فيقول أدركنا أقواما كنا في جنبهم لصوصا.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال ثنا أحمد بن علي بن المثنى قال ثنا عبد الصمد بن يزيد قال سمعت فضيل بن عياض يقول: كان الربيع بن خيثم يقول في دعائه: أشكو إليك حاجة لا يحسن بثها إلا إليك، وأستغفر منها وأتوب إليك.
• حدثنا (١) أبو محمد بن حيان قال ثنا محمد بن أحمد بن سليمان الهروي قال ثنا أحمد بن عمرو بن عبيد العصفري قال ثنا عثمان بن زفر قال ثنا الربيع بن المنذر عن أبيه. قال: قال الربيع بن خيثم: من استغفر الله تعالى كتب فى راحته أمن من العذاب.
• حدثنا أحمد بن محمد بن سنان قال ثنا أبو العباس السراج قال ثنا سفيان قال ثنا وكيع قال ثنا سفيان بن عيينة عن عمر بن ذر قال: قيل للربيع بن خيثم كيف أصبحت يا أبا يزيد؟ قال: أصبحنا ضعفاء مذنبين نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا محمد بن شبل قال ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال ثنا سفيان الثوري عن أبي يعلى. قال: كان الربيع إذا قيل له كيف أصبحتم يقول: ضعفاء مذنبين نأكل أرزاقنا وننتظر آجالنا. رواه نسير بن ذعلوق عن بكر بن ماعز عنه مثله.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا محمد بن أبي سهل قال ثنا عبد الله بن محمد العبسي قال ثنا حفص بن غياث عن أشعث عن ابن سيرين عن الربيع بن خيثم قال: أقلوا الكلام إلا بتسع؛ تسبيح، وتكبير، وتهليل، وتحميد، وسؤالك الخير، وتعوذك من الشر، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءة القرآن رواه منذر الثوري عن الربيع مثله.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا أبو العباس السراج قال ثنا أبو همام قال ثنا أبو نعيم قال ثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم قال قال فلان: ما أرى ربيعا تكلم بكلام منذ عشرين عاما إلا بكلمة تصعد.
• حدثنا أحمد بن محمد بن سنان قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا محمد بن الصباح قال ثنا سفيان (٢) قال
стр. 492
قال: صحبنا ربيع بن خيثم عشرين سنة فما تكلم إلا بكلمة تصعد. وقال آخر:
صحبته سنتين فما كلمني إلا كلمتين.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال ثنا شجاع بن الوليد عن سفيان الثوري عن رجل من بني تيم الله قال: جالست الربيع عشر سنين فما سمعته يسأل عن شيء من أمر الدنيا إلا مرتين، قال مرة والدتك حية؟ وقال مرة:
كم لكم مسجدا.
• حدثنا أبو محمد بن حيان قال ثنا أحمد بن مساور قال ثنا سهل بن عثمان قال ثنا سعيد بن عبد الله بن الربيع عن نسير بن ذعلوق عن بكر بن ماعز. قال:
انطلق الربيع بن خيثم وعبد الله بن مسعود إلى شاطئ الفرات، فمر بتلك الحدادين فلما رأى تلك النيران خر مغشيا عليه، فرجع إليه فقال: يا ربيع فلم يجبه، فانطلق فصلى بالناس العصر ثم رجع إليه يا ربيع يا ربيع فلم يجبه، ثم انطلق فصلى بالناس المغرب ثم رجع يا ربيع يا ربيع فلم يجبه، حتى ضربه برد السحر. رواه أبو وائل عن عبد الله.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله ابن أحمد بن حنبل حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي قال ثنا أبو بكر بن عياش قال ثنا عيسى بن سليم عن أبي وائل قال: خرجنا مع عبد الله بن مسعود ومعنا الربيع بن خيثم، فمررنا على حداد فقام عبد الله ينظر حديدة في النار، فنظر ربيع إليها فتمايل ليسقط، فمضى عبد الله حتى أتينا على أتون على شاطئ الفرات، فلما رأى عبد الله والنار تلتهب في جوفه قرأ هذه الآية ﴿(إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا)﴾ إلى قوله: ﴿(ثبورا)﴾ قال فصعق الربيع فاحتملناه فجئنا به إلى أهله، قال ثم رابطه إلى المغرب فلم يفق، ثم إنه أفاق فرجع عبد الله إلى أهله.
• حدثنا [عن] عبد الله بن محمد الكواء: [أنه قال] للربيع: ما نراك تعيب أحدا ولا تذمه؟ فقال: ويلك يا ابن الكواء ما أنا عن نفسي براض فأتفرغ من ذنبي إلى حديث، إن الناس خافوا الله تعالى على ذنوب الناس وأمنوه على نفوسهم.
стр. 493
قال ثنا سعيد بن عبد الله بن الربيع عن نسير بن ذعلوق عن بكر (١) بن ماعز.
قال قال الربيع بن خيثم: الناس رجلان مؤمن وجاهل، فأما المؤمن فلا تؤذه، وأما الجاهل فلا تجاهله.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال ثنا الوليد بن شجاع قال ثنا خلف بن خليفة عن سيار عن أبي الحكم عن أبي وائل قال: أتينا الربيع بن خيثم فقال ما جاء بكم؟ قلنا جئنا لنحمد الله ونحمده معك، وتذكر الله ونذكره معك، قال الحمد لله إذ لم تأتوني تقولون جئنا تشرب فنشرب معك، وتزني فنزني معك.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد قال ثنا الوليد بن شجاع قال ثنا عطاء بن مسلم قال سمعت العلاء بن المسيب يقول: سرق للربيع بن خيثم فرس فقال أهل مجلسه ادع الله عليه، قال بل أدع الله له؛ اللهم إن كان غنيا فأقبل بقلبه، وإن كان فقيرا فأغنه.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا يعقوب بن إبراهيم قال ثنا عبد الرحمن عن سفيان عن نسير عن هبيرة بن خزيمة قال: أنا أول من أتى الربيع بن خيثم بقتل الحسين بن علي.
• وحدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد قال ثنا أحمد ابن إبراهيم قال ثنا هاشم بن القاسم قال ثنا زكريا بن سلام عن بلال بن المنذر قال قال رجل: إن لم أستخرج اليوم سيئة من الربيع لأحد لم أستخرجها أبدا، قال قلت يا أبا يزيد قتل ابن فاطمة ﵉، قال فاسترجع ثم تلا هذه الآية ﴿(قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون)﴾ قال قلت ما تقول؟ قال: ما أقول إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم. لفظ هاشم بن القاسم.
• حدثنا أبو أحمد قال ثنا أحمد بن موسى بن العباس قال ثنا إسماعيل بن سعيد قال ثنا جرير عن أبي حيان التيمي عن أبيه. قال: كانت وصية الربيع؛ هذا ما أوصى به الربيع.
• وحدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال ثنا وكيع قال ثنا سفيان عن زائدة عن منذر
стр. 494
الثوري عن الربيع: أنه أوصى عند موته فقال: هذا ما أوصى به الربيع على نفسه وأشهد الله عليه وكفى به شهيدا، وجازيا لعباده الصالحين ومثيبا، إني رضيت بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالإسلام دينا، ورضيت لنفسي ومن أطاعني بأن أعبد الله في العابدين، وأحمده في الحامدين، وأنصح لجماعة المسلمين. ورواه شعبة عن سعيد بن مسروق عن الربيع. قال شعبة فقلت لسعيد من حدثك بهذا؟ قال حدثنيه الحي عن الربيع مثله.
• حدثنا عبد الرحمن ابن العباس قال ثنا إبراهيم الحربي قال ثنا محمد بن مقاتل قال ثنا ابن المبارك عن سفيان. وحدثنا أبو محمد بن حيان قال ثنا جعفر بن الصباح قال ثنا يعقوب الدورقي قال ثنا أشجعي قال سمعت سفيان يقول قال الربيع بن خيثم:
أريدوا بهذا الخير الله تنالوه لا بغيره، وأكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله فإن الغائب إذا طالت غيبته وجبت محبته، وانتظره أهله، وأوشك أن يقدم عليهم رواه بشير عن بكر بن عامر عنه مثله.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال ثنا محمد بن عبد الله بن مصعب قال ثنا عبد الجبار بن العلاء قال ثنا مروان بن معاوية قال ثنا الربيع بن المنذر عن أبيه قال قال الربيع: يا منذر قلت لبيك، قال لا يغرنك كثرة [ثناء] الناس من نفسك فإنه خالص إليك عملك.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال ثنا زياد ابن أيوب قال ثنا علي بن يزيد قال ثنا [الصدائي قال حدثنا عبد الرحمن بن عجلان. قال: بت عند الربيع بن خيثم ذات ليلة فقام يصلي. فمر بهذه الآية ﴿(أم حسب الذين اجترحوا السيئات)﴾ الآية. فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثنا زياد بن أيوب قال حدثنا علي بن يزيد (١)] قال ثنا حماد الأصم الحماني عمن حدثه عن بعض أصحاب الربيع قال: ربما علمنا شعره عند المساء - وكان ذا وفرة - ثم يصبح والعلامة كما هي، فيعرف أن
стр. 495
الربيع لم يضع جنبه ليلة على فراشه.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد قال ثنا يوسف الصفار قال ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم، قالوا: قيل للربيع بن خيثم: ألا تتمثل ببيت شعر فقد كان أصحابك يتمثلون؟ قال ما من شيء يتمثل به إلا كتب، وأنا أكره أن أقرأ في أمامي بيت شعر يوم القيامة.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا هناد قال ثنا ابن فضيل عن أبيه عن ابن مسروق عن الربيع بن خيثم: أنه لبس قميصا سنبلانيا (١) أراه ثمن ثلاثة دراهم أو أربعة، فإذا به كمه بلغ أظفاره، وإذا أرسله بلغ ساعده، وإذا رأى بياض القميص قال أي عبيد تواضع لربك، ثم يقول أي لحيمة أي دمية كيف تصنعان إذا ﴿سيرت الجبال﴾ و ﴿دكت الأرض دكا دكا وجاء ربك والملك صفا صفا وجيء يومئذ بجهنم﴾.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال حدثنا يحيى بن سعيد قال ثنا أبو حيان قال حدثني أبي قال:
كان الربيع بعد ما سقط شقه يهادى بين رجلين إلى مسجد قومه، وكان أصحاب عبد الله يقولون يا أبا يزيد لقد رخص لله لك لو صليت في بيتك فيقول: إنه كما تقولون، ولكني سمعته ينادي حي على الفلاح فمن سمع منكم ينادى حى على الفلاح فليجبه ولو زحفا، ولو حبوا. رواه جرير عن أبي حيان نحوه.
• حدثنا أحمد بن محمد بن سنان قال ثنا أبو العباس الثقفي قال ثنا محمد ابن الصباح قال ثنا جرير عن أبي حيان التيمي عن أبيه قال: أصاب الربيع الفالج فكان يحمل إلى الصلاة، فقيل له إنه قد رخص لك قال قد علمت ولكن أسمع النداء بالفلاح.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا محمد بن أبي سهل قال ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا ابن مهدي عن سفيان عن أبيه عن أبى يعلى عن
стр. 496
الربيع. قال: ما أحب مناشدة العبد لربه ، يقول رب قضيت على نفسك الرحمة، قضيت على نفسك كذا يستبطئ، وما رأيت أحدا يقول قد أديت الذي علي فأد ما عليك.
• حدثنا عبد الرحمن بن العباس قال ثنا إبراهيم الحربي قال ثنا أبو بكر قال ثنا سعيد بن عبد الله عن نسير عن بكر بن ماعز.
قال: كان الربيع يقول: أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا محمد بن شبل قال ثنا عبد الله بن محمد قال ثنا وكيع عن سفيان عن أبيه عن أبي يعلى عن الربيع بن خيثم. قال: ما غائب ينتظره المؤمن خير من الموت.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا محمد بن أبي سهل قال ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا ابن مهدى عن سرية الربيع.
قال (١): لما حضر الربيع بكت ابنته. فقال: يا بنية لم تبكين؟ قولي يا بشراي أتى الخير.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد قال ثنا أبي قال ثنا حسين بن علي عن محمد عن رجل من أسلم من المبكرين إلى المسجد. قال:
كان الربيع بن خيثم إذا سجد كأنه ثوب مطروح، فتجئ العصافير فتقع عليه.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال ثنا أحمد ابن إبراهيم قال ثنا محمد بن يزيد بن خنيس عن سفيان. قال: بلغنا أن أم الربيع بن خيثم كانت تنادي ابنها الربيع فتقول: يا بني يا ربيع ألا تنام؟ فيقول يا أمه من جن عليه الليل وهو يخاف البيات حق له أن لا ينام. قال فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء [والسهر نادته فقالت: يا بني لعلك قتلت قتيلا؟ فقال نعم يا والده قد قتلت قتيلا. قالت: ومن هذا القتيل يا بني حتى يتحمل على أهله فيعفون؟ والله لو يعلمون ما تلقى من البكاء والسهر] (٢)
بعد لقد رحموك. فيقول: يا والده هي نفسي.
• حدثنا أبو محمد بن حيان قال ثنا محمد بن عبد الله بن رسته قال ثنا أبو أيوب قال ثنا سليمان قال سمعت مالك ابن دينار يقول: قالت ابنة الربيع للربيع: يا أبت لم لا تنام والناس ينامون؟
стр. 497
فقال: إن البيات النار لا تدع أباك أن ينام.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا هناد بن السري قال ثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن عجلان نسير بن ذعلوق. قال: كان الربيع بن خيثم يقول إذا جاء سائل: أطعموه سكرا فإن الربيع يحب السكر.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا هناد بن السري قال ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن بكر بن ماغر. قال: كان بالربيع بن خيثم خبل من الفالج، وكان يسيل من فيه لعاب، فمسحته يوما فرآني كرهت ذلك. فقال: والله ما أحب ما غني الديلم (١) على الله .
رواه المبارك بن سعيد عن أبيه عن الربيع نحوه.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال ثنا أبو معمر قال ثنا مبارك بن سعيد عن أبيه قال: قيل لأبي وائل: أأنت أكبر أم الربيع بن خيثم؟ قال أنا أكبر منه سنا، وهو أكبر مني عقلا.
• حدثنا أحمد بن جعفر قال ثنا عبد الله بن أحمد قال ثنا سريج بن يونس قال ثنا إسماعيل بن جعفر بن حبيب بن حسان عن مسلم البطين: أن الربيع بن خيثم جاءته ابنته فقالت يا أبتاه أذهب ألعب؟ قال اذهبى فقولى خيرا.
• حدثنا احمد ابن محمد بن سنان قال ثنا أبو العباس السراج قال ثنا أبو قدامة عن عبيد الله ابن سعيد قال ثنا سفيان عن سالم بن أبي حفصة عن منذر الثوري عن الربيع ابن خيثم. قال: حرف وأيما حرف! ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾.
• حدثنا أحمد بن محمد بن سنان قال ثنا أبو العباس قال ثنا بن زبيد عن حصين: قال قال الربيع بن خيثم: عجبت لملك الموت ولثلاثة؛ لملك يمنع في حصونه يأتيه ملك الموت فينزع نفسه ويدع ملكه خلفه، ومسكين منبوذ فى الطريق يقذره الناس أن يدنو منه لا يقذره ملك الموت أن يأتيه فينزع نفسه (٢) ويدع قذره.
стр. 498
• حدثنا أبو محمد بن حيان قال ثنا البغوي قال ثنا أحمد بن زهير قال ثنا غسان بن المفصل الغلابي قال: سمعت من يذكر أن الربيع بن خيثم كان بالأهواز ومعه صاحب له، فنظرت إليه امرأة فتعرضت له فدعته إلى نفسها، فبكى الشيخ فقال له صاحبه ما يبكيك؟ قال إنها لم تطمع في شيخين إلا رأت شيوخا مثلنا.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا سعيد بن يحيى الأموي. قال: وحدثني أبي عن مالك بن مغول عن حسن - يعني ابن صالح - قال: قيل للربيع بن خيثم لو جالستنا؟ فقال لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة فسد علي.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا محمد بن شبل قال ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا وكيع عن مالك بن مغول عن الشعبي. قال: ما جلس الربيع في مجلس منذ تأزر. وقال أخاف أن يظلم رجلا فلا أنصره، أو يعتدي رجل على رجل فأكلف عليه الشهادة، ولا أغض البصر، ولا أهدى السبيل، أو يقع الحامل فلا أحمل عليه.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا محمد بن شبل قال ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا وكيع عن الأعمش عن منذر عن الربيع بن خيثم: أنه كان يكنس الحش بنفسه، فقيل له إنك تكفى هذا قال إني أحب أن آخذ بنصيبي من المهنة.
• حدثنا أبو أحمد الغطريفي قال ثنا الحسين بن شقيق قال ثنا غالب بن الوزير الغزي قال ثنا ضمرة قال ثنا حفص بن عمر. قال: كان الربيع ابن خيثم لا يعطي السائل أقل من رغيف، ويقول إني لأستحي من ربي أن أرى غدا في ميزاني نصف رغيف.
أسند الربيع بن خيثم غير حديث فمما أسند
стр. 499
عن أبي يعلى منذر الثوري عن الربيع بن خيثم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ : أنه خط خطا مربعا، وجعل في وسط الخط خطا، وجعل خطا خارجا من الأربعة دارة، وجعل حوله حروفا وخط حولها خطوطا، فقال «المربع الأجل، والخط الوسط الإنسان، وهذه الدارة الخارجة الأمل، وهذه الحروف الأغراض، فالأغراض تصيبه من كل مكان كلما انفلت من واحدة أخذت واحدة، والأجل قد حال دون الأمل» لفظ سليمان. وقال يحيى بن سعيد: هذه الخطوط التي إلى جانبها الأغراض تنهشه من كل مكان، إن أخطأ هذا أصابه هذا، وإن الخط المربع الأجل المحيط به والخط الخارج الأمر. حديث صحيح متفق على صحته لم يروه عن الربيع إلا منذر.
• حدثنا محمد بن عبد الله الكاتب قال ثنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال ثنا عبيد بن معاذ (١) قال ثنا شعبة عن علي بن مدرك عن إبراهيم النخعى عن الربيع بن خيثم عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال:
«أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن كل ليلة؟» قالوا ومن يطيق ذلك؟ قال «قل هو الله أحد». هذا حديث غريب من حديث الربيع بهذا الإسناد تفرد به معاذ بن معاذ عن شعبة، ورواه هلال بن يساف عن الربيع فخالف إبراهيم النخعي.
• حدثنا أبو بكر بن خلاد قال ثنا ابن غالب قال ثنا أبو حذيفة قال ثنا زائدة عن منصور عن هلال بن يساف عن الربيع بن خيثم عن عمرو بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار عن أبي أيوب الأنصاري. قال: قال رسول الله ﷺ : «أيعجز أحدكم أن يقرأ ليلته بثلث القرآن» فأشفقنا أن يأمرنا بأمر نعجز عنه قال فسكتنا فقالها ثلاث مرات «أن يقرأ بثلث القرآن فإنه من قرأ الله الواحد الصمد فقد قرأ ليلته ثلث القرآن» رواه فضيل بن عياض فى آخرين عن منصور
стр. 500
عن هلال متفق عليه.
• حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن الهيثم قال ثنا جعفر بن محمد الصائغ قال ثنا غسان بن الربيع قال ثنا جعفر بن ميسرة عن هلال أبي ضياء عن الربيع بن خيثم عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال:
«كل قرض يقرضه الرجل يكتب صدقة». غريب من حديث هلال والربيع، تفرد به جعفر بن ميسرة ولم نكتبه إلا من حديث غسان وحدث به الفضل ابن سهل عن غسان مثله.
• حدثنا أبو بكر بن خلاد قال حدثنا الحارث بن أبي أسامة قال حدثنا عبد الرحيم بن واقد قال حدثنا مسعدة بن صدقة أبو الحسن قال ثنا سفيان الثوري عن أبيه عن الربيع بن خيثم عن عبد الله بن مسعود. قال: قال رسول الله ﷺ : «سيأتي على الناس زمان تحل فيه العزلة، ولا يسلم لذي دين دينه إلا من فر بدينه من شاهق إلى شاهق، ومن جحر إلى جحر، كالطير بفراخه وكالثعلب بأشباله» ثم قال «ما أبقاه في ذلك الزمان راعي غنم أقام الصلاة بعلم ويؤتي الزكاة ويعتزل الناس إلا من خير، ولشاة عفراء أرعاها بسلع أحب إلي من ملك بني النضير، وذلك إذا كان كذا وكذا». غريب من حديث الربيع ومن حديث الثوري لم يروه عنه إلا مسعدة ولا كتبناه إلا من حديث عبد الرحيم بن واقد عاليا.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني إبراهيم بن سعيد الطبري قال ثنا أبو اليمان عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن الربيع بن خيثم عن عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ قال: «لا يستمع الله من مسمع، ولا مرائى، ولالاه ولا ملاعب» وسمع رجلا يتغنى من الليل فقال «لا صلاة له حتى يصلي مثلها ثلاث مرات» غريب من حديث الربيع ما كتبناه إلا بهذا الإسناد.
стр. 501
هرم بن حيان
ومنهم الهائم الحيران، القائم العطشان، هرم بن حيان، عاش في حبه ولهان حرقا، وعاد قبره حين دفن ريان غدقا.
وقد قيل: إن التصوف الاحتراق حذار الافتراق، والاشتياق لدار الاستباق.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال ثنا سيار قال ثنا جعفر حدثني مطر الوراق. قال: بات هرم ابن حيان العبدي عند حممة صاحب رسول الله ﷺ قال: فبات حممة ليلته يبكي كلها حتى أصبح، فلما أصبح قال له هرم: يا حممة ما أبكاك؟ قال ذكرت ليلة صبيحتها تبعثر القبور فتخرج من فيها، [و] تناثر نجوم السماء فأبكاني ذلك. قال: وكانا يصطحبان أحيانا بالنهار فيأتيان سوق الريحان فيسألان الله تعالى الجنة ويدعوان، ثم يأتيان الحدادين فيتعوذان من النار، ثم يفترقان إلى منازلهما.
• حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة قال: ثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال ثنا سعيد بن سليمان عن يوسف بن عطية قال: ثنا المعلى بن زياد.
قال: كان هرم بن حيان يخرج في بعض الليل وينادي بأعلى صوته؛ عجبت من الجنة كيف ينام طالبها، وعجبت من النار كيف ينام هاربها، ثم قرأ ﴿(أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون)﴾ ثم يقرأ والعصر، وألهاكم، ثم يرجع إلى أهله.
• أخبرنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال ثنا شيبان بن أبى قال ثنا أبو حمزة العطار قال ثنا إسحاق بن الربيع قال:
ثنا الحسن عن هرم بن حيان العبدي: أنه كان يقول: ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، ولا مثل النار نام هاربها. قال: وكان يقول: أخرجوا من قلوبكم حب الدنيا، وأدخلوا قلوبكم حب الآخرة.
стр. 502
أبو همام الوليد بن شجاع قال ثنا مخلد - يعني ابن حسين - عن هشام وعن الحسن. قال: خرج هرم بن حيان وعبد الله بن عامر يؤمان الحجاز؛ فجعل أعناق رواحلهما تخالجان الشجر، فقال هرم لابن عامر: أتحب أنك شجرة من هذه الشجر؟ فقال ابن عامر لا والله إنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من ذلك. قال له هرم - وكان أفقه الرجلين وأعلمهما بالله - لكني والله لوددت أني شجرة من هذا الشجر قد أكلتنى هذه الراحلة ثم قذفتنى بعرا ولم أكابد الحساب يوم القيامة، إما إلى الجنة وإما إلى النار، ويحك يا ابن عامر إني أخاف الداهية الكبرى رواه جرير عن جابر عن حميد بن هلال نحوه.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال ثنا أحمد بن الحسن الحذاء قال ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال ثنا إبراهيم بن عبد الرحمن - يعني ابن مهدي - قال حدثني يحيى بن المظفر قال ثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار. قال:
استعمل هرم بن حيان فظن أن قومه سيأتونه، فأمر بنار فأوقدت بينه وبين من يأتيه من القوم، فجاءه قومه يسلمون عليه من بعيد فقال مرحبا بقومى ادنوا، قالوا والله ما نستطيع أن ندنو منك لقد حالت النار بينا وبينك.
قال وأنتم تريدون أن تلقوني في نار أعظم منها، في نار جهنم. قال: فرجعوا.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا محمد بن شبل قال ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا خلف بن خليفة قال ثنا إسماعيل بن أبي خالد: قال قال هرم بن حيان: اللهم إني أعوذ بك من شر زمان تمرد فيه صغيرهم، وتآمر فيه كبيرهم، وتقرب فيه آجالهم رواه الحسن عن هرم مثله.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا محمد بن شبل قال ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا خلف بن خليفة عن أصبغ الوراق عن أبي نضرة: أن عمر رضي الله تعالى عنه بعث هرم بن حيان على الخيل، فغضب على رجل فأمر به فوجئت عنقه ثم أقبل على أصحابه فقال: لا جزاكم الله خيرا ما نصحتموني حين قلت (١)، ولا كففتموني عن غضبي، والله لا ألي لكم عملا. ثم كتب إلى
стр. 503
عمر يا أمير المؤمنين لا طاقة لي بالرعية فابعث إلى عملك.
• حدثنا أبو محمد بن حيان قال ثنا أحمد بن الحسن الحذاء قال ثنا أحمد بن إبراهيم قال ثنا عبد الصمد ابن عبد الوارث قال ثنا أبو الأشهب قال ثنا الحسن: أن هرم بن حيان كان على بعض تلك المغازي، فاستأذنه رجل وهو يرى أنه يستأذنه لبعض الحوائج فلحق بأهله فلبث ما لبث ثم جاء فقال له: أين كنت؟ قال استأذنتك يوم كذا فأذنت لي، قال فأردت ذلك لذلك؟ قال نعم! قال أبو الأشهب: فبلغني أنه قال لذلك الرجل قولا شديدا ولم يكلمه أحد من جلسائه بحيث رأوا غضبه وهو يقول لأخيه ما يقول. فقال لهم: جزاكم الله من جلساء شرا تروني أقول لأخي ما أقول ولم ينهني أحد منكم عن ذلك، اللهم خلف رجال السوء لزمان السوء. رواه هشام عن الحسن نحوه وسليمان بن المغيرة عن حميد ابن هلال نحوه.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا إسحاق بن الحسن الحربي قال ثنا الحسين بن محمد عن شيبان عن قتادة. قال: ذكر لنا أن هرم بن حيان لما حضره الموت قيل له أوص، قال ما أدري ما أوصي ولكن بيعوا درعى فاقضوا عني ديني، فإن لم يف فبيعوا غلامي وأوصيكم بخواتيم النحل ﴿(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)﴾.
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا بشر ابن موسى قال ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال ثنا سليمان بن المغيرة قال ثنا حميد ابن هلال. قال: قيل لهرم بن حيان العبدي: أوص قال صدقتني نفسي في الحياة وما لي شيء أوصي به، ولكني أوصيكم بخواتيم سورة النحل.
• حدثنا إبراهيم بن عبد الله قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا قتيبة بن إسماعيل قال ثنا خلف ابن خليفة عن عون بن شداد عن هرم بن حيان: أنه حين نزل به الموت قالوا له: يا هرم أوص قال أوصيكم أن تقضوا عني ديني، قالوا وما توصي يا هرم؟ قال أوصيكم بآخر سورة النحل، ثم قرأ عليهم ﴿(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)﴾ إلى قوله ﴿(والذين هم محسنون)﴾ رواه شعبة عن ابن يونس عن أبي قزعة. والجريري عن أبي نضرة وهشام وأبي حمزة عن الحسن عن هرم نحوه.
стр. 504
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عبد الواحد الحداد عن المنذر عن ثعلبة عن محمد بن زيد العبدي. قال:
كان هرم إذا رأى أهله يكثرون الضحك أمرهم بالصلاة. قال عبد الله وحدثني من سمع أبا عبد الله عبد الواحد بإسناده وقال: أمرهم بالصلاة.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا هارون بن معروف قال ثنا ضمرة عن ابن شوذب قال قال هرم بن حيان:
لو قيل لي إني من أهل النار لم أدع العمل، لئلا تلومني نفسي فتقول ألا صنعت، ألا فعلت.
• حدثنا أبو إسحاق بن حمزة قال ثنا أحمد بن يحيى الحلواني قال ثنا سعيد ابن سليمان عن عبد الواحد بن سليمان البراء (١) قال ثنا هشام بن حسان عن الحسن قال: مات هرم بن حيان في يوم صائف شديد الحر، فلما نفضوا أيديهم عن قبره جاءت سحابة تسير حتى قامت على قبره، فلم تكن أطول منه ولا أقصر منه، ورشته حتى روته ثم انصرفت.
• حدثنا أبو محمد بن حيان قال ثنا أحمد بن الحسن بن عبد الملك قال ثنا أيوب بن محمد الوزان قال ثنا ضمرة عن السري بن يحيى عن قتادة قال: أمطر قبر هرم بن حيان من يومه، وأنبت العشب من يومه.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال ثنا علي بن إسحاق قال ثنا حسين المروزي قال ثنا عمرو بن حمدان أبو النضر قال ثنا هشام عن الحسن.
قال: لما مات هرم بن حيان رحمة الله عليه ورضوانه جاءته سحابة فظللت سريره، فلما دفن رشت على القبر فما أصاب حول القبر شيئا.
أبو مسلم الخولاني
ومنهم المتخلي عن الهموم والكرب، المتسلي بالأوراد والنوب، الخولاني أبو مسلم عبد الله بن ثوب. حكيم الأمة وممثلها، ومديم الخدمة ومحررها.
وقد قيل: إن التصوف التخلى عن المنقضى الفانى، والتسلى بالمتحدى الباقى.
стр. 505
• حدثنا أبي قال ثنا إبراهيم بن الحسن قال ثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن سيار الحمصي قال ثنا يحيى بن سعيد قال ثنا عطاء بن يزيد عن علقمة بن مرثد. قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين منهم أبو مسلم الخولاني، وكان لا يجالس أحدا قط، ولا يتكلم في شيء من أمر الدنيا إلا تحول عنه، فدخل ذات يوم المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا فرجا أن يكونوا على ذكر خير فجلس إليهم، فإذا بعضهم يقول قدم غلامي فأصاب كذا وكذا. وقال آخر جهزت غلامي، فنظر إليهم فقال: سبحان الله أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ كرجل أصابه مطر غزير وابل فالتفت فإذا هو بمصر اعين عظيمين، فقال لو دخلت هذا البيت حتى يذهب عني هذا المطر فدخل فإذا البيت لا سقف له، جلست إليكم وأنا أرجو أن تكونوا على ذكر وخير فإذا أنتم أصحاب الدنيا.
وقال له قائل - حين كبر ورق - لو قصرت عن بعض ما تصنع؟ فقال: أرأيتم لو أرسلتم الخيل فى الخيلة (١) ألستم تقولون لفارسها دعها وارفق بها، حتى إذا رأيتم الغاية فلا تستبقوا منها شيئا؟ قالوا بلى! قال: فإنى أبصرت الغابة وإن لكل ساع غاية، وغاية كل ساع الموت، فسابق ومسبوق.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال ثنا علي بن إسحاق قال ثنا حسين المروزي قال ثنا ابن المبارك قال ثنا إبراهيم بن نشيط قال ثنا الحسن بن ثوبان: أن أبا مسلم الخولاني دخل المسجد فنظر إلى نفر قد اجتمعوا فذكر مثله سواء، إلى قوله فإذا أنتم أصحاب دنيا.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا محمد بن شبل قال ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال ثنا أسامة قال ثنا محمد بن عمرو عن صفوان بن مسلم. قال: قال أبو مسلم الخولاني: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فإنهم اليوم شوك لا ورق فيه، إن ساببتهم سابوك، وإن ناقدتهم ناقدوك، وإن تركتهم لم يتركوك. رواه صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبي مسلم مثله. وزاد:
وإن نفرت منهم يدركوك. قال: فما أصنع؟ قال هب عرضك ليوم فقرك،
стр. 506
وخذ شيء من لا شيء.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال ثنا أبو المغيرة قال ثنا صفوان بن عمرويه:
حدثنا محمد بن الحسن قال ثنا بشر بن موسى قال ثنا المقرئ قال ثنا ابن لهيعة قال ثنا ابن هبيرة: أن كعبا كان يقول: إن حكيم هذه الأمة أبو مسلم الخولاني.
• حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا عبد الله بن أبي زياد قال ثنا سيار قال ثنا جعفر عن مالك ابن دينار. قال: بلغنا أن كعبا رأى أبا مسلم الخولاني فقال من هذا؟ قالوا هذا أبو مسلم الخولاني، قال هذا حكيم هذه الأمة.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا أبو العباس السراج قال ثنا محمد بن الصباح قال ثنا سفيان قال سمعت أبا هارون موسى بن عيسى يقول: كان يقال إن أبا مسلم الخولاني ممثل هذه الأمة.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد حدثني يحيى بن عثمان الحربي قال ثنا أبو المليح عن يزيد - يعني ابن جابر - قال: كان أبو مسلم الخولاني يكثر أن يرفع صوته بالتكبير حتى مع الصبيان، وكان يقول اذكروا الله حتى يرى الجاهل أنكم مجانين.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال ثنا ابن أبي عدي عن ابن عون عن الحسن. قال: قال أبو مسلم الخولاني:
أرأيتم نفسا إن أنا أكرمتها ونعمتها وودعتها ذمتنى غدا عند الله، وإن أنا أسخطتها وأنصبتها وأعملتها - أو كما قال - رضيت عني غدا؟ قالوا من تيكم يا أبا مسلم؟ قال تيكم والله نفسي.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني عبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي قال ثنا مروان قال ثنا محمد الظاهري قال ثنا سعيد بن عبد العزيز. قال: قال أبو مسلم الخولاني: لو قيل لى إن جهنم تسعر ما استطعت أن أزيد في عملي.
стр. 507
قال ثنا حماد سلمة عن القاسم: أن أبا مسلم الخولاني أسلم على عهد معاوية.
فقيل ما منعك أن تسلم على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم؟ فقال إني وجدت هذه الأمة على ثلاثة أصناف؛ صنف يدخلون الجنة بغير حساب، وصنف يحاسبون حسابا يسيرا، وصنف يصيبهم شيء ثم يدخلون الجنة، فأردت أن أكون من الأولين، فإن لم أكن منهم كنت من الذين يحاسبون حسابا يسيرا، فإن لم أكن منهم كنت من الذين يصيبهم شيء ثم يدخلون الجنة. كذا رواه أسلم على عهد معاوية، ولكن هاجر إلى الأرض المقدسة في أيام معاوية (١) وسكنها.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا محمد بن الصباح قال ثنا علي بن ثابت عن جعفر بن برقان عن أبي عبد الله الحرسي - وكان من حرس عمر بن عبد العزيز. قال: دخل أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان وقال السلام عليك أيها الأجير، فقال الناس الأمير يا أبا مسلم، ثم قال السلام عليك أيها الأجير، فقال الناس الأمير؟ فقال معاوية دعوا أبا مسلم هو أعلم بما يقول، قال أبو مسلم: إنما مثلك مثل رجل استأجر أجيرا فولاه ماشيته وجعل له الأجر على أن يحسن الرعية ويوفر جزازها وألبانها، فإن هو أحسن رعيتها ووفر جزازها حتى تلحق الصغيرة وتسمن العجفاء أعطاه أجره وزاد من قبله زيادة، وإن هو لم يحسن رعيتها وأضاعها حتى تهلك العجفاء وتعجف السمينة ولم يوفر جزازها وألبانها غضب عليه صاحب الأجر فعاقبه ولم يعطه الأجر. فقال معاوية: ما شاء الله كان.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق قال: ثنا هارون بن عبد الله قال: ثنا سيار قال ثنا عبيد الله بن شميط عن أبيه قال: كان أبو مسلم الخولاني يطوف ينعي الإسلام، فأتى معاوية فقيل له فأرسل إليه فدعاه (٢) فقال له ما اسمك؟ قال
стр. 508
معاوية قال بل أنت حدوثة قبر عن قليل: إن عملت خيرا أجزيت به، وإن عملت شرا أجزيت به يا معاوية إن عدلت على أهل الأرض جميعا ثم جرت على رجل واحد مال جورك بعدلك.
• حدثنا عبد الرحمن بن العباس قال: ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي قال ثنا الهيثم بن خارجة ثنا إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم عن أبي مسلم الخولاني: أنه كان إذا وقف على خربة. قال: يا خربة أين أهلك؟ ذهبوا وبقيت أعمالهم، وانقطعت الشهوات وبقيت الخطيئة، ابن آدم ترك الخطيئة أهون من طلب التوبة.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال ثنا المغيرة قال: ثنا هشام بن الغاز حدثنى يونس الهرم عن أبي مسلم الخولاني: أنه نادى معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على منبر دمشق.
فقال: يا معاوية إنما أنت قبر من القبور إن جئت بشيء كان لك شيء، وإن لم تجئ بشيء فلا شيء لك، يا معاوية لا تحسبن الخلافة جمع المال وتفرقه ولكن الخلافة العمل بالحق، والقول بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله ، يا معاوية إنا لا نبالي بكدر الأنهار ما صفت لنا رأس عيننا وإنك رأس عيننا، يا معاوية إياك أن تحيف على قبيلة من قبائل العرب فيذهب حيفك بعدلك، فلما قضى أبو مسلم مقالته أقبل عليه معاوية فقال: يرحمك الله.
• حدثنا سليمان بن أحمد قال ثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي مسلم الخولاني. قال: مثل الإمام كمثل عين عظيمة صافية طيبة الماء يجري منها إلى نهر عظيم فيخوض الناس النهر فيكدرونه، ويعود عليهم صفو العين، فإن كان الكدر من قبل العين فسد النهر. قال: ومثل الإمام ومثل الناس كمثل فسطاط لا يستقل إلا بعمود، لا يقوم العمود إلا بالأطناب - أو قال بالأوتاد - فكلما نزع وتدا زاد العمود وهنا؛ لا يصلح الناس إلا بالإمام، ولا يصلح الإمام إلا بالناس.
стр. 509
الزهري قال ثنا ابن المبارك قال ثنا إسماعيل بن عياش حدثني شرحبيل بن مسلم الخولاني عن عمر بن سيف الخولاني: أنه سمع أبا مسلم الخولاني يقول:
لأن يولد [لي] مولود يحسن الله نباته حتى إذا استوى على شبابه وكان أعجب ما يكون إلي قبضه الله مني أحب إلي من أن يكون لي الدنيا وما فيها.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال ثنا الحكم بن نافع قال ثنا إسماعيل بن عياش عن شرحبيل بن مسلم: أن رجلين أتيا أبا مسلم الخولاني في منزله فقال بعض أهله هو في المسجد، فأتيا المسجد فوجداه يركع فانتظرا انصرافه وأحصيا ركوعه فأحصى أحدهما أنه ركع ثلاثمائة، والآخر أربعمائة قبل أن ينصرف.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال حدثنا أبو المغيرة حدثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني حدثني عطية بن قيس: أن أناسا من أهل دمشق أتوا أبا مسلم الخولاني في منزله - وكان غازيا بأرض الروم - فوجدوه قد احتفر في فسطاطه حفرة ووضع فى الحفرة نظعا وأفرغ ماء فهو يتصلق فيه وهو صائم. فقال له النفر ما يحملك على الصيام وأنت مسافر وقد رخص الله تعالى لك الفطر في السفر والغزو. فقال: لو حضر قتال لأفطرت وتقويت للقتال، إن الخيل لا تجرى الغايات وهى بدنى، انما تجرى وهى ضمرات، بين أيدينا أياما لها نعمل.
• حدثنا أحمد بن محمد بن سنان قال ثنا أبو العباس السراج قال ثنا الوليد ابن شجاع قال ثنا الوليد - يعني ابن مسلم - عن عثمان بن أبي العاتكة. قال:
كان من أمر أبي مسلم الخولاني أن علق سوطا فى مسجده ويقول: أنا أولى بالسواط من الدواب، فاذا دخلته فترة مشق ساقه سوطا أو سوطين. وكان يقول: لو رأيت الجنة عيانا ما كان عندي مستزاد، ولو رأيت النار عيانا ما كان عندي مستزاد.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد قال ثنا عمرو بن علي قال ثنا معتمر قال سمعت سليمان بن يزيد العدوي يقول قال أبو مسلم: يا أم مسلم سوي رحلك فانه ليس على جهنم معبرة.
стр. 510
• حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن قال ثنا بشر بن موسى قال ثنا خلاد بن يحيى قال ثنا سفيان بن عبد الملك بن عمير عن أبي مسلم الخولاني. قال:
أربع لا يتقبلن في أربع؛ في جهاد، ولا حج، ولا عمرة، ولا صدقة؛ الغول، ومال اليتيم، والخيانة، والسرقة. رواه جرير وعنبسة في جماعة عن عبد الملك.
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا محمد بن عبد الملك قال ثنا أبو اليمان قال ثنا إسماعيل عن شرحبيل بن مسلم عن مسلم الخولاني:
أن كعب الأحبار قال له كيف تجد لك قومك يا أبا مسلم؟ [أجدهم يا أبا إسحاق يجلوني ويكرموني فقال له كعب: ما هكذا تقول التوراة يا أبا مسلم.
فقال] (١) أبو مسلم وكيف تقول التوراة يا أبا إسحاق؟ فقال كعب يا أبا مسلم إن التوراة: نقول إن أعدى الناس بالرجل الصالح قومه يخاصمه الأقرب فالأقرب، قال أبو مسلم وصدقت التوراة.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد قال وجدت في كتاب أبي بخط يده - يحدث عن محمد بن شعيب عن بعض مشيخة دمشق قال:
أقبلنا من أرض الروم قال فلما خرجنا من حمص متوجهين إلى دمشق مررنا بالعمير الذي يلي حمص على نحو من أربعة أميال في آخر الليل، فلما سمع الراهب الذي في الصومعة كلامنا اطلع الينا. فقال: ما أنتم يا قوم؟ فقلنا ناس من أهل دمشق أقبلنا من أرض الروم، فقال هل تعرفون أبا مسلم الخولاني؟ فقلنا نعم! قال فاذا أتيتموه فاقرءوه السلام وأعلموه أنا نجده في الكتب رفيق عيسى ابن مريم ﵇، أما إنكم إن كنتم تعرفونه لا تجدونه حيا. قال فلما أشرفنا الغوطة بلغنا موته.
• حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد قال ثنا عبد الملك بن محمد بن عدي قال ثنا صالح بن علي النوفلي قال ثنا عبد الوهاب بن نجدة قال ثنا إسماعيل بن عياش عن شرحبيل الخولاني. قال: بينا الأسود بن قيس بن ذى الحمار
стр. 511
العنسي (١) باليمن، فأرسل إلى أبي مسلم فقال له أتشهد أن محمدا ﷺ رسول الله؟ قال نعم قال فتشهد أني رسول الله؟ قال ما أسمع.
قال فأمر بنار عظيمة فأججت وطرح فيها أبو مسلم فلم تضره، فقال له أهل مملكته: إن تركت هذا في بلدك أفسدها عليك، فأمره بالرحيل فقدم المدينة وقد قبض رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر، فعقل [راحلته] على باب المسجد وقام إلى سارية من سوارى المسجد يصلى إليها، فبصره به عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأتاه فقال من أين الرجل؟ قال من اليمن، قال فما فعل عدو الله بصاحبنا الذي حرقه بالنار فلم تضره، قال ذاك عبد الله بن ثوب. قال: نشدتك بالله أنت هو؟ قال اللهم نعم! قال فقبل ما بين عينيه ثم جاء [به] حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر. وقال: الحمد لله الذي لم يمتني من الدنيا حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم [خليل الرحمن] ﵇. قال: الحوطي قال إسماعيل فأنا أدركت قوما من المدادين الذين مدوا من اليمن يقولون لقوم عن عنس: صاحبكم الذي حرق صاحبنا بالنار فلم تضره. أخبرنا ثابت بن أحمد قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا عبد الملك مثله والسياق له.
• حدثنا محمد بن حيان قال ثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد قال حدثني أبي قال ثنا ضمرة عن بلال بن كعب العكي. قال: كان الظبي يمر بأبي مسلم الخولاني فيقول له الصبيان ادع الله يحبسه علينا نأخذه بأيدينا، فكان يدعو الله فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم.
• حدثنا محمد بن أحمد بن محمد قال ثنا أبو زرعة قال ثنا سعيد بن أسد قال ثنا ضمرة عن عثمان بن عطاء عن أبيه. قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف إلى منزله من المسجد كبر على باب منزله فتكبر امرأته، فإذا كان فى صحن داره
стр. 512
كبر فتجيبه امرأته، [وإذا بلغ باب بيته كبر فتجيبه امرأته] فانصرف ذات ليلة فكبر عند باب داره فلم يجبه أحد، [فلما كان في الصحن كبر فلم يجبه أحد فلما كان عند باب بيته كبر فلم يجبه أحد]، وكان إذا دخل بيته أخذت امرأته رداءه ونعليه ثم أتته بطعامه، قال فدخل البيت فاذا البيت ليس فيه سراج وإذا امرأته جالسة في البيت منكسة تنكت بعود معها، فقال لها مالك؟ قالت أنت لك منزلة من معاوية وليس لنا خادم فلو سألته فأخدمنا وأعطاك، فقال اللهم من أفسد علي امرأتي فأعم بصرها. قال: وقد جاءتها امرأة قبل ذلك فقالت لها زوجك له منزلة من معاوية فلو قلت له يسأل معاوية يخدمه ويعطيه عشتم، قال فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذ أنكرت بصرها، فقالت ما لسراجكم طفئ؟ قالوا لا، فعرفت ذنبها فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي وتسأله أن يدعو الله لها أن يرد عليها بصرها، قال فرحمها أبو مسلم فدعا الله لها فرد عليها بصرها.
ومن مسانيد حديثه:
• حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل قال ثنا أبو العباس السراج قال ثنا الزبير بن بكار قال ثنا عبد العزيز عن ياسين بن عبد الله بن عروة عن أبي مسلم الخولاني عن معاوية بن أبي سفيان: أنه خطب الناس وقد حبس العطاء شهرين - أو ثلاثة -. فقال له أبو مسلم: يا معاوية إن هذا المال ليس بمالك ولا مال [أبيك ولا مال] أمك، فأشار معاوية إلى الناس أن امكثوا. ونزل (١)
[فاغتسل ثم رجع فقال: أيها الناس إن أبا مسلم ذكر أن هذا المال ليس بمالي ولا بمال أبي ولا أمي وصدق أبو مسلم، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الغضب من الشيطان، والشيطان من النار، والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل» اغدوا على عطاياكم على بركة الله .
стр. 513
• حدثنا أبو بكر بن خلاد أخبرنا الحارث بن أبي أسامة ثنا كثير بن هشام قال: ثنا جعفر بن برقان قال: ثنا حبيب بن أبي مرزوق عن عطاء بن أبي رباح عن أبي مسلم الخولاني. قال: دخلت مسجد دمشق فإذا فيه نحو من ثلاثين كهلا من أصحاب النبي ﷺ ، وإذا فيهم شاب أكحل العينين براق الثنايا لا يتكلم ساكت، فإذا امترى القوم في شيء أقبلوا عليه فسألوه، فقلت لجليس لي من هذا؟ قال هذا معاذ بن جبل، فوقع في نفسي حبه فمكثت معهم حتى تفرقوا ثم هجرت (١) إلى المسجد فإذا معاذ بن جبل قائم يصلى إلى سارية فصليت ثم جلست فاحتبيت بردائي وجلس فسكت لا أكلمه وسكت لا يكلمني، ثم قلت إني والله لأحبك، قال: فيم تحبني؟ قلت: في الله . قال: فأخذ بحبوتى فجرنى إليه هنيهة ثم قال: أبشر إن كنت صادقا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء». قال: فخرجت فلقيت عبادة بن الصامت فقلت يا أبا الوليد ألا أحدثك ما حدثني به معاذ بن جبل في المتحابين؟ قال وأنا أحدثك عن النبي ﷺ يرفعه إلى الرب . قال:
«حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتناصحين في».
وعن جبير بن نفير عن أبي مسلم الخولاني أنه سمعه يقول: إن رسول الله ﷺ . قال: «ما أوحى الله إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين». رواه جبير عن أبي مسلم مرسلا] (٢).
الحسن البصري
ومنهم حليف الخوف والحزن، أليف الهم والشجن، عديم النوم والوسن
стр. 514
أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن. الفقيه الزاهد، المتشمر العابد، كان لفضول الدنيا وزينتها نابذا، ولشهوة النفس ونخوتها واقذا (١).
وقد قيل: إن التصوف التنقية من الدرن، والتوقية من البدن، للتبقية في العدن.
• حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن مخلد قال ثنا أحمد بن موسى الشوطي قال ثنا محمد بن سابق قال ثنا مالك بن مغول عن محمد بن جحادة عن الحسن قال: ذهبت المعارف وبقيت المناكر، ومن بقي من المسلمين فهو مغموم.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال ثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث قال ثنا محمد بن المغيرة قال ثنا عمران بن خالد. قال: قال الحسن: إن المؤمن يصبح حزينا ويمسي حزينا ولا يسعه غير ذلك، لأنه بين مخافتين؛ بين ذنب قد مضى لا يدرى ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيب فيه من المهالك.
• حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل قال ثنا أبو العباس السراج قال ثنا حاتم بن الليث قال ثنا قبيصة قال ثنا سفيان الثوري عن يونس. قال: كان الحسن ﵀ قلبه محزونا.
• حدثنا أحمد بن محمد بن الفضل قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا حاتم بن الليث قال ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل قال ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي قال ثنا الحجاج بن دينار. قال: كان الحكم ابن [حجل] (٢) صديقا لابن سيرين، فلما مات ابن سيرين حزن عليه حتى جعل يعاد كما يعاد المريض، فحدث بعد قال رأيت أخي في المنام - يعني ابن سيرين - فرأيته في قصر فذكر من هيئته وأنه على أفضل حال. فقلت له: أي أخي قد أراك في حال يسرني فما صنع الحسن؟ قال رفع فوقى بتسعين (٣)
درجة، فقلت ومم ذاك؟ قال بطول حزنه.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال ثنا علي بن مسلم قال ثنا سيار قال ثنا عبيد الله بن شميط حدثني أبي. قال: سمعت الحسن يقول: إن المؤمن يصبح
стр. 515
حزينا ويمسي حزينا وينقلب باليقين في الحزن، ويكفيه ما يكفي العنيزة الكف من التمر والشربة من الماء.
• حدثنا أبو محمد بن حيان قال: ثنا عبد الله بن أبي داود قال: ثنا علي بن مسلم قال: ثنا عباد عن هشام عن الحسن. قال: إن المؤمن يصبح حزينا ويمسي حزينا وينقلب في الحزن ويكفيه ما يكفي العنيزة.
• حدثنا محمد بن علي قال: ثنا أبو عروبة قال ثنا أبو الأشعث قال: ثنا حزم بن أبي حزم. قال: سمعت الحسن يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما يسع المؤمن في دينه إلا الحزن.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: ثنا جعفر بن سليمان قال: ثنا إبراهيم بن عيسى اليشكري. قال: ما رأيت [أحدا] أطول حزنا من الحسن، وما رأيته قط إلا حسبته حديث عهد بمصيبة.
• حدثنا أحمد بن إسحاق قال:
ثنا محمد بن العباس بن أيوب قال ثنا علي بن مسلم قال ثنا زافر بن سليمان قال:
ذكر أبو مروان بشر الرحال عن الحسن. قال: يحق لمن يعلم أن الموت مورده وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه.
• حدثنا مخلد بن جعفر قال ثنا سعيد بن عجب قال: ثنا سعيد بن بهلوان قال:
ثنا عباد بن كليب عن أسد بن سليمان عن الحسن. قال: طول الحزن في الدنيا تلقيح العمل الصالح.
• حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن قال: ثنا بشر بن موسى قال ثنا عبد الصمد بن حسان قال ثنا السري بن يحيى عن الحسن: أنه قال:
والله ما من الناس رجل أدرك القرن الأول أصبح بين ظهرانيكم، إلا أصبح مغموما وأمسى مغموما.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: ثنا عبد الله بن أحمد قال: ثنا علي بن مسلم قال ثنا سيار قال ثنا جعفر قال سمعت هشام بن حسان قال ثنا السري ابن يحيى عن الحسن أنه قال: والله لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا حزن وذبل، وإلا نصب، وإلا ذاب و [إلا] تعب.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال ثنا علي بن مسلم قال ثنا سيار قال ثنا جعفر قال سمعت حوشبا يقول: سمعت الحسن يحلف بالله يقول:
стр. 516
وليشتدن (١) في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك.
• حدثنا أبي قال ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال ثنا أبو حميد أحمد ابن محمد الحمصي قال ثنا يحيى بن سعيد قال ثنا يزيد بن عطاء عن علقمة بن مرثد قال: انتهى الزهد إلى ثمانية من التابعين؛ فمنهم الحسن بن أبي الحسن (٢) فما رأينا أحدا من الناس كان أطول حزنا منه، ما كنا نراه إلا أنه حديث عهد بمصيبة ثم قال: نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا فقال:
لا أقبل منكم شيئا، ويحك يا ابن آدم هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إنه من عصى الله فقد حاربه. والله لقد أدركت سبعين بدريا أكثر لباسهم الصوف، ولو (٣) رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رأوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق، ولو رأوا شراركم لقالوا ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب. ولقد رأيت أقواما [كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه ولقد رأيت أقواما] يمسي أحدهم وما يجد عنده إلا قوتا فيقول لا أجعل هذا كله في بطني، لأجعلن بعضه لله فيتصدق ببعضه، وإن كان هو أحوج ممن يتصدق به عليه.
[كتابه إلى عمر بن عبد العزيز]
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا أبو العباس السراج قال ثنا عبيد الله ابن حرب بن جبلة قال ثنا حمزة بن رشيد أبو علي قال حدثني عمرو بن عبد الله القرشي عن أبي حميد الشامي قال: كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز.
وحدثني محمد بن بدر قال: ثنا حماد بن مدرك قال: ثنا يعقوب بن سفيان قال ثنا محمد بن يزيد الليثي قال: ثنا معن بن عيسى قال: ثنا إبراهيم عن عبد الله بن أبي الأسود عن الحسن: أنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز - والسياق لأبي حميد الشامي -:
اعلم أن التفكر يدعو إلى الخير والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى
стр. 517
تركه، وليس ما يفنى وإن كان كان كثيرا يعدل ما يبقى وإن كان طلبه عزيزا، واحتمال المئونة المنقطعة التي تعقب الراحة الطويلة خير من تعجيل راحة منقطعة تعقب مئونة باقية، فاحذر هذه الدار الصارعة الخادعة الخاتلة التى قد تزينت بخدعها، وغرت بغرورها، وقتلت أهلها بأملها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المجلوة. العيون إليها ناظرة، والنفوس لها عاشقة، والقلوب إليها والهة، ولألبابها دامغة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة. فلا الباقي بالماضي معتبر، ولا الآخر بما رأى من الأول مزدجر، ولا اللبيب بكثرة التجارب منتفع، ولا العارف [بالله] والمصدق له حين أخبر عنها مذكر. فأبت القلوب لها إلا حبا، وأبت النفوس بها إلا ضنا. وما هذا منالها إلا عشقا، ومن عشق شيئا لم يعقل غيره، ومات في طلبه أو (١) يظفر به، فهما عاشقان طالبان لها؛ فعاشق قد ظفر بها واغتر وطغى ونسى بها المبدأ والمعاد. فشغل بها لبه، وذهل فيها عقله، حتى زلت عنها قدمه، وجاءته أسر ما كانت له منيته (٢) فعظمت ندامته، وكسرت حسرته، واشتدت كربته مع ما عالج من سكرته. واجتمعت عليه سكرات الموت بألمه (٣)، وحسرة الموت بغصته، غير موصوف ما نزل به. وآخر مات قبل أن يظفر منها بحاجته فذهب بكربه وغمه لم يدرك منها ما طلب، ولم يرح نفسه من التعب والنصب. خرجا جميعا بغير زاد، وقدما على غير مهاد.
فاحذرها الحذر كله فإنها مثل الحية لئن مسها وسمها يقتل، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، وضع عنك همومها لما عاينت من فجائعها، وأيقنت به من فراقها، وشدد ما اشتد منها لرخاء ما يصيبك (٤) وكن [أسر] ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور له أشخصته عنها بمكروه، وكلما ظفر بشيء منها وثنى رجلا عليه انقلبت به،
стр. 518
فالسار فيها غار، والنافع فيها عدا صار (١)، وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، سرورها مشوب بالحزن، وآخر الحياة فيها الضعف والوهن، فانظر إليها نظر الزاهد المفارق، ولا تنظر نظر العاشق الوامق واعلم أنها تزيل الثاوي الساكن، وتفجع المغرور الآمن. لا يرجع ما تولى منها فأدبر، ولا يدرى ما هو آت فيها فينتظر.
فاحذرها فإن أمانيها كاذبة، وإن آمالها باطلة، عيشها نكد، وصفوها كدر، وأنت منها على خطر. إما نعمة زائلة، وإما بلية نازلة، وإما مصيبة موجعة، وإما منية قاضية، فلقد كدت عليه المعيشة إن عقل، وهو من النعماء على خطر، ومن البلوى على حذر، ومن المنايا على يقين؛ فلو كان الخالق تعالى لم يخبر عنها بخبر، ولم يضرب لها مثلا، ولم يأمر فيها بزهد؛ لكانت.
الدار قد أيقظت النائم، ونبهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله تعالى عنها زاجر، وفيها واعظ. فما لها عند الله قدر، ولا لها عند الله تعالى وزن من الصغر، ولا تزن عند الله تعالى مقدار حصاة من الحصا، ولا مقدار ثراة فى جميع الثرى (٢)، ولا خلق خلقا - فيما بلغت - أبغض إليه من الدنيا، ولا نظر إليها منذ خلقها مقتالها، ولقد عرضت على نبينا ﷺ بمفاتيحها وخزائنها ولم ينقصه ذلك عنده جناح بعوضة فأبى أن يقبلها، وما منعه من القبول لها، ولا ينقصه عند الله تعالى شيء إلا أنه علم أن الله تعالى أبغض شيئا فأبغضه، وصغر شيئا فصغره، ووضع شيئا فوضعه، ولو قبلها كان الدليل على حبه إياها قبولها، ولكنه كره أن يحب ما أبغض خالقه، وأن يرفع ما وضع مليكه.
ولو لم يدله على صغر هذه الدار إلا أن الله تعالى حقرها أن يجعل خيرها ثوابا المطيعين، وأن يجعل عقوبتها عذابا للعاصين. فأخرج ثواب الطاعة منها وأخرج عقوبة المعصية عنها. وقد يدلك على شر هذه الدار أن الله تعالى
стр. 519
زواها عن أنبيائه وأحبائه اختبارا، وبسطا لغيرهم اعتبارا واغترارا؛ ويظن المغرور بها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها، ونسي ما صنع بمحمد المصطفى ﷺ وموسى المختار ﵇ بالكلام له وبمناجاته. «فأما محمد ﷺ فشد الحجر على بطنه من الجوع» وأما موسى ﵇ فرئى خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله، ما سأل الله تعالى يوم أوى إلى الظل إلا طعاما يأكله من جوعه ولقد جاءت الروايات عنه أن الله تعالى أوحى إليه؛ أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجلت عقوبته. وإن شئت ثلثته بصاحب الروح والكلمة (١) ففي أمره عجيبة. كان يقول أدمي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلي، وسراجى بالليل القمر، وصلابتى في الشتاء الشمس، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام. أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني. ولو شئت ربعت بسليمان ابن داود ﵉، فليس دونهم في العجب. يأكل خبز الشعير في خاصته ويطعم أهله الخشكار والناس الدرمك (٢) فإذا جنه الليل لبس المسوح وغل اليد إلى العنق وبات باكيا حتى يصبح، يأكل الخشن من الطعام ويلبس الشعر من الثياب. كل هذا يبغضون ما أبغض الله ، ويصغرون ما صغر الله تعالى، ويزهدون فيما فيه زهد. ثم اقتص الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم وألزموا الكد والعير (٣). وألطفوا التفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير، عن متاع الغرور الذى إلى الفناء يصير، ونظروا إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها؛ ثم ألزموا أنفسهم الصبر أنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحل الشبع منها إلا في حال الضرورة إليها؛ فأكلوا منها بقدر ما يرد النفس ويقي
стр. 520
الروح. ومكن اليوم (١) وجعلوها بمنزلة الجيفة التى قد اشتد نتن ريحها فكل من مر بها أمسك على أنفه منها، فهم يصيبون منها لحال الضر ولا ينتهون منها إلى الشبع من النتن، فقرنت (٢) عنهم وكانت هذه منزلتها من أنفسهم، فهم يعجبون من الآكل منها شبعا، والمتلذذ بها أشرا. ويقولون في أنفسهم أما ترى هؤلاء لا يخافون من الأكل، أما يجدون ريح النتن؟ وهي والله يا أخي في العاقبة والآجلة أنتن من الجيفة المرصوفة، غير أن أقواما استعجلوا الصبر فلا يجدون ريح النتن، والذي نشأ في ريح الإرهاب النتن لا يجد نتنه، ولا يجد من ريحه ما يؤذي المارة والجالس عنده (٣)، وقد يكفى العاقل منها أنه من مات عنها وترك مالا كثيرا سره أنه كان فيها فقيرا، أو شريفا أنه كان فيها وضيعا، أو كان فيها معافى سره أنه كان فيها مبتلى، أو كان مسلطنا سره أنه كان فيها سوقة. وإن فارقتها سرك أنك كنت أوضع أهلها ضعة، وأشدهم فيها فاقة، أليس ذلك الدليل على خزيها لمن يعقل أمرها.
والله لو كانت الدنيا من أراد منها شيئا وجده إلى جنبه من غير طلب ولا نصب غير أنه إذا أخذ منها شيئا لزمته حقوق الله فيه وسأله عنه ووقفه على حسابه لكان ينبغي للعاقل أن لا يأخذ منها إلا قدر قوته وما يكفي، حذر السؤال وكراهية لشدة الحساب، وإنما الدنيا إذا فكرت فيها ثلاثة أيام؛ يوم [مضى] لا ترجوه، ويوم أنت فيه ينبغى لك أن تغتنمه، ويوم [يأتي] لا تدري أنت من أهله أم لا؟ ولا تدري لعلك تموت قبله. فأما أمس فحكيم مؤدب، وأما اليوم فصديق مودع، غير أن أمس وإن كان [قد] فجعك بنفسه فقد أبقى في يديك حكمته، وإن كنت قد أضعته فقد جاءك خلف منه وقد كان عنك طويل الغيبة وهو الآن عنك سريع الرحلة، وغدا أيضا في يديك منه أمله. فخذ الثقة بالعمل، واترك الغرور بالأمل قبل حلول الأجل، وإياك أن تدخل على اليوم هم غد أوهم ما بعده - زدت في حزنك وتعبك وأردت أن
стр. 521
تجمع في يومك ما يكفيك أيامك، هيهات كثر الشعل وزاد الحزن وعظم التعب وأضاع العبد العمل بالأمل. ولو أن الأمل في غدك خرج من قلبك أحسنت اليوم في عملك، واقتصرت لهم يومك، غير أن الأمل منك في الغد دعاك الى التفريط، ودعاك إلى المزيد في الطلب، ولئن شئت واقتصرت لأصفن لك الدنيا ساعة بين ساعتين، ساعة ماضية، وساعة آتية، وساعة أنت فيها. فاما الماضية والباقية فليس تجد لراحتهما لذة، ولا لبلائهما ألما.
стр. 522
خير العواقب، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا أبو طالب بن سوادة قال ثنا يوسف بن بحر المروزي قال ثنا عبد الوهاب بن عطاء قال ثنا أبو عبيدة سعيد بن رزين (١) قال سمعت الحسن يعظ أصحابه يقول: إن الدنيا دار عمل من صحبها بالنقص لها والزهادة فيها سعد بها ونفعته صحبتها، ومن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شقي بها وأجحف بحظه من الله ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به من عذاب الله، فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب والله تعالى ولي ميراثها، وأهلها محولون عنها إلى منازل لا تبلى ولا يغيرها طول الثواء منها يخرجون. فاحذروا - ولا قوة إلا بالله - ذلك الموطن، وأكثروا ذكر ذلك المنفلت، واقطع يا ابن آدم من الدنيا أكثر همك، أو لتقطعن حبالها بك فينقطع ذكر ما خلقت له من نفسك ويزيغ عن الحق قلبك، وتميل إلى الدنيا فترديك وتلك منازل سوء بين ضرها، منقطع نفعها مفضية والله بأهلها إلى ندامة طويلة وعذاب شديد، فلا تكونن يا ابن آدم مغترا، ولا تأمن ما لم يأتك الأمان منه، فإن الهول الأعظم ومفظعات الأمور أمامك لم تخلص منها حتى الآن، ولا بد من ذلك المسلك وحضور تلك الأمور إما يعافيك من شرها وينجيك من أهوالها، وإما الهلكة. وهي منازل شديدة مخوفة محذورة مفزعة للقلوب، فلذلك فاعدد، ومن شرها فاهرب، ولا يلهينك المتاع القليل الفانى ولا تربص بنفسك فهي سريعة الانتقاص (٢) من عمرك فبادر أجلك، ولا تقل غدا غدا فإنك لا تدري متى إلى الله تصير! واعلموا أن الناس أصبحوا جادين في زينة الدنيا يضربون في [كل] غمرة وكل معجب بما هو فيه، راض به حريص على أن يزداد منه، فما لم يكن من ذلك لله وفي طاعة الله فقد [خسر أهله وضاع سعيه، وما كان من ذلك في الله وفي طاعة الله فقد] أصاب أهله به وجه أمرهم، ووفقوا فيه بحظهم، عندهم كتاب الله وعهده وذكر ما مضى وذكر ما بقي، والخبر عمن وراءهم. كذلك أمر الله اليوم وقبل ذلك أمره فيمن مضى
стр. 523
لأن حجة الله بالغة، والعذر بارز، وكل مواف الله ولما عمل. ثم يكون القضاء من الله في عباده على أحد أمرين: فمقضي له رحمته وثوابه فيا لها نعمة وكرامة ومقضي له سخطه وعقوبته فيا لها حسرة وندامة، ولكن حق على من جاءه البيان من الله بأن هذا أمره وهو واقع أن يصغر في عينه ما هو عند الله صغير، وأن يعظم في نفسه ما هو عند الله عظيم، أو ليس ما ذكر الله من الكراهة لأهلها فيما بعد الموت والهوان ما يطيب نفس امرئ عن عيشة دنياه، فإنها قد أذنت بزوال. لا يدوم نعيمها، ولا يؤمن فجائعها، يبلى جديدها، ويسقم صحيحها، ويفتقر غنيها. ميالة بأهلها، لعابة بهم على كل حال. ففيها عبرة لمن اعتبر، وبيان فعلى م تنتظر.
يا ابن آدم أنت اليوم في دار هي لافظتك وكأن قد بدا لك أمرها فالى الصرام ما يكون سريعا (١) ثم يفضى بأهلها إلى أشد الأمور وأعظمها خطرا، فاتق الله يا ابن آدم وليكن (سعيك في دنياك) لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شيء إلا ما صدرت أمامك، فلا تدخرن عن نفسك مالك، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك، ولكن تزود لبعد الشقة، واعدد العدة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك من قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد، فإذا أنت يا ابن آدم قد ندمت حيث لا تغني الندامة عنك، ارفض الدنيا ولتسخ بها نفسك ودع منها الفضل فإنك إذا فعلت ذلك أصبت أربح الأثمان من نعيم لا يزول، ونجوت من عذاب شديد ليس لأهله راحة ولا فترة (٢)، فاكدح لما خلقت له قبل أن تفرق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها، صاحب الدنيا بجسدك، وفارقها بقلبك، ولينفعك ما قد رأيت مما قد سلف بين يديك من العمر، وحال بين أهل الدنيا وبين ما هم فيه فإنه عن قليل فناؤه، ومخوف وباله، وليزدك إعجاب أهلها بها زهدا فيها
стр. 524
وحذرا منها، فإن الصالحين كذلك كانوا.
واعلم يا ابن آدم أنك تطلب أمرا عظيما لا يقصر فيه إلا المحروم الهالك، فلا تركب الغرور وأنت ترى سبيله؛ ولا تدع حظك وقد عرض عليك، وأنت مسئول ومقول لك فأخلص عملك، وإذا أصبحت فانتظر الموت، وإذا أمسيت فكن على ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله. وإن أنجى الناس من عمل بما أنزل الله في الرخاء والبلاء، وأمر العباد بطاعة الله وطاعة رسوله، فإنكم أصبحتم في دار مذمومة خلقت فتنة وضرب لأهلها أجل إذا انتهوا إليه يبيد.
أخرج نباتها، وبث فيها من كل دابة، ثم أخبرهم بالذي هم إليه صائرون، وأمر عباده فيما أخرج لهم من ذلك بطاعته، وبين لهم سبيلها - يعني سبيل الطاعة - ووعدهم عليها الجنة، وهم في قبضته ليس منهم بمعجز له، وليس شيء من أعمالهم يخفى عليه. سعيهم فيها شتى بين عاص ومطيع له، ولكل جزاء من الله بما عمل، ونصيب غير منقوص. ولم أسمع الله تعالى فيما عهد إلى عباده، وأنزل عليهم في كتابه رغب في الدنيا أحدا من خلقه، ولا رضي له بالطمأنينة فيها، ولا الركون إليها، بل صرف الآيات وضرب الأمثال بالعيب لها، والنهي عنها، ورغب في غيرها. وقد بين لعباده [أن] الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم الشأن، هائل المطلع، نقلهم عنه - أراه إلى دار لا يشبه ثوابهم ثوابا، ولا عقابهم عقابا، لكنها دار خلود يدين الله تعالى فيها العباد بأعمالهم ثم ينزلهم منازلهم، لا يتغير فيها بؤس عن أهلها ولا نعيم، فرحم الله عبدا طلب الحلال جهده حتى إذا دار في يده وجهه وجهه الذي هو وجهه.
ويحك يا ابن آدم ما يضرك الذي أصابك من شدائد الدنيا إذا خلص لك خير الآخرة؛ ﴿ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر﴾؛ هذا فضح القوم. ألهاكم التكاثر عن الجنة عند دعوة الله تعالى وكرامته، والله لقد صحبنا أقواما كانوا يقولون ليس لنا في الدنيا حاجة، ليس لها خلقنا، فطلبوا الجنة بغدوهم ورواحهم وسهرهم نعم والله حتى أهرقوا فيها دماءهم ورجوا فأفلحوا ونجوا.
стр. 525
خائفا [حتى إذا دخل إلى أهله إن قرب إليه شيء أكله وإلا سكت لا يسألهم عن شيء ما هذا وما هذا، ثم قال:
ليس من مات فاستراح بميت … إنما الميت ميت الأحياء.
• حدثنا أبو محمد بن حيان قال ثنا محمد بن عبد الله بن رسته قال ثنا طالوت ابن عباد قال ثنا عبد المؤمن أن عبيد الله بن (١) الحسن. قال: يا ابن آدم عملك عملك فإنما هو لحمك ودمك، فانظر على أي حال تلقى عملك، إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها، صدق الحديث، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، ورحمة الضعفاء، وقلة الفخر والخيلاء، وبذل المعروف، وقلة المباهاة للناس، وحسن الخلق، وسعة الخلق مما يقرب إلى الله . يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره، فلا تحقرن من الخير شيئا وإن هو صغر فإنك إذا رأيته سرك مكانه، ولا تحقرن من الشر شيئا فانك إذا رأيته ساءك مكانه، فرحم الله رجلا كسب طيبا وأنفق قصدا، وقدم فضلا ليوم فقره وفاقته، هيهات هيهات ذهبت الدنيا بحالتي مآلها وبقيت الأعمال قلائد في أعناقكم، أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وقد أسرع بخياركم فما تنتظرون؟ المعاينة فكأن قد. إنه لا كتاب بعد كتابكم، ولا نبي بعد نبيكم. يا ابن آدم بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبيعن آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال ثنا محمد بن سابق قال ثنا مالك بن مغول عن حميد. قال: بينما الحسن في يوم من رجب في المسجد وهو يمص ماء ويمجه، تنفس تنفسا شديدا ثم بكى حتى ارتعدت منكباه. ثم قال: لو أن بالقلوب حياة، لو أن بالقلوب صلاحا، لأبكيتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة، إن ليلة تمخض عن صبيحة يوم القيامة ما سمع الخلائق بيوم قط أكثر فيه من عورة بادية،
стр. 526
ولا عين باكية، من يوم القيامة.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي قال ثنا محمد بن سابق قال ثنا بن مغول. قال: قال الحسن: غدا كل امرئ فيما يهمه، ومن هم بشيء أكثر من ذكره، إنه لا عاجلة لمن لا آخرة له، ومن آثر دنياه على آخرته فلا دنيا له ولا آخرة.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد قال ثنا علي بن مسلم قال ثنا سيار قال ثنا جعفر قال ثنا إبراهيم بن عيسى اليشكري قال: سمعت الحسن إذا ذكر صاحب الدنيا يقول: والله ما بقيت له ولا بقي لها، ولا سلم من تبعتها ولا شرها ولا حسابها، ولقد أخرج منها في خرق.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن معبد قال: ثنا عبد الله بن محمد بن النعمان قال ثنا محمد بن آدم المصيصى - وكان يقال إنه من الأبدال - قال ثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن الحسن: في قوله : ﴿(هاؤم اقرؤا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه)﴾ قال إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن فأساء العمل.
• حدثنا أبو مسعود عبد الله بن محمد بن أحمد الأديب قال: ثنا محمد بن أحمد بن سليمان الهروي قال ثنا أبو حاتم السجستاني قال: ثنا الأصمعي قال: ثنا عيسى بن عمر قال قال الحسن: حادثوا هذه القلوب فإنها سريعة الدثور، واقرعوا النفوس فإنها خليعة] وإنكم إن أطعمتموها تنزل بكم إلى شر غاية.
• حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله القاري قال: ثنا عبيد بن الحسن قال: ثنا سليمان بن داود قال ثنا أبو معاوية الضرير قال ثنا العوام بن حوشب قال سمعت الحسن يقول: من كانت له أربع خلال حرمه الله على النار، وأعاذه من الشيطان من يملك نفسه عند الرغبة، والرهبة، وعند الشهوة، وعند الغضب.
стр. 527
على عبد الله بن الأهتم فإذا هو يجود بنفسه، فقلنا يا أبا معمر كيف تجدك؟ قال أجدنى والله وجعا، ولا أظنني إلا لما بي. ولكن ما تقولون في مائة ألف في هذا الصندوق لم تؤد منها زكاة، ولم يوصل منها رحم؟ فقلنا: يا أبا معمر فلم كنت تجمعها؟ قال كنت والله أجمعها لروعة الزمان، وجفوة السلطان، ومكاثرة العشيرة. فقال الحسن: انظروا هذا البائس أنى أتاه [الشيطان]؛ فحذره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، عما استودعه الله إياه، وعمره (١) فيه.
خرج والله منه كئيبا حزينا ذميما مليما، إيها عنك أيها الوارث لا تخدع كما خدع صويحبك أمامك، أتاك هذا المال حلالا فإياك وإياك أن يكون وبالا عليك، أتاك والله ممن كان له جموعا منوعا يدأب فيه الليل والنهار، يقطع فيه المفاوز والقفاز، من باطل جمعه، ومن حق منعه، جمعه فأوعاه، وشده فأوكاه، لم يؤد منه زكاة، ولم يصل منه رحما. إن يوم القيامة ذو حسرات، وإن أعظم الحسرات غدا أن يرى أحدكم ماله في ميزان غيره، أو تدرون كيف ذا كم؟ رجل آتاه الله مالا وأمره بإنفاقه في صنوف حقوق الله فبخل به فورثه هذا الوارث فهو يراه في ميزان غيره. فيا لها عثرة لا تقال، وتوبة لا تنال.
• حدثنا أبي قال ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال ثنا محمد بن الوزير قال ثنا يزيد بن هارون قال قال أبو عبيدة. قال: الحسن: رحم الله امرأ عرف ثم صبر، ثم أبصر فبصر؛ فإن أقواما عرفوا فانتزع الجزع أبصارهم، فلا هم أدركوا ما طلبوا، ولا هم رجعوا إلى ما تركوا. اتقوا هذه الأهواء المضلة البعيدة من الله التي جماعها الضلالة وميعادها النار لهم محنة، من أصابها أضلته، ومن أصابته قتلته. يا ابن آدم دينك دينك فإنه هو لحمك ودمك [إن يسلم لك دينك يسلم لك لحمك ودمك] وإن تكن الأخرى فنعوذ بالله فإنها نار لا تطفى، وجرح لا يبرأ (٢) وعذاب لا ينفد أبدا، ونفس لا تموت. يا ابن آدم إنك موقوف بين يدي ربك ومرتهن بعملك، فخذ مما في يديك [لما
стр. 528
بين يديك]. عند الموت يأتيك الخبر، إنك مسئول ولا تجد جوابا، إن العبد لا يزال بخير ما كان له واعظ من نفسه وكانت المحاسبة من همه.
• حدثنا أبو بكر بن مالك قال ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي قال: ثنا صفوان بن عيسى قال ثنا هشام. قال: سمعت الحسن يقول: والله لقد أدركت أقواما ما طوي لأحدهم في بيته ثوب قط، ولا أمر في أهله بصنعة طعام قط، وما جعل بينه وبين الأرض شيئا قط، وإن كان أحدهم ليقول لوددت أني أكلت أكلة في جوفي مثل الآجرة. قال: ويقول بلغنا إن الآجرة تبقى في الماء ثلاثمائة سنة. ولقد أدركت أقواما إن كان أحدهم ليرث المال العظيم قال وإنه والله لمجهود شديد الجهد، قال فيقول لأخيه يا أخي إني [قد] علمت أن ذا ميراث وهو حلال ولكني أخاف أن يفسد علي قلبي وعملي فهو لك لا حاجة لي فيه، قال: فلا يرزأ منه شيئا أبدا و [إنه] مجهود شديد الجهد.
• حدثنا أبي قال ثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن قال: ثنا محمد بن الوزير قال ثنا يزيد (١) بن هارون قال قال: أبو عبيدة قال الحسن: يا ابن آدم سرطا سرطا (٢)، جمعا جمعا فى وعاء، وشدا شدا فى وكاء، ركوب الذلول ولبوس اللين، ثم قيل مات فأفضى والله إلى الآخرة. إن المؤمن عمل لله تعالى أياما يسيرة فو الله ما ندم أن يكون أصاب من نعيمها ورخائها، ولكن راقت الدنيا له فاستهانها وهضمها لآخرته وتزود منها فلم تكن الدنيا في نفسه بدار، ولم يرغب في نعيمها ولم يفرح برخائها ولم يتعاظم فى نفسه شيء من البلاء إن نزل به مع احتسابه للأجر عند الله ولم يحتسب نوال الدنيا حتى مضى راغبا راهبا فهنيئا هنيئا، فأمن الله بذلك روعته، وستر عورته ويسر حسابه، وكان الأكياس من المسلمين يقولون إنما [هو الغدو والرواح وحظ من الدلجة والاستقامة لا يلبثك يا ابن آدم أن] على الخير. حتى إن العبد إذا رزقه الله تعالى الجنة فقد أفلح. وإن الله تعالى لا يخدع عن جنته ولا
стр. 529
يعطى بالأمانى، وقد اهتد الشح وظهرت الأماني وتمنى المتمني في غروره.
• حدثنا عبد الله بن محمد قال ثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: ثنا أسامة عن سفيان عن عمران القصير. قال: سألت الحسن عن شيء فقلت إن الفقهاء يقولون كذا وكذا فقال: وهل رأيت فقيها بعينك؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه .
• حدثنا أبو حامد بن جبلة قال ثنا محمد بن إسحاق قال ثنا معمر عن سفيان بن عيينة عن أيوب. قال:
لو رأيت الحسن لقلت إنك لم تجالس فقيها قط.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر قال: ثنا عبد الله بن محمد بن أبي كامل قال ثنا هوذة بن خليفة عن عوف بن أبي جميلة الأعرابي. قال: كان الحسن ابنا لجارية أم سلمة زوج النبي ﷺ ، فبعثت أم سلمة جاريتها في حاجتها فبكى الحسن بكاء شديدا فرقت عليه أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فأخذته فوضعته في حجرها فألقمته ثديها فدر عليه فشرب منه، فكان يقال إن المبلغ الذي بلغه الحسن من الحكمة [من ذلك اللبن الذي شربه من أم سلمة زوج النبي ﷺ ].
• حدثنا عثمان بن محمد العثماني قال: ثنا محمد بن عبدوس الهاشمي قال: ثنا عياش بن يزيد قال: سمعت حفص بن غياث يقول سمعت الأعمش يقول: ما زال الحسن البصري يعي الحكمة حتى نطق بها، وكان إذا ذكر عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء.
стр. 530
عن الناس ورأيت الناس محتاجين إليه. قال: حسبك يا خالد كيف يضل قوم هذا فيهم.
• حدثنا عبد الله بن محمد بن الموفق قال: ثنا علي بن مسلم قال: ثنا أبو داود قال: ثنا طلحة بن عمرو الحضرمي قال: [قدم علينا الحسن فجلست إليه مع عطاء فسمعته يقول]: بلغنا أن الله تعالى يقول: يا ابن آدم خلقتك وتعبد غيري، وأذكرك وتنساني، وأدعوك وتفر مني (١)، إن هذا لأظلم ظلم في الأرض، ثم تلا الحسن ﴿(يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم)﴾.
• حدثنا أحمد بن جعفر بن معبد قال: ثنا أحمد بن مهدى قال: ثنا عبد الله ابن صالح قال: ثنا معاوية بن صالح عن أبي عبيد عن الحسن بن أبي الحسن.
قال: ما من رجل يرى نعمة الله عليه فيقول: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات؛ إلا أغناه الله تعالى وزاده.
• حدثنا سليمان بن أحمد قال: ثنا علي بن عبد العزيز قال ثنا عبيد الله بن محمد بن عائشة قال: ثنا صالح المري عن الحسن. قال: ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك.
• حدثنا عبد الله بن جعفر قال ثنا محمد بن نصير قال ثنا إسماعيل بن عمرو قال: ثنا مبارك بن فضالة قال: سمعت الحسن يقول: إن أفسق الفاسقين الذي يركب كل كبيرة، ويسحب على ثيابه ويقول: ليس علي بأس، سيعلم أن الله تعالى ربما عجل العقوبة في الدنيا وربما أخرها ليوم الحساب (٢).
• حدثنا أبو محمد بن حيان قال: ثنا أحمد بن جعفر الحمال قال: ثنا يعقوب الدشكى قال: ثنا عباد بن كليب قال ثنا موهب بن عبد الله. قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز كتب إليه الحسن البصري كتابا بدأ فيه بنفسه أما بعد؛ فإن الدنيا دار مخيفة، إنما أهبط آدم من الجنة إليها عقوبة، واعلم أن صرعتها ليست كالصرعة، من أكرمها يهن، ولها في كل حين قتيل. فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يصبر على شدة الدواء خيفة طول البلاء والسلام.