قلنا: نعم. قال: لا أنا من أولكم موتا. ثم تأتون أفرادا يتبع بعضكم بعضا».
قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يبالون من خالفهم ومن خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس».
• حدثنا سليمان ثنا موسى ثنا محمد بن المبارك حدثني يحيى بن حمزة حدثني نصر بن علقمة عن عمير بن الأسود وكثير بن مرة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة على أمر الله لا يضرها من خالفها، تقاتل أعداءها كلما ذهبت حرب نشبت حرب قوم آخرين، يرفع الله أقواما ويرزقهم منهم حتى تأتيهم الساعة» ثم قال رسول الله ﷺ : «هم أهل الشام».
• حدثنا سليمان ثنا موسى ثنا محمد بن المبارك ثنا محمد بن حمزة عن الوضين ابن عطاء عن القاسم بن عبد الرحمن عن عقبة بن عامر قال: خرجت فى اننى عشر راكبا حتى حللنا برسول الله ﷺ فقال أصحابي: من يرعى إبلنا وننطلق فنقتبس من رسول الله ﷺ ؟ فقلت: أنا ثم إني قلت في نفسي لعلي مغبون يسمع أصحابي ما لم أسمع من رسول الله ﷺ فحضرت يوما فسمعت رجلا يقول قال رسول الله ﷺ :
«من توضأ وضوءا كاملا ثم قام إلى صلاته خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه» فتعجبت من ذلك فقال عمر بن الخطاب: فكيف لو سمعت الكلام الآخر كنت أشد عجبا؟ قلت: اروه علي جعلني الله فداك. فقال عمر بن الخطاب: إن رسول الله ﷺ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ولها ثمانية أبواب «فخرج علينا رسول الله ﷺ فجلست مستقبله فصرف وجهه عني فقمت فاستقبلته ففعل ذلك ثلاث مرات فلما كانت الرابعة قلت: يا رسول الله بأبي وأمي لم تصرف وجهك عني؟ فأقبل علي فقال: «واحد أحب إليك أم اثنا عشر»؟ مرتين أو ثلاثا فلما رأيت ذلك رجعت إلى أصحابي.
стр. 3397
• حدثنا سليمان ثنا موسى ثنا محمد بن المبارك ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن داود بن صالح عن أمه عن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله الله عليه وسلم يصغي لها الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها». يعنى الهرة.
• حدثنا سليمان ثنا موسى ثنا محمد بن المبارك ثنا عمرو بن واقد عن يونس بن ميسرة بن حلبس عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ : «نضر الله عبدا سمع كلامي هذا فلم يزد فيه فرب حامل كلمة إلى من هو أوعى لها منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن أخلص العمل لله ومناصحة ولاة الأمر والاعتصام بجماعة المسلمين فان دعوتهم تحيط من ورائهم».
• حدثنا سليمان ثنا موسى ثنا محمد بن المبارك ثنا بقية بن الوليد عن يحيى بن سعيد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير الحضرمي قال قالت عائشة: «إن آخر طعام أكله رسول الله ﷺ طعام فيه بصل».
• حدثنا سليمان ثنا موسى ثنا محمد بن المبارك ثنا معاوية بن يحيى عن سعيد بن أبي أيوب عن شرحبيل بن شريك عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ : «ما أبالي ما أتيت ولا ما ارتكبت إذا أنا شربت درياقا أو تعلقت تميمة أو نطقت شعرا من من قبل نفسي».
• حدثنا سليمان ثنا موسى ثنا محمد بن المبارك ثنا إسماعيل بن عياش عن زيد بن زرعة عن شريح بن عبيد عن المقدام بن معدي كرب وأبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ : «لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد الأقصى، وإلى مسجدي هذا. ولا تسافر امرأة مسيرة يومين إلا مع زوجها أو ذي محرم».
• حدثنا سليمان ثنا أبو زرعة ثنا محمد بن المبارك ثنا عيسى عن يونس عن أبي بكر بن أبي مريم عن راشد بن سعد عن ثوبان: «أن النبي ﷺ كان في جنازة فرأى ناسا ركبانا فقال: «ألا تستحيون بأن ملائكة الله
стр. 3398
يمشون على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب ركبانا».
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا الحسن بن السميدع الأنطاكي ثنا محمد بن المبارك ثنا إسماعيل بن عياش ثنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني عن معاوية ابن طويع عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : «كل شيء لك من أهلك حلال في الصيام إلا ما بين الرجلين».
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا الحسين بن السميدع ثنا محمد بن المبارك ثنا بقية عن يحيى بن سعد عن خالد بن معدان عن سيف عن عوف بن مالك أنه حدثهم: «أن رسول الله ﷺ قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبنا الله ونعم الوكيل».
• حدثنا سليمان ثنا الحسين ثنا محمد بن المبارك ثنا بقية عن بجير بن سعد عن خالد بن معدان عن المقدام بن معدي كرب: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ما أطعمت زوجتك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لك صدقة، وما أطعمت نفسك فهو لك صدقة».
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا الحسين ثنا محمد بن المبارك ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد العزيز بن عبيد عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عبد الله بن كعب ابن مالك عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يأتونها أو ليطبعن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين».
• حدثنا سليمان ثنا موسي بن عيسى ثنا محمد بن المبارك ثنا إسماعيل بن عياش عن راشد بن داود عن أبي الأشعث الصنعاني: أنه راح إلى مسجد دمشق وهجر بالرواح فلقي شداد بن أوس والصنابحي معه فقلت: أين تريدان رحمكما الله؟ فقالا: نريد هاهنا إلى أخ لنا مريض نعوده، فانطلقت معهما حتى دخلنا على ذلك الرجل فقالا له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بنعمة الله وفضله، فقال شداد: أبشر فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى يقول: إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا فحمدني وصبر
стр. 3399
على ما ابتليته به فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا، ويقول الرب للحفظة: إني أنا صبرت عبدي هذا وابتليته فأجروا من الأجر ما كنتم تجرون له قبل ذلك وهو صحيح».
سعيد بن يزيد
ومنهم العجاج الناجي. أبو عبد الله الساجي سعيد بن يزيد - رحمه الله تعالى. كان يعج من نفسه إلى ربه عجيجا. ويشتاق إليه شاكيا أنينا وضجيجا -
• وقيل إن التصوف عرفان الحدود والحقوق. ووجدان السكون والوثوق.
• حدثنا أبي وأبو محمد بن حيان قالا: ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا أحمد بن محمد بن بكر القرشي قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: خمس خصال ينبغي للمؤمن أن يعرفها إحداهن معرفة الله تعالى، والثانية معرفة الحق، والثالثة إخلاص العمل لله، والرابعة العمل بالسنة، والخامسة أكل الحلال فإن عرف الله ولم يعرف الحق لم ينتفع بالمعرفة، وإن عرف ولم يخلص العمل لله لم ينتفع بمعرفة الله، وإن عرف ولم يكن على السنة لم ينفعه، وإن عرف ولم يكن المأكل من حلال لم ينتفع بالخمس، وإذا كان من حلال صفا له القلب فأبصر به أمر الدنيا والآخرة وإن كان من شبهة اشتبهت عليه الأمور بقدر المأكل، وإذا كان من حرام أظلم عليه أمر الدنيا والآخرة، وإن وصفه الناس بالبصر فهو أعمى حتى يتوب.
• حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن بكر قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: من وثق بالله فقد أحرز قوته، ومن حي قلبه فقد لقي الله ولا يشك في نظره.
• حدثنا أبي ثنا إبراهيم ثنا أحمد قال سمعت الساجى يقول: قيل للفضيل ابن عياض: يا أبا علي متى ينتهي العبد في حب الله؟ قال إذا استوى عنده منعه وعطاؤه.
стр. 3400
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا إسحاق بن أبي حسان ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: تدري أي شيء قلت البارحة والبارح الأول؟ قلت: قبيح بعبد ذليل مثلي يعلم عظيما مثلك لا يعلم، أنك لتعلم أني لو خيرتني بين أن يكون لي الدنيا منذ يوم خلقت أتنعم فيها حلالا لا أسأل عنها يوم القيامة، وبين أن تخرج نفسي الساعة لاخترت أن تخرج نفسي الساعة. ثم قال: أما تحب أن نلقى من تطيع.
• حدثنا أبي ثنا أبو الحسن بن أبان ثنا أبو بكر بن عبيد حدثنى سلمة ابن شبيب ثنا سهل بن عاصم قال سمعت أبا عبد الله الساجي سعيد بن يزيد يقول سمعت أبا خزيمة يقول: القصد إلى الله بالقلوب أبلغ من حركات الأعمال الصلاة والصيام ونحوهما.
• حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا أحمد بن محمد بن بكر قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: عن بعض أهل العلم احذروا أن لا يغضب الله عليكم فيعطيكم الدنيا فإنه غضب على عبد من عبيده إبليس فأعطاه الدنيا وقسم له منها.
• حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن نائلة ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: قال موسى ﵇: أي ربه أين أجدك؟ قال فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إذا انقطعت إلي فقد وصلت. والله أعلم.
قال الشيخ أبو نعيم رحمة الله تعالى.
• حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن نائلة ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت إسحاق بن خالد يقول: ليس شيء أقطع لظهر إبليس من قول ابن آدم ليت شعري بماذا يختم لي؟ قال عندها يئس إبليس ويقول: متى هذا؟ يعجب بعمله فحدثت به مضاء بن عيسى فقال: يا أحمد عند الخاتمة فظع بالقوم.
فحدثت به أبا عبد الله الساجي فقال واخطراه.
• حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا إبراهيم بن نائلة ثنا أحمد بن أبي الحواري قال
стр. 3401
سمعت محمد بن بكر عن أبي عبد الله الساجي قال: إن أحببتم أن تكونوا أبدالا فأحبوا ما شاء الله فإنه من أحبه لم ينزل به شيء من مقادير الله وأحكامه إلا أحبه.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا إبراهيم بن محمد بن بكر قال سمعت الساجي يقول: إن أحببتم أن تكونوا أبدالا فأحبوا ما شاء الله فإنه من أحبه لم ينزل به شيء من مقادير الله وأحكامه إلا أحبه وأوحي إلى موسى ﵇ يا موسى ما استحثنى على قضاء حاجته بمثل قوله: ما شاء الله وحبي بأنك تعلم فهو ما شئت.
• حدثنا أبي ثنا إبراهيم ثنا أحمد قال سمعت الساجي يقول: ينبغي لنا أن نكون بدعاء إخواننا أوثق منا بأعمالنا، تخاف أن نكون في أعمالنا مقصرين ونرجو أن نكون في دعائهم لنا مخلصين فإن من أصفى العمل فأنت منه على ربح.
• حدثنا إسحاق بن أحمد بن علي ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أحمد بن أبي الحواري ثنا محمد بن معاوية أبو عبد الله الصوري عن أبي عبد الله الساجي قال: إن في خلق الله خلقا يستحيون من الصبر لو يعلمون مواقع أقداره يتلقفونها تلقفا.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا إسحاق بن أبي حسان ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت الساجي يقول: أتدري أي شيء أراد عبيد الدنيا من مواليهم؟ أرادوا أن يرضوا عنهم، وتدري أي شيء أراد الله من عبيده؟ أراد أن يرضوا عنه، وما كان رضاهم عنه إلا بعد رضاه عنهم.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن محمد بن العباس ثنا سلمة بن شبيب ثنا سهل بن عاصم قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: وقف أعرابي على أخ له حضري فقال الحضري: كيف تجدك أبا كثير؟ قال: أحمد الله، أي أخي ما بقاء عمر تقطعه الساعات وسلامة بدن معرض للآفات؟ ولقد عجبت للمؤمن كيف يكره الموت وهو سبيله إلى الثواب، وما أرانا إلا سيد ركنا الموت ونحن أبق.
• حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد ثنا أحمد بن محمد قال سمعت أبا عبد الله يقول: لما توالى على يعقوب ذهاب ابنه بعد يوسف واطلع الله على ما في قلبه
стр. 3402
من الحزن بعث إليه جبريل أن يقول: يا كثير الخير يا دائم المعروف الذي لا ينقطع أبدا ولا يحصيه غيره، رد علي ابني. فأوحى الله إليه:
وعزتي وجلالي وارتفاعي على عرشي لو كانا ميتين لنشرتهما لك.
• حدثنا عبد السلام الصوفي البغدادي قال سمعت أبا العباس بن عبيد البغدادي يقول قال محمد بن أبي الورد قال أبو عبد الله الساجي: من خطرت الدنيا بباله لغير القيام بأمر الله حجب عن الله.
• حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن عمر ثنا الحسين بن عبد الله بن شاكر ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: أصل العبادة عندي في ثلاثة: لا ترد من أحكامه شيئا، ولا تدخر عنه شيئا، ولا تسأل غيره حاجة.
• حدثنا أبي ثنا الحسين ثنا أحمد قال سمعت أبا عبد الله يقول إن أعطاك غطاك، وإن منعك أرضاك. قال: وسمعت أبا عبد الله الساجي يقول: إذا ذكرت قوله الوهاب فرحت بها.
• حدثنا إسحاق بن أحمد بن علي ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت الساجي التميمي يقول: يؤتى بالعبد يوم القيامة فيغيب في النور فيعطى كتابا فيقرأ فيه صغائر ذنوبه فلا يرى فيه كبائر كان يعرفها.
قال: فيدعى ملك فيعطى كتابا مختوما فيقول: انطلق بعبدي ذا إلى الجنة، فإذا كان عند آخر قنطرة من قناطر جهنم فادفع إليه هذا الكتاب وقل له ربك يقول لك: حبيبي ما منعني أن أوقفك عليها إلا حياء منك وإجلالا لك، فإذا كان عند آخر قنطرة دفع إليه الملك الكتاب ففض الخاتم وقرأ الكتاب فإذا فيه الكبائر التي كان يعرفها. فيقول للملك: قد عرفتها. قال: فيقول له الملك ما أدري ما في الكتاب، إنما دفع إلي كتابا مختوما وربك يقول حبيبي ما منعني أن أوقفك عليها إلا حياء منك وإجلالا لك.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا أحمد بن محمد بن بكر القرشي قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: خصال لا يعبد الله
стр. 3403
بمثلها: لا تسأل إلا الله ولا ترد شيئا على الله ولا تبخل على الله - يعني تمسك لله وتعطي لله - فإنه من عرف الله فقد بلغ الله. قال: وقال سفيان الثوري:
ليس من علامات الهدى شيء أبين من حب لقاء الله، فإذا أحب العبد لقاء الله فقد تناهى في البر أي قد بلغ.
• حدثنا أبي وعبد الله بن محمد قالا: ثنا إبراهيم بن محمد ثنا أحمد بن محمد قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: أطيلوا بالنظر في الرضا عن الله وتساءلوا عنه بينكم، فإنكم إن ظفرتم منه بشيء علوتم به الأعمال كلها، وقال الله تعالى ﴿(وتعيها أذن واعية)﴾ عقلت عن الله وقال: ﴿(تعرف في وجوههم نضرة النعيم)﴾ المعرفة بالله وفيها النعيم ﴿(يسقون من رحيق)﴾ تعجل لهم في الحياة الدنيا الحلاوة في عبادة الله فيتصل ذلك إلى يوم القيامة ثم يصيرون إليه في الجنة لأن أول العطية كان مبتدأها في الدنيا.
• حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد ثنا أحمد بن محمد قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: الذي جعل الله المعرفة عنده يتنعم مع الله في كل أحواله. قال: وسمعت الساجي يقول: لو لم يكن لله ثواب يرجى ولا عقاب يخشى لكان أهلا أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، بلا رغبة في ثواب، ولا رهبة من عقاب، ولكن لحبه وهي أعلى الدرجات، أما تسمع موسى ﵇ يقول: ﴿(وعجلت إليك رب لترضى)﴾ فانتظم الثواب والعقاب، لأن من عبد الله على حبه أشرف عند الله ممن عمل على خوفه، ومثل ذلك في الدنيا أين من أطاعك على خوف منك؟.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا إبراهيم بن محمد ثنا أحمد بن محمد ابن بكر قال سمعت الساجي يقول: إنما ذكر الله درجة الخائفين، وأمسك عن درجة المحبين، لأن القلوب لا تحتمل ذلك، كما أمسك عن درجة النبيين وأظهر ثواب المتقين قال فى النبيين، واذكر عبدنا وعبادنا فلان وأثنى عليهم ﴿(شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه)﴾ وقال ﴿(أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار)﴾ وقال ﴿(هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب﴾
стр. 3404
﴿جنات عدن)﴾ الآية أي ذكري وثنائي عليهم أشرف من ثواب المتقين، وإنما ذكر صغار الأمور ولم يذكر ثواب العظيم لأنه لا تحتمله القلوب هل ذكر في الزكاة والصوم شيئا؟ ويقول في كتابه العزيز ﴿(فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين)﴾ لم يبينه، ثم قال ﴿(ولدينا مزيد)﴾ قال وسمعت الساجي يقول: قال لي رجل لو جعلت لي دعوة مستجابة ما سألت الفردوس، ولكن أسأله الرضى فهو تعجيل الفردوس الرضى إنما هو في الدنيا يقول رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم هناك في الآخرة والرضى ملك يفضي إلى ملك، وهم أوجه الخلق عندهم ولم تكن لهم أعمال تقدمت شكرهم عليها، ولا شغفا لهم عنده ولكنه كان ابتداء منه وقد فرغ الله مما أرادوا أسعد بالعلم من قد عرف، وإنما العقوبات على قدر الملمات، إذا لم يكن شيء جاءت عقوبات ذلك بقدره.
• حدثنا أبي وأبو محمد بن حيان قالا: ثنا إبراهيم بن محمد ثنا أحمد بن محمد ابن بكر قال سمعت الساجي يقول: رأيت في النوم أربعة نفر أتوني ومعهم رجل فقالوا: تحمل بنا عليك تكتب له دعاء فقلت اكتب: بسم الله اللهم إني أسألك بالله اللهم إني أسألك يا رباه، أسألك يا ذا الجلال والاكرام أن تعجل لي هدى في شيء يخالف أمرك في سر ولا علانية، اللهم إني أسألك أن لا تراني أخطو خطوة في طلب دنيا تضربى عندك، وأسألك أن تكرمني أن أطمع لأحد من المخلوقين أبدا ما أحييتني قال فقال النفر الأربعة: كتب لك خير الدنيا والآخرة.
• حدثنا أبي وأبو محمد بن حيان قالا: ثنا إبراهيم بن محمد ثنا أحمد قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: رأيت في المنام كأن قائلا يقول لي: اعلم أن من علامات حب الله أن تكون بزيادة آخرتك أسر منك بزيادة دنياك. قال ورأيت في المنام أني أسمع كلام موسى ﵇ لربه يقول: يا موسى أبلغت؟ قال: يا رب حين قصدت إليك بلغت. قال: صدقت يا موسى. قال:
وسمعت الساجي يقول - سمعت أراه مهديا - يقول: لا تذهب الأيام والليالي حتى يعبد الدينار والدرهم من دون الله. قلت: وكيف؟ قال: يدعوان إلى
стр. 3405
شيء ويدعو الله إلى شيء آخر فيتبع أمر الدينار والدرهم. قال: وسمعت الساجي يقول: سئل ابن عيينة عن الزهد فقال: أن لا يغلب الحلال شكرك ولا الحرام صبرك.
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن عبيد الله الدارمي الأنطاكي ثنا عبد الله بن خبيق قال سمعت أبا عبد الله الساجى يقول قال بكر بن حنيش: كيف يتقي من لا يدري من يتقي.
• حدثنا أبو يعلى الحسين بن محمد الزهري ثنا محمد بن المسيب الأرغياني ثنا عبد الله بن خبيق قال سمعت أبا عبد الله يقول: قال يونس النبي ﵇ يا رب أرني أحب خلقك إليك. قال: فدفع إلى رجل قد أكلت محاسن وجهه فلم تبق إلا عيناه، قال يونس قلت يا جبريل: سألت ربي أن يريني أحب خلقه إليه فدفعت إلى رجل قد أكلت محاسن وجهه فلم تبق إلا عيناه. قال نعم يا يونس، وقد أمرني ربي أن أسلبه عينيه، فقال الرجل: الحمد لله متعتني ببصري ثم قبضته إليك وأبقيت في الأمل فيما عندك فلم تسلبنيه.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا إسحاق بن أبي حسان ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا عبد الله الساجي يقول: سأل رجل الفضيل إذا كان عطاؤه ومنعه عندك سواء فقد: بلغت الغاية من حبه.
• سمعت أبي يقول سمعت خالي أحمد بن محمد بن يوسف يقول: كان أبو عبد الله الساجي مجاب الدعوة وله آيات وكرامات، بينا هو في بعض أسفاره إما حاجا وإما غازيا على ناقة، وكان في الرفقة رجل عائن فما نظر إلى شيء إلا أثقله وأسقطه، وكانت ناقة أبي عبد الله ناقة فارهة، فقيل له: احفظها من العائن فقال أبو عبد الله: ليس له على ناقتي سبيل، فأخبر العائن بقوله فجاء إلى رحله فعان ناقته فاضطربت وسقطت تضطرب، فأتي أبو عبد الله فقيل له:
إن هذا العائن قد عان ناقتك وهى كما تراه تضطرب. فقال: دلوني على العائن فدل عليه فوقف عليه وقال: بسم الله حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه وعلى أحب الناس إليه، في كلوتيه رشيق،
стр. 3406
وفى ماله يليق ﴿(فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير)﴾ فخرجت حدقتا العائن وقامت الناقة لا بأس بها.
• حدثنا عبد السلام بن محمد البغدادي قال حدثني أبو العباس بن عبيد قال قال أبو الحسن بن أبي الورد: صلى أبو عبد الله الساجي يوما بأهل طرسوس فصيح بالنفير فلم يخفف الصلاة، فلما فرغوا قالوا: أنت جاموس؟ قال:
ولم؟ قالوا: صيح بالناس النفير وأنت في الصلاة ولم تخفف. فقال: إنما سميت الصلاة لأنها اتصال بالله، وما حسبت أن أحدا يكون في الصلاة فيقع في سمعه غير ما كان يخاطبه الله.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا محمد بن أحمد البغدادي ثنا علي بن الحسن بن علي البغدادي قال سمعت أبا الحسن بن أبي الورد يقول قال أبو عبد الله الساجي: من لم يكن عالما بما يرد عليه من الله تعالى ولم يعلم ما يريد الله منه فهو ممن وقع الحجاب بينه وبين الله. وقال: من استعجلت عليه شهوته انقطعت عنه شواهد التوفيق. وقال: من أكل الشهوات والتتبعات أوردت عليه البليات. وقال: الغفلة عن الله أشد من دخول النار. وقال: ميراث الذكر لغير ما يوصل إلى الله قسوة في القلب. وقال قال إبليس: من ظن أنه ينجو مني بحيلته فبعجبه وقع في حبالي. وقال: إذا دخل الغضب على العقل ارتحل الورع، وكيف بمن لا عقل له ولا ورع يدخل الغضب.
علي بن بكار
قال الشيخ أبو نعيم رحمة الله تعالى.
ومنهم المرابط الصبار. المجاهد الكرار. علي بن بكار - رحمه الله تعالى.
سكن المصيصة مرابطا صحبة إبراهيم بن أدهم وأبا إسحاق الفزاري ومخلد ابن الحسين.
стр. 3407
• حدثنا محمد بن محمد بن عبيد الجرجاني ثنا محمد بن المسيب الأرغياني ثنا عبد الله بن خبيق قال: قال لي علي بن بكار سنة ست ومائتين: أين تسكن؟ قلت: بأنطاكية. قال: الزم بيتك فإذا كانت لك حاجة فاقصد قضاء حاجتك، فما دمت تخرج من بيتك إلى سوقك لا يلقاك من يلطم عينك، فليس لحالك بأس.
• حدثنا أبو محمد بن حيان ثنا أحمد بن روح ثنا عبد الله بن خبيق قال سمعت موسى بن طرفة يقول: كانت الجارية تفرش لعلي بن بكار فيلمس بيده ويقول: والله إنك لطيب، والله إنك لبارد، والله لا علوتك ليلتي. فكان يصلي الغداة بوضوء العتمة.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا يحيى بن خلف التستري ثنا عباس ابن محمد بن حاتم ثنا خالد بن تميم قال: سئل علي بن بكار عن حديث النبي ﷺ قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» قال: أن لا يجعلك الله والفجار في دار واحدة.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني حدثني أحمد بن عبد الله بن سليمان ثنا زكريا بن يحيى - قاضي عين زربة - ثنا أبو بكر المقابري قال: دخلت على على ابن بكار وهو ينقي شعيرا لفرسه فقلت: يا أبا الحسن أما لك من يكفيك هذا؟ فقال لي: كنت في بعض المغازي وواقعنا العدو وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، وقصر بي فرسي، فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال الفرس:
نعم إنا لله وإنا إليه راجعون، حيث تتكلم علي فلا تنقي علفي. فضمنت أن لا يليه غيري.
• حدثنا العثماني ثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي ثنا علي بن سهل قال سمعت أبا الحسن بن أبي الورد يقول: قال رجل: أتينا علي بن بكار فقلنا له حذيفة المرعشي يقرأ عليك السلام. فقال: عليكم وعليه السلام، إني لأعرفه يأكل الحلال منذ ثلاثين سنة، ولأن ألقى الشيطان عيانا أحب إلي من أن
стр. 3408
يلقاني وألقاه. قلت له في ذلك فقال: أخاف أن أتصنع له فأتزين لغير الله فأسقط من عين الله.
ومما أسند:
• حدثنا محمد بن معمر ثنا أبو بكر بن أبي عاصم ثنا المسيب بن واضح ثنا علي بن بكار عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة. قال قال رسول الله ﷺ : «أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر فى الآخرة».
• حدثنا إبراهيم بن أحمد بن أبي حصين ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا علي بن بكار أبو الحسن المصيصي ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش عن شمر بن عطية عن شهر بن حوشب عن أبي عطية - قال الحضرمي كذا قال وإنما هو أبو طيبة - عن عمرو بن عتبة. قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يبيت طاهرا على ذكر فيتعار من الليل فيقوم فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه».
• حدثنا محمد بن علي بن عاصم ثنا أحمد بن عبيد الله الدارمي الأنطاكي ثنا علي بن بكار ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ : «إن لله عتقاء في كل يوم وليلة عبيد وإماء يعتقهم من النار، وإن لكل مسلم دعوة مستجابة يدعوها فيستجيب له».
• حدثنا أحمد بن عبيد الله بن محمد ثنا يوسف بن سعيد بن مسلم ثنا على ابن بكار ثنا أبو خالد عن أبي العالية عن عمر بن الخطاب قال: «تعلموا القرآن خمسا خمسا».
• حدثنا أبي ثنا أحمد بن هارون بن روح البردعي - ببغداد - ثنا علي ابن بكار المصيصي ثنا أبو إسحاق الفزاري عن ليث عن أبى أسوع عن أبي ليلي مولى الأنصاري عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ :
«لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر فتيان الأنصار فيحرقون على قوم بيوتهم لا يشهدون الصلاة».
стр. 3409
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن بركة ثنا علي بن بكار ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة:
قال قرأ الناس مع رسول ﷺ في صلاة جهر فيها بالقراءة فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته أقبل عليهم فقال: «هل قرأ منكم معي أحد آنفا؟ قالوا: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ :
إني أقول ما لي أنازع القرآن؟».
• حدثنا محمد بن علي ثنا محمد بن بركة ثنا علي بن بكار ثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ ح. وعن سلمة عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي ﷺ : وذكر عنده رجل نام فلم يستيقظ حتى أصبح فقال: «ذاك رجل بال الشيطان في أذنه - أو قال في أذنيه».
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن بركة الحلبي ثنا علي بن بكار ثنا أبو إسحاق الفزاري عن سفيان الثوري عن عثمان عن زاذان عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يهولهم الفزع ولا الحساب حتى يحشروا إلى الجنة على كثبان من مسك أسود: رجل قرأ القرآن ابتغاء وجه الله ثم أم به قوما وهم به راضون، ورجل راع في خمس صلوات بالليل والنهار ابتغاء وجه الله، ومملوك لم يمنعه الرق عن طلب ما عند الله.
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن بركة ثنا علي بن بكار عن يزيد بن السمط عن الحكم بن عبد الله بن سعد الأيلي عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي الرجاء عن أمه عمرة عن عائشة. قالت قال رسول الله ﷺ :
«ثلاث ساعات للمرء المسلم ما دعا فيهن إلا استجيب له ما لم يسأل قطيعة رحم أو مأثما. قالت فقلت يا رسول الله: أية ساعة؟ قال حين يؤذن المؤذن بالصلاة حتى يسكت، وحين يلتقي الصفان حتى يحكم الله بينهما، وحين ينزل المطر حتى يسكن. قالت قلت: كيف أقول يا رسول الله حين أسمع المؤذن؟ علمني مما علمك الله وأجهد. قال: تقولين كما كبر الله يقول: الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا
стр. 3410
الله، أشهد أن محمدا رسول الله وكفى من لم يشهد ثم صلي علي وسلمي، ثم اذكري حاجتك. قالت: يا عمرة إن دعوة المؤمن لا تذهب عن ثلاث ما لم يسأل قطيعة رحم أو مأثما إما أن يجعل له فيعطى وإما أن يكفر عنه واما ان يدخر له».
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن بركة ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الجريري عن أبي نضرة قال: قدمت المدينة فنزلت قريبا من منزل جابر بن عبد الله فحدثنا قال: كان منزلنا بعيدا من منزل رسول الله ﷺ وكانت بقاع قريبة من المسجد فأردنا أن نتحول إليها فنبني فيها لبعد منزلنا من المسجد، وهو على ميل من سلع، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاه فقال: «دياركم فإنما تكتب آثاركم».
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن بركة ثنا أبو اسحاق الفزارى ثنا على ابن بكار ثنا ابراهيم بن الفزاري عن سفيان عن أبي إسحاق عن يزيد بن أبي لهم عن أبي الجوزاء عن الحسن بن علي قال: «علمني رسول الله ﷺ أن أقول هؤلاء الكلمات في الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافنى فيمن عافيت، وتولنى فيمن توليت، وبارك لى فيما اعطيت وقنى شر ما قضيت فانك تقضى ولا يقض عليك، ولا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت».
• حدثنا محمد ثنا محمد ثنا علي بن بكار ثنا إبراهيم بن محمد الفزاري عن سفيان عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن أبي نصير. قال: قال أبي بن كعب: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم الغداة فلما سلم نظر في وجوه القوم ثم قال: أشاهد فلان؟ قالوا: نعم، ولم يحضر. قال:
إن أثقل الصلوات في المنافقين صلاة الفجر وصلاة العشاء، ولو علموا ما فيهما لا توهما حبوا، وإن الصف الأول لعلى مثل صفوف الملائكة، ولو علمتم ما فيه لابتدرتموه، وإن صلاتك مع رجل أفضل من صلاتك وحدك، وصلاتك مع رجلين أزكى من صلاتك مع رجل، وما كثر فهو أحب إلى الله .
• حدثنا محمد ثنا علي بن بكار ثنا أبو إسحاق الفزاري عن أبي عروبة
стр. 3411
عن أبي محمد عن عطاء عن أبي هريرة. قال: «في كل الصلاة نقرأ كما أسمعنا رسول الله ﷺ : أسمعناكم وما أخفى علينا أخفيناه عليكم».
• حدثنا محمد ثنا محمد ثنا علي بن بكار ثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن عمرو بن سعيد عن رجاء بن حيوة عن عبادة بن الصامت.
قال قال رسول الله ﷺ : «أتقرءون القرآن إذ كنتم معي في الصلاة؟ قال: قلنا نعم يا رسول الله. قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن».
• حدثنا محمد ثنا علي ثنا أبو إسحاق عن الأعمش عن سفيان بن سلمة عن عبد الله قال: كنا إذا قعدنا في الصلاة قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل وميكائيل السلام على فلان وفلان، فأقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «إن الله هو السلام، فإذا قعدتم فقولوا: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. فإنكم إذا قلتم ذلك أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم يتخير بعد من الدعاء ما شاء».
• حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد المفتولي ثنا حاجب بن أزكين ثنا يوسف بن سعيد بن مسلم ثنا علي بن بكار ثنا أبو أمية بن يعلى عن سعيد المقبري عن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ : «عاشوراء يوم التاسع».
القاسم بن عثمان
قال الشيخ أبو نعيم. رحمة الله تعالى عليه.
ومنهم القاسم بن عثمان الجوعي. رحمه الله تعالى
كانت له الرعاية الوافية. فأيد بالقوة الكافية.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الرحمن بن أحمد ثنا يوسف
стр. 3412
ابن أحمد البغدادي ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت القاسم الجوعي الكبير يقول: شبع الأولياء بالمحبة عن الجوع فعقدوا الذاذة، الطعام والشراب والشهوات ولذات الدنيا لأنهم تلذذوا بلذة ليس فوقها لذة فقطعتهم عن كل لذة أتدري لم سميت قاسما الجوعي؟ لأني لو تركت ما تركت ولم أوت بالطعام لم أبال، رضيت نفسي حتى لو تركت شهرا وما زاد فلم تأكل ولم تشرب لم تبال أنا عنها راض أسوقها حيث شئت، فأنا أسحبها حيث شئت، اللهم أنت فعلت ذلك بى فأتمه على: كان القاسم يقول: أصل المحبة المعرفة، وأصل الطاعة التصديق، وأصل الخوف المراقبة، وأصل المعاصي طول الأمل، وحب الرئاسة أصل كل موقعة. وكان يقول: قليل العمل مع المعرفة خير من كثير العمل بلا معرفة. وقال: تعرف وضع رأسك فما عبد الله بشيء أفضل من المعرفة. وكان يقول: رأس الأعمال الرضا عن الله، والورع عمود الدين، والجوع مخ العبادة، والحصن ضبط اللسان، ومن شكر الله جلس في ميدان الزيادة، ومن حمده عد المصائب نعما، وشكر الله على ذلك ولو زويت عنه الدنيا. قال القاسم:
نزلت على سلم الخواص فقدم إلي بطيخة ونصف رغيف وقال لي: يا قاسم كل فإني نزلت على أخ لي فقدم إلي خيارة ونصف رغيف وقال: كل فإن الحلال لا يحتمل السرف ومن درى من أين مكسبه درى كيف ينفق.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن الحجاج ثنا محمد بن علي بن خلف ثنا القاسم بن عثمان ثنا ابن أبي السائب قال: سمعت أبي يذكر أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم ﵇: إني قد اتخذت من أهل الأرض خليلا، قال فقال يا رب فأعلمني من هو حتى أكون له عبدا حتى يموت؟ قال:
وسمعت أبي يذكر أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام قال فقلت يا رسول الله أبايعك على أن أدخل الجنة قال «فبسط يده فبايعته» فما رأيت بنا ناقط أحسن من بنانه.
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد ثنا عبد الله بن الفرج ثنا القاسم بن عثمان ثنا عبد العزيز بن أبي السائب عن أبيه قال: لأنا أخوف على عابد من
стр. 3413
غلام من سبعين عذراء.
ومما أسند:
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ثنا إسحاق بن أبى حسان ثنا القاسم ابن عثمان الجوعي ثنا عبد الله بن نافع المدني عن مالك عن نافع عن ابن عمر.
قال قال رسول الله ﷺ : «ما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة، وإن منبرى لعلى حوضي».
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد ثنا عبد الله بن الفرج بن عبد الله القرشي ثنا القاسم بن عثمان الجوعي ثنا سفيان بن عيينة عن الأحوص بن حكيم عن خالد بن معدان عن عبادة بن الصامت: «أن النبي ﷺ صلى فى شملة قد عقدها من خلفه».
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا سعيد بن أوس الدمشقي ثنا القاسم بن عثمان الجوعي ثنا محمد بن يوسف الفريابي ثنا سفيان عن عبد الله بن حبيب بن أبي ثابت عن أبيه قال حدثنى أبو بكر بن عبد الله قال حدثتنا عائشة قالت:
«ربما خرج رسول الله ﷺ ورأسه يقطر. قلت من الجناية؟ قالت فمن أي شيء».
مضاء بن عيسى
ومنهم مضاء بن عيسى الشامي. رحمه الله تعالى (كان من العاملين اجتذبه الحب. واستلبه الخوف.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الملك ثنا زياد بن أيوب ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت مضاء بن عيسى يقول:
خف الله يلهمك، واعمل له لا يلجئك إلى ذليل.
• حدثنا إسحاق بن أحمد ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت مضاء بن عيسى يقول: عمل النهار يستخرجه الليل، وعمل الليل يستخرجه النهار.
• حدثنا إسحاق بن أحمد ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أحمد بن أبي الحواري
стр. 3414
قال سمعت مضاء وأبا صفوان بن عوانة يقولان: من أحب رجلا لله وقصر في حقه فهو كاذب في حبه، وإذا أراد الله بالشاب خيرا وفق له رجلا صالحا.
• حدثنا إسحاق ثنا إبراهيم ثنا أحمد قال سمعت مضاء يقول قال حذيفة المرعشي: القلوب قلبان، فقلب ملح يسأله، وقلب يتوقع شيئا يجيئه.
• حدثنا عثمان بن علي العثماني ثنا أبو بكر أحمد بن عبد الله الدمشقي ثنا أبو بكر بن حمدويه قال سمعت القاسم بن عثمان يقول: اتفق سليمان ومضاء ابن عيسى وعبد الجبار ومسلم بن زياد الواسطي على أن ترك لقمة خير من قيام ليلة.
• حدثنا إسحاق ثنا إبراهيم ثنا أحمد قال: أتيت وأبو سليمان مضاء زائرين له، فجاءنا ببيض وكان هو صائما وأبو سليمان، وكنت أنا كأني أردت الصيام، فقال لي مضاء. كل: فأكلت.
• حدثنا الحسين بن أحمد بن بكر ثنا أبو بحر محمد بن أحمد بن حمدان القشيري ثنا حسين بن الربيع ثنا عبيد بن عاصم الخراساني ثنا مضاء بن عيسى - بالكوفة - عن شعبة عن مغيرة عن إبراهيم وعلقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ : «من ضبط هذا - وأشار إلى لسانه - وهذا وأشار إلى بطنه - ضمنت له الجنة».
منصور بن عمار
قال الشيخ أبو نعيم. رحمة الله تعالى
ومنهم منصور بن عمار رحمه الله تعالى كان لآلاء الله واصفا، وعلى بابه عاكفا. يحوش العباد إليه ويلح في المسألة عليه.
• حدثنا إسحاق بن أحمد بن علي ثنا إبراهيم بن يوسف بن خالد ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت عبد الرحمن بن المطوف يقول: رؤى منصور بن عمار بعد موته فقيل له: يا منصور ما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي
стр. 3415
وقال لي: يا منصور قد غفرت لك على تخليط منك كثير، إلا أنك كنت تحوش الناس إلى ذكري.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا مسلم بن عصام ثنا عبد الرحمن ابن عمر رسته ثنا يوسف بن عبد الله الحراني عن منصور بن عمار قال: كتب إلي بشر المريسي أعلمني ما قولكم في القرآن مخلوق هو أو غير مخلوق؟ فكتبت إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد عافانا الله وإياك من كل فتنة، فإن يفعل فأعظم بها نعمة، وإن لم يفعل فهو الهلكة. كتبت إلي أن أعلمك القرآن مخلوق أو غير مخلوق، فاعلم أن الكلام في القرآن بدعة يشترك فيها السائل والمجيب، فتعاطى السائل ما ليس له بتكلف والمجيب ما ليس عليه، والله تعالى الخالق وما دون الله مخلوق، والقرآن كلام الله غير مخلوق فانته بنفسك وبالمختلفين في القرآن إلى أسمائه التي سماه الله بها تكن من المهتدين، ولا تبتدع في القرآن من قلبك اسما فتكون من الضالين، وذر الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون، جعلنا الله وإياكم ممن يخشونه بالغيب وهم من الساعة مشفقون.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عبد الله بن محمد بن الحجاج ثنا محمد بن علي بن خلف ثنا زهير بن عباد ثنا منصور بن عمار قال قال سليمان ابن داود: إن الغالب لهواه أشد من الذي يفتح المدينة وحده.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أبو الحسن البغدادي عن بعض إخوانه قال قال سليمان بن منصور: كنت في مجلس أبي منصور فوقعت رقعة في المجلس فإذا فيها بسم الله الرحمن الرحيم. يا أبا السري أنا رجل من إخوانك تبت على يديك وأنا اشتريت من الله حورا على صداق ثلاثين ختمة فختمت منها تسعا وعشرين، فأنا في الثلاثين إذ حملتني عيناي فرأيت كأن حوراء خرجت علي من المحراب فلما رأتني أنظر إليها أنشأت تقول برخيم صوتها:
أنخطب مثلي وعني تنام … ونوم المحبين عني حرام
لأنا خلقنا لكل امرئ … كثير الصلاة براه الصيام
стр. 3416
فانتبهت وأنا مذعور.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أبو القاسم بن الأسود ثنا أبو علي بن دسيم الزقاق قال سمعت عبدك العابد يقول: قيل لمنصور بن عمار: تكلم بهذا الكلام ونرى منك أشياء؟ فقال: احسبوني ذرة وجدتموها على كناسة مكانها.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال سمعت محمد بن عبد الرحيم بن شبيب يقول سمعت سليم بن منصور بن عمار يقول سمعت أبى يقول: دخلت على سفيان ابن عيينة فحدثني ووعظته، فلما أثارت الأحزان دموعه رفع رأسه إلى السماء فرددها فى عينيه فأنشأت أقول: رحمك الله يا أبا محمد هلا أسبلتها إسبالا؟ وتركتها تجري على خديك سجالا؟ فقال لي: يا منصور إن الدمعة اذ بقيت في الجفون كان أبقى للحزن في الجوف، لقد رأى سفيان أن يعمر قلبه بالأحزان وأن يجعل أيام الحياة عليه أشجانا، ولولا ذلك لاستراح إلى إسبال الدموع ومشاركة ما أرى من الجوع.
• سمعت الحسين بن عبد الله النسابورى يقول سمعت محمد بن الحسين بن موسى يقول قال منصور بن عمار: قلوب العباد كلها روحانية فإذا دخلها الشك والخبث امتنع منها روحها. وقال: إن الحكمة تنطق في قلوب العارفين بلسان التصديق، وفي قلوب الزاهدين بلسان التفضيل وفى قلوب العباد بلسان التوفاق، وفي قلوب المريدين بلسان التفكير وفي قلوب العلماء بلسان التذكير ومن جزع من مصائب الدنيا تحولت مصيبته في دينه. وقال: سبحان من جعل قلوب العارفين أوعية الذكر، وقلوب أهل الدنيا أوعية الطمع، وقلوب الزاهدين أوعية التوكل، وقلوب الفقراء أوعية القناعة، وقلوب المتوكلين أوعية الرضا، وقال: أحسن لباس العبد التواضع والانكسار، وأحسن لباس العارفين التقوى. قال الله تعالى ﴿(ولباس التقوى ذلك خير)﴾ وقال منصور: سلامة النفس في مخالفاتها، وبلاؤها في متابعاتها.
• حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن إسحاق ثنا محمد بن إسحاق السراج قال
стр. 3417
سمعت أحمد بن موسى الأنصاري يقول قال منصور بن عمار: حججت حجة فنزلت سكة من سكك الكوفة فخرجت في ليلة مظلمة طخيا مسحنككة فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت وأعانني عليها شقائي، وغرني سترك المرخي علي، وقد عصيتك بجهدى، وخالفتك بجهلى، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك، وا شباباه، وا شباباه. قال: فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله تعالى ﴿(نارا وقودها الناس والحجارة)﴾ الآية فسمعت دكدكة لم أسمع بعدها حسا فمضيت فلما كان من الغد رجعت في مدرجتي فإذا أنا بجنازة قد أخرجت، وإذا أنا بعجوز قد ذهب متنها - يعني قوتها - فسألتها عن أمر الميت - ولم تكن عرفتني - فقالت: هذا رجل لا جزاء إلا جزاءه مر بابني البارحة وهو قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله تعالى فتفطرت مرارته فوقع ميتا، رحمه الله تعالى.
• حدث به إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري عن ابن أبي الدنيا عن محمد بن إسحاق السراج.
• وحدثنا أبي ثنا خالي أحمد بن محمد بن يوسف حدثني أبي قال أخبرت عن منصور بن عمار أنه قال: خرجت ليلة من الليالي وظننت أن النهار قد أضاء فإذا الصبح علا فقعدت إلى دهليز يشرف فإذا أنا بصوت شاب يدعو ويبكي وهو يقول: اللهم وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولكن عصيتك إذ عصيتك بجهلي وما أنا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لى نفسى وأعاننى عليها شقوتي، وغرني سترك المرخي علي، فقد عصيتك وخالفتك بجهلي، فمن عذابك من يستنقذني، ومن أيدي زبانيتك من يخلصني، وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عنى، وا سوأتاه إذا قيل للمخفين جوزوا، وقيل للمثقلين حطوا، فيا ليت شعري مع المثقلين أحط أم مع المخفين أجوز، ويحي كلما طال عمري كثرت ذنوبي، ويحي كلما كبر سني كثرت خطاياي، فيا ويلي كم أتوب وكم أعود ولا أستحي من ربي. قال منصور: فلما سمعت كلام الشاب وضعت
стр. 3418
فمي على باب داره وقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: إن الله هو السميع العليم ﴿(نارا وقودها الناس والحجارة)﴾ الآية.
قال منصور: ثم سمعت للصوت اضطرابا شديدا وسكن الصوت. فقلت:
إن هناك بلية، فعلمت على الباب علامة ومضيت لحاجتي فلما رجعت من الغداة إذ أنا بجنازة منصوبة وعجوز تدخل وتخرج باكية فقلت لها: يا أمة الله من هذا الميت منك؟ قالت: إليك عني لا تجدد علي أحزاني قلت:
إني رجل غريب أخبريني. قالت والله لولا أنك غريب ما خبرتك، هذا ولدي من موالي رسول الله ﷺ ، وكان إذا جن عليه الليل قام في محرابه يبكي على ذنوبه، وكان يعمل هذا الخوص فيقسم كسبه ثلاثا، فثلث يطعمني، وثلث للمساكين وثلث يفطر عليه. فمر علينا البارحة رجل لا جزاه الله خيرا فقرأ عند ولدي آيات فيها النار فلم يزل يضطرب ويبكي حتى مات ﵀. قال منصور: فهذه صفة الخائفين إذا خافوا السطوة.
ومما أسند به منصور بن عمار:
• حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق الثقفي ثنا محمد بن جعفر - صاحب منصور بن عمار - ثنا بشير بن طلحة عن خالد بن دريك عن يعلى بن منبه أن النبي ﷺ قال: «تقول جهنم للمؤمن: يا مؤمن جز فقد أطفأ نورك لهبي».
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن سعيد الرازي ثنا سليمان بن منصور بن عمار ثنا أبى: مثله.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا محمد بن إدريس بن مطيب المصيصي ثنا سليمان بن منصور بن عمار ثنا أبي ثنا معروف أبو الخطاب عن واثلة بن الأسقع قال: لما أسلمت أتيت النبي ﷺ فقال: «اغتسل بماء وسدر واحلق عنك شعر الكفر».
• حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد البغدادي بن المفيد ثنا موسى بن هارون ومحمد بن الليث الجوهري قالا: ثنا سليمان بن منصور بن عمار ثنا أبي عن المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد الله: أن فتى من الأنصار
стр. 3419
يقال له: ثعلبة بن عبد الرحمن أسلم، فكان يخدم النبي ﷺ ، بعثه في حاجة فمر بباب رجل من الأنصار فرأى امرأة الأنصاري تغتسل، فكرر النظر إليها وخاف أن ينزل الوحي على رسول الله ﷺ ، فخرج هاربا على وجهه، فأتى جبالا بين مكة والمدينة فولجها، ففقده رسول الله ﷺ أربعين يوما، وهي الأيام التي قالوا ودعه ربه وقلى. ثم إن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول: إن الهارب من أمتك بين هذه الجبال يتعوذ بي من ناري. فقال رسول الله ﷺ : يا عمر ويا سلمان انطلقا فأتياني بثعلبة بن عبد الرحمن، فخرجا في أنقاب المدينة فلقيهما راع من رعاء المدينة يقال له رفاقة، فقال له عمر: يا رفاقة هل لك علم بشاب بين هذه الجبال؟ فقال له رفاقة: لعلك تريد الهارب من جهنم. فقال له عمر: وما علمك أنه هارب من جهنم؟ قال: لأنه إذا كان جوف الليل خرج علينا من هذه الجبال واضعا يده على رأسه وهو يقول: يا ليتك قبضت روحي في الأرواح وجسدي في الأجساد، ولم تجردني في فصل القضاء. قال عمر: إياه نريد. قال: فانطلق بهم رفاقة فلما كان في جوف الليل خرج عليهم من بين تلك الجبال واضعا يده على أم رأسه وهو يقول: يا ليتك قبضت روحي في الأرواح؟ وجسدي في الأجساد؟ ولم تجردني لفصل القضاء. قال: فعدا عليه عمر فاحتضنه فقال الأمان الخلاص من النار. فقال له عمر: أنا عمر بن الخطاب. فقال: يا عمر هل علم رسول الله ﷺ بذنبي؟ قال: لا علم لي إلا أنه ذكرك بالأمس فبكى رسول الله ﷺ فأرسلني أنا وسلمان في طلبك.
فقال: يا عمر لا تدخلني عليه إلا وهو يصلي وبلال يقول قد قامت الصلاة.
قال: أفعل. فأقبلا به إلى المدينة فوافقوا رسول الله ﷺ وهو في صلاة الغداة، فبدر عمر وسلمان الصف فما سمع قراءة رسول الله ﷺ حتى خر مغشيا عليه، فلما سلم رسول الله ﷺ قال: يا عمر ويا سلمان ما فعل ثعلبة بن عبد الرحمن؟ قالا: هو ذا يا رسول الله.
стр. 3420
فقام رسول الله ﷺ قائما فقال: ثعلبة. قال: لبيك يا رسول الله، فنظر إليه فقال: ما غيبك عني؟ قال: ذنبي يا رسول الله قال: أفلا أدلك على آية تكفر الذنوب والخطايا؟ قال بلى يا رسول الله! قال: قل اللهم ﴿(آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)﴾ قال قال. ذنبي أعظم يا رسول الله: فقال رسول الله ﷺ «بل كلام الله أعظم» ثم أمره رسول الله ﷺ بالانصراف إلى منزله، فمرض ثمانية أيام فجاء سلمان إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هل لك في ثعلبة نأته لما به. فقال رسول الله ﷺ : قوموا بنا إليه فلما دخل عليه أخذ رسول الله ﷺ رأسه فوضعه في حجره فأزال رأسه عن حجر رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : لم أزلت رأسك عن حجري؟ قال إنه من الذنوب ملآن. قال: ما تجد؟ قال أجد مثل دبيب النمل بين جلدي وعظمي قال فما تشتهي؟ قال مغفرة ربي. قال: فنزل جبريل ﵇ على رسول الله ﷺ فقال: إن ربك يقرئ عليك السلام ويقول: لو أن عبدي هذا لقبنى بقراب الأرض خطيئة لقيته بقرابها مغفرة، فقال له رسول الله ﷺ : أفلا أعلمه ذلك؟ قال: بلى، فأعلمه رسول الله ﷺ بذلك فصاح صيحة فمات. فأمر رسول الله ﷺ بغسله وكفنه وصلى عليه فجعل رسول الله ﷺ يمشي على أطراف أنامله فقالوا: يا رسول الله رأيناك تمشي على أطراف أناملك؟ قال: والذي بعثني بالحق نبيا ما قدرت أن أضع رجلي على الأرض من كثرة أجنحة من نزل لتشييعه من الملائكة.
ذو النون المصري
ومنهم العلم المضي. والحكم المرضي الناطق بالحقائق، الفائق للطرائق. له العبارات الوثيقة والإشارات الدقيقة. نظر فعبر وذكر فازدجر أبو الفيض
стр. 3421
ذو النون بن إبراهيم المصري. رحمه الله تعالى.
• حدثنا سليمان بن أحمد ثنا علي بن الهيثم المصرى قال سمعت ذو النون المصرى العابد أبا الفيض يقول: اللهم اجعلنا من الذين جازوا ديار الظالمين، واستوحشوا من مؤانسة الجاهلين وشابوا ثمرة العمل بنور الإخلاص، واستقوا من عين الحكمة، وركبوا سفينة الفطنة، وأقلعوا بريح اليقين، ولججوا في بحر النجاة، ورسوا بشط الإخلاص. اللهم اجعلنا من الذين سرحت أرواحهم في العلا، وحطت همم قلوبهم في عاريات التقى حتى أناخوا في رياض النعيم، وجنوا من رياض ثمار التسنيم، وخاضوا لجة السرور، وشربوا بكأس العيش. واستظلوا تحت العرش في الكرامة. اللهم اجعلنا من الذين فتحوا باب الصبر وردموا خنادق الجزع، وجازوا شديد العقاب، وعبروا جسر الهوى، فإنه تعالى يقول ﴿(وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)﴾ اللهم اجعلنا من الذين أشارت إليهم أعلام الهداية، ووضحت لهم طريق النجاة، وسلكوا سبيل إخلاص اليقين.
• حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم حدثني أحمد بن محمد بن حمدان النيسابوري أبو حامد ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشامي قال سمعت أبا الفيض ذا النون بن إبراهيم المصري يقول: إلهي وسيلتي إليك نعمك علي، وشفيعي إليك إحسانك إلي، إلهي أدعوك في الملأ كما تدعى الأرباب، وأدعوك في الخلا كما تدعى الأحباب، أقول في الملأ يا إلهي، وأقول في الخلا يا حبيبي أرغب إليك وأشهد لك بالربوبية مقرا بأنك ربي، وإليك مردي، ابتدأتني برحمتك من قبل أن أكون شيئا مذكورا، وخلقتني من تراب ثم أسكنتني الأصلاب ونقلتني إلى الأرحام، ولم تخرجني برأفتك في دولة أيمة ثم أنشأت خلقي من مني يمنى ثم أسكنتني في ظلمات ثلاث بين دم ولحم ملتاث وكونتني في غير صورة الإناث ثم نشرتني إلى الدنيا تاما سويا وحفظتني في المهد طفلا صغيرا صبيا، ورزقتني من الغذاء لبنا مريا، وكفلتني حجور الأمهات وأسكنت قلوبهم رقة لي وشفقة علي وربيتني بأحسن تربية ودبرتني بأحسن تدبير وكلأتى
стр. 3422
من طوارق الجن وسلمتني من شياطين الإنس وصنتني من زيادة في بدني تشينني ومن نقص فيه يعيبني فتباركت ربي وتعاليت يا رحيم فلما استهللت بالكلام أتممت علي سوابغ الإنعام، وأنبتني زائدا في كل عام، فتعاليت يا ذا الجلال والإكرام، حتى إذا ملكتني شانى، وشددت أركانى أكملت لى عقلى، حجاب الغفلة عن قلبي وألهمتني النظر في عجيب صنائعك، وبدائع عجائبك ورفعت وأوضحت لي حجتك ودللتني على نفسك وعرفتني ما جاءت به رسلك، ورزقتني من أنواع المعاش وصنوف الرياش بمنك العظيم، وإحسانك القديم، وجعلتني سويا ثم لم ترض لي بنعمة واحدة دون أن أتممت علي جميع النعم، وصرفت عني كل بلوى، وأعلمتني الفجور لأجتنبه، والتقوى لأقترفها، وأرشدتني إلى ما يقربني إليك زلفى، فإن دعوتك أجبتني، وإن سألتك أعطيتني، وإن حمدتك شكرتني، وإن شكرتك زودتني. إلهي فأي نعم أحصي عددا؟ وأي عطائك أقوم بشكره؟ أما أسبغت علي من النعماء أو صرفت عني من الضراء. إلهي أشهد لك بما شهد لك باطني وظاهري وأركاني، إلهي إني لا أطيق إحصاء نعمك فكيف أطيق شكرك عليها؟ وقد قلت وقولك الحق ﴿(وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)﴾ أم كيف يستغرق شكري نعمك وشكرك من أعظم النعم عندي وأنت المنعم به علي، كما قلت سيدي ﴿(وما بكم من نعمة فمن الله)﴾ وقد صدقت قولك. إلهي وسيدي بلغت رسلك بما أنزلت إليهم من وحيك غير أني أقول بجهدي ومنتهى علمي ومجهود وسعي ومبلغ طاقتي: الحمد لله على جميع إحسانه حمدا يعدل حمد الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين.
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد ثنا محمد ابن عبد الملك بن هاشم قال: سمعت ذا النون المصري يقول في دعائه: اللهم إليك تقصد رغبتي، وإياك أسأل حاجتي ومنك أرجو نجاح طلبتي، وبيدك مفاتيح مسألتي لا أسأل الخير إلا منك ولا أرجوه من غيرك ولا أيأس من روحك بعد معرفتي بفضلك، يا من جمع كل شيء حكمته، ويا من نفذ في كل شيء
стр. 3423
حكمه، يا من الكريم اسمه لا أحد لي غيرك فأسأله، ولا أثق بسواك فآمله، ولا أجعل لغيرك مشيئة من دونك أعتصم بها، وأتوكل عليه، فمن أسأل إن جهلتك، وبمن أثق بعد إذ عرفتك اللهم إن ثقتي بك وإن ألهتني الغفلات عنك وأبعدتني العثرات منك بالاغترار، يا مقيل العثرات إن لم تتلافني بعصمة من العثرات فإني لا أحول بعزيمة من نفسي ولا أروم على خليفة بمكان من أمري.
أنا نعمة منك وأنا قدر من قدرك، أجري في نعمك، وأسرح في قدرك، أزداد على سابقة علمك، ولا أنتقص من عزيمة أمرك، فأسألك يا منتهى السؤالات، وأرغب إليك يا موضع الحاجات سواك، من قد كذب كل رجاء إلا منك ورغبة من رغب عن كل ثقة إلا عنك، أن تهب لي إيمانا أقدم به عليك، وأوصل به عظم الوسيلة إليك، وأن تهب لي يقينا لا توهنه بشبهة إفك، ولا تهنه خطرة شك، ترحب به صدري، وتيسر به أمري، ويأوي إلى محبتك قلبي، حتى لا ألهو عن شكرك، ولا أنعم إلا بذكرك يا من لا تمل حلاوة ذكره ألسن الخائفين، ولا تكل من الرغبات إليه مدامع الخاشعين، أنت منتهى سرائر قلبي في خفايا الكتم، وأنت موضع رجائي بين إسراف الظلم.
من ذا الذي ذاق حلاوة مناجاتك فلها بمرضاة بشر عن طاعتك ومرضاتك؟ رب أفنيت عمري في شدة السهو عنك، وأبليت شبابي في سكرة التباعد منك، ثم لم أستبطئ لك كلاءة ومنعة في أيام اغتراري بك وركوني إلى سبيل سخطك، وعن جهل يا رب قربتني الغرة إلى غضبك، أنا عبدك ابن عبدك قائم بين يديك متوسل بكرمك إليك، فلا يزلني عن مقام أقمتني فيه غيرك، ولا ينقلني من موقف السلامة من نعمك إلا أنت أتتصل إليك بما كنت أواجهك به من قلة استحيائي من نظرك، وأطلب العفو منك يا رب إذ العفو نعمة لكرمك يا من يعصى ويتاب إليه فيرضى، كأنه لم يعص بكرم لا يوصف، وتحنن لا ينعت، يا حنان بشفقته، يا متجاوزا بعظمته، لم يكن لي حول فأنتقل عن معصيتك إلا في وقت أيقظتني فيه لمحبتك، وكما أردت أن أكون كنت، وكما رضيت أن أقول قلت، خضعت لك وخشعت لك
стр. 3424
إلهي لتعزني بإدخالي في طاعتك، ولتنظر إلي نظر من ناديته فأجابك واستعملته بمعونتك فأطاعك، يا قريب لا تبعد عن المعتزين، ويا ودود لا تعجل على المذنبين، اغفر لي وارحمني يا أرحم الراحمين.
• حدثنا محمد بن محمد بن عبد الله بن زيد ثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء ثنا سعيد بن عبد الحكم قال سمعت ذا النون يقول: خرجت في طلب المناجاة فإذا أنا بصوت فعدلت إليه فإذا أنا برجل قد غاص في بحر الوله، وخرج على ساحل الكمه، وهو يقول في دعائه: أنت تعلم أني لأعلم أن الاستغفار مع الإصرار لؤم، وأن تركي الاستغفار مع معرفتي بسعة رحمتك لعجز، إلهي أنت الذي خصصت خصائصك بخالص الإخلاص، وأنت الذي سلمت قلوب العارفين من اعتراض الوسواس، وأنت آنست الآنسين من أوليائك، وأعطيتهم كفاية رعاية المتوكلين عليك، تكلؤهم في مضاجعهم، وتطلع على سرائرهم، وسري عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف. قال: ثم سكنت صرخته فلم أسمع له صوتا.
• حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون أبا الفيض يقول: اللهم اجعلنا من الذين تفكروا فاعتبروا، ونظروا فأبصروا، وسمعوا فتعلقت قلوبهم بالمنازعة إلى طلب الآخرة حتى أناخت وانكسرت عن النظر إلى الدنيا وما فيها ففتقوا بنور الحكم ما رتقه ظلم الغفلات وفتحوا أبواب مغاليق العمى بأنوار مفاتيح الضياء، وعمروا مجالس الذاكرين بحسن مواظبة استيدام الثناء اللهم اجعلنا من الذين تراسلت عليهم ستور عصمة الأولياء، وحصنت قلوبهم بطهارة الصفاء وزينتها بالفهم والحياء، وطيرت همومهم في ملكوت سماواتك حجابا حتى تنتهي إليك فرددتها بظرائف الفوائد. اللهم اجعلنا من الذين سهل عليهم طريق الطاعة وتمكنوا في أزمة التقوى، ومنحوا بالتوفيق منازل الأبرار، فزينوا وقربوا وكرموا بخدمتك.
وسمعته يقول: لك الحمد يا ذا المن والطول والآلاء والسعة، إليك توجهنا وبفنائك أنخنا ولمعروفك تعرضنا، وبقربك نزلنا، يا حبيب التائبين، ويا سرور
стр. 3425
العابدين، ويا أنيس المنفرين، ويا حرز اللاجين، ويا ظهر المنقطعين، ويا من حبب إليه قلوب العارفين، وبه نست أفئدة الصديقين، وعليه عطفت رهبة الخائفين، يا من أذاق قلوب العابدين لذيذ الحمد، وحلاوة الانقطاع إليه، يا من يقبل من تاب ويعفو عمن أناب، ويدعو المولين كرما، ويرفع المقبلين إليه تفضلا، يا من يتأنى على الخاطئين، ويحلم عن الجاهلين، ويا من حل عقدة الرغبة من قلوب أوليائه، ومحا شهوة الدنيا عن فكر قلوب خاصته وأهل محبته، ومنحهم منازل القرب والولاية، ويا من لا يضيع مطيعا، ولا ينسى صبيا، يا من منح بالنوال، ويا من جاد بالاتصال، يا ذا الذي استدرك بالتوبة ذنوبنا، وكشف بالرحمة غمومنا، وصفح عن جرمنا بعد جهلنا، وأحسن إلينا بعد إساءتنا، يا آنس وحشتنا ويا طبيب سقمنا، يا غياث من أسقط بيده، وتمكن حبل المعاصى وأسفر خدرا لحيا عن وجهه، هب خدودنا للتراب بين يديك يا خير من قدر وأرأف من رحم وعفا.
• حدثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون يقول: أسألك باسمك الذي ابتدعت به عجائب الخلق في غوامض العلم، يجود جلال جمال وجهك في عظيم عجيب تركيب أصناف جواهر لغاتها فخرت الملائكة سجدا لهيبتك من مخافتك، أن تجعلنا من الذين سرحت أرواحهم في العلى، وحطت همم قلوبهم في مغلبات الهوى، حتى أناخوا في رياض النعيم وجنوا من ثمار التسنيم وشربوا بكأس العشق وخاضوا لجج السرور واستظلوا تحت فناء الكرامة اللهم اجعلنا من الذين شربوا بكأس الصفا فاورثهم الصبر على طول البلا، حتى توليت قلوبهم في الملكوت، وجالت بين سرائر حجب الجبروت ومالت أرواحهم في ظل برد نسيم المشتاقين الذين أناخوا في رياض الراحة ومعدن العز وعرصات المخلدين.
• حدثنا أبي ثنا سعيد بن أحمد ثنا عثمان قال سمعت ذا النون يقول: اعتل رجل من إخوانى فكتب إلى أن أدعو الله لي، فكتبت إليه سألتني أن أدعو
стр. 3426
الله لك أن يزيل عنك النعم، واعلم يا أخي أن العلة مجزلة يأنس بها أهل الصفا والهمم والضياء في الحياة ذكرك للشفاء ومن لم يعد البلاء نعمة فليس من الحكماء ومن لم يأمن التشفيق على نفسه فقد أمن أهل التهمة على أمره، فليكن معك يا أخي حياء يمنعك عن الشكوى والسلام.
• حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد بن عثمان حدثني إبراهيم بن يحيى الزبدى قال: لما حمل ذو النون بن إبراهيم إلى جعفر المتوكل أنزله في بعض الدور وأوصى به زرافة. وقال: أنا إذا رجعت غدا من ركوبي فأخرج إلي هذا الرجل، فقال له زرافة: إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك، فلما رجع من الغد من الركوب قال له: انظر بأن تستقبل أمير المؤمنين بالسلام، فلما أخرجه إليه قال له: سلم على أمير المؤمنين، فقال ذو النون: ليس هكذا جاءنا الخبر، إنما جاءنا في الخبر أن الراكب يسلم على الراجل. قال: فتبسم أمير المؤمنين وبدأه بالسلام فنزل إليه أمير المؤمنين فقال له: أنت زاهد أهل مصر؟ قال: كذا يقولون. فقال له زرافة: فإن أمير المؤمنين يحب أن يسمع من كلام الزهاد. قال: فأطرق مليا ثم قال: يا أمير المؤمنين إن الجهل علق بنكتة أهل الفهم، يا أمير المؤمنين إن لله عبادا عبدوه بخالص من السر فشر فهم بخالص من شكره، فهم الذين تمر صحفهم مع الملائكة فرغا حتى إذا صارت إليه ملأها من سرما أسروا إليه، أبدانهم دنياوية، وقلوبهم سماوية، قد احتوت قلوبهم من المعرفة كأنهم يعبدونه مع الملائكة بين تلك الفرج وأطباق السموات، لم يخبتوا في ربيع الباطل، ولم يرتعوا في مصيف الآثام، ونزهوا الله أن يراهم يثبون على حبائل مكره، هيبة منهم له وإجلالا أن يراهم يبيعون أخلاقهم بشيء لا يدوم، وبلذة من العيش مزهودة، فأولئك الذين أجلسهم على كراسي أطباق أهل المعرفة بالأدواء والنظر في منابت الدواء، فجعل تلامذتهم أهل الورع والبصر، فقال لهم:
إن أتاكم عليل من فقدي فداووه، أو مريض من تذكري فأدنوه، أو ناس لنعمتي فذكروه، أو مبارز لي بالمعاصي فنابذوه أو محب لي فواصلوه، يا أوليائي فلكم عاتبت ولكم خاطبت ومنكم الوفاء طلبت، لا أحب استخدام
стр. 3427
الجبارين، ولا تولي المتكبرين، ولا مصافاة المترفين، يا أوليائي وأحبابي جزائي لكم أفضل الجزاء، وإعطائي لكم أفضل العطاء، وبذلي لكم أفضل البذل، وفضلي عليكم أوفر الفضل، ومعاملتي لكم أوفى المعاملة، ومطالبتي لكم أشد مطالبة، وأنا مقدس القلوب، وأنا علام الغيوب، وأنا عالم بمجال الفكر، ووسواس الصدور من أرادكم قصمته، ومن عاداكم أهلكته. ثم قال ذو النون بحبك وردت قلوبهم على بحر محبته فاغترفت منه ريا من الشراب فشربت منه بمخاطر القلوب، فسهل عليها كل عارض عرض لها عند لقاء المحبوب، فواصلت الأعضاء المبادرة، وألفت الجوارح تلك الراحة، فهم رهائن أشغال الأعمال، قد اقتلعتهم الراحة بما كلفوا أخذه عن الانبساط بما لا يضرهم تركه، قد سكنت لهم النفوس، ورضوا بالفقر والبوس، واطمأنت جوارحهم على الدءوب على طاعة الله بالحركات، وظعنت أنفسهم عن المطاعم والشهوات، فتوالهوا بالفكرة، واعتقدوا بالصبر، وأخذوا بالرضا، ولهوا عن الدنيا، وأقروا بالعبودية للملك الديان، ورضوا به دون كل قريب وحميم، فخشعوا لهيبته، وأقروا له بالتقصير، وأذعنوا له بالطاعة، ولم يبالوا بالقلة، إذا خلوا، بأقل بكاء وإذا عوملوا فإخوان حياء وإذا كلموا فحكماء وإذا سئلوا فعلماء وإذا جهل عليهم فحلماء فلو قد رأيتهم لقلت عذارى في الخدور، وقد تحركت لهم المحبة في الصدور بحسن تلك الصور التي قد علاها النور، إذا كشفت عن القلوب رأيت قلوبا لينة منكسرة، وبالذكر نائرة وبمحادثة المحبوب عامرة، لا يشغلون قلوبهم بغيره، ولا يميلون إلى ما دونه، قد ملأت محبة الله صدورهم، فليس يجدون لكلام المخلوقين شهوة، ولا بغير الأنيس ومحادثة الله لذة، إخوان صدق وأصحاب حياء ووفاء وتقى وورع وإيمان ومعرفة ودين، قطعوا الأودية بغير مفاوز، واستقلوا الوفاء بالصبر على لزوم الحق، واستعانوا بالحق على الباطل فأوضح لهم الحجة، ودلهم على المحجة، فرفضوا طريق المهالك، وسلكوا خير المسالك ودلهم أولئك هم الأوتاد الذين بهم توهب المواهب، وبهم تفتح الأبواب، وبهم ينشأ السحاب، وبهم يدفع العذاب، وبهم يستقي العباد والبلاد، فرحمة الله علينا وعليهم.
стр. 3428
• سمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الرازي - المذكور بنيسابور - يقول سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون المصري يقول: تنال المعرفة بثلاث: بالنظر في الأمور كيف دبرها، وفي المقادير كيف قدرها، وفي الخلائق كيف خلقها؟.
• حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا عبد الحكم بن أحمد بن سلام الصدفي قال سمعت ذا النون المصري يقول: قرأت في باب مصر بالسريانية فتدبرته فإذا فيه: يقدر المقدرون، والقضاء يضحك.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر - من أصله - ثنا أبو بكر الدينوري المفسر - سنة ثمان وثمانين ومائتين - ثنا محمد بن أحمد الشمشاطي قال سمعت ذا النون المصري يقول: إن لله عبادا ملأ قلوبهم من صفاء محض محبته وهيج أرواحهم بالشوق إلى رؤيته فسبحان من شوق إليه أنفسهم، وأدنى منه هممهم، وصفت له صدورهم، سبحان موفقهم ومؤنس وحشتهم وطبيب أسقامهم، إلهي لك تواضعت أبدانهم منك إلى الزيادة، انبسطت أيديهم ما طيبت به عيشهم، وأدمت به نعيمهم، فأذقتهم من حلاوة الفهم عنك ففتحت لهم ابواب سماواتك، وأتحت لهم الجواز في ملكوتك، بك أنست محبة المحبين، وعليك معول شوق المشتاقين واليك حنت قلوب العارفين، وبك انست قلوب الصادقين، وعليك عكفت رهبة الخائفين، وبك استجارت أفئدة المقصرين، قد بسطت الراحة من فتورهم، وقل طمع الغفلة فيهم، لا يسكنون إلى محادثة الفكرة فيما لا يعنيهم ولا يفترون عن التعب والسهر يناجونه بألسنتهم ويتضرعون إليه بمسكنتهم يسألونه العفو عن زلاتهم والصفح عما وقع الخطأ به في أعمالهم فهم الذين ذابت قلوبهم بفكر الأحزان وخدموه خدمة الأبرار الذين تدفقت قلوبهم ببره وعاملوه بخالص من سره حتى خفيت أعمالهم عن الحفظة فوقع بهم ما أملوا من عفوه ووصلوا بها إلى ما أرادوا من محبته فهم والله الزهاد والسادة من العباد الذين حملوا أثقال الزمان فلم يألموا بحملها، وقفوا في مواطن الامتحان فلم تزل أقدامهم عن مواضعها حتى مال بهم
стр. 3429
الدهر وهانت عليهم المصائب وذهبوا بالصدق والإخلاص عن الدنيا إلهي فيك.
نالوا ما أملوا كنت لهم سيدي مؤيدا ولعقولهم مؤديا حتى أوصلتهم أنت إلى مقام الصادقين في عملك وإلى منازل المخلصين في معرفتك فهم إلى ما عند سيدهم متطلعون وإلى ما عنده من وعيده ناظرون ذهبت الألام عن أبدانهم لما أذاقهم من حلاوة مناجاته ولما أفادهم من ظرائف الفوائد من عنده فيا حسنهم والليل قد أقبل بحنادس ظلمته وهدأت عنهم أصوات خليقته وقدموا الى سيدهم الذين له يأملون فلو رأيت أيها البطال أحدهم وقد قام إلى صلاته وقراءته فلما وقف في محرابه واستفتح كلام سيده خطر على قلبه أن ذلك المقام هو المقام الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين فانخلع قلبه وذهل عقله فقلوبهم في ملكوت السماوات معلقة وابدانهم بين أيدي الخلائق عارية وهمومهم بالفكر دائمة فما ظنك بأقوام أخيار أبرار وقد خرجوا من رق الغفلة واستراحوا من وثائق الفترة وأنسوا بيقين المعرفة وسكنوا إلى روح الجهاد والمراقبة بلغنا الله وإياكم هذه الدرجة.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر الدينوري ح. وحدثنا محمد بن إسحاق الشمشاطي قال سمعت ذا النون يقول: بينا أنا أسير في جبال أنطاكية وإذا أنا بجارية كأنها مجنونة وعليها جبة من صوف فسلمت عليها فردت السلام ثم قالت ألست ذا النون المصري؟ قلت عافاك الله كيف عرفتيني؟ قالت فتق الحبيب بيني وبين قلبك فعرفتك باتصال معرفة حب الحبيب ثم قالت أسألك مسألة؟ قلت سليني قالت أي شيء السخاء؟ قلت البذل والعطاء. قالت هذا السخاء في الدنيا فما السخاء في الدين قلت المسارعة إلى طاعة المولى قالت فإذا سارعت إلى طاعة المولى تحب منه خيرا قلت نعم للواحد عشرة قالت مر بابطال هذا هذا في الدين قبيح ولكن المسارعة إلى طاعة المولى أن يطلع إلى قلبك وأنت لا تريد منه شيئا بشيء ويحك يا ذا النون إني أريد أن أقسم عليه فى طلب شهوة منذ عشرين سنة فاستحيى منه مخافة أن أكون كأجير السوء إذا عمل طلب الأجر ولكن أعمل تعظيما لهيبته وعز جلاله قال ثم مرت وتركتنى.
стр. 3430
• حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة وأحمد بن محمد بن أبان قالا: ثنا سعيد بن عثمان حدثني ذو النون قال: بينا أنا في بعض مسيري إذ لقيتني امرأة فقالت لي: من أين أنت؟ قلت رجل غريب. فقالت لي: ويحك وهل يوجد مع الله أحزان الغربة؟ وهو مؤنس الغرباء ومعين الضعفاء؟ قال فبكيت فقالت لي: ما يبكيك؟ قلت: وقع الدواء على داء قد قرح فأسرع لي نجاحه.
قالت: فإن كنت صادقا فلم بكيت؟ قلت: والصادق لا يبكي؟ قالت: لا! قلت: ولم؟ قالت: لأن البكاء راحة للقلب، وملجأ يلجأ إليه، وما كتم القلب شيئا أحق من الشهيق والزفير، فإذا أسبلت الدمعة استراح القلب، وهذا ضعف الأطباء بإبطال الداء قال. فبقيت متعجبا من كلامها، فقالت لى: مالك؟ قلت: تعجبت من هذا الكلام. قالت: وقد نسيت القرحة التي سألت عنها؟ قلت: لا ما أنا بالمستغني عن طلب الزوائد قالت: صدقت حب ربك سبحانه، واشتق إليه فإن له يوما يتجلى فيه على كرسي كرامته لأوليائه وأحبائه فيذيقهم من محبته كأسا لا يظمئون بعده أبدا قال: ثم أخذت في البكاء والزفير والشهيق وهي تقول. سيدي إلى كم تخلفني في دار لا أجد فيها أحدا يسعفني على البكاء أيام حياتي ثم - تركتني ومضت.
• حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: كم من مطيع مستأنس، وكم عاص مستوحش، وكم محب ذليل، وكل راج طالب قال وسمعته يقول: اعلموا أن العاقل يعترف بذنبه، ويحس بذنب غيره، ويجود بما لديه ويزهد فيما عند غيره ويكف أذاه ويحتمل الأذى عن غيره والكريم يعطي قبل السؤال، فكيف يبخل بعد السؤال؟ ويعذر قبل الاعتذار، فكيف يحقد بعد الاعتذار؟ ويعف قبل الامتناع فكيف يطمع في الازدياد. قال: وسمعته يقول: ثلاثة من أعلام المحبة: الرضا فى المكروه، وخسن الظن في المجهول، والتحسين في الاختيار في المحذور. وثلاثة من أعلام الصواب الأنس به في جميع الأحوال، والسكون إليه في جميع الأعمال، وحب الموت بغلبة الشوق في جميع الأشغال. وثلاثة من أعمال اليقين: النظر إلى الله تعالى
стр. 3431
في كل شيء، والرجوع إليه في كل أمر، والاستعانة به في كل حال. وثلاثة من أعمال الثقة بالله: السخاء بالموجود، وترك الطلب للمفقود، والاستنابة إلى فضل الموجود. وثلاثة من أعمال الشكر: المقاربة من الإخوان في النعمة، واستغنام قضاء الحوائج قبل العطية، واستقلال الشكر لملاحظة المنة. وثلاثة من أعلام الرضى. ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضا، وهيجان الحب في حشو البلا. وثلاثة من أعمال الأنس بالله: استلذاذ الخلوة والاستيحاش من الصحبة، واستحلاء الوحدة. وثلاثة من أعلام حسن الظن بالله: قوة القلب، وفسحة الرجا فى الزلة، ونفي الإياس بحسن الإنابة. وثلاثة من أعلام الشوق: حب الموت مع الراحة، وبغض الحياة مع الدعة، ودوام الحزن مع الكفاية.
• حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهانى ثنا أحمد بن محمد ابن حمدان النيسابوري ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشاشي قال سمعت ذا النون المصري يقول: إلهي ما أصغي إلى صوت حيوان ولا حفيف شجر ولا خرير ماء ولا ترنم طائر ولا تنعم ظل ولا دوي ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك دالة على أنه ليس كمثلك شيء وأنك غالب لا تغلب وعالم لا تجهل وحليم لا تسفه وعدل لا تجور وصادق لا تكذب، إلهي فإني أعترف لك اللهم بما دل عليه صنعك، وشهد لك فعلك، فهب لي اللهم طلب رضاك برضاي ومسرة الوالد لولده يذكرك لمحبتي لك (١) ووقار الطمأنينة وتطلب العزيمة إليك لأن من لم يشبعه الولوع باسمك ولم يروه من ظمائه ورود غدران ذكرك، ولم ينسه جميع الهموم رضاه عنك، ولم يلهه عن جميع الملاهي تعداد آلائك، ولم يقطعه عن الأنس بغيرك مكانه منك كانت حياته ميتة وميتته حسرة وسروره غصة وأنسه وحشة إلهي عرفني عيوب نفسي وافضحها عندى لا تضرع إليك في التوفيق للتنزه عنها، وأبتهل إليك بين يديك خاضعا ذليلا في أن تغسلني منها، واجعلني من عبادك الذين شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم
стр. 3432
تجول في ملكوتك وتتفكر في عجائب صنعك ترجع بفوائد معرفتك وعوائد إحسانك قد ألبستهم خلع محبتك وخلعت عنهم لباس التزين لغيرك إلهي لا تترك بيني وبين أقصى مرادك حجابا إلا هتكته ولا حاجزا إلا رفعته، ولا وعرا إلا سهلته، ولا بابا إلا فتحته، حتى تقيم قلبي بين ضياء معرفتك، وتذيقنى طعم محبتك، وتبرد بالرضى منك فؤادي، وجميع أحوالي حتى لا أختار غير ما تختاره وتجعل لي مقاما بين مقامات أهل ولايتك ومضطربا فسيحا في ميدان طاعتك، إلهي كيف استرزق من لا يرزقني إلا من فضلك أم كيف أسخطك في رضى من لا يقدر على ضري إلا بتمكينك. فيا من أسأله إيناسا به وإيحاشا من خلقه ويا من اليه التجانى في شدتي ورجائي ارحم غربتي وهب لي من المعرفة ما أزداد به يقينا، ولا تكلني إلى نفسي الأمارة بالسوء طرفة عين.
• حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا سعيد بن عثمان الخليط عن أبي الفيض ذى النون المصري قال: إن لله لصفوة من خلقه، وإن لله لخيرة من خلقه قيل له: يا أبا الفيض فما علامتهم؟ قال: إذا خلع العبد الراحة وأعطى المجهود في الطاعة وأحب سقوط المنزلة قيل له: يا أبا الفيض فما علامة إقبال الله على العبد؟ قال: إذا رأيته صابرا شاكرا ذاكرا فذلك علامة إقبال الله على العبد. قيل: فما علامة إعراض الله عن العبد! قال إذا رأيته ساهيا راهبا معرضا عن ذكر الله فذاك حين يعرض الله عنه. ثم قال! ويحك كفى بالمعرض عن الله وهو يعلم أن الله مقبل عليه وهو معرض عن ذكره: قيل له با أبا الفيض فما علامة الأنس بالله؟ قال: إذا رأيته يؤنسك بخلقه فإنه يوحشك من نفسه، وإذا رأيته يوحشك من خلقه فإنه يؤنسك بنفسه ثم قال أبو الفيض: الدنيا والخلق لله عبيد، خلقهم للطاعة وضمن لهم أرزاقهم ونهاهم وحذرهم وأنذرهم، فحرصوا على ما نهاهم الله عنه، وطلبوا الأرزاق وقد ضمنها الله لهم، فلا هم في أرزاقهم استزادوا. ثم قال: عجبا لقلوبكم كيف لا تتصدع!! ولأجسامكم كيف لا تتضعضع، إذا كنتم تسمعون ما أقول لكم وتعقلون.
• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر الدينوري ثنا محمد بن أحمد
стр. 3433
الشمشاطي قال سمعت ذا النون المصري يقول: بينا أنا سائر على شاطئ نيل مصر إذا أنا بجارية تدعو وهي تقول في دعائها: يا من هو عند ألسن الناطقين، يا من هو عند قلوب الذاكرين، يا من هو عند فكرة الحامدين، يا من هو على نفوس الجبارين والمتكبرين، قد علمت ما كان مني يا أمل المؤملين. قال: ثم صرخت صرخة خرت مغشيا عليها. قال: وسمعت ذا النون يقول: دخلت إلى سواد نيل مصر فجاءني الليل فقمت بين زروعها، فإذا أنا بامرأة سوداء قد أقبلت إلى سنبلة ففركتها ثم امتنعت عليها فتركتها وبكت وهي تقول: يا من بذره حبا يابسا في أرضه ولم يك شيئا، أنت الذي صيرته حشيشا ثم أنبته عودا قائما، بتكوينك وجعلت فيه حبا متراكبا، ودورته فكونته وأنت على كل شيء قدير. وقالت: عجبت لمن هذه مشيئته كيف لا يطاع، وعجبت لمن هذا صنعه كيف يشتكي.
فدنوت منها فقلت: من يشكو أمل المؤملين؟ فقالت لي: أنت يا ذا النون، إذا اعتللت فلا تجعل علتك إلى مخلوق مثلك، واطلب دواءك ممن ابتلاك وعليك السلام، لا حاجة لى فى مناظرة الباطلين. ثم أنشأت تقول:
وكيف تنام العين وهي قريرة … ولم تدر في أي المحلين تنزل.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الصباح ثنا أبو بكر محمد بن خلف المؤدب - وكان من خيار عباد الله - قال: رأيت ذا النون المصري على ساحل البحر عند صخرة موسى، فلما جن الليل خرج فنظر إلى السماء والماء فقال:
سبحان الله ما أعظم شأنكما، بل شأن خالقكما أعظم منكما ومن شأنكما. فلما تهور الليل لم يزل ينشد هذين البيتين إلى ان طلع عمود الصبح:
اطلبوا لأنسكم مثل ما وجدت انا … قد وجدت لي سكنا ليس هو في هواه عنا
إن بعدت قربني أو قربت منه دنا
• أنشدنا عثمان بن محمد العثماني قال أنشدني العباس بن احمد لذى النون المصرى:
إذا ارتحل الكرام إليك يوما … ليلتمسوك حالا بعد حال
стр. 3434
فإن رحالنا حطت لترضى … بحلمك عن حلول وارتحال
أنخنا في فنائك يا إلهي … إليك معرضين بلا اعتلال
فسسنا كيف شئت ولا تكلنا … إلى تدبيرنا يا ذا المعالي.
• حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن عبيد الله ثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء ثنا أبو عثمان سعيد بن الحكم - تلميذ ذى النون - قال: سئل ذو النون: ما سبب الذنب؟ قال: اعقل ويحك ما تقول، فإنها من مسائل الصديقين. سبب الذنب النظرة، ومن النظرة الخطرة، فإن تداركت الخطرة بالرجوع إلى الله ذهبت، وإن لم تذكرها امتزجت بالوساوس فتتولد منها الشهوة وكل ذلك بعد باطن لم يظهر على الجوارح، فإن تذكرت الشهوة وإلا تولد منها الطلب، فإن تداركت الطلب وإلا تولد منه العقل.
• حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد ثنا أحمد بن عيسى الوشاء قال سمعت أبا عثمان سعيد بن الحكم يقول سمعت أبا الفيض ذا النون بن إبراهيم يقول:
بينما أنا أسير ذات ليلة ظلماء في جبال بيت المقدس، إذ سمعت صوتا حزينا وبكاء جهيرا وهو يقول: يا وحشتاه بعد أنسنا يا غربتاه عن وطننا وا فقراه بعد غنانا وا ذلاه بعد عزنا. فتبعت الصوت حتى قربت منه فلم أزل أبكي لبكائه حتى إذا أصبحنا نظرت إليه فإذا رجل ناحل كالشن المحترق فقلت يرحمك الله تقول مثل هذا الكلام. فقال: دعني فقد كان لي قلب فقدته، ثم أنشأ يقول:
قد كان لي قلب أعيش به … بين الهوى فرماه الحب فاحترقا
فقلت له:
لم تشتكي ألم البلا … وأنت تنتحل المحبة
إن المحب هو الصبو … ر على البلاء لمن احبه
حب الإله هو السرو … ر مع الشفاء لكل كربة.
• حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت أبا محمد الحسن بن علي بن خلف يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول: إن سكت
стр. 3435
علم ما تريد، وإن نطقت لم تنل بنطقك ما لا يريد، وعلمه بمرادك ينبغي أن يغنيك عن مسألته أو ينجيك عن مطالبته.
• حدثنا أحمد بن محمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول: سمعت بعض المتعبدين بساحل بحر الشام يقول إن لله عبادا عرفوه بيقين من معرفته فشمروا قصدا إليه، احتملوا فيه المصائب لما يرجون عنده من الرغائب، صحبوا الدنيا بالأشجان، وتنعموا فيها بطول الأحزان، فما نظروا إليها بعين راغب، ولا تزودوا منها إلا كزاد الراكب، خافوا البيات فأسرعوا، ورجوا النجاة فأزمعوا، بذكره لهجت ألسنتهم في رضى سيدهم، نصبوا الآخرة نصب أعينهم، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم، فلو رأيتهم رأيت قوما ذبلا شفاههم، خمصا بطونهم، حزينة قلوبهم، ناحلة أجسامهم، باكية أعينهم. لم يصحبوا العلل والتسويف، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف لبسوا من اللباس أطمارا بالية، وسكنوا من البلاد قفارا خالية، هربوا من الأوطان واستبدلوا الوحدة من الإخوان، فلو رأيتهم لرأيت قوما قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب، خمص لطول السرى شعث لفقد الكرا، قد وصلوا الكلال بالكلال، وتأهبوا للنقلة والارتحال.
• أخبرنا أحمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول: حضرت ذا النون في الحبس وقد دخل الجلواذ بطعام له، فقام ذو النون فنفض يده فقيل له: إن أخاك جاء به، فقال: إنه مر على يدي ظالم. قال: وسمعت رجلا سأل ذا النون فقال: رحمك الله! ما الذي أنصب العباد وأضناهم؟ فقال: ذكر المقام، وقلة الزاد، وخوف الحساب. ثم سمعته يقول بعد فراغه من كلامه: ولم لا تذوب أبدان العمال وتذهل عقولهم، والعرض على الله أمامهم، وقراءة كتبهم بين أيديهم، والملائكة وقوف بين يدي الجبار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار. ثم قال: مثلوا هذا في نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم. قال: وسمعت