدِهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي دَفْعِ الْوَسْوَسَةِ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَجْتَهِدَ فِي مُخَالَفَةِ عَدُوِّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] ، وَيَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَعْرِفَ صَدِيقَهُ مِنْ عَدُوِّهِ، فَيُطِيعَ صَدِيقَهُ، وَلَا يَتَّبِعُ عَدُوَّهُ، فَإِنَّهُ يُقَالُ: عَلَامَةُ الْجَاهِلِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: الْغَضَبُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ.
وَالثَّانِي: اتِّبَاعُ النَّفْسِ فِي الْبَاطِلِ، وَالثَّالِثُ: إِنْفَاقُ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقٍّ، وَالرَّابِعُ: قِلَّةُ مَعْرِفَةِ صَدِيقِهِ مِنْ عَدُوِّهِ، وَيَعْنِي يَخْتَارُ طَاعَةَ الشَّيْطَانِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَبِئْسَ الْبَدَلُ طَاعَةُ الشَّيْطَانِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ [الكهف: ٥٠] ، وَعَلَامَةُ الْعَاقِلِ أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ: الْحِلْمُ عَنِ الْجَاهِلِ، وَرَدُّ النَّفْسِ عَنِ الْبَاطِلِ، وَإِنْفَاقُ الْمَالِ فِي حَقِّهِ، وَمَعْرِفَةُ صَدِيقِهِ مِنْ عَدُوِّهِ وَذُكِرَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبَّهٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ إِبْلِيسَ لَقِيَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا ﵉ فَقَالَ لَهُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا: أَخْبِرْنِي عَنْ طَبَائِعِ ابْنِ آدَمَ عِنْدَكُمْ؟ فَقَالَ إِبْلِيسُ: أَمَّا صِنْفٌ مِنْهُمْ، فَهُوَ مِثْلُكَ مَعْصُومُونَ لَا تَقْدِرُ مِنْهُمْ عَلَى شَيْءٍ، وَالصِّنْفُ الثَّانِي، فَهُمْ فِي أَيْدِينَا كَالْكُرَةِ فِي أَيْدِي صِبْيَانِكُمْ، وَقَدْ كَفَوْنَا أَنْفُسَهُمْ، وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ، فَهُمْ أَشَدُّ الْأَصْنَافِ عَلَيْنَا، فَنُقْبِلُ عَلَى أَحَدِهِمْ حَتَّى نُدْرِكَ مِنْهُ حَاجَتَنَا، ثُمَّ يَفْزَعَ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ فَيُفْسِدُ بِهِ عَلَيْنَا مَا أَدْرَكْنَا مِنْهُ، فَلَا نَحْنُ نَيْئَسُ مِنْهُ وَلَا نَحْنُ نُدْرِكُ حَاجَتَنَا مِنْهُ وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: نَظَرْتُ وَتَفَكَّرْتُ مِنْ أَيِّ بَابٍ يَأْتِي الشَّيْطَانُ إِلَى الْإِنْسَانِ، فَإِذَا هُوَ يَأْتِي مِنْ عَشْرَةِ أَبْوَابٍ: أَوَّلُهَا: يَأْتِي مِنْ قِبَلِ الْحِرْصِ وَسُوءِ الظَّنِّ، فَقَابَلْتُهُ بِالثِّقَةِ وَالْقَنَاعَةِ فَقُلْتُ بِأَيِّ آيَةٍ أَتَقَوَّى عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَجَدْتُ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ، الْآيَةُ.
فَكَسَرْتُهُ بِذَلِكَ.
стр. 575
وَالثَّانِي نَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْحَيَاةِ، وَطُولِ الْأَمَلِ فَقَابَلْتُهُ بِخَوْفِ مُفَاجَأَةِ الْمَوْتِ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ آيَةٍ أَتَقَوَّى عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] ، فَكَسَرْتُهُ بِذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ: نَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِي مِنْ قِبَلِ الرَّاحَةِ، وَطَلَبِ النِّعْمَةِ، فَقَابَلْتُهُ بِزَوَالِ النِّعْمَةِ وَسُوءِ الْحِسَابِ، فَقُلْتُ بِأَيِّ آيَةٍ أَتَقَوَّى عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣] ، الْآيَةَ.
وَيَقُولُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥] ، الْآيَةَ، فَكَسَرْتُهُ بِذَلِكَ.
وَالرَّابِعُ: نَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِي مِنْ بَابِ الْعُجْبِ، فَقَابَلْتُهُ بِالْمِنَّةِ، وَخَوْفِ الْعَاقِبَةِ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ آيَةٍ أَتَقَوَّى عَلَيْهِ فَوَجَدْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] ، فَلَا أَدْرِي مِنْ أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَكُونُ فَكَسَرْتُهُ بِهَا.
وَالْخَامِسُ: رَأَيْتُهُ يَأْتِي مِنْ بَابِ الِاسْتِخْفَافِ بِالْإِخْوَانِ، وَقِلَّةِ حُرْمَتِهِمْ فَقَابَلْتُهُ بِمَعْرِفَةِ حَقِّهِمْ، وَحُرْمَتِهِمْ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ آيَةٍ أَتَقَوَّى عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] ، فَكَسَرْتُهُ بِهَا.
وَالسَّادِسُ: نَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ يَأْتِي مِنْ بَابِ الْحَسَدِ، فَقَابَلْتُهُ بِالْعَدْلِ، وَقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ آيَةٍ أَتَقَوَّى عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢] ، فَكَسَرْتُهُ بِهَا.
وَالسَّابِعُ: نَظَرْتُ، فَإِذَا هُوَ يَأْتِي مِنْ قِبَلِ الرِّيَاءِ وَمَدْحِ النَّاسِ، فَقَابَلْتُهُ بِالْإِخْلَاصِ فَقُلْتُ: بِأَيِّ آيَةٍ أَتَقَوَّى عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠] ، يَعْنِي مُخْلِصًا فَكَسَرْتُهُ بِهَا.
وَالثَّامِنُ: نَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِي مِنْ بَابِ الْبُخْلِ، فَقَابَلْتُهُ بِفَنَاءِ مَا فِي أَيْدِي الْخَلْقِ، وَبَقَاءِ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقُلْتُ بِأَيِّ آيَةٍ أَتَقَوَّى عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] ، فَكَسَرْتُهُ بِهَا.
стр. 576
وَالْعَاشِرُ: نَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِي مِنْ بَابِ الطَّمَعِ، فَقَابَلْتُهُ بِالْإِيَاسِ مِنَ النَّاسِ، وَالثِّقَةِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ، فَقُلْتُ: بِأَيِّ آيَةٍ أَتَقَوَّى عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿٢﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢-٣] .
وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ أَنَّ إِبْلِيسَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، جَاءَ إِلَى مُوسَى ﵊، وَهُوَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَقَالَ لَهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: وَيْحَكَ مَا تَرْجُو مِنْهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ، فَقَالَ: أَرْجُو مِنْهُ مَا رَجَوْتُ مِنْ أَبِيهِ آدَمَ وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ.
وَيُقَالُ: إِذَا حَضَرَ وَقْتُ الصَّلَاةِ أَمَرَ إِبْلِيسُ جُنُودَهُ بِأَنْ يَتَفَرَّقُوا، وَيَأْتُوا النَّاسَ، ويشغلوهم عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَيَجِيءُ الشَّيْطَانُ إِلَى مَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ، فَيَشْغَلُهُ لِيُؤَخِّرَهَا عَنْ وَقْتِهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَمَرَ إِبْلِيسُ بِأَنْ يُوَثَّقَ الشَّيْطَانُ، وَيُقْذَفُ بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُكْرِمُهُ وَيُبَجِّلُهُ، وَقَالَ اللَّهُ حِكَايَةً عَنْ إِبْلِيسَ: ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] ، يَعْنِي عَلَى طَرِيقِ الْإِسْلَامِ وَلَأَرْصُدَنَّهُمْ وَلَأَصُدَّنَّهُمْ.
﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] ، يَعْنِي مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ حَتَّى أَجْعَلَهُمْ فِي الشَّكِّ ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمُ الدُّنْيَا حَتَّى يَطْمَئِنُّوا إِلَيْهَا ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] يَعْنِي آتِيهِمْ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَالطَّاعَةِ.
﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] ، يَعْنِي مِنْ جِهَةِ الْمَعَاصِي.
﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] ، يَعْنِي عَلَى نِعَمَكَ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أخُرْى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧] ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الشَّيْطَانَ عَدُوٌّ لِبَنِي آدَمَ، وَيُرِيدُ ضَلَالَتَهُمْ لِيَجُرَّهُمْ مَعَ نَفْسِهِ إِلَى النَّارِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي مُجَاهَدَتِهِ لِكَيْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ عَدُوٌّ ظَاهِرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنِ أَيْضًا أَعْدَاءٌ سِوَى الشَّيْطَانِ
٩٥٢ - كَمَا رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ بَيْنَ خَمْسِ شَدَائِدَ، مُؤْمِنٍ يَحْسُدُهُ، وَمُنَافِقٍ يُبْغِضُهُ، وَعَدُوٍّ يُقَاتِلُهُ، وَشَيْطَانٍ يُضِلُّهُ، وَنَفْسٍ تُغْوِيهِ» يَعْنِي أَنَّ النَّفْسَ مَائِلَةٌ إِلَى مَا هُوَ سَبَبُ ضَلَالَتِهِ وَإِغْوَائِهِ،
стр. 577
فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى لِيُقَوِّيَهُ عَلَى أَعْدَائِهِ، وَيُوَفِّقَهُ لِمَا يُحِبُّ وَيَرْضَى، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
وَرَوَى صَالِحٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ , قَالَ: " بَيْنَمَا مُوسَى جَالِسٌ فِي بَعْضِ مَجَالِسِهِ إِذْ جَاءَهُ إِبْلِيسُ وَعَلَيْهِ بُرْنُس مُتَلَوِّنٌ يَعْنِي قَلَنْسُوَةً ذَاتَ أَلْوَانٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ خَلَعَ الْبُرْنُسَ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا إِبْلِيسُ.
قَالَ: فَمَا جَاءَ بِكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ لِمَكَانِكَ مِنَ اللَّهِ ، قَالَ: فَمَا الْبُرْنُسَ الَّذِي كَانَ عَلَيْكَ؟ قَالَ: بِهِ أَخْتَطِفُ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ.
قَالَ: أَخْبِرْنِي مَا الذَّنْبُ الَّذِي إِذَا أَذْنَبَ ابْنُ آدَمَ اسْتَحْوَذْتَ عَلَيْهِ، يَعْنِي غَلَبْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: إِذَا أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وَاسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ وَنَسِيَ ذَنْبَهُ اسْتَحْوَذْتُ عَلَيْهِ "
٩٥٢ - وَذُكِرَ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِبْلِيسَ أَنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدًا ﷺ ، وَيُجِيبُهُ عَنْ كُلِّ مَا يَسْأَلُهُ فَجَاءَهُ عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ وَبِيَدِهِ عُكَّازٌ فَقَالَ لَهُ «مَنْ أَنْتَ» ؟ قَالَ: أَنَا إِبْلِيسُ.
فَقَالَ: «لِمَا جِئْتَ» ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَكَ، وَأُجِيبَكَ عَنْ كُلِّ مَا تَسْأَلُنِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا مَلْعُونُ كَمْ أَعْدَاؤُكَ مِنْ أُمَّتِي» ؟ قَالَ: خَمْسَةُ عَشَرَ أَوَّلُهُمْ: أَنْتَ، وَالثَّانِي: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَالثَّالِثُ: غَنِيٌّ مُتَوَاضِعٌ، وَالرَّابِعُ: تَاجِرٌ صَادِقٌ.
وَالْخَامِسُ: عَالِمٌ تَخَشَّعَ، وَالسَّادِسُ: مُؤْمِنٌ نَاصِحٌ، وَالسَّابِعُ: مُؤْمِنٌ رَحِيمُ الْقَلْبِ، وَالثَّامِنُ: تَائِبٌ ثَابِتٌ عَلَى التَّوْبَةِ، وَالتَّاسِعُ: مُتَوَرِّعٌ عَنِ الْحَرَامِ، وَالْعَاشِرُ: مُؤْمِنٌ حَسِنُ الْخُلُقِ , وَالْحَادِي عَشَرَ: مُؤْمِنٌ كَثِيرُ الصَّدَقَةِ , وَالثَّانِي عَشَرَ: مُؤْمِنٌ يُدِيمُ عَلَى الطَّهَارَةِ مَعَ النَّاسِ، وَالثَّالِثُ عَشَرَ: مُؤْمِنٌ يَنْفَعُ النَّاسَ، وَالرَّابِعُ عَشَرَ: حَامِلُ الْقُرْآنِ يُدِيمُ عَلَى تِلَاوَتِهِ، وَالْخَامِسُ عَشَرَ: قَائِمٌ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «وَمَنْ رُفَقَاؤُكَ مِنْ أُمَّتِي» ؟ قَالَ: عَشَرَةٌ: أَوَّلُهَا: سُلْطَانٌ جَائِرٌ، وَالثَّانِي: غَنِيٌّ مُتَكَبِّرٌ، وَالثَّالِثُ: تَاجِرٌ خَائِنٌ، وَالرَّابِعُ: شَارِبُ الْخَمْرِ، وَالْخَامِسُ: الْقَتَّاتُ، وَالسَّادِسُ: صَاحِبُ الزِّنَا، وَالسَّابِعُ: آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالثَّامِنُ: الْمُتَهَاوِنُ بِالصَّلَاةِ، وَالتَّاسِعُ: مَانِعُ الزَّكَاةِ، وَالْعَاشِرُ: الَّذِي يُطِيلُ الْأَمَلَ فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابِي وَإِخْوَانِي
٩٥٣ - وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ، أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ مُتَعَبِّدٌ فِي صَوْمَعَةٍ يُقَالُ لَهُ بِرْصِيصٌ الْعَابِدُ، كَانَ مُسْتَجَابَ الدَّعْوَةَ، وَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ بِمَرِيضِهِمْ، فَكَانَ يَدْعُو فَيَبْرَأَ
стр. 578
الْمَرِيضُ، فَدَعَا إِبْلِيسُ الشَّيَاطِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَقَالَ: مَنْ يَفْتِنُ هَذَا فَإِنَّهُ قَدْ أَعْيَاكُمْ؟ قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ: أَنَا أَفْتِنُهُ، فَإِنْ لَمْ أَفْتِنْهُ، فَلَسْتُ لَكَ بِوَلِيٍّ، فَقَالَ لَهُ إِبْلِيسُ: أَنْتَ لَهُ، فَانْطَلَقَ الشَّيْطَانُ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَهُ ابْنَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ، وَهِيَ جَالِسَةٌ مَعَ أَبِيهَا، وَأُمِّهَا، وَأَخَوَاتِهَا، فَخَبَّلَهَا فَفَزِعُوا لِذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، فَصَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْمَجْنُونَةِ، وَكَانَتْ عَلَى ذَلِكَ أَيَّامًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْرَأَ فُلَانَةٌ فَاذْهَبُوا بِهَا إِلَى فُلَانٍ الرَّاهِبِ يُعَوِّذُهَا وَيَدْعُو لَهَا، فَذَهَبُوا بِهَا إِلَيْهِ، فَدَعَا لَهَا فَبَرَأَتْ مِنْ عِلَّتِهَا، فَلَمَّا رَجَعُوا بِهَا عَاوَدَهَا ذَلِكَ فَأَتَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُمْ: إِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَبْرَأَ فُلَانَةٌ فَاجْعَلُوهَا عِنْدَهُ أَيَّامًا، فَانْطَلَقُوا بِهَا إِلَيْهِ لِيَضَعُوهَا عِنْدَهُ، فَأَبَى الرَّاهِبُ أَنْ يَقْبَلَهَا، فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ، وَتَرَكُوهَا عِنْدَهُ، فَكَانَ الرَّاهِبُ يَظَلُّ صَائِمًا، وَيُمْسِي قَائِمًا، فَلَا يَتَعَرَّضُ الشَّيْطَانُ لِلْجَارِيَةِ، فَإِذَا جَلَسَ الرَّاهِبُ لِيَطْعَمَ أَظْهَرَ خَبَلَهَا، وَكَشَفَهَا، فَيُعْرِضُ الرَّاهِبُ عَنْهَا بِوَجْهِهِ، حَتَّى طَالَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ يَوْمًا إِلَى عن النبي ﷺ وَجْهِهَا وَجَسَدِهَا فَرَأَى وَجْهًا وَجَسَدًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَرُبَهَا فَحَبِلَتْ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ: إِنَّكَ قَدْ أَحْبَلْتَهَا، وَلَيْسَ يُنْجِيكَ مِمَّا صَنَعْتَ بِهَا مِنْ عُقُوبَةِ الْمَلِكِ، إِلَّا أَنْ تَقْتُلَهَا وَتَدْفِنَهَا عِنْدَ صَوْمَعَتِكَ، فَإِذَا سَأَلُوكَ عَنْهَا، فَقُلْ: أَتَى عَلَيْهَا أَجَلُهَا، فَمَاتَتْ، فَإِنَّهُمْ يُصَدِّقُونَكَ، فَقَامَ إِلَيْهَا فَذَبَحَهَا وَدَفَنَهَا فَجَاءُوا يَسْأَلُونَ عَنْهَا، فَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهَا قَدْ مَاتَتْ فَصَدَّقُوهُ فَرَجَعُوا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: إِنَّهَا بَرِئَتْ وَذَهَبَتْ إِلَى مَنْزِلِهَا فَصَدَّقُوهُ فَرَجَعُوا، وَجَعَلُوا يَطْلُبُونَهَا مِنْ بُيُوتِ أَقَارِبِهَا، فَانْطَلَقَ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ الرَّاهِبَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهَا فَأَحْبَلَهَا، فَلَمَّا خَشِيَ أَنْ يُطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ ذَبَحَهَا وَدَفَنَهَا، فَرَكِبَ الْمَلِكُ فِي النَّاسِ، مُقْبِلًا نَحْوَ الرَّاهِبِ، فَحَفَرُوهَا فَوَجَدُوهَا مَذْبُوحَةً، فَأَخَذُوا الرَّاهِبَ فَصَلَبُوهُ، ثُمَّ جَاءَ الشَّيْطَانُ وَهُوَ مَصْلُوبٌ فَقَالَ: أَنَا الَّذِي فَعَلْتُ بِكَ مَا فَعَلْتُ وَأَنَا أُنْجِيكَ مِنْ ذَلِكَ وَأُخْبِرُهُمْ بِأَنَّهُ ذَبَحَهَا غَيْرُكَ، وَهُمْ يُصَدِّقُونَنِي بِذَلِكَ إِنْ أَنْتَ سَجَدْتَ لِي سَجْدَةً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَالَ: كَيْفَ أَسْجُدُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ؟ قَالَ: أَنَا أَرْضَى أَنْ تُومِئَ إِلَيَّ بِرَأْسِكَ، فَسَجَدَ لَهُ سَجْدَةً فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿١٦﴾ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا
стр. 579
فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [الحشر: ١٦-١٧] .
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: اعْلَمْ أَنَّ لَكَ أَرْبَعَةً مِنَ الْأَعْدَاءِ، فَتَحْتَاجُ أَنْ تُجَاهِدَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
أَحَدُهَا: الدُّنْيَا هِيَ غَرَّارَةٌ مَكَّارَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣] .
وَالثَّانِي: نَفْسُكَ وَهِيَ شَرُّ الْأَعْدَاءِ، وَالثَّالِثُ: الشَّيْطَانُ، وَالرَّابِعُ: شَيْطَانُ الْإِنْسِ، فَاحْذَرْهُ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْكَ مِنْ شَيْطَانِ الْجِنِّ، لِأَنَّ شَيْطَانَ الْجِنِّ يَكُونُ أَذَاهُ بِالْوَسْوَسَةِ، وَشَيْطَانَ الْإِنْسِ هُوَ رَفِيقُ السُّوءِ، يَكُونُ أَذَاهُ بِالْمُوَاجَهَةِ وَالْمُعَايَنَةِ لَا يَزَالُ يَطْلُبُ عَلَيْكَ وَجْهًا يَرُدُّكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ
٩٥٤ - وَرَوَى شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ قَالَ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، يَعْنِي حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا وَعَمِلَ الطَّاعَةَ لِكَيْ تَنْفَعَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْمَغْفِرَةَ» .
وَرُوِيَ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵊ , أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ الْعَجَبُ مِمَّنْ هَلَكَ كَيْفَ هَلَكَ، وَلَكِنَّ الْعَجَبَ مِمَّنْ نَجَا كَيْفَ نَجَا يَعْنِي أَنَّ الْجَنَّةَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَالنَّارَ قَدْ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَإِنَّ فِي كُلِّ نَفْسٍ شَيْطَانًا يُوَسْوِسُ إِلَيْهِ وَمَلَكًا يُلْهِمُهُ وَلَا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يُزَيِّنُ وَيَخْدَعُ، وَلَا يَزَالُ الْمَلَكُ يَمْنَعُهُ فَأَيُّهُمَا كَانَتِ النَّفْسُ مَعَهُ كَانَ هُوَ الْغَالِبَ
стр. 580
بَابُ: الرِّضَا
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ نَصْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الْكُوفِيُّ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ , قَالَ: أَمَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنْ آتِيَهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ، فَجِئْتُهُ يَوْمًا فَنَظَرَ إِلَيَّ مِنْ فَوْقِ حِصْنٍ لَهُ، فَأَذِنَ لِي، قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَ الْبَابَ، فَدَخَلْتُ كَمَا أَنَا، فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ عَلَى بِسَاطٍ لَهُ، وَشَاذَكُونَةٍ عَلَى قَدْرِ الْبِسَاطِ، وَهُوَ يَرْفَعُ قَمِيصًا لَهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، وَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَجْلَسَنِي عَلَى شَاذَكُونَتِهِ، ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ أُمَرَائِنَا، وَعَنْ أَمْرِ شُرَطِنَا، وَعَنْ جَلَاوِزَتِنَا، وَعَنْ سُجُونِنَا، وَعَنْ شَعَائِرِنَا كُلِّهَا، ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ خَاصَّةٍ أَمْرِي، فَلَمَّا نَهَضْتُ لِأَخْرُجَ قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا فِي أَهْلِ بَيْتِكَ مَنْ يَكْفِيكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: يَا مَيْمُونُ، يَكْفِيكَ مِنْ دُنْيَاكَ مَا بَلَّغَكَ الْمَحْلُ، نَحْنُ الْيَوْمَ هَهُنَا، وَغَدًا فِي مَكَانٍ آخَرَ ثُمَّ خَرَجْتُ وَتَرَكْتُهُ
حَدَّثَنَا أَبُو مَنْصُورٍ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَرَائِضِيُّ، بِسَمَرْقَنْدَ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ ﵏، فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل: ٥٨] ، قَالَ قَتَادَةُ: «هَذَا صَنِيعُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِخُبْثِ صَنِيعِهِمْ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ حَقِيقٌ أَنْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَقَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ قَضَاءِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَمَا قَضَى اللَّهُ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِمَّا تَكْرَهُ، خَيْرٌ مِنْ قَضَائِكَ بِمَا تُحِبُّ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَارْضَ بِقَضَائِهِ»
هَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] ، يَعْنِي مَا فِيهِ صَلَاحُكُمْ، وَصَلَاحُ دِينِكُمْ، وَدُنْيَاكُمْ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، يَعْنِي ارْضَوْا بِمَا قَضَيْتُ لَكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا فِيهِ صَلَاحُكُمْ
стр. 581
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْمَنَازِلُ أَرْبَعَةٌ: عُمْرُنَا فِي الدُّنْيَا، وَمُكْثُنَا فِي الْقَبْرِ، وَمُقَامُنَا فِي الْحَشْرِ، وَمَصِيرُنَا إِلَى الْأَبَدِ الَّذِي خُلِقْنَا لَهُ، فَمَثَلُ عُمْرِنَا فِي الدُّنْيَا، كَمَثَلِ الْمُتَعَشِّي فِي الْحَاجِّ لَا يَطْمَئِنُّونَ وَلَا يَحُلُّونَ الدَّوَابَّ وَالْأَثْقَالَ لِسُرْعَةِ الِارْتِحَالِ، وَمَثَلُ مُكْثِنَا فِي الْقَبْرِ، كَمَثَلِ النُّزُولِ فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ يَضَعُونَ الْأَثْقَالَ، وَيَسْتَرِيحُونَ يَوْمًا أَوْ لَيْلَةً، ثُمَّ يَرْتَحِلُونَ وَمَثَلُ مَقَامِنَا فِي الْحَشْرِ كَنُزُولِهِمْ بِمَكَّةَ، وَهُوَ غَايَةُ الِاجْتِمَاعِ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَقْضُونَ النُّسُكَ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا، كَذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، إِذَا فَرَغُوا مِنَ الْمُحَاسَبَةِ افْتَرَقُوا فِرَقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَفِرَقًا إِلَى السَّعِيرِ.
وَقَالَ شَقِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: سَأَلْتُ سَبْعَ مِائَةِ عَالِمٍ، عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ فَكُلُّهُمْ أَجَابُوا بِجَوَابٍ وَاحِدٍ قُلْتُ: مَنِ الْعَاقِلُ؟ قَالُوا: الْعَاقِلُ مَنْ لَمْ يُحِبَّ الدُّنْيَا.
قُلْتُ: مَنِ الْكَيِّسُ؟ قَالُوا: مَنْ لَمْ تَغُرُّهُ الدُّنْيَا.
قُلْتُ: مَنِ الْغَنِيُّ؟ قَالُوا: الَّذِي يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ.
قُلْتُ مَنِ الْفَقِيهُ؟ قَالُوا: الَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْ طَلَبِ الزِّيَادَةِ قُلْتُ: مَنِ الْبَخِيلُ؟ قَالُوا: الَّذِي يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ مَالِهِ.
وَيُقَالُ: سَخَطُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا أَنْ يُقَصِّرَ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَطْلُبَ شَيْئًا فَلَا يَجِدُهُ فَيَسْخَطَ عَلَى رَبِّهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ فِي قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ، قَالَ الْفُقَهَاءُ: مَنْ سَرَقَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ تُقْطَعُ يَدُهُ لِمَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِهَتْكِ حُرْمَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ وَمَالَ إِلَى مَالِ غَيْرِهِ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ نَكَالًا، بِمَا كَسَبَ لِيَكُونَ عِبْرَةً لِغَيْرِهِ، لِكَيْ يَرْضَى بِمَا قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، فَإِنَّ الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ: اثْنَتَا عَشْرَةَ خَصْلَةً مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
стр. 582
أَوَّلُهَا: أَنَّهُمْ كَانُوا آمِنِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَالثَّانِي: كَانُوا آيِسِينَ مِنَ الْخَلْقِ، وَالثَّالِثُ: كَانَتْ عَدَوَاتُهُمْ مَعَ الشَّيْطَانِ، وَالرَّابِعُ كَانُوا مُقْبِلِينَ عَلَى أَمْرِ أَنْفُسِهِمْ، وَالْخَامِسُ كَانُوا مُشْفِقِينَ عَلَى الْخَلْقِ، وَالسَّادِسُ: كَانُوا مُحْتَمِلِينَ لِأَذَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، وَالسَّابِعُ: كَانُوا مُوقِنِينَ بِالْجَنَّةِ، يَعْنِي إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَيْقَنُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ ثَوَابَهُمْ وَلَا ثَوَابَ عَمَلِهِمْ، وَالثَّامِنُ: كَانُوا مُتَوَاضِعِينَ فِي مَوَاضِعِ الْحَقِّ، وَالتَّاسِعُ: كَانُوا لَا يَدَعُونَ النَّصِيحَةَ فِي مَوْضِعِ الْعَدَاوَةِ، وَالْعَاشِرُ: كَانَ رَأْسَ أَمْوَالِهِمُ الْفَقْرُ، يَعْنِي كَانُوا لَا يُمْسِكُونَ فَضْلَ الْمَالِ وَيُنْفِقُونَ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
وَالْحَادِي عَشَرَ: كَانُوا يُدِيمُونَ عَلَى الْوُضُوءِ، وَالثَّانِي عَشَرَ: كَانُوا لَا يَفْرَحُونَ بِمَا وَجَدُوا مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا يَغْتَمُّونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: حُرْمَةُ الزَّاهِدِين عَشَرَةُ أَشْيَاءَ: أَوَّلُهَا: عَدَاوَةُ الشَّيْطَانِ يَرَوْنَهَا وَاجِبَةً عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] .
وَالثَّانِي: لَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إِلَّا بِالْحُجَّةِ، يَعْنِي لَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إِلَّا بَعْدَ مَا ثَبَتَتْ لَهُمُ الْحُجَّةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١] ، يَعْنِي حُجَّتُكُمْ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُمْ مُسْتَعِدُّونَ لِلْمَوْتِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] .
وَالرَّابِعُ: يُحِبُّونَ فِي اللَّهِ وَيُبْغِضُونَ فِي اللَّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة: ٢٢] ، يَعْنِي مَنْ كَانَ
стр. 583
مُؤمِنًا لَا تَكُونُ لَهُ صَدَاقَةٌ مَعَ مَنْ يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ، وَلَوْ كَانَ أَبَاهُ، أَوِ ابْنَهُ أَوْ إِخْوَانَهُ أَوْ عَشِيرَتَهُ.
وَالْخَامِسُ: أَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] ، وَالسَّادِسُ: أَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر: ٢] ، وَالسَّابِعُ: يَحْرُسُونَ قُلُوبَهُمْ لِكَيْلَا يَتَفَكَّرُوا فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِضَا اللَّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] ، وَالثَّامِنُ: أَنْ لَا يَأْمَنَ مَكْرَ اللَّهِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] ، وَالتَّاسِعُ: أَنْ لَا يَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] ، وَالْعَاشِرُ: لَا يَفْرَحُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣] ، يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَعْلَمُ بِأَنَّ الصَّلَاحَ فِيمَا يَفُوتُهُ أَوْ فِيمَا يَأْتِيهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْحَالَيْنِ سَوَاءً، فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ مَثَلُهُ مَثَلُ الآسِ، وَالْمُنَافِقُ مَثَلُهُ مَثَلُ الْوَرْدِ، فَالْآسُ يَكُونُ عَلَى حَالٍ وَاحِدٍ، فِي حَالِ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ، وَأَمَّا الْوَرْدُ فَيَتَغَيَّرُ حَالُهُ إِذَا أَصَابَهُ أَدْنَى آفَةٍ، فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يَكُونُ حَالُهُ عِنْدَ الشِّدَّةِ، وَعِنْدَ الرَّخَاءِ وَاحِدًا، وَيَكُونُ رَاضِيًا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَلَا يَكُونُ رَاضِيًا، بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، فَيَطْغَى عِنْدَ النِّعْمَةِ وَيَجْزَعُ عِنْدَ الشِّدَّةِ فَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَقْتَدِي بِأَفْعَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَالزُّهَّادِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْتَدِي بِأَفْعَالِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 584
بَابُ: الْمَوَاعِظِ
٩٥٥ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ السَّمَرْقَنْدِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا أَبُو نَصْرٍ الدَّبُّوسِيُّ مَنْصُورُ بْنُ جَعْفَرٍ الْفَقِيهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حَمٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي نُضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى مُغَيْرِبَانِ الشَّمْسِ حَفِظَهَا مِنَّا مَنْ حَفِظَهَا وَنَسِيَهَا مَنْ نَسِيَهَا فَقَالَ: " أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا، وَيَحْيَا مُؤْمِنًا، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا، وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا، وَيَحْيَا كَافِرًا، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، أَلَا وَإِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ تُوقَدُ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَلَمْ تَرَوْا إِلَى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ، وَانْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَالْأَرْضَ الْأَرْضَ، أَلَا إِنَّ خَيْرَ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ بَطِيءَ الْغَضَبِ، سَرِيعَ الْفَيْءِ، فَإِذَا كَانَ سَرِيعَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الرِّضَا فَإِنَّهَا بِهَا، أَلَا وَإِنَّ شَرَّ الرِّجَالِ مَنْ كَانَ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الرِّضَا، فَإِنْ كَانَ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الرِّضَا، فَإِنَّهَا بِهَا، أَلَا وَإِنَّ خَيْرَ التُّجَّارِ مَنْ كَانَ حَسِنَ الطَّلَبِ حَسِنَ الْقَضَاءِ فَإِذَا كَانَ حَسَنَ الطَّلَبِ سَيِّئَ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهَا بِهَا، أَلَا إِنَّ شَرَّ التُّجَّارِ مَنْ كَانَ سَيِّئَ الطَّلَبِ، سَيِّئَ الْقَضَاءِ، فَإِنْ كَانَ سَيِّئَ الطَّلَبِ حَسِنَ الْقَضَاءِ، فَإِنَّهَا بِهَا،
стр. 585
أَلَا إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يُعْرَفُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَلَا وَلَا غَدْرَ أَكْبَرُ مِنْ غَدْرِ إِمَامِ عَامَّةٍ، أَلَا وَإِنَّ أَفْضَلَ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ إِمَامٍ جَائِرٍ أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ مَخَافَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِالْحَقِّ، إِذَا شَهِدَهُ وَعَلِمَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ مُغَيْرِبَانِ الشَّمْسِ قَالَ: أَلَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ هَذِهِ الشَّمْسِ أَنْ تَغِيبَ "
٩٥٦ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ , عَنْ نَافِعٍ , حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ: «إِنَّ هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» ، فَلَمَّا حَضَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ الَّذِي ذَكَرْتَ لَهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَوَاللَّهِ لَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشَدَّ الْقِتَالِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» ، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ أَلَمَ الْجِرَاحِ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى الْكَنَانَةِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا سَهْمًا، وَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ مُنْكَرَةٍ وَنَحَرَ نَفْسَهُ، فَاشْتَدَّ الرِّجَالُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: قَدْ صَدَقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ قَدْ فَجَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «قُمْ يَا فُلَانُ فَنَادِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ» .
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ لَا عِبْرَةَ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى خَاتِمَةِ أَمْرِهِ»
٩٥٧ - قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدٌ بْنُ صَالِحٍ التِّرْمِذِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ أَجَلَهُ، وَأَمَلَهُ وَعَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَاكْتُبْ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ
стр. 586
الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلَهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلَهَا "، فَهَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ» فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ خَاتِمَتَهُ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا يُخَافُ ذَهَابُ الْإِيمَانِ عِنْدَ النَّزْعِ
وَذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ أَكْثَرَ سُرُورِي فِيمَا أَكْرَمْتَنِي بِالْإِيمَانِ، وَأَخَافُ أَنْ تَنْزِعَهُ مِنِّي فَمَا دَامَ هَذَا الْخَوْفُ مَعِي أَرْجُو أَنْ لَا تَنْزِعَهُ مِنِّي وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ الْحَكِيمُ بِسَمَرْقَنْدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَلْ مِنْ ذَنْبٍ يَنْزِعُ الْإِيمَانَ مِنَ الْعَبْدِ؟ قَالَ: نَعَمْ ثَلَاثَةٌ مِنَ الذُّنُوبِ تَنْزِعُ الْإِيمَانَ مِنَ الْعَبْدِ: أَوَّلُهَا أَنْ لَا يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى مَا أَكْرَمَهُ بِهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالثَّانِي أَنْ لَا يَخَافَ فَوْتَ الْإِيمَانِ عَنْهُ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَظْلِمَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ.
وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: يُعَذَّبُ الرَّجُلُ فِي النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلَ، وَإِنَّمَا قَالَ الْحَسَنُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ خَافَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ، هَكَذَا كَانَ الصَّالِحُونَ يَخَافُونَ خَاتِمَةَ أَمْرِهِمْ
стр. 587
بَابُ: الْحِكَايَاتِ
٩٥٨ - قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَدَّثَنَا أَبِي ﵀، حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَرَّاءُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَمٍّ الْفَقِيهُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ الْهَرَوِيُّ، حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ , حَدَّثَنَا عَمْرٌو الْكَلاعِيُّ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَمْنَعُنِي سَوَادِي وَدَمَامَةُ وَجْهِي مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَيْقَنْتَ بِرَبِّكَ وَآمَنْتَ بِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُهُ؟» قَالَ: فَوَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالنُّبُوَّةِ لَقَدْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، مِنْ قَبْلِ أَنْ أَجْلِسَ هَذَا الْمَجْلِسَ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ، وَلَقَدْ خَطَبْتُ إِلَى عَامَّةِ مَنْ بِحَضْرَتِكَ وَمَنْ لَيْسَ مَعَكَ، فَرَدُّونِي لِسَوَادِي وَدَمَامَةِ وَجْهِي، وَإِنِّي لَفِي حَسَبٍ مِنْ قَوْمِي مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، وَلَكِنْ غَلَبَ عَلَيَّ سَوَادُ أَخْوَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «هَلْ شَهِدَ الْيَوْمَ عَمْرُو بْنُ وَهْبٍ» وَكَانَ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ، قَالُوا: لَا.
قَالَ لَهُ: «أَتَعْرِفُ مَنْزِلَهُ» ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: «فَاذْهَبْ وَاقْرَعِ الْبَابَ قَرْعًا رَقِيقًا ثُمَّ سَلِّمْ، فَإِذَا دَخَلْتَ، فَقُلْ زَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَاتَكُمْ» .
وَكَانَ لَهُ ابْنَةً عَاتِقَةً وَكَانَ لَهَا حَظٌّ مِنَ الْجَمَالِ وَالْعَقْلِ، فَلَمَّا أَتَى الْبَابَ وَقَرَعَ وَسَلَّمَ، فَرَحَّبُوا لَهُ حَيْثُ سَمِعُوا لُغَةً عَرَبِيَّةً، فَفَتَحُوا الْبَابَ، فَلَمَّا رَأَوْا سَوَادَهُ وَدَمَامَةَ وَجْهِهِ انْقَبَضُوا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ زَوَّجَنِي فَتَاتَكُمْ فَرَدُّوا عَلَيْهِ رَدًّا قَبِيحًا، فَخَرَجَ الرَّجُلُ وَمَضَى حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتِ الْفَتَاةُ لِأَبِيهَا: يَا أَبَتَاهُ النَّجَاةَ النَّجَاةَ قَبْلَ أَنْ يَفْضَحَكَ الْوَحْيُ، فَإِنْ يَكُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ زَوَّجَنِي مِنْهُ فَقَدْ رَضِيتُ بِمَا رَضِيَ اللَّهُ لِي وَرَسُولُهُ، فَخَرَجَ الشَّيْخُ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَجَلَسَ فِي أَدْنَى الْمَجْلِسِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَنْتَ الَّذِي رَدَدْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ مَا رَدَدْتَ؟» قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ
стр. 588
وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ كَاذِبٌ فِيمَا يَقُولُ: فَأَمَّا إِذَا كَانَ صَادِقًا فَقَدْ زَوَّجْنَاهُ فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، وَسَخَطِ رَسُولِهِ، فَزَوَّجَهَا مِنْهُ بِأَرْبَعُ مِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزَّوْجِ وَهُوَ سَعِيدٌ السُّلَمِيُّ: «اذْهَبْ إِلَى صَاحِبَتِكَ فَادْخُلْ بِهَا» ، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ نَبِيًّا مَا أَجِدُ شَيْئًا حَتَّى أَسْأَلَ إِخْوَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَهْرُ امْرَأَتِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اذْهَبْ إِلَى عَلِيٍّ وَخُذْ مِنْهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ» ، فَأَعْطَاهُ وَزَادَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي السُّوقِ وَمَعَهُ مَا يَشْتَرِي لِزَوْجَتِهِ فَرِحًا قَرِيرَ الْعَيْنِ، إِذْ سَمِعَ صَوْتَ النَّفِيرِ يُنَادِي يَا خَيْلَ اللَّهِ: ارْكَبِي يَعْنِي أَنَّ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي النَّفِيرَ النَّفِيرَ، فَنَظَرَ نَظْرَةً إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِلَهَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَهَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَأَجْعَلَنَّ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ الْيَوْمَ فِيمَا يُحِبُّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَاشْتَرَى فَرَسًا وَسَيْفًا وَرُمْحًا وَاشْتَرَى مِجَنَّةً وَشَدَّ عِمَامَتَهُ عَلَى بَطْنِهِ وَاعْتَجَرَ فَلَمْ يُرَ إِلَّا حَمَالِيقُ عَيْنَيْهِ حَتَّى وَقَفَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الْفَارِسُ الَّذِي لَا نَعْرِفُهُ؟ فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: كُفُّوا عَنِ الرَّجُلِ فَلَعَلَّهُ مِمَّنْ طَرَأَ عَلَيْكُمْ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرَيْنِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَجَاءَ يَسْأَلُكُمْ عَنْ مَعَالِمِ دِينِكُمْ فَأَحَبَّ أَنْ يُوَاسِيكُمُ الْيَوْمَ بِنَفْسِهِ، فَأَقْبَلَ يَطْعَنُ بِرُمْحِهِ وَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ حَتَّى نَامَ بِهِ فَرَسُهُ فَنَزَلَ وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَتَشَمَّرَ لِلْقِتَالِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَوَادَ ذِرَاعَيْهِ عَرَفَهُ فَقَالَ: «أَسَعْدٌ أَنْتَ؟» قَالَ: نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: «سَعِدَ جَدُّكَ» فَمَا زَالَ يَطْعَنُ بِرُمْحِهِ وَيَضْرِبُ بِسَيْفِهِ كُلَّ ذَلِكَ يُقَتِّلُ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِذْ قَالُوا: صُرِعَ سَعْدٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُقْبِلًا نَحْوَهُ فَأَتَاهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى حِجْرِهِ، وَمَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ التُّرَابَ بِثَوْبِهِ، وَقَالَ: «مَا أَطْيَبَ رِيحَكَ وَأَحَبَّكَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ» .
قَالَ: فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَرَدَ الْحَوْضَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ» قَالَ أَبُو لُبَابَةَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَمَا الْحَوْضُ؟ قَالَ: «حَوْضٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي عَرْضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إِلَى بُصْرَى حَافَّتَاهُ مُكَلَّلَتَانِ بِالدُّرِّ
стр. 589
وَالْيَاقُوتِ مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَدًا» .
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاكَ بَكَيْتَ، ثُمَّ ضَحِكْتَ، ثُمَّ أَعْرَضْتَ بِوَجْهِكَ، قَالَ: «أَمَّا بُكَائِي فَبَكَيْتُ شَوْقًا إِلَى سَعْدٍ، وَأَمَّا ضَحِكِي فَفَرِحْتُ بِمَنْزِلَتِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَرَامَتِهِ عَلَى اللَّهِ، وَأَمَّا إِعْرَاضِي فَإِنِّي رَأَيْتُ أَزْوَاجَهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ يَتَبَادَرْنَهُ كَاشِفَاتٍ سُوقِهِنَّ بَادِيَاتٍ خَلَاخِيلِهِنَّ فَأَعْرَضْتُ عَنْهُنَّ حَيَاءً مِنْهُنَّ» فَأَمَرَ بِسِلَاحِهِ وَفَرَسِهِ وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ: " اذْهَبُوا بِهِ إِلَى زَوْجَتِهِ، فَقُولُوا: إِنَّ اللَّهَ زَوَّجَهُ خَيْرًا مِنْ فَتَاتِكُمْ
٩٥٩ - قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْكَرَابِيسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، قَالَ: " خَرَجَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ يَنْبَسِطُونَ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَهُمُ الْمَطَرُ فَلَجَأُوا إِلَى غَارٍ فَبَيْنَمَا هُمْ فِيهِ إِذْ أُنْقِضَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ بَابَهُ، فَقَالُوا: عَفَا الْأَثَرُ وَانْقَطَعَ الْخَبَرُ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا اللَّهُ وَصَالِحُ أَعْمَالِكُمْ يَعْنِي أَنَّهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ادْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمُ الَّذِي عَمِلْتُمْ، فَلَعَلَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ عَنَّا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي بِنْتُ عَمٍّ وَإِنَّهَا كَانَتْ تُعْجِبُنِي فَرَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَأَبَتْ فَأَصَابَتْهَا حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، فَأَتَتْنِي وَسَأَلَتْنِي فَقُلْتُ: لَا حَتَّى تُمَكِّنِينِي مِنْ نَفْسِكِ، فَأَبَتْ ثُمَّ ذَهَبَتْ، فَرَجَعَتْ وَقَدْ أَصَابَتْهَا حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ مَرِيضًا، وَكَانَ بَيْنَهُمَا أَوْلَادٌ صِغَارٌ وَقَدْ أَصَابَهُمُ الْقَحْطُ، قَالَ: فَأَتَتْنِي فَسَأَلَتْنِي الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ، فَقُلْتُ: لَا حَتَّى تُمَكِّنِينِي مِنْ نَفْسِكِ، فَقَالَتْ: دُونَكَ فَلَمَّا قَعَدْتُ مِنْهَا مَقْعَدَ الرَّجُلِ مِنَ امْرَأَتِهِ ارْتَعَدَتْ، فَقَالَتْ: لَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُكَّ هَذَا الْخَاتَمَ إِلَّا بِحِلِّهِ فَتَرَكْتُهَا وَوَفَّرْتُ عَلَيْهَا مَا احْتَاجَتْ إِلَيْهِ.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ هَذَا ابْتِغَاءً لِوَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَتْ مِنْ بَابِ الْغَارِ فُرْجَةٌ، وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَإِنِّي حَلَبْتُ حِلَابًا فَجِئْتُ أُعَشِّيهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَخَشِيتُ عَلَى غَنَمَتِي لَوْ تَرَكْتُهَا لَضَاعَتْ مِنَ السِّبَاعِ، فَتَرَكْتُ مَاشِيَتِي وَأَمْسَكْتُ الْإِنَاءَ عَلَى يَدِي حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَغَنَمِي فِي
стр. 590
الْبَرِّيَّةِ.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَتْ عَنْهُمْ فُرْجَةٌ أُخْرَى، وَقَالَ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ لِي كُلُّ رَجُلٍ بِمُدَّيْنِ مِنَ الطَّعَامِ، فَعَمِلُوا لِي فَوَفَّيْتُهُمْ أُجُورَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: كَانَ عَمَلِي أَفْضَلَ، فَأَعْطِنِي أَفْضَلَ فَأَبَيْتُ فَغَضِبَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ آخَرُ فِي نِصْفِ النَّهَارِ، فَعَمِلَ فِي بَقِيَّةِ نَهَارِهِ مِثْلَ مَا عَمِلَ غَيْرُهُ فِي يَوْمِهِ كُلِّهِ، فَرَأَيْتُ أَنْ لَا أَنْقُصَ مِنْ أُجْرَتِهِ شَيْئًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: إِنَّهُ جَاءَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ، وَأَنَا جِئْتُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَسَوَّيْتَ بَيْنَنَا فِي الْأُجْرَةِ، فَقُلْتُ: هَلْ نَقَّصْتُ مِنْ أُجْرَتِكَ شَيْئًا، فَغَضِبَ وَتَرَكَ أُجْرَتَهُ وَذَهَبَ فَأَخَذْتُ الْمُدَّيْنِ فَزَرَعْتُهُمَا، فَجَاءَ مِنْهُ الْمَالُ فَاشْتَرَيْتُ مِنْ ذَلِكَ الْبَقَرَ وَالْغَنَمَ وَالْإِبِلَ وَشَيْئًا كَثِيرًا، فَجَاءَنِي بَعْدَ ذَلِكَ يَطْلُبُهُ مِنِّي بَعْدَمَا اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ فَقُلْتُ انْظُرْ كُلَّ شَيْءٍ هَهُنَا فَخُذْهُ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ، فَفَرِّجْ عَنَّا، فَانْفَرَجَ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا مِنْهَا
وَرَوَى هَذَا الْخَبَرَ أَيْضًا النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثَ الرَّقِيمِ، وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ.
وَرَوَى غَيْرُ النُّعْمَانِ أَيْضًا هَذَا الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ , إِلَّا أَنَّهُمْ رَوَوْهُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ حِكَايَةٌ:
٩٦٠ - قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عَابِدٌ وَكَانَ قَدْ أُوتِيَ جَمَالًا وَحُسْنًا، وَكَانَ يَعْمَلُ الْقِفَافَ بِيَدِهِ فَيَبِيعَهَا، فَمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ بِبَابِ الْمَلِكِ فَنَظَرَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ لِامْرَأَةِ الْمَلِكِ، فَدَخَلَتْ إِلَيْهَا وَقَالَتْ لَهَا: هَهُنَا رَجُلٌ مَا رَأَيْتُ أَحْسَنَ مِنْهُ يَطُوفُ بِالْقِفَافِ قَالَتْ: أَدْخِلِيهِ عَلَيَّ فَأَدْخَلَتْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ نَظَرَتْ إِلَيْهِ فَأَعْجَبَهَا فَقَالَتْ لَهُ: اطْرَحْ هَذِهِ الْقِفَافَ وَخُذْ هَذِهِ الْمِلْحَفَةَ، وَقَالَتْ لِجَارِيَتِهَا: هَاتِ الدُّهْنَ يَا جَارِيَةُ وَهَاتِ الطِّيبَ فَنَقْضِيَ مِنْهُ حَاجَتَنَا وَيَقْضِيَهَا مِنَّا وَقَالَتْ: نُغْنِيكَ عَنْ بَيْعِ هَذَا فَقَالَ: مَا أُرِيدُ ذَلِكَ مِرَارًا.
قَالَتْ: وَإِنْ لَمْ تُرِدْ فَإِنَّكَ غَيْرُ
стр. 591
خَارِجٍ حَتَّى نَقْضِيَ حَاجَتَنَا مِنْكَ وَأَمَرَتْ بِالْأَبْوَابِ فَأُغْلِقَتْ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: هَلْ فَوْقَ قَصْرِكُمْ هَذَا مَوْضِعٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
ثُمَّ قَالَتْ: يَا جَارِيَةُ ارْقَيْ بِوُضُوئِهِ فَلَمَّا رَقِيَ جَاءَ إِلَى نَاحِيَةِ السَّطْحِ فَرَأَى قَصْرًا مُرْتَفِعًا وَلَا شَيْءَ يَتَعَلَّقُ بِهِ لِيُرْسِلَ نَفْسَهُ مِنَ السَّطْحِ، فَأَخَذَ يُعَاتِبُ نَفْسَهُ وَيَقُولُ: يَا نَفْسُ أَنْتِ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً تَطْلُبِينَ رِضَا الرَّبِّ الْكَرِيمِ، حَرِيصَةٌ عَلَيْهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ جَاءَتْكِ عَشِيَّةٌ وَاحِدَةٌ تُفْسِدُ عَلَيْكِ هَذَا كُلَّهُ، إِنَّكِ وَاللَّهِ لَخَائِنَةٌ إِنْ جَاءَتْكِ هَذِهِ الْعَشِيَّةُ، وَأَفْسَدَتْ عَلَيْكِ عَمَلَكِ، فَتَلْقَيِ اللَّهَ بِبَقِيَّةِ عَمَلِكِ، فَجَعَلَ يُعَاتِبُهَا.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا تَهَيَّأَ لِيُلْقِيَ نَفْسَهُ، قَالَ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ.
قَالَ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ: عَبْدِي يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ فِرَارًا مِنْ سَخَطِي وَمَعْصِيَتِي، فَتَلَقَّهُ بِجَنَاحِكَ لَا يُصِيبُهُ مَكْرُوهٌ، فَبَسَطَ جِبْرِيلُ ﵇ جَنَاحَهُ فَأَخَذَهُ بِهِ ثُمَّ وَضَعَهُ، كَمَا يَضَعُ الْوَالِدُ الرَّحِيمُ وَلَدَهُ قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ وَتَرَكَ الْقِفَافَ، وَقَدْ غَابَتِ الشَّمْسُ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَيْنَ ثَمَنُ الْقِفَافِ؟ فَقَالَ لَهَا: مَا أَصَبْتُ لَهَا ثَمَنًا، فَقَالَتْ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ نُفْطِرُ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَصْبِرُ لَيْلَتَنَا هَذِهِ ثُمَّ قَالَ: قُومِي فَاسْجُرِي تَنُّورَكِ فَإِنَّا نَكْرَهُ أَنَّ جِيرَانَنَا إِذَا لَمْ يَرَوْنَا نَسْجُرُ التَّنُّورَ اشْتَغَلَتْ قُلُوبُهُمْ بِنَا فَقَامَتْ فَسَجَرَتْهُ ثُمَّ جَاءَتْ فَقَعَدَتْ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ جِيرَانِهَا فَقَالَتْ: يَا فُلَانَةُ هَلْ عِنْدَكِ وَقُودٌ؟ قَالَتْ: نَعَمِ ادْخُلِي فَخُذِي مِنَ التَّنُّورِ، فَدَخَلَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ فَقَالَتْ: يَا فُلَانَةُ مَالِي أَرَاكِ جَالِسَةً تَتَحَدَّثِينَ مَعَ فُلَانٍ وَقَدْ نَضَجَ خُبْزُكِ فِي التَّنُّورِ، وَيَكَادُ أَنْ يَحْتَرِقَ فَقَامَتْ فَإِذَا التَّنُّورُ مَحْشُوٌّ خُبْزًا نَقِيًّا فَجَعَلَتْهُ فِي جَفْنَةٍ، ثُمَّ جَاءَتْ إِلَى الزَّوْجِ فَقَالَتْ لَهُ إِنَّ رَبَّكَ لَمْ يَصْنَعْ بِكَ هَذَا إِلَّا وَأَنْتَ عَلَيْهِ كَرِيمٌ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَبْسُطَ عَلَيْنَا بَقِيَّةَ عُمْرِنَا فَقَالَ لَهَا تَصَبَّرِي عَلَى هَذَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ حَتَّى قَالَ: نَعَمْ أَفْعَلُ، فَقَامَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّ زَوْجَتِي سَأَلَتْنِي فَأَعْطِهَا مَا تَتَوَسَّعُ بِهِ فِي بَقِيَّةِ عُمْرِهَا، فَانْفَرَجَ السَّقْفُ فَنَزَلَتْ إِلَيْهِ كَفٌّ عَلَيْهِ يَاقُوتَةٌ أَضَاءَ لَهَا الْبَيْتُ، كَمَا تُضِيءُ الشَّمْسُ فَغَمَزَ رِجْلَهَا وَكَانَتْ نَائِمَةً قَرِيبَةً مِنْهُ، فَقَالَ لَهَا: اجْلِسِي وَخُذِي مَا سَأَلْتِ فَقَالَتْ: لَا تَعْجَلْ أَلِهَذَا أَيْقَظْتَنِي قَدْ كُنْتُ رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى كَرَاسِيِّ مَصْفُوفَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، مُكَلَّلَةٍ بِالْيَاقُوتِ وَالزَّبَرْجَدِ فِيهَا ثُلْمَةٌ فَقَالَتْ: لِمَنْ هَذَا؟ قَالُوا:
стр. 592
هَذَا مَجْلِسُ زَوْجِكِ، فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الثُّلْمَةُ؟ قَالُوا: مَا تَعَجَّلَ بِهِ زَوْجُكِ فَقُلْتُ: مَا لِي حَاجَةٌ فِي شَيْءٍ يَثْلِمُ عَلَيْكَ مَجْلِسَكَ ادْعُ رَبَّكَ فَدَعَا رَبَّهُ فَرَجَعَ الْكَفُّ حِكَايَةٌ:
قَالَ الْفَقِيهُ ﵀ حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى , بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَرَجِ الْعَابِدِ , يَقُولُ: " خَرَجْتُ يَوْمًا أَطْلُبُ رَجُلًا يَرُمُّ لِي شَيْئًا فِي الدَّارِ، فَذَهَبْتُ فَأُشِيرَ إِلَيَّ بِرَجُلٍ حَسِنِ الْوَجْهِ بَيْنَ يَدَيْهِ مِرْوَزٌ وَزَنْبِيلٌ، فَقُلْتُ: أَتَعْمَلُ لِيَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِدِرْهَمٍ وَدَانِقٍ، فقلت: له قم، فقام فعمل ذلك اليوم عمل ثلاثة رجال، ثم أتيته في اليوم الثاني، فسألت عنه، فقيل لِي: ذَلِكَ الرَّجُلُ لَا يُرَى فِي الْجُمْعَةِ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا يَوْمُ كَذَا، فَتَرَبَّصْتُ حَتَّى أَتَى الْيَوْمُ الَّذِي وَصَفُوهُ، ثُمَّ جِئْتُ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ مِرْوَزٌ وَزَنْبِيلٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَتَعْمَلُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: بِكَمْ؟ قَالَ: بِدِرْهَمٍ وَدَانِقٍ، فقلت: قم، فقام فعمل ذلك اليوم عمل ثلاثة رجال، فلما كان بالمساء وزنت درهمين ودانقين وأحببت أَنْ أَعْلَمَ مَا عِنْدَهُ.
قَالَ لِي: مَا هَذَا؟ قُلْتُ: دِرْهَمَانِ وَدَانِقَانِ.
قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ بِدِرْهَمٍ وَدَانِقٍ، قَدْ أَفْسَدْتَ عَلَيَّ أُجْرَتِي لَسْتُ آخِذًا مِنْكَ شَيْئًا، قَالَ: فَوَزَنْتُ لَهُ دِرْهَمًا وَدَانِقًا، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ وَأَلْحَحْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لِي: سُبْحَانَ اللَّهِ أَقُولُ لَا آخُذُ وَتُلِحُّ عَلَيَّ، فَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ وَمَضَى، فأقبلت على أهلي، فقالت: فعل الله بك ما أردت من الرجل قد عمل لك عمل ثلاثة أيام، وأفسدت عليه أجرته.
قَالَ: فَجِئْتُ يَوْمًا أَسْأَلُ عَنْهُ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مَرِيضٌ فَاسْتَدْلَلْتُ عَلَى بَيْتِهِ فَاسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ مَبْطُونٌ فِي خَرِبَةٍ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ شَيْءٌ إِلَّا ذَلِكَ الْمِرْوَزُ وَالزِّنْبِيلُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: لِي إِلَيْكَ حَاجَةٌ وَتَعْرِفُ فَضْلَ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَأْتِيَ إِلَى بَيْتِي أُمَرِّضُكَ، قَالَ: أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: آتِيكَ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: أَحَدُهَا أَنْ لَا تَعْرِضَ عَلَيَّ طَعَامًا حَتَّى أَسْأَلَكَ، قُلْتُ: نَعَمْ.
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا أَنْ تَدْفِنَنِي فِي كِسَائِي هَذَا وَجِبَّتِي هَذِهِ، فَقُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ:
стр. 593
أَمَّا الثَّالِثَةُ فَهِيَ أَشَدُّ مِنْهُمَا، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْهَا، فَحَمَلْتُهُ إِلَى مَنْزِلِي عِنْدَ الظُّهْرِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ مِنَ الْغَدِ نَادَانِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُكَ قَالَ: الْآنَ أُخْبِرُكَ عَنْ حَاجَتِي الثَّالِثَةِ، وَإِنِّي قَدِ احْتَضَرْتُ يَعْنِي قَدْ حَضَرَتْ وَفَاتِي، ثُمّ قَالَ: افْتَحْ صُرَّةً عَلَى كُمِّ جَيْبِي فَفَتَحْتُهَا فَإِذَا فِيهَا خَاتَمٌ لَهُ فَصٌّ أَخْضَرُ، فَقَالَ لِي: إِذَا أَنَا مُتِّ وَدَفَنْتَنِي فَخُذْ هَذَا الْخَاتَمَ وَادْفَعْهُ إِلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ صَاحِبُ وَيْحَكَ هَذَا الْخَاتَمِ لَا تَمُوتَنَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى سَكْرَتِكَ نَدِمْتَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا دَفَنْتُهُ سَأَلْتُ عَنْ يَوْمِ خُرُوجِ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَكَتَبْتُ لَهُ الْقِصَّةَ وَتَعَرَّضْتُ لَهُ فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ، وَتَأَذَّيْتُ أَذًى شَدِيدًا فَلَمَّا دَخَلَ الْقَصْرَ وَقَرَأَ الْقِصَّةَ قَالَ: عَلَيَّ بِصَاحِبِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكَ، فَأَخْرَجْتُ الْخَاتَمَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْخَاتَمِ قَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا، فَقُلْتُ: دَفَعَهُ إِلَيَّ رَجُلٌ طَيَّانُ وَنَظَرْتُ إِلَى دُمُوعِهِ تَتَحَدَّرُ مِنْ عَيْنَيْهِ عَلَى لِحْيَتِهِ، وَمِنْ لِحْيَتِهِ عَلَى ثِيَابِهِ وَيَقُولُ: طَيَّانٌ طَيَّانٌ وَقَرَّبَنِي مِنْهُ وَأَدْنَانِي، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهُ أَوْصَانِي أَيْضًا وَقَالَ: إِذَا أَوْصَلْتَ إِلَيْهِ الْخَاتَمَ قُلْ لَهُ: إِنَّهُ يُقْرِئُكَ صَاحِبُ هَذَا الْخَاتَمِ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ لَا تَمُوتَنَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ، فَإِنَّكَ إِنْ مُتَّ عَلَى سَكْرَتِكَ هَذِهِ نَدِمْتَ، فَقَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ قَائِمًا، فَضَرَبَ بِنَفْسِهِ عَلَى الْبِسَاطِ، وَهُوَ يَتَقَلَّبُ بِرَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ نَصَحْتَ أَبَاكَ حَيًّا وَمَيِّتًا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَأَنَّهُ ابْنُهُ وَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، فَبَكَى بُكَاءً طَوِيلًا، ثُمَّ جَلَسَ وَجَاءُوا بِالْمَاءِ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ عَرَفْتَهُ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَبَكَى بُكَاءً شَدِيدًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: كَانَ هَذَا أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِي، فَكَانَ أَبِي الْمَهْدِيُّ ذَكَرَ لِي أَنْ يُزَوِّجَنِي زُبَيْدَةَ، فَنَظَرْتُ يَوْمًا إِلَى امْرَأَةٍ فَعَلِقَ قَلْبِي بِهَا، فَتَزَوَّجْتُهَا سِرًّا مِنْ أَبِي وَأَوْلَدْتُهَا هَذَا الْوَلَدَ فَأَنْفَذْتُهُمْ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَدَفَعْتُ إِلَيْهِمَا هَذَا الْخَاتَمَ وَأَشْيَاءَ كَثِيرَةً وَقُلْتُ لَهَا: اكْتُمِي نَفْسَكِ فَإِذَا بَلَغَكِ أَنِّي قَدْ قَعَدْتُ لِلْخِلَافَةِ فَأْتِنِي، فَلَمَّا قَعَدْتُ لِلْخِلَافَةِ سَأَلْتُ عَنْهُمَا فَذُكِرَ لِي أَنَّهُمَا مَاتَا، وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّهُ بَاقٍ فَأَيْنَ دَفَنْتَهُ؟ فَقُلْتُ: دَفَنْتُهُ فِي مَقَابِرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ
стр. 594
قَالَ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً إِذَا كَانَ بَعْدُ الْمَغْرِبِ وَقَفْتَ لِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَيْكَ مُتَنَكِّرًا فَأَخْرُجُ إِلَى قَبْرِهِ، فَأَزُورَهُ، فَوَقَفْتُ لَهُ فَخَرَجَ الْخَدَمُ حَوْلَهُ حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِي فَجِئْتُ بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، فَمَا زَالَ لَيْلَتَهُ يَبْكِي إِلَى الصُّبْحِ، وَيَقُولُ: يَا بُنَيَّ نَصَحْتَ أَبَاكَ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَجَعَلْتُ أَبْكِي لِبُكَائِهِ رِقَّةً مِنِّي لَهُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، ثُمَّ رَجَعَ حَتَّى إِذَا دَنَا إِلَى الْبَابِ فَقَالَ لِي: قَدْ أَمَرْتُ لَكَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَأَمَرْتُ بِأَنْ تَجْرِيَ عَلَيْكَ فَإِذَا أَنَا مُتُّ أَوْصَيْتُ مَنْ يَلِي مِنْ بَعْدِي أَنْ يُجْرَى عَلَيْكَ مَا بَقِيَ لَكَ عَقِبِي، فَإِنَّ لَكَ عَلَيَّ حَقًّا بِدَفْنِكَ وَلَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْبَابَ قَالَ لِي: انْظُرْ إِلَى مَا أَوْصَيْتُكَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقُلْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَرَجَعْتُ مِنْ عِنْدِهِ فَلَمْ أَعُدْ إِلَيْهِ
حِكَايَةٌ:
٩٦١ - حَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفُضَيْلِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ سَمُرَةَ، عَنْ لَيْثِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: لَمَّا آخَى نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ آخَى بَيْنَ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَبَيْنَ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَغَزَا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ غَزْوَةَ تَبُوكٍ، فَخَرَجَ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ غَازِيًا وَخَلَّفَ أَخَاهُ ثَعْلَبَةَ فِي أَهْلِهِ، فَكَانَ يَحْتَطِبُ لِأَهْلِهِ الْحَطَبَ، وَيَسْتَقِي لَهُمُ الْمَاءَ عَلَى ظَهْرِهِ فِي كِلِّ ذَلِكَ يَرْجُو الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَقْبَلَ ثَعْلَبَةُ ذَاتَ يَوْمٍ فَدَخَلَ الْمَنْزِلَ فَجَاءَهُ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ لَهُ: انْظُرْ مَا خَلْفَ السِّتْرِ، فَرَفَعَ ثَعْلَبَةُ السِّتْرَ فَرَأَى امْرَأَةَ أَخِيهِ وَكَانَتِ امْرَأَةً جَمِيلَةً، فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا وَمَسَّهَا، فَقَالَتْ لَهُ: يَا ثَعْلَبَةُ مَا حَفِظْتَ فِينَا حُرْمَةَ أَخِيكَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَنَادَى ثَعْلَبَةُ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ وَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى الْجَبَلِ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ إِلَهِي أَنْتَ أَنْتَ، وَأَنَا أَنَا، أَنْتَ الْعَوَّادُ بِالْمَغْفِرَةِ وَأَنَا الْعَوَّادُ بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، فَلَمَّا أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَزْوَتِهِ أَقْبَلَ جَمِيعُ الْإِخْوَانِ يَتَلَقَّوْنَ إِخْوَانَهُمْ، وَلَمْ يُسْتَقْبَلْ أَخُو سَعِيدٍ، فَأَقْبَلَ سَعِيدٌ، إِلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا هَذِهِ مَا فَعَلَ أَخِي الْمُؤَاخِيِّ فِي اللَّهِ، قَالَتْ: إِنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي بُحُورِ الْخَطَايَا، فَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى الْجَبَلِ، فَخَرَجَ سَعِيدٌ يَطْلُبُ أَخَاهُ فَوَجَدَهُ مُنْكَبًّا عَلَى وَجْهِهِ وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ، وَاذُلَّ مَقَامَاهُ مَقَامُ مَنْ عَصَى رَبَّهُ، فَقَالَ لَهُ سَعِيدٌ: قُمْ يَا أَخِي فَمَا الَّذِي بَلَّغَكَ مَا أَرَى؟ فَقَالَ ثَعْلَبَةُ: لَسْتُ بِقَائِمٍ مَعَكَ حَتَّى تَغُلَّ يَدَيَّ إِلَى عُنُقِي وَتَقُودَنِي كَمَا يُقَادُ الْعَبْدُ الذَّلِيلُ
стр. 595
إِلَى بَابِ مَوْلَاهُ، فَفَعَلَ وَكَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ يُقَالُ لَهَا خِمْصَانَةُ، فَأَقْبَلَتْ تَقُودُ أَبَاهَا حَتَّى أَتَتْ بِهِ إِلَى بَابِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَامَسْتُ امْرَأَةَ أَخِي الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ عُمَرُ: اخْرُجْ مِنْ عِنْدِي، فَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَقُومَ إِلَيْكَ وَآخُذَ بِشَعْرِكَ، اخْرُجْ مِنْ عِنْدِي فَلَا تَوْبَةَ لَكَ عِنْدِي، فَانْطَلَقَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: لَامَسْتُ امْرَأَةَ أَخِي الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: اخْرُجْ مِنْ عِنْدِي لَا تَحْرِقْنِي بِنَارِكَ، فَلَا تَوْبَةَ لَكَ عِنْدِي أَبَدًا، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى بَابِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ: لَامَسْتُ امْرَأَةَ أَخِي الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنْ عِنْدِي، فَلَا تَوْبَةَ لَكَ عِنْدِي أَبَدًا، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَخِي وَيَا ابْنَتِي قَدْ آيَّسَنِي هَؤُلَاءِ النَّفَرُ، وَأَرْجُو أَنْ لَا يُؤَيِّسَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَتَتْ بِهِ ابْنَتُهُ إِلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ نَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: «ذَكَّرْتَنِي سَلَاسِلَ جَهَنَّمَ وَأَغْلَالَهَا» ، فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَامَسْتُ امْرَأَةَ أَخِي الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «اخْرُجْ مِنْ عِنْدِي فَلَا تَوْبَةَ لَكَ عِنْدِي أَبَدًا» ، فَخَرَجَ، فَقَالَتْ لَهُ ابْنَتُهُ: يَا أَبَتِي لَسْتَ لِي بِوَالِدٍ، وَلَا أَنَا لَكَ بِابْنَةٍ، حَتَّى يَرْضَى عَنْكَ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ، ﵊، فَأَقْبَلَ ثَعْلَبَةُ هَارِبًا إِلَى الْجَبَلِ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا رَبُّ أَتَيْتُ عُمَرَ فَأَرَادَ ضَرْبِي، وَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي، وَأَتَيْتُ عَلَيًّا فَطَرَدَنِي، وَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَآيَسَنِي، فَمَا أَنْتَ يَا مَوْلَايَ صَانِعٌ بِي، أَنْ تَقُولَ لِدُعَائِي نَعَمْ، أَوْ تَقُولَ لَا، فَإِنْ قُلْتَ لَا، فَيَا وَيْلَتَاهُ وَيَا شِقْوَتَاهُ وَيَا نَدَامَتَاهُ، وَإِنْ قُلْتَ نَعَمْ، فَطُوبَى لِي.
قَالَ: فَأَقْبَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْتَ خَالِقُ الْخَلْقِ أَوْ أَنَا؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتَ يَا سَيِّدِي» .
قَالَ: يَقُولُ لَكَ الْجَبَّارُ ﵎: بَشِّرْ عَبْدِي أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَنْ يَأْتِينِي بِثَعْلَبَةَ» ، قَالَ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ نَأْتِي بِهِ، فَقَامَ عَلِيٌّ وَسَلْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، فَقَالَا يَا رَسُولَ اللَّهِ: نَحْنُ نَأْتِي بِهِ فَأَذِنَ لِعَلِيٍّ وَسَلْمَانَ فَخَرَجَا، وَأَخَذَا فِي وِجْهَةٍ فَانْطَلَقَا فَإِذَا هُمَا بِرَاعٍ مِنْ رُعَاةٍ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ:
стр. 596
هَلْ رَأَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ الرَّاعِي: عَسَى أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ الْهَارِبَ مِنْ جَهَنَّمَ؟ قَالَا: نَعَمْ.
فَدُلَّنَا عَلَى مَوْضِعِهِ قَالَ: إِذَا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ حَضَرَ هَذَا الْوَادِي حَتَّى يَجِيءَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، ثُمَّ يُنَادِي بِأَعْلَى صَوْتِهِ: وَاذُلَّ مَقَامَاهُ مَقَامُ مَنْ عَصَى رَبَّهُ، فَأَقَامَا حَتَّى جَنَّ عَلَيْهِمَا اللَّيْلُ إِذْ أَقْبَلَ ثَعْلَبَةُ فَأَتَى الشَّجَرَةَ فَخَرَّ تَحْتَهَا سَاجِدًا بَاكِيًا، فَلَمَّا سَمِعَ بُكَاءَهُ سَلْمَانُ مَشَى إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا ثَعْلَبَةُ قُمْ فَإِنَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ قَدْ غَفَرَ لَكَ.
قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتُمَا حَبِيبِي مُحَمَّدًا ﷺ ؟ قَالَ سَلْمَانُ: كَمَا يُحِبُّ اللَّهُ وَتُحِبُّ أَنْتَ، فَلَمَّا أَقَامَ بِلَالٌ الصَّلَاةَ أَدْخَلَاهُ الْمَسْجِدَ فَأَقَامَاهُ فِي آخِرِ الصَّفِّ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، فَشَهَقَ شَهْقَةً، فَلَمَّا تَلَى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] ، شَهَقَ شَهْقَةً أُخْرَى وَفَارَقَ الدُّنْيَا، فَلَمَّا انْفَتَلَ النَّبِيُّ ﷺ جَاءَ إِلَى ثَعْلَبَةَ فَقَالَ: «يَا سَلْمَانُ انْضَحْ عَلَيْهِ الْمَاءَ» فَنَادَى سَلْمَانُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَارَقَ الدُّنْيَا، فَأَقْبَلَتِ ابْنَتُهُ، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ مَا فَعَلَ وَالِدِي، فَإِنِّي كُنْتُ بِالْأَشْوَاقِ إِلَيْهِ، قَالَ: «ادْخُلِي الْمَسْجِدَ» ، فَدَخَلَتْ فَإِذَا هِيَ بِوَالِدِهَا مَيِّتٌ مُسَجًّى فَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تُنَادِي: وَاغَمَّاهُ فَمَنْ لِي بَعْدَكَ يَا أَبَتَاهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يَا خَمْصَانَةُ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَكُونَ لَكِ وَالِدًا، وَتَكُونَ فَاطِمَةُ لَكِ أُخْتًا؟» فَقَالَتْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا حُمِلَ ثَعْلَبَةُ أَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَتْبَعُ جِنَازَتَهُ حَتَّى إِذَا بَلَغَ شَفِيرَ الْقَبْرِ، أَقْبَلَ يَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِهِ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُكَ تَمْشِي عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِكَ.
قَالَ: «يَا عُمَرُ مَا قَدَرْتُ أَنْ أَضَعَ بَطْنَ قَدَمَيَّ مِنْ كَثْرَةِ الْمَلَائِكَةِ»
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: قَدْ رُوِيَ هَذَا الْخَبَرُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَيُقَالُ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي شَأْنِهِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٦]
стр. 597
حِكَايَةٌ:
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنُ رَجَاءٍ، رَفَعَهُ إِلَى أَحْنَفَ بْنِ قَيْسٍ , قَالَ: وَأَنَا أُرِيدُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَإِذَا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَنَا بِحَلْقَةٍ عَظِيمَةٍ، فَإِذَا بِكَعْبِ الْأَحْبَارِ يُحَدِّثُ النَّاسَ، وَيَقُولُ: " لَمَّا حَضَرَ آدَمَ قَالَ: يَا رَبُّ سَيَشْمَتُ بِي عَدُوِّي إِذَا رَآنِي مَيِّتًا، وَهُوَ مُنْظَرٌ إِلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، فَقِيلَ لَهُ: يَا آدَمُ إِنَّكَ تَرِدُ الْجَنَّةَ، وَيُؤَخَّرُ الْمَلْعُونُ إِلَى النَّظْرَةِ، لِيَذُوقَ بِعَدَدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ أَلَمَ الْمَوْتِ، ثُمَّ قَالَ آدَمُ ﵊ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: صِفْ لِي كَيْفَ تُذِيقُهُ الْمَوْتَ، فَلَمَّا وَصَفَهُ قَالَ آدَمُ: رَبِّ حَسْبِي حَسْبِي، فَضَجَّ النَّاسُ، وَقَالُوا: يَا أَبَا إِسْحَاقَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ حَدِّثْنَا كَيْفَ يَذُوقُ الْمَوْتَ، فَأَبَى أَنْ يَقُولَ: فَأَلَحُّوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ آخِرُ الدُّنْيَا وَقَرُبَتِ النَّفْخَةُ فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَهُمْ يَتَخَاصَمُونَ وَيَتَّجِرُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ إِذَا هُمْ بِهَدَّةٍ عَظِيمَةٍ يُصْعَقُ فِيهَا نِصْفُ الْخَلَائِقِ، فَلَا يُفِيقُونَ مِنْهَا مِقْدَارَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَالنِّصْفُ الْبَاقِي مِنَ النَّاسِ تُذْهَلُ عُقُولُهُمْ فَيَبْقَوْنَ مُدْهَشِينَ، قِيَامًا عَلَى أَرْجُلِهِمْ كَالْغَنَمِ الْفَزِعَةِ حِينَ تَرَى سَبْعًا، فَبَيْنَمَا النَّاسُ فِي هَذَا الْهَوْلِ إِذَا هُمْ بِهَدَّةٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ غَلِيظَةٍ كَصَوْتِ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ فَتَفْنَى الدُّنْيَا وَلَا يَبْقَى آدَمِيٌّ، وَلَا جِنِّيٌّ، وَلَا شَيْطَانٌ، وَلَا وَحْشٌ، وَلَا دَابَّةٌ، فَهَذِهِ النَّظْرَةُ الْمَعْلُومَةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَبَيْنَ إِبْلِيسَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: إِنِّي خَلَقْتُ لَكَ بِعَدَدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ أَعْوَانًا وَجَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِنِّي أُلْبِسُكَ الْيَوْمَ أَثْوَابَ الْغَضَبِ وَالسَّخَطِ كُلَّهَا الْمَوْتُ مَرَارَةُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، وَلْيَكُنْ مَعَكَ مِنَ الزَّبَانِيَةِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ قَدِ امْتَلَأُوا غَيْظًا وَغَضَبًا، وَلْيَكُنْ مَعَ كُلِّ زَبَانِيَةٍ سِلْسِلَةٌ مِنْ سَلَاسِلِ لَظَى، وَانْزَعْ رُوحَهُ الْمُنْتِنَ بِسَبْعِينَ أَلْفِ كَلَّابَةٍ مِنْ كَلَالِيبِ لَظَى وَنَادِ مَالِكًا لِيَفْتَحَ أَبْوَابَ النِّيرَانِ فَيَنْزِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ بِصُورَةٍ لَوْ نَظَرَ إِلَيْهِ أَهْلُ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعِ لَذَابُوا كُلُّهُمْ مِنْ هَوْلِ رُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى إِبْلِيسَ وَزَجَرَهُ زَجْرَةً إِذْ هُوَ
стр. 598
صُعِقَ مِنْهَا، وَنُخِرَ نَخْرَةً لَوْ سَمِعَهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَصُعِقُوا مِنْ تِلْكَ النَّخْرَةِ وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَقُولُ: قِفْ يَا خَبِيثُ لَأُذِيقَنَّكَ الْيَوْمَ الْمَوْتَ بِعَدَدِ مَنْ أَغْوَيْتَ، كَمْ مِنْ عُمْرٍ أَدْرَكْتَهُ وَكَمْ مِنْ قُرُونٍ أَضْلَلْتَ، وَكَمْ مِنْ قُرَنَاءَ لَكَ بِسَوَاءِ الْجَحِيمِ يُقَارِنُوكَ، وَهَذَا الْوَقْتُ الْمَعْلُومُ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ رَبِّكَ، وَإِلَى أَيْنَ تَهْرَبُ فَيَهْرَبُ الشَّيْطَانُ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَإِذَا هُوَ بِمَلَكِ الْمَوْتِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَيَغَوصُ فِي الْبِحَارِ، فَإِذَا هُوَ بِمَلَكِ الْمَوْتِ فَتَرْمِيهِ الْبِحَارُ فَلَا تَقْبَلُهُ فَلَا يَزَالُ يَهْرُبُ فِي الْأَرْضِ وَلَا مَحِيصَ وَلَا مَلْجَأَ لَهُ وَلَا مَنْجَا، ثُمَّ يَقُومُ فِي وَسَطِ الدُّنْيَا عِنْدَ قَبْرِ آدَمَ ﵇، وَيَقُولُ: مِنْ أَجْلِكَ يَا آدَمُ حُوِّلْتُ مَلْعُونًا رَجِيمًا فَيَا لَيْتَكَ لَمْ تُخْلَقْ، فَيَقُولُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ: بِأَيِّ كَأْسٍ تَسْقِينِي؟ يَعْنِي بِأَيِّ عَذَابٍ تَقْبِضُ رُوحِي، فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ: بِكَأْسِ أَهْلِ لَظَى يَعْنِي مِثْلَ عَذَابِ أَهْلِ النَّارِ، وَبِكَأْسِ أَهْلِ سَقَرَ، وَبِكَأْسِ أَهْلِ الْجَحِيمِ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، قَالَ: وَإِبْلِيسُ يَتَمَرَّغُ فِي التُّرَابِ مَرَّةً، وَيَصِيحُ أُخْرَى، وَيَهْرَبُ مَرَّةً مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَمِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْمَشْرِقِ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أُهْبِطَ فِيهِ يَوْمَ لُعِنَ، وَقَدْ نَصَبَتْ لَهُ الزَّبَانِيَةُ الْكَلَالِيبَ، وَصَارَتِ الْأَرْضُ كَالْجَمْرَةِ وَتَحْتَوِشُهُ الزَّبَانِيَةُ، فَيَطْعَنُونَهُ بِالْكَلَالِيبِ، فَيَكُونُ فِي النِّزَاعِ وَالْعَذَابِ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، وَيُقَالُ لِآدَمَ وَحَوَّاءَ: اطَّلِعَا الْيَوْمَ عَلى عَدُوِّكُمَا، وَانْظُرَا مَا نَزَلَ بِهِ كَيْفَ يَذُوقُ الْمَوْتَ، فَيَطَّلِعَانِ، فَإِذَا نَظَرَا إِلَى مَا هُوَ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ وَالْمَوْتِ قَالَا: رَبَّنَا قَدْ أَتْمَمْتَ عَلَيْنَا النِّعْمَةَ
حِكَايَةُ الشَّابِّ الَّذِي بَاعَ نَفْسَهُ:
قَالَ الْفَقِيهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى , قَالَ: " بَيْنَمَا أَنَا يَوْمًا فِي مَجْلِسِنَا هَذَا، وَقَدْ تَهَيَّأْنَا لِلْخُرُوجِ إِلَى الْغَزْوِ، وَقَدْ أَمَرْتُ أَصْحَابِي أَنْ يَتَهَيَّئُوا غَدَاةَ الْإِثْنَيْنِ، وَقَدْ قَرَأَ رَجُلٌ فِي مَجْلِسِنَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] ، الْآيَةَ، فَقَامَ غُلَامٌ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ , وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ وَأَوْرَثَهُ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ، إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، فَقُلْتُ: نَعَمْ حَبِيبِي.
فَقَالَ لِي: إِنِّي أُشْهِدُكَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ أَنِّي قَدْ بِعْتُ نَفْسِي، وَمَالِي بِأَنَّ لِيَ الْجَنَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنّ حَدَّ السَّيْفِ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْتَ صَبِيٌّ، وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَصْبِرَ وَتَعْجَزَ
стр. 599
عَنْ ذَا الْبَيْعِ قَالَ: فَقَالَ لِي: يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ إِنِّي أُبَايِعُ اللَّهَ بِالْجَنَّةِ، ثُمَّ أَعْجَزُ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي بَايَعْتُ اللَّهَ فَقَالَ: فَتَقَاصَرَتْ إِلَيْنَا أَنْفُسُنَا فَقُلْنَا: صَبِيٌّ يَفْعَلُ وَنَحْنُ لَا نَفْعَلُ، قَالَ: فَخَرَّجَ مِنْ مَالِهِ كُلَّهُ يَعْنِي تَصَدَّقَ بِهِ، إِلا فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ وَنَفَقَتَهُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخُرُوجِ كَانَ أَوَّلَ مَنِ طَلَعَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، ارْبَحِ الْبَيْعَ، ثُمَّ سِرْنَا وَهُوَ مَعَنَا يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ وَيَخْدِمُنَا، وَيَرْعَى دَوَابَّنَا، وَيَحْرُسُنَا إِذَا بِتْنَا، حَتَّى دُفِعْنَا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، فَبَيْنَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ يَوْمًا إِذْ أَقْبَلَ وَهُوَ يُنَادِي، وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ حَتَّى قَالَ أَصْحَابِي لَعَلَّهُ وَسْوَسَ الْغُلَامُ أو خلط عقله، حتى دنا وجعل ينادي يا عبد الواحد لَا صَبْرَ لِي وَاشَوْقَاهُ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ، فَقُلْتُ: حَبِيبِي وَمَا هَذِهِ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ قَالَ: إِنِّي غَفَوْتُ غَفْوَةً، يَعْنِي نِمْتُ نَوْمَةً، فَرَأَيْتُ كَأَنَّهُ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ: أَذْهَبُ بِكَ إِلَى الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ، فَهَجَمَ بِي عَلَى رَوْضَةٍ فِيهَا شَطُّ نَهْرٍ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ، فَإِذَا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ جَوَارٍ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ مَا لَا أَصِفُ، فَلَمَّا رَأَيْنَنِي اسْتَبْشَرْنَ، وَقُلْنَ: هَذَا زَوْجُ الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ قَدْ قَدِمَ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ فَقُلْنَ: لَا نَحْنُ خَدَمٌ لَهَا وَإِمَاؤُهَا، فَتَقَدَّمْ أَمَامَكَ فَتَقَدَّمْتُ، فَإِذَا بِنَهْرٍ فِيهِ لَبَنٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، فِي رَوْضَةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ، فِيهَا جَوَارٍ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُنَّ افْتُتِنْتُ مِنْ حُسْنِهِنَّ وَجَمَالِهِنَّ، فَلَمَّا رَأَيْنَنِي اسْتَبْشَرْنَ وَقُلْنَ: هَذَا وَاللَّهِ زَوْجُ الْعَيْنَاءِ الْمَرْضِيَّةِ قَدْ قَدِمَ عَلَيْنَا، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ فَقُلْنَ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ يَا وَلِيَّ اللَّهِ نَحْنُ خَدَمٌ لَهَا وَإِمَاءٌ لَهَا فَتَقَدَّمْ أَمَامَكَ فَتَقَدَّمْتُ، فَإِذَا بِنَهْرٍ آخَرَ مِنْ خَمْرٍ، عَلَى شَطِّ الْوَادِي فِيهِ جَوَارٍ أَنْسَيْنَنِي مَنْ خَلَّفْتُ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُنَّ: أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ فَقُلْنَ: لَا نَحْنُ إِمَاءٌ لَهَا وَخَدَمٌ لَهَا امْضِ أَمَامَكَ، فَتَقَدَّمْتُ فَإِذَا بِنَهْرٍ آخَرَ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى، وَرَوْضَةٌ فِيهَا جَوَارٍ لَهُنَّ مِنَ النُّورِ وَالْجَمَالِ مَا أَنْسَانِي مَنْ خَلَّفْتُ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكُنَّ أَفِيكُنَّ الْعَيْنَاءُ الْمَرْضِيَّةُ؟ قُلْنَ: يَا وَلِيَّ الرَّحْمَنِ نَحْنُ إِمَاءٌ لَهَا امْضِ أَمَامَكَ، فَتَقَدَّمْتُ فَوَقَعْتُ فِي خَيْمَةٍ مِنْ دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ جَارِيَةٌ عَلَيْهَا مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ مَا لَا أَصِفُهُ، فَلَمَّا رَأَتْنِي اسْتَبْشَرَتْ وَنَادَتْ مِنَ الْخَيْمَةِ، أَيَّتُهَا الْعَيْنَاءُ
стр. 600
الْمَرْضِيَّةُ هَذَا بَعْلُكِ قَدْ قَدِمَ قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنَ الْخَيْمَةِ فَدَخَلْتُ فِيهَا فَإِذَا هِيَ عَلَى سَرِيرِهَا قَاعِدَةٌ وَسَرِيرُهَا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٍ بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، فَلَمَّا رَأَيْتُهَا افْتُتِنْتُ فِيهَا وَهِيَ تَقُولُ: مَرْحَبًا بِوَلِيِّ الرَّحْمَنِ قَدْ دَنَا لَكَ الْقُدُومُ عَلَيْنَا، فَذَهَبْتُ لِأَعْتَنِقَهَا، فَقَالَتْ: مَهْلًا فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَكَ أَنْ تُعَانِقَنِي، فَإِنَّ فِيكَ رُوحَ الْحَيَاةِ وَأَنْتَ تُفْطِرُ اللَّيْلَةَ عِنْدَنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَانْتَبَهْتُ يَا عَبْدَ الْوَاحِدِ وَلَا صَبْرَ لِي عَنْهَا، قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ: فَمَا انْقَطَعَ كَلَامُنَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ لَنَا سَرِيَّةٌ مِنَ الْعَدُوِّ فَحَمَلْنَا عَلَيْهِمْ وَحَمَلَ الْغُلَامُ، قَالَ: فَعَدَدْتُ تِسْعَةً مِنَ الْعَدُوِّ الَّذِينَ قَتَلَهُمُ الْغُلَامُ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ، فَمَرَرْتُ بِهِ وَهُوَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ فَضَحِكَ مِلْءَ فِيهِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا
حِكَايَةُ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ:
٩٦٢ - حَدَّثَنَا الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَشِيرٍ، بِإِسْنَادِهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَوْشَبَ , عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ , يَقُولُ: «لوَ كَانَ جُرَيْجٌ الرَّاهِبُ فَقِيهًا لَعَلِمَ أَنَّ إِجَابَتَهُ أُمَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ رَبِّهِ» ، قَالَ: سَمِعْتُ غَيْرَهُ يَذْكُرُ قِصَّةَ جُرَيْجٍ، إِنَّهُ كَانَ رَاهِبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى فِي صَوْمَعَتِهِ، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ يَوْمًا، وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ فَنَادَتْهُ يَا جُرَيْجُ فَلَمْ يُجِبْهَا لِاشْتِغَالِهِ بِصَلَاتِهِ، فَقَالَتِ: ابْتَلَاكَ اللَّهُ بِالْمُومِسَاتِ تَعْنِي الزَّوَانِي، وَكَانَتِ امْرَأَةٌ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ خَرَجَتْ لِحَاجَةٍ لَهَا، فَأَخَذَهَا رَاعٍ فَوَاقَعَهَا عِنْدَ صَوْمَعَةِ جُرَيْجٍ فَحَمَلَتْ، وَكَانَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ يُعَظِّمُونَ أَمْرَ الزِّنَا، فَظَهَرَ أَمْرُ تِلْكَ الْمَرْأَةِ فِي الْبَلَدِ، فَلَمَّا وَضَعَتْ حَمْلَهَا أُخْبِرَ الْمَلِكُ أَنَّ امْرَأَةً قَدْ وَلَدَتْ مِنَ الزِّنَا، فَدَعَاهَا فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا الْوَلَدُ؟ قَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ قَدْ وَاقَعَنِي فَبَعَثَ الْمَلِكُ أَعْوَانَهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَنَادَوْهُ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ حَتَّى جَاءُوا بِالْمَرَازِبِ، وَهَدَّمُوا الصَّوْمَعَةَ، وَجَعَلُوا فِي عُنُقِهِ حَبْلًا، فَجَاءُوا بِهِ إِلَى الْمَلِكِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: إِنَّكَ قَدْ جَعَلْتَ نَفْسَكَ عَابِدًا، ثُمَّ تَهْتِكُ حُرُمَ النَّاسِ، وَتَتَعَاطَى مَا لَا يَحِلُّ لَكَ، قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ فَعَلْتُ؟ قَالَ: إِنَّكَ قَدْ زَنَيْتَ بِامْرَأَةِ كَذَا.
فَقَالَ: لَمْ أَفْعَلْ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ وَحَلَفَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يُصَدِّقُوهُ، فَقَالَ: رُدُّونِي إِلَى أُمِّي، فَرَدُّوهُ إِلَى أُمِّهِ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّاهُ إِنَّكِ قَدْ دَعَوْتِ اللَّهَ عَلَيَّ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ
следующие страницы →