← Книги сунны

Книги сунны · id 10495

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة

أبو نعيم الأصبهاني

Полный текст (3 891 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

في كل شيء، والرجوع إليه في كل أمر، والاستعانة به في كل حال. وثلاثة من أعمال الثقة بالله: السخاء بالموجود، وترك الطلب للمفقود، والاستنابة إلى فضل الموجود. وثلاثة من أعمال الشكر: المقاربة من الإخوان في النعمة، واستغنام قضاء الحوائج قبل العطية، واستقلال الشكر لملاحظة المنة. وثلاثة من أعلام الرضى. ترك الاختيار قبل القضاء، وفقدان المرارة بعد القضا، وهيجان الحب في حشو البلا. وثلاثة من أعمال الأنس بالله: استلذاذ الخلوة والاستيحاش من الصحبة، واستحلاء الوحدة. وثلاثة من أعلام حسن الظن بالله: قوة القلب، وفسحة الرجا فى الزلة، ونفي الإياس بحسن الإنابة. وثلاثة من أعلام الشوق: حب الموت مع الراحة، وبغض الحياة مع الدعة، ودوام الحزن مع الكفاية. • حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهانى ثنا أحمد بن محمد ابن حمدان النيسابوري ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشاشي قال سمعت ذا النون المصري يقول: إلهي ما أصغي إلى صوت حيوان ولا حفيف شجر ولا خرير ماء ولا ترنم طائر ولا تنعم ظل ولا دوي ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك دالة على أنه ليس كمثلك شيء وأنك غالب لا تغلب وعالم لا تجهل وحليم لا تسفه وعدل لا تجور وصادق لا تكذب، إلهي فإني أعترف لك اللهم بما دل عليه صنعك، وشهد لك فعلك، فهب لي اللهم طلب رضاك برضاي ومسرة الوالد لولده يذكرك لمحبتي لك (١) ووقار الطمأنينة وتطلب العزيمة إليك لأن من لم يشبعه الولوع باسمك ولم يروه من ظمائه ورود غدران ذكرك، ولم ينسه جميع الهموم رضاه عنك، ولم يلهه عن جميع الملاهي تعداد آلائك، ولم يقطعه عن الأنس بغيرك مكانه منك كانت حياته ميتة وميتته حسرة وسروره غصة وأنسه وحشة إلهي عرفني عيوب نفسي وافضحها عندى لا تضرع إليك في التوفيق للتنزه عنها، وأبتهل إليك بين يديك خاضعا ذليلا في أن تغسلني منها، واجعلني من عبادك الذين شهدت أبدانهم وغابت قلوبهم

стр. 3432

تجول في ملكوتك وتتفكر في عجائب صنعك ترجع بفوائد معرفتك وعوائد إحسانك قد ألبستهم خلع محبتك وخلعت عنهم لباس التزين لغيرك إلهي لا تترك بيني وبين أقصى مرادك حجابا إلا هتكته ولا حاجزا إلا رفعته، ولا وعرا إلا سهلته، ولا بابا إلا فتحته، حتى تقيم قلبي بين ضياء معرفتك، وتذيقنى طعم محبتك، وتبرد بالرضى منك فؤادي، وجميع أحوالي حتى لا أختار غير ما تختاره وتجعل لي مقاما بين مقامات أهل ولايتك ومضطربا فسيحا في ميدان طاعتك، إلهي كيف استرزق من لا يرزقني إلا من فضلك أم كيف أسخطك في رضى من لا يقدر على ضري إلا بتمكينك. فيا من أسأله إيناسا به وإيحاشا من خلقه ويا من اليه التجانى في شدتي ورجائي ارحم غربتي وهب لي من المعرفة ما أزداد به يقينا، ولا تكلني إلى نفسي الأمارة بالسوء طرفة عين. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا سعيد بن عثمان الخليط عن أبي الفيض ذى النون المصري قال: إن لله لصفوة من خلقه، وإن لله لخيرة من خلقه قيل له: يا أبا الفيض فما علامتهم؟ قال: إذا خلع العبد الراحة وأعطى المجهود في الطاعة وأحب سقوط المنزلة قيل له: يا أبا الفيض فما علامة إقبال الله على العبد؟ قال: إذا رأيته صابرا شاكرا ذاكرا فذلك علامة إقبال الله على العبد. قيل: فما علامة إعراض الله عن العبد! قال إذا رأيته ساهيا راهبا معرضا عن ذكر الله فذاك حين يعرض الله عنه. ثم قال! ويحك كفى بالمعرض عن الله وهو يعلم أن الله مقبل عليه وهو معرض عن ذكره: قيل له با أبا الفيض فما علامة الأنس بالله؟ قال: إذا رأيته يؤنسك بخلقه فإنه يوحشك من نفسه، وإذا رأيته يوحشك من خلقه فإنه يؤنسك بنفسه ثم قال أبو الفيض: الدنيا والخلق لله عبيد، خلقهم للطاعة وضمن لهم أرزاقهم ونهاهم وحذرهم وأنذرهم، فحرصوا على ما نهاهم الله عنه، وطلبوا الأرزاق وقد ضمنها الله لهم، فلا هم في أرزاقهم استزادوا. ثم قال: عجبا لقلوبكم كيف لا تتصدع!! ولأجسامكم كيف لا تتضعضع، إذا كنتم تسمعون ما أقول لكم وتعقلون. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر الدينوري ثنا محمد بن أحمد

стр. 3433

الشمشاطي قال سمعت ذا النون المصري يقول: بينا أنا سائر على شاطئ نيل مصر إذا أنا بجارية تدعو وهي تقول في دعائها: يا من هو عند ألسن الناطقين، يا من هو عند قلوب الذاكرين، يا من هو عند فكرة الحامدين، يا من هو على نفوس الجبارين والمتكبرين، قد علمت ما كان مني يا أمل المؤملين. قال: ثم صرخت صرخة خرت مغشيا عليها. قال: وسمعت ذا النون يقول: دخلت إلى سواد نيل مصر فجاءني الليل فقمت بين زروعها، فإذا أنا بامرأة سوداء قد أقبلت إلى سنبلة ففركتها ثم امتنعت عليها فتركتها وبكت وهي تقول: يا من بذره حبا يابسا في أرضه ولم يك شيئا، أنت الذي صيرته حشيشا ثم أنبته عودا قائما، بتكوينك وجعلت فيه حبا متراكبا، ودورته فكونته وأنت على كل شيء قدير. وقالت: عجبت لمن هذه مشيئته كيف لا يطاع، وعجبت لمن هذا صنعه كيف يشتكي. فدنوت منها فقلت: من يشكو أمل المؤملين؟ فقالت لي: أنت يا ذا النون، إذا اعتللت فلا تجعل علتك إلى مخلوق مثلك، واطلب دواءك ممن ابتلاك وعليك السلام، لا حاجة لى فى مناظرة الباطلين. ثم أنشأت تقول: وكيف تنام العين وهي قريرة … ولم تدر في أي المحلين تنزل. • حدثنا محمد بن أحمد بن الصباح ثنا أبو بكر محمد بن خلف المؤدب - وكان من خيار عباد الله - قال: رأيت ذا النون المصري على ساحل البحر عند صخرة موسى، فلما جن الليل خرج فنظر إلى السماء والماء فقال: سبحان الله ما أعظم شأنكما، بل شأن خالقكما أعظم منكما ومن شأنكما. فلما تهور الليل لم يزل ينشد هذين البيتين إلى ان طلع عمود الصبح: اطلبوا لأنسكم مثل ما وجدت انا … قد وجدت لي سكنا ليس هو في هواه عنا إن بعدت قربني أو قربت منه دنا • أنشدنا عثمان بن محمد العثماني قال أنشدني العباس بن احمد لذى النون المصرى: إذا ارتحل الكرام إليك يوما … ليلتمسوك حالا بعد حال

стр. 3434

فإن رحالنا حطت لترضى … بحلمك عن حلول وارتحال أنخنا في فنائك يا إلهي … إليك معرضين بلا اعتلال فسسنا كيف شئت ولا تكلنا … إلى تدبيرنا يا ذا المعالي. • حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن عبيد الله ثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء ثنا أبو عثمان سعيد بن الحكم - تلميذ ذى النون - قال: سئل ذو النون: ما سبب الذنب؟ قال: اعقل ويحك ما تقول، فإنها من مسائل الصديقين. سبب الذنب النظرة، ومن النظرة الخطرة، فإن تداركت الخطرة بالرجوع إلى الله ذهبت، وإن لم تذكرها امتزجت بالوساوس فتتولد منها الشهوة وكل ذلك بعد باطن لم يظهر على الجوارح، فإن تذكرت الشهوة وإلا تولد منها الطلب، فإن تداركت الطلب وإلا تولد منه العقل. • حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد ثنا أحمد بن عيسى الوشاء قال سمعت أبا عثمان سعيد بن الحكم يقول سمعت أبا الفيض ذا النون بن إبراهيم يقول: بينما أنا أسير ذات ليلة ظلماء في جبال بيت المقدس، إذ سمعت صوتا حزينا وبكاء جهيرا وهو يقول: يا وحشتاه بعد أنسنا يا غربتاه عن وطننا وا فقراه بعد غنانا وا ذلاه بعد عزنا. فتبعت الصوت حتى قربت منه فلم أزل أبكي لبكائه حتى إذا أصبحنا نظرت إليه فإذا رجل ناحل كالشن المحترق فقلت يرحمك الله تقول مثل هذا الكلام. فقال: دعني فقد كان لي قلب فقدته، ثم أنشأ يقول: قد كان لي قلب أعيش به … بين الهوى فرماه الحب فاحترقا فقلت له: لم تشتكي ألم البلا … وأنت تنتحل المحبة إن المحب هو الصبو … ر على البلاء لمن احبه حب الإله هو السرو … ر مع الشفاء لكل كربة. • حدثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن مقسم قال سمعت أبا محمد الحسن بن علي بن خلف يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول: إن سكت

стр. 3435

علم ما تريد، وإن نطقت لم تنل بنطقك ما لا يريد، وعلمه بمرادك ينبغي أن يغنيك عن مسألته أو ينجيك عن مطالبته. • حدثنا أحمد بن محمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول: سمعت بعض المتعبدين بساحل بحر الشام يقول إن لله عبادا عرفوه بيقين من معرفته فشمروا قصدا إليه، احتملوا فيه المصائب لما يرجون عنده من الرغائب، صحبوا الدنيا بالأشجان، وتنعموا فيها بطول الأحزان، فما نظروا إليها بعين راغب، ولا تزودوا منها إلا كزاد الراكب، خافوا البيات فأسرعوا، ورجوا النجاة فأزمعوا، بذكره لهجت ألسنتهم في رضى سيدهم، نصبوا الآخرة نصب أعينهم، وأصغوا إليها بآذان قلوبهم، فلو رأيتهم رأيت قوما ذبلا شفاههم، خمصا بطونهم، حزينة قلوبهم، ناحلة أجسامهم، باكية أعينهم. لم يصحبوا العلل والتسويف، وقنعوا من الدنيا بقوت طفيف لبسوا من اللباس أطمارا بالية، وسكنوا من البلاد قفارا خالية، هربوا من الأوطان واستبدلوا الوحدة من الإخوان، فلو رأيتهم لرأيت قوما قد ذبحهم الليل بسكاكين السهر، وفصل الأعضاء منهم بخناجر التعب، خمص لطول السرى شعث لفقد الكرا، قد وصلوا الكلال بالكلال، وتأهبوا للنقلة والارتحال. • أخبرنا أحمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول: حضرت ذا النون في الحبس وقد دخل الجلواذ بطعام له، فقام ذو النون فنفض يده فقيل له: إن أخاك جاء به، فقال: إنه مر على يدي ظالم. قال: وسمعت رجلا سأل ذا النون فقال: رحمك الله! ما الذي أنصب العباد وأضناهم؟ فقال: ذكر المقام، وقلة الزاد، وخوف الحساب. ثم سمعته يقول بعد فراغه من كلامه: ولم لا تذوب أبدان العمال وتذهل عقولهم، والعرض على الله أمامهم، وقراءة كتبهم بين أيديهم، والملائكة وقوف بين يدي الجبار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار. ثم قال: مثلوا هذا في نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم. قال: وسمعت

стр. 3436

ذا النون يقول: قال الحسن: ما أخاف عليكم منع الإجابة، إنما أخاف عليكم منع الدعاء. • حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ثنا أحمد بن محمد بن سهل الصيرفي ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: إن الطبيعة النقية هي التي يكفيها من العظمة رائحتها، ومن الحكمة إشارة إليها. • حدثنا أحمد بن محمد ثنا الحسن بن علي بن خلف قال سمعت إسرافيل يقول: أنشدنا ذو النون بن إبراهيم المصرى فقال: توجع بأمراض وخوف مطالب … وإشفاق محزون وحزن كئيب ولوعة مشتاق وزفرة واله … وسقطة مسقام بغير طبيب وفطنة جوال وبطأة غائص … ليأخذ من طيب الصفا بنصيب ألمت بقلب حيرته طوارق … من الشوق حتى ذل ذل غريب يكاتم لى وجدا ويخفى حمية … ثوت فاستكنت فى قرار لبيب خلا فهمه عن فهمه لحضوره … فمن فهمه فهم عليه رقيب يقول إذا ما شفه الشوق وأجدى … بك العيش يا أنس المحب يطيب فهذا لعمري عبد صدق مهذب … صفى فاصطفى فالرب منه قريب. • حدثنا أحمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول: كتب رجل إلى عالم: ما الذى أكسبك علمك من ربك، وما أقادك في نفسك؟ فكتب إليه العالم: أثبت العلم الحجة، وقطع عمود الشك والشبهة، وشغلت أيام عمري بطلبه، ولم أدرك منه ما فاتني. فكتب إليه الرجل: العلم نور لصاحبه، ودليل على حظه، ووسيلة إلى درجات السعداء. فكتب إليه العالم: أبليت إليه في طلبه جدة الشباب، وأدركني حين علمت الضعف عن العمل به، ولو اقتصرت منه على القليل كان لي فيه مرشد إلى السبيل. • حدثنا أحمد قال سمعت أبا محمد يقول سمعت إسرافيل يقول: سأل رجل ذا النون المصري عن سؤال فقال له ذو النون: قلبي لك مقفل، فإن فتح لك

стр. 3437

أجبتك، وإن لم يفتح لك فاعذرني واتهم نفسك. • حدثنا عثمان بن محمد بن عثمان ثنا محمد بن أحمد الواعظ ثنا العباس بن يوسف الشكلي ثنا سعيد بن عثمان. قال: كنت مع ذي النون في تيه بني إسرائيل فبينا نحن نسير إذا بشخص قد أقبل فقلت: - أستاذ شخص، فقال لي: انظر فإنه لا يضع قدمه في هذا المكان إلا صديق. فنظرت فإذا امرأة، فقلت: إنها امرأة، فقال: صديقة ورب الكعبة. فابتدر إليها وسلم عليها فردت السلام ثم قالت: ما للرجل ومخاطبة النساء؟ فقال لها: إني أخوك ذا النون ولست من أهل التهم. فقالت: مرحبا حياك الله بالسلام. فقال لها: ما حملك على الدخول إلى هذا الموضع؟ فقالت: آية في كتاب الله تعالى: ﴿(ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)﴾ فكلما دخلت إلى موضع يعصى فيه لم يهنني القرار فيه بقلب قد أبهلته شدة محبته، وهام بالشوق إلى رؤيته. فقال لها: صفي لي فقالت: يا سبحان الله! أنت عارف تكلم بلسان المعرفة تسألني؟ فقال يحق للسائل الجواب. فقالت: نعم، المحبة عندي لها أول وآخر، فأولها لهج القلب بذكر المحبوب، والحزن الدائم، والتشوق اللازم، فإذا صاروا إلى أعلاها شغلهم وجدان الخلوات عن كثير من أعمال الطاعات. ثم أخذت فى الزفير والشهيق وأنشأت تقول: أحبك حبين حب الهوى … وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى … فذكر شغلت به عن سواكا وأما الذي أنت أهل له … فكشفك للحجب حتى أراكا فما الحمد في ذا ولا ذاك لي … ولكن لك الحمد فى ذا ذاكا ثم شهقت شهقة فإذا هي قد فارقت الدنيا. • حدثنا عثمان بن محمد بن أحمد ثنا العباس بن يوسف قال سمعت سعيد بن عثمان يقول سمعت ذا النون يقول: وصف لي رجل بشاهرت فقصدته فأقمت على بابه أربعين يوما، فلما كان بعد ذلك رأيته، فلما رآني هرب مني، فقلت له: سألتك بمعبودك إلا وقفت علي وقفة. فقلت: سألتك بالله بم عرفت

стр. 3438

الله، وبأي شيء تعرف إليك الله حتى عرفته؟ فقال لي: نعم، رأيت لي حبيبا إذ قربت منه قربني وأدناني، وإذا بعدت صوت بي وناداني، وإذا قمت بالفترة رغبني ومناني، وإذا عملت بالطاعة زادني وأعطاني، وإذا عملت بالمعصية صبر علي وتأناني. فهل رأيت حبيبا مثل هذا؟ انصرف عني ولا تشغلني ثم ولى وهو يقول: حسب المحبين في الدنيا بأن لهم … من ربهم سببا يدنى إلى سبب قوم جسومهم في الأرض سارية … نعم وأرواحهم تختال فى الحجب لهفي على خلوة منه تسددني … إذا تضرعت بالاشفاق والرغب يا رب يا رب أنت الله معتمدي … متى أراك جهارا غير محتجب. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: مدح الله تعالى الشوق لنوره السموات، وأنى لوجهه الظلمات، وحجبه بجلالته عن العيون، ووصل بها معارف العقول، وأنفذ إليه أبصار القلوب، وناجاه على عرشه ألسنة الصدور؟ إلهي لك تسبح كل شجرة، ولك تقدس كل مدرة بأصوات خفية، ونغمات زكية، إلهي قد وقفت بين يديك قدمي، ورفعت إليك بصري، وبسطت إلى مواهبك يدي، وصرخ إليك صوتي وأنت الذي لا يضجره الندا ولا تخيب من دعاك. إلهي هب لي بصرا يرفعه إليك صدقه، فإن من تعرف إليك غير مجهول، ومن يلوذ بك غير مخذول، ومن يبتهج بك مسرور ومن يعتصم بك منصور. • قال الشيخ أبو نعيم رحمة الله تعالى: • حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد قال سمعت ذا النون يقول: إن لله خالصة من عباده، ونجباء من خلقه، وصفوة من بريته صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها في الملكوت معلقة، أولئك نجباء الله من عباده، وأمناء الله في بلاده، والدعاة إلى معرفته، والوسيلة إلى دينه، هيهات بعدوا وفاتوا، ووارتهم بطون الأرض وفجاجها، على أنه لا تخلو الأرض من قائم فيها بحجته على خلقه لئلا تبطل حجج الله ثم قال: وأين؟ أولئك قوم حجبهم الله عن عيون خلقه، وأخفاهم عن آفات الدنيا وفتنها، ألا وهم

стр. 3439

الذين قطعوا أودية الشكوك باليقين، واستعانوا على أعمال الفرائض بالعلم، واستدلوا على فساد أعمالهم بالمعرفة، وهربوا من وحشة الغفلة وتسربلوا بالعلم لاتقاء الجهالة، واحتجزوا عن الغفلة بخوف الوعيد، وجدوا في صدق الأعمال لإدراك الفوت، وخلوا عن مطامع الكذب ومعانقة الهوى، وقطعوا عرى الارتياب بروح اليقين وجاوزوا ظلم الدجا ودحضوا حجج المبتدعين باتباع السنن، وبادروا إلى الانتقال عن المكروه قبل فوت الإمكان، وسارعوا في الإحسان تعريضا للقعود عن الإساءة ولاقوا النعم بالشكر استجلالا لمزيده، وجعلوه نصب أعينهم عند خواطر الهمم وحركات الجوارح من زينة الدنيا وغرورها، فزهدوا فيها عيانا، وأكلوا منها قصدا وقدموا فضلا، وأحرزوا ذخرا، وتزودوا منها التقوى، وشمروا في طلب النعيم بالسير الحثيث والأعمال الزكية، وهم يظنون بل لا يشكون أنهم مقصرون، وذلك أنهم عقلوا فعرفوا ثم اتقوا وتفكروا فاعتبروا حتى أبصروا، فلما أبصروا ستولت عليهم طرقات أحزان الآخرة، فقطع بهم الحزن حركات ألسنتهم عن الكلام من غير عى خوفا من التزين فيسقطوا من عين الله، فأمسكوا وأصبحوا في الدنيا مغمومين، وأمسوا فيها مكروبين، مع عقول صحيحة، ويقين ثابت، وقلوب شاكرة، وألسن ذاكرة وأبدان صابرة وجوارح مطيعة أهل صدق ونصح وسلامة وصبر وتوكل ورضى وإيمان. عقلوا عن الله أمره فشغلوا الجوارح فيما أمروا به وذكر وحياء وقطعوا الدنيا بالصبر على لزوم الحق وهجروا الهوى بدلالات العقول وتمسكوا بحكم التنزيل وشرائع السنن ولهم فى كل ثارة منها دمعة ولذة وفكرة وعبرة ولهم مقام على المزيد للزيادة. فرحمة الله علينا وعليهم وعلى جميع المؤمنين والصالحين. قال: وسمعت ذا النون يقول: إياك أن تكون في المعرفة مدعيا وتكون بالزهد محترفا وتكو بالعبادة متعلقا فقيل له: يرحمك الله! فسر لنا ذلك. فقال أما علمت أنك إذا أشرت في المعرفة إلى نفسك بأشياء وأنت معرى من حقائقها كنت مدعيا؟ وإذا كنت في الزهد موصوفا بحالة وبك دون الأحوال كنت محترفا وإذا علقت بالعبادة قلبك وظننت أنك تنجو من الله بالعبادة لا بالله كنت بالعبادة متعلقا لا يوليها والمنان عليك؟. قال: وسمعت

стр. 3440

ذا النون يقول: معاشرة العارف كمعاشرة الله يحتمل عنك ويحكم عنك تخلقا بأخلاق الله الجميلة. قال: وسمعت ذا النون يقال: أهل الذمة يحملون على الحال المحمودة والمباح من الفعل فما الفرق بين الذمي والحنيفي الحنيفي أولى بالحلم والصفح والاحتمال. • حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا أبو حامد أحمد بن محمد النيسابوري ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن قال قيل لأبي الفيض ذي النون: كيف أصبحت! قال: أصبحت تعبا إن نفعني تعبي والموت يجد في طلبي. وقيل له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت مقيما على ذنب ونعمة، فلا أدري من الذنب أستغفر أم على النعمة أشكر. وقيل له: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بطالا عن العبادة متلوثا بالمعاصي، أتمنى منازل الأبرار وأعمل عمل الأشرار. وسمعت ذا النون يقول: إلهي لو أصبت موئلا في الشدائد غيرك أو ملجأ في المنازل سواك لحق لي أن لا أعرض إليه بوجهي عنك، ولا أختاره عليك، لقديم إحسانك إلي وحديثه، وظاهر منتك علي وباطنها، ولو تقطعت في البلاء إربا إربا، وأنصبت على الشدائد صبا صبا، ولا أجد مشتكى غيرك، ولا مفرجا لما بى عنى سواك. فيا وارث الأرض ومن عليها، ويا باعث جميع من فيها، ورث أملي فيك مني أملي، وبلغ همي فيك منتهى وسائلي. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى الرازي ثنا محمد بن أحمد بن سلمة النيسابوري قال سمعت ذا النون يقول: يا خراساني احذر أن تنقطع عنه فتكون مخدوعا. قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأن المخدوع من ينظر إلى عطاياه فينقطع عن النظر إليه بالنظر إلى عطاياه. ثم قال: تعلق الناس بالأسباب وتعلق الصديقون بولي الأسباب. ثم قال: علامة تعلق قلوبهم بالعطايا طلبهم منه العطايا، ومن علامة تعلق قلب الصديق بولي العطايا انصباب العطايا عليه وشغله عنها به. ثم قال: ليكن اعتمادك على الله في الحال لا على الحال مع الله. ثم قال: اعقل فإن هذا من صفوة التوحيد. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا الحسن بن أبي الحسن ثنا محمد بن يحيى بن آدم

стр. 3441

ثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الخواص. قال: سمعت ذا النون يقول: من أدرك طريق الآخرة فليكثر مساءلة الحكماء ومشاورتهم، وليكن أول شيء يسأل عنه العقل، لأن جميع الأشياء لا تدرك إلا بالعقل، ومتى أردت الخدمة لله فاعقل لم تخدم ثم أخدم. • حدثنا عثمان بن أحمد ثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال سمعت يوسف بن الحسن يقول: أتى رجل من أهل البصرة ذا النون فسأله: متى تصح لي عزلة الخلق قال: إذا قويت على عزلة نفسك. قال: فمتى يصح طلبي للزهد قال: إذا كنت زاهدا في نفسك هاربا من جميع ما يشغلك عن الله لأن جميع ما شغلك عن الله هي دنيا. قال يوسف: فذكرت ذلك لطاهر القدسي فقال: هذا نزل أخبار المرسلين. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون المصري - وسئل: أي الحجاب أخفى الذي يحتجب به المريد عن الله؟ فقال: ويحك: ملاحظة النفس وتدبيرها. وقال ذو النون: وقال بعضهم: علم القوم بأن الله يراهم على كل حال فاحترزوا به عمن سواه فقال له غيره من أصحابه من الزهاد - وكان حاضرا بمجلسه يقال له طاهر - يا أبا الفيض رحمك الله! بل نظروا بعين اليقين إلى محبوب القلوب فرأوه في كل حالة موجودا، وفي كل لمحة ولحظة قريبا، وبكل رطب ويابس عليما، وعلى كل ظاهر وباطن شهيدا، وعلى كل مكروه ومحبوب قائما، وعلى تقريب البعيد وتبعيد القريب مقتدرا. ولهم في كل الأحوال والأعمال سائسا، ولما يريدهم به موفقا، فاستغنوا بسياسته وتدبيره وتقويته عن تدبير أنفسهم، وخاضوا البحار وقطعوا القفار بروح النظر إلى نظره البهيج، وخرقوا الظلمات بنور مشاهدته، وتجرعوا المرارات بحلاوة وجوده، وكابدوا الشدائد واحتملوا الأذى في جنب قربه وإقيان عليهم، وخاطروا بالنفوس فيما يعلمون ويحملون ثقة منهم باجتيازه، ورضوا بما يضعهم فيه من الأحوال محبة منهم لإرادته وموافقة لرضاه، ساخطين على أنفسهم معرفة منهم بحقه، واستعدادا للعقوبة

стр. 3442

بعدله عليهم، فأداهم ذلك إلى الابتلاء منه فلم تسع عقولهم ومفاصلهم وقلوبهم محبة لغيره، ولم تبق زنة خردلة منهم خالية منه ولا باقيا فيهم سواه، فهم له بكليتهم، وهو لهم حظ في الدنيا والآخرة، وقد رضي عنهم ورضوا عنه، وأحبهم فأحبوه، وكانوا له وكان لهم، وآثروه وآثرهم، وذكروه فذكرهم ﴿(أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون)﴾ فصاح عند ذلك ذو النون وقال: أين هؤلاء؟ وكيف الطريق إليهم وكيف المسلك؟ فصاح به: يا أبا الفيض! الطريق مستقيم، والحجة واضحة. فقال له: صدقت والله يا أخي، فالهرب إليه ولا تعرج إلى غيره. • حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد بن عثمان. قال: سمعت ذا النون يقول: ويحك من ذكر الله على حقيقة نسي في حبه كل شيء، ومن نسي في حبه كل شيء حفظ الله عليه كل شيء وكان له عوضا في كل شيء. قال: وسمعت ذا النون وأتاه رجل فقال: يا أبا الفيض دلني على طريق الصدق والمعرفة. فقال: يا أخي أد إلى الله صدق حالتك التي أنت عليها على موافقة الكتاب والسنة، ولا ترق حيث لم ترق فتزل قدمك فإنه إذا زل بك لم تسقط، وإذا ارتقيت أنت تسقط. وإياك أن تترك ما تراه يقينا لما ترجوه شكا. قال: وسمعت ذا النون يقول وسئل: متى يجوز للرجل أن يقول: أراني الله كذا وكذا؟ فقال: إذا لم يطق ذلك. ثم قال ذو النون: أكثر الناس إشارة إلى الله في الظاهر أبعدهم من الله، وأرغب الناس في الدنيا وأخفاهم لها طلبا أكثرهم لها ذما عند طلابها. قال وسمعته يقول: كلت ألسنة المحققين لك عن الدعاوى ونطقت ألسنة المدعين لك بالدعاوى. قال: وسمعت ذا النون يقول: لا يزال العارف ما دام في دار الدنيا مترددا بين الفقر والفخر، فإذا ذكر الله افتخر وإذا ذكر نفسه افتقر. قال وسمعت ذا النون وسئل: بم عرف العارفون ربهم؟ فقال: إن كان بشيء فبقطع الطمع والإشراف منهم على اليأس مع التمسك منهم بالأحوال التي أقامهم عليها وبذل المجهود من أنفسهم ثم إنهم وصلوا بعد إلى الله بالله. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن عيسى الرازي قال سمعت

стр. 3443

يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصري - وذكر يوما علو المراتب وقرب الأولياء، وفوائد الأصفياء، وأنس المحبين، فأنشأ يقول: ومحب الإله في غيب أنس … ملك القدر خادم الزى عبد هو عبد وربه خير رب … ما لقلب الفتى عن الله ضد وقال يوسف: وسألت ذا النون: ما علامة الآخرة في الله؟ قال ثلاث: الصفاء والتعاون والوفاء. فالصفاء في الدين، والتعاون في المواساة، والوفاء فى البلاء. • حدثنا عثمان بن محمد حدثني أحمد بن عبد الله القرشي حدثني محمد بن خلف قال سمعت إبراهيم بن عبد الله الصوفي يقول: سئل ذو النون عن سماع العظة الحسنة والنغمة الطيبة فقال: مزامير أنس في مقاصير قدس بألحان توحيد في رياض تمجيد، بمطربات الغواني في تلك المعاني المؤدية بأهلها إلى النعيم الدائم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. ثم قال: هذا لهم الخبز، فكيف طعم النظر؟. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن محمد أبو الحسن الأنصاري قال سمعت يوسف بن الحسن يقول: قال ذو النون المصري يوما وأتاه رجل فقال له: أوصني. فقال: بم أوصيك؟ إن كنت ممن قد أيد منه في علم الغيب بصدق التوحيد فقد سبق لك قبل أن تخلق إلى يومنا هذا دعاء النبيين والمرسلين والصدقين وذلك خير لك من وصيتي لك. وإن يكن غير ذلك فلن ينفعك النداء. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو بكر الدينوري ثنا محمد بن أحمد الشمشاطي قال سمعت ذا النون يقول: بينا أنا سائر على شاطئ نيل مصر إذا أنا بجارية عليها دباء شعث الكلال، وإذا القلب منها متعلق بحب الجبار وهي منقطعة في نيل مصر وهو يضطرب بأمواجه فبينا هي كذلك إذ نظرت إلى حوت ينساب بين الوجبتين فرمت بطرفها إلى السماء وبكت وأنشأت تقول: لك تفرد المتفردون في الخلوات ولعظيم رجاء ما عندك سبح الحيتان فى البحور الزاخرات ولجلال هيبتك تصافقت الأمواج في البحور المستفحلات ولمؤانستك استأنست

стр. 3444

بك الوحوش في الفلوات وبجودك وكرمك قصد إليك يا صاحب البر والمسامحات ثم ولت عنى وهى تقول: يا مؤنس الأبرار في خلواتهم … يا خير من حطت به النزال من نال حبك لا ينال تفجعا … القلب يعلم أن ما يفنى محال ثم غابت عني فلم أرها. فانصرفت وأنا حزين القلب ضعيف الرأي. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر ثنا محمد بن أحمد قال سمعت ذا النون يقول: بينا أنا سائر بين جبال الشام إذا أنا بشيخ على تلعة من الأرض قد تساقطت حاجباه على عينيه كبرا، فتقدمت إليه فسلمت عليه فرد علي السلام ثم أنشأ وهو يقول بصوت عليل: يا من دعاه المذنبون فوجدوه قريبا، ويا من قصد إليه الزاهدون فوجدوه حبيبا، ويا من استأنس به المجتهدون فوجدوه سريعا مجيبا. ثم أنشأ يقول: وله خصائص مصطفين لحبه … اختارهم في سالف الأزمان اختارهم من قبل فطرة خلقه … فهم ودائع حكمة وبيان ثم صرخ صرخة فإذا هو ميت. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر بن محمد قال سمعت ذا النون يقول: إن لله عبادا فتقوا الحجب وعلوا النجب، حتى كشف لهم الحجب فسمعوا كلام الرب. قال: وسمعت ذا النون يقول: إن لله عبادا على الآرائك يسمعون كلام الله إذا كلم المحبين في المشهد الأعلى لأنهم عبدوه سرا فأوصل إلى قلوبهم طرائف البر، عملوا ببعض ما علموا، فلما وقفوا في الظلام بين يديه هدى قلوبهم إلى ما يعلمون، فحسرت ألبابهم لمعرفة الوقوف بين يديه. • حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن عبيد الله ثنا أحمد بن عيسى الوشاء قال سمعت سعيد بن الحكم يقول سمعت ذا النون يقول: لكل قوم عقوبة، وعقوبة العارف انقطاعه من ذكر الله. • حدثنا محمد بن محمد قال سمعت أحمد بن عيسى يقول سمعت أبا عثمان سعيد بن الحكم يقول: سئل ذو النون: من أدوم الناس عناء؟ قال: أسوؤهم

стр. 3445

خلقا: قيل وما علامة سوء الخلق؟ قال كثرة الخلاف. قال: وسمعت ذا النون يقول: سئل جعفر بن محمد عن السفلة فقال: من لا يبالي ما قال ولا ما قيل فيه. • حدثنا محمد بن محمد ثنا أحمد بن عيسى ثنا سعيد بن الحكم قال سمعت ذا النون يقول: دخلت على متعبدة فقلت لها: كيف أصبحت؟ قالت: أصبحت من الدنيا على فناء مبادرة للجهاز، متأهبة لهول يوم الجواز، أعترف لله على ما أنعم بتقصيري عن شكرها، وأقر بضعفي عن إحصائها وشكرها، قد غفلت القلوب عنه وهو منشئها، وأدبرت عنه النفوس وهو يناديها. فسبحانه ما أمهله للأنام، مع تواتر الأيادي والإنعام؟! قال: وسمعت ذا النون يقول: بينا أنا أسير في بلاد الشام إذا أنا بعابد خرج من بعض الكهوف فلما نظر إلي استتر بين تلك الأشجار ثم قال: أعوذ بك سيدي ممن يشغلني عنك يا مأوى العارفين، وحبيب التوابين، ومعين الصادقين. وغاية أمل المحبين. ثم صاح: وا غماه من طول البكاء، واكرباه من طول المكث في الدنيا ثم قال: سبحان من أذاق قلوب العارفين به حلاوة الانقطاع إليه فلا شيء ألذ عندهم من ذكره والخلوة بمناجاته. ثم مضى وهو يقول: قدوس قدوس قدوس. فناديته: أيها العابد قف لي. فوقف لي وهو يقول: اقطع عن قلبي كل علاقة، واجعل شغله بك دون خلقك. فسلمت عليه ثم سألته أن يدعو الله لي فقال: خفف الله عنك مؤن نصب السير إليه ودلك على رضاه حتى لا يكون بينك وبينه علاقة. ثم سعى من بين يدي كالهارب من السبع. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا محمد بن أحمد المذكر عن بعض أصحابه قال: قال ذو النون لفتى من النساك: يا فتى خذ لنفسك بسلاح الملامة واقمعها برد الظلامة، تلبس غدا سرابيل السلامة، واقصرها في روضة الأمان وذوقها مضض فرائض الإيمان، تظفر بنعيم الجنان. وجرعها كأس الصبر، ووطنها على الفقر، حتى تكون تام الأمر. فقال له الفتى: وأي نفس تقوى على هذا؟ فقال: نفس على الجوع صبرت، وفي سربال الظلام خطرت. نفس

стр. 3446

ابتاعت الآخرة بالدنيا بلا شرط ولا ثنيا. نفس تدرعت رهبانية القلق، ورعت الدجا إلى واضح الفلق، فما ظنك بنفس في وادي الحنادس سلكت، وهجرت اللذات فملكت، وإلى الآخرة نظرت، وإلى العيناء أبصرت، وعن الذنوب أقصرت، وعلى الذر من القوت اقتصرت، ولجيوش الهوى قهرت، وفى ظلم الدياجى سهرت، فهى بقناع الشوق مختمرة، وإلى عزيزها في ظلم الدجا مشتمرة، قد نبذت المعايش، ورعت الحشايش. هذه نفس خدوم عملت ليوم القدوم، وكل ذلك بتوفيق الحي القيوم. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي ثنا أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن هاشم قال: قلت لذي النون: صف لنا من خيار من رأيت. فذرفت عيناه وقال: ركبنا مرة في البحر نريد جدة، ومعنا فتى من أبناء نيف وعشرين سنة، قد ألبس ثوبا من الهيبة. فكنت أحب أن أكلمه فلم أستطع. بينما نراه قارئا، وبينما نراه صائما وبينما نراه مسبحا. إلى أن رقد ذات يوم، ووقعت في المركب تهمة فجعل الناس يفتش بعضهم بعضا إلى أن بلغوا إلى الفتى النائم فقال صاحب الصرة: لم يكن أحد أقرب إلي من هذا الفتى النائم. فلما سمعت ذلك قمت فأيقظته فما كان حتى توضأ للصلاة وصلى أربع ركعات ثم قال: يا فتى ما تشاء؟ فقلت: إن تهمة وقعت في المركب وإن الناس قد فتش بعضهم بعضا حتى بلغوا إليك. فالتفت إلى صاحب الصرة وقال: أكما يقول؟ فقال: نعم! لم يكن أحد أقرب إلي منك. فرفع الفتى يديه يدعو وخفت على أهل المركب من دعائه وخيل إلينا أن كل حوت في البحر قد خرج في فم كل حوت درة فقام الفتى إلى جوهرة في في حوت فأخذها فألقاها إلى صاحب الصرة وقال: في هذه عوض مما ذهب منك وأنت في حل. • حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن محمد بن حمدان ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشاشي قال سمعت أبا الفيض ذا النون يقول: إلهي من ذا الذي ذاق طعم حلاوة مناجاتك فألهاه شيء عن طاعتك ومرضاتك

стр. 3447

م من ذا الذي ضمنت له النصر في دنياه وآخرته فاستنصر بمن هو مثله في عجزه وفاقته أم من ذا الذي تكفلت له بالرزق فى سقمه وصحته فاسترزق غيرك بمعصيتك في طاعته؟ أم من ذا الذي عرفته آثامه فلم يحتمل خوفا منك مئونة فطامه؟ أم من ذا الذي أطلعته على ما لديك ثم انقطع إليك من كرامته فأعرض عنك صفحا إخلادا إلى الدعة في طلب راحته؟ من ذا الذي عرف دنياه وآخرته فآثر الفاني على الباقي لحمقه وجهالته، أم من ذا الذي شرب الصافي من كأس محبتك فلم يستبشر بقوارع محنتك، أم من ذا الذي عرف حسن اختيارك لخلقك في قدرتك فلم يرض بذلك أم من ذا الذي عرف علمك بسره وعلانيته وقدرتك على نفعه وضره فلم يكتف بك عن علم غيرك به ولم يستغن بك عن قدرة عاجز مثله. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال: سمعت ذا النون يدعو: اللهم متع أبصارنا بالجولان في جلالك، وسهرنا عما نامت عنه عيون الغافلين، واجعل قلوبنا معقودة بسلاسل النور، وعلقها بأطناب التفكر، ونزه أبصارنا عن سر مواقف المتحيرين، وأطلقنا من الأسر لنجول في خدمتك مع الجوالين، اللهم اجعلنا من الذين استعملوا ذكر قطع اللذات، وخالفوا متاع الغرة بواضحات المعرفة. اللهم اجعلنا من الذين لخدمتك في أقطار الأرض لهم طلابا، ولخصائص أصفيائك أصحابا، وللمريدين المعتكفين ببابك أحبابا. اللهم اجعلنا من الذين غسلوا أوعية الجهل بصفو ماء الحياة في مسالك النعيم حتى جالت في مجالس الذكر مع رطوبة ألسنة الذاكرين. اللهم اجعلنا من الذين رتعوا فى زهرة ربيع الفهم حتى تسامت أسنية الفكرة فوق سمو السمو حتى تسامى بهم نحو مسام العلويين براحات القلوب، ومستنيطات عيون الغيوب بطول استغفار الوجوه في محاريب قدس رهبانية الخاشعين حتى لاذت أبصار القلوب بجواهر السماء وعبرت أفنية النواحين من مصاف الكروبين ومجالسة الروحانيين فتوهموا أن قد قرب احتراق بالقلوب عند إرسال الفكرة في مواقع الأحزان بين يديك

стр. 3448

فأحرقت نار الخشية بصائر مناقب الشهوات من قلوبهم وسكنت خوافي ضلوع مضايق الغفلات من صدورهم، فأنبت ذكر الصلوات رقاد قلوبهم. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال: قرأ علي أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى الرازي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول: بالعقول يجتنى ثمر القلوب، وبحسن الصوت تستمال أعنة الأبصار، وبالتوفيق تنال الحظوة وبصحبة الصالحين تطيب الحياة. والخير مجموع في القرين الصالح، إن نسيت ذكرك، وإن ذكرت أعانك. • حدثنا عثمان بن محمد أخبرنا أحمد بن محمد قال سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول: حرم الله الزيادة في الدين، والإلهام في القلب، والفراسة في الخلق على ثلاثة نفر: على بخيل بدنياه، وسخي بدينه، وسيئ الخلق مع الله. فقال له رجل: بخيل بالدنيا عرفناه، وسخي بدينه عرفناه، صف لناسئ الخلق مع الله. قال: يقضي الله قضاء ويمضي قدرا وينفذ علما ويختار لخلقه أمرا فترى صاحب سوء الخلق مع الله مضطربا في ذلك كله غير راض به، دائما شكواه من الله إلى خلقه فما ظنك. • حدثنا عثمان بن محمد أخبرنا أحمد بن محمد قال سمعت يوسف بن الحسين يقول قلت لذي النون: دلني على الطريق الذي يؤديني إليه من ذكره. فقال: من أنس بالخلوة فقد استمكن من بساط الفراغ، ومن غيب عن ملاحظة نفسه فقد استمكن من مقاعد الإخلاص، ومن كان حظه من الأشياء هواه لم يبال ما فاته ممن هو دونه، ثم قال: المتضع يبدي غير الذي هو به، والصادق لا يبالي على أي جنب وقع قال: وسمعت ذا النون يقول: العارف متلوث الظاهر صافي الباطن. والزاهد صافي الظاهر متلوث الباطن. قال: وسمعت ذا النون يقول: إن المؤمن إذا آمن بالله واستحكم إيمانه خاف الله، فإذا خاف الله تولدت من الخوف هيبة الله فإذا سكن درجة الهيبة دامت طاعته لربه فإذا أطاع تولدت من الطاعة الرجاء فإذا سكن درجة الرجاء تولدت من الرجاء المحبة، فإذا استحكمت معاني المحبة في قلبه سكن بعدها درجة الشوق فإذا

стр. 3449

اشتاق أداه الشوق إلى الأنس بالله فإذا أنس بالله اطمأن إلى الله فإذا اطمأن إلى الله كان ليله في نعيم، ونهاره في نعيم، وسره في نعيم، وعلانيته في نعيم. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو بكر الدينوري ثنا محمد بن أحمد الشمشاطي. قال: سمعت ذا النون المصري يقول: إن لله عبادا أسكنهم دار السلام فأخمصوا البطون عن مطاعم الحرام، وأغمضوا الجفون عن مناظر الآثام، وقيدوا الجوارح عن فضول الكلام، وطووا الفرش وقاموا جوف الظلام، وطلبوا الحور الحسان من الحي الذي لا ينام. فلم يزالوا في نهارهم صياما، وفي ليلهم قياما، حتى أتاهم ملك الموت ﵇. • حدثنا محمد بن محمد بن عبيد الله ثنا أحمد بن عيسى الوشاء ثنا سعيد بن الحكم. قال: سمعت ذا النون يقول: بينا أنا أسير في بعض سياحتى فاذا أنا بصوت حزين كئيب موجع القلب - أسمع الصوت ولا أرى الشخص - وهو يقول: سبحان مفني الدهور، سبحان مخرب الدنيا، سبحان مميت القلوب، سبحان باعث من في القبور. فاتبعت الصوت فإذا أنا بنقب، وإذا الصوت خارج من النقب وهو يقول: سبحان من لا يسع الخلق إلا سره، سبحانك ما ألطفك بمن خالفك وأوفاك بعهدك، سبحانك ما أحلمك عمن عصاك وخالف أمرك. ثم قال: سيدي بحلمك نطقت، وبفضلك تكلمت، وما أنا والكلام بين يديه بما لا يستأهله قدري، فيا إله من مضى قبلي، ويا إله من يكون بعدي بالصالحين فألحقني، ولأعمالهم فوفقني. ثم قال: أين الزهاد والعباد؟ أين الذين شدوا مطاياهم إلى منازل معروفة، وأعمال موصوفة، نزل بهم الزمان فأبلاهم، وحل بهم البلاء فأفناهم، فهل أنتظر إلا مثل الذي حل بهم. ثم أقبل على ما كان فيه. فقلت: رجل غرقت نفسه عن كلام الناس فانصرفت وتركته باكيا. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان. قال: سمعت ذا النون يقول: أشد المريدين نفاقا من لحظ لحظة أو نطق بكلمة بلا حجة استبانها فيما بينه وبين ربه، ثم سئل عن الحجة فعبر عن نفسه بحجة كان قبل

стр. 3450

الفعل في الوقت غافلا. قال: وسمعت ذا النون - وسأله رجل: أي الأحوال أغلب على قلب العارف السرور والفرح أم الحزن والهموم؟ فقال: أوصلنا الله وإياكم إلى جميل ما نأمله منه، والعلم في هذا عندي - والله أعلم - أنه ليس هناك حال يشار إليه دون حال، ولا سبب دون سبب، وأنا أضرب لك مثلا: اعلم رحمك الله أن مثل العارف في هذه الدار مثل رجل قد توج بتاج الكرامة، وأجلس على سرير في بيت ثم علق من فوق رأسه سيف بشعره، وأرسل على باب البيت أسدان ضاريان فالملك يشرف كل ساعة بعد ساعة على الهلاك والعطب فأنى له بالسرور والفرح على التمام؟ وبالله التوفيق. • حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد قال سمعت ذا النون يقول: - وسئل عن الآفة التي يخدع بها المريد عن الله - فقال: يريد الألطاف والكرامات والآيات. قيل له: يا أبا الفيض: فبم يخدع قبل وصوله إلى هذه الدرحة؟ قال: بوط ء الأعقاب، وتعظيم الناس له والتوسع في المجالس وكثرة الأتباع فنعوذ بالله من مكره وخدعه. قال: وسمعت ذا النون - وسئل: ما أساس قسوة القلب للمريد؟ - فقال ببحثه عن علوم رضى نفسه بتعليمها دون استعمالها والوصول إلى حقائقها. وقال: لو أن الخلق عرفوا ذل أهل المعرفة في أنفسهم لحثوا التراب على رءوسهم وفي وجوههم. فقال رجل كان حاضرا في المجلس: رجل مؤيد. فذكرت لطاهر المقدسي فقال: سقى الله أبا الفيض، حقا ما قال ولكني أقول: لو أبدى الله نور المعرفة للزاهدين والعابدين والمحتجبين عنه بالأحوال لاحترقوا واضمحلوا وتلاشوا حتى كأن لم يكونوا. قال الرجل: فذكرت لأحمد بن أبي الحواري فقال. أما أبو الفيض عافاه الله فقال ذلك في وقت ذكره لنفسه. وأما طاهر فقال ذلك في وقت ذكره لربه. وكل مصيب والله أعلم. • حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد قال سمعت ذا النون يقول: ثلاثة علامات الخوف: الورع عن الشبهات بملاحظة الوعيد، وحفظ اللسان مراقبة للتعظيم ودواء الكمد إشفاقا من غضب الحليم. وثلاثة من أعمال الإخلاص: استواء المدح والذم من العامة ونسيان رؤيتهم في الأعمال نظرا إلى الله واقتضاء ثواب

стр. 3451

العمل في الآخرة بحسن عفو الله في الدنيا بحسن المدحة. وثلاثة من أعمال الكمال: ترك الجولان في البلدان، وقلة الاغتباط لنعماه عند الامتحان، وصفو النفس في السر والإعلان. وثلاثة من أعمال اليقين: قلة المخالفة للناس في العشرة، وترك المدح لهم في العطية، والتنزه عن ذمهم فى المنع والرزية. وثلاثة من أعلام التوكل: نقض العلائق، وترك التملق في السلائق، واستعمال الصدق في الخلائق. وثلاثة من أعلام الصبر: التباعد عن الخلطاء في الشدة، والسكون إليه مع تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحة المعيشة. وثلاثة من أعلام الحكمة: إنزال النفس من الناس كباطنهم، ووعظهم على قدر عقولهم ليقوموا عنه بنفع حاضر. (١) وثلاثة من أعلام الزهد: قصر الأمل، وحب الفقر، واستغناء مع صبر. وثلاثة من أعلام العبادة: حب الليل للسهر بالتهجد والخلوة، وكراهة الصبح لرؤية الناس والغفلة، والبدار بالصالحات مخافة الفتنة. وثلاثة من أعلام التواضع: تصغير النفس معرفة بالعيب، وتعظيم الناس حرمة للتوحيد، وقبول الحق والنصيحة من كل أحد. وثلاثة من أعمال السخاء: البذل للشيء مع الحاجة إليه، وخوف المكافأة استقلالا للعطية، والخوف على النفس استغناء لإدخال السرور على الناس. وثلاثة من أعلام حسن الخلق: قلة الخلاف على المعاشرين، وتحسين ما يرد عليه من أخلاقهم، وإلزام النفس اللائمة فيما يختلفون فيه كفا عن معرفة عيوبهم. وثلاثة من أعلام الرحمة للخلق: انزواء العقل للملهوفين، وبكاء القلب لليتيم والمسكين، وفقدان الشماتة بمصائب المسلمين، وبذل النصيحة لهم متجرعا لمرارة ظنونهم، وإرشادهم إلى مصالحهم وإن جهلوه وكرهوه. وثلاثة من أعظم الاستغناء بالله: التواضع للفقراء المتذللين، والتعظم على الأغنياء المتكبرين، وترك المعاشرة لأبناء الدنيا المستكبرين. وثلاثة من أعلام الحياء: وجدان الأنس بفقدان الوحشة، والامتلاء من الخلوة بإدمان التفكر، واستشعار الهيبة بخالص المراقبة. وثلاثة من أعلام المعرفة: الإقبال على الله والانقطاع إلى الله،

стр. 3452

والافتخار بالله. وثلاثة من أعلام التسليم: مقابلة القضاء بالرضا، والصبر عند البلا والشكر عند الرخا. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أبو بكر محمد بن أحمد البغدادي حدثني عبد الله ابن سهل. قال: سألت ذا النون فقلت: متى أعرف ربي؟ قال: إذا كان لك جليسا، ولم تر لنفسك سواه أنيسا. قلت: فمتى أحب ربي؟ قال: إذا كان ما أسخطه عندك أمر من الصبر. قلت فمتى أشتاق إلى ربي؟ قال: إذا جعلت الآخرة لك قرارا، ولم تسم الدنيا لك مسكنا ودارا. • سمعت أبا محمد بن حيان يقول سمعت عمر بن يحيى يقول سمعت ذا النون يقول: مكتوب في التوراة: ملعون من ثقته إنسان مثله. • سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت محمد بن ريان يقول سمعت ذا النون يقول: - وجاءه أصحاب الحديث ليسألوه عن الخطرات والوسواس - فقال: أنا أتكلم في شيء من هذا! فإن هذا يحدث سلواني عن شيء من الصلاة والحديث. قال: ورأى ذو النون علي خفا أحمر فقال: انزع هذا يا بني فإنه شهوة، ما لبسه النبي ﷺ ، إنما لبس النبي ﷺ خفين أسودين ساذجين. • سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت علي بن حاتم العثماني - بمصر - يقول: سمعت ذا النون - وأومى إلى موضع بمصر - يقول: كأنك عن قليل ترى هذه المدينة عامرة وتخرج منها الخيل المحذفة وقوم عجم، وعن قليل تراها خرابا. قال: علي بن حاتم: ورأيناها عامرة ورأيناها خرابا. وسمعت ذا النون يقول: القرآن كلام الله. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عباس بن حمدان ثنا أبو الحسن صاحب الشافعي قال: حضرت جنازة ذي النون فرأيت الخفافيش تقع على نعشه وبدنه وتطير. • حدثنا محمد بن علي قال سمعت محمد بن زياد يقول: لما مات ذو النون رأيت على جنازته طيورا خضراء فلا أدري أي شيء كان. ومات عندنا

стр. 3453

بمصر فأمر أن يجعل قبره مع الأرض. • حدثنا أبو جعفر أحمد بن علي بن عبد الله بن حمدان - بالكوفة - ثنا عبد الله بن محمد السمناني ثنا أبو يعقوب يوسف بن أحمد البغدادي المكفوف ثنا أبو الفيض بن إبراهيم المصرى ذا النون - سنة خمس وأربعين ومائتين بسرمن رأى - قال: رأيت رجلا في برية يمشي حافيا وهو يقول: المحب مجروح الفؤاد لا راحة له، قد زحزحت الجرحة الدواء، وأزعج الدواء الداء. فاجتمعا والقلب بينهما بحول يرتكض. فسلمت عليه فقال لي: وعليك السلام يا ذا النون. قلت: عرفتني قبل هذا؟ قال: لا. قلت: فمن أين لك هذه الفراسة؟ فقال: ممن يملكها ليست مني، هو الذي نور قلبي بالفراسة حتى عرفني إياك من غير معرفة سبقت لي، يا ذا النون! قلبي عليل، وجسمي مشغول، وأنا سائح في البرية أسير فيها منذ عشرين سنة، ما أعرف بيتا ولا يكننى سقف يسترني من الشمس إذا لظت، ويحفظني من الرياح إذا هبت، ويكلؤني من الحر والبرد جميعا، فصف لي بعض ما أنا فيه إن كنت وصافا. ثم جلس وجلست. فقلت: القلب إذا كان عليلا جالت الأحزان والأسقام فيه، ليس للقلب مع ما يجول من أصل الأسقام دواء، وإن يستجلب الأحزان من استجلبها يطول سقمه ليشكوه ويشكو إليه. فصرخ صرخة ثم قال: مالى وللشكوى؟ أما لو طالت البلوى حتى أصير رميما ما تحركت لي جارحة بالشكوى قال ذو النون: فقلت: طرقت الفكرة في قلوب أهل الرضا فمالت بهم ميلة فزعزعت الجوى، ودكدكت الضمير، فاختلفا جميعا فالتويا فعرفتا طريق الرضا منهم بالألفة إليه، فوهب لهم هبة ثم أتحفهم بتحفة الرضا، فماجت في بحار قلوبهم موجه فهيجت منها اللذة، لا بل هيجت منها هيجان اللذات، فشخصت بالحلاوة التي أتحفت إلى من أتحفها فمرت تطير من جوف الجوى، فأي طيران يكون أبهى من قلوب تطير إلى سيدها؟ لقد هبت إليه بلا أجنحة تطير، لقد مرت في الملكوت أسرع من هبوب الرياح ومن يردها وهو يدعوها إليه لقد فتح الباب حين هبت إليه طائرة فدخلت قبل أن تقرع الباب، لقد مهد

стр. 3454

لها مهادا فتنزهت فى روح رياض قدسه، فهي له ومعه. فقال: يا ذا النون زدت الجرح قرحا وقتلت فأوجعت، يا هذا ما صحبت صاحبا منذ صحبته، أصحبك اليوم. قلت: فقم بنا. فقمنا جميعا نسير بلا زاد، فلما وغلنا في البرية وطوينا ثلاثا قال لي: قد جعت. قلت: نعم قال فأقسم عليه حتى يطعمك؟ قلت: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لا تسأله شيئا، إن شاء أطعمك وإن شاء ترك. قال: فتبسم وقال: امض الآن. فلقد أفيض علينا من أطائب الأطعمة ولذيذ الأشربة حتى دخلنا مكة سالمين، ثم فارقني وفارقته. قال يوسف: فلقد رأيت ذا النون كلما ذكره بكى وتأسف على صحبته. • حدثنا محمد بن محمد بن عبيد الله ثنا نصر بن شافع المقدسي الزاهد ثنا موسى بن علي الإخميمي قال قال ذو النون: وصف لي رجل باليمن قد برز على المخالفين، وسما على المجتهدين. وذكر لي باللب والحكمة، ووصف لي بالتواضع والرحمة. قال: فخرجت حاجا فلما قضيت نسكي مضيت إليه لأسمع من كلامه، وأنتفع بموعظته أنا وناس كانوا معي يطلبون منه مثل ما أطلب. وكان معنا شاب عليه سيما الصالحين، ومنظر الخائفين، وكان مصفار الوجه من غير مرض أعمش العينين من غير عمش، ناحل الجسم من غير سقم، يحب الخلوة ويأنس بالوحدة، تراه أبدا كأنه قريب عهد بالمصيبة، أو قد فدحته نائبة. فخرج إلينا فجلسنا إليه فبدأ الشاب بالسلام عليه وصافحه، فأبدى له الشيخ البشر والترحيب فسلمنا عليه جميعا، ثم بدأ الشاب بالكلام فقال: إن الله تعالى بمنه وفضله قد جعلك طبيبا لسقام القلوب، ومعالجا لأوجاع الذنوب، وبي جرح قد فعل، وداء قد استكمل، فإن رأيت أن تتلطف لي ببعض مراحمك وتعالجني برفقك. فقال له الشيخ، سل ما بدا لك يا فتى. فقال له الشاب: يرحمك الله! ما علامة الخوف من الله؟ فقال: أن يؤمنه خوفه من كل خوف غير خوفه. ثم قال: يرحمك الله متى يتبين للعبد خوفه من ربه؟ قال: إذا أنزل نفسه من الله بمنزلة السقيم، فهو يحتمي من كل الطعام مخافة السقام، ويصبر على مضض كل دواء مخافة طول الضنا. فصاح الفتى صيحة وقال: عافيت فأبلغت، وعالجت فشفيت ثم بقى

стр. 3455

باهنا ساعة لا يحير جوابا حتى ظنت في روحه قد خرجت من بدنه ثم قال: يرحمك الله! ما علامة المحب لله؟ قال له: حبيبي إن درجة الحب رفيعة قال: فأنا أحب أن تصفها لي. قال: إن المحبين لله شق لهم من قلوبهم فأبصروا بنور القلوب إلى عز جلال الله، فصات أبدانهم دنياوية وأرواحهم حجبية وعقولهم سماوية تسرح بين صفوف الملائكة كالعيان وتشاهد ملك الأمور باليقين، فعبدوه بمبلغ استطاعتهم بحبهم له لا طمعا في جنة ولا خوفا من نار. قال: فشهق الفتى شهقة وصاح صيحة كانت فيها نفسه. قال: فانكب الشيخ عليه يلثمه وهو يقول: هذا مصرع الخائفين، هذه درجة المجتهدين، هذا أمان المتقين. • حدثنا أحمد بن المعلى الصفدي الوراق ثنا أحمد بن محمد بن عيسى الرازي ثنا يوسف بن الحسين ومحمد بن أحمد قالا: سمعنا ذا النون يقول: دارت رحى الادارة على ثلاث: على الثقة بوعد الله والرضا ودوام قرع باب الله. • حدثنا أحمد ثنا أحمد ثنا يوسف ومحمد قالا سمعنا ذا النون يقول: طوبى لمن أنصف ربه . قيل: وكيف ينصف ربه؟ قال: يقر له بالآفات فى طاعته، وبالجهل في معصيته، وإن آخذه بذنوبه رأى عدله، وإن غفر له رأى فضله وإن لم يتقبل منه حسناته لم يره ظالما، لما معه من الآفات، وإن قبلهما رأى إحسانه لما جاد به من الكرامات. • سمعت أبي يقول سمعت أبا الحسن الملطي القول سمعت أبا عبد الله الجلاء يقول: خرجت إلى شط نيل مصر فرأيت امرأة تبكي وتصرخ فأدركها ذو النون فقال لها: مالك تبكين؟ فقالت: كان ولدي وقرة عيني على صدري فخرج تمساح فاستلب مني ولدي. قال: فأقبل ذو النون على صلاته وصلى ركعتين ودعا بدعوات، فإذا التمساح خرج من النيل والولد معه ودفعه إلى أمه قال أبو عبد الله فأخذته وأنا كنت أرى. • حدثنا أبى ثنا أبو لحسن بن أبان ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: قال بعض الحكماء: ما خلص العبد لله إلا أحب أن يكون في حب لا يعرف.

стр. 3456

• حدثنا محمد بن إبراهيم قال سمعت عبد الحكم بن أحمد بن سلام يقول سمعت ذا النون يقول: نعوذ بالله من النبطى اذ استعرب. • سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت عبد الحكم بن أحمد بن سلام يقول سمعت ذا النون يقول: رأيت في برية موضعا له دندرة فإذا كتاب فيه مكتوب: احذروا العبيد المعتقين والأحداث المتقربين، والجند المتعبدين والنبط المستعربين. قال: وكان ذو النون رجلا نحيفا يعلوه حمرة ليس بأبيض اللحية. • حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إبراهيم ثنا أحمد بن حمدان النيسابوري ثنا عبد القدوس بن عبد الرحمن الشامي سمعت ذا النون يقول: إلهي إن أهل معرفتك لما أبصروا العافية ولمحوا بأبصارهم إلى منتهى العاقبة وأيقنوا بجودك وكرمك وابتدائك إياهم بنعمك ودللتهم على ما فيه نفعهم دونك إذ كنت متعاليا عن المضار والمنافع استقلوا كثير ما قدموا من طاعتك واستصغروا عظيم ما اقترفوا من عبادتك، واستلانوا ما استوعره غيرهم. بذلوا المجهود في طلب مرضاتك، واستعظموا صغر التقصير في أداء شكرك، وإن كان ليس شيء من التقصير في طاعتك بذل المجهود صغيرا كان عندهم، فنحلت لذلك أبدانهم، وتغيرت لذلك ألوانهم، وخلت من غيرك قلوبهم، واشتغلت بذكرك عقولهم وألسنتهم، وانصرفت عن خلقك إليك همومهم، وآنست وطابت بالخلوة فيك نفوسهم، لا يمشون بين العباد إلا هونا، وهم لا يسعون في طاعتك إلا ركضا. إلهي فكما أكرمتهم بشرف هذه المنازل، وأبحتهم رفعة هذه الفضائل، اعقد قلوبنا بحبل محبتك، ثم حولنا في ملكوت سماواتك وأرضك، واستدرجنا إلى أقصى مرادك درجة درجة، واسلك بنا مسلك أصفيائك منزلة منزلة، واكشف لنا عن مكنون علمك حجابا حجابا، حتى تنتهي إلى رياض الأنس، وتجتني من ثمار الشوق إليك، وتشرب من حياض معرفتك، وتتنزه في بساتين نشر آلائك، وتستنقع في غدران ذكر نعمائك ثم ارددها إلينا بطرف الفوائد، وامددها بتحف الزوائد، واجعل العيون منا فوارة بالعبرات، والصدور منا محشوة بالحرقات، واجعل قلوبنا من القلوب

стр. 3457

التي سافرت إليك بالجوع والعطش، واجعل أنفسنا من الأنفس التي زالت عن اختيارها لهيبتك، أحينا ما أحييتنا على طاعتك، وتوفنا إذا توفيتنا على ملتك راضين مرضيين، هداة مهديين مهتدين، غير مغضوب علينا ولا ضالين. • سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن مقسم يقول سمعت الحسن بن علي بن خلف يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول: أموت وما ماتت إليك صبابتي … ولا رويت من صرف حبك أوطاري. • سمعت أحمد بن محمد يقول سمعت الحسن بن علي يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت رجلا يسأل ذا النون: متى تصح عزلة الخلق؟ فقال: إذا قويت على عزلة النفس. • حدثنا أحمد بن محمد حدثني أحمد بن عثمان المكي الصوفي عن أبيه قال قال لنا ذو النون المصري: رأيت في التيه أسود كلما ذكر الله ابيض لونه، فقلت له: يا هذا إنه ليبدو عليك حال يغيرك فقال إليك عني يا ذا النون فإنه لو بدا عليك ما يبدو علي لجلت كما أجول. ثم أنشأ يقول. ذكرنا وما كنا نسينا فنذكر … ولكن نسيم القرب يبدو فيبهر فأحبابه طورا وأغدى به له … إذا الحق عنه مخبر ومغبر. • حدثنا أحمد بن محمد قال سمعت الحسن بن علي يقول سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول: نظرت إلى رجل في بيت المقدس قد استفرغه الوله فقلت له: ما الذي أثار منك ما أرى؟ قال: ذهب الزهاد والعباد بصفو الإخلاص، وبقيت في كدر الانتقاص، فهل من دليل مرشد أو حكيم موقظ؟ قال وسمعت ذا النون يقول: وقد مر به قوم على الدواب وأنا جالس معه فقال: هل ترى كنيفا على كنيف. • حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم بن يزيد قال سمعت أحمد بن محمد بن عمر يقول سمعت سعيد بن عثمان الخياط يقول سمعت ذا النون يقول: وسأله رجل: يا أبا الفيض رحمك الله من أراد التواضع كيف السبيل إليه؟ فقال له: افهم ما ألقي إليك من أراد إلى سلطان الله ذهب سلطان نفسه لأن النفوس كلها

стр. 3458

حقيرة عند هيبته، ومن أشرف التواضع أن لا ينظر إلى نفسه دون الله ومعنى قول النبي ﷺ : «من تواضع لله رفعه الله». يقول من تذلل بالمسكنة والفقر إلى الله رفعه الله بعز الانقطاع إليه. • حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ثنا أبو العباس بن يوسف الشكلي ثنا سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: منع القران بوعده ووعيده … مقل العيون بليلها أن تهجع فهموا عن الملك الكريم كلامه … فهما تذل له الرقاب وتخضع. • حدثنا أحمد بن محمد بن مقسم ثنا الحسن بن علي بن خلف قال سمعت إسرافيل يقول سمعت ذا النون يقول: يا رب أنت الذي دخل في رحمتك كل شيء فلم تضق إلا عمن ارتجله الشك إلى جحدك. قال: وسمعت ذا النون يقول وقد وقف عليه رجل فسأله شيئا فقال له ذو النون إن المتكفل برزقك غير متهم عليك. قال: وكنت مع ذي النون في سفينة وأجد في فمي بلة فبزقتها في الماء فقال: تعست يا بغيض تبزق على نعمة الله. قال: وأنشدني ذو النون رحمه الله تعالى. مجال قلوب العارفين بروضة … سماوية من دونها حجب الرب تكنفها من عالم السر قربه … فلو قدر الآجال ذابت من الحب وأروى صداها كأس صرف بحبه … وبرد نسيم جل عن منتهى الخطب فيا لقلوب قربت فتقربت … لذي العرش مما زين الملك بالقرب رضيها فأرضاها فحازت مدى الرضى … وحلت من المحبوب بالمنزل الرحب لها من لطيف العزم عزم سرت به … وتهتك بالافكار ما داخل الحجب سرى سرها بين الحبيب وبينها … فأضحى مصونا عن سوى القرب فى القرب قال وسمعت ذا النون يقول: اجلس إلى من تكلمك صفته ولا تجلس إلى من يكلمك لسانه. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر الدينوري ثنا محمد بن أحمد الشمشاطي قال سمعت ذا النون يقول: إن لله عبادا عاملوه بالتصديق فقد يسلمون من طريق دقيق ويفتح لهم حجاب المضيق ويسامحهم الشفيق الرفيق جعلوا الصيام غذاء

стр. 3459

لما سمعوه يقول ﴿(فيهما من كل فاكهة زوجان)﴾ فهم غدا يسكنون مع الحور في الشرفات، ويأكلون مما اشتهت أنفسهم من الشهوات في جنات عدن مع القاصرات، وقد أتاهم جبريل بالزيادة من صاحب السماوات، فمن مثل هؤلاء القوم وقد كشف لهم الحجاب عالم السر والخفيات، ونظر إليهم صاحب البر والكرامات. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر بن أحمد قال سمعت ذا النون يقول: إن لله عبادا علموا الطريق إليه، والوقوف غدا بين يديه، فثارت القلوب إلى محجوب الغيوب، فجرعوا مرارة مذاق خوف واستعملوا الظلام فى رضى صاحب السموات، فسقاهم من أعين العلم والزيادات وغوصهم في بحار السلامات فهم غدا يسلمون من هؤلاء الزلازل والسطوات، ويسكنون الغرفات. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عمر بن بحر الأسدي ثنا أبو بكر بن أبي الدنيا قال: قال بعض المتعبدين: كنت مع ذي النون المصري بمكة فقلت له: رحمك الله لم صار الوقوف بالجبل ولم يصر بالكعبة؟ قال: لأن الكعبة بيت الله والجبل باب الله، فلما قصدوه وافدين أوقفهم بالباب يتضرعون. فقيل له يرحمك الله فالوقوف بالمشعر الحرام كيف صار بالحرم؟ قال: لما أذن لهم بالدخول إليه أوقفهم بالحجاب الثاني وهي المزدلفة، فلما طال تضرعهم أمرهم بتقريب قربانهم فتطهروا بها من الذنوب التي كانت لهم حجابا دونه، وأذن بالزيارة إليه على طهارة. قيل له: فلم كره الصوم أيام التشريق؟ قال: لأن القوم زاروا الله وهم في ضيافته ولا ينبغي للضيف أن يصوم عند من أضافه قيل له: يرحمك الله فتعلق الرجل بأستار الكعبة لأي معنى؟ قال هو مثل الرجل تكون بينه وبين أخيه جناية فيتعلق بثوبه ويستجدي له ويتضرع إليه ليهب له جرمه وجنايته. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال قرأ علي أبو الحسن أحمد بن محمد بن عيسى الرازي حدث يوسف بن الحسين قال بعض الصوفية قال سمعت ذا النون يقول: رأيت سعدون في مقبرة البصرة في يوم حار وهو يناجي ربه ويقول بصوت عال: أحد أحد. فسلمت عليه فرد علي السلام فقلت: بحق من ناجيته

стр. 3460

إلا وقفت. فوقف ثم قال لي: قل وأوجز. قلت توصيني بوصية أحفظها منك وتدعو لى بدعوة: فأنشأ يقول: يا طالب العلم هاهنا وهنا … ومعدن العلم من جنبيكا إن كنت تبغي الجنان تسكنها … فاذرف الدمع فوق خديكا وقم إذا قام كل مجتهد … تدعوه كي ما يقول لبيكا ثم مضى وقال: يا غياث المستغيثين أغثني. فقلت له: ارفق بنفسك فلعله يلحظك لحظة فيغفر لك. فصرف يده من يدى وعدا وهو يقول: آنست به فلا أبغي سواه … مخافة أن أضل فلا اراه فحسبك حسرة وضنا وسقما … بطردك من مجالس أولياه. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال قرئ على أبي الحسن أحمد بن محمد بن عيسى وأنا حاضر قال سمعت يوسف بن الحسين يقول قال الفتح بن شخرف: كان سعدون صاحب محبة لله لهج بالقول صام ستين سنة حتى خف دماغه فسماه الناس مجنونا لتردد قوله في المحبة. قال الفتح: فغاب عنا زمانا وكنت إلى لقائه مشتاقا لما كان وصف لي من حكمة قوله، فبينا أنا بفسطاط مصر قائما على حلقة ذي النون فرأيته عليه جبة صوف على ظهره مكتوب: لاتباع ولا توهب. وذو النون يتكلم في علم الباطن فناداه سعدون: متى يكون القلب أميرا بعد ما كان أسيرا؟ فقال ذو النون إذا اطلع الخبير على الضمير فلم ير في الضمير إلا حبه لأنه الجليل العزيز. قال: فصرخ صرخة خر مغشيا عليه ثم أفاق من غشيته وهو يقول: ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى … ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر ثم قال: أستغفر الله غلب علي حبيبي ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم قال: يا أبا الفيض إن من القلوب قلوبا تستغفر قبل أن تذنب؟ قال نعم تلك قلوب تثاب قبل أن تطيع. قال: يا أبا الفيض اشرح لي ذلك. قال: يا سعدون أولئك أقوام أشرقت قلوبهم بضياء روح اليقين، فهم قد فطموا النفوس من روح الشهوات، فهم رهبان من الرهابين، وملوك في العباد، وأمراء في

стр. 3461

الزهاد، للغيث الذي مطر في قلوبهم المولهة بالقدوم إلى الله شوقا، فليس فيهم من أنس بمخلوق، ولا مسترزق من مرزوق. فهو بين الملأ حقير ذليل وعند الله خطير جليل. قال: يا ذا النون فمتى نصل إليه؟ فقال: يا سعدون صحح العزم بطرح الأذى، وسل الذي بسياسته تولى. قال الفتح: فأدخل سعدون رأسه فيما بين الحلقة فما رأيته بعد. • حدثنا عثمان بن محمد قال قرئ على أبي الحسن الرازي قال قرئ على أبى الحسين قال ذو النون: يجول الغنى والعز في كل موطن … ليستوطنا قبل امرئ إن توكلا ومن يتوكل كان مولاه حسبه … وكان له فيما يحاول معقلا قال وقال ذو النون رحمه الله تعالى: لبست بالعفة ثوب الغنى … فصبرت أمشى شامخ الراس أنطق لي الصبر لساني فما … أخضع بالقول لجلاسى اذ رأيت التيه من ذي الغنا … تهت على التائه باليأس. • سمعت محمد بن إبراهيم بن أحمد يقول سمعت أبا الفضل الصير فى ببغداد يقول سمعت أبا عثمان سعيد بن عثمان يقول سمعت ذا النون يقول: ما طابت الدنيا إلا بذكره ولا طابت الآخرة إلا بعفوه ولا طابت الجنان إلا برؤيته. • سمعت محمد بن إبراهيم يقول سمعت أبا الفضل يقول سمعت أبا عثمان يقول سمعت ذا النون يقول: إن الله تعالى لم يمنع الجنة أعداءه بخلا ولكن صان أولياءه الذين أطاعوه أن يجمع بينهم وبين أعدائه الذين عصوه. • حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن محمد البغدادي ثنا أحمد بن عبد الله ابن ميمون قال: سئل ذو النون عن السفلة من هو؟ قال: من لا يعرف الطريق إلى الله ولم يتعرفه. • حدثنا محمد بن أحمد ثنا محمد بن عبد الملك بن هاشم قال: سئل ذو النون: ما لنا لا نقوى على النوافل؟ قال: لأنكم لا تصحون الفرائض وقيل: من أدوم الناس ذنبا له؟ قال: من أحب دنيا فانية.

стр. 3462

• حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الله بن ميمون قال سمعت ذا النون يقول: قل لمن أظهر حب الله احذر أن تذل لغير الله، ومن علامة المحب لله أن لا يكون له حاجة إلى غير الله. • وبإسناده عن عبد الله بن ميمون قال: سألت ذا النون عن كمال العقل وكمال المعرفة فقال: إذا كنت قائما بما أمرت به تاركا لتكلف ما كفيت فأنت كامل العقل، وإذا كنت متعلقا بالله في أحوالك لا بأعمالك غير ناظر إلى سواه فأنت كامل المعرفة. • حدثنا محمد بن أحمد بن عبد الله قال سمعت ذا النون يقول: طوبى لمن كان شعار قلبه الورع ولم يعم بصر قلبه الطمع وكان محاسبا لنفسه فيما صنع. • حدثنا محمد ثنا أحمد قال سمعت ذا النون يقول: إنما يختبر ذو البأس عند اللقاء، وذو الأمانة عند الأخذ والعطاء، وذو الأهل والولد عند الفاقة والبلاء، والإخوان عند نوائب القضاء. • حدثنا محمد بن أحمد ثنا أحمد بن عبيد الله قال سمعت ذا النون يقول: الذي اجتمع عليه أهل الحقائق في حقائقهم أن الله غير مفقود فيطلب، ولا ذو غاية فيدرك، فمن أدرك موجودا فهو بالموجود مغرور، وإنما الموجود عندنا معرفة وكشف علم بالأعمال. • حدثنا أبو نصر ظفر بن الحسين الصوفي ثنا علي بن أحمد الثعلبي ثنا أحمد بن فارس الفرغاني قال سمعت علي بن عبد الحميد الحلبي يقول سمعت ابن الفرضي يقول سمعت ذا النون يقول: البلاء ملح المؤمن إذا عدم البلاء فسد حاله. • حدثنا ظفر بن الحسين ثنا أحمد بن محمد بن الفضل ثنا أبو الحسن الرازي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول: لا يرى الله شيء فيموت كما لم يره شيء فيعيش، لأن حياته باقية يبقى بها من يراها. قال وسمعت ذا النون يقول: تكلم الناس من عين الأعمال وتكلمت من عين المنة.

стр. 3463

• حدثنا ظفر ثنا أبو الحسن ثنا يوسف بن الحسين قال سمعت ذا النون يقول: سمعت عابدا يقول: إن لله عبادا أبصروا فنظروا فلما نظروا عقلوا، فلما عقلوا علموا، فلما علموا عملوا، فلما عملوا انتفعوا رفع الحجاب فيما بينهم وبينه فنظروا بأبصار قلوبهم إلى ما ذخر لهم من خفي محجوب الغيوب، فقطعوا كل محجوب وكان هو المنا والمطلوب. • حدثنا ظفر ثنا محمد بن أحمد بن محمد حدثني أحمد بن عبد الله بن ميمون قال سمعت ذا النون يقول: وقد سئل عن أول درجة يلقاها العارف قال التحير ثم الافتقار ثم الاتصال ثم انتهى عقل العقلاء إلى الحيرة. قال: وسئل ذو النون ما أغلب الأحوال على العارف. قال: حبه، والحب فيه، ونشر الآلاء وهي الأحوال التي لا تفارقه. • حدثنا ظفر حدثني محمد بن أحمد قال سمعت محمد بن عبد الملك يقول سمعت ذا النون يقول: ما أعز الله عبدا بعز هو أعز له من أن يذله على ذل نفسه وما أذل الله عبدا بذل هو أذل له من أن يحجبه عن ذل نفسه. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال قرئ على أحمد بن محمد بن عيسى الرازي ثنا يوسف بن الحسين عن الفتح بن شخرف قال سمعت ذا النون يقول: خرجت في طلب المباح فإذا أنا بصوت فعدلت إليه فإذا أنا برجل قد غاص في بحر الوله وخرج على ساحل الكمد ويقول في دعائه: أنت تعلم أني أعلم أنك تعلم أن الإصرار مع الاستغفار لؤم، وتركي الاستغفار مع معرفتي بسعة عفوك عجز، يا إلهي أنت خصصت خصائصك بخالص الإخلاص، وأنت الذى تضن بضنائك عن شوائب الانتقناص، وأنت الذي سلمت قلوب العارفين عن اعتراض الوسواس، وأنت الذي آنست الآنسين من أوليائك فأعطيتهم كفاية رعاية ولاية المتوكلين عليك، تكلؤهم في مضاجعهم، وتطلع على سرائرهم وسري عندك مكشوف، وأنا إليك ملهوف، وأنت بالإحسان معروف ثم سكت فلم أسمع له صوتا. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني حدثني محمد بن إبراهيم المذكر ثنا

стр. 3464

العباس بن يوسف الشكلي ثنا محمد بن يزيد قال سمعت ذا النون يقول: خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام فبينا أنا بالطواف إذا بشخص متعلق بأستار الكعبة، وإذا هو يبكي وهو يقول في بكائه: كتمت بلائي من غيرك، وبحت بسري إليك، واشتغلت بك عمن سواك، عجبت لمن عرفك كيف يسلو عنك! ولمن ذاق حبك كيف يصبر عنك؟ ثم أنشأ يقول. ذوقتني طيب الوصال فزدتني … شوقا إليك مخامر الحسرات ثم أقبل على نفسه فقال: أمهلك فما ارعويت، وستر عليك فما استحيت، وسلبك حلاوة المناجاة فما باليت، ثم قال: عزيزي ما لي إذا قمت بين يديك ألقيت علي النعاس، ومنعتني حلاوة قرة عيني له ثم أنشأ يقول: روعت قلبي بالفراق فلم أجد … شيئا أمر من الفراق وأوجعا حسب الفراق بأن يفرق بيننا … وأطال ما قد كنت منه مودعا. قال: فلم أتمالك أن أتيت الكعبة مستخفيا، فلما أحس تحلل بخمار كان عليه ثم قال: يا ذا النون غض بصرك من مواقع النظر فإني حرام، فعلمت أنها امرأة. فقلت: يا أمة الله مم يحوي الهموم قلب المحب؟ فقالت: إذا كانت للتذكار محاورة، وللشوق محاضرة، يا ذا النون أما علمت أن الشوق يورث السقام، وتجديد التذكار يورث الأحزان! ثم أنشأت تقول. لم أذق طعم وصلك حتى … زال عني محبتى للانام. ثم أنشأت تقول نعم المحب إذا تزايد وصله … وعلت محبته بعقب وصال. فقالت أوجعتني أما علمت أنه لا يبلغ إليه إلا بترك من دونه. • حدثنا أحمد بن إسحاق ثنا أحمد بن الحسين الأنصاري ثنا أبو عصمة قال: كنت عند ذي النون وبين يديه فتى حسن يملي عليه شيئا قال فمرت امرأة ذات جمال وخلق قال فجعل الفتى يسارق النظر إليها، قال ففطن ذو النون فلوى عنق الفتى وأنشأ يقول: دع المصوغات من ماء وطين … واشغل هواك بحور عين .

стр. 3465

• حدثنا عثمان بن محمد ثنا أحمد بن عبد الرحمن المقرى قال سمعت هلال ابن العلاء يقول قال ذو النون: من تطأطأ لقط رطبا ومن تعالى لقي عطبا. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن عيسى الرازى قال سمعت يوسف ابن الحسين يقول سمعت ذا النون يقول: حرمة الجليس أن تسره - فإن لم تسره فلا تسؤه لم يكسب محبة الناس في هذا الزمان إلا رجل خفيف المرونة عليهم وأحسن القول فيهم وأطاب العشرة معهم. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن سهل النيسابوري أبو الفضل ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان الخياط قال سمعت ذا النون يقول: معاشرة العارف كمعاشرة الله يحتملك ويحلم عنك تخلقا بأخلاق الله الجميلة. قال: وسمعت ذا النون يقول: لا تتقن بمودة من لا يحبك إلا معصوما ووال من صحبك ووافقك على ما تحب وخالفك فيما تكره فانما يصحب هواه، ومن صخب هواه فإنما هو طالب راحة الدنيا. قال: وسمعت ذا النون يقول: كل مطيع مستأنس، وكل عاص مستوحش، وكل محب ذليل، وكل خائف هارب، وكل راج طالب. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا أبو بكر البغدادي قال: قال لي أبو الحسن كتب الوليد بن عتبة الدمشقي إلى ذي النون بكتاب يسأله فيه عن حاله فكتب إليه: كتبت إلي تسألني عن حالي فما عسيت أن أخبرك به من حالي وأنا بين خلال موجعات أبكاني منهن أربع حب عيني للنظر، ولساني للفضول، وقلبي للرياسة، وإجابتي إبليس لعنه الله، فيما يكرهه الله وأقلقني منها عين لا تبكي من الذنوب المنتنة، وقلب لا يخشع عند نزول العظة، وعقل وهن فهمه في محبة الدنيا، ومعرفة كلما قلبتها وجدتني بالله أجهل، وأضناني منها أني عدمت خير خصال الإيمان الحياء وعدمت خير زاد الآخرة التقوى وفنيت أيامى بمحبتي للدنيا وتضييعي قلبا لا أقتني مثله أبدا. • حدثنا عثمان بن محمد حدثني الحسن بن أبي الحسن المصري ثنا محمد ابن يحيى بن آدم ثنا إسحاق بن إبراهيم الخواص قال سمعت ذا النون يقول: لم أر شيئا أبعث للإخلاص من الوحدة لأنه إذا خلا لم ير غير الله، فإذا لم ير

стр. 3466

غير الله لم تحر له إلا خشية الله ومن أحب الخلوة فقد تعلق بعمود الإخلاص واستمسك بركن كبير من أركان الصدق. • حدثنا محمد بن عثمان بن محمد ثنا أحمد بن محمد بن عيسى ثنا يوسف بن الحسين قال سمعت ذا النون يقول: الحب لله عام، والود لله خاص، لأن كل المؤمنين يذوقون حبه وينالونه وليس كل مؤمن ينال وده. ثم أنشأ يقول: من ذاق طعم الوداد … حمى جميع العباد من ذاق طعم الوداد … قلى جميع العباد من ذاق طعم الوداد … سلى طريق العباد من ذاق طعم الوداد … أنس برب العباد. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا عبد الله بن جعفر المصري ثنا عبد الله بن محمد البرقعي قال سمعت ذا النون يقول: الأنس بالله نور ساطع، والأنس بالناس غم واقع. قيل لذي النون: ما الأنس بالله! قال: العلم والقرآن. • حدثنا عثمان ثنا أحمد بن محمد بن عيسى ثنا محمد بن أحمد بن سلمة قال: سمعت ذا النون وقيل له: ما علامة الأنس بالله! قال إذا رأيت أنه يوحشك من خلقه فإنه يؤنسك بنفسه، وإذا رأيت أنه يؤنسك بخلقه فاعلم أنه يوحشك من خلقه. ثم قال: الدنيا لله أمة، والخلق لله عبيد، خلقهم للطاعة، وضمن لهم أرزاقهم، فحرصوا على أمته، وقد نهاهم عنها، وطلبوا الأرزاق وقد ضمنها لهم، فلا هم على أمته قدروا، ولا هم في أرزاقهم استزادوا. ثم قال: عجبا لقلبك كيف لا يتصدع … ولركن جسمك كيف لا يتضعضع فاكحل بملمول السهاد لدى الدجى … إن كنت تفهم ما أقول وتسمع منع القرآن بوعده وعيده … فعل العيون بليلها ان تهجع فهموا عن الملك الكريم كلامه … فهما تذل له الرقاب وتخضع. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أبو الحسن الرازي قال سمعت يوسف بن الحسين يقول قال ذو النون: صدور الأحرار قبور الأسرار، قال وسئل ذو النون: لم أحب الناس الدنيا؟ قال لأن الله تعالى جعلها خزانة أرزاقهم فمدوا

стр. 3467

أعينهم إليها، وقيل له ما إسناد الحكمة؟ قال: وجودها. وسئل يوما فيم يجد العبد الخلاص؟ فقال الخلاص في الإخلاص، فإذا أخلص تخلص فقيل فما علامة الإخلاص؟ قال: إذا لم يكن في عملك صحبة المخلوقين ولا مخافة ذمهم فأنت مخلص إن شاء الله تعالى. • حدثنا عثمان بن محمد قال سمعت أحمد بن عبد الله بن سليمان الدمشقي يقول سمعت أبا جعفر محمد بن خلف بن ضوء الرقي يقول سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله الصوفي يقول: سئل ذو النون المصري عن المحبة فقال: هي التي لا تزيدها منفعة ولا تنقصها مضرة. ثم أنشأ يقول: شواهد أهل الحب باد دليلها … بأعلام صدق ما يضل سبيلها جسوم أولي صدق المحبة والرضى … تبين عن صدق الوداد نحولها إذا ناجت الأفهام أنس نفوسهم … بألسنة تخفى على الناس قبلها وضجت نفوس المستهامين واشتكت … جوى كان عن أجسامها شربيلها يحنون حزنا ضاعف الخوف شجوه … ونيران شوق كالسعير عليها وساروا على حب الرشاد الى العلى … نوم بهم تقواه وهو دليلها فحطو بدار القدس في خير منزل … وفاز بزلفى ذي الجلال حلولها. • أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب البغدادي ثنا أبو جعفر محمد بن عبد الملك بن هاشم قال: قلت لذي النون: كم الأبواب إلى الفطنة؟ قال أربعة أبواب: أولها الخوف، ثم الرجاء، ثم المحبة ثم الشوق. ولها أربعة مفاتيح فالفرض مفتاح باب الخوف، والنافلة مفتاح باب الرجاء وحب العبادة والشوق مفتاح باب المحبة، وذكر الله الدائم بالقلب واللسان مفتاح باب الشوق، وهي درجة الولاية، فإذا هممت بالارتقاء في هذه الدرجة فتناول مفتاح باب الخوف، فإذا فتحته اتصلت إلى باب الفطنة مفتوحا لاغلق عليه، فإذا دخلته فما أظنك تطيق ما ترى فيه حينئذ يجوز شرفك الاشراف، ويعلو ملكك ملك الملوك، واعلم أي أخي أنه ليس بالخوف ينال الفرض، ولكن بالفرض ينال الخوف، ولا بالرجاء تنال النافلة. ولكن بالنافلة ينال الرجاء كما

стр. 3468

أنه ليس بالأبواب تنال المفاتيح، ولكن بالمفاتيح تنال الأبواب، واعلم أنه من تكامل فيه الفرض فقد تكامل فيه الخوف، ومن جاء بالنافلة فقد جاء بالرجاء، ومن جاء بمحبة العبادة فقد وصل إلى الله، ومن شغل قلبه ولسانه بالذكر قذف الله في قلبه نور الاشتياق إليه، وهذا سر الملكوت فاعلمه واحفظه حتى، يكون الله هو الذي يناوله من يشاء من عباده. • حدثنا أبو أحمد عاصم بن محمد الإيلي قال سمعت الفضل بن صدقة الواسطي يقول سمعت ذا النون المصري يقول: إذا اطلع الخبير على الضمير فلم يجد في الضمير غير الخبير جعل فيه سراجا منيرا. • حدثنا محمد بن إبراهيم بن أحمد حدثني سالم بن جميل الواسطي قال سمعت الشمشاطي يقول سمعت ذا النون يقول: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى كن كالطير الوحداني يأكل من رءوس الأشجار ويشرب من ماء القراح، إذا جنه الليل آوى إلى كهف من الكهوف استئناسا بي، واستيحاشا ممن عصاني. يا موسى إني آليت على نفسي أن لا أتم لمة بر من دوني عملا يا موسى لأقطعن أمل كل مؤمل يؤمل غيري، ولأقصمن ظهر من استند إلى سوائى، ولأطيلن وحشة من استأنس بغيري، ولأعرضن عن من أحب حبيبا سوائى. يا موسى إن لي عبادا إن ناجوني أصغيت إليهم، وإن نادوني أقبلت عليهم، وإن أقبلوا علي أدنيتهم، وإن دنوا مني قربتهم وإن تقربوا مني اكتنفتهم، وإن والوني واليتهم، وإن صافوني صافيتهم، وإن عملوا لي جازيتهم، هم في حماي وبي يفتخرون وأنا مدبر أمورهم، وأنا سائس قلوبهم، وأنا متولي أحوالهم، لم أجعل لقلوبهم راحة في شيء إلا في ذكري، فذكري لأسقامهم شفاء، وعلى قلوبهم ضياء، لا يستأنسون إلا بي، ولا يحطون رحال قلوبهم إلا عندي، ولا يستقر قرارهم في الإيواء إلا إلي. ثم قال ذو النون: هم يا أخى قوم قد دوب الحزن أكبادهم، وأنحل الخوف أجسامهم، وغير السهر ألوانهم، وأقلق خوف البعث قلوبهم، قد سكنت

стр. 3469

أسرارهم إليه، وتذللت قلوبهم عليه، فنفوسهم عن الطاعة لا تسلو، وقلوبهم عن ذكره لا تخلو، وأسرارهم في الملكوت تعلو، الخشوع يخشع لهم إذا سكتوا، والدموع تخبر عن خفي حرقتهم إذا كمدوا، قد سوا فرج الشهوات بحلاوة المناجاة، فليس للغفلة عليهم مدخل، ولا للهو فيهم مطمع، قد حجب التوفيق بينهم وبين الآفات، وحالت العصمة بينهم وبين اللذات، فهم على بابه يبكون، وإليه يبكون، ومنه يبكون فيا طوبى للعارفين ما أغنى عيشهم وما ألذ شربهم وما أجل حبيبهم. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد بن مصقلة ثنا أبو عثمان سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: من ذبح خنجر الطمع بسيف الإياس، وردم خندق الحرص ظفر بكيمياء الحزمة، ومن استقى بحبل الزهد على دلو الغروف استقى من حب الحكمة، ومن سلك أدوية الكمد بحياء حياة الأبد ومن حصد عشب الذنوب بمنجل الورع أضاءت له روضة الاستقامة، ومن قطع لسانه بشفرة الصمت وجد طعم عذوبة الراحة، ومن تدرع بدرع الصدق قوي على مجاهدة عسكر الباطل واعتدل خوفه ورجاؤه وحسن في الآخرة مثواه، ومن فرح بمدحة الجاهل الشيطان ثوبه الحماقة. • حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد قال ذو النون: وسأله رجل فقال يا أبا الفيض ما التوكل؟ فقال له: خلع الأرباب وقطع الأسباب. فقال له. زدني فيه حالة أخرى. فقال. إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية. قال وسمعت ذا النون يقول: طوبى لمن تطهر ولزم الباب، طوبى لمن تضمر للسباق، طوبى لمن أطاع الله أيام حياته. قال: وسمعته يقول: من وثق بالمقادير استراح، ومن صحح استراح ومن تقرب قرب، ومن صفى صفي له، ومن توكل وفق، ومن تكلف ما لا يعنيه ضيع ما يعنيه. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن محمد ثنا سعيد بن عثمان قال سمعت ذا النون يقول: بينا أنا سائر في بلاد العرب إذا أنا برجل على عريش من البلوط وعنده عين ماء تجري فأقمت عليه يوما وليلة أريد أن أسمع كلامه، فأشرف علي بوجهه

стр. 3470

فسمعته يقول: شهد قلبي لله بالنوازل، وكيف لا يشهد قلبي بذلك وكل أمورهم إليك فحسب من اغتر بك أن يألف قلبه غيرك، هيهات هيهات لقد خاب لديك المقصرون سيدى ما أحلا ذكرك، أليس قصدك مؤملوك فنالوا ما أملوا، وجدت لهم منك بالزيادة على ما طلبوا فقلت له يا حبيبي إني مقيم عليك منذ يوم وليلة أريد أن أسمع من كلامك فقال لي قد رأيتك بأبطال حين أقبلت ولكن ما ذهب روعك من قلبي إلى الآن. فقلت له: ولم ذلك وما الذي أفزعك مني؟ فقال: بطالتك في يوم عملك، وشغلك في يوم فراغك، وتركك الزاد ليوم معادك، ومقامك على المظنون. فقلت: إن الله تعالى كريم ما ظن به أحد شيئا إلا أعطاه. فقال: إنه لكذلك إذا وافقه العمل الصالح والتوفيق فقلت له: رحمك الله يا حبيبي ما هاهنا فتية تستأنس بهم؟ فقال: بلى هاهنا فتية متفرقون في رءوس الجبال. قلت: فما طعامهم في هذا المكان؟ قال: أكلهم الفلق من خبز البلوط، ولباسهم الخرق من الثياب، قد يئسوا من الدنيا ويئست الدنيا منهم، قد لصقوا بمقام الأرض وتلففوا بالخرق، فلو رأيتهم رجالا إذا جنهم الليل بسكاكين السهر. فقلت له: يا حبيبي فما مع القوم دواء يتعالجون به من الألم؟ قال بلى! قلت: وما ذاك الدواء؟ قال: إذا أكلوا أضافوا من الكلال بالكلال، وجدوا بالارتحال فتسكن العروق ويهدأ الألم. فقلت له: يا حبيبي فلا يسيرون بجد! فقال هذا تقول بأبطال! إن القوم أعطوا المجهود من أنفسهم، فلما دبرت المفاصل من الركوع، وقرحت الجباه من السجود، وتغيرت الألوان من السهر، ضجوا إلى الله بالاستعانة، فهم أحلاف اجتهاد يهيمون فلا تقربهم الأوطان، ولا يسكنون إلى غير الرحمن. فقلت له: حبيبي أوصني. فقال لي: عليك بمعاقبة نفسك إذا دعتك إلى بلية، ومنا بذلتها إذا دعتك إلى الفترة فإن لها مكرا وخداعا فإذا فعلت هذا الفعل أغناك عن المخلوقين وسلاك عن مجالسة الفاسقين. • حدثنا أبي ثنا أحمد ثنا سعيد قال سمعت ذا النون يقول: أسفرت منازل الدجا، وثبتت حجج الله على خلقه، فآخذ بحظه، ومضيع لنفسه،
следующие страницы →