للصلاة يرحمكم الله، ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟، واستحبّ لنا آخرُ لبس السواد والطرحة للخطيب، وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه، ورفعُ المؤذنين أصواتهم كلما ذكر اسم الله واسم رسول الله ﷺ جماعةً وفُرادى، وقال: من أين لكم أن هذا لم يُنقل؟ واستحبَّ لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب، وقال: من أين لكم أن إحياءهما لم يُنقل؟ وانفتح باب البدعة وقال: كل من دعا إلى باب بدعة: من أين لكم أن هذا لم يُنقل؟» (١).
المقدمة التاسعة
البدع تدخل في الوسائل كما تدخل في الغايات
فإن الوسائل توصف بأنها بدعة - بضوابط شرعية - كما توصف العبادات نفسها التي هي الغايات.
قد دلت الأدلة على ذلك ومنها:
١ - أثر ابن مسعود الذي أنكر فيه على الذين كانوا يكبِّرون الله مائة … إلخ - وقد سبق (٢) -.
وجه الدلالة: أن ابن مسعود أنكر اجتماعهم على الذكر وعلى عدِّهم بالحصى، فقد اتخذوا اجتماعهم وعدِّ تسبيحاتهم وتكبيراتهم وسيلةً للتنشيط، فدل هذا على أن البدع تدخل في الوسائل، وإلا لما أنكره ﵁.
стр. 72
٢ - قصة جمع القرآن، وفيه أن أبا بكر وزيد بن ثابت قالا: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟، أخرجه البخاري (١)، علمًا أن جمع المصحف من الوسائل، ومع ذلك احتجَّا بعدم فعل رسول الله ﷺ ، ولو كانت الوسائل لا تدخلها البدعة لما قالا هذا واحتجَّا به.
وإن كثيرًا من البدع دخلت في الدِّين باسم المصالح المرسلة، لذا معرفة الفرق بينها والبدع المحدثة مهمٌّ.
وخلاصة الفرق ما يلي:
١ - أن يُنظر فيما يراد إحداثُه؛ هل المقتضي لفعله كان موجودًا في عهد رسول الله ﷺ والصحابة والمانع منتفٍ؟، فإن كان كذلك، ولم يفعلوا؛ ففعل هذا الأمر من البدع لا من المصالح، إذ لو كان خيرًا لسبقونا إليه، فتكون من المصالح الملغاة، لأنّها معارضة للسنّة التركيّة، فكلّ مصلحة معارضة لدليل شرعي فهي ملغاة، أما لو كان هناك مانعٌ ثم زال، ففعله ليس من البدع، بل من المصالح المرسلة، لأنه لا يتعارض مع السنّة التركية، ومن ذلك عدم وجود الشيء في زمانهم، كمكبرات الصوت في الأذان، ففعله ليس بدعة، لكونه لا يتعارض مع السنة التركية.
٢ - إن كان المقتضي غير موجود في عهد النبي ﷺ فيُنظر فيه هل السبب لفعله ذنوب العباد وتقصيرهم؟، فمثل هذا لا يسوغ ما قد يسميه صاحبه بالمصلحة المرسلة، بل يؤمر الناس بالرجوع إلى دين الله والتمسك به، لأنهم مطالبون
стр. 73
بذلك، وغيرهم مطالب بدعوتهم لذلك، وهذا مثل تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين ليسمع الناس الخطبة، فمثل هذا من البدع المحدثة.
قال الإمام ابن تيمية: «والضابط في هذا - والله أعلم - أن يُقال: إن الناس لا يحدثون شيئًا إلا لأنهم يرونه مصلحةً، إذ لو اعتقدوه مفسدةً لم يُحدثوه، فإنه لا يدعو إليه عقلٌ ولا دينٌ، فما رآه الناس مصلحةً نظر في السبب المحوج إليه، فإن كان السبب المحوج أمرًا حدث بعد النبي ﷺ من غير تفريط منا، فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائمًا على عهد رسول الله ﷺ لكن تركه النبي ﷺ لمعارضٍ زال بموته.
وأما ما لم يحدث سببٌ يحوج إليه، أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد، فهنا لا يجوز الإحداث، فكل أمرٍ يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﷺ موجودًا لو كان مصلحةً ولم يُفعل، يُعلم أنه ليس بمصلحةٍ، وأما ما حدث المقتضي له بعد موته من غير معصية الخلق، فقد يكون مصلحة.
ثم هنا للفقهاء طريقان:
أحدهما: أن ذلك يفعل ما لم يُنه عنه، وهذا قول القائلين بالمصالح المرسلة.
والثاني: أن ذلك لا يُفعل إن لم يُؤمر به، وهو قول من لا يرى إثبات الأحكام بالمصالح المرسلة، وهؤلاء ضربان:
منهم من لا يثبت الحكم، إن لم يدخل في لفظ كلام الشارع، أو فعله، أو إقراره، وهم نُفاة القياس. ومنهم من يثبته بلفظ الشارع أو بمعناه، وهم القياسيون، فأما ما كان المقتضي لفعله موجودًا لو كان مصلحةً، وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغييرٌ لدين الله، وإنما دخل فيه من نسب إلى تغيير الدِّين، من الملوك
стр. 74
والعلماء والعباد، أو من زلَّ منهم باجتهاد، كما روي عن النبي ﷺ وغير واحدٍ من الصحابة: «إن أخوف ما أخاف عليكم زلَّة عالم، وجدال منافقٍ بالقرآن، وأئمةٌ مضلُّون» (١)، فمثال هذا القسم الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء، أنكره المسلمون لأنه بدعةٌ، فلو لم يكن (كونُه بدعةً) دليلًا على كراهيته، وإلا لقيل هذا ذكرٌ لله ودعاءٌ للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: ٣٣]. - ثم قال: -
ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريطٍ من الناس تقديم الخطبة على الصلاة في العيدين، فإنه لما فعله بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعةٌ، واعتذر من أحدثه بأن الناس قد صاروا ينفضُّون قبل سماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله ﷺ لا ينفضُّون حتى يسمعوا أو أكثرهم، فيُقال له: سببُ هذا تفريطك، فإن النبي ﷺ كان يخطبهم خطبةً يقصد بها نفعهم وتبليغهم وهدايتهم، وأنت قصدك إقامة رياستك، وإن قصدت صلاح دينهم، فلا (٢) تعلمهم ما ينفعهم، فهذه المعصية منك لا تُبيح لك إحداث معصيةٍ أخرى، بل الطريق في ذلك أن تتوب إلى الله وتتبع سنة نبيه، وقد استقام الأمر وإن لم يستقم فلا يسألك الله إلا عن عملك، لا عن عملهم، وهذان المعنيان مَنْ فهمهما انحلَّ عنه كثيرٌ من شبهِ البدع الحادثة» (٣).
стр. 75
المقدمة العاشرة
القياسُ لا يصحُّ في العباداتِ غير معقولةِ المعنى (العلة)
العلة من أركان القياس، فإذا كانت العلة غير معقولة المعنى فلا يصح القياس، كما قرره الأصوليون، وممن قرر هذا ابن قدامة فقال: «فإن جعل مكان التراب غيره؛ من الأشنان، والصابون، والنخالة، ونحو ذلك، أو غسله غسلة ثامنة، فقال أبو بكر: فيه وجهان: أحدهما لا يجزئه؛ لأنه طهارة أمر فيها بالتراب، فلم يقم غيره مقامه، كالتيمم؛ ولأن الأمر به تعبد غير معقول، فلا يجوز القياس فيه» (١).
وقال: «وقياس ذلك على الصلاة إلى المقبرة لا يصح؛ لأن النهي إن كان تعبدًا غير معقول المعنى امتنع تعديته ودخول القياس فيه» (٢).
وأيضًا إذا عارض القياس الدليل الشرعي صار قياسًا فاسدًا، كما قرره الأصوليون (٣).
فإذا وجد القياس في عبادة معقولة المعنى، لكنه يصادم الدليل الشرعي كالسنة التركية، فإنه يكون قياسًا فاسدًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والقياس
стр. 76
هنا فاسد الوضع والاعتبار، لأنه موضوعٌ في مقابلة النص، وذلك أن تركه ﷺ سنة، كما أن فعله سنة» (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذا الترك سنةٌ خاصةٌ، مقدمةٌ على كل عموم وكل قياس» (٢).
ثم ذكر شيخ الإسلام على هذا أمثلة فقال: «وأشنع من هذا استحباب بعض أصحاب الشافعي لمن سعى بين الصفا والمروة أن يُصلي ركعتين بعد السعي على المروة، قياسًا على الصلاة بعد الطواف، وقد أنكر ذلك سائر العلماء من أصحاب الشافعي وسائر الطوائف، ورأوا أن هذه بدعةٌ ظاهرةُ القبح، فإن السنة مضت بأن النبي ﷺ وخلفاءه طافوا وصلَّوا، كما ذكر الله الطواف والصلاة، ثم سعوا ولم يُصلُّوا عقب ذلك، فاستحباب الصلاة عقب السعي كاستحبابها عند الجمرات، أو بالموقف بعرفات، أو جعل الفجر أربعًا قياسًا على الظهر، والترك الراتب سنةٌ، كما أن الفعل الراتب سنةٌ، بخلاف ما كان تركه لعدم مقتضٍ.
- ثم قال: - فأما تركه من جنس العبادات مع أنه لو كان مشروعًا لفعله أو أذن فيه، ولفعله الخلفاء بعده والصحابة، فيجب القطع بأن فعله بدعةٌ وضلالةٌ ويمتنع القياس في مثله … » (٣).
стр. 77
المقدمة الحادية عشرة
كل عبادةٍ مشروعةٍ في الجملة فليس لأحدٍ أن يخصصها أو يقيِّدها
بمكانٍ أو زمانٍ أو كيفية أو سببٍ أو غير ذلك إلا بدليل
بهذه المقدمة يعرف كثير من البدع التي راجت باسم الدين، والتبس أمرها على بعض المسلمين، فإن الشريعة جاءت بالحث على الصلاة والإكثار منها، فليس لأحد أن يشرع صلاة الرغائب أو الألفية بحجة أن الشريعة جاءت بالحث على الصلاة، وكذلك جاءت الشريعة بالحث على الذكر، فليس لأحد أن يذكر الله بالذكر الجماعي، كحال الذين أنكر عليهم ابن مسعود وهكذا … والدليل على هذه المقدمة ما يلي:
الدليل الأول: كل دليل في التحذير من البدع - وقد تقدم -؛ لأن تخصيص العبادة أو تقييدها بمكان أو سبب … الخ تشريعٌ من الدين بلا دليل شرعي، فيكون من البدع.
الدليل الثاني: كل دليل في حجية السنة التركية - وقد تقدم -، وذلك أن هذا التعيين أو التخصيص لم يفعل، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه.
الدليل الثالث: أن هذا فهم الصحابة وهم خير القرون، كما في فعل ابن مسعود لما أنكر على الذين يذكرون الله حلقًا، وأخرج الحاكم أن رجلًا عطس عند عبد الله بن عمر ﵄، فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله، فقال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، ولكن ليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، علَّمنا إذا عطس أحدنا أن يقول: «الحمد لله على كل
стр. 78
حال» (١)، فذكر أن الذكر والسلام على رسول الله مشروعان ومحبوبان لله، لكن لم يقيد الذكر بصفة لا دليل عليها، ولما قيد السلام على رسول الله ﷺ بسببٍ لا دليل عليه، أنكره ابن عمر، وقد قرر هذه المقدمة أهل العلم.
ولخفاء هذا الأصل وأهميته ألف أبو شامة كتابه (الباعث على إنكار البدع والحوادث) فقال: «فصل في القسم الثاني من البدع المشتبه أمره على الناس.
وأما القسم الثاني الذي يظنه معظم الناس طاعة وقربة إلى الله تعالى وهو بخلاف ذلك أو تركه أفضل من فعله فهذا الذي وضعت هذا الكتاب لأجله، وهو ما قد أمر الشرع به في صورة من الصور من زمان مخصوص أو مكان معين؛ كالصوم بالنهار، والطواف بالكعبة، أو أُمر به شخص دون غيره، كالذي اختص النبي ﷺ من المباحات والتخفيفات، فيقيس الجاهل نفسه عليه فيفعله وهو منهي عن ذلك، ويقيس الصور بعضها على بعض، ولا يفرق بين الأزمنة والأمكنة، ويقع ذلك من بعضهم بسبب الحرص على الآثار من إيقاع العبادات والقرب والطاعات، فيحمهلم ذلك الحرص على فعلها في أوقات وأماكن نهاهم الشرع عن اتخاذ تلك الطاعات فيها» (٢).
ومما قال أبو شامة بعد أن أورد أحاديث في فضل ليلة النصف من شعبان: «قلت: وليس في هذا بيان صلاةٍ مخصوصةٍ، وإنما هو مُشعرٌ بفضل هذه الليلة والتهجد، وقيام الليل مُستحبٌّ في جميع ليالي السنة وكان على النبي ﷺ واجبًا،
стр. 79
فهذه الليلة بعضٌ من الليالي التي كان يصليها ﷺ أو يحييها، وإنما المحذور المنكر تخصيص بعض الليالي بصلاةٍ مخصوصةٍ على صفةٍ مخصوصةٍ، وإظهار ذلك على مثل ما ثبت من شعائر الإسلام، كصلاة الجمعة والعيد وصلاة التراويح» (١).
وقال: «ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقاتٍ لم يخصصها بها الشرع، بل يكون جميع أفعال البرِّ مرسلةً في جميع الأزمان، وليس لبعضها على بعضٍ فضلٌ إلا ما فضَّله الشرع وخصَّه بنوعٍ من العبادة.
- ثم قال: - فالحاصل أن المكلف ليس له منصبُ التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفةَ عبادة رسول الله ﷺ » (٢).
قال العز بن عبد السلام: «لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة لا سببَ لها، فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصلح بدونها، وكما لا يتقرب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة ومزدلفة ورمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة وإن كانت قربة إذا كان لها سبب صحيح، وكذلك لا يتقرب إلى الله تعالى بالصلاة والصيام في كل وقت وأوان، وربما تقرب الجاهلون إلى الله تعالى بما هو مبعد عنه من حيث لا يشعرون» (٣).
قال الإمام أبو العباس ابن تيمية: «قاعدةٌ شرعيةٌ: شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص
стр. 80
والتقييد، فإن العام والمطلق لا يدل على ما يختصُّ بعض أفراده ويقيد بعضها، فلا يقتضي أن يكون ذلك الخصوص والتقييد مشروعًا ولا مأمورًا به، فإن كان في الأدلة ما يكره ذلك الخصوص والتقييد كُرِه، وإن كان فيها ما يقتضي استحبابه استُحبَّ، وإلاّ بقي غير مُستحبٍّ ولا مكروهٍ» (١).
قال البعليُّ: «وقرَّر أبو العباس قاعدةً نافعةً وهي أن ما أطلقه الشارع بعملٍ يُطلق مسمَّاه ووجوده، ولم يجز تقديره وتحديده بمدةٍ» (٢).
قال ابن القيم: «إن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وكراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم، وليلتها بالقيام، سدًّا لذريعة اتخاذ شرعٍ لم يأذن به الله، من تخصيص زمانٍ أو مكانٍ بما لم يخصّه به، ففي ذلك وقوعٌ فيما وقع فيه أهل الكتاب» (٣).
قال الشاطبي: «وليس كما توهموا؛ لأن الأصل إذا ثبت في الجملة لا يلزم إثباته في التفصيل، فإذا ثبت مطلق الصلاة لا يلزم منه إثبات الظهر أو العصر، أو الوتر أو غيرها حتى ينص عليها على الخصوص، وكذلك إذا ثبت مطلق الصيام لا يلزم منه إثبات صوم رمضان أو عاشوراء أو شعبان أو غير ذلك، حتى يثبت التفصيل بدليل صحيح، ثم ينظر بعد ذلك في أحاديث الترغيب والترهيب بالنسبة إلى ذلك العمل الخاص الثابت بالدليل الصحيح.
стр. 81
وليس فيما ذكر في السؤال شيء من ذلك، إذ لا ملازمة بين ثبوت التنفل الليلي أو النهاري في الجملة، وبين قيام ليلة النصف من شعبان بكذا وكذا ركعة، يقرأ في كل ركعة منها بسورة كذا على الخصوص كذا وكذا مرة، ومثله صيام اليوم الفلاني من الشهر الفلاني، حتى تصير تلك العبادة مقصودة على الخصوص، ليس في شيء من ذلك ما يقتضيه مطلق شرعية التنفل بالصلاة أو الصيام.
والدليل على ذلك: أن تفضيل يوم من الأيام أو زمان من الأزمنة بعبادة ما، يتضمن حكمًا شرعيًّا فيه على الخصوص، كما ثبت لعاشوراء مثلًا أو لعرفة، أو لشعبان مزية على مطلق التنفل بالصيام، فإنه ثبت له مزية على الصيام في مطلق الأيام، فتلك المزية اقتضت مرتبة في الأحكام أعلى من غيرها، بحيث لا تفهم من مطلق مشروعية الصيام النافلة؛ لأن مطلق المشروعية يقتضي أن الحسنة فيه بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف في الجملة، وصيام يوم عاشوراء يقتضي أنه يكفر السنة التي قبله، فهو أمر زائد على مطلق المشروعية، ومساقه يفيد له مزية في الرتبة، وذلك راجع إلى الحكم.
فإذا هذا الترغيب الخاص يقتضي مرتبة في نوع المندوب خاصة، فلا بد من رجوع إثبات الحكم إلى الأحاديث الصحيحة بناء على قولهم: «إن الأحكام لا تثبت إلا من طريق صحيح»، والبدع المستدل عليها بغير الصحيح لا بد فيها من زيادة على المشروعات؛ كالتقييد بزمان ما، أو عدد ما، أو كيفية ما، فيلزم أن تكون أحكام تلك الزيادة ثابتة بغير الصحيح، وهو ناقض لما أسسه العلماء» (١).
стр. 82
وقال الشاطبي: «وبيان ذلك: أن الدليل الشرعي إذا اقتضى أمرًا في الجملة مما يتعلق بالعبادات مثلًا، فأتى به المكلف في الجملة أيضًا؛ كذكر الله، والدعاء، والنوافل المستحبات، وما أشبهها مما يعلم من الشارع فيها التوسعة؛ كان الدليل عاضدًا لعمله من جهتين: من جهة معناه، ومن جهة عمل السلف الصالح به، فإن أتى المكلف في ذلك الأمر بكيفية مخصوصة، أو زمان مخصوص، أو مكان مخصوص، مقارنًا لعبادة مخصوصة، والتزم ذلك بحيث صار متخيلًا أن الكيفية، أو الزمان، أو المكان مقصود شرعًا من غير أن يدل الدليل عليه؛ كان الدليل بمعزل عن ذلك المعنى المستدل عليه.
فإذا ندب الشرع مثلًا إلى ذكر الله، فالتزم قوم الاجتماع عليه على لسان واحد، أو صوت واحد، أو في وقت معلوم مخصوص عن سائر الأوقات، لم يكن في ندب الشرع ما يدل على هذا التخصيص الملتزم، بل فيه ما يدل على خلافه. - ثم مثَّل بأمثلةٍ نافعةٍ ثم قال: -
فكل من خالف هذا الأصل فقد خالف إطلاق الدليل أولًا؛ لأنه قيد فيه بالرأي، وخالف من كان أعرف منه بالشريعة، وهم السلف الصالح ﵃» (١).
وقال: «ومثال ذلك أن يقال: إن الصوم في الجملة مندوب إليه لم يخصه الشارع بوقت دون وقت، ولا حد فيه زمانًا دون زمان، ما عدا ما نهي عن صيامه على الخصوص كالعيدين، أو ندب إليه على الخصوص كعرفة وعاشوراء، يقول: فأنا أخص منه يومًا من الجمعة بعينه، أو أيامًا من الشهر بأعيانها، لا من جهة ما عينه الشارع، فإن ذلك ظاهر، بل من جهة اختيار المكلف؛ كيوم الأربعاء
стр. 83
مثلًا في الجمعة، والسابع والثامن في الشهر، وما أشبه ذلك، بحيث لا يقصد بذلك وجهًا بعينه مما يقصده العاقل؛ كفراغه في ذلك الوقت من الأشغال المانعة من الصوم، أو تحري أيام النشاط والقوة، بل يصمم على تلك الأيام تصميمًا لا ينثني عنه، فإذا قيل له: لم خصصت تلك الأيام دون غيرها؟ لم يكن له بذلك حجة غير التصميم، أو يقول: إن الشيخ الفلاني مات فيه، أو ما أشبه ذلك، فلا شك أنه رأي محض بغير دليل، ضاهى به تخصيص الشارع أيامًا بأعيانها دون غيرها، فصار ذلك التخصيص من المكلف بدعة؛ إذ هي تشريع بغير مستند» (١).
قال ابن حجر الهيتمي: «بأن الذي صرح به النووي في المجموع: أن صلاة الرغائب وهي ثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء، ليلة أول جمعة من شهر رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مائة ركعة، بدعتان قبيحتان مذمومتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب قوت القلوب، وفي إحياء علوم الدين، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة، فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك، وقد صنف ابن عبد السلام كتابًا نفيسًا في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد» اهـ.
وأطال النووي أيضًا في فتاويه في ذمهما وتقبيحهما وإنكارهما، واختلفت فتاوى ابن الصلاح فيهما، وقال في الآخر: «هما وإن كانا بدعتين لا يمنع منهما لدخولهما تحت الأمر الوارد بمطلق الصلاة، ورده السبكي بأن ما لم يرد فيه إلا مطلق طلب الصلاة وأنها خير موضوع، فلا يطلب منه شيء بخصوصه، فمتى
стр. 84
خص شيئًا منه بزمان أو مكان أو نحو ذلك دخل في قسم البدعة، وإنما المطلوب منه عمومه، فيفعل لما فيه من العموم، لا لكونه مطلوبًا بالخصوص» اهـ.
وحينئذ فالمنع منهما جماعة أو انفرادًا … » (١).
قال العلامة الألباني: «إن البدعة المنصوص على ضلالتها من الشارع هي … - وذكر منها: - كل عبادة أطلقها الشارع وقيدها الناس ببعض القيود، مثل المكان أو الزمان أو صفة أو عدد» (٢).
قال العلامة ابن عثيمين: «فإن الشيء الذي يُستحبُّ على سبيل الإطلاق لا يمكن أن تجعله مستحبًّا على سبيل التخصيص والتقييد إلا بدليلٍ، ولهذا لو قال قائل: سأدعو في ليلة مولد الرسول ﷺ بأدعية واردةٍ جاءت بها السنة، قلنا: لا تفعل، لأنك قيدت العام بزمنٍ خاصٍ وهذا يحتاج إلى دليلٍ، فليس كل ما شرع على سبيل العموم يمكن أن نجعله مشروعًا على سبيل الخصوص» (٣).
تنبيه: لا أحد يخصص عبادةً بزمانٍ أو مكانٍ أو مقدارٍ أو غير ذلك إلا لشيءٍ قائمٍ في نفسه، فإنه لا يمكن أن يواظب الذاكر على ذكرٍ معيَّنٍ في زمنٍ معيَّنٍ أو على صفةٍ معيَّنةٍ بدون دافع، وهذا الدافع إذا كان تعبديًّا - وليس عليه دليلٌ معتبر - صار من جملة البدع، أما إذا كان الدافع غير تعبدي، كأن لا يتفرغ إلا في مثل هذا الوقت أو هذا المكان، فمثل هذا لا يكون من البدع لأنه ليس تعبديًّا،
стр. 85
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمن ذلك أن من أحدث عملًا في يوم كإحداث صومِ أول خميسٍ من رجب، والصلاة في ليلة تلك الجمعة التي يسميها الجاهلون صلاة الرغائب مثلًا، وما يتبع ذلك من إحداث أطعمةٍ وزينةٍ وتوسيعٍ في النفقة ونحو ذلك، فلابد أن يتبع هذا العمل اعتقادٌ في القلب، وذلك لأنه لابد أن يعتقد أن هذا اليوم أفضل من أمثاله، وأن الصوم فيه مستحبٌّ استحبابًا زائدًا على الخميس الذي قبله وبعده مثلًا، وأن هذه الليلة أفضل من غيرها من الجمع، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في غيرها من ليالي الجمع خصوصًا، وسائر الليالي عمومًا، إذ لولا قيام هذا الاعتقاد في قلبه، أو في قلب متبوعه لما انبعث القلب لتخصيص هذا اليوم والليلة، فإن الترجيح من غير مرجِّحٍ ممتنعٌ» (١).
وقال: «ومن قال: إن الصلاة أو الصوم في هذه الليلة كغيرها، هذا اعتقادي ومع ذلك فأنا أخصها، فلا بد أن يكون باعثه إما موافقة غيره، وإما اتباع العادة، وإما خوف اللوم، له ونحو ذلك، وإلا فهو كاذبٌ، فالداعي إلى هذا العمل لا يخلو قط من أن يكون ذلك الاعتقاد الفاسد أو باعثًا آخر غير ديني، وذلك الاعتقاد ضلالٌ.
- ثم قال: - ثم هذا العمل المبتدع مستلزمٌ إما لاعتقادٍ هو ضلالٌ في الدِّين، أو عمل دينٍ لغير الله سبحانه، والتدين بالاعتقادات الفاسدة، أو التدين لغير الله؛ لا يجوز» (٢).
стр. 86
قال الشاطبي: «فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يقصد مثله أهل العقل؛ كالفراغ والنشاط، كان تشريعًا زائدًا» (١).
المقدمة الثانية عشرة
العمل بالعام أو المطلق دون النّظر إلى عمل السّلف وفهمهم
في تخصيصه أو تقييده من جملة البدع
في هذه المقدمة تداخلٌ كبير مع المقدمة السابقة، إلا أنها أخص، لأنها تتعلق بالنصّ العام والمطلق، وذلك أنه إذا جاء نصٌّ عامٌّ أو مطلقٌ فدلَّ على أفرادٍ كثيرةٍ، فرأينا الرسول ﷺ والسلف الصالح عملوا ببعض أفراده دون بعض، فهذا يدل على أن الفرد الذي لم يعملوا به ليس داخلًا في العموم والإطلاق لأن تركهم سنةٌ تركيةٌ، والسنةُ التركيةُ مقدمةٌ على العموم، لأنها دليل خاص أو مقيد، وما كان كذلك فهو مقدمٌ على العام والمطلق، وما تقدم ذكره من أدلة ونقولات على المقدمة السابقة فهو أيضًا شامل لهذه المقدمة، لكن أفردت العامَّ والمطلق لأن اللبس فيهما أكثر والحاجة لهما أمس.
قال الإمام الشافعي: «وقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ … ﴾ [الأنفال: ٤١] فلما أعطى رسول الله ﷺ بني هاشم وبني عبد المطلب سهم ذي القربى، دلَّت سنةُ
стр. 87
رسول الله ﷺ أن ذا القربى الذين جعل الله لهم سهمًا من الخمس بنو هاشم وبنو عبد المطلب دون غيرهم … » (١).
فإن الإمام الشافعي - وهو أول من ألف في أصول الفقه - لم يتمسك بالعموم ولم يقل في فعل رسول الله ﷺ لما أعطى بني هاشم وبني عبد المطلب سهمًا أن هذا من باب ذكر بعض أفراد العام التي لا تقتضي التخصيص، بل قدَّم السنة التركية على العموم وجعلها مخصصةً له، إذ الخاص أقوى دلالةً من العام.
قال الإمام أحمد بن حنبل في رسالةٍ كتبها: «واعلم - رحمك الله - أن الخصومة في الدِّين ليست من طريق أهل السنة، وأن تأويل من تأول القرآن بلا سنة تدل على معنى ما أراد الله منه، أو أُثر عن أصحابه ﷺ ويُعرف ذلك بما جاء عن النبي ﷺ أو عن أصحابه، فهم شاهدوا النبي ﷺ وشهدوا تنزيله، وما قصَّ الله له في القرآن، وما عنى به، وما أراد به أخاصٌّ هو أم عامٌّ؟ فأما من تأوله على ظاهره بلا دلالة من رسول الله ﷺ ولا أحدٍ من الصحابة، فهذا تأويل أهل البدع، لأن الآية قد تكون خاصةً ويكون حكمها حكمًا عامًّا، ويكون ظاهرها على العموم، وإنما قُصدت لشيءٍ بعينه، ورسول الله ﷺ هو المعبِّر عن كتاب الله وما أراد، وأصحابه أعلم بذلك منا، لمشاهدتهم الأمر وما أريد بذلك … » (٢).
ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «قلت لفظ المجمل والمطلق والعام كان في اصطلاح الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي عبيد وإسحاق وغيرهم سواء لا
стр. 88
يريدون بالمجمل ما لا يُفهم منه، كما فسَّره بعض المتأخرين وأخطأ في ذلك، بل المجمل ما لا يكفي وحده في العمل به وإن كان ظاهره حقًّا.
- ثم قال: - ولهذا جعل الاحتجاج بالظواهر مع الإعراض عن تفسير النبي ﷺ وأصحابه طريق أهل البدع وله في ذلك مصنفٌ كبير» (١).
وقال: «شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعًا بوصف الخصوص والتقييد» (٢).
وقال: «وهذا الترك سنةٌ خاصةٌ مقدمةٌ على كل عموم وكل قياس» (٣).
وقال: «وقد ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا وغيرهم أنه يُستحب قيام هذه الليلة بالصلاة التي يسمونها الألفية، لأن فيها قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾
[الإخلاص: ١] ألف مرة، وربما استحبوا الصوم أيضًا، وعمدتهم في خصوص ذلك الحديث الذي يروى عن النبي ﷺ في ذلك، وقد يعتمدون على العمومات التي تندرج فيها هذه الصلاة» (٤)، ثم رد الاستدلال بالعموم.
وقال: «ومما قد يغلط فيه الناس اعتقاد بعضهم أنه يستحبُّ صلاة العيد بمنى يوم النحر، حتى قد يصليها بعض المنتسبين إلى الفقه، أخذًا بالعمومات اللفظية أو القياسية، وهذه غفلةٌ عن السنة ظاهرةٌ، فإن النبي ﷺ وخلفاءه لم يُصلُّوا بمنى عيدًا قط.
стр. 89
- ثم قال: - ومثل هذا ما قاله طائفةٌ - منهم ابن عقيل - أنه يُستحبُّ للمحرم إذا دخل المسجد الحرام أن يصلي تحية المسجد كسائر المساجد، ثم يطوف طواف القدوم أو نحوه، وأما الأئمة وجماهير الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم فعلى إنكار هذا، أما أولًا: فلأنه خلاف السنّة المتواترة من فعل النبي ﷺ وخلفائه، فإنهم لما دخلوا المسجد لم يفتتحوا إلا بالطواف ثم الصلاة عقب الطواف، وأما ثانيًا: فلأن تحية المسجد الحرام هي الطواف كما أن تحية سائر المساجد هي الصلاة» (١).
قال ابن دقيق العيد: «وقريب من ذلك: أن تكون العبادة من جهة الشرع مرتبة على وجه مخصوص، فيريد بعض الناس: أن يُحْدث فيها أمرًا آخر لم يرد به الشرع، زاعمًا أنه يدرجه تحت عموم، فهذا لا يستقيم؛ لأن الغالب على العبادات التعبد، ومأخذها التوقيف، وهذه الصورة: حيث لا يدل دليل على كراهة ذلك المحدث أو منعه، فأما إذا دل فهو أقوى في المنع وأظهر من الأول، ولعل مثال ذلك، ما ورد في رفع اليدين في القنوت، فإنه قد صح رفع اليد في الدعاء مطلقًا، فقال بعض الفقهاء: يرفع اليد في القنوت؛ لأنه دعاء، فيندرج تحت الدليل المقتضي لاستحباب رفع اليد في الدعاء، وقال غيره: يكره؛ لأن الغالب على هيئة العبادة التعبد والتوقيف، والصلاة تصان عن زيادة عمل غير مشروع فيها، فإذا لم يثبت الحديث في رفع اليد في القنوت: كان الدليل الدال على صيانة الصلاة عن العمل الذي لم يشرع: أخص من الدليل الدال على رفع اليد في الدعاء.
стр. 90
- ثم قال: - والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي ذكرناه، وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات، أو طلب دليل خاص على ذلك الشيء الخاص، وميل المالكية إلى هذا الثاني، وقد ورد عن السلف الصالح ما يؤيده في مواضع، ألا ترى أن ابن عمر ﵄ قال في صلاة الضحى: «إنها بدعة» (١)؛ لأنه لم يثبت عنده فيها دليل، ولم ير إدراجها تحت عمومات الصلاة لتخصيصها بالوقت المخصوص، وكذلك قال في القنوت الذي كان يفعله الناس في عصره «إنه بدعة» (٢)، ولم ير إدراجه تحت عمومات الدعاء، وكذلك ما روى الترمذي من قول عبد الله بن مغفل لابنه في الجهر بالبسملة «إياك والحدث» (٣) ولم ير إدراجه تحت دليل عام، وكذلك ما جاء عن ابن مسعود ﵁ فيما أخرجه الطبراني في معجمه (٤) بسنده عن قيس بن أبي حازم قال: «ذكر لابن مسعود قاص يجلس بالليل، ويقول للناس: قولوا كذا، وقولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه فأخبروني، قال: فأخبروه، فأتاه ابن مسعود متقنعًا، فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود، تعلمون أنكم لأهدى من محمد ﷺ وأصحابه، يعني أو إنكم لمتعلقون بذنب ضلالة.
وفي رواية: «لقد جئتم ببدعة ظلماء، أو لقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علمًا».
стр. 91
«فهذا ابن مسعود أنكر هذا الفعل، مع إمكان إدراجه تحت عموم فضيلة الذكر، على أن ما حكيناه في القنوت والجهر بالبسملة من باب الزيادة في العبادات» (١).
قال الشاطبي: «وقد تمهد أيضًا في الأصول أن المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجةً في غيره، فالحاصل أن الأمر أو الإذن إذا وقع على أمرٍ له دليلٌ مطلقٌ، فرأيت الأولين قد عملوا به على وجهٍ واستمرّ عليه عملهم، فلا حجة فيه على العمل على وجهٍ آخر، بل هو مفتقرٌ إلى دليلٍ يتبعه في إعمال ذلك الوجه» (٢).
وقال: «وفي فصل البيان من كتاب «الموافقات» جملة من هذا، وهو مزلة قدم، فقد يتوهم أن إطلاق اللفظ يشعر بجواز كل ما يمكن أن يفرض في مدلوله وقوعًا، وليس كذلك، وخصوصًا في العبادات؛ فإنها محمولة على التعبد على حسب ما تلقي عن النبي ﷺ والسلف الصالح» (٣).
وبهذا ينتهي القسم الأول بمقدماته الاثنتي عشرة.
стр. 92
القسم الثاني
كشف شبهات كتاب (مفهوم البدعة)
بعد ذكر المقدمات الاثنتي عشرة، والتي تعدُّ مرتكزًا ومدخلًا لكشف شبهات كتاب (مفهوم البدعة) وبعد ما سيأتي - إن شاء الله - من الرد الإجمالي والمناظرة التقريبية، فإني سأحاول - بتوفيق الله - كشف أبرز الشبهات في هذا الكتاب، علمًا أني لا ألتزم الترتيب بحسب وجودها في الكتاب المردود عليه.
وسيكون كشفي لشبهات الكتاب - بتوفيق الله - بطريقين؛ إجمالي وتفصيلي، أبدأ أولًا بالإجمالي ثم بالتفصيلي.
الرد الإجمالي
إن عند الكاتب خلطًا وتداخلًا وعدم تمييز؛ لأنه غير متخصص في العلوم الشرعية من جهة، ومن جهة أخرى أنه اعتقد ثم أراد أن يستدل، فهو لما اعتقد شرعية بعض البدع، كالاحتفال بالمولد النبوي - والذي أكثر ذكره في الكتاب - وأمثاله، استمات ليشرعها، فخلط وتناقض ووقع في حيصَ بيصَ (١)، وهذا ليس غريبًا، فإن كل من خالف الحق فلابد أن يتناقض ويضطرب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنهم كلهم يتناقضون، وكل من خالف الرسول فلا بد أنه يتناقض،
стр. 93
قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾] الذاريات: ٨ - ٩ [. وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾] النساء: ٨٢ [» (١).
قال ابن القيم: «فأقسم بذلك على أن الرادين لما بعث به رسوله، المعارضين له بعقولهم؛ في قول مختلف، ولهذا نجدهم دائمًا في قول مختلف لا يثبت لهم قدم على شيء يعولون عليه، فتأمل أي مسألة أردْتَ من مسائلهم ودلائلهم تجدْهم مختلفين فيها غايةَ الاختلاف، يقول هذا قولًا وينقضه الآخر، فيجيء الثالث فيقول قولًا غير ذينك القولين وينقضهما ويبطل أدلتهما، ولا تجد لهم مسألة واحدة إلا وقد اضطربوا فيها حكمًا ودليلًا، فهم أعظم الناس اختلافًا، حتى تجد الواحد منهم يقول القول ويدعي أنه قطعي» (٢).
ويتبين الخلل في الفهم والعلم الشرعي عند الكاتب بمعرفة الرد الإجمالي، وهو في سبعة أمور:
أولًا: زعمه أن العبادات ليست توقيفية مطلقًا، فقال: «إن هذه الأدلة الشرعية توضح أن قضية تعميم منع العبادات إلا بتوقيف تنقصها بعض الدقة» (٣)، وهذا خطأ مخالف للأدلة وإجماع أهل العلم كما تقدم في المقدمة السابعة، ولو تفهم لعلم أن معنى أنها ليست توقيفية على الإطلاق؛ أي أنه يجوز بأي حال من الأحوال إثبات عبادات بلا دليل شرعي بل بهوى النفس!!
стр. 94
والذي دعا الكاتبَ لهذا أنه يرى أن العبادات المستجدة تثبت إذا انسجمت مع قواعد الشريعة؛ الاجتهاد والقياس، لذا قال: بل لكل محدثة حكمها الذي ينسجم مع مقاصد الشريعة ونصوصها العامة وقواعدها الكلية، وقال: «ما يمكن إلحاقه بالمشروع عن طريق الاجتهاد والقياس».
ولو تفهم، لعلم أن هذه المستجدات التي جاز التعبد بها كانت بسبب دلالة القواعد الشرعية - وغير ذلك - على صحتها، وما كان كذلك فإنها ترجع إلى الشرع؛ فتكون توقيفية، فلا يصح أن يقال: إنها عبادة غير توقيفية.
ولما قرر العلماء أن العبادات توقيفية علموا أن هذا لا يتعارض مع إثبات عبادات بالقواعد والأدلة العامة بالضوابط الشرعية، كما تقدم في المقدمة الثامنة والحادية عشرة.
وإن كان قد يختلف العلماء أنفسهم في هذه الأدلة وفي دقة تنزيلها على الوقائع، إذا عرف هذا فخلاف الكاتب مع من قال: إنها توقيفية مطلقًا؛ خلافٌ لفظي، لكنه لا يدرك ذلك ولا يفهمه، لأنه اعتقد ثم استدل، فبسبب هذا خرج بتأصيل مُحْدَثٍ، وهو زعْمُه أن العبادات ليست توقيفية مطلقًا!!.
وأيضًا، من عرف ما تقدم أدرك خطأ الكاتب لما وصف الذين أسماهم بالمضيقين، أنهم يمنعون كل المستجدات، فقال على لسانهم: وأن القول بأن بعض المحدثات المستجدات يمكن أن تكون مشروعة؛ قولٌ باطل» (١) وهذا غير صحيح، ولا قائل به، بل حتى من أسماهم بالمضيقين يجوزون بالضوابط الشرعية التعبد ببعض المستحدثات، كما يتبين بالرجوع إلى المقدمتين السابقتين.
стр. 95
وأؤكد أنَّ ظنَّ الكاتب: (أن إثبات العبادات بالقواعد الشرعية وبالعمومات بضوابطها، يقتضي أنها ليست توقيفية مطلقًا)؛ ظنٌّ خطأ فادح.
ثانيًا: قسم الكاتب المتكلمين في البدع من أهل العلم إلى مضيق وموسع، فلما أراد أن يذكر أمثلةً على المضيقين والموسعين بان اضطرابه، وذلك أنه وصف المضيقين بأمور هي خطأٌ وتوهمٌ لا حقيقة له في الواقع إلا في ذهنه، كالقول بأنهم يبدعون ويضللون كل المستجدات الدينية، ولا يراعون القواعد في المستجدات، وهكذا .. ثم إذا وقف على حقيقة كلامهم وجد خلاف ما توهمه فيهم، بل وجدهم يقعدون بعدم تبديع كل المستجدات للقواعد الشرعية وغير ذلك، فبعد هذا يضطرب، فتارة يصنف بعضهم مع الموسعين، كما فعل في تصنيفه لابن كثير وابن رجب مع أنهما يقولان: كل ما ثبت أنه بدعة فهو محرم، ومن كان كذلك فينبغي أن يصنفه من المضيقين كما سبق في تقعيده لما قسَّم!.
وتارة يشك؛ كما فعل مع الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ فقال:
«قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - مع أنه من العلماء المضيقين لمعنى البدعة -: نخلع جميع البدع إلا بدعة لها أصل في الشرع، كجمع عمر التراويح جماعة، وكجمع المصحف، وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كل خميس، ونحو ذلك. فهذا حسن» انتهى الدرر السنية (٥/ ١٠٣)، فكلامه يشير إلى وجود بدع لها أصل في الشرع، وبالتالي يشير إلى تخصيص عموم ذمها، فتأمل» (١).
стр. 96
وهذا الاضطراب بدا جليًّا مع الشاطبي حين قال: «وقد ألف الشاطبي ﵀ كتابه الاعتصام حول موضوع البدعة، وتنازعه الفريقان، وادعى كل فريق أن الشاطبي ﵀ معدود في فريقه» (١).
ولو كان ذا فهم وعلم لعلم أن كل العلماء يجوزون عبادات من غير دليل خاص، فيلزم من هذا أن يكونوا جميعًا موسعين - على اصطلاحه -، ولا يوجد علماء مضيقون - على اصطلاحه - إلا في ذهنه هو، ولأجل ما تقدم اضطر أن يجعل أبا شامة وابن كثير وابن رجب من الموسعين - كما تقدم -.
ثالثًا: أخطأ على العلماء الذين وصفهم بالموسعين وزعم أنهم يجوزون البدع الشرعية - أي عبادات لا دليل عليها -، وهذا جهل عليهم، فإن لهم كلامًا كثيرًا في تبديع كثير من الأفعال لمجرد عدم الدليل عليها، كما تقدم النقل عن أبي شامة والنووي، حتى إنه جعل العز بن عبد السلام من الموسعين مع أنه شديد في التبديع في العبادات العملية، حتى إنه جعل إيراد الشِّعر في خطبة الجمعة من البدع، فقال: «لا تذكر الأشعار في الخطبة، لأنه من أقبح البدع» (٢).
رابعًا: اضطرب في ضابط العلماء الموسعين والمضيقين، فمن الضوابط التي قررها: أن العلماء المضيقين يرون كل بدعة حرامًا، فقال: «أطلقت وصف المضيقين لمعنى البدعة على العلماء القائلين بأن للبدعة حكمًا واحدًا، وهو الحرمة، ويقابلهم الموسعون لمعنى البدعة، وهم الذين يرون أن البدعة منقسمة إلى الأحكام
стр. 97
الخمسة: الوجوب، والاستحباب، والجواز، والكراهة، والحرمة، وهذان الوصفان لا يحملان مدحًا أو قدحًا، بل يصفان واقعًا» (١).
ولو كان ملتزمًا لهذا الضابط لما عدّ ابن رجب من العلماء الموسعين؛ لأن كلام ابن رجب صريح في أن كل بدعة ضلالة، ومثله ابن كثير، كما نقله هو في الكتاب نفسه (٢)، فلما أراد أن يخرج من هذا المأزق جعل ابن كثير وابن رجب من أصحاب المذهب الثالث الذي (٣) أقر فيما بعدُ أن خلافهم لفظي مع المذهب الأول - وهم الموسعون -، فهم - حقيقة - جميعًا من الموسعين عنده.
خامسًا: عنده خلط كبير في فهم مذهب من يسميهم بالمضيقين، فيفهم أن مقتضى قولهم: إن كل البدع ضلالة ومحرمة، أنهم لا يرون تجويز عبادات حادثة بضوابط شرعية تتوافق مع أصول الشريعة، فكأنه - على فهمه لمذهبهم - يُلزمهم أن يحرموا مكبرات الصوت للأذان وغيرها من المستجدات الحديثة التي اتخذت وسائلَ للعبادات، ويلزمهم أن لا يجوزوا التعبد بالعبادات التي جاءت في الأدلة على وجه الإطلاق والعموم، وهذا كله خطأ فادح ووهم جانح، يعرف بفهم ما تقدم ذكره من المقدمات والنقولات.
قال الكاتب: والخلاف بين الفريقين حقيقي وليس لفظيًّا، إذ إن الفريق الأول - أي الموسعين - لا يحكم على المحدثات بالبدعة والحرمة، لعدم ورودها في نصوص الشرع، بل يجتهد ويقيس وينظر، ثم يصدر الحكم الشرعي المناسب
стр. 98
لها، أما الفريق الثاني - أي المضيقون - فيرى أن كل محدثة في الدين بدعة ضلالة؛ لأنه ليس مما عهد في الصدر الأول» (١).
وقال في بيان مذهب الموسعين خلافًا للمضيقين: «خلاصة رأي الموسعين لمعنى البدعة: إن النصوص السابقة تفيد أن للبدعة معنيين: الأول منهما معنى في اللغة، وهو كل محدث أولًا على غير مثال سابق، والثاني منهما معنى في الشرع، وهو كل محدث يخالف أصول الشريعة وقواعدها ونصوصها، فالبدعة بالمعنى اللغوي تحتمل المدح والذم، وتشملها الأحكام الخمسة، والمقياس في ذلك الاجتهاد والبحث في دلالات نصوص الشريعة وإشاراتها حول هذه الحادثة، أوردها إلى مثيلاتها في الكتاب والسنة عن طريق القياس، وأما بالمعنى الشرعي فإنها مذمومة؛ لأنها تخالف أصول الشريعة وقواعدها، فإن كانت البدعة
- بالمعنى اللغوي - لا تخالف أصول الشريعة، فهي بدعة في اللغة وسنة (أو واجبة أو جائزة) في الشرع» (٢).
هذا الذي ينسبه للموسعين هو في الواقع قول من زعمهم مضيقين، وأن الخلاف بينهما لفظي من جهة، وهو - في نسبة ما لم يفعله رسول الله ﷺ وصحابته للبدعة، مع دلالة الدليل عليه، ودلالة القواعد الشرعية عليه بالضوابط - بدعةٌ لغوية، ومن جهة ثالثة قد يحصل اختلاف حقيقي أحيانًا في طريقة تنزيل الدليل على الوقائع، فمثلًا - بعيدًا عن تقسيمه العلماء إلى مضيق وموسع -: الاستدلال
стр. 99
بالقياس، قد يتوسع بعضهم في العبادات المعقولة المعنى ولو خالف السنة التركية، بينما آخرون لا يعتدون به إذا خالف السنة التركية، وهكذا.
وأحيانًا يتفقان على التأصيل، ويختلفان في التنزيل، من باب الاختلاف في تحقيق المناط، وهو تنزيل الدليل على الوقائع.
سادسًا: إن من العقد عند الكاتب التي لم يستطع حلها، أو ما أراد حلها؛ أن القول بأن كل بدعة ضلالةٌ وحرامٌ يتنافى مع تجويز بعض المستجدات الشرعية مطلقًا، وأنها لابد أن تكون بدعة شرعية؛ ضلالة وحرامًا!!
وإن ظنه بتنافيهما وتنافرهما مطلقًا ليس صحيحًا؛ لأن القول بأن كل بدعة ضلالة، أي ما ثبت أنه بدعة لعدم دلالة الدليل عليها، سواء بالنص أو بالقواعد الشرعية، أو العمومات بضوابطها الشرعية، بخلاف ما دلَّ الدليل على شرعيتها بالضوابط العلمية، فإنها لا تكون بدعة ضلالة، ولو كانت من المستجدات.
وما ثبت من المستجدات الشرعية بالأدلة فإنها ليست بدعة بالمعنى الشرعي، ولو كانت مستحدثة؛ لأنها ثابتة بدليل شرعي معتبر، ويصح أن تسمى بدعة بالمعنى اللغوي باعتبار أنها لم تكن إلا بعد رسول الله ﷺ ، والذي رأيت الكاتب مصرًّا عليه هو: أن القول بأن (كل بدعة ضلالة) معناها تبديع وتضليل جميع العبادات المستجدة، ولو دلّت عليها الأدلة المعتبرة.
سابعًا: إن من أعظم ما سبب لبسًا وخلطًا عند الكاتب أنه لم يقر بأن ترك رسول الله ﷺ سنة، كما أن فعله سنة، بضوابطهما، فهو لا يوافق على أن فعل ما تركه رسول الله ﷺ وصحابته من العبادات، مع وجود المقتضي وانتفاء المانع؛ بدعة، مع أن هذا مقرر عند علماء من المذاهب الأربعة، ودلت عليه الأدلة، كما
стр. 100
تقدم في المقدمة الثامنة؛ لذا لم يخصص بها عامًّا ولم يقيد بها مطلقًا، ولم يرد بها قياسًا لأنه معارض لها.
وبهذا ينتهي الرد الإجمالي الذي قصدت منه بيان أن الكاتب مضطرب وغير متصور لما يكتبه، ولا لما يريده.
وأؤكد أن السبب في ذلك - فيما يظهر لي - أمران:
الأول: عدم فهمه وعدم تخصصه بالعلم الشرعي.
الثاني: أنه يريد تشريع بعض البدع، كالاحتفال بالمولد وغيره، فلما اعتقد شرعيتها سعى جاهدًا للاستدلال لما يعتقده، قال ابن القيم في مناسبة أخرى:
«ولكن هذا كله عمل من جعل الأدلة تبعًا للمذهب، فاعتقد ثم استدل، وأما من جعل المذهب تبعًا للدليل، واستدل ثم اعتقد، لم يمكنه هذا العمل» (١).
وفي مثل تناقضه واضطرابه يصدق قول من قال:
مَساوي لو جُمعْنَ على الغواني … لما أُمْهِرْن إلَّا بالطَّلاقِ
ولأنه قد لا يتصور بعض القراء شناعة تأصيل العرفج، فسأقرب - بفضل الله وتوفيقه - بعض العظائم التي زلّ فيها الكاتب في مناظرة ليسهل تصورها ومعرفتها.
والذي يمثل أهل السنة أجعله باسم (الناصح)، والذي على طريقة العرفج أجعله باسم (المخالف).
стр. 101
قال المخالف: أنا أتعجب من العلماء، فإنهم لم يفهموا البدعة وضابطها؛ لذا بدعوا أشياء مما يدل على عدم فهمهم لضابطها، ويؤكد هذا أنهم مختلفون في تبديع كثير من الأمور.
قال الناصح: القول بأن العلماء لم يفهموا ضابط البدعة دعوى لا تقبل إلا ببرهان.
أما الاختلاف في تبديع كثير من الأمور فليس دليلًا على عدم فهمهم لضابط البدعة، وذلك لأمرين:
الأول: أنهم متفقون على تبديع أمور أكثر.
الثاني: أنه لا زال العلماء يختلفون في تنزيل التأصيلات العلمية على الوقائع، وهو المسمى عند الأصوليين بـ (تنقيح المناط).
قال المخالف: أنا لي استقراء لصنيع العلماء في التبديع، وبناء عليه ظهر لي أن ضابط البدعة ليس منضبطًا عندهم.
قال الناصح: ليس كل استقراء مقبولًا، ولا كل من استقرأ كان استقراؤه تامًّا، فقد يكون الاستقراء ناقصًا، أو يكون فهمه لكلام العلماء غير صحيح.
قال المخالف: لتقتنع بما أقول: لنبدأ بمسألة (كل بدعة ضلالة).
قال الناصح: توكل على الله.
قال المخالف: زعم بعض العلماء بأن كل بدعة ضلالة، وعلى هذا مؤاخذات، وقبل الإشارة لبعضها .. فهل أنت تقول: «إن كل بدعة ضلالة»؟.
قال الناصح: نعم أنا أرى أن كل بدعة في الدين ضلالة لعموم الحديث، وأرى أن من يقرر أن في الدين بدعة حسنة فهو متناقض.
стр. 102
قال المخالف: زعمُ التناقض وهمٌ منك.
قال الناصح: لا بأس، إن الذي يوصف بأنه بدعة حسنة لا يخرج عن حالين:
إما أنه قد دلّ الدليل عليه ولو بالعموم وغيره، أو أن الدليل لم يدل عليه.
فإن كان قد دل عليه، فلا يصح أن يسمى بدعة بالمعنى الشرعي؛ لأنه ليس بدعة؛ لدلالة الدليل عليه.
وإن لم يكن دلّ عليه، فلا يصح التعبد به؛ لأن العبادات توقيفية وهي على الحظر والمنع إلا لدليل.
قال المخالف: المشكلة في عدم فهمك لمعنى البدعة الحسنة، وذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «نعمت البدعة هذه» فهو بهذا يقرر أن في الدين بدعة حسنة، فهل تقول: إن عمر متناقض؟ هذا أولًا.
قال الناصح: قبل أن تذكر الأمر الثاني: إن ما وصفه عمر بن الخطاب ﵁ بأنه بدعة حسنة هو مغاير لما تصفه بالبدعة الحسنة، وذلك أن عمر أراد بالبدعة المعنى اللغوي، لا ما أردته وهو المعنى الشرعي.
قال المخالف: كيف؟ الذي أراده عمر هو الذي أردتُه تمامًا؛ وذلك أن عمر ابن الخطاب أطلق هذا الوصف على صلاة التراويح جماعة، وهي عبادة.
قال الناصح: هذا يؤكد أن عمر أراد بالبدعة المعنى اللغوي، لا المعنى الشرعي؛ لأن ما أطلق عليه أنه بدعة هو ثابت عن رسول الله ﷺ ، لكن رسول الله ﷺ تركه لسبب وهو خشية أن يفترض، ثم لما زال هذا السبب رجع عمر وأحيا هذه السنة.
стр. 103
قال المخالف: بقي أمر ثان؛ وهو أنه لا يصح أن يقال بأن العبادات توقيفية على الإطلاق، فمن أحدث عبادة جديدة فهي صحيحة؛ لأنها بدعة حسنة.
قال الناصح: هذه زلة كبيرة، وهفوة شنيعة لم يسبقك إليها أحد، والأدلة والإجماع على خلاف هذا القول.
سبحان الله! أيصح أن يقال: إن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق!! إنه لم يقل بهذا حتى العلماء القائلون بأن في الدين بدعة حسنة؛ لأنهم لا يشرعون عبادة إلا بدليل؛ لأجل هذا قال الهيتمي الشافعي: إن الخلاف بين القائلين بأن في الدين بدعة حسنة، وأن البدع كلها ضلالة، خلاف لفظي.
وكلامه صحيح - في الجملة -؛ لأن كل العلماء لا يجوزون عبادة إلا بدليل، وإن كانوا قد يختلفون في تنزيل الأدلة على الوقائع، وأيضًا قد يختلفون في طريقة التعامل مع الأدلة، فمنهم من يوسع في الاستدلال بالقياس والعموم وهكذا …
لكن القول بأن الخلاف لفظي يوهم أن تسمية هذه البدعة بالبدعة الحسنة تسمية صحيحة، وهذا ما لا يوافَقُ عليه وهو غير صحيح، لكن من جهة الثمرة لا ثمرة لهذا الخلاف، وليس القول: (بأن في الدين بدعة حسنة) مجوزًا إحداثَ عباداتٍ جديدة لا دليل عليها.
بل ويلزم من القول بأن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق أن يرجع تشريع بعض العبادات إلى الهوى لا إلى الشرع!!
قال المخالف: إن القول بأنها توفيقية على الإطلاق يترتب عليه أن المستجدات والمستحدثات كالأذان وإلقاء الخطب بمكبرات الصوت بدعة ضلالة وهكذا …
стр. 104
لذا يجب القول بأنها ليست توقيفية على الإطلاق، ولأجل هذا فإنه بسبب استقرائي لكلام العلماء في البدعة، قسمتهم إلى موسعين ومضيقين.
فمن قال: إن في الدين بدعة حسنة، وأن العبادات ليست توقيفية، وأن هذه المستجدات ليست بدعة فهو من الموسعين، ومن لا فهو من المضيقين.
ثم ظهر لي أن من القائلين بأن البدع كلها ضلالة من يتناقض ويجوز مكبرات الصوت، ولا يجعلها بدعة، مع أن لازم أصله يقضي بأنها بدعة ضلالة، بل ذكر بعضهم أن جمع الصحابة للمصحف ليس بدعة، وهذا خلاف أصله.
ثم استدل بأن قواعد الشريعة دلت على هذا، وهذا يتنافى مع القول بأن كل بدعة ضلالة.
قال الناصح: لقد أُتيت من عدم فهمك لضوابط البدعة وكلام أهل العلم.
قال المخالف: كيف هذا وأنا المتخصص في دراسة البدعة، وألفت فيها كتابًا بعد دراسة وبحث.
قال الناصح: ليس كل من ألف أصاب، فقد ألّف أهل البدع مجلدات في الدعوة إلى بدعهم وعقائدهم الفاسدة، ومع ذلك ضلوا وأضلوا.
قال المخالف: إن زعمك أني لم أفهم شيءٌ كبيرٌ، فإما أن تثبته، أو أن تعرض عنه وتتراجع.
قال الناصح: يلزم بناء على تأصيلك وتقسيمك أن تجعل كل العلماء موسعين، لأنه لا يوجد عالم يقول: إن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق.
стр. 105
وأيضًا كل العلماء الذين جوزوا عباداتٍ لم يفعلها رسول الله ﷺ ولا صحابته؛ جوزوا ذلك تبعًا للقواعد الشرعية والأدلة العامة.
لذا، فإنك ستضطر إلى إحدى نتيجتين لا محالة؛ إما أن ترمي العلماء بالتناقض؛ لأنهم مرة يوسعون ومرة يضيقون، أو أن تكون متناقضًا؛ للجناية على العلماء بهذا التقسيم الخطأ في نفسه، والجائر في حكمه.
قال المخالف: الحق أحق أن يتبع، إن ما ذكرته عني هو النتيجة التي خرجت بها، فقد وجدت تناقضًا لكني جعلت التناقض من العلماء لا من فهمي.
قال الناصح: رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه، إن الأولى أن تجعل التناقض منك وإليك، لأنك تصورت موسعين لا وجود لهم، وهو أنهم لا يقولون: إن العبادات توقيفية على الإطلاق، وأيضًا تصورت مضيقين لا وجود لهم، وهو أنهم لا يجوزون شيئًا من العبادات المستجدة بالقواعد الشرعية والأدلة العامة، كجمع الصحابة للمصحف أو إلقاء الخطب عبر مكبرات الصوت وهكذا …
وبهذا تنتهي المناظرة التقريبية التي يعرف من خلالها التصور الخطأ الفادح والشنيع عند العرفج - رده الله إلى رشده -.
وبعد هذا:
إنَّ عجبي لا يكاد ينقضي بأن يخوض غمار هذه المسائل من لم يفهم مسلمات في البدعة، وهي أن الأصل في العبادات المنع والتوقيف مطلقًا، ثم لم يفهم أقوال أهل العلم، ومع ذلك أبى إلا أن يستطيل عليهم تقسيمًا وتصنيفًا.
стр. 106
وقبل البدء بالرد التفصيلي، إني لأجد كلفة ومشقة لمناقشة كلام الكاتب، وكشف شبهاته، لا لأنها قوية، كلا وايم الله، بل لأنها متناقضة متناطحة، فينكر شيئًا لفظًا ثم يثبته معنى وحقيقة، وأقرب مثال على هذا إنكاره أن العبادات توقيفية على الإطلاق، ثم حقيقة قوله: أنها توقيفية، لذا فإن الذي سأقوم به - بحول الله وإعانته - أن أبين أخطاءه بحسب ما قرره وكتبه بقلمه ولو كان متناقضًا ومضطربًا، وأعتذر مسبقًا أنني سأضطر إلى التكرار في مناقشة أقواله، لأنه يكرر شبهه بطرق متعددة، بل ويبني غيرها عليها، مما يضطرني لتكرار مناقشته، مع كرهي لذلك، لثقله عليّ وعلى القارئ الكريم.
стр. 107
الرد التفصيلي
إن عدد الشبهات التي تم كشفها - بفضل الله - نحو أربعين شبهة، وهذه الشبهات هي أهم ما رأيته في الكتاب، وإلا فإنَّ تتبع كل شبهاته مما يطول، والمقصود قد حصل بما ذكر.
والآن أبدأ - بحول الله - بكشف الشبهات تفصيليًّا:
من أصول الضلال عند الكاتب منازعته في أن
الأصل في العبادات التوقيف على الإطلاق
الشبهة الأولى
نازع الكاتب في أن الأصل في العبادات التوقيف على الإطلاق فقال: «إن هذه الأدلة الشرعية توضح أن قضية تعميم منع العبادات إلا بتوقيف تنقصها بعض الدقة» (١).
وقال: «التوقيف في العبادات قضية يعتمد عليها المضيقون للبدعة في تحريم كثير من المحدثات، فما إن ينظر أحدهم إلى محدثة إلا ويسارع بتحريمها بحجة أنها عبادة، والعبادة توقيفية، وبالتالي فلا يجوز إحداثها» (٢).
وكشف هذه الشبهة أن يقال:
стр. 108
إن هذه الشبهة من الأصول التي ضل فيها الكاتب وأضل، ثم إنه لم يكتف بالمنازعة في هذا الأصل مع شدة ضلاله، بل زاد الطين بِلَّةً، وعاب على من سماهم مضيقين بأنهم يعتمدون على هذا الأصل في تحريم كثير من المحْدَثات.
وإن تقرير الكاتب عدمَ التسليم بأن العبادات توقيفية على الإطلاق؛ باطل، وعن الدليل عاطل، بل هو مخالف للأدلة الشرعية، وأقوال الصحابة، وإجماع أهل العلم - كما تقدم تقريره في المقدمة السابعة -، فهو قول محدث لا سلف له؛ لذا لم يستطع نقله عن أحد، وإنما فزع إلى المتشابهات وترك المحكمات، وإن مما هو كاف في إسقاط هذا القولِ والكتابِ العلمَ بأنه لا سلف للكاتب في هذا الضلال، سواء الذين زعمهم موسعين أو مضيقين، وهذه كتب أهل العلم، فليذكر الكاتب مَنْ سلَفُه في هذا الضلال، ودونه ودون إثبات ذلك خرط القتاد.
على أن الكاتب - نفسه من حيث لا يدري - يقرر أن الأصل في العبادات التوقيف، كما بينته في الرد المجمل، وليس هذا بأول تناقضاته ومغالطاته.
وجه استدلال الكاتب بمحدثات الصحابة المزعومة في عهد رسول الله ﷺ
الشبهة الثانية
ذكر الكاتب (١) إقرار رسول الله ﷺ بعض المحدثات، ثم ذكر على ذلك أمثلة، ثم قال: «ولرب قائل يقول: إن النبي ﷺ قد أقرهم عليها، فأصبحت تلك المحدثات من السنن التقريرية، فالجواب: إن محل الاستشهاد بفعل الصحابة ﵃ يكمن في موضعين اثنين:
стр. 109
الأول: هو إقدام الصحابة ﵃ على فعل تلك الأمور المحدثة قبل أن يبين لهم النبي ﷺ مشروعيتها، مع تمكنهم من ذلك بكل يسر وسهولة، الأمر الذي يعني أنهم لم يكونوا يشعرون بالحرج في فعل ذلك، ولم يكونوا يرونها من البدع المذمومة، وإلا لأحجموا عنها.
الثاني: هو إقرار النبي ﷺ أصحابه على ما فعلوه وأحدثوه من الأمور الدينية، وعدم إنكاره ﷺ عليهم، الأمر الذي يدل دلالة واضحة على أن ترك النبي ﷺ للشيء لا يقتضي تحريمه، وإلا لكان كل ما فعله الصحابة ﵃ من الأمور محرمًا، لعدم فعله ﷺ له.
إن هذه الأدلة توضح أن قضية تعميم منع العبادات إلا بتوقيف تنقصها بعض الدقة» (١).
وبناء على زعمه بوجود الإحداث عند الصحابة جعله دليلًا على جواز الإحداث في الدين، وأنه لا يصح أن يقال: إن الأصل في العبادات التوقيف على الإطلاق.
وكشف هذه الشبهة من أوجه:
أولًا: أن كلام الصحابة كثير في الأمر بالاتباع وترك الابتداع، مما يدل على أن العبادات توقيفية على الإطلاق، وتقدم ذكر قول بعضهم كقول ابن مسعود: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم» (٢)، وقال ابن عمر: «وكل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة» (١).
стр. 110
فبهذا يعلم قطعًا أن ما توهمه الكاتب على الصحابة من أنهم لا يرون العبادات توقيفية على الإطلاق؛ توهم خطأ، والواجب عليه رد هذا المتشابه للمُحْكَم من أقوال الصحابة، ورده للأدلة الكثيرة، بل ورده للإجماع على أن الأصل في العبادات التوقيف مطلقًا، لأن العلماء لما قرروا هذا الأصل، وحكوا الإجماع عليه، لم يقيدوه، بل أطلقوه، وقد ذمّ الله من عمد إلى المتشابه وترك المحكم، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾] آل عمران: ٧ [.
وهذا في ظني كافٍ لمن بصره الله ونور قلبه وأراد به الخير، إذ .. هل يمكن أن يقبل أحد من غيره قولًا شرعيًّا انفرد به عن الأمة وخالفها، ولم يوافقه عليه أحد من العلماء، كعلماء المذاهب الأربعة وغيرهم من علماء السلف؟!
رد استدلاله بوضوء بلال لكل صلاة
الشبهة الثالثة
بدأ بذكر أمثلة عن الصحابة تدل - بزعمه - على أن العبادات ليست توقيفية على الإطلاق، فقال: «الأول: التزام بلال بن رباح ﵁ للطهارة بعد كل حدث، وصلاته ركعتين بعد كل طهارة، وبعد كل أذان، فكانت هذه من أرجى أعماله الصالحة عند الله، وهذا الالتزام مما اجتهد فيه بلال ﵁ من تلقاء نفسه، ولم يكن عنده سنة توقيفية عن رسول الله ﷺ ، ونص الحديث (١)