← Книги сунны

Книги сунны · id 10495

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء - ط السعادة

أبو نعيم الأصبهاني

Полный текст (3 891 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وشح عليك. طوبى للأبرار الذين أطاعوني من خلقي، أطلعوني من قلوبهم على الرضا، وأطلعوني من ضميرهم على الصدق والاستقامة. طوبى لهم. ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم، النور يسعى أمامهم، والملائكة حافون بهم، حتى أبلغ بهم ما يرجون من رحمتي. مسكين الصوفي (١) ومنهم مسكين بن عبيد الصوفي، حليف الأحزان، الناقل كلام الأئمة والإخوان. • حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد المؤذن ثنا أحمد بن أبان ثنا أبو بكر بن سفيان ثنا محمد بن الحسين ثنا مسكين بن عبيد الصوفي. قال: حدثنى المتوكل ابن الحسين العابد. قال قال إبراهيم بن أدهم: الحزن حزنان: فحزن لك وحزن عليك. فالحزن الذي هو لك حزنك على الآخرة وخيرها. والحزن الذي هو عليك فحزنك على الدنيا وزينتها. العباس بن المؤمل ومنهم أبو الوليد العباس بن المؤمل الصوفي. امتحن فصبر في محنته فعوفي، راحته في البكاء والأحزان. ومفزعه إلى المقابر والجبان. • حدثنا أبو بكر المؤذن ثنا أحمد بن أبان ثنا أبو بكر بن سفيان ثنا محمد بن الحسين قال حدثنى زيد الخبرى قال حدثني أبو الوليد العباس بن المؤمل الصوفي - وكان أمر هارون بالمعروف فحبسه دهرا - قال: أتاني آت في منامي فقال: كم للحزين غدا في القيامة من فرحة تستوعب طول حزنه في دار الدنيا. قال: فاستيقظت فزعا فلم ألبث أن فرج الله وأخرجني مما كنت فيه من ذلك الحبس، ففرح بذلك أصحابنا وأهلونا. قال: ورأيت في المنام كأن ذلك الآتي أتاني فقال: بشر المحزونين بطول الفرح غدا عند مليكهم. فعلمت والله أن الحزن إنما هو على خير الآخرة لا على الدنيا. قال زيد: فكان أبو الوليد

стр. 3642

بما هو دهره باكي العين، إنما يتبع جنازة أو يعود مريضا، أو يلزم الجبان وكان محزونا جدا. مغيث الأسود (١) ومنهم مغيث الأسود، آثر الأدوم والأجود، وحبب إليه الأحمد والأعود. • حدثنا أبو بكر المؤذن ثنا أحمد بن أبان ثنا أبو بكر بن عبيد قال: حدثني محمد بن الحسين قال حدثني يوسف بن الحكم الرقي ثنا فياض بن محمد بن سنان قال قال لي مغيث الأسود - وكان من خيار موالي بني أمية - قال قال لي راهب بدير الخلق: ما لي أراك طويل الحزن؟ قال قلت له: طالت غيبتي، وبعدت شقتي، وشق علي السفر جدا. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، لقد ظننت أنك من عمال الله في أرضه. قلت: وما أنكرت؟ قال: ظننت أن حزنك لنفسك، فإذا أنت إنما تحزن لغيرك، أما علمت أن المريد حزنه عليه جديد آناء الليل وآناء النهار، ساعات فرحه عند ساعات خلله، هو الدهر باك محزون، ليس له على الأرض قرار، إنما تراه والها يفر بدينه، مشغولا طويل الهم قد علا بثه، همته الآخرة والوصلة إليها بسبيل النجاة من شرها. ثم قال هاه وأسبل دموعه فلم يزل يبكي حتى غشي عليه. القلانسي • ومنهم المؤانسي، أبو عبد الله القلانسي، كان بالعهد وافيا، فكان الحق له في المعاطب ناجيا. • حدثنا محمد بن الحسين ثنا عبد الواحد بن بكر أن أبا عبد الله القلانسي ركب البحر في بعض سياحته فعصفت به الريح في مركبهم، فدعا أهل المركب وتضرعوا ونذروا النذور. وقالوا: أي عبد الله كلنا قد عاهدنا الله ونذرنا نذرا إن نجانا الله، فانذر أنت نذرا وعاهد الله عهدا. فقلت: أنا متجرد من

стр. 3643

الدنيا، مالي والنذر. فألحوا علي فقلت: لله علي نذر إن يخلصني الله مما أنا فيه لا آكل لحم الفيل. فقالوا: إيش هذا النذر؟ وهل يأكل لحم الفيل أحد؟ فقلت كذا وقع في سري وأجرى الله على لساني. فانكسرت السفينة ووقعت في جماعة من أهلها إلى الساحل فبقينا أياما لم نذق ذواقا. فبينما نحن قعود إذا بولد فيل فأخذوه وذبحوه فأكلوا لحمه وعرضوا علي أكله فقلت: أنا نذرت وعاهدت الله أن لا آكل لحم الفيل. فاعتلوا علي بأني مضطر ولى فسخ العهد لاضطرارى. فأبيت عليهم وثبت على العهد. فأكلوا وامتلئوا وناموا. فبينما هم نيام إذ جاءت الفيلة تطلب ولدها وتتبع أثره، فلم تزل تشم الرائحة حتى انتهت إلى عظام ولدها فشمته ثم جاءت وأنا أنظر إليها، فلم تزل تشم واحدا واحدا، فكلما شمت من واحد رائحة اللحم داسته برجلها أو بيدها فقتلته، حتى قتلتهم كلهم، ثم أقبلت إلي فلم تزل تشمني فلم تجد مني رائحة اللحم، فادارت مؤخرها وأومأت بخرطومها، أي اركب، فلم أقف على ما أومأت فرفعت ذنبها ورجلها، فعلمت أنها تريد منى ركوبها، فركبتها فاستويت على شيء وطئ فسارت بي سيرا عنيفا إلى أن جاءت بي في ليلتي إلى موضع زرع وسواد، وأومأت إلي أن أنزل، فتدلت برجلها حتى نزلت عنها. فسارت سيرا أشد من سيرها بي، فلما أصبحت رأيت زرعا وسوادا وناسا. فجملونى إلى ملكهم وسألني ترجمانه فأخبرته بالقصة وما جرى على القوم فقال لى: تدري كم السير الذي سارت بك الليلة فقلت: لا. فقال. مسيرة ثمانية أيام. سارت بك في ليلة. فلبثت عندهم إلى أن حملت ورجعت. شبل المدري (١) ومنهم شبل المدري لوحظ باللطف فبرى. • حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا عبد الواحد بن أحمد ثنا أبو الفرج بن بكر عن عبد العزيز بن أحمد عن أبي موسى الطويل البصري. قال: اشتهى شبل المدري لحما فأخذه ليحمله فانحطت عليه الحدأة فاختلسته منه، فنوى الصوم

стр. 3644

ورجع إلى المسجد. قال: فأقبلت الحدأة ونازعتها حداة أخرى لتغلبها عليه بحزاء منزل شبل. فسقط منها ووقع في حجر امرأة شبل، فقامت وطبخته. فلما رجع شبل إلى منزله ليفطر قدمت امرأته إليه اللحم فقال: من أين لك هذا اللحم: فأخبرته بالحدأتين وتنازعهما. فبكى شبل وقال. الحمد لله الذي لم ينس شبلا وإن كان شبل ينساه. عبد الله بن دينار ومنهم أبو محمد عبد الله بن دينار. صان الأسرار. وحفظ بالأنوارا. • حدثنا محمد بن أحمد بن محمد البغدادي قال أخبرني جعفر بن عبد الله الدينوري قال سمعت أبا حمزة يقول قلت لابن دينار الجعفي: أوصني. قال: اتق الله في خلواتك، وحافظ على أوقات صلواتك، وغض طرفك عن لحظاتك، تكن عند الله مقربا في حالاتك. مساور المغربي ومنهم مساور المغربي. مستوطن الفيافي الأبي. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عبد الله بن محمد بن العباس ثنا سلمة بن شبيب ثنا سهل بن عاصم عن كرد بن عنبسة. قال قال مساور بن لبيب المغربي: وقفت على راهب ذكروا لي أنه لم يكلم أحدا منذ أربعين سنة، ولم ينزل فيها من صومعته. فلم أزل به حتى أشرف علي فراودته على الكلام فأبى أن يتكلم. فقلت له: بجلال من تركت له الكلام لما كلمتني. قال: فمال قليلا كهيئة المغمى عليه ثم انتبه كهيئة الفزع ثم قال: سل وأوجز. قلت: منذ متى أنت في هذا الأمر؟ قال: يوم واحد. قلت: وكيف ذاك؟ قال: سمعت الناس يقولون: غدا واليوم، وبعد غد، فنظرت في أمري فإذا أنا لم أعط ما أعطوا، فنظرت فإذا أمس قد فاتني، واليوم هو لي، وغدا لا أدري أدركه أم لا. ثم أدخل رأسه. الفرج بن سعيد ومنهم أبو روح الفرج بن سعيد الصوفي: لزم طريق الأئمة والأوتاد.

стр. 3645

ونقل عنهم ما يتعالج به العباد. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عبد الله بن محمد ثنا سلمة بن شبيب ثنا سهل بن عاصم ثنا أبو روح الفرج بن سعيد الصوفي قال: حدثني عثمان بن عمار قال سمعت حماد بن زيد يقول: اجتمع أيوب السختياتى ويونس بن عبيد وابن عون وثابت البناني في بيت فقال ثابت: يا هؤلاء كيف يكون العبد إذا ادعا الله فاستجاب له دعاءه قال ابن عون: يكون البلاء في نفسه. قال ثابت: فإنه يعترضها العجب بما صنع الله به. فقال يونس بن عبيد: لا يكون العبد يعجب بصنع الله له إلا وهو مستدرج. فقال أيوب وما علامة المستدرج؟ فقال: إن العبد إذا كان له عند الله منزلة فحفظها وأبقى عليها ثم شكر الله أعطاه الله أشرف من المنزلة الأولى. وإذا هو ضيع الشكر استدرجه الله، فكان تضيعه للشكر استدراجا من الله له، فغلبه عن شكر العجب معرفة الاستدراج. وإن العبد المستدرج إذا ألقي في قلبه شيء من الشكر حمله شكره على التفقد من أين أتي، فإذا عرف ذلك بصدق خضع، فإذا خضع أقال الله عثرته. قال حماد: إن ابن عمر سئل عن الاستدراج فقال: ذلك مكره بالعباد المضيعين. قال فبكوا جميعا، ثم رفع أيوب من بينهم يده وقال: يا عالم الغيب والشهادة لا توفيق لنا إن لم توفقنا، ولا قوة لنا إن لم تقونا. فقال يونس به وجدنا طعم القوة من دعائك يا أبا بكر. قال. وكان أيوب يعرف أصحابه أن له دعوة مستجابة. أبو اليمان ومنهم أبو اليمان، قرين الخير الحبر ابن سليمان. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا إسحاق بن أبي حسان ثنا أحمد بن أبي الحواري قال سمعت أبا سليمان يقول: كان عندنا شيخ يزعمون أنه يعرف اسم الله الأعظم. فأتيته فقلت يا عم بلغنا أنك تعرف اسم الله الأعظم فقال: يا بن أخي تعرف قلبك؟ قلت: نعم. قال: فإذا رأيته رق وأقبل فسل الله حاجتك، فذلك اسم الله الأعظم.

стр. 3646

حيان الأسود ومنهم حيان الأسود. • حدثنا عبد الله ثنا إسحاق ثنا أحمد بن أبي الحواري ثنا جعفر بن محمد عن حيان الأسود. قال: كان عندنا رجل مكث ثلاث عشرة سنة، يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة، حتى أقعد من رجليه، فإذا صلى العصر احتبى واستقبل القبلة ثم قال: عجبت للخليقة كيف أرادت بك بدلا. بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك. بل عجبت للخليقة كيف آنست بسواك. ثم يسكت إلى المغرب. أبو الفضل الهاشمي ومنهم أبو الفضل الهاشمي. • حدثنا محمد بن الحسين ثنا أبو جعفر الرازي قال سمعت زكريا بن دلويه يقول: دخل أبو العباس بن مسروق الطوسي على أبى الفضل الهاشمى وهو عليل - وكان ذا عيال ولم يعرف له سببا - قال: فلما قمت قلت في نفسي: من أين يأكل هذا الرجل؟ قال: فصاح: يا أبا العباس رد هذه الهمة الردية فإن لله ألطافا خفية. إبراهيم المغربي ومنهم إبراهيم المغربي. • حدثنا محمد بن الحسين قال سمعت محمد بن عبد الله يقول سمعت إبراهيم ابن الوليد يقول: دخلت على إبراهيم المغربي وقد رفسته بغلة فكسرت رجله فقال: لولا مصائب الدنيا لقد منا على الله مفاليس. أبو تراب الرملي ومنهم أبو تراب الرملي: • حدثنا محمد بن الحسين قال سمعت عبد الله بن محمد الرازي يقول: خرج أبو تراب الرملي سنة من السنين من مكة فقال لأصحابه: خذوا أنتم طريق

стр. 3647

الجادة حتى آخذ طريق تبوك. فقالوا له: الحر شديد. قال: لا بد، ولكن إذا دخلتم رملة فانزلوا عند فلان صديق لي. قال: فدخلوا الرملة فنزلوا عليه فشوى لهم أربع قطع لحم، فلما وضع بين أيديهم جاءت الحدأة فأخذت قطعة منها، فقلنا: لم تكن رزقنا. فأكلنا الباقي، فلما كان بعد يومين خرج أبو تراب من المفازة فقلنا: هل وجدت في الطريق شيئا؟ فقال: لا، إلا يوم كذا رمى إلي حدأة بقطعة شواء حار. فقلنا له: قد تغذينا منه فإنه من عندنا أخذته الحدأة. فقال أبو تراب: كذا كان الصدق. سعيد الشهيد ومنهم سعيد الشهيد، المقنع في الحديد، المشتاق إلى رؤية المنعم المجيد. • حدثنا محمد بن أحمد بن محمد وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني ثنا عباس بن يوسف قال قال ميسرة الخادم: غزونا في بعض الغزوات فصادفنا العدو، فإذا بفتى إلى جانبي، وإذا هو مقنع في الحديد، فحمل على الميمنة حتى ثناها، وحمل على الميسرة حتى ثناها، وحمل على القلب حتى ثناها. ثم أنشأ يقول: أحسن بمولاك سعيد ظنا … هذا الذي كنت له تمنى تنح يا حور الجنان عنا … مالك قاتلنا ولا قتلنا لكن إلى سيدكن اشتقنا … قد علم السر وما أعلنا قال: فحمل فقاتل فقتل منهم عددا ثم رجع إلى مصافه، فتكالب عليه العدو، فإذا به قد حمل على الناس وأنشأ يقول: قد كنت أرجو ورجائي لم يخب … أن لا يضيع اليوم كدى والطلب يا من ملا تلك القصور باللعب … لولاك ما طابت ولا طاب الطرب فحمل فقاتل فقتل منهم عددا ثم رجع إلى مصافه فتكالب عليه العدو فحمل الثالثة وأنشأ يقول: يا لعبة الخلد قفي ثم اسمعي … مالك قاتلنا فكفى وارجعى

стр. 3648

ثم ارجعي إلى الجنان فأسرعي … لا تطمعي لا تطمعي لا تطمعي قال: فحمل فقاتل حتى قتل ﵀. سيار النباجي ومنهم سيار النباجي، الباكي النائح المناجي. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أبو الحسن المذكر ثنا عمر بن يوسف ثنا أحمد بن مسروق. قال قال سيار النباجي - وكان قد بكى على الله ستين سنة - قال: نمت عن وردي ذات ليلة، فبينا أنا كذلك رأيت كأني دخلت الجنة وإذا نهر يجري على الدر والجوهر، حافتاه من المسك الأذفر وعلى شاطئ النهر قباب اللؤلؤ وقضبان الذهب والجوهر، وإذا بجوار على الساحل وهن يقلن: سبحان المسبح في كل مكان. سبحانه سبحانه سبحانه. فقلت: من أنتن؟ فقلن: نحن من خلق الرحمن. فقلت: لمن أنتن؟ فقلن: برانا إله الناس رب محمد … لقوم على الأقدام بالليل قوم يناجون رب العالمين إلههم … وتسري هموم القوم والناس نوم. أحمد بن روح ومنهم أحمد بن روح المستغيث بالمولى من حلول البلوى. • أنشدني عثمان بن محمد العثماني قال أنشدني الحسين بن عبد الرحمن القاضي قال حدثني أبي قال سمعت أحمد بن روح ينشد: إذا حلت البلوى صرخت لسيد … به تدفع البلوى وينكشف الضر أؤمل مولى لا يخيب عبده … له العز والآلاء والخلق والأمر قال: وأنشدني أيضا لبعض إخوانه: ألوذ بباب من أدعوه فردا … وآمل أن أقرب من حبيبى إذا نامت عيون الناس طرا … قرعت الباب بالقلب الكئيب. جابر الرحبي ومنهم جابر الرحبي - له الأحوال الرفيعة، والألطاف البديعة

стр. 3649

• حدثنا محمد بن أحمد بن يعقوب قال سمعت الجنيد بن محمد يقول حدثني أبو جعفر الخصاف قال قال لي جابر الرحبي يوما وأنا أماشيه: مر بنا نتسابق، مر أنت هكذا حتى أمر أنا هكذا. قال: فمررت أنا على الجسر فلما أبعدت على الجسر التفت فإذا هو يمشي على الماء ينتضح من تحت قدميه مثل ما يخرج الغبار من تحت قدم الماشي. فلما التقينا قلت: من يحسن مثل هذا؟ أمشي على الجسر وتمشي أنت على الماء. قال فقال لي: أوقد رأيتني؟ قال قلت: نعم. قال: أنت رجل صالح. ومنهم المستأنس بالحق، المستوحش من الخلق، اسمه خفي، وحاله علوي. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال سمعت أبا الحسن محمد بن أحمد يقول ثنا عبيد البسرى. قال: سألت رجلا بالكام: ما الذي أجلسك في هذا الموضع؟ قال: وما سؤالك عن شيء إن طلبته لم تدركه، وإن لحقته لم تقع عليه؟ قلت: تخبرني ما هو؟ قال علمي بأن مجالسة الله تستغرق نعيم الجنان كلها. قلت: بم؟ قال: أواه، قد كنت أظن أن نفسي ظفرت، ومن الخلق هربت، فإذا أنا كذاب في مقامي، لو كنت محبا لله صادقا ما اطلع علي أحد. فقلت: أما علمت أن المحبين خلفاء الله في أرضه، مستأنسون بخلقه، يبعثهم على طاعته. قال: فصاح بي صيحة وقال: يا مخدوع لو شممت رائحة الحب، وعاين قلبك ما وراء ذلك من القرب، ما احتجت أن ترى فوق ما رأيت. ثم قال: يا سماء ويا أرض اشهدا على أنه ما خطر على قلبي ذكر الجنة والنار قط، إن كنت صادقا فأمتنى. فو الله ما سمعت له كلاما بعدها، وخفت أن يسبق إلي الظن من الناس في قتله فتركته ومضيت، فبينا أنا على ذلك إذا أنا بجماعة فقالوا: ما فعل الفتى فكنيت عن ذلك. فقالوا: ارجع فإن الله قد قبضه فصليت معهم عليه. فقلت، لهم: من هذا الرجل ومن أنتم؟ قالوا: ويحك، هذا رجل به كان يمطر المطر، قلبه على قلب إبراهيم الخليل ﵇، أما رأيته يخبر عن نفسه أن ذكر الجنة والنار ما خطر على قلبه قط؟

стр. 3650

فهل كان أحد هكذا إلا إبراهيم الخليل ﵇؟ قلت: فمن أنتم؟ قالوا: نحن السبعة المخصوصون من الأبدال. قلت علموني شيئا. قالوا: لا تحب أن تعرف، ولا تحب أن يعرف أنك ممن لا يحب أن يعرف. عبد الله بن خبيق ومنهم الصادق الواثق، المشمر اللاحق، عبد الله بن خبيق. تذوق بالصفاء، وتحقق بالوفاء، تخرج على يوسف بن أسباط، فأعرض عن الشبهات وأماط. سكن من الثغور أنطاكية. • حدثنا أبو يعلى الحسين بن محمد بن الحسين الزبيري ثنا محمد بن المسيب الأرغياني ثنا عبد الله بن خبيق بن سابق. قال قال لي يوسف بن أسباط: إياك أن تكون من قراء السوق. • حدثنا أبو يعلى الحسين بن محمد بن المسيب ثنا عبد الله بن خبيق قال قال لي حذيفة المرعشي: كيف تفلح والدنيا أحب إليك من أحب الناس إليك؟ وقال فى حذيفة: إن لم تخش أن يعذبك الله على أفضل عملك فأنت هالك. قال وقال لفضل: رأس الأدب عندنا أن يعرف الرجل قدره. • حدثنا الحسين ثنا محمد ثنا عبد الله. قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: لا تغضب على الحمقى فيكثر غمك. قال: وكان حبر من أحبار بني إسرائيل يقول: يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني! فأوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل قل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري، ألم أسلبك حلاوة مناجاتي • وبه قال: قيل لابن السماك: ما أطيب الطيبات قال: ترك الشهوات. وقال لي حذيفة المرعشي: ما ابتلي أحد بمصيبة أعظم عليه من قسوة قلبه. وقال لي حذيفة: إنما هي أربعة أشياء: عيناك، ولسانك، وهواك، وقلبك. فانظر عينيك لا تنظر بهما إلى ما لا يحل لك. وانظر لسانك لا تقل به شيئا يعلم الله خلافه من قلبك. وانظر قلبك لا يكن فيه غل ولا دغل على أحد من المسلمين. وانظر هواك لا تهوى شيئا من الشر. فما دام لم تكن فيك هذه الأربع خصال فألق الرماد على رأسك.

стр. 3651

• حدثنا الحسين ثنا محمد ثنا عبد الله قال: من عاتب نفسه فى مرضات الله آمنه الله من مقته. وأنشدني عبد الله بن خبيق. أف لدنيا أبت تواتيني … إلا بنقضي لها عرى دينى عينى لحينى تدبر مقلتها … تطلب ما سرها لترديني. • حدثنا الحسين ثنا محمد ثنا عبد الله. قال مكتوب في الحكمة من رضي بدون قدره رفعه الناس فوق غايته. وقال عبد الله أنت لا تطيع من يحسن إليك فكيف تحسن إلى من يسئ إليك. • حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت محمد بن علي بن الخليل يقول سمعت محمد بن جعفر بن سوار يقول سمعت عبد الله بن خبيق يقول: لا يستغني حال من الأحوال عن الصدق، والصدق مستغن عن الأحوال كلها. ولو صدق عبد فيما بينه وبين الله حقيقة الصدق لاطلع على خزائن من خزائن الغيب، ولكان أمينا فى السموات والأرض. قال عبد الله: وحشة العباد عن الحق أوحش منهم القلوب، ولو أنسوا بربهم ولزموا الحق لاستأنس بهم كل أحد. وسئل عبد الله بماذا ألزم الحق في أحوالي؟ قال: بإنصاف الناس من نفسك، وقبول الحق ممن هو دنك. وقال عبد الله: طول الاستماع إلى الباطل يطفئ حلاوة الطاعة من القلب، ومن أراد أن يعيش حيا في حياته فليزل الطمع عن قلبه. • حدثنا عبد الله بن محمد بن عثمان الواسطي ثنا عمر بن عبد الله الهجري قال سمعت عبد الله بن خبيق يقول: لا تغتم إلا من شيء يضرك غدا، ولا تفرح بشيء لا يسرك غدا. وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي، وأطال منك الحزن على ما فاتك، وألزمك الفكرة في بقية عمرك. • حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا عبد الله بن خبيق قال حدثني موسى بن طريف قال لي سمعت يوسف بن أسباط يقول: أربعون سنة ما حاك في صدري شيء إلا تركته. • حدثنا أبي ثنا إبراهيم ثنا عبد الله قال قال لي يوسف بن أسباط: تعلموا صحة العمل من سقمه، فإني أتعلمه في اثنتين وعشرين سنة.

стр. 3652

• حدثنا أبي ثنا إبراهيم ثنا عبد الله قال قال لي يوسف بن أسباط: إذا رأيت الرجل قد أشر وبطر فلا تعظه فليس للموعظة فيه موضع. قال: ونظر يوسف إلى رجل في يده دفتر فقال تزينوا بما شئتم فلن يزيدكم الله إلا اتضاعا. • حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا عبد الله بن جابر الطرسوسي ثنا عبد الله بن خبيق قال سمعت يوسف بن أسباط يقول: يرزق الصادق ثلاث خصال: الحلاوة، والملاحة، والمهابة. • حدثنا محمد ثنا عبد الله ثنا عبد الله بن خبيق. قال: دخل الطبيب على يوسف وأنا عنده، فنظر إليه فقال: ليس عليك بأس. فقال: وددت أن الذي تخاف علي كان الساعة. أسند عبد الله الكثير: فمما تفرد به: • حدثنا أبي ثنا عمر بن عبد الله بن عمر الهجري - بالأبلة - ثنا عبد الله ابن خبيق ثنا يوسف بن أسباط عن سفيان الثوري عن محمد بن جحادة عن قتادة عن أنس «أن رسول الله ﷺ كان يطوف على نسائه: هذه ثم هذه، ثم يغتسل منهن غسلا واحدا». • حدثنا محمد بن علي بن حبيش ثنا يوسف بن موسى بن عبد الله المروزي ثنا عبد الله بن خبيق ثنا يوسف بن أسباط عن حبيب بن حسان عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: «حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما» فذكر الحديث. لم يروه عن حبيب إلا يوسف، ولا عنه إلا عبد الله. • حدثنا إبراهيم بن محمد النيسابوري ثنا محمد بن المسيب ثنا عبد الله بن خبيق ثنا يوسف بن أسباط عن حبيب بن حسان بن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر. قال: «كان قوتي على عهد رسول الله ﷺ صاعا فلا أريد عليه حتى ألقى الله تعالى». لم يروه عن حبيب إلا يوسف، ولا عنه إلا عبد الله. • حدثنا أبي ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ثنا عبد الله بن خبيق ثنا

стр. 3653

الهيثم بن جميل عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن النعمان بن بشير قال: «صحبنا رسول الله ﷺ فسمعناه يقول: إن بين يدي الساعة فتنا يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع قوم أخلاقهم بعرض من الدنيا يسير». قال الحسن: والله لقد رأيتهم صورا ولا عقول، أجساما ولا أحلام، فراش نار، وذبان طمع، يغدون بدرهمين ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز. • حدثنا أبو يعلى الحسين بن محمد الزبيري ثنا محمد بن المسيب ثنا عبد الله ابن خبيق ثنا الهيثم بن جميل ثنا مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس. قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: «إنها قائمة، فما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير عمل إلا أني أحب الله ورسوله. قال: فلك ما احتسبت وأنت مع من أحببت». • حدثنا أبو يعلى ثنا محمد ثنا عبد الله بن خبيق ثنا يوسف بن أسباط عن ابن أبي ذيب عن القاسم عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن مكرز - رجل من أهل الشام من بني عامر بن لؤي - عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله الرجل يغزو في سبيل الله يريد أن يصيب من عرض الدنيا. فقال النبي ﷺ : «لا أجر له». فخرج أبو هريرة فأخبر الناس فأعظمهم ذلك فقالوا: لعلك لم تفهم عن رسول الله ﷺ . قال: فرجع فسأله فقال: «لا أجر له، لا أجر له، لا أجر له». • حدثنا أبو يعلى ثنا محمد ثنا عبد الله ثنا يوسف بن أسباط عن سفيان الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين قال قال رسول الله ﷺ : «إن من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». قال الشيخ ﵀: وفي الخدم أولياء غيبهم الحق فيه عن الأعيان، ومحا أسماءهم وأنسابهم عن الاشتهار والادكار، جعلهم أمانا لسكان الممالك، وبإقسامهم عليه يدفع عنهم المهالك.

стр. 3654

• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو العباس الهروى ثنا يونس ابن عبد الأعلى ثنا ابن زيد بن أسلم قال قال محمد بن المنكدر: إني لليلة مواجه هذا المنبر أدعو في جوف الليل إذا إنسان عند أسطوانة مقنع رأسه فأسمعه يقول أي رب إن القحط قد اشتد على عبادك وإني أقسم عليك يا رب إلا سقيتهم. قال فما كان إلا ساعة إذا سحابة قد أقبلت ثم أرسلها الله. وكان عزيزا على ابن المنكدر أن يخفى عليه أحد من أهل هذا الخير، فقال: هذا بالمدينة وأنا لا أعرفه؟ فلما سلم الإمام تقنع وانصرف واتبعه ولم يجلس للقاص حتى أنى دار أنس فأخرج مفتاحا ففتح ثم دخل. قال: ورجعت فلما سبحت أتيته فإذا أنا أسمع نجرا في بيته. فسلمت ثم قلت: أدخل؟ قال: ادخل، فإذا هو ينجر أقداحا يعملها. قال فقلت: كيف أصبحت أصلحك الله؟ قال: فاستشهرها واستعظمها مني. فلما رأيت ذلك قلت: إني سمعت إقسامك البارحة على الله يا أخي، هل لك في نفقة تغنيك عن هذا وتفرغك لما تريد من أمر الآخرة؟ قال: لا، ولكن غير ذلك، لا تذكرني لأحد ولا تذكر هذا لأحد حتى أموت، ولا تأتنى يا بن المنكدر، فإنك إن تأتني شهرتني للناس. قلت: إني أحب أن ألقاك. قال: القني في المسجد - وكان فارسيا - قال: فما ذكر ذلك ابن المنكدر حتى مات الرجل. قال ابن وهب: بلغني أنه انتقل من تلك الدار فلم ير، ولم يدر أين ذهب. فقال أهل تلك الدار: الله بيننا وبين ابن المنكدر، أخرج عنا الرجل الصالح. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو أسيد ثنا عبيد الله بن جرير بن جبلة ثنا سليمان بن حرب ثنا السري بن يحيى ثنا عبد الله بن عبيد بن عمير قال خرجت مع أبي من قرية نريد قرية فضللنا الطريق، فبينا نحن كذلك إذا نحن برجل قائم يصلي، فدنونا منه فإذا حوض يابسة وقربة يابسة، وقد انتظرناه لينفتل من صلاته فلم ينفتل، فأقبل عليه أبي فقال: يا هذا إنا قد ضللنا الطريق فأومأ بيده نحو الطريق. فقال له أبي: ألا تجعل فى قربتك ماء؟ فاومأ بيده أن لا. فما برحنا أن جاءت سحابة فأمطرت فإذا ذلك الحوض ملآن، فمضينا

стр. 3655

حتى أتينا القرية فذكرنا لهم شأن الرجل فقالوا: ذاك فلان، لا يكون بأرض إلا سقوا. فقال لي أبي: الحمد لله، كم من عبد لله صالح لا نعرفه. • أخبرنا أبو الأزهر ضمرة بن حمزة بن هلال المقدسي - في كتابه - وحدثني عنه محمد بن إبراهيم بن أحمد قال: حدثني أبي ثنا عبيد الله بن سعيد الهاشمي البصري - قدم علينا - ثنا أبي ثنا عبد الله بن إدريس عن مالك بن دينار قال: احتبس عنا المطر بالبصرة فخرجنا يوما بعد يوم نستسقي فلم نر أثر الإجابة، فخرجت أنا وعطاء السليمي وثابت البناني ويحيى البكاء ومحمد بن واسع وأبو محمد السختياني وحبيب أبو محمد الفارسي وحسان بن أبي سنان وعتبة الغلام وصالح المري، حتى صرنا إلى مصلى بالبصرة، وخرج الصبيان من المكاتب واستسقينا فلم نر أثر الإجابة، وانتصف النهار وانصرف الناس وبقيت أنا وثابت البناني في المصلى، فلما أظلم الليل إذا بأسود صبيح الوجه دقيق الساقين عظيم البطن عليه مئزران من صوف، فقومت جميع ما كان عليه بدرهمين فجاء إلى ماء فتمسح ثم دنا من المحراب فصلى ركعتين كان قيامه وركوعه وسجوده سواء خفيفتين، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: سيدي إلى كم تردد عبادك فيما لا ينقصك؟ أنفد ما عندك؟ أم نفدت خزائن قدرتك؟ سيدي أقسمت عليك بحبك لي إلا سقيتنا غيثك الساعة الساعة. قال مالك: فما أتم الكلام حتى تغيمت السماء وأخذتنا كأفواه القرب، وما خرجنا من المصلى حتى خضنا الماء إلى ركبنا. قال: فبقيت أنا وثابت متعجبين من الأسود. ثم نصرف فتبعناه. قال: فتعرضت له فقلت له يا أسود أما تستحي مما قلت؟ قال فقال: وماذا قلت؟ قال فقلت له: قولك بحبك لى. وما يدريك أنه يحبك؟ قال: تنح عن همم لا تعرفها يا من اشتغل عنه بنفسه، أين كنت أنا حين خصني بالتوحيد وبمعرفته! أفتراه بدأني بذلك إلا بمحبته لي على قدره، ومحبتي له على قدري. قال: ثم بادر يسعى. فقلت له رحمك الله ارفق بنا. قال: أنا مملوك على فرض من طاعة مالكي الصغير. قال فجعلنا نتبعه من البعد حتى دخل دار نخاس، وقد مضى من الليل نصفه، فطال علينا النصف

стр. 3656

الباقي. فلما أصبحنا أتيت النخاس فقلت له: عندك غلام تبينعيه للخدمة! قال: نعم عندي مائة غلام كلهم لذلك. قال: فجعل يخرج إلي واحدا بعد آخر وأنا: أقول غير هذا، حتى عرض علي تسعين غلاما، ثم قال: ما بقي عندي غيرها ولا واحد، قال فلما أردنا الخروج دخلت أنا حجرة خربة في خلف داره فإذا أنا بالأسود نائم، فكان وقت القيلولة. فقلت: هو هو ورب الكعبة، فخرجت إلى عند النخاس فقلت له: بعني ذلك الأسود. فقال لي: يا أبا يحيى ذاك غلام مشئوم نكد، ليست له بالليل همة إلا البكاء، وبالنهار إلا الصلاة والنوم. فقلت له: ولذلك أريده. قال: فدعا به وإذا هو قد خرج ناعسا، فقال لي: خذه بما شئت بعد أن تبريني من عيوبه كلها، فاشتريته بعشرين دينارا بالبراءة من كل عيب. فقلت: ما اسمه! قال ميمون. قال فأخذت بيده فأتيت به إلى المنزل، فبينا هو يمشي معي إذ قال لي: يا مولاي الصغير لماذا اشتريتني وأنا لا أصلح لخدمة المخلوقين قال مالك: فقلت له: حبيبي، إنما اشتريناك لنخدمك نحن بأنفسنا وعلى رءوسنا. فقال: ولم ذاك فقلت: أليس أنت صاحبنا البارحة في المصلى فقال وقد اطلعتما على ذلك فقلت: أنا الذي اعترضت عليك في الكلام. قال: فجعل يمشي حتى صار إلى مسجد فدخله وصف قدميه فصلى ركعتين ثم رفع طرفه الى السماء فقال إلهى وسيدى سرا كان بيني وبينك أظهرته للمخلوقين وفضحتني فيه، فكيف يطيب لي الآن عيش وقد وقف على ما كان بيني وبينك غيرك؟ أقسمت عليك إلا قبضت روحي الساعة الساعة. ثم سجد فدنوت منه فانتظرته ساعة فلم يرفع رأسه فحركته فإذا هو ميت. قال: فمددت يديه ورجليه، فإذا وجه ضاحك وقد ارتفع السواد وصار وجهه كالقمر، وإذا بشاب قد أقبل من الباب فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أعظم الله أجرنا في أخينا، هاكم الكفن فكفنوه فيه فناولني ثوبين ما رأيت مثلهما ثم خرج، فكفناه فيهما. قال مالك: فقبره يستسقى به وتطلب الحوائج إلى يومنا هذا. • حدثنا أحمد بن إسحاق قال سمعت عمر بن بحر الأسدي يقول سمعت محمد

стр. 3657

ابن المبارك الصوري يقول - سنة خمسين ومائتين - قال: خرجنا حجاجا فإذا نحن بشاب ليس معه زاد ولا راحلة، فقلت: حبيبي في مثل هذا الطريق بلا زاد ولا راحلة؟ فقال لي: تحسن تقرأ! فقلت: نعم. فقرأت: بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص، فشهق شهقة خر مغشياى عليه، ثم أفاق فقال: ويحك تدرى ما قرأت؟ كاف من كافى، وهامن هادى، وعين من عليم، وصاد من صادق فإذا كان معي كاف وهاد وعليم وصادق ما أصنع بزاد وراحلة! ثم ولى وهو يقول: يا طالب العلم هاهنا وهنا … ومعدن العلم بين جنبيكا إن كنت ترجو الجنان تسكنها … فمثل العرض نصب عينيكا إن كنت ترجو الحسان تخطبها … فأسبل الدمع فوق خديكا وقم إذا قام كل مجتهد … وادعوه كيما يقول لبيكا. • حدثنا أحمد قال سمعت عمر بن بحر يقول سمعت أبا الفيض - با خميم - يقول - وهو في بلده سنة خمسين ومائتين - قال كنت في تيه بني إسرائيل أريد الحج، فرأيت غلاما أمرد ماتسيا أمامى على المحجة يؤم البيت العتيق بلا زاد ولا راحلة، فقلت لرفيقي: إنا لله، إن كان مع هذا الغلام يقين وإلا هلك. فلحقته فقلت: يا فتى فقال: لبيك. فقلت: في هذا الموضع في هذا الوقت بلا زاد ولا راحلة! قال: فنظر إلي ثم قال: يا شيخ ارفع رأسك انظر هل ترى غيره. فقلت: يا حبيبي اذهب حيث شئت. • حدثنا أبو العباس أحمد بن العلاء ثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال قال ذو النون: حججت سنة إلى بيت الله الحرام فضللت عن الطريق، ولم يكن معي ماء ولا زاد، وإني لمشرف على الهلكة وآيس من الحياة، فلاحت لي أشجار كثيرة، وإذا أنا بمحراب قد كان عهده من متعاهده قريبا، فطرحت نفسي تحت فيء شجرة متوقعا لنسيم برد الليل، فلما غربت الشمس إذا أنا بشاب متغير اللون نحيل الجسم، يؤم نحو المحراب، فركل برجله ربوة من الأرض فظهر عين أبيض بماء عذب، فشرب وتوضأ به وقام في محرابه، فقمت إلى العين

стр. 3658

فشربت ماء عذبا وسويق السلت وسكر الطبرزد، فشبعت ورويت وتوضأت فقمت إليه أصلي بصلاته حتى برق عمود الصبح فلما رأى الصبح أقبل وثب قائما على قدميه ونادى بأعلى صوته: ذهب الليل بما فيه ولم أقض من خدمتك وطرا ولا من عذب ماء مناجاتك شطرا، إلهي خسر من أتعب لغيرك بدنه، وألجأ إلى سواك همته. فلما أراد أن يمضي ناديته: بالذي منحك لذيذ الرغب، وأذهب عنك ملال التعب إلا حففتني بجناح الرحمة، وأمنتني من جناح الذلة، فإني رجل غريب أريد بيت الله الحرام، فضللت عن الطريق وليس معي ماء ولا زاد ولا راحلة، وإني مشرف على الهلكة آيس من الحياة. فقال: اسكت يا بطال، وهل من موفود وفد إليه فقطع به دون البلاغ إليه! لو صححت له في المعاملة لصحح لك في الدلالة. ثم قال: اتبعني. فرأيت الأرض تطوى من تحت أرجلنا حتى رأيت الحجة وسمعت ضجة فقال هذه بكة، ثم أنشأ يقول: من عامل الله بتقواه … وكان في الخلوة يرعاه سقاه كأسا من صفا حبه … تسلبه لذة دنياه فأبعد الخلق وأقصاهم … وانفرد العبد بمولاه. • حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين الآجري ثنا عبد الله بن محمد العطشي ثنا أبو حفص عمر بن محمد بن الحكم النسائي قال: حدثني محمد بن الحسين البرجلاني قال حدثني حسين بن محمد الشامي قال سمعت ذا النون يقول: ركبنا في البحر نريد مكة، ومعنا في المركب رجل عليه أطمار رثة، فوقع في المركب تهمة فدارت حتى صارت إليه، فقلت: إن القوم اتهموك. فقال: أنا تعني؟ فقلت: نعم. قال: فنظر إلى السماء. ثم قال: أقسمت عليك إلا أخرجت ما فيه من حوت بجوهرة. قال: فلقد خيل إلي أن ما في البحر سمكة إلا وقد خرجت في فيها لؤلؤة أو جوهرة، ثم رمى بنفسه في البحر فذهب. • حدثنا أبو بحر محمد بن الحسن بن كوثر ثنا محمد بن يونس ثنا يوسف بن يعقوب المقرى ثنا مبارك بن فضالة عن ثابت البناني قال: كنت واقفا بعرفة فإذا أنا بشابين عليهما العباءة القطوانية، فقال أحدهما لصاحبه: كيف أنت

стр. 3659

يا حبيب؟ فأجابه الآخر: لبيك يا محب. قال فقال: أترى أن الرب الذي تواددنا فيه وتحاببنا فيه يعذبنا غدا في القيامة؟ فسمعت قائلا يقول: سمعته الآذان ولم تره الأعين: ليس بفاعل، ليس بفاعل. • سمعت أبا بكر محمد بن أحمد الدينوري الطوسي - بمكة - يقول سمعت إبراهيم بن شيبان يقول سمعت أبا عبد الله المغربي يقول: خرجت حاجا فبينا أنا في برية تبوك إذا أنا بامرأة بلا يدين ولا رجلين ولا عينين، فتعجبت منها فقلت: يا أمة الله من أين أقبلت؟ قالت: من عنده. قلت: وما تريدين؟ قالت: إليه. قلت: يا سبحان الله بادية تبوك وليس فيها مغيث وأنت على هذه الحالة؟ فقالت: يا سبحان الله غمض عينيك، فغمضتهما، ثم قالت: افتح عينيك ففتحتهما فاذا أنابها متعلقة بأستار الكعبة ثم قالت: يا أبا عبد الله تتعجب من ضعيف حمله قوي؟ ثم سارت بين السماء والأرض. حضرت عمر بن رفيل الشيخ الأمين بجرجان وسمعت منه وحدثني بهذا عنه أبو الحسن علي بن عبد الله الهمداني بمكة قال: حكى الشيخ الشبلي أن أبا حمزة كان من شأنه الجلوس في منزله لا يخرج إلا لعظيم لا يسعه القعود عنه، فدخل عليه بعض الفقراء يوما وليس عنده شيء فخلع قميصه ودفعه إليه فخرج الفقير فغلب على حمزة الوجد، فخرج مجردا، فبينا هو يمشي في صحراء إذ وقع في بئر، فأراد أن يصيح فذكر العقد بينه وبين الله - وكان قد عاهد الله أن لا يستغيث بمخلوق - فبينا هو في البئر مر رجلان على جادة الطريق فقال أحدهما للآخر: يا أخي هذا البئر في وسط الطريق لو مر به من لا يعلم به لهوى فيه، فامض أنت وجئني بقصب وأنا أنقل الحجارة والتراب، ففعلا وسدا رأس البئر ومضيا، فأردت أن أكلمهما لضعف البشرية أن أخرجاني ثم طموه، فمنعني العقد الذي بيني وبين سيدي. فقلت: سيدي وعزتك لا أستغيث بغيرك. فبينا أنا كذلك وقد مضى بعض الليل إذا التراب يتناثر علي من رأس البئر، كأن إنسانا ينبشه، فسمعت قائلا يقول: لا ترفع رأسك لا يسقط عليك التراب. ثم ناداني: يا أبا حمزة تعلق برجلي، فتعلقت برجله فاذا هو خشن

стр. 3660

اللمس، فلما صعدت وصرت فوق البئر على الأرض إذا أنا بسبع عظيم الهيئة فالتفت إلي فسمعت قائلا يقول: يا أبا حمزة نجيناك من التلف بالتلف. وولى عني في الصحراء فأنشأت أقول: أهابك أن أبدي إليك الذي أخفي … وطرفك يدرى ما يقول له طرفى نهانى حيائي منك أن أكشف الهوى … وأغنيتني بالفهم منك عن الكشف تراءيت لي بالغيب حتى كأنما … تبشرني بالغيب أنك فى كفى أراك وبي من هيبتي لك حشمة … فتؤنسني بالعطف منك وباللطف وتحيي محبا أنت في الحب حتفه … وذا عجب كون الحياة من الحتف. • حدثنا علي بن عبد الله قال حدثني محمد بن الحسن قال سمعت علي بن محمد الناقد يقول قال لي بعض شيوخنا: كنت ببعض سواحل الشام فرأيت شابا عليه طمران فأدمت النظر إليه فقال لي: شدة الشوق والهوى صيرتني كما ترى، فقلت له: زدنى فقال. ما قر لي جنب على مضجع … كم يلبث الجنب على الجمر والله لا زلت له عاشقا … وإن أمت أذكره في القبر فمضى وتركني. • سمعت أبا القاسم عبد السلام بن محمد المخرمي الصوفي - بمكة - يقول قال أبو بكر الجوهري: كنت بعسقلان على برج الخضر أحرس، فمر بي رجل عليه جبة صوف متخرقة، فقمت إليه مسلما وعانقته وأجلسته وجاريت معه في فنون من العلم، وكان قدماه حافيتين، فقلت له: لم لا تسأل أصحابنا في نعل يقيك الحفاء؟ فقال لى: يا أخى. لرد أمس بالحبال … وحبس عين الشمس بالعقال ونقل ماء البحر بالغربال … أهون على من ذل السؤال واقفا بباب مثلي … أرتجي منه النوال ثم أخرجني من باب المدينة فانتهى بي إلى صخرة منقورة فإذا عليها مكتوب: كل بيمينك، من عرق جبينك، فإن ضعف يقينك، فسل المولى يعينك

стр. 3661

• حدثنا محمد بن محمد بن عمر قال سمعت أحمد بن عيسى الوشاء يقول سمعت أبا عثمان سعيد بن الحكم يقول سمعت ذا النون يقول: خرجت في طلب المباحات فإذا أنا بصوت فعدلت إليه فإذا أنا برجل قد غاص في بحر الوله، وخرج على ساحل الكمد وهو يقول في دعائه: أنت تعلم أني أعلم أن الاستغفار مع الإصرار. الحكاية بطولها في ترجمة ذي النون. وكذلك التي تليها. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني ثنا أحمد بن محمد بن عيسى ثنا حيدرة ابن عبيدة بن عبيد قال: دخلنا على رجل من العباد نعوده فقلنا له: كيف تجدك؟ فقال. ذنوب كثيرة، ونفس ضعيفة، وحسنات قليلة، وسفرة طويلة، وغاية مهولة. قال قلنا: ما معك من الزاد لما ذكرته؟ قال: معي الأمل في السيد الكريم. ثم قال: اللهم لا تقطع بمؤملك في تلك الغمرات، وارحمه في تلك الحيرة والحسرات، إذا انخلعت القلوب يوم الندامات. وجعل يتشهد حتى مات. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا علي بن حمزة ثنا أبو العيناء قال حدثني الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: من عرف فضل من فوقه عرف فضله من دونه فإن جحد جحده، وذكر أن السري بن جابر دخل بلاد الزنج قال: فرأيت زنجية تدق الأرز وتبكي وأنشأت تقول بكلامها مالا أقف عليه. فقلت: ليتني أقف على ترجمتها. فلقيت شيخا فسألته عنها فقال هي تقول: رمقت بعيني يمنة ثم يسرة … فلم أر غير الله يأمله قلبى فجئت بإدلال إلى من عرفته … فبالفضل والإحسان يغفر لى ذنبى أياديك لا تحصى وإن طال عهدها … وإحسانك المبذول في الشرق والغرب. • حدثنا عبد الله بن محمد قال حدثني عبد الرحمن بن محمد ثنا أحمد بن روح قال حدثني إبراهيم بن عبد الله قال حدثني عبد الرحيم بن يحيى الرازي عن أبي خالد بن سليم العامري قال: بلغني أن راهبا من رهبان القدماء سأل الله حاجة فبعد قضاؤها عليه، فرفع رأسه وقال: سيدي ومولاي حبستني في أضيق المحابس وجعلتني وحيدا لا أستطيع مذاكرة غيرك، فليس لي راحة

стр. 3662

إلا عندك، وقد صحت لي الظنون فيك. إلهي فما بال حاجتي محتبسة وأنت لا تخلف الظنون. قال: فنودي: هاك حاجتك، فلهذا الكلام حبست حاجتك. قال: فخر مغشيا فلم يفق أياما ثم رفع رأسه فقال: إلهى أكل هذا تفعل بالمذنبين. فصعق وخر ميتا. • حدثنا عبد الله بن محمد حدثني أحمد بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الملك قال قال ذو النون المصري: وصف لي باليمن رجل قد برز على المجتهدين، وذكر لي باللب والحكمة، فخرجت حاجا إلى بيت الله، فلما قضيت نسكي أتيته لأسمع من كلامه وأنتفع بموعظته، فأقمت على بابه أياما حتى ظفرت به، وكان أصفر اللون من غير مرض، أعمش العينين من غير عمش، ناحل الجسم من غير سقم، يحب الخلوة ويأنس إلى الوحدة، تراه كأنه قريب عهد بمصيبة. قال: فخرج الشيخ ذات يوم إلى صلاة الجمعة فاتبعناه بأجمعنا لنكلمه، فبادر إليه شاب فسلم عليه وصافحه وأبدى له الترحيب والبشر، فقال له الشاب: إن الله بمنه وفضله جعلك ومثلك أطباء لسقام القلوب، ومعالجين لأوجاع الذنوب، وبي جرح قد نغل، وداء قد استطال، فإن رأيت أن تتلطف ببعض مراهمك وتعالجني برفقك. فقال له الشيخ: سل عما بدا لك. قال: ما علامة الخوف من الله؟ قال: أن تؤمن نفسك من كل خوف إلا الخوف من الله. فاضطرب الشاب كما تضطرب السمكة في شبكة الصياد والشيخ قائم بإزائه. ثم إن الشاب رجع وأمر يده على وجهه وقال: رحمك الله متى يتبين للعبد خوفه من الله؟ قال: يا بني إذا أنزل نفسه في الدنيا بمنزلة السقيم وهو يحتمي من كل الطعام مخافة طول الأسقام. قال: فصاح الشاب صيحة ثم قال: أوه عاقبت فأوجعت. فقال الشيخ: بل داويت فأحسنت، وعالجت فرفقت. فمكث الشاب ساعة لا يحير جوابا. ثم إن الشاب أفاق فأمر يده على وجهه وقال له: رحمك الله فما علامة المحب لله؟ قال فانتفض الشيخ فزعا وجرت الدموع على وجهه كنظام اللؤلؤ ثم قال: يا شاب إن درجة الحب درجة سنية بهية رفيعة. قال: فأنا أحب أن تصفها لي. قال: إن المحبين لله شق لهم عن قلوبهم

стр. 3663

فأبصروا بنور القلوب عظمة الله ﷻ ، فصارت أبدانهم دنيوية. وقلوبهم سماوية، وأرواحهم حجبية، وعقولهم نورانية، تسرح بين صفوف الملائكة بالعيان، وتشاهد تلك الأمور بالتحقيق والبيان، فعبدوا الله بمبلغ استطاعتهم، لا لجنة ولا لنار. قال: فصاح الشاب صيحة خر مغشيا عليه، فحركناه فإذا هو قد فارق الدنيا. فانكب الشيخ يقبل بين عينيه ويبكي ويقول: هذا مصرع الخائفين، وهذه دجة المجتهدين. وهذه منازل المتقين. • حدثنا عبد الله بن محمد قال سمعت عمر بن بحر الأسدى يقول سمعت أحمد ابن أبي الحواري يقول: بينا أنا ذات يوم فى بلاد الشام فى قبة من قباب المقابر ليس عليها باب إلا كساء قد أسبلته، فإذا أنا بامرأة تدق على باب الحائط فقلت: من هذا؟ قالت: ضالة دلني على الطريق رحمك الله. قلت: رحمك الله عن. أي الطريق تسألين؟ فبكت ثم قالت: يا أحمد على طريق النجاة. قلت: هيهات إن بيننا وبين طريق النجاة عقابا، وتلك العقاب لا تقطع إلا بالسير الحثيث، وتصحيح المعاملة، وحذف العلائق الشاغلة، من أمر الدنيا والآخرة قال: فبكت بكاء شديدا ثم قالت: يا أحمد سبحان من أمسك عليك جوارحك فلم تتقطع، وحفظ عليك فؤادك فلم يتصدع. ثم خرت مغشيا عليها، فقلت: لبعض النساء: انظروا أي شيء حال هذه الجارية؟ قال أحمد: فقمن إليها ففتشنها فإذا وصيتها في جيبها كفنوني في أثوابي هذه، فإن كان لي عند الله خير فهو أسعد لي، وإن كان غير ذلك فبعدا لنفسي. قلت: ما هيه؟ فحركوها فإذا هي ميتة. فقلت للخدام: لمن هذه الجارية؟ قالوا: جارية قرشية مصابة، وكان الذي معها يمنعها من الطعام، وكانت تشكو إلينا وجعا بجوفها، فكنا نصفها لمتطببي الشام والعراق، وكانت تقول: خلوا بيني وبين الطبيب الراهب - تعني أحمد - أشكو إليه بعض ما أجد من بلائي لعل أن يكون عنده شفائي. • حدثنا أبي ثنا أحمد بن عمر ثنا عبد الله بن محمد بن سفيان ثنا هارون بن عبد الله ثنا محمد بن يزيد بن حبيش قال قال وهيب بن الورد قال رجل: بينا أنا أسير في أرض الروم ذات يوم إذ سمعت هاتفا فوق رأس الجبل وهو

стр. 3664

يقول: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو أحدا غيرك. ثم عاد الثانية فقال: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يستعين على أمره أحدا غيرك. ثم عاد الثالثة: فقال: يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يتعرض لشيء من غضبك برضاء غيرك. قال: فناديته فقلت: أجني أم إنسي؟ قال: بل إنسى اشتغل بنفسك بما يعنيك عما لا يعنيك. • حدثنا محمد بن أحمد بن أبان ثنا أبي ثنا أبو بكر بن عبيد قال حدثني علي بن الحسن قال: كان رجل بالمصيصة ذاهب نصفه الأسفل لم يبق منه إلا روحه في بعض جسده، طريحا على سرير مثقوب، فدخل عليه داخل فقال: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا منقطع إليه ما لى إليه من حاجة إلا أن يتوفاني على الإسلام. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا عمر بن الحسن الحلبي قال حدثني أحمد بن سنان القطان قال سمعت عبد الله بن داود الواسطي يقول: بينا أنا واقف بعرفات إذا أنا بامرأة وهي تقول: من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي له. فقلت: من أنت؟ فقالت: امرأة ضالة. فنزلت عن بعيري وقلت لها: يا هذه ما قصتك؟ فقرأت ﴿(ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا)﴾ فقلت في نفسي: حرورية لا ترى كلامنا. فقلت لها: فمن أين أتيت؟ فقالت ﴿(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)﴾ فأركبتها بعيرى وقدت بها أريد بها رحال المقدسيين، فلما توسطت الرحل قلت: يا هذه بمن أصوت؟ فقرأت ﴿(يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض)﴾ ﴿(يا زكريا إنا نبشرك بغلام)﴾ ﴿(يا يحيى خذ الكتاب بقوة)﴾ فناديت: يا داود، يا زكريا، يا يحيى. فخرج إلي ثلاثة فتيان من بين الرحالات. فقالوا: أمنا ورب الكعبة ضلت منذ ثلاثة. فأنزلوها فقرأت ﴿(فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة)﴾ فغدوا فاشتروا تمرا وفستقا وجوزا وسألوني قبوله فقبلته. فقلت لهم: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: هذه أمنا لا تتكلم منذ ثلاثين سنة إلا بالقرآن مخافة أن تزل.

стр. 3665

• حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عمر بن بحر الأسدي قال سمعت أحمد بن أبي الحواري يقول قال أبو سليمان الداراني: رأيت زخلة العابدة في الموقف وهي تدعو وهي تقول: أثقلتنى الآثام ونهضتنى الأيام، يا سيدى الأنام. كحلت عينى بكحول الحزن، فو عهدك لا نعمت بضحك أبدا. حتى أعلم أين محل قراري، وإلى أي الدارين داري. فلما رأت أيدي الناس مبسوطة بالدعاء قالت: يا رب أقامهم هذا المقام خوف النار، يا قرة عين الأبرار، يلتمسون نائلك ويرجون فضائلك، فاجعل زخرف الطاعة لي شعارا، ومرضاتك لي دثارا، وزد قلبي كمدا بخوفك، واعصمني من سخطك. فلما انصرف الإمام وضعت يدها على خدها فقالت: انصرف الناس ولم أشعر قلبي منك الإياس ثم صرخت وغشي عليها. • حدثنا محمد بن عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر الدينوري المفسر ثنا محمد ابن أحمد الشمشاطي قال سمعت ذا النون المصري يقول: بينا أنا أسير على شاطئ نيل مصر إذا أنا بجارية تدعو وهي تقول في دعائها: يا من هو عند ألسن الناطقين، ويا من هو عند قلوب الذاكرين، ويا من هو عند فكرة الحامدين، ويا من هو على نفوس الجبارين والمتكبرين، قد علمت ما كان مني يا أمل المؤملين. قال: ثم صرخت صرخة خرت مغشيا عليها. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا عمر بن بحر الأسدي قال سمعت عبد الله بن محمد البلوي ثم الأنصاري يقول: ثنا أبو إسحاق جماع بن سماعة الكتاني قال أخبرني ابن فارس قال: أخبرني أعرابي بنجد قال: كان لي جار فمرض فعدته فقلت: يا أبا نجيد كيف تجدك؟ قال: أجدني أسمع حادي الموت قد غرد، وهاتف النقلة قد ردد، ولي نفس تواقة تشره إلى الدنيا فهي تشغلني عن سماع النداء، وتثبطني بتطويل الأمل عن إجابة الداعي، ونذيراى شيبي وسقمي يؤيساني، وخادعاي حرصي وأملي يطمعاني، وأنا كذا نفسى نفس تكره الحمام وتحب المقام ونفس متوطنة بالارتحال ولهة بالانتقال، على أن الحق يغلب الباطل، كما يغلب حلم الحليم سفه الجاهل ثم أنشأ يقول:

стр. 3666

صاح بي الشيب لا مقام … وبين الرجعة السقام صوتان قد أزعجا وحثا … عمرى وراعنى الحمام لا آمن الدهر والمنايا … إذ كل عمر له انصرام. • حدثنا عبد الله بن محمد قال: قرأت فى كتاب ابن حاتم العكلى: حدثكم عبد الجبار عن المغيرة بن سهل عن الربيع بن صبيح عن الحسن. قال: كان في زمن عمر بن الخطاب فتى يتنسك ويلزم المسجد فعشقته جارية فجاءته فكلمته سرا فقال: يا نفس تكلمينها سرا فتلقين الله زانية؟ فصرخ صرخة غشي عليه، فجاء عم له فحمله إلى منزله، فلما أفاق قال له: يا عم الق عمر فاقرأ عليه مني السلام وقل له: ما جزاء من خاف مقام ربه؟ فقال: وعليك السلام جزاؤه جنتان، جزاؤه جنتان. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر الدينوري المفسر ثنا محمد بن أحمد الشمشاطي قال سمعت ذا النون يقول: بينا أنا في سواد مصر إذا أنا بأسود تقاس دقة ساقيه بالخلال في نحافته، فدنوت منه فسلمت عليه فقال: وعليك السلام يا ذا النون. قلت: عافاك الله كيف عرفتني ولم أتعاهدك قبل اليوم؟ قال: يا بطال اتصلت المعرفة بحركات العارفين، فعرفتك بمعرفة المحبوب، ثم أنشأ يقول: إن عرفان ذي الجلال لعز … وبهاء وبهجة وسرور وعلى العارفين أيضا بهاء … وعليهم من الجلالة نور فهنيئا لمن أطاعك ربي … فهو في الخير كله مغمور ليس للخائفين غيرك ربي … أنت سؤلي ومنيتي يا غفور. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أبو بكر محمد بن أحمد المفسر ثنا محمد بن أحمد الشمشاطي قال قال أبو عامر: كنت جالسا في مسجد النبي ﷺ فإذا أنا بغلام أسود قد جاءني برقعة فنظرت فيها فإذا فيها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم. متعك الله بمسامرة الفكرة، ونعمك بمؤانسة العبرة أفردك بحب الخلوة، أنا رجل من إخوانك بلغني قدومك المدينة فسررت

стр. 3667

بذلك فأحببت زيارتك، فحجبت عن ذلك، فالتمست مخرج العذر من كتاب الله، فوجدت الله قد منحني ثلاث خصال: أذهب عني حرج أهلها وبي من الشوق إلى مجالستك، والاستماع لمحادثتك، ما لو كان فوقي لأظلني، ولو كان تحتى لأقلنى، فأسألك إلا ألحفتنى جناح المتفضل علي بزيارتك والسلام. قال: أبو عامر: فقمت مع الغلام حتى أتى بي منزلا رحبا خربا، فقال لي: قف حتى أستأذن لك. فوقفت حتى خرج فقال لي: لج. فدخلت فإذا أنا ببيت له باب من جريد النخل، فإذا أنا بكهل مستقبل القبلة تخاله من الورع مكروبا، ومن الخشية محزونا، قد ظهرت في وجهه أحزانه، وقد قرحت من البكاء عيناه، ومرضت أجفانه، فسلمت عليه فرد علي السلام ثم تخلخل فلم يطق القيام، فإذا هو أعرج أعمى مسقام، فقال لي: متع الله بالأحزان لبك، وغسل من ران الذنوب قلبك، لم تزل نفسي إليك مشتاقة، وقلبي إليك تواقا، وبي جرح قد أعيا الناس دواؤه، والمتطببين شفاؤه، فلا قاله أجود الترياق وإن كان مر المذاق، فإني ممن أصبر على مضض الدواء، مخافة ما يتوقع من عظيم البلاء. قال: فسمعت كلاما حسنا ورأيت منظرا أفظعني، فأطرقت طويلا ثم تأتى من كلامي ما تأتى، فقلت: يا شيخ ارم ببصر قلبك في ملكوت السماء فتمثل بحقيقة إيمانك جنة المأوى، فسترى ما أعد الله فيه للأولياء. ثم أشرف بقلبك نارا تتلظى، فسترى ما أعد فيها للأشقياء، شتان ما بين المنزلتين والدارين شتان، أليس الفريقان في الموت سواء. قال: فأن أنة وزفر زفرة والتوى ثم قال: قد وقع دواؤك على دائي، وقد علمت أن عندك شفائي. زدني يرحمك الله. فقلت: إنه عالم بخفياتك، مطلع على سرائرك. قال: فصرخ صرخة خر ميتا. فإذا أنا بجارية قد رفعت العباءة عليها جبة من صوف قد أقرح السجود حاجبيها وأنفها، فلما نظرت إلي قالت: أحسنت يا هادي قلوب العارفين، ومثير أحزان المحزونين، لا أنسى لك هذا الموقف رب العالمين. هذا أبي مبتلى منذ عشرين سنة: صلى حتى انحنى، وصام حتى أقعد، وبكى حتى عمي، وكان يتمناك على ربه ، ويقول. سمعت كلام أبي عامر

стр. 3668

مرة فاحيى الله موات قلبي، فإن سمعته ثانيا قتلني. قال أبو عامر: فرأيته في المنام بعد ليال كأنه في روضة من رياض الجنة فقلت له: ما صنع الله بك؟ قال: غفر لى وأنشا يقول: أنت شريكي في الذي نلته … مستأهلا ذاك أبا عامر وكل من أيقظ ذا غفلة … فنصف ما يعطاه للآمر من رد عبدا آبقا مرة … كان كالمجتهد الصابر. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا أحمد بن أبي الحواري ثنا أبو قرة قال: كان بعض التابعين يقول: اللهم أنت تعطيني من غير أن أسألك، فكيف تحرمني وأنا أسألك. اللهم إني أسألك أن تسكن عظمتك قلبي، وأن تسقيني شربة من كأس حبك. قال أحمد بن أبي الحواري: وحدثنا جعفر بن محمد قال: كان بعض التابعين يقول: اللهم أمت قلبي بخوفك وخشيتك، وأحيه بحبك وذكرك. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا الفضيل بن أحمد ثنا أبو حاتم ثنا محمد بن هشام قال: سمعت رجلا قام في مسجد الخيف ليالي منى ليلا فنادى: يا رب العالمين، أتاك الخاطئون طامعين في رحمتك راجين تائبين فاقبلنا وإياهم مغفورين، ولا تردنا وإياهم خائبين. • حدثنا عبد الله بن محمد ثنا أحمد بن نصر قال قال إبراهيم بن الجنيد: كان بعض العباد يقول: أحيوا قلوبكم بذكر الله، وأميتوها بالخشية، ونوروها بحب الله، وفرحوها بالشوق إليه، واعلموا أنكم بالمحبة ترتفعون، وبالمغفرة ترهبون، وبالشوق ترغبون، وبحسن النية تقهرون الهوى، وبترك الشهوات تصفو أعمالكم، حتى يورثكم ملكوت السموات فى عليين، فمن أراد منكم الراحة فليعمل في منازل أهل المحبة. وإن من أخلاق أهل محبة الله كثرة الذكر في ساعات الليل والنهار بالقلب واللسان، فإن أمسك اللسان فالقلب، فإن ذكر القلب أبلغ وأنفع. قال إبراهيم بن الجنيد قال بعض العباد: وجدت الله غيورا بمنعنى من كل من أرجوه، وإذا سبح قلبي فى مودته أجرى

стр. 3669

ذكره على لسانى، فوا شوقاه ثم وا شوقاه. ثم خر مغشيا عليه. • حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر ثنا أبو الطيب أحمد بن روح ثنا عبد الله ابن خبيق ثنا سعيد بن عبد الرحمن قال: كنت في مجلس يزيد بن هارون وقد نفذ بعض نفقتي في بعض الأسفار فقال بعض أصحاب الحديث: من تؤمل لما نزل بك؟ قلت: يزيد بن هارون. قال: إذا لا تقضى حاجتك، ولا تنجح طلبتك. قال: وما علمك؟ قال: لأني قرأت أن الله تعالى يقول: وعزتي وجلالي وجودي وكرمي وارتفاعي في مكاني، لأقطعن أمل كل مؤمل يؤمل غيري بالإياس، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس، ولأنحينه من قربي، ولأبعدنه من وصلي، أيؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي، ويرجو غيري ويقرع بالفقر باب غيري وبيدي مفاتيح الأبواب، وهي مغلقة وبابي مفتوح لمن دعاني، من ذا الذي أملني لنوائبه فقطعت به دونها؟ ومن ذا الذي رجاني لعظيم جرمه فقطعت رجاءه؟ ومن ذا الذي دعاني فلم أفتح له؟ جعلت آمال عبادي متصلة بي فقطعت من غيري، وجعلت رجاءهم مدخرا عندي فلم يرضوا بحفظي، وملأت سماواتي ممن لا يملون من تسبيحي وأمرتهم ألا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي، فلم يثقوا بقولي. ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد إلا بأذنى؟ فما لي أراه بآماله معرضا عنى؟ وما لى أراه لاهيا عني، أعطيته بجودي ما لم يسألني، ثم انتزعته منه ولم يسألني رده وسأل غيري، أنا أبدأ بالعطية قبل أن أسأل، ثم أسأل فلا أخيب سائلي، أبخيل أنا فيبخلنى عبادى؟ أو ليس الدنيا والآخرة لى؟ أو ليس الفضل والرحمة بيدى؟ أو ليس الجود والكرم لى؟ أو ليس أنا محل الآمال، فمن يقطعها دونى: أو ما يحسن المؤملون أن يؤملوني. ولو جمعت أهل سماواتي وأرضي فأعطيت كل واحد منهم من الفكر مثل ما أعطيت الجميع فقلت لهم أملوني فأملوني، فأعطيت كل واحد منهم مسألته لم ينقص مما عندي عضو ذرة، وكيف ينقص ملك أنا قيمه؟ فيا بؤسا للقانطين من رحمتي، ويا سوأة من عصاني فلم يراقبني. • حدثنا إبراهيم بن عبد الله ثنا محمد بن إسحاق الثقفي قال سمعت أحمد

стр. 3670

ابن موسى الأنصاري قال قال منصور بن عمار: حججت حجة فنزلت سكة من سكك الكوفة فخرجت في ليلة مظلمة طخياء مطلخمة مستحلكة، فإذا أنا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل. ولكن خطيئتي عرضت وأعانني عليها شقائي، وغرني سترك المرخي علي، وقد عصيتك بجهدي وخالفتك بجهلي، فإلى من أحتمي ومن من عذابك يستنقذني، وبحبل من أتصل إذا أنت قطعت حبلك عنى؟ وا شباباه وا شباباه. فلما فرغ من قوله تلوت عليه آية من كتاب الله ﴿(نارا وقودها الناس والحجارة)﴾ الآية. فسمعت دكدكة لم أسمع بعدها حسا، فمضيت فلما كان من الغد، رجعت في مدرجتي فإذا أنا بجنازة قد أخرجت وإذا أنا بعجوز قد ذهب متنها - يعني قوتها - فسألتها عن أمر الميت ولم تكن عرفتني - فقالت: هذا رجل لا جزاه الله إلا جزاءه مر بابني البارحة وهو قائم يصلي فتلا آية من كتاب الله فتفطرت مرارته فوقع ميتا • قال إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري حدث ابن أبي الدنيا عن محمد بن إسحاق الثقفي بهذه الحكاية وحدثنا أبي ثنا خالي أحمد بن محمد بن يوسف عن أبيه عن شيخ له قال منصور بن عمار: خرجت في ليلة من الليالي وظننت أن النهار قد أضاء فإذا الصبح علي فقعدت إلى دهليز مشرف، فإذا أنا بصوت شاب يدعو ويبكي وهو يقول: اللهم وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لى نفسى فأعانتنى عليها شقوتي، وغرني سترك المرخي علي، فقد عصيتك وخالفتك بجهلي، فمن من عذابك يستنقذني، ومن أيدي زبانيتك من يخلصني؟ وبحبل من أتصل إذا أنت قطعت حبلك عنى؟ وا سوأتاه إذا قيل للمخفين جوزوا وللمثقلين حطوا، فيا ليت شعري مع المثقلين نحط أم مع المخفين نجوز وننجو، كلما طال عمري وكبر سنى وكثرت ذنوبي، وكثرت خطاياي. فيا ويلي كم أتوب وكم أعود ولا أستحي من ربي. قال منصور: فلما سمعت هذا الكلام وضعت فمي على باب داره وقلت أعوذ

стр. 3671

بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿(قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة)﴾ الآية. قال منصور: ثم سمعت للصوت اضطرابا شديدا وسكن الصوت. فقلت: إن هناك بلية. فعلمت على الباب علامة ومضيت لحاجتي، فلما رجعت من الغد إذا أنا بجنازة منصوبة وأكفان تصلح وعجوز تدخل الدار ونخرج باكية، فقلت: يا أمة الله من هذا الميت منك؟ قالت: إليك عني لا تجدد علي أحزاني. قلت: إني رجل غريب أخبريني. قالت: والله لولا أنك غريب ما أخبرتك، هذا ولدي ومن زل عن كبدي. ومن كنت أظن به سيد عولى من بعدي، كان ولدي من موالي رسول الله ﷺ ، وكان إذا جن عليه قام في محرابه يبكي على ذنوبه، وكان يعمل هذا الخوص فيقسم كسبه أثلاثا، فثلث يطعمني، وثلث للمساكين، وثلث يفطر عليه. فمر علينا البارحة رجل لا جزاه الله خيرا، فقرأ عند ولدي آية فيها ذكر النار فلم يزل يضطرب ويبكي حتى مات ﵀. قال منصور فهذه صفة الخائفين إذا خافوا السطوة. قال الشيخ رضي الله تعالى عنه: قد ذكرنا طرفا من أحوال من أخفاهم الحق عن الخلق، وخصهم بالأنس به، ولم ينصبهم أعلاما يقتدى بهم. ونعود إلى ذكر بعض من نصبهم الحق للقدوة والتعليم، والدعوة والتفهيم، وجعلهم خلفاء الأنبياء، وأئمة الأصفياء. مقتصرين على ذكر جماعة منهم. والله خير معين وموفق له إن شاء الله تعالى. عدنا مستعينين بالله مقتصرين على ذكر جماعة نصبوا وشهروا للقدوة، وطهروا من الأكدار، وجردوا من الأغيار، وهذبوا بصحبة السادة والأخيار، واقتبسوا عن الأئمة من اتباع الآثار وأيدوا بالأنوار، وحفظوا من تلوين الأسرار، وخصوا بصافي الأذكار، وعصموا من مسامرة الأشرار وملاحظة الأوزار. سهل بن عبد الله فمنهم الشيخ المسكين، الناصح الأمين، الناطق بالفضل الرصين،

стр. 3672

أبو محمد سهل بن عبد الله بن يونس بن عيسى بن عبد الله بن رفيع التستري تخرج عن خاله محمد بن سوار، ولقي أبا الفيض ذا النون المصري بالحرم عامة كلامه في تصفية الأعمال، وتنقية الأحوال عن المعايب والأعلال. • سمعت أبي يقول سمعت أبا بكر الجوربي يقول سمعت أبا محمد سهل بن عبد الله يقول: أصولنا ستة أشياء: التمسك بكتاب الله تعالى، والاقتداء بسنة رسول الله ﷺ ، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق. وقال: من كان اقتداؤه بالنبي ﷺ لم يكن في قلبه اختيار لشيء من الأشياء، ولا يجول قلبه سوى ما أحب الله ورسوله ﷺ . وسئل هل للمقتدي اختيار بالاستحسان؟ قال: لا، إنما جعل السنة واعتقادها بالاسم ولا تخلو من أربعة الاستخارة والاستشارة والاستعانة والتوكل فتكون له الأرض قدوة والسماء له علما وعبرة، وعيشته في حاله لأن حاله المزيد وهو الشكر. وقال: أيما عبد قام بشيء مما أمره الله به من أمر دينه فعمل به وتمسك به فاجتنب ما نهى الله تعالى عنه عند فساد الأمور، وعند تشويش الزمان، واختلاف الناس في الرأي والتفريق، إلا جعله الله إماما يقتدى به هاديا مهديا قد أقام الدين في زمانه وأقام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الغريب في زمانه، الذي قال رسول الله ﷺ : «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ» وما من عبد دخل في شيء من السنة وكان نيته متقدمة في دخوله لله إلا خرج الجهل من سره شاء أو أبى بتقديمه النية، ولا يعرف الجهل إلا عالم فقيه زاهد عابد حكيم. وسئل كيف يتخلص العبد من خدعة نفسه وعدوه؟ قال: يعرف حاله فيما بينه وبين الله وبعد عرفان حاله فيما بينه وبين الله يعرض نفسه على الكتاب والأثر ويقتدي في الأشياء بالسنة وقال على هذا الخلق من الله أن يلزموا أنفسهم سبعة أشياء فأولها الأمر والنهي وهو الفرض ثم السنة ثم الأدب ثم الترهيب ثم الترغيب ثم السعة. فمن لم يلزم نفسه هذه السبعة ولم يعمل بها لم يكمل إيمانه ولم يتم عقله ولم يتهنأ بحياته ولم يجد لذة طاعة ربه. قال وسمعت سهلا يقول:

стр. 3673

اعلموا إخواني أن العباد عبدوا الله على ثلاثة وجوه: على الخوف والرجاء والقرب. وكل علامة يعرف بها، وشهادة تشهد له بها بماله وعليه. فعلامة الخائف الاشتغال بالتخلص مما يخاف، فلا يزال خائفا حتى يتخلص، فإذا تخلص مما يخاف اطمأن وسكن، فهذه علامة الخائفين. وأما الراجي فإنه رجى الجنة وطلب نعيهما وملكها فأعطى القليل في طلب الكثير فبذل نفسه وخاف أن يسبقه أحد إليها فجد في البذل وتحرز من الدنيا ألا يقف غدا في الحساب فيسبق، فهذه علامة الراجي. وأما العارف الذي طلب معرفة الله وقربه فإنه بذل ماله فأخرجه ثم نفسه فباعه ثم روحه، فأباحه فلو لم تكن جنة ولا نار لما مال ولا زال، ولا فتر. فهذه علامة العارف. فانظروا الآن أيها العقلاء من أي القوم أنتم، أموتى لا حياة فيكم أم لا موتى ولا أحياء؟ أم أحياء حيو؟ بحياة الخلدا ويحك إن الخائف حي بحياة واحدة، وللراجي حياتان، وللعارف ثلاث حياءات: وهي الحياة التي لا موت فيها. فحياه الخائف إذا أمن النار فقد حيي بحياة ثم يتم بحياة ثانية ويدخل الجنة بغير حساب. والراجي أمن من العذاب ومن الحساب فمر إلى الجنة مع السابقين بغير حساب، فصار له أمانان. وأما العارف فصار له أمان من النار والأمان الثاني صار إلى الرحمن وصار الراجي إلى الجنة فسبق هو إلى الرحمن فصار له ثلاث حياءات. فانظروا من أي القوم أنتم، واسلكوا طريق العارفين ولا ترضوا لربكم بهدية الدون. فبقدر ما تهدون تكرمون وتقربون، وبقدر ما تقربون تنعمون. ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقال: أول ما ينبغي للعبد أن يتخلق به ثلاثة أخلاق وفيها اكتساب للعقل: احتمال المئونة والرفق في كل شيء، والحذر أن لا يميل في الهوى ولا مع الهوى ولا إلى الهوى، ثم لا بد له من ثلاث أحوال أخر، وفيها اكتساب العلم العالى والحلم والتواضع. ثم لا بد له من ثلاثة أخر وفيها اكتساب المعرفة وأخلاق أهلها السكينة والوقار والصيانة والإنصاف. ومن أخلاق الإسلام والإيمان الحياء وكف الأذى وبذل المعروف والنصيحة، وفيها أحكام التعبد. وقال: أركان الدين أربعة: الصدق، واليقين، والرضا. والحب. فعلامة الصدق الصبر

стр. 3674

وعلامة اليقين النصيحة، وعلامة الرضا ترك الخلاف، وعلامة الإيثار. والصبر يشهد للصدق. وقال: الجاهل ميت والناسي نائم، والعاصي سكران، والمصر ندمان. • سمعت أبا عمر عثمان بن محمد العثماني يقول: سمعت أبا بكر محمد بن يحيى بن أبي بدر يقول سمعت أبا محمد سهل بن عبد الله يقول: الانقطاع من الشهوات الخروج من الجهل إلى العلم، ومن النسيان إلى الذكر، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الإصرار إلى التوبة. قال: وسمعت أبا محمد سهل بن عبد الله يقول في قوله تعالى ﴿(ومن يتق الله يجعل له مخرجا)﴾ قال: من يتق الله في دعواه فلا يدعى الحول والقوة ويتبرأ من حوله وقوته، ويرجع إلى حول الله وقوته، يجعل له مخرجا ويرزق من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه. قال لا يصح التوكل إلا لمتق، ولا تتم التقوى إلا لمتوكل. لقوله تعالى ﴿(وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)﴾ قال إن كنتم مصدقين أنه لا دافع ولا نافع غير الله لقوله تعالى ﴿(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم)﴾ قال: وسمعت أبا محمد يقول: أركان الدين النصيحة والرحمة والصدق والإنصاف والتفضل والاقتداء بالنبي ﷺ والاستعانة بالله على ذلك إلى الممات. قال وسمعت أبا محمد يقول: دخل قوم على النبي ﷺ فقال: «من القوم؟ فقالوا مؤمنون. فقال: إن لكل قوم حقيقة فما حقيقة إيمانكم؟ قالوا الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء. فقال النبي ﷺ فقهاء علماء كادوا من الفقه أن يكونوا أنبياء. ثم قال النبي ﷺ : إذا كان الأمر كما تقولون فلا تبنون ما لا تسكنون، ولا تجمعون ما لا تأكلون. واتقوا الله الذي إليه تصيرون». قال: أبو محمد ففسروا لا تبنون ما لا تسكنون - يعنى الامل - ولا تجمعون ما لا تأكلون - يعني الحرص - واتقوا الله الذي إليه تصيرون - يعني المراقبة -. • حدثنا عثمان بن محمد ثنا العباس بن أحمد قال سهل بن عبد الله: لا يفتح الله قلب عبد فيه ثلاثة أشياء حب البقاء وحب الغنى وهم غد. قال:

стр. 3675

وسئل سهل بن عبد الله: متى يستريح الفقير من نفسه؟ قال: إذا لم ير وقتا غير الوقت الذي هو فيه. • [حدثنا عثمان بن محمد قال سمعت محمد بن أحمد يقول سمعت أصحابنا يقولون: إن أول ما حفظ من كلام سهل بن عبد الله أن قال: إن الله لم يبطل حسنات من أخذ الشهوات في هوى نفسه، ولا منعهم من الحسنات بجوده وكرمه، ولكن حرم عليهم أن يجدوا بقلوبهم شيئا مما يجده الصديقون بقلوبهم إلا في الضرورة من الحلال. وذلك أن الله أعز وأغير من أن يعطي آخذ الشهوات شيئا من مواجد القلوب إلا في حال الضرورة. قال: فقال له إبراهيم - كالمنكر عليه - يا أخي إيش هذا؟ فقال: حق لزمني. قال: وما هو؟ قال: مات ذو النون. قال متى؟ قال: أمس] (١). • حدثنا أبو القاسم عبد الجبار بن شيرياز بن زيد النهرجوطي - في كتابه - وحدثني عنه عثمان بن محمد العثماني قال قال سهل بن عبد الله: لا تفتش عن مساوى الناس ورداءة أخلاقهم، ولكن فتش وابحث في أخلاق الإسلام ما حالك فيه حتى تسلم ويعظم قدره في نفسك وعندك. • حدثنا عثمان بن محمد قال قرئ على أبي الحسن أحمد بن محمد الأنصاري قال سمعت محمد بن أحمد بن سلمة النيسابوري قال سمعت أبا محمد سهل بن عبد الله يقول: قال الله لآدم: يا آدم إني أنا الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي وخاف غير عدلي لم يعرفني، يا آدم إن لي صفوة وضنائن وخيرة من عبادى أسكنتهم صلبك، بعيني من بين خلقي أعزهم بعزي وأقربهم من وصلي، وأمنحهم كرامتي، وأبيح لهم فضلي، وأجعل قلوبهم خزائن كتبي، وأسترهم برحمتي، وأجعلهم أمانا بين ظهراني عبادي فبهم أمطر السماء، وبهم أنبت الأرض، وبهم أصرف البلاء. هم أوليائي وأحبائي، درجاتهم عالية، ومقاماتهم رفيعة، وهممهم بي متعلقة. صحت عزائمهم، ودامت في ملكوت غيبي فكرتهم فارتهنت قلوبهم بذكري، فسقيتهم بكأس الأنس صرف محبتي، فطال شوقهم إلى لقائي، وإني إليهم لأشد شوقا. يا آدم من طلبنى من خلقى وجدنى، ومن

стр. 3676

طلب غيرى لم يجدنى. فطوبى يا آدم لهم ثم طوبى لهم ثم طوبى لهم وحسن مآب. يا آدم هم الذين إذا نظرت إليهم هان علي غفران ذنوب المذنبين لكرامتهم علي. قلت: يا أبا محمد زدنا من هذا الضرب رحمك الله، فإنها ترتاح القلوب وتتحرك. فقال: نعم إن الله تعالى أوحى إلى داود ﵇: يا داود إذا رأيت لي طالبا فكن له خادما. فكان داود يقول فى مزاميره: واها لهم يا ليتني عاينتهم، يا ليت خدي نعل موطئهم. ثم احمرت بعد أدمته أو اصفر لونه وجعل يقول: جعل الله نبيه وخليفته خادما لمن طلبه، لو عقلت - وما أظنك تعقل - قدر أولياء الله وطلابه، ولو عرفت قدرهم لاستغنمت قربهم ومجالستهم وبرهم وخدمتهم وتعاهدهم. قال وسمعت سهل بن عبد الله يقول: إذا خلا العبد من الدنيا وهرب من نفسه إلى الله، وسقط من قلبه أثر الخلائق لم يعجبه شيء ولم يسكن إلى شيء غير الله قط. فالله مؤنسه ومؤدبه وكالئه وحافظه وجليسه وأنيسه: إياه يناجي، وله ينادي، وبه يستأنس، وإليه يرغب، وإليه يستريح. قال الله جل ذكره: طوبى لمن خلقته فعرفني، ودعوته فأجابني، وأمرته فأطاعني، ورزقته فحمدني، وأعطيته فشكرني، وابتليته فصبر لي، وعافيته فذكرني ومدحني. • سمعت عثمان بن محمد يقول سمعت أبا محمد بن صهيب يقول سمعت سهل وابن عبد الله يقول: الدنيا كلها جهل إلا العلم فيها، والعلم كله وبال إلا العمل به. والعمل كله هباء منثور إلا الإخلاص فيه، والإخلاص فيه أنت منه على وجل حتى تعلم هل قبل أم لا. قال وسمعت سهلا يقول: شكر العلم العمل، وشكر العمل زيادة العلم. • حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال سمعت أبا محمد بن صهيب يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول: ما من قلب ولا نفس إلا والله مطلع عليه في ساعات الليل والنهار. فأيما قلب أو نفس رأى فيه حاجة إلى سواه سلط عليه إبليس. قال وسمعت والنية سهلا يقول: الله قبلة النية، والنية قبلة القلب، والقلب قبلة البدن، والبدن قبلة الجوارح، والجوارح قبلة الدنيا.

стр. 3677

• سمعت أبا الحسن أحمد بن محمد بن مقسم يقول سمعت أبا بكر بن المنذر الهجيمي يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول: من ظن أنه يشبع من الخبز جاع. قال وسمعت سهلا يقول: البطنة أصل الغفلة. قال وسمعت سهلا يقول: لا يكون العبد مقيما على معصية إلا وجميع حسناته ممزوجة بالهوى لا تخلص له حسناته وهو مقيم على سيئة واحدة، ولا يتخلص من هواه حتى يخرج من جميع ما يعرف من نفسه مما يكرهه الله. قال وسمعت سهلا يقول وسئل عن معنى قوله تعالى: ﴿(واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا)﴾ قال: لسانا ينطق عنك لا ينطق عن غيرك. قال وسمعت سهلا يقول: ما أعطي أحد شيئا أفضل من علم يستزيد به افتقارا إلى الله. قال وسمعت سهلا يقول: إذا جنك الليل فلا تأمل النهار حتى تسلم ليلتك لك، وتؤدي حق الله فيها، وتنصح فيها لنفسك، فإذا أصبحت فكذلك. قال وسمعت سهلا يقول: الصبر في الدنيا صنفان: أهل الدنيا يصبرون للدنيا حتى ينالوا منها. وأهل الآخرة يصبرون على آخرتهم حتى ينالوا منها. قال وسمعت سهلا يقول: لا يكمل للعبد شيء حتى يصل علمه بالخشية، وفعله بالورع وورعه بالاخلاص، وإخلاصه بالمشاهدة، والمشاهدة بالتبرى مما سواه. • سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا الحسن النحاس جارنا يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول: الفترة غفلة، والخشية يقظة: والقسوة موت. • سمعت أبا الحسن يقول سمعت محمد بن المنذر يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول: من طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان. ومن طعن في التكسب فقد طعن في السنة. • سمعت أبي يقول سمعت أبا بكر الجوربي يقول سئل سهل بن عبد الله عن البلوى من الله للعبد قال: هو كاسمه: هو عبد والعبد لله والله للعبد. وإذا كان من العبد حدث فهو ثالث وهو حجاب فالعبد مبتلى بالله وبنفسه. وقال سهل: أربعة للعباد على الله وهو حكم بها على نفسه: أولها من خاف الله أمنه الله، ومن رجاه بلغ به رجاءه وأمله. ومن تقرب إليه بالحسنات قبل منه وأثابه للواحدة عشرا. ومن توكل عليه قبله ولم يكله إلى نفسه وتولى أمره. وقيل: أى العمل

стр. 3678

يعمل حتى يعرف عيوب نفسه؟ قال: لا يعرف عيوب نفسه حتى يحاسب نفسه في أحواله كلها. قيل: فأي منزلة إذا قام العبد بها أقام مقام العبودية؟ قال: إذا ترك التدبير. قيل: فأي منزلة إذا قام بها أقام الصدق؟ قال: إذا توكل عليه فيما أمره به ونهاه عنه. • سمعت أبي يقول سمعت أبا بكر يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول: البلوى من الله على جهتين: فبلوى رحمة وبلوى عقوبة. فبلوى رحمة يبعث صاحبه على إظهار فقره وفاقته إلى الله، وترك تدبيره. وبلوى عقوبة يترك صاحبه على اختياره وتدبيره. وقيل مثل الابتلاء مثل المرض والسقم، يمرض الواحد مائة سنة فلا يموت فيه، ويمرض آخر ساعة واحدة فيموت فيه، كذلك يعصي الله عبد مائة سنة فيختم له بخير وينجو، وآخر يتكلم بكلمة معصية في ساعة فيجره إلى الكفر فيهلك. فمن ذلك عظم الخطر ودام الجد واشتد البلاء وقال: الغضب أشد في البدن من المرض: إذا غضب دخل عليه من الإثم أكثر مما يدخل عليه في المرض. قال وسمعت سهلا يقول: قال الله تعالى: كل نعمة مني عليكم إذا عرفتموها صيرتها لكم شكرا، وكل ذنب كان منكم إذا عرفتموه صيرته غفرانا. وقال: ليس في خزائن الله أكبر من التوحيد. وقال سهل بن عبد الله: تربة المعاصي الأمل، وبذرها الحرص، وماؤها الجهل، وصاحبها الإصرار. وتربة الطاعة المعرفة، وبذرها اليقين، وماؤها العلم، وصاحبها السعيد المفوض أموره إلى الله تعالى. وقال: من ظن ظن السوء حرم اليقين. ومن تكلم فيما لا يعنيه حرم الصدق. ومن اشتغل بالفضول حرم الورع. فإذا حرم هذه الثلاثة هلك وهو مثبت في ديوان الأعداء. وقال: لا يطلع على عثرات الخلق إلا جاهل، ولا يهتك ستر ما اطلع عليه إلا ملعون. وقال: من خدم خدم، ومعناه من ترك التدبير والاختيار وفق، ومن لم يوفق لم يترك التدبير، فإن الفرج كله في تدبير الله لنا برضاه. والشقاء كله في تدبيرنا، ولا نجد السلامة حتى نكون في التدبير كأهل القبور. وقال لسان الإيمان التوحيد، وفصاحته العلم، وصحة بصره اليقين مع العقل.

стр. 3679

وقال: النية اسم الأسامي والطاعات أسامي. والنية الإخلاص. وكما يثبت حكم الظاهر بالفعل كذلك يثبت حكم السر بالنية. ومن لا يعرف نيته لا يعرف دينه. ومن ضيع نيته فهو حيران. ولا يبلغ العبد حقيقة علم النية حتى يدخله الله في ديوان أهل الصدق، ويكون عالما بعلم الكتاب وعلم الآثار، وعلم الاقتداء. وقال: المؤمن من راقب ربه، وحاسب نفسه وتزود لمعاده. وقال: الهجرة فرض إلى يوم القيامة: من الجهل إلى العلم، ومن النسيان إلى الذكر، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الإصرار إلى التوبة. وقال: من اشتغل بما لا يعنيه نال العدو منه حاجته في يقظته ومنامه. وقال: ألم أقل لك دع دنياك عند أعدائك وضع سرك عند أحبائك؟ وقال: ليس من عمل بطاعة الله صار حبيب الله، ولكن من اجتنب ما نهى عنه الله صار حبيب الله. ولا يجتنب الآثام إلا صديق مقرب. وأما أعمال البر يعملها البر والفاجر. • سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا بكر محمد بن المنذر الهجيمي يقول قال سهل بن عبد الله: الخلق كلهم بالله يأكلون، وفي عبادته غيره يشركون. قال: وسئل سهل عن العقل فقال: احتمال المئونة والأذى من الخلق. وقال سهل: من دق الصراط عليه في الدنيا عرض عليه في الآخرة ومن عرض عليه الصراط في الدنيا دق له في الآخرة. قال وربما قال: لله في الخبز سر وسألت عنه أكثر من عشرة آلاف عابد وعابدة فما أحد منهم أخبرني بسر الخبز. • سمعت أبا الحسن يقول سمعت محمد بن المنذر يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول وسأله رجل فقال: يا أبا محمد إلى من تأمرني أن أجلس؟ فقال له: إلى من تكلمك جوارحه لا من يكلمك لسانه. قال وسمعت سهل بن عبد الله يقول: من تخلى من الربوبية وأفرد الله بها واعترف بالعبودية وعبد الله بها استحق من الله الملك الأعظم في حياة الأبد. ومن نازع الله ربوبيته قصمه الله. ألا ترى أنهم يحبون الغنى والله هو الغني وهم الفقراء، ويحبون الأمر والنهي والله تعالى يقول ﴿(ألا له الخلق والأمر)﴾ ويحبون البقاء والله تعالى

стр. 3680

يقول ﴿(كل من عليها فان ويبقى وجه ربك)﴾ ويحبون الدنيا والله يبغضها، ويريدونها والله لا يريدها، فهم ينازعون الله الربوبية ويعادونه فيما أحب. قال سهل: والأمل أرض كل معصية، والحرص بذر كل معصية، والتسويف ماء كل معصية. والندم أرض كل طاعة، واليقين بذر كل طاعة، والعمل ماء كل طاعة. وبقدر ما تهدم من دنياك تبني لآخرتك، وبقدر ما تخالف نفسك وهواك وشهوتك ترضي مولاك. وبقد ما تعرف عدوك وعداوته - يعني إبليس - تعرف ربك. قال وسمعت سهل بن عبد الله يقول: من كان عمله لله جلا ذلك عن قلبه ذكر كل شيء سوى الله. قال وسمعته يقول: إن الناس دخلوا الجنة بالعمل فاجتهدوا أن تدخلوها بترك العمل. وسئل عن حقيقة التوكل فقال: نسيان التوكل. قال وسمعت سهل بن عبد الله يقول: إن الله أجاع الخلق فطلبوا من البعد فمنعهم إياه من القرب. وسمعته يقول: لزوم الباب طلب العبد إلى مولاه أن يثبته على الإيمان ويقبضه عليه. • سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول سمعت أبا الفضل الشيرجي جعفر بن أحمد يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول وسئل عن قوله ﴿(وذروا ظاهر الإثم وباطنه)﴾ ظاهره الفعال وباطنه الحب له. قال وسمعت سهلا يقول: إن الله تعالى لا ينسب إلى الجهل في الأصل ولا ينسب إلى الظلم من الفرع ولاغنا بنا عنه فيما بين طرفة عين ولا أقل. • حدثنا محمد بن الحسين بن موسى قال سمعت أبا الحسن الفارسي يقول سمعت عباس بن عصام يقول سمعت سهل بن عبد الله يقول: لا معين إلا الله، ولا دليل إلا رسول الله، ولا زاد إلا التقوى، ولا عمل إلا الصبر عليه. وقال سهل: العيش على أربعة أوجه: عيش الملائكة في الطاعة، وعيش الأنبياء في العلم وانتظار الوحي، وعيش الصديقين في الاقتداء، وعيش سائر الناس عالما كان أو جاهلا زاهدا كان أو عابدا في الأكل والشرب. وقال سهل: الضرورة للأنبياء، والقوام للصديقين، والقوت للمؤمنين، والمعلوم للبهائم والآيات والمعجزات للأنبياء، والكرامات للأولياء. والمعونات للمريدين. والتمكين
следующие страницы →